أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - نعم مصر دولة علمانية بالفطرة يا شيخ برهامي















المزيد.....


نعم مصر دولة علمانية بالفطرة يا شيخ برهامي


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4948 - 2015 / 10 / 7 - 10:37
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



هاجمت الدعوة السلفية تصريحات الأستاذ حملى النمنم وزير الثقافة، التى قال فيها إن "مصر دولة علمانية بالفطرة وأن تيار الإسلام السياسى جلب الخراب لمصر". وقال الشيخ ياسر برهامي، نائب رئيس مجلس إدارة الدعوة السلفية، "إن هذا الكلام ملىء بالأكاذيب".

وأضاف الشيخ السلفي:"عندما يقول وزير الثقافة إن مصر دولة علمانية بالفطرة، فالفطرة هذه هى فطرة الله التى فطر الناس عليها ومن ضمن عبادة الله سبحانه وتعالى أن تنظم شئون الناس وفق شرع الله، وليست بفصل الدين عن الدولة، الذي يعتبر مخالفا لكتاب الله وسنة رسول الله والدستور المصري الذي ينص على مرجعية الشريعة الإسلامية شاء وزير الثقافة أم أبى".

كلام هبل وعبط، عاري تماما عن الصحة وليس له معنى أو مبنى. يعني إيه فطرة الله التي فطر الناس عليها؟ وكيف يخلق الله الناس عرايا ثم يأمر المرأة بالنقاب، وأين الفطرة هنا؟

ثم كيف يكون فصل الدين عن الدولة مخالفا لكتاب الله وسنة رسوله؟ وما دليلك على ذلك؟ هل هي بعض التفاسير القديمة التي لا تستطيع منها فكاكا؟ فصل الدين عن الدولة يعني أننا لا يجب أن نحكم براسبوتين آخر متخفي في ثياب الصالحين ورجال الدين.

نعم يا شيخ برهامي، مصر دولة علمانية منذ الأزل، منذ بداية التاريخ. أي منذ اختراع الكتابة من أكثر من سبعة آلاف سنة. علمانية بمعنى أنها لم تكن محكومة بالمؤسسة الدينية، والدين لم يكن مفروضا على الناس بالعافية وبالغلاسة والسآلة والإجرام.

الفترة الوحيدة التي حاول فيها اخناتون فرض ديانته على الناس بالقوة، لم تدم طويلا ولم ينجح اخناتون في مسعاه، ورجع الشعب المصري إلى سابق عهده. إلى التسامح الديني والحب وتقدير الفن والموسيقى والثقافة والتعليم والأدب وحب الحياة.

لقد رفع أوزوريس عن مصر الفاقة والحياة الهمجية. فهذب العالم كله وعلمه الحضارة، وأدخل إليه المدنية والتقدم بغير استعمال السلاح والغزو والفتح والرعب والسبي ونهب الثروات، والإرهاب بعذاب النار وعذاب القبر والثعبان الأقرع، والأقرع الحابس، كما يفعل السلفيون أنصار وأتباع الشيخ برهامي وشركاه. لم يستخدم أوزوريس سوى أشرف الفنون وأنبلها، الأدب والفنون والموسيقى والشعر والعلوم لتقدم البشرية.

هذه بعض الأمثلة تبين أخلاقيات مصر القديمة التي وصف حضارتها الشيخ السلفي عبد المنعم الشحات بأنها حضارة عفن، والتي سبها مرشد الإخوان السابق، مهدي عاكف، عندما قال بالحرف: "طظ في مصر وأبو مصر واللي في مصر"، أي طظ بالثلث.

هذا ما كان ينصح به الوزير بتاح محب ولده، في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، فالأخلاق كانت سلوكا وتربية وتعاليم تنتقل من الأب للإبن عبر العصور:

"إذا أصبحت كفؤا، كون أسرتك. أحبب زوجتك. عاملها بما تستحق. أشبع جوفها واستر ظهرها وعطر بشرتها وأسعدها ما حييت. ولا تتهمها عن سوء ظن. امتدحها واستمل قلبها بعطاياك، تستقر دارك".

هكذا كان المصري القديم يعامل زوجته، وانظر يا شيخ برهامي كيف أنت وجماعتك تعاملون المرأة اليوم. تأكلونها إذا جعتم وتتركونها وتولون الأدبار إذا تعرض زوجها للخطر، وتضعونها في أكياس سوداء إذا خرجت إلى الطريق، وتضربونها، وتتزوجون عليها، وتطلقونها، وتساونها بالدنس والشياطين.

هذا ما قاله الحكيم "كا أرسو" يعظ ولده "كا يجمني": "الزم الصمت ودع أعمالك تتكلم" ، "إذا دعيت للطعام، فتعفف حتى لو كنت تشتهيه. وإذا أكلت، تجنب الطعام الذي تحبه، حتى لا تظهر بالمظر غير اللائق". هذا شئ في آداب السلوك لم نر أو نسمع بمثله في أي عصر من العصور.

قال أيضا في الزهد: "إن قدحا من الماء يروي الظمأ، وملء الفم من نبات الأرض يقيم القلب. ورب حسنة قليلة تعادل الخير كله، ونزر يسير يغني عن الكثير"

وهذا ما قاله الحكيم أمنموبي لولده: "لا تقل إن اليوم أشبه بالغد. فلا يعلم الإنسان ما سيكون عليه الغد. ولا تسب من يكبرك سنا. لا تخصص عنايتك لمن يلبس الثياب الفاخرة، وتهمل من يلبس الثياب الرثة. لا تتقبل رشوة أو تظلم الضعيف. العدل هبة غالية". قال أيضا، "مهما كانت ثقافتك، لا تتكبر واحترم الغير يحترمك الناس، ولا تبالغ في حديثك"

ما سبق هي بعض تعاليم أجدادنا قدماء المصريين، وهي كثيرة جدا، يجب إعادة قراءتها وفهمها وتدريسها لأبنائنا الطلبة في المدارس بدلا من تعاليم السلفية وأقوال الشيخ برهامي المليئة بالخرف، والتي تفرخ الدواعش وتودي في ستين داهية، هذا إذا أردنا أن ننهض من كبوتنا.

ذكرتها هنا لكي أبين أننا كنا أمة عظيمة في الماضي، ولم نكن شعبا أي كلام. ولم نصل إلى هذه الخيبة الكبرى والمدلهمة العظمى إلا عندما رأينا مثل هذه الأشكال الكئيبة، النقاب والحجاب والعيون المكحلة واللحى المنفوشة والمنكوشة والمصبوغة باللون الأحمر، والزبيبة التي تشبه حدوة الحصان. هذه الكائنات التي يفوح منها التخلف، ويتصاعد من رؤوسها بخار الغباوة والإنحطاط والجهل.

لم تكن حضارتنا عفن كما يقول الشيخ السلفي عبد المنعم الشحات لا فض فوه. هذه تعاليم ليست فيها جنة ونار وسكر وزيت وثعبان أقرع وشياطين تعشش في المناخير، وتجري ويسمع لها ضراط عند سماع الأذان. بل هي تعاليم خاصة بالأخلاق والسلوك لكل الناس بدون النظر إلى طبيعة تدينها.

يقول طه حسين فى كتابه مستقبل الثقافة فى مصر، إن مصر هي دولة علمانية وجزء من أوروبا حضاريا. هذا هو الطريق الوحيد لكي ننتمي لهذا العالم المتقدم.

هذا لا يعني أنه يجب علينا صنع حضارة خاصة بنا، يمكن مقارنتها بالحضارة الأوروبية. إنما يعني أننا يجب أن نسير فى نفس الدرب الذي ساروا عليه، درب العلمانية. ونأخذ حضارتهم بما فيها من حلو ومر وخير وشر.

كان معظم الكتاب والمفكرين المصريين في عصر النهضة، ومنهم أحمد أمين، يصنفون دول العالم إلى دول شرق ودول غرب. كانوا يضعون مصر مع دول الشرق نظرا لموقعها الجغرافي.

أما طه حسين، فيقول إن مصر ثقافيا وحضاريا، هى دولة علمانية غربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالة. العالم ينقسم إلى حضارتين لا ثالث لهما. الأولى، تأخذ جذورها من الحضارة المصرية القديمة وفلسفة اليونان والقانون الروماني. والثانية، تأتي من الهند.

مصر تنتمي إلى الحضارة الأولى. لماذا إذن ينظر المصريون إلى أنفسهم على أنهم من أهل الشرق؟ يأتي هذا بسبب اللغة والدين. والمشاركة فى هموم الاحتلال والتخلف. ما دمنا متخلفين مثل دول الشرق، ونتحدث بلغتهم، فنحن مع حضارة الشرق. لكن تاريخ مصر يقول عكس ذلك.

مصر كانت عبر التاريخ على اتصال بدول البحر المتوسط وبحر إيجة. كانت هي نفسها مهد حضارة غمرت الآفاق آلاف السنين. هذه الحضارة هى جذور وأصل الحضارة الغربية الحديثة. لذلك مصر دولة علمانية بالفطرة ومنذ قديم الأزل.

مصر أيام حكم البطالمة الذي استمر قرابة 300 سنة، كانت دولة علمانية لا دينية. في مكتبة الاسكندرية، وضعت أصول علم التصنيف، ووضعت قواعد نقد النصوص الأدبية، وقوائم للمؤلفات الأدبية والعلمية والفلسفية، وحققت مؤلفات هوميروس، ثم أخرجت في صورة لا تختلف كثيرا عن التي بين أيدينا اليوم. كما ابتكرت العلامات الصوتية في النطق، وعلامات الاستفهام والتعجب وفواصل الكلام في الكتابة، ولم تهمل الرياضيات والعلوم البحتة.

في الاسكندرية أيضا، استطاع أريستارخوس أن يكتشف دوران الأرض حول الشمس، قبل أن يكتشفه كوبرنيق. واستطاع إراتوستينيس أن يقيس محيط الكرة الأرضية، إلى درجة مرضية. بينما كتب التراث التي يريد الشيخ برهامي فرضها علينا بالقوة، تقول بأن الأرض مسطحة يحملها الحوت بهموت. وهذه الكتب تدرس لطلبة الأزهر اليوم.

في الاسكندرية، ألف إقليدس أيضا كتاب الأصول في علم الهندسة، التي تدرس في مدارسنا اليوم. واخترع هيرون الآلة البخارية، واخترع كذلك الآلة الأوتوماتيكية. وألف بطليموس القلوذي كتاب المجسطي، وهو أهم كتاب في الفلك، ظل متداولا في العالم القديم أكثر من ألف عام.

أرشميدس قام باختراع الطنبور المستخدم في الري لنقل الماء من أسفل إلى أعلى، أثناء زيارته لمدينة الاسكندرية، التي كانت مركزا عالميا للعلوم والفنون في ذلك الوقت.

ذاع سيط مدرسة الطب الاسكندري ولاسيما التشريح والجراحة. وفي الاسكندرية، ترجمت التوراة إلى اللغة اليونانية لينتفع بها اليهود المشتتون وهي الترجمة المعروفة بالسبعينية. وفيها، جاء فيلون بمذهبه عن اللوغوس الإلهي.

بالرغم من الاحتلال الروماني، كان المصريون في القرن الأول الميلادي، يتمتعون بدرجة لا بأس بها من الرخاء. ولا يتبين من الحفريات التي وجدتها جامعة ميشيجان في قرية كرانس (كوم أوشيم) بالفيوم، أي تدهور ملموس في مستوى العمارة أو في رونق الحياة الإجتماعية قبل أواخر القرن الثاني. فدب النشاط بصورة واضحة في المجالس البلدية، بعواصم الأقاليم، وظل لواء الثقافة الهيلينية مرفوعا.

أظهرت الاكتشافات في البهنسا التي لم تكن مدينة إغريقية بل مجرد عاصمة لأحد الأقاليم المصرية، أنه كان في متناول قرائها عدد ضخم من المؤلفات المتنوعة في الأدب اليوناني الكلاسيكي بصورة تبعث على الدهشة.

كانت أشعار هوميروس، وهي الكتاب المدرسي الرئيسي في التعليم المدرسي، في كل مكان. ولا ينبغي أن ندهش لوجود قصائد هيسيود، وأغاني سافو وروايات مناندر وقصائد كاليماخوس.

وأجزاء من قصائد الشعراء الغنائيين وروايات الكتاب المسرحيين الأوائل، كأناشيد الشكر وغيرها من المنظومات لبندار والشعراء المعاصرين. وروايات أسخيلوس وعددها لا يقل عن 40 رواية، وروايات أخرى لسوفوكليس ويوريبيديس وأرسطوفان.

لقد كان هناك جمهور كبير من القراء وتجارة رائجة في الكتب. لم يكن التعليم مقصورا بأي حال من الأحوال على الصفوة من الأثرياء. فقد أدركت قيمته وسعت في طلبه تلك الطبقة المتوسطة التي بذل البطالمة والرومان قصارى جهدهم في سبيل بنائها.

كان التعليم يبدأ بالقراءة والكتابة. أولا الحروف الأبجدية، فالمقاطع المكونة من حرفين، فالمكونة من ثلاثة، إلخ. بعد ذلك، الكلمات الكاملة. منهج الدراسة يتدرج بعد ذلك إلى: النحو والبلاغة والأدب والعلوم الرياضية والفلسفة والمنطق.

التلاميذ مطالبون بكتابة موضوعات إنشائية وفي مرحلة أعلى، بكتابة خطب في موضوعات مقررة. إلى جانب ذلك، كانوا يدرسون شيئا عن القصص والأساطير الإغريقية. ويتبين من كثرة استخدامهم للحكم والأمثال لتمرين التلاميذ على المطالعة، اهتمام المربين بالناحية الأخلاقية.

كان التعليم مختلطا، ويوجد إلى جانب المدارس المحلية ومعاهد التربية، مدرسون خصوصيون، لهم مكانة رفيعة في المجتمع، يفد إليهم التلاميذ من جهات نائية. وعندما يتم التلميذ المراحل الأولى من التعليم، كان الراغبون منهم في التعليم العالي يلتحقون بجامعة الإسكندرية.

كان التعليم في مصر، يتضمن التربية البدنية التي تشمل المصارعة والتدريبات الشبه عسكرية. وكانت استعراضات الشباب والاحتفالات الرسمية، تتخللها مهرجانات يتمتع بمشاهدتها سكان عواصم الأقاليم. كما كانت تقام حفلات رياضية دورية يتبارى فيها الهواة من جميع الطبقات في الملاكمة والمصارعة والجري وغير ذلك من الألعاب الرياضية.

كانت تقام حفلات تمثيلية يشاهدها سكان العواصم لمشاهدة روايات من التراجيديا الإغريقية الكلاسيكية، ومن الكوميديا الجديدة، كما تيسر لهم الاستتمتاع بمشاهدة الروايات الشعبية المضحكة والأدوار الهزلية في المسارح المحلية وقاعات الموسيقى. وكانت هناك فرق متجولة للموسيقى والرقص والألعاب البهلوانية، وما إلى ذلك للترفيه عن الفلاحين في القرى النائية بأطراف الأقاليم.

لم تكن الحياة في مصر خالية من المباهج في القرن الثاني الميلادي. البرديات تصف أضواء باهرة على الحياة العائلية السعيدة، وما يتخللها من حفلات خاصة بأعياد الميلاد، وولائم للغذاء أو العشاء ومناسبات اجتماعية أخرى. ومشتروات، دمى وحلوى للأطفال، ورسائل خاصة متبادلة بين الأفراد والأسر زاخرة بالأشواق.

خلال التاريخ، كان تأثير حضارة مصر على اليونان، وتأثير حضارة اليونان على مصر واضح ومستمر. حتى عندما كانت مصر جزءا من الدولة الإسلامية، نجدها تستقل بشخصيتها منذ حكم ابن طولون. وكانت على اتصال بحضارة الغرب والبحر المتوسط أكثر من حضارة الشرق. لماذا إذن تخلفت مصر عن دول الغرب حضاريا؟

يقول طه حسين أن ذلك يرجع إلى الاحتلال التركي ونظام الخلافة. فهو الذي قضى على حضارة مصر، ولفترة طويلة. وجعلها تمر بعصور مظلمة مثل العصور المظلمة التى مرت بها أوروبا من قبل.

هذه حالة مصر أيام الخلافة العثمانية التي يبكي عليها الشيخ برهامي والسلفيون وبتوع حزب النور والإخوان والدواعش:

كانت تعيش مصر وباقي البلدان العربية أيام الخلافة العثمانية، كما يقول كاتبنا الكبير المرحوم يحى حقي، في عالمها المقفل . إلى درجة أن عربة نقل صغيرة بعجلة أمامية واحدة، تنقل بها الأتربة، كان يستخدمها الفرنسيون، بدت للجبرتي كأنها معجزة شيطانية.

عندما ذهب الجبرتي إلى المجمع العلمي الفرنسي بالقاهرة، وشاهد مكتبته، وحضر بعض التجارب الكيميائية والفيزيائية، التي هي أشبه بألعاب السحر في السيرك، كتب لنا ما يلي:

"من أغرب ما رأيته في ذلك المكان، أن بعض المقيمين به، أخذ زجاجة من الزجاجات الموضوع فيها بعض المياه المستخرجة. فصب منها شيئا في كأس. ثم صب عليها شيئا من زجاجة أخرى. فغلى الماءان، وصعد منهما دخان ملون، حتى انقطع وجف ما في الكأس، وصار حجرا أصفر يابسا. أخذناه بأيدينا ونظرناه.

ثم فعل ذلك بمياة أخرى. فجمد حجرا أزرق، وبأخرى، فجمد حجرا أحمر ياقوتيا...وأخذ مرة زجاجة فارغة مستطيلة، في مقدار الشبر، ضيقة الفم. فغمسها في ماء قراح. وأدخل معها أخرى على غير هيئتها. وأنزلهما في الماء. وأتى آخر بفتيلة مشتعلة. وقربها من فم الزجاجة. فخرج ما فيها من هواء محبوس، وفرقع بصوت هائل. وغير ذلك، من أمور كثيرة، وبراهين حكيمة. تتولد من اجتماع العناصر وملاقاة الطبائع."

ويقول الرافعي عن الحالة الاقتصادية: " لقد أهمل الولاة العثمانيون والبكوات المماليك، أمر الري وتوزيع المياه وإقامة القناطر والجسور وحفظ الأمن. فجفت الترع، وتلفت الأراضي، وتعطلت الزراعة، وفقد الأمن، وذهبت ثروة البلاد، وهاجر الكثير من سكان القطر إلى البلاد المجاورة.

اضمحلت الصناعات والفنون، التي كانت تزدان بها في سالف العصور. وبدأت في الاضمحلال، بعد الفتح العثماني مباشرة. بسبب اضطراب الأحوال، وكثرة الفتن، وفقد الأمن، والإسراف في السلب والنهب. وكانت مصادرة أموال التجار، من أهم أسباب ركود الحركة التجارية. فاختفت رؤوس الأموال من أيدي الأهالي. وغلب عليهم الفقر. وصار الشعب إلى حالة محزنة من الضنك والفاقة."

وعن حالة المدارس، كتب علي باشا مبارك : " أهمل أمر المدارس، وامتدت أيدي الأطماع إلى أوقافها. وتصرف فيها النظار على خلاف شروط وقفها. وامتنع الصرف على المدرسين والطلبة والخدمة. فأخذوا مفارقتها. وصار ذلك يزيد عاما بعد عام. حتي انقطع التدريس فيها بالكلية. وبيعت كتبها وانتهبت.

ثم أخذت تتشعب وتتخرب من عدم الالتفات إلى عمارتها ومرمتها. فامتدت أيدي الناس والظلمة إلى بيع رخامها وأبوابها وشبابيكها. حتى آل بعض تلك المدارس الفخمة والمباني الجليلة، إلى زاوية صغيرة. تراها مغلقة في أغلب الأيام. وبعضها زال بالكلية وصار زريبة أو حوشا أو غير ذلك. ولله عاقبة الأمور."

لكن عصور الإنحدار والتخلف انتهت فى مصر منذ أن تيقظت من ثباتها بالحملة الفرنسية وحكم محمد علي. وبدأت تأخذ من أوروبا علومها وأسلوبها فى الحكم. وصارت مصر دولة علمانية، وبات كل شئ فيها غربي. حتى المؤسسات الإسلامية فى مصر مثل المحاكم الشرعية، كانت على غرار النمط الأوروبي.

حقا هناك فروق بين مصر وأوروبا حاليا، لكن هذا يأتي من أن عصر النهضة الأوروبية قد بدأ في القرن الخامس عشر. أما عصر النهضة فى مصر، فقد بدأ مع بداية القرن التاسع عشر.

الحضارة الأوروبية منفصلة عن الدين. لذلك يمكن لمصر أن تأخذ من حضارة الغرب دون الخوف من تأثير هذه الحضارة على ديانتها. فالحضارة الإسلامية قديما أخذت من حضارة اليونان وحضارة الفرس والهند بدون مشكلة.

فى الواقع ليس هناك حضارة غربية وأخرى إسلامية. إنما هى كلها أطوار مختلفة لحضارة واحدة. هى الحضارة الإنسانية. الكل قد ساهم فيها بقدر كبير أو صغير.

بدأت هذه الحضارة فى مصر. ثم انتشرت منها إلى جميع أنحاء العالم القديم. ثم خبا نورها فى مصر ليسطع فى اليونان. ومن اليونان إلى الاسكندرية والشام. ثم أسهمت الاسكندرية والشام والفرس والترك والهنود فى الحضارة الإسلامية، التى استمرت أربعة قرون. ثم انتقلت عن طريق الأندلس وصقلية إلى أوروبا.

هذه الحضارة تعرف اليوم خطأ بالحضارة الغربية. إنما الاسم الصحيح لها هو الحضارة الإنسانية. فهى بمثابة النهر الذي يصب فيه الكل. وينهل منه الجميع. ونحن نتساءل بدورنا. لماذا الخوف والرعب من الحضارة الغربية؟

الخوف من الحضارة الغربية يأتي من عدم الثقة فى أنفسنا وفى قدراتنا. ويأتي من مجموعة تحتكر تفسير الإسلام. وتعارض الحضارة الغربية من منطلق ديني بحت. خوفا من تأثير هذه الحضارة على مفهوم العقيدة.

لكن هذا الخوف لا مبرر له. لأنه ناتج من عدم فهم للحضارة الغربية. كل الذين ألموا بأصول الديانة الإسلامية، وكانوا ذو ثقافة واسعة. مثل الكندي والفارابي والرازي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون. ومن المحدثين، أمثال رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين، لم يجدوا أي تعارض أو خوف من الاستفادة من الحضارات الأجنبية، مع الاحتفاظ بالأصول الإسلامية التى تدعو لها الشريعة الإسلامية.

ضعفنا وتخلفنا والإسلام السياسي وأفكار السلفيين وبتوع داعش وأمثالهم، هو الخطر الحقيقي الذي يهدد وجودنا. وليست العلمانية والحضارة الغربية. فماذا يحدث لو رفضنا استخدام المضادات الحيوية والأسلوب الحديث فى التشخيص والعلاج، واكتفينا بالعلاج بالحجامة وبول الإبل والعلاج المتبع أيام صدر الإسلام؟

إذا كانت الحضارة الغربية هى الصاروخ والطيارة والسيارة والتليفزيون والفيديو والتليفون والكهرباء والذرة والكمبيوتر والإنترنت والفيسبوك، وإذا كنا نقبل كل هذا بسهولة وبشهية نحسد عليها. لماذا إذن الخوف من الحرية والديموقراطية والفلسفة والأدب والفن والموسيقى الغربية؟

من يقول أن كل هذه الأمور محلية تصلح للغربيين ولا تصلح لنا، كما يدعي بعض مشايخنا الكرام، الذين فقدوا عقولهم وضمائرهم؟ كل هذه موضوعات ثقافية لا دين لها ولا وطن. هي نتاج التراث الإنساني.

تعبر عن آمال وأحزان الإنسان فى كل مكان وكل زمان. إذا كانت اليابان قد أخذت من الحضارة الغربية، ونهلت منها كل منهل. دون أن تفقد شخصيتها أو دينها. فنحن من باب أولى، أحق بالاستفادة من الحضارة الغربية التى نحن مؤسسوها. دون خوف على شخصيتنا. لأن جذورنا أثبت وأقدم وأعرق.

مصر يا شيخ برهامي، دولة علمانية بالفطرة. فطرتك اللي تتكلم عنها، تروح تبلها وتشرب ميتها على الريق، أو تذهب لكي تنشرها مع أفكارك وأفكار إخوانك السلفيين وبتوع داعش في بلاد البداوة وصحاري وهضاب الوهابية، فهي أولى بكم وأفضل مكان يناسب أفكاركم. وصدق وزير الثقافة حلمي نمنم عندما يقول، "مصر دولة علمانية بالفطرة وأن تيار الإسلام السياسى جلب الخراب لمصر".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,412,938
- هيكوبا - ليوريبيديس
- ثلاث قطع نقود - بلاوتوس
- أساطير السماء – برج الدجاجة
- أساطير السماء – برج العذراء
- أساطير السماء – برج الدلو
- أساطير السماء – برج الدلفين
- أساطير السماء – برج الحمل
- أساطير السماء – برج الأسد
- ماذا نفعل مع داعش؟
- أساطير السماء – برج السفينة
- أساطير السماء – برج حامل رأس الغول
- إسكندرية يا بهية
- أساطير السماء – برج الحوت
- الضحية والجلاد، وتلازم الأضداد
- علم الرياضيات..هو علم التجريد
- من نحن؟ البداية، فكرة مجردة
- أساطير السماء – برج الجاثي (هرقل)
- فريدريك نيتشة – هكذا تكلم زرادشت
- السجن 5 سنوات لاسلام بحيري
- أساطير السماء – برج العقاب


المزيد.....




- فيديو -من جهنم-.. انهمار 2000 طن من الحديد المصهور كالحمم عل ...
- بوريس جونسون يعلن أنه لن يؤيد أمريكا إذا رغبت بشن حرب على إي ...
- مداخيل ليبيا من النفط تتراجع 11% في النصف الأول من العام
- ألمانيا والنمسا لا تستبعدان فرض عقوبات على تركيا جراء تنقيبه ...
- ألمانيا والنمسا لا تستبعدان فرض عقوبات على تركيا جراء تنقيبه ...
- اليمن.. عراقيل أمام مفاوضات الحديدة لإعادة الانتشار
- هل تعوق مطالبة العسكر بالحصانة اتفاق أطراف الأزمة بالسودان؟ ...
- فايننشال تايمز: الرياض سعت لتقديم ضمانات لمعارضين من أجل عود ...
- أكثر من عامين بسجن انفرادي.. نيابة مصر تجدد حبس علا القرضاوي ...
- ظريف: السبيل مازال متاحا أمام واشنطن للخروج بـ-ماء الوجه-


المزيد.....

- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - نعم مصر دولة علمانية بالفطرة يا شيخ برهامي