أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم فتحي - رواية الجريمة النشأة والتطور















المزيد.....

رواية الجريمة النشأة والتطور


إبراهيم فتحي

الحوار المتمدن-العدد: 5094 - 2016 / 3 / 5 - 13:21
المحور: الادب والفن
    


يظن بعض المفكرين أن قراءة قصص الجريمة (أو الروايات البوليسية) تسلية هروبية. وهذا الظن تدحضه حقيقة نجاحها الهائل، فملايين الناس في عشرات أقطار القارات جميعًا تقبل على قراءتها، ولابد أنها تمثل لهم احتياجًا. وترجع قصة أرسين لوبين البوليسية إلى الأدب الشعبي عن قطاع الطرق الأخيار أمثال روبين هود الذين يسرقون الطفيليين ويمنحون الفلاحين. وهذا التقليد مهيب عالميًا؛ إنه تقليد الحركات الاجتماعية المناوئة للأنظمة الإقطاعية وللرأسمالية البازغة. وظل هؤلاء الشجعان "الأخيار" ضمن النظام الأخلاقي للجماعة الفلاحية، وإن اعتبرتهم الأنظمة القمعية مجرمين خارجين على القانون.
وقد أعطت إسبانيا حكاية اللص الشريف اسمها كنوع أدبي، الحكاية البيكاريسك (حكاية البيكارو أو الصعلوك المتشرد) وهو أقرب إلى الفلاحين وأسهل لهم في التعامل معه مقارنة بالنبلاء والتجار. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي في أمريكا حيث لا يوجد نظام إقطاعي بل يسيطر الحكم المطلق البريطاني بكل عسفه تأججت الانتفاضة الشعبية ومعها قطاع الطرق الأخيار؛ رجال أحرار لا أسياد لهم. وقد أبدى فرويد تفضيلا كبيرًا لحكايات قطاع الطرق الأخيار، ورأى توازيًا بين وظيفة التحليل النفسي وحكاية البيكارو التي تشبه مرآة المجتمع من أسفل متحركة على طول الشوارع. كما أبدى الكتاب الليبراليون إعجابًا مماثلاً بهؤلاء الرجال الذين اعتبروهم أخيارًا لأنهم يقاومون القانون اللاإنساني الذي يعاديه هؤلاء الكتاب واعتبروا أن توجيه الضربات يجب أن يكون ضد المؤسسة العفنة لا ضد الذين يتحدونها.
وكان من النماذج الأساسية للسرد القصصي ارتكاب جريمة والكشف عنها وعن دوافع ارتكابها واتهام مرتكبها ومحاكمته وعقابه، وكان ذلك متحققًا في الملامح المبكرة وفي التراجيديات الكلاسيكية. وأشهر من قام بدور المحقق السري كلاسيكيًا هو أوديب الذي قام بدور مزدوج، أولا المحقق ثم بعد ذلك دور المجرم. وينطبق المسار نفسه على هاملت الذي يبدأ بدور المحقق في قتل ملك وانتهى بأن يقتل هو ملكًا وآخرين. ولكن منذ العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ازدهرت قصص الجريمة خلال الرواية البوليسية ثم أخيرًا في السينما والتليفزيون. ويعَد إدرجار آلان بو في عمله "شارع معرض الجثث" وتشارلس ديكنز في "البيت الكئيب" ودوستويفسكي في "الجريمة والعقاب" من الآباء المؤسسين لهذا النوع الأدبي. وهناك اتفاق حول أن القصة البوليسية بلغت سن الرشد عندما ابتكر آرثر كونان دويل شخصية شرلوك هولمز، وركزت الأعمال النقدية المصاحبة لهذا النوع الأدبي على تبني التعاطف مع المحقق باعتباره الشخصية الرئيسية. ولكن رجوعًا إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر كانت الأغلبية العظمى من الطبقات الوسطى والمثقفين معادية للبوليس. ففي معظم البلاد الغربية آنذاك كان جهاز الدولة ما يزال شبه إقطاعي على النقيض من نظام المجتمع الذي تطور إلى الرأسمالية دون أن يلحق به جهاز الدولة. وكانت الطبقة الرأسمالية معادية لهذا الجهاز (للبوليس خصوصًا)، أما حيث كانت الدولة بأجهزتها قد تحولت إلى دولة رأسمالية في بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا والولايات المتحدة فقد فضلت البرجوازية الليبرالية أن تكون الدولة ضعيفة لأن هذه البرجوازية واثقة من أن قوانين السوق تكفي لسيادة حكمها. وكان إنفاق الدولة يعتبر خسارة إذ يخفض من مقدار رأس المال الذي كان من الممكن تراكمه لحساب رجال الأعمال. وكانت قوة البوليس تعتبر شرًا ضروريًا ينتقص من حريات الفرد وحقوقه؛ فمن الأفضل أن يكون البوليس أضعف. وعلى أي حال كان هناك سبب عملي لمعاداة البوليس، فقانون الإفلاس في بريطانيا ظل يعتبر الإعسار جريمة، وصارت السجون تضم مدينين أكثر مما تضم لصوصًأ أو قتلة، وكان القضاة وموظفو البوليس والسجون يشتغلون على الديون والحوالات والفواتير أكثر مما يشتغلون على الجرائم، فكان معظم الضحايا من تجار الطبقة الوسطى وعملائهم المحترمين كما يصور ديكنز في رواية "البيت الكئيب". فليس من المدهش أن تميل الطبقات الوسطى إلى معاداة القانون وفرضه عن طريق البوليس.
ثم بدأ ذلك في التغير بين 1830 و1840 في سنوات النتفاضة الطبقات الأدنى لتحسين وضعها، وقد اتصفت تلك النتفاضة أحيانًا بالعنف مما سبب فزع البرجوازية واحتياجها إلى دولة أقوى ذات قوة بوليس أقوى لمواجهة انتفاضة تعتبرها البرجوازية إجرامية. وحدث تغير آخر أثناء تلك الفترة، فقد صارت الجريمة مشروعًا رأسماليًا على نحو متزايد كما يقول إرنست ماندل في كتابه عن التاريخ الاجتماعي لقصة الجريمة وعنوانه "جريمة القتل البهيجة". ففي عام 1860 صارت جريمة الاحتيال لاغتصاب المال والملكية هي الجريمة الشائعة، وامتلأت السجون بالنصابين بعد أن خرج منها المدينون. ولم يعد الذين يقومون بتنفيذ القانون أشرارًا في الاعتبار بل صاروا أخيارًا. وكانوا ينتصرون في نهاية الروايات البوليسية الأولى. ولم يكن رجال البوليس من الوجهاء والأعيان بل انتموا إلى الطبقة الوسطى وكان البطل الحقيقي للقصة البوليسية هو الهاوي الذي يعمل بوليسًا سريًا وينتمي إلى أصول طبقية أعلى مثل شرلوك هولمز وأرسين لوبين. وكانت الروايات البوليسة المبكرة بعيدة كل البعد عن الواقعية ولم تكن مهتمة بالجريمة في حد ذاتها، بل كانت الجريمة فيها إطارًا لمشكلة من الواجب حلها أو لغز يتعين جمع أطرافه. فالموضوع الحقيقي للروايات البوليسية المبكرة ليس الجريمة أو القتل بل اللغز، والمشكلة تحليلية عقلية وليست اجتماعية أو قانونية. ويجب أن يندهش القارئ عند الكشف عن هوية القاتل مع عدم انتهاك قواعد اللعبة على الرغم من "خداع" القارئ طويلاً حول هوية المجرم. وفي الحقيقة إن ممارسة فن الخداع (بتوجيه الاشتباه في اتجاهات مضللة) مع التمسك بقواعد اللعب النظيف هو التمكن الحقيقي من هذا النوع الأدبي. فاختزال الجريمة والمشاكل الإنسانية نفسها في لغز يمكن حله هو اتجاه سلوكي إيديولوجي مميز للرأسمالية. وتميل كل العلاقات الإنسانية في المجتمع البرجوازي إلى أن تصير كمية ممكن قياسها والتنبؤ بها، ويسيطر الذهن التحليلي في العلوم الطبيعية وتطبيقها التكنولوجي، وثمة تفاعل مواز في التطور المبكر للقصة البوليسية. وتعبير قصة بوليسية استعملته أول مرة الروائية الأمريكية أنا كاترينا جرين عام 1878، ولكن المسؤول عن شعبيتها الهائلة كان آرثر كونان دويل مبتكر شخصية شرلوك هولمز الذي حاول جعل محاربة الجريمة علمًا منضبطًا. وهنا تبرز الرابطة بين القصة البوليسية المبكرة والمجتمع البرجوازي المنتصر بآلاته وعلمه الطبيعي. وقد بشر إدجارآلان بو بمجئ الأدب العلمي التحليلي المتميز بأن الوقائع والأشياء هي التي تلعب الدور الأكثر أهمية من الإنسان. وأرسين لوبين أشهر الأبطال الجماهيريين يجمع البراعة العقلانية التحليلية مع السلوك العملي والتنكر في هويات مختلفة يسرق طفيليات "الهاي لايف" ويمنح الفقراء ويدافع عن الأرامل واليتامى والمستغلين. وهو لا يسرق من أجل النقود بل لمتعة تحدي مجتمع ظالم والسخرية من مؤسساته العتيقة. وما يميزكلاسيكيات الرواية البوليسية هو طابع حبكاتها التقليدية وتمثل عودة إلى قواعد أرسطو في الدراما؛ وحدة الزمان والمكان والفعل، وعدد الشخصيات قليل وكلهم حاضرون في مشهد الجريمة أو يظلون فيه طول الرواية. والزمن القصير والإطار الزمني الحقيقي هو الوقت الذي يبقى خلاله المشكوك فيهم معًا. كما أن الطابع العقلاني المجرد للحبكة لكشف المجرم تجعل القصة البوليسية الكلاسيكية صورة مصغرة للعقلانية البرجوازية في الأدب واعتمادها على المنطق الصوري.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية صارت قصص الجريمة أحدى الأشكال الرئيسية الأدبية في بريطانيا والولايات المتحدة وكثير من البلدان الأوروبية، وانعكس ذلك في الاهتمام الأكاديمي بهذا النوع. ولكن ذلك لم يمنع تصنيفًا يعتبر قصص الجريمة كتابة هابطة، ولكن على الرغم من ذلك تلمع أسماء مشاهير يكتبون قصص الجريمة. وقد لجأ كتاب معاصرون إلى مزج التاريخ أو تاريخ الأفكار بحبكة رواية الجريمة. ومن أشهر الروايات في هذا النوع الهجين "اسم الوردة" لأومبرتو إكو و"اسمي أحمر" لأورهان باموك. ويتطلب حل لغز "من الفاعل؟" معرفة بتاريخ النظرية الأدبية في العصور الوسطى في الرواية الأولى وبتاريخ الفن في الشرق في الثانية. وفي الروايتين يبدو أن وراء الجريمة شخصًا متعصبًا دينيًّا ولكنها حيلة لصرف الأنظار عن الدافع الحقيقي. ويعد إلياس بيترز، الذي ابتكر شخصية الأخ كادفاييل، المؤسس لهذا النوع وفقًا لجون مولان المحاضر في جامعة لندن. ثم اجتذب الشكل الجديد أكاديميين كإكو وكانديس روب التي تركت عملها الأكاديمي في أدب العصور الوسطى لتتفرغ لكتابة الرواية. وقد ظهر أرسطو كمحقق في سلسلة روايات "من الفاعل؟" التي تدور في أثينا القديمة عند مارجريت آن دودي، وهي ناقدة أكاديمية مهتمة في رواياتها برواية الجريمة التاريخية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,640,376,808
- علاء الديب وتمجيد الحياة
- صناعة الثقافة
- أدب نسوي أم أدب إنساني
- إردوغان والسلطنة التركية الجديدة
- السلالات الحاكمة في السياسة والاقتصاد
- -الاختلال- العالمي الجديد
- تطور تقنيات الرواية في مصر
- صعود اليسار في جنوب أوروبا
- كيف قرأت أمل دنقل
- الحرب العالمية والأدب
- اليسار الراديكالي والسلطة جنوب أوروبا
- هنرى كورييل ضد الشيوعية العربية فى القضية الفلسطينية -
- الحاضر والتاريخ عند نجيب محفوظ
- حيرة ومتاهات موقتة في القاهرة
- إبراهيم أصلان ساحر البيان
- الشباب والسلطة في مصر
- مشاكل الشريعة الإسلامية والدستور المصري
- علاقة الإخوان والفاشية
- صورة العالم بين عناق مستحيل وعناق دموي -رواية -عناق عند جسر ...
- الماركسية وأزمة التقليد الإيديولوجي الليبرالي


المزيد.....




- شاهد... المخرج السوري باسل الخطيب يدعم أحد مترشحي انتخابات ا ...
- -سمعتي طيبة وتاريخي نظيف-... -فنانة مصرية ترد على إهانات مخر ...
- شاهد.. مهرجان ثقافة الشعوب الجامعي في مدينة مشهد الإيرانية
- أحلام تتوسط لفنانة لدى تركي آل الشيخ: تم معاليك
- 6 عروض تتنافس على جوائز مهرجان الكويت المسرحي
- المخرج السوري باسل الخطيب يدعم أحد مترشحي انتخابات الجزائر ( ...
- بالصور.. “عاشور” للمحامين المشتركين في دورات أكاديمية ناصر ا ...
- فنان أداء يأكل موزة فنية قيمتها 120 ألف دولار أمام ذهول الحا ...
- كيف تتصرف مع المصابين بالإسلاموفوبيا وضحاياهم؟ نصائح وتجارب ...
- رئيس الجمهورية يستقبل الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المت ...


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم فتحي - رواية الجريمة النشأة والتطور