أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سلمان رشيد محمد الهلالي - لماذا يكره الله العراقيون ؟؟ (ظاهرة التجديف في المجتمع العراقي)















المزيد.....



لماذا يكره الله العراقيون ؟؟ (ظاهرة التجديف في المجتمع العراقي)


سلمان رشيد محمد الهلالي

الحوار المتمدن-العدد: 5086 - 2016 / 2 / 26 - 22:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لماذا يكره الله العراقيون ؟
(ظاهرة التجديف في المجتمع العراقي)
سلمان رشيد محمد الهلالي
ان المقصود بماهية (الله) في هذه الدراسة ، ليس الله الغربي الحالي (الهيغلي) المسيحي الحديث (المتفهم ، الهادئ ، الوديع ، المشرق ، الحنون ، غير المفارق للوجود والكون والانسان) الذي تبلور على هامش العقلانية والليبرالية والتنوير الاوربي (اله العالم الحديث) ، وانما الله العراقي (العربي / الاسلامي – العبري / اليهودي) المتكبر الغضوب ، الحساس ، المتعجرف ، المتطرف ، العبوس ، المتعالي عن الكون ، المفارق للانسان والوجود ، الذي يحب رائحة الشواء والاضاحي والنذور ، ويطرب لقصائد الثناء والمديح وادعية التملق والتمجيد (اله العالم القديم) ، وهذا النوع من (الله) اخترعه العراقيون او ورثوا قسما منه من خلال جانبين او قناتين :
1. تراثه الرافديني الاسطوري القديم ، الذي بلور او صنع الها خاصا به ، انعكس من خلال البيئة او الطبيعة الجغرافية المعادية ، والمتمثلة بالفيضانات المدمرة والامراض والاوبئة الفتاكة والرياح والعواصف الدائمة وملوحة الاراضي المزمنة والقحط والجوع المستمرين ، مع الترسبات الغرينية والحرارة العالية . وما يرافق ذلك عادة البيئة السهلية او الزراعية من الظلم والخضوع والخنوع للمستبد الوافد من الهضبة الغربية ، فضلا عن الغزوات الاجنبية والفتن والصراعات المحلية والحروب الاهلية . وقد اثبت الدكتور (طه باقر) عنف البيئة الطبيعية والمشاكل الناجمة عن الانهار والري في العراق من حيث الترسبات الغرينية الهائلة التي تؤدي الى تغيير الانهار لمساراتها ، ومن ثم موت المدن والقرى من جراء ذلك . وتاثيرها العام على المزاج النفسي للشخصية العراقية واتسامها بطابع العنف والتشاؤم والتوتر . وبما ان الدين او الله هو انعكاس لاحداث وظروف وطبيعة المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية ، فقد تمظهرت عملية خلق الوجود والكون في العراق من خلال الصراع والاحتراب بين الالهة الذين تميزوا بالعنف والبطش والقسوة . وقد جسد العراقيون تلك المعاناة والعلاقة المتوترة مع الالهة والطبيعة في اساطير وقصائد عديدة منها :
الفيضان الوافد الذي لا يقوى احد على مقاومته
والذي يهز السماء وينزل الرجفة بالارض
يلف الام وطفلها في غطاء مريع
ويحطم يانع الخضرة في حقول القصب
ويغرق الحصاد ابان نضجه
مياه صاعدة تؤلم العين
طوفان يطغى على الضفاف
فيحصد اضخم الاشجار
عاصفة عاتية تمزق كل شيء
وبعد ان دمر (انليل) - اله العواصف والبطش في العراق القديم – المدينة بالطوفان، انهارت بيوتها وغرق اغلب ابنائها ، كشفت النصوص عن مأساة لا مثيل لها كان يتعرض لها العراقيون ، حيث الجثث تملأ الطرقات ، والكلاب الجائعة تنهش اعضاء الرجال والنساء والاطفال ، والنساء الباكيات اصيبن بالجنون من فرط الحزن والرعب ، والريح تعصف في الساحات ، والموت في كل مكان ...
تنتحب تلك التي كان لها زوج شاب
حين عثرت على جثته ... وآه عليك يا زوجي
تلك التي كان لها ابن يافع تندب هناك ... آواه يا ابني
تصيح الفتاة هناك ... اويلاه يا اخي
وفي المدينة تقول الام التي انجبت ... اه يا ولدي يا كبدي
البنت الصغيرة تصيح هناك ... ابتاه
وجاءت الكلاب ... تتدلى من فكوكها ذكور الرجال
الذئاب حرة في المجيء والذهاب
وفوق اماكن رقصهم ... تعصف الرياح
ثم قررت الالهة ايضا ان ترسل اليهم المجاعة ، فحبس الالهة (ادد) المياه لمدة ستة سنوات حتى انقلب الناس الى وحوش كاسرة ..
وعندما حلت السنة السادسة
كانوا يعدون ابنه لوجبة الطعام
ويعدون طفلا للطعام ... وكان البيت يفترس الاخر
واستمرت الالهة بالعقاب ، وارسلت هذه المرة لهم الطاعون :
الطاعون سيوقف ضوضائهم
سيهب عليهم الرماد والدخان والبرد والحمى كالعاصفة
ثم ازدادت المأساة بقدوم الرياح والمجاعة مرة اخرى :
الرياح الشريرة التي تتدفق مثل مياه شريرة
لا يمكن احتواء قدرها ... شنت هجومها على البلاد
وفي اور قضت المجاعة على الضعفاء .. كما قضت على الاقوياء
الاباء والامهات الذين قبعوا في بيوتهم ... قضوا بالنار
انهار بناء البلاد ... والشعب صعد الانين
وبحسب منهجية عالم الالماني (يونغ) فقد شكلت هذه الاحداث المأساوية والقصص والاساطير المرافقة لها ، الانماط الاصلية او العليا في اللاشعور الجمعي العراقي ، ويطلق عليه (اللاوعي الاسطوري للفرد العراقي) الذي مازال يتحكم حتى الان في جوانب كثيرة من شخصيته ودينه وطقوسه .
2. التراث البدوي الوافد من اليهود والاسلام (العبري - اليهودي) (العربي - الاسلامي) الذي بلور الها خاصا على شاكلته ، او وفق صورته الجغرافية او الحياتية الصحراوية القاحلة ، وانسيابها الى منطقة السهل الرسوبي في العراق ، عبر الهجرات السامية المتعددة او الغزوات الاعرابية . وتميزت هذه القناة في بلورة اله(او الله) يبرر او يدعم ضمنيا عمليات الغزو والسلب والنهب والسبي ضد المجتمعات الحضرية في الهلال الخصيب وشمال افريقيا وايران ، التي سميت لاحقا بالفتوحات الاسلامية ، والانماط المصاحبة لها كالفحولة والذكورية والاقصاء واحتكار الحقيقة والقراءة الدوغمائية للنصوص والخطاب النرجسي . وعلى الرغم من رفض العراقيون بعد الاجتياح الاسلامي لهذا النمط من التدين الصحراوي / الاعرابي ، من خلال تبني او بلورة العديد من المشروعات المناهضة لهذا الاجتياح الغريب الذي كان هدفه الرئيس استهداف الهوية الحضارية ، ومقدرات البلاد الاقتصادية والسياسية ، وذلك من خلال تاسيس العديد من الفرق والتوجهات الدينية المعارضة كالمعتزلة والشيعة والمتصوفة ، فضلا عن الطروحات الفلسفية والكلامية والالحادية والهرطقة وغيرها . الا ان هذا النمط من التدين البدوي قد فرض نفسه على البنية الاجتماعية والدينية بفضل السطوة والقسر التي استخدمتها السلطات الاموية والعباسية والعثمانية ، واستغلالها لموارد الدولة الكبيرة في ذلك ، ومن ثم حصول عملية انسياب او تسرب لبعض تلك الانماط الصحراوية والاعرابية الى بعض المتبنيات الفكرية والعقائدية لتلك الفرق والتوجهات المعارضة التي ذكرناها انفا . فاذا اخذنا التشيع انموذجا ، باعتباره يشكل احدى اهم قنوات الرفض للاسلام البدوي ، وتبنيه العديد من الانماط والمفاهيم الحضارية الرافدينية القديمة : كالمهدية والرجعة وتقديس الائمة والاولياء وزيارة المقامات المقدسة والبكاء والنواح على الابطال الشهداء والفاهيم الغنوصية الشرقية وغيرها ، الا اننا نجد الكثير من الانساق البدوية للاسلام الصحراوي قد تسربت الى المذهب الشيعي ، ليس بحكم مشروعية اصل التاسيس الديني فحسب ، بل من خلال ايديولوجية السلطات الحاكمة ، واحتكارها للخطاب الرسمي الذي يشكل (الارثذوكسية الاسلامية) او (السنة العربية) حسب تعبير الدكتور محسن الموسوي ، او كنتيجة لارادة المنتصر القوي الذي يستطيع ان يفرض انماطه الخاصة على الدين والدولة والمجتمع . ونجد ذلك ظاهرا في الاحكام الفقهية ذات الدلالات والجذور السلطوية والبدوية التي تبناها المذهب الشيعي لاحقا ، لاسيما في مرحلة التدوين الفقهي في القرون الثلاثة الاولى ، من قبيل مشروعية قتل المرتد ونشر الاسلام بالسيف والسبي وجواز اخذ الجزية من الذمي واعتبار اصحاب الديانات الاخرى كفرة او انجاس واقامة الحدود والتعزير وغيرها من المفاهيم التي كان من المفترض انها تقف بالضد من التوجهات الانسانية للتشيع ، كمعطى حضاري متميز ، واهداف وتطلعات المجتمع العراقي ، كبنية تاريخية ذات خصوصة هادئة ، تستوعب الاخر المختلف بالهوية والثقافة . فأوصيب من جراء ذلك المذهب الشيعي والمجتمع الذي يتبعه بما يمكن ان نسميه بـ (الشيزوفرينيا الاسلامية) ويعنى به تبني المفاهيم والانماط الاسلامية البدوية التي بلورتها السلطات السنية من جهة ، والتماهي مع الانساق الحضارية والانسانية التي بلورتها الحضارات العراقية الرافدينية من جهة اخرى .
وسبق ان بين (هيغل) ان اليهودية قد اسست مفهوم (التمركز حول الله) وان شقاء الضمير والتمزق الذي يعاني منه الانسان المعاصر (المسيحي واليهودي والمسلم) هو بسبب الانفصال والطلاق والاغتراب Alienation بين الدين والحياة ، وان صلة اليهودي بالله ، لم تكن في يوم من الايام صلة ايجابية تقوم على المشاركة ، بل مجرد صلة سلبية تقوم على العبودية . فلم تكن العلاقة بين الله والانسان – في الديانة اليهودية – وكذا الامر في الاسلام – علاقة ذات بذات ، بل علاقة موضوع بموضوع . وضرب لنا (هيغل) مثالا عن حياة ابراهيم (ايقونة الديانات التوحيدية الثلاث) – الذي اعتبره رجلا يهوديا – فقال : ان الوحدة القاسية التي كان يعاني منها قد دفعته الى تسليم حياته لله (حتى انه اراد ان يذبح ابنه ثمنا لهذه الوحدة والاغتراب) ، ووجد بالحضرة الالهية حصنا منيعا يحتمي به ضد العالم الخارجي . كما اكد (هيغل) ان شكل الله مرتبط بشكل الدولة ، من حيث الاستبداد والديمقراطية ، فالدولة الديكتاتورية تجعل المجتمع يتخيل الله مستبدا مخيفا وقاسيا ، لا يتحمل النقد والتجديف ، ولا يتقبل الرأي الاخر ، فيما ان العكس في البلدان الديمقراطية ، اذ تصورت الله ليبراليا منفتحا متفهما ، يتحمل النقد والرأي الاخر ، الا انه من جانب اخر بين (هيغل) ان تصور شكل الله البعيد والمخيف (كائن مفارق مجهول في السماء ، رمز للقوة والجبروت والكبرياء) هو الذي انتج انظمة استبدادية مخيفة ترغب التشبه به او تقليده .
وباعادة قراءة ماهية هاتين القناتين نخرج بما يلي : ان العقل الديني في المجتمع العراقي يتكون من اللاوعي الاسطوري الجمعي وهو (التراث الرافديني الاسطوري القديم) ، زائدا الوعي التاريخي الجمعي وهو (التراث البدوي الاسلامي واليهودي) ، وبحسب ما ذكره الدكتور شاكر شاهين في كتابه (العقل في المجتمع العراقي) فان انسياب اللوعي الاسطوري في الوعي التاريخي ، نتج عنه العقل الشعبي الديني الحالي الذي يجمع بين الاسطورة والتاريخ . اي ان الله او الدين هو حصيلة مزدوجة لنظامين او الهين كلاهما عبوس ومتطرف ، وهذا الله الذي اخترعه او يعبده العراقيون ، هو حتما سيكون كارها لهم ، بسبب عملية او ظاهرة التجديف والسخرية التي يقومون بها ، لانه اله لا يتقبل الاستهزاء او النقد ، فكيف بالسب والاتهام والنعت بالمفردات القبيحة والمضحكة ، فما ان تثير غضب الفرد العراقي حتى يبدأ بـ (التكفير) وتعني عندنا (سب الذات الالهية) ويطلق على هذه العملية شعبيا (اخذ يكفر) ، فضلا عن ذلك استخدام اسمه او دينه لاغراض دنيوية غير مقدسة تتعلق بالوجاهة الاجتماعية والمنفعة الشخصية واستغلال الطقوس والشعائر والمواكب لاغراض اجتماعية وعشائرية وعائلية وحزبية . وبناء المساجد الجوامع والحسينيات والتكايا على اراض مغتصبة غير قانونية ، ووصفها بجرأة نادرة بانها (بيوت الله) . كل هذه الاعمال وغيرها اعطت انطباعا عند الله المفترض عندهم ، بان هؤلاء القوم (يضحكون) عليه ، وان قصدهم تضليله او محاولة ترضيته بممارسات ومفردات ساذجة او تافهة لا تنطلي على الانسان البسيط ، فكيف الله الذي (يعتقد) انه الخبير العليم الذي يعرف خافية الاعين وما تخفي الصدور .
واما التجديف Blasphemy (التكلم بالشر) : فيعني التجاوز بالسب والسخرية والاستهزاء على الذات الالهية (الله) او الاديان والشعائر والطقوس الملحقة بها . وهي تختلف عن الهرطقة Heretic (الرأي المستقل) : التي تعني تغيير في عقيدة او منظومات معتقدات دينية مستقرة او رائجة في مجتمع معين . وقد وردت مفردة التجديف على لسان السيد المسيح (لقد اتهمت بالهرطقة والتجديف عندما مشيت على الارض) . وفي الاسلام وردت مفردة التجديف في الحديث (لا تجدفوا بنعمة الله) اي لا تكفروا بنعمة الله ، او كلام عليه بالشتم . وقد حكم الانجيل على المجدف بعدم المغفرة بالقول (واما التجديف على الاوحد فلم يغفر للناس) (انجيل متي) . فيما اكدت الشريعة اليهودية على ان (من جدف على اسم الرب فليقتل قتلا) . واما الاحكام الاسلامية حول هذه الظاهرة فقد كانت متباينة ، فالروايات والاحكام الرسمية الشرعية للمذاهب السنية الاربعة (المالكية والحنفية والحنبلية والشافعية) فقد اعتبرت (المجدف) اي الساب للذات الالهية او الانبياء والقران ، هو كافر باجماع هذه المذاهب ويستحق القتل . كما اكدت الاحكام الاسلامية الشيعية بحسب المناهج الرسمية الشرعية التقليدية على ان (حكم من سب الله او النبي او الائمة او الدين او المذهب قاصدين به ، كذلك باصرار هو القتل ، واما اذا كانوا غير جادين فلا يقام عليهم الحد الشرعي ، وانما يستحقون التعزير (اي الجلد بالسوط)) (وهذا رأي المرجع السيستاني في مسائله العملية) .
واما الجهات الاسلامية غير الرسمية او المعتدلة والتنويرية ، فقد رفضت حكم اعتبار المجدف كافرا او يستحق القتل ، كما رفضت سابقا اعتبار المرتد عن الدين الاسلامي (كافرا) . فقد ذكر العالم الاسلامي ميرزا طاهر احمد زعيم الجماعة الاسلامية المحمدية (انه تتبع ايات القرآن ولم يجد فيه اية واحدة تعلن اني التجديف جريمة يعاقب عليها في الدنيا بيد الانسان ، وانما هي عقوبة اخروية) . واما في مجال الاحكام الوضعية الحكومية ، فيبدو ان المشرع القانوني في العراق قد احس بانتشار ظاهرة التجديف في المجتمع ، وعدم الجدية في اطلاقها ، فلم يشرع قانون العقوبات المعدل رقم (111) لسنة 1969 اي فقرة خاصة او صريحة ضد التجديف . وقد سألت احد المختصين في القانون حول ذلك ، وذكر انه قد يُشمَل بالمادة (372) من هذا القانون التي تنص (يعاقب بالسجن مدة ثلاث سنوات على الاعتداء الواقع على معتقد ديني لاحدى الطوائف الدينية) وهي تشمل حتى الفرد الذي من ضمن نفس المعتقد ، على اعتبار ان المجدف سيخرج من تحديد عنوان اي دين او فرقة ما ان يقوم بعملية التجديف .
لقد تميز المجتمع العراقي عن باقي المجتمعات في العالم بتطرفه بظاهرة التجديف ، او سب الالهة قديما او الله حديثا ، والاستهزاء به والسخرية من افعاله وقدرته واياته والاديان التي بعثها او اعتقد ذلك . وظاهرة التجديف عند العراقيين هي ظاهرة قديمة تبلورت في العصر السومري الاول ثم ضعفت في مراحل تاريخية محددة ، وازدادت في اخرى ، حتى بلغت اوجها او قمتها في القرن العشرين . ويمكن تقسيم ظاهرة التجديف في المجتمع العراقي الى نمطين مختلفين :
الاول : التجديف العفوي الريفي القديم .
الثاني : التجديف العلماني الحضري الحديث .
الاول : التجديف العفوي الريفي القديم : وبدأ منذ العصور السومرية الاولى كرد فعل عن المأساة والمعاناة السياسية والاقتصادية والبيئية التي عاشها المجتمع العراقي ، واعتقاده ان الالهة متناقضة ومزاجية في تصرفاتها ، ولا تخضع اعمالها للمنطق او العقل او الوجدان ، ولا يمكن التنبؤ او التكهن بافعالها في الطبيعة والكون ، فشكلت – بالتالي – معاناة هائلة على حياة الفرد او المجتمع ، عبر عنها في صور خاصة من التمرد والنقد والشكوى ، تصاعدت مع توالي العصور والقرون الى مستويات ومديات من التجديف . وقد حفلت النصوص السومرية او العراقية القديمة بالعديد من الصور والمضامين الانتقادية للالهة منها : (شمت الالهة الرائحة الزكية ... فتجمعت على الاضحية كالذباب) (امنا تعامة – الهة الفوضى – وجهت نحونا حقدها ... عندما عقدت مجلسها ازبدت غضبا) ، كما وجد نص فيه تجديف ضد الالهة عشتار (الهة الحب والحرب والجنس) على لسان كلكامش : (انت قبر يلوث حامله ... انت قربة تبلل حاملها ... وانت نعل يقرص قدم منتعله) . وتميز هذا النمط الاول من التجديف بالسخرية والاستهزاء من الذات الالهية ، وليس السب او الشتم الصريح الذي نجده لاحقا في النمط الثاني . وهذا النمط الاول من التجديف هو السائد حاليا في القرى والارياف في جنوب العراق وبعض المدن ذات الطابع الريفي او العشائري ، حيث يحوي عبارات وتعليقات وامثال شعبيه ذات منطلقات تجديفيه , اتخذت طابع السخرية للتناقضات الحافلة في الحياة او في حركة التاريخ والمجتمع ، التي يعتقد ان سببها هو (الله) بصفته خالق هذا الكون ومنظم حركته واقداره . ومن اهم مظاهر او نماذج التجديف في جنوب العراق :
- متعجب خالكله بعيرة (السخرية من الاية القرآنية افلا ينظرون الى الابل كيف خلقت)
- رحم الله والديك يالله (الاستهزاء من الحلول الايجابية المتأخرة من الاقدار)
- ياهو طلع من كبره مفشخ (انكار النشور والبعث والحساب يوم القيامة)
- يناوش الله غداه (تطلق لوصف الرجل طويل القامة)
- الله ناسيه (تطلق لوصف الرجل كبير السن جدا)
- طرشه خرمية (الاحساس بانعدام المعنى والفائدة عند الذهاب لزيارة العتبات المقدسة)
وهذا التجديف العفوي قد يكون عملية رفض ومقاومة ضمنية للسلطات الحاكمة في العراق التي جمعت في يدها السلطتين الدينية والدنيوية على مدى التاريخ (السومري والاكدي والبابلي والاشوري والكلداني والارامي والاسلامي والعثماني) او ارتدت اللباس او المظهر الديني ، او حصلت على دعمه وتاييده من الكهنة والشيوخ او وعاظ السلاطين ، او الحكم – الذي يكون عادة استبداديا وجائرا – باسمه او باسم الالهة ، على قاعدة (ثم هبطت الملكية من السماء) (الاله انليل منح كلكامش البطولة والملوكية) . واصبحت العلاقة من جراء ذلك بين الله والانسان العراقي ، ليست تكاملية او تصالحية ، وانما علاقة صراعية متوترة ذات شك وقطيعة . فعندما يواجه الانسان قوة سياسية سلطوية غاشمة ، ذات ايديولوجية دينية لا يستطيع مواجهتها ، فانه يعمل على رفضها او محاربتها رمزيا من خلال انتقاد المقدس ، او سب الاديان التابعة الى هذه السلطات المتتالية ، او في حالات معينة يكون التجديف من اجل الرغبة في استفزاز المجتمع الذي يقدس تلك الاديان او الالهة ، كعملية الية للتنفيس عن الحقد الذي يكنه عادة الانسان العراقي للمجتمع ، الذي يعتقد انه وقف بالضد من تطلعاته وامانيه ، على قاعدة (الجحيم هم الاخرون) او الاحساس بالنقص والدونية ، او بسبب وقوعه تحت تاثير ايديولوجية الكراهية التي تبثها السلطات القومية الحاكمة في العراق ضد المجتمع . وقد عاصرنا هذه الظاهرة ابان الحقبة البعثية الدكتاتورية ، اذ ان الكثير من الافراد انذاك عندما يتعرضون الى اضطهاد السلطة ، فانهم يأخذون بسب الذات الالهية او الرموز الدينية التي يقدسها المجتمع ، ويبدو انها مصداق العملية النفسية المعروفة بالتعويض (وهو عملية نفسية تقوم بها الانا بقصد التغلب على الشعور بالضعف او الدونية من خلال الوصول الى التفوق في ميدان اخر او ادعاء ذلك) .
لقد وقع المجتمع العراقي تحت تاثير نظامين من التدين او من حيث العلاقة مع الله ، كلاهما يهدف الى (التطهير) او (الخلاص) من الواقع المزري او السيء الذي يعيشه ، على اعتبار ان الدين او الله يشكل قوة متعالية في يدها مقدرات الكون والتغيير ، وهو ما نجده في كثرة الالهة والمعابد والطقوس والشعائر والقصائد الدينية في العهود الرافدينية الاولى ، وانتهاءا بالعصور الاسلامية المتأخرة ، حتى نستطيع ان نطلق عليه عبارة فيورباخ الشهيرة (الانسان حيوان متدين) او وصف فوكو (الدين عقل ... لمجتمع بلا عقل) وتأكيده في احدى القصائد (ليس بمقدور الانسان ان يكسب خبزه بلا اله شخصي) وهذا ما يحيلنا الى النتيجة النهائية (العراقي انسان متدين) . الا انه – ومن جانب اخر – نجد ان التدين او الله لا يقدم حلولا واقعية لمعاناة العراقيين الحياتية او مشاكلهم اليومية والموسمية على حد سواء ، والمصاعب التي يواجهونها من الطبيعة العمياء من جهة ، والتداعيات السياسية كالفتن والاستبداد والظلم من جهة اخرى ، ليس بسبب ان الله قد وضع قوانين عامة واساسية للكون ، وتركه يسير وفق نظام محدد على ضوء تلك القوانين دون ان يتدخل بها على قاعدة (لو ان المجيوسي عبد النار الف عام ووقع فيها ... لاحرقته) وانما بسبب عدم اهتمام الالهة او الله بالانسان ومعاناته وتطلعاته ، على ضوء قاعدة ارسطو الشهيرة (الكامل لا يهتم بالناقص) اي ان الله الكامل في الصفات والسمو لا يمكنه الاهتمام او الاعتبار للناقص او العاجز ، وهو بطبيعة الحال (الانسان) ، فحصلت من جراء ذلك قطيعة وجدانية واغتراب حاد بين الانسان والله ، تبلورت في مظاهر عديدة اهمها ، الابتعاد عن التدين الحقيقي ، والاطناب في الطقوس الدينية كممارسة اولى ، ثم القيام بالسياقات العقلية والعملية في الامور الحياتية كممارسة ثانية ، تجلت في احدى القصائد الشهيرة (عندما تختط للمستقبل يكون الهك الهك ... واذا لم تختط للمستقبل ليس الهك الهك) ، حتى قيل من جراء ذلك (ان العراقي غير متدين) ، فيما ان الواقع ان العلاقة بين الله والانسان العراقي ، علاقة فيها اغتراب وتوتر وتجديف ، فمن جانب ان العراقي بحاجة الى الله او الدين بمواجهة اعباء وصعوبات الحياة المتعددة كمعطى وجداني يدعو للطمأنينة، ومن جانب نجد ان الدين لا يقدم حلولا حقيقية محددة على ارض الواقع – كما ذكرنا سابقا - نتج عن تلك العلاقة سلوكيات متناقضة ، تمثلت بالابتعاد عن الدين الحقيقي ، والمتمثل بالصدق والايثار والعدل والنزاهة والاخلاص والامانة والاخلاق الحسنة ، والاطناب بدلا عن ذلك في الطقوس والشعائر كالصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس والتماهي مع الممارسات الطقوسية في عاشوراء كالطبخ والمسير لزيارة العتبات المقدسة والمواكب وبناء الحسينيات ورفع الرايات الملونة وغيرها من الاعمال التي يقصد من ورائها التعويض الاجتماعي والتطهير النفسي عن تركه واقصائه لمظاهر وسلوكيات الدين الحقيقي اولا ، وطلب الوجاهة الاجتماعية والسمعة الحسنة عند الناس ثانيا والابقاء على حلقة الوصل الوحيدة – التي يعتقدها - مع الله ثالثا ، فالمجتمع العراقي هو تاريخيا وحضاريا مجتمع المدينة و (المدينة مسرح الشيطان) – كما يقول توينبي - وهي لا تتلائم مع قواعد الدين الحقيقي التي ذكرناها سابقا كالصدق والامانة والنزاهة وغيرها ، وانما تنسجم مع قواعد الطقوس والشعائر الدينية فقط التي ليس لها التزام اخلاقي ووجداني محدد ، تقيد الفرد العراقي في الارتقاء والتطلع والكسب غير المشروع . وقد وصلت تلك الممارسات الطقوسية الظاهرية على مدى التاريخ العراقي الى مديات اصبحت فيها رمزا للدين – او هي الدين الحقيقي - حتى قيل (ان الدين عند البابليين يعنى بالمراسم الصحيحة اكثر مما يعنى بالحياة الصالحة) ، ولا حاجة الى القول ان هذه القاعدة التي ذكرها (ديوارينت) قد انتقلت من الديانات السومرية والبابلية والارامية القديمة الى الدين الاسلامي بشقيه الشيعي والسني ، اللذين لا يبغيان من الفرد العراقي سوى الولاء للمذهب والسلطة اولا ، وممارسة الطقوس والشعائر (المراسم الصحيحة) دون الحياة الاخلاقية او السلوكية الصالحة ثانيا .
ثانيا : التجديف العلماني الحضري الحديث : وتبلور هذا النمط من التجديف في المجتمعات الحضرية بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ، وبخاصة في احياء بغداد الشعبية كالفضل والعاقولية وباب الشيخ والشيخ عمر وجديد حسن باشا والحيدرخانة والميدان والاعظمية والكاظمية وصبابيغ الال وغيرها ، وانتقلت الى الحواضر والمدن الاخرى في الجنوب والشمال ، التي تماهت معها بسبب الارضية السابقة التي تملكها والمتمثلة بظاهرة التجديف العفوي الريفي القديم . والاختراق العلماني للمجتمع العراقي قد تبلورت ارهاصاته الاولى بعد الانقلاب العثماني عام 1908 ، وازداد بعد الاحتلال البريطاني عام 1914 وتاسيس الدولة عام 1921 التي اخذت على عاتقها ادراج وترسيخ الممارسات والسياسات العلمانية والانفتاحية في النسيج الاجتماعي اولا ، والنظام السياسي والاداري والتربوي للبلاد ثانيا . الا اني اعتقد ان الحدثين المفصلين اللذين ساهما في تهيئة الارضية في المجتمع العراقي لاستقبال وتلقي المفاهيم والانماط العلمانية في القرن العشرين ، والتحرر من سلطة المؤسسة الدينية التقليدية (الشيعية والسنية) التي كانت سائدة انذاك هما :
1. على المستوى الشيعي : نفي العديد من مراجع وعلماء الدين في النجف والكاظمية الى ايران ، وابرزهم (النائيني والاصفهاني والخالصي) من قبل الحكومة العراقية عام 1923 بعد اصدارهم فتاوى تحريم المشاركة في انتخابات المجلس التاسيسي ، الذي كان سيأخذ على عاتقه اقرار المعاهدة العراقية – البريطانية التي اقرتها حكومة عبد الرحمن النقيب عام 1922 ، وتاكيد سلطة الانتداب البريطاني ، والذي ساهم بصورة مباشرة في تهميش وتحجيم قوة رجال الدين ونفوذهم في الاوساط الاجتماعية والعشائرية ، سيما اشتراط الملك فيصل الاول لعودتهم الى البلاد ، عدم التدخل بالشأن السياسي . وقد تعرض المجتمع الشيعي في العراق بعد ذلك الى اكبر عملية اختراق علماني من قبل المؤسسات الحكومية في سبيل ادماجهم مع انماط الدولة الحديثة ، من خلال وسائل الترغيب في الوظائف والاموال للمتعلمين ، والامتيازات والمناصب للمتنفذين ، والاراضي الزراعية للشيوخ والاغوات والسادة ، على قاعدة (اذا كان غير الممكن شراء المراجع ، فيمكن شراء مقلديهم) . كما ساهم انحسار الدور الاقتصادي لمدينتي النجف وكربلاء بعد الممارسات العلمانية التي قام بها ايضا الشاه رضا بهلوي في ايران ، من حيث منع زيارة العتبات المقدسة وانتقال الاموال والاوقاف والخمس ، وغلق الحدود امام نقل الجنائز للدفن في العراق وغيرها ، في اضعاف القيمة او المستوى المعاشي لهذين المدينتين ، مما حدى بالكثير من رجال الدين وابنائهم في تلمس المعيشة والارتقاء الاجتماعي من خلال الدولة العراقية ، والانضمام لمؤسساتها التعليمية والسياسية والادارية . وبما ان الدولة العراقية الحديثة كانت لا تقبل من الافراد الشيعة الا من كان مندمجا في سياقها الايديولوجي العام ومتماهيا مع النسق الحكومي – العلماني السائد ، متبرئً من هويته الثقافية والمذهبية والدينية ، فقد تلقف المجتمع العراقي المفاهيم العلمانية والانفتاحية بقوة حتى وصف بان (علمانيته جامحة) (وانه اقل تدينا وورعا من تركيا ومصر) – كما يؤكد ذلك فالح عبد الجبار ومحمد مكية - وظهر ذلك جليا ليس في استقباله وتماهيه مع جميع الحركات والتوجهات الفكرية العلمانية ، كالماركسية والقومية والليبرالية والوجودية والفاشية التي ظهرت في القرن العشرين فحسب ، وانما في المظاهر الانفتاحية الاجتماعية من حيث الممارسات الشخصية والاختلاط بين الجنسين واللباس الغربي وارتياد الملاهي والنوادي والمراقص ودور البغاء وغيرها .
2. على المستوى السني : اعلان الغاء الخلافة العثمانية من قبل مصطفى كمال اتاتورك عام 1924 ، التي كان يعدها السنة في العراق الاب الحنون والمثال الاعلى . اذ على الرغم من تنصيب فيصل بن الحسين ملكا على العراق عام 1921 ، الا ان المساجد السنية استمرت بالدعاء والموالاة للخليفة العثماني حتى عام 1924 رغم احتجاج واعتراض الملك فيصل على ذلك . كما ساهمت اجراءات اتاتورك العلمانية في تركيا بتهيئة الارضية المناسبة لتلقي هذه المفاهيم عند النخبة العسكرية والادارية والتعليمية السنية الحاكمة، والرغبة بتقليدها وتبني خطواتها واجراءاتها ، لان الدولة العثمانية كانت تشكل في النظام المعرفي والسياسي والثقافي عند النخبة السنية مرتكزا دلاليا من الاعجاب والانبهار منذ ايام السلاطين والانكشارية ، وحتى ما بعد تاسيس الدولة العراقية (1921-2003) . علما ان الاختراق العلماني للمجتمع السني قد اقتصر على تلك النخبة الحاكمة ، دون العامة التي كان الاختراق لها اقل بالقياس الى الفئات الاجتماعية كالشيعة والكورد والمسيحيين والاقليات الدينية والمذهبية والاثنية الاخرى ، وهذا يرجع الى ان الخطوات الحكومية التي قامت بها الدولة من اجل بلورة الاندماج القسري للفئات المعارضة او غير الحاكمة ، لم تكن تشمل السنة ، على اعتبار انهم كانوا بالاصل عصبة الدولة وحكامها ، فلا حاجة بالتالي لاختراقهم علمانيا او حتى مدنيا ، فالمفاهيم العشائرية والطائفية والمناطقية بقيت راسخة في النظام الثقافي والاجتماعي لتلك الاقلية الحاكمة ، بل ربما كان للدولة يد في عدم وصول الاختراق الى مديات واسعة من التطرف ، من اجل الحفاظ على عصبة الدولة وعدم تفتيت الهوية السنية الحاكمة امام التيارات والتوجهات الغربية العلمانية الاخرى ، لان ذلك قد يجعلها تسقط في احصان الاحزاب والتيارات المعارضة ، كما سقطت في ذلك الاتون الهوية الشيعية من قبل . وقد تفاجأ المجتمع العراقي بصورة عامة بعد عام 2003 وانهيار المعادلة الطائفية السابقة في الحكم ، ان المجتمع السني مازال يعيش في انماط القبيلة والطائفة والمناطقية اكثر من غيره ، وان حظه من الاختراق العلماني والمدني الذي قامت به الدولة العراقية بعد عام 1920 كان اقل بكثير من الشيعة والكورد والمسيحيين والفئات الاخرى ، وان المجتمع المدني والحركات السياسية والتيارات الفكرية والايديولوجيات الوافدة ، كانت من الضعف عندهم بصورة تبعث على الشك والتأمل ، وحتى اذا كان هناك من تبنى الايديولوجيات القومية والماركسية والاسلامية وغيرها ، فانها لا تلغي هويته الثقافية السنية ، وانما تكون اهميتها بالدرجة الثانية بعد تلك الهوية ، التي لا يستطيع التفريط بها بسهولة ، لانها ببساطة – هوية السلطة ، وهذا يعود الى ان الحكومات المتعاقبة في العراق (1921-2003) كانت تضع ستارا حديديا امام التوجهات والاختراقات للمجتمع السني ، وحافظت عليه من التفتت والتلاشي حتى اصبح بنية صلدة لا يمكن تجاوزها ، وهذا الكلام لا يعني بان المجتمع الشيعي والكوردي كان يعيش العلمانية والمدنية باجلى صورها واعلى مباهجها ، وانما يكون هذا الكلام صحيحا فقط بالقياس الى المجتمع السني الذي لم يتجاوز في يوم من الايام هويته الثقافية ، علما ان هذه المفاهيم والظواهر الاجتماعية ليست قوانين صلدة ، وانما انساق ثقافية تخضع للنسبية والتحول .
وقد ارتكست الانتلجنسيا الشيعية (النخبة المثقفة والمتعلمة) بوهم الانبهار بالخطوات العلمانية والمدنية للدولة العراقية قبل عام 2003 من حيث تهميش واقصاء العشائرية والدين والمناطقية وغيرها ، وفاتها ان هذه الممارسات والاقصاء قد شمل المجتمع او العشائر الجنوبية فقط ، وان الاختراق العلماني قد حصل للمذهب الشيعي ، ولم يحصل للمذهب السني ، بل ربما كان العكس ، فقد كانت الدولة تدعم الاوقاف والمناهج الدراسية والجامعات الدينية السنية من جانب ، وساهمت في ترسيخ البنية العشائرية من خلال التاهيل والاموال والمؤتمرات العشائريه من جانب اخر ، وربما احس كثير من عناصر تلك الانتلجنسيا الشيعيه – لاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين - بذلك التناقض بين ادعاءات السلطات العلمانية وتصرفاتها العشائرية والطائفية والمناطقية ، الا انهم لم يعترفوا بهذا الواقع المزري - ولن يعترفوا -، لان الافتنان بالاب الميت ( الحاكم المتسلط) الذي احتكر لنفسه جميع قيم الوطنية والمدنية والعلمانية والبطوله والشرف من خلال استغلال موارد ومقدرات الدولة المالية والاعلامية والتربوية والعسكرية تجعلهم لا يعترفون بذلك ، ليس لان ذلك قد يشكل نقطة ايجابية ومبررا لصالح الفئات المقصية والمعارضة كالشيعة والكورد فحسب ، بل لان ذلك قد يشكل نقطة سلبية او سوداء في صفحة ذلك الاب الذي مازال صرحا هائلا من التسامي والعنفوان والافتنان في نفوسهم المدجنة .
على اية حال ، نستطيع القول ان ظاهرة التجديف في المجتمع العراقي بصورتها العلمانية الحديثة ، كانت احدى افرازات الاختراق الحكومي العلماني للمجتمع العراقي ، كعادة العراقيين في تبني المفاهيم والخطابات والقيم بافراط ظاهر . وهي تختلف عن التجديف العفوي الريفي بانه اشد جسارة واكثر تطرفا في سب الذات الالهية او الانبياء والاولياء بصورة مباشرة ، وبالاسم الصريح . فيما كان التجديف الريفي والعفوي يعتمد السخرية والاستهزاء فقط على الذات الالهية ، دون السباب المباشر او النعت باوصاف قبيحة (الا في حالات محدودة من الغضب الشديد) ، ولم يكن يشمل هذا التجديف التجاوز او التطاول على الائمة المعصومين او الاولياء والسادة الاخرين . فالزائر الى احياء الشعبية في بغداد – لا سيما في احياء الفضل والشيخ عمر وباب الشيخ - وغيرها من المحافظات ، يجد بقايا هذا النمط العلماني من التجديف بصورة ظاهرة عند النساء والرجال والاطفال ، حيث السب القبيح للذات الالهية ونعتها بابشع الاوصاف او الخصال السيئة ، حتى وصل الحال ان اختزلت عملية التجديف باسوء مهنة او صفة في المجتمع العراقي ، وهي (القيادة) فيكفي ان تسمع العراقي يسب او يلعن (القواد) حتى تعرف من هو المقصود بهذه العبارة . فيما ذكر حنا بطاطو في كتابه (العراق) ان ابياتا شعرية كانت متداولة في الخمسينيات ، تحوي نوعا من التجديف يعكس انتشار تلك المظاهر انذاك (جاء الناس جماعات ... وسألوا عن جهل ... من هو الذي سقط ؟ قلنا : انه الله الذي استبد ... والذي تخلصنا من بره وبحره) . واما المنشق الشيوعي مالك سيف ، فقد ذكر ان بعض طلاب المنتفك (الناصرية) في دار المعلمين العالية في بغداد ، كانوا يقدمون مسرحيات كوميدية ذات مضامين الحادية وتهكمية صريحة على الذات الالهية في عقد الثلاثينيات، وتأكد لاحقا ان يوسف سلمان يوسف (فهد) القيادي المؤسس في الحزب الشيوعي العراقي دور في ترويج تلك المفاهيم في المناطق الجنوبية .
ان الحل في التخلص من الاستسلام النفسي حول وجود اللعنة الابدية على العراقيين وكراهية الله الشديدة لهم يكمن في تبني صورة الله الغربي ، الصديق ، الحديث . واقصاء الصورة النمطية لله المحاسب الغضوب ، الذي ينتج عنه استسلاما للاقدار السيئة ، وهزيمة داخلية امام التحديات والاخطار ، على اعتبار ان ذلك المصير ، هو قدر راسخ من الله عمره الاف السنين ، وقضاء مبرم من اله كاره لهم ، يتربص بهم الدوائر ، وقد ذكر الكاتب السوري هاشم صالح في كتابه القيم (الانسداد التاريخي) ان صورة الله المنتقم الشديد العقاب ، كانت عاملا مهما في تراجع المسيحية في المجتمعات الاوربية الحديثة ، وهي احد الاسباب الاساسية لثورة (مارتن لوثر) ضد الكاثوليكية ، لانه كان يخشى صورة الله المنتقم ، حيث كان يعتقد انه لن يفلت من عقابه مهما فعل ، ولم يطمأن او تهدأ نفسه الا بعد التخلص من صورة الله المرعبه القادمه من انساق العصور الوسطى , والترويج بدلا عنها لصورة الله المتسامح المتفهم , الحنون والمشرق . واعتقد ان مصير الاسلام سيكون حتما التراجع ايضا في المجتمعات الاسلاميه , وبخاصة العربية والعراقية , ان بقيت في الاذهان صورة الله المرعبه والنمطيه على حالها -ان لم يكن الالحاد – كما حصل في اوربا –وهذا التبني لايكون من خلال النصائح والشعارات العلمانيه والادعاءات الادبيه والفنيه او الهجوم على الاسلام و القفز على الواقع الديني المستحكم بالعقليه العراقيه , وانما من خلال جهد ثقافي ومعرفي وتربوي شامل , يعتمد مفاهيم التنوير الاوربي والنزعه الانسانيه والتسامح الديني والتاويل الشامل (الهيرومنوطيقا) والقراءه الرمزيه للقران , واعتماد الليبراليه السياسيه والتعدديه الديمقراطيه في الحكم ، وغيرها من المسارات العقلانيه التي اعتمدتها المجتمعات الاوربية ، التي ستكون حتما كمقدمة لتغيير الصورة الرمزيه التقليديه عن الله , وتحول الاديان من عصاب جماعي حكمته عودة المكبوت – حسب تعبير فرويد – الى بؤره متصالحه مع الذات وانماط صديقه للمجتمع .
ملاحظة : للاطلاع على اراء المفكرين والكتاب الليبراليين الذين نادوا او نظروا الى تبني قيم ومفاهيم التنوير والحداثة والنزعة الانسانية والقراءة الرمزية للقران وتاويل الاديان وايلاء قيم التسامح والحرية والعدالة في المجتمعات الاسلامية ينصح بقراءة مؤلفات : محمد اركون (الجزائر) جورج طرابيشي وهاشم صالح (سوريا) علي الوردي وعبد الجبار الرفاعي واحمد القبانجي وعبد الرزاق الجبران وفالح عبد الجبار (العراق) ادونيس وهاني فحص ومحمد حسن الامين (لبنان) عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري (ايران) نصر حامد ابو زيد والسيد القمني (مصر) وغيرهم . فضلا عن مؤلفات اساتذتهم من الفلاسفة والمفكرين الاوربيين الكبار امثال : هيغل وفيورباخ وماكس فيبر وميشيل فوكو وشتراوس وفرويد وبورديو ودولوز وبول ريكور .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,283,561,260
- التفسير الاجتماعي والنفسي لفوز المالكي
- المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الرابع والاخ ...
- المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الثالث)
- المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الثاني)
- المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الاول)
- ( سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان (القسم الرابع )
- ( سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان (القسم الثالث )
- ( سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان ( القسم الثاني ...
- (سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان ( القسم الاول )
- المثقفون العراقيون ....... والطائفيه (التابو الاخير)(القسم ا ...
- المثقفون العراقيون ....... والطائفيه (التابو الاخير)
- حفريات في الاستبداد (قراءة في كتاب سبق الربيع العربي)
- هل كان علي الوردي برغماتيا ؟


المزيد.....




- أردوغان: يمكننا تسمية آيا صوفيا بالمسجد ليكون الدخول إليه مج ...
- شيخ الأزهر لعبد المهدي: أرغب بزيارة مدينة النجف الأشرف
- بعد -مجزرة المسجدين-.. نيوزيلنديون يصنعون الحجاب
- اللوبي اليهودي الأقوى بالولايات المتحدة يفتتح مؤتمره السنوي ...
- تفاصيل لقاء رئيس الوزراء العراقي وشيخ الأزهر
- إعلان النصر في الباغوز لا يعني نهاية تنظيم -الدولة الإسلامية ...
- -الإفتاء المصرية- تحذر من 13 كتابا... الأكثر خطورة (فيديو)
- روبرت فيسك في الإندبندنت: لا تصدقوا الضجيج، تنظيم الدولة الإ ...
- المبعوث الأمريكي: تنظيم الدولة الإسلامية لايزال يمثل تهديدا ...
- هزيمة دولة الخلافة: ترامب يتعهد بدحر من بقي من مسلحي تنظيم ا ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سلمان رشيد محمد الهلالي - لماذا يكره الله العراقيون ؟؟ (ظاهرة التجديف في المجتمع العراقي)