أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فواز فرحان - سرّ الملكية ..17















المزيد.....



سرّ الملكية ..17


فواز فرحان
الحوار المتمدن-العدد: 4924 - 2015 / 9 / 13 - 16:52
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مقدار قيمة السلعة ..

العمل الفردي الضروري اجتماعياً ..

اذا كانت القيمة عبارة عن العمل المتجسّد في السلعة , فإن مقدار القيمة يتحدد بكمية العمل المنفق على انتاجها , بيد ان مختلف المنتجين لا ينفقون على انتاج سلعة معينة واحدة زمناً واحداً ..
ولهذا فزمن العمل الضروري لإعداد المنتجات يتحدد لا بخصائص الانتاج والمنتجين الفردية , بل بالشروط الاجتماعية السائدة , ان مقدار القيمة يعادل لا ما يُنفق من عمل فردي , بل الزمن الضروري اجتماعياً المنفق على انتاج سلعة ..
والزمن الضروري اجتماعياً .. هو زمن العمل المطلوب لإعداد قيمة استعمالية ما في ظل شروط انتاج عادية , معيّنة اجتماعياً , وفي ظل مستوى وسطي في مجتمع معيّن من مهارة العمل وشدّتهِ . لنفرض ان انتاج زوج من الأحذية يتطلب في مؤسسات متباينة 10 , 15 , 25 ساعة عمل , في حين ان النفقات اللازمة له في غالبية المؤسسات العظمى هي 15 ساعة , فالزمن الضروري اجتماعياً الذي يحدد قيمة زوج الأحذية 25 ساعة بدلاً من 15 ساعة , فمن الواضح أن عشر ساعات من العمل الفردي تضيع هدراً ولا يعترف المجتمع بها , وهو أمر نلمسهُ في السياق العفوي للتبادل والصراع التنافسي بين المنتجين ..
ان انتاج السلعة وفقاً لنفقات العمل الضروري اجتماعياً هو أهم عامل للنجاح في تنافس منتجي السلع , ومن الواضح ان الذي ينفق على اعداد وحدة من المنتجات زمناً أقل مما ينفقهُ الآخرون يصبح في السوق متمتعاً بوضع أفضل في التنافس .
فإذا كان الزمن الضروري اجتماعياً لصنع زوج الأحذية يساوي 15 ساعة عمل , وكان بعض المنتجين ينفقون على هذا العمل 10 ساعات فقط , فهذا يعني أنهم ينالون في السوق لقاء كل 10 ساعات عمل , 15 ساعة من العمل الاجتماعي ..
ان بيع السلع بقيمتها الاجتماعية يعبر فقط عن المساواة الشكلية القائمة بين المنتجين الخاصين , ورغم ان بعضهم ينفق عملاً أعظم كثيراً , وبعضهم أقل , فإن السلع تباع في السوق بقيمة اجتماعية واحدة , إلاّ أن مثل هذه المساواة انما تعني عملياً عدم التساوي بين هؤلاء المنتجين , انها تؤدي الى افلاس جماهير صغار المنتجين ومالكي وسائل الانتاج , والى اغناء كبار المنتجين ومالكي وسائل الانتاج هذه ..

العمل البسيط ... والعمل المركب .

العمل المنتج للسلع يمكن ان يكون مركباً ( موصوفاً ) وبسيطاً ( غير موصوف ) لا يتطلب تدريباً خاصاً , ان العمل الأكثر تركيباً يقارن عملياً في سياق التبادل , بالعمل الأقل تركيباً أي العمل البسيط ..
لأن ما يتبادل في السوق انما هي منتجات ذات نوعية متباينة , وكل عمل مركب هو عمل بسيط مضاعف بعدد المرات لأنه يحتوي على العمل الضروري للتدريب , ويمكن ان تكون السلعة أكثر الأعمال تعقيداً , إلاّ أن قيمتها تجعلها معادلة لإنتاج العمل البسيط , وبالتالي فالقيمة ذاتها تمثل فقط كمية عمل معيّنة من العمل البسيط .

انتاجية العمل .. ومقدار القيمة

يتبدل مقدار العمل الضروري اجتماعياً بتبدل قوة العمل الانتاجية التي تتحدد بكمية المنتجات المنتجة في الوحدة الزمنية , فإذا انتجت خلال ساعة كمية مضاعفة من المنتجات بالنسبة الى الماضي , فهذا يعني زيادة انتاجية العمل مرتين ..
ان قوة العمل الانتاجية تتعلق بعدد من العوامل , وقبل كل شيء بمستوى تطور أدوات العمل , وقد أشار ماركس في حديثهِ عن مقدار قيمة السلعة الى أن ..
(( قوة العمل الانتاجية تتحدد بعوامل معقدة كثيراً بينها وسطي , درجة فن العامل , ومستوى تطور العلم , ودرجة استخدامهِ للتكنولوجيا , والتجميع الاجتماعي للعملية الانتاجية , ومقدار وفعالية وسائل الإنتاج , وأخيراً .. الشروط الطبيعية )) .
كارل ماركس .. رأس المال .. الجزء الأول .. ص 46
وعند الحديث عن قوة العمل الانتاجية يقصد بذلك كمية القيمة الاستعمالية المنتجة في الوحدة الزمنية , وهذا يعني في الظرف المعين ان الحديث يتناول الناحية الحسّية في العمل ..
ان العمل الحسي يمكن ان يكون كما يقول ماركس مصدر منتجات أكثر غنى أو أكثر شحّاً !!
أما فيما يتعلق بالعمل المجرّد المنتج لقيمة السلع , فإن العمل الواحد من حيث التعقيد والشدّة ينتج في الوحدة الزمنية قيمة واحدة , فإذا أمكن انتاج زوجين من الأحذية بدلاً من زوج واحد في 10 ساعات عمل , فإن القيمة العامة لها هي الساعات العشر من العمل ذاتها , إلاّ ان قيمة كل منهما تكون 5 ساعات عمل , أي انخفضت مرتين , ومن ناحية اخرى إذا كان زوجان من الأحذية يجسدان من قبل في ذاتهما نفقات عشرين ساعة عمل , فإنهما يجسدان الآن في 10 ساعات عمل فقط , وعلى هذا فالقيمة العامة للزوجين انخفضت مرتين ..
وبالتالي فإن ثروة المجتمع المتزايدة ( أي نمو مقادير القيم الاستعمالية ) يمكن ان يُعبَر عنها بمقدار القيمة ذاته , أو حتى بأقل منه , فلا شك في ان تضاعف كمية الأحذية في المثل المذكور انما يعني زيادة ثروة المجتمع , إلاّ أن قيمة مجموع الأحذية بقيت واحدة ..
ان مقدار قيمة السلعة يتناسب طرداً مع كمية العمل المنفقة , وعكساً مع قوة العمل الانتاجية , فكلما ازدادت قوة العمل الانتاجية , انخفض الزمن الضروري اجتماعياً المنفق على انتاج سلعة معيّنة , وبالتالي هبطت قيمتها .
وهكذا فالقيمة هي خاصة اجتماعية لا خاصة طبيعية للأشياء , انها عبارة عن علاقة اجتماعية بين منتجي السلع , قائمة عبر الاشياء .

تطور أشكال القيمة ونشوء النقد ..

لما كانت القيمة عبارة عن خاصة اجتماعية للشيء فلا يمكن اظهارها مباشرةً في السلعة , ومن الممكن فقط ظهورها في نسبة سلعة معينة الى سلع اخرى , في مقارنتها بعضها ببعض , في التداول ..
في شروط الانتاج السلعي تعادل السلع كلها بالنقد , فخلال التبادل لقاء النقد تتبدى قيمة السلع , بحسب مقدارها , إن النقد هو الشكل العام الذي يُعبَر فيه عن قيم السلع جميعها ..
فلكي نفهم لماذا كان النقد هو الشكل العام الذي تنعكس فيه قيم السلع , علينا من معرفة السياق التاريخي لتطور التبادل , لقد وضح ماركس نشوء النقد , وتابع تطور التبادل منذ أشكالهِ العفوية الاولى حتى عملية تداول السلع , التي تتم بواسطة النقد , مثل هذا التحليل أتاح كشف الطبيعة الواقعية للنقد كشفاً تاماً ..

شكل القيمة البسيط ..

ان بحث تطور أشكال التبادل الذي قام به ماركس عبارة عن تعميم لمادة تاريخية ضخمة , وقد أشار ماركس الى أن التبادل في مراحلهِ الاولى كان يتسم بطابع العفوية , كان كيس القمح يُبادَل لقاء خروف مثلاً , كذلك كان الفأس الحجري يُبادل لقاء القلادة بشكل عرضي , كانت هذه المرحلة هي اولى مراحل تطور التبادل وبدايته الاولى ..
كانت منتجات العمل هنا تتحول الى سلع فقط في حوادث التبادل العرضية , الاستثنائية , وكانت قيمة بعض المنتجات يعبر عنها عرضاً بسلع اخرى . ان شكل القيمة هذا يدعى الشكل البسيط او العرضي , انه عبارة عن أكثر أشكال القيمة بدائية ..
لنبحث شكل القيمة هذا ..
ان حائز كيس القمح يبادل قمحه لقاء خروف , فالسلعة الاولى تعبر عن قيمتها , في حين ان الثانية تعبر عن قيمة الاولى . السلعة الاولى تقوم بدور ايجابي توجد في شكل قيمة نسبي , والثانية المعبرة عن قيمة الاولى توجد في شكل قيمة تعادلي , أي انها عبارة عن معادل ..
وهنا يمكن للمرء أن يسأل ..
لماذا تعادل كيس القمح مع الخروف ؟ لماذا تم التبادل ؟
لقد حدث ذلك لأن انتاج القمح وتربية الخروف تطلبا انفاق عمل اجتماعي , والقمح والخروف هنا عبارة عن قيمة معيّنة , وكيس القمح يحمل قيمة لا لأنهُ تم تبادله مع الخروف , ان التبادل لا يمنح السلع قيمة , بل لأنهُ نتاج انفاق عمل اجتماعي معيّن , وقد اكتسب كيس القمح قيمة تبادلية لأنهُ يمثل قيمة , يمثل عملاً انسانياً اجتماعياً خالصاً ..
إلاّ أن قيمة كيس القمح لا يمكن ان يعبّر عنها مباشرةً , لذا يقف مالك القمح امام مالك الخروف كمالكين مختلفين , كمنتجَين منعزلين , إن ما أنفقاه من عمل اجتماعي على زراعة القمح وتربية الخروف يمكن ان يظهر فقط في سياق التبادل .
ويبادل منتجو السلع سلعهم لا كنتاج للعمل على العموم , بل كنتاج كمية عمل اجتماعية معيّنة , فلا يرضى احد مبادلة انتاج تم صنعه بيوم كامل لقاء انتاج تم صنعه بساعة واحدة فقط ..
ولما كانت قيمة السلعة لا تظهر إلاّ في سياق تبادلها , لذا فهي تظهر عبر القيمة الاستعمالية لسلعة اخرى , إن كيس القمح يعبر عن قيمته من خلال قيمة استعمالية لسلعة اخرى تقوم بدور المعادل , في هذا الدور يجب ان تبرز قيمة استعمالية لسلعة اخرى , لأن تبادل قمح لقاء قمح لا معنى لهُ , وقيمة القمح يمكن أن تظهر فقط في نسبة الى سلعة اخرى , وبالتالي للقيام بدور المعادل لا بد من سلعة ذات قيمة استعمالية اخرى , غير تلك القيمة المتجسدة في السلعة المتبادل عليها ..
يجب ان نلاحظ انه في مرحلة التبادل العرضي لم يلتصق دور المعادل بسلعة خاصة معينة , وقد قامت السلع في هذه الظروف بهذا الدور عرضياً , ففي مثالنا .. كيس القمح والخروف تستطيع السلعتان استبدال مكانهما , وفي هذه الحالة يوجد الخروف في الشكل النسبي للقيمة , في حين أصبح القمح يقوم بدور المعادل .
من المهم عند تحليل شكل القيمة ان لا نركز فقط على النسب العددية وننسى الناحية النوعية في القضية , يجب التركيز أثناء التحليل على الجانبين بنفس المقدار من الأهمية , عندما يقال ان تبادل الخروف مع كيس القمح يتيح امكانية ابراز كمية العمل المنفق على القمح , فالمقصود بذلك قبل كل شيء النسب العددية للعمل الاجتماعي ( في المرحلة الاولى من التبادل تكون عرضية ) , ولكن لماذا تظهر كمية العمل المنفقة على القمح من خلال التبادل بالذات لقاء الخروف ؟ من المهم كما ذكرت الناحية النوعية بالدرجة الاولى , فالعمل المنفق على انتاج السلع المتبادلة لا يمكن أن يُعبّر عنهُ إلاّ عن طريق معادلة سلعة بأخرى متميّزة نوعياً عن الاولى ..
لقد اصبحت القيمة الاستعمالية الخاصة بإحدى السلعتين ( الخروف ) واسطة تعبير عن قيمة السلعة الاخرى ( القمح ) , إن عمل تربية الماشية الحسّي أصبحَ وسيلة تعبير عن العمل الانساني العام المجرّد . لقد انفق على الخروف عمل حسّي , عمل راعي الماشية , وعلى القمح عمل الفلاح الزراعي , إلاّ أن التبادل يشهد على أن عملاً انسانياً عاماً مجرّداً انفق على القمح والخروف على السواء , إن العمل الحسّي في سياق التبادل أصبح شكل ظهور العمل المجرّد ..

شكل القيمة الكامل .. أو المتطور
مع تطور الانتاج تطور التبادل أيضاً , وأصبح يأخذ أكثر فأكثر طابعاً انتظامياً , ان انتشار تربية الماشية نتيجة التقسيم الاجتماعي الكبير الأول للعمل أدى الى أن الماشية لم تعد تظهر في السوق صدفة , بل بشكل نظامي لقاء سلع اخرى , وأصبحت الماشية تنتج مبدئياً كسلع , وأصبح الفأس أو القهوة أو القمح وغيرها من السلع تعبر الآن عن قيمة الماشية وتبرز تحت شكل معادل ..
ان الماشية هي التي تبرز أساسياً في الشكل النسبي للقيمة , وأصبحت السلع المنفردة التي تبادل لقاءها الماشية تبرز امام هذه لا كمعادل عرضي ..

شكل القيمة العام ..

لقد أدى التطور التالي للإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل الى ان الشكل المتطور للقيمة تحول تدريجياً الى شكل عام للقيمة , وأصبحت تدريجياً السلعة التي كانت تتبادل بانتظام لقاء سلع اخرى , سلعة تعادل جميع السلع الاخرى , أصبحت معادلاً عاماً ..
اذا كانت أية سلعة من قبل تستطيع الظهور بمظهر المعادل , فإن سلعة واحدة الآن أصبحت تلعب دور المعادل العام , ان جميع السلع الآن تعبر عن قيمتها بسلعة واحدة غدت تمثل المعادل العام وتُبادَل لقاءها , ويبرز المعادل العام كتجسيد مباشر للعمل الاجتماعي , ولقاء هذا المعادل أصبح الآن بالإمكان نوال سلع اخرى .
وتجد ضرورة المعادل العام تفسيرها في أول تقسيم اجتماعي كبير للعمل ويحول التبادل الى ظاهرة انتظامية , لقد غدا التبادل ذا أهمية حيوية , وأصبح مصير المنتج للسلع مرتبطاً بهِ أكثر فأكثر , ان هذا الامر بالذات يستدعي الحاجة الى توفر سلعة يمكن مبادلتها بأية سلعة اخرى ..
ان تطور انتاج المنتجات كسلع كان يعمق التناقضات بين العمل الاجتماعي والعمل الخاص , وتعتبر الصعوبات الناشئة عن تبادل سلعة لقاء سلعة اخرى تبادلاً مباشراً خير تعبير عن هذه التناقضات ..
ومن الممكن عملياً تصور ان حائز القمح يريد نوال احذية لقاء انتاجه , إلاّ أن حائز آخر للسلع مستشعراً الحاجة للقمح لا يجد في حوزته أحذية للبيع , انه ينتج الملح , فلا شك أن هذا الوضع يخلق صعوبات هامة في التبادل , صحيح ان الصعوبات كانت موجودة حتى عندما كان التبادل يجري بالصدفة , إلاّ أنها لم تكن ذات أهمية كبرى , لقد توقف التبادل الآن عن أن يجري صدفةً , انه غدا أكثر فأكثر حاجة حياتية ملحة مستمرة ..
بيد ان صعوبات التبادل لم تتقلص بل ازدادت , لقد استدعاها تطور الانتاج السلعي والتبادل , ونمو تناقضات العمل الاجتماعي , وفي هذا الأمر بالذات يستقر السبب الواقعي لظهور المعادل العام ..
وعلى هذا فتطور التبادل المنتظم الناتج عن أول تقسيم اجتماعي كبير للعمل أدى الى أن سلعة واحدة قد انفصلت عفوياً عن السلع الاخرى , وأصبحت معادلاً عاماً .
في هذه السلعة يعبر عن قيمة جميع السلع المتبقية وتتبادل لقاءها , لقد لعبت الماشية وهي احدى اولى السلع الواسعة الانتشار دور المعادل العام , ولما كان انتفاء السلعة التي تقوم بهذا الدور متعلقاً بظروف عديدة , لهذا برزت سلع اخرى مختلفة لتقوم بدور المعادل العام ..

الشكل النقدي للقيمة ..

ان الشكل النقدي هو الشكل القيمة التالي ( بعد الشكل العام ) , في البداية كان دور المعادل العام ينتقل من سلعة خلال وقت ما الى سلعة اخرى , ولم يرتبط هذا الدور بأي انتاج معيّن , فعند القبائل المتخلفة كانت سلع متباينة تقوم بهذا الدور .
لكن .. ما أن تجاوز التبادل الحدود المحلية , وأصبح أكثر اتساعاً حتى تبيّن هذا التنوع في أشكال المعادل يعيق تطور التبادل والصلات الانتاجية , عندئذٍ التحم دور المعادل العام بقيمة استعمالية معينة , لقد التصق هذا الدور التصاقاً قوياً بسلعة واحدة , لا في الاسواق المحلية الضيقة فحسب بل على نطاق التبادل الواسع , وأصبحت هذه السلعة نقداً , فالنقد إذاً لا يعني أكثر من معادل عام , أكثر من سلعة خاصة , تلاحم شكل قيمتها المعادل مع شكل القيمة الاستعمالية تلاحماً قوياً , وقد قام الذهب بدور النقد تاريخياً ..
ان الشكل النقدي للقيمة يتميّز عن الشكل العام لها في أن دور المعادل العام تلاحم نهائياً في سياق التطور التاريخي مع الشكل الطبيعي للذهب ..

الذهب في دور النقد ..

لقد قامت سلع مختلفة بدور النقد , إلاّ أن هذا الدور التصق بتلك السلع التي كانت صفاتها الطبيعية ملائمة بصورة خاصة للقيام بهذه الوظيفة الاجتماعية , ان تاريخ تطور النقد والمادة النقدية أكد بما لا يدع مجالاً للشك في أن خصائص النقد المعتمد على الذهب اعتمد بشكل كبير على خاصية الذهب التي تستمد قوتها من أهميتهِ كسر من أسرار الوجود البشري ..
صحيح ان المراحل الاولى من تطور التبادل السلعي قد شهدت اعتماد الماشية كي تقوم بدور المعادل العام , وبالتالي القيام بدور النقد , إلاّ ان الماشية لم تصبح في كل مكان مادة نقدية , وتقلصت حتى اصبحت محصورة على قبائل الرعاة بشكل خاص . أما في المناطق الجبلية فقد أخذت الجلود والفراء شكل النقد ..
ان منتجات العمل كانت تنتج من حيث الأساس كسلع وتوجد باستمرار في التبادل , غدت مادة للتبادل أكثر أهمية , وأخذت شكل النقد , وقد أدى انفصال الحرفة عن الزراعة , وهو ثاني تقسيم اجتماعي للعمل الى أن بدأت المعادن الثمينة تبرز شكل السلعة العامة ( النقد ) . إلاّ أنها في ذلك الوقت لم تبرز بعد كعملة , بل كانت تحسب بوزنها ..
كانت المعادن بما تتمتع نه من خصائص طبيعية كالتجانس النوعي , وإمكان قسمتها وحفظها , أكثر تجاوباً مع القيام بوظائف النقد . لذا فمن الطبيعي جداً أن يؤدي تطور الحرفة الذي عنى زيادة استخراج المعادن ومعالجتها الى انتشار النقود المعدنية , ومع تطور التجارة أخذت هذه النقود تظهر تدريجياً الى جانب الماشية والسلع الأخرى كمعادل عام وقامت بتنحيتها من التداول أكثر فأكثر ..
لقد ظهرت النقود المعدنية قبل خمسة آلاف عام , ففي منطقة ما بين النهرين ( العراق ) برز كل من الفضة والنحاس قبل الألف الثالث في ما قبل الميلاد , واستخدم الذهب بعد ذلك بفترة قصيرة , وكذلك في مصر ..
كان الانتقال من معدن الى آخر يعود لأسباب جوهرية سأستعرضها بالتفصيل في الفصل الأخير من هذا الكتاب , لكن الاقتصاد السياسي يؤكد انهُ كان يحدث نتيجة لتطور القوى الانتاجية , ونمو ثروات المجتمع , ورغم اتفاق الاقتصاد الماركسي مع نقيضهِ على هذا الأمر إلاّ أن الحقيقة تبقى مخبأة في شكل آخر مختلف تماماً عما ذهب اليه الاقتصاديون ..
وسيقتصر الأمر على توضيح ثلاثة عوامل حاسمة تشغل حيزاً واسعاً من التفكير وهي ..
ــ هل ان خصائص النقد لا تشير اطلاقاً الى أية خاصية للذهب تستمد قوتها مما وراء الطبيعة ؟ أو من أهميتهِ للبشر في جوانب أخرى بعيدة عن الاقتصاد ؟
ــ هل صحيح ان الذهب لم يصبح نقد نتيجة لأي جوهر خاص طبيعي فيه ؟
ــ هل استخدام الذهب كنقد فرضته فعلاً تطور العلاقات الاقتصادية وتناقضات الانتاج السلعي ؟

الأسعار وجوهر موضوع النقد ..

النقد هو السلعة التي تقوم بدور المعادل العام كوظيفة خاصة لها , ان تحليل عملية تطور أشكال القيمة يسمح وحده ببيان جوهر النقد , ففي الشكل البسيط للقيمة وضعت أسس سر الشكل النقدي ..
ففي الشكل البسيط للقيمة كانت خاصة المعادل تنحصر في أن القيمة الاستعمالية تستخدم شكلاً للتعبير عن القيمة , والعمل الفردي يبرز كعمل اجتماعي , وتطور التبادل السلعي يؤدي تدريجياً الى ظهور المعادل العام , ومع ظهور النقد أصبح يعبر عن قيمة السلع كلها بالنقد , وأصبح للسلع سعر , إن السعر هو التعبير النقدي عن قيمة السلعة , ويمكن للسعر في نفس الوقت أن يبتعد عن القيمة , وهناك أشياء يمكن أن تكون لها أسعار لكن لا تكون لها قيمة ..
فالأرض البور مثلاً ليست بذات قيمة , لكنها في ظل الملكية الخاصة والرغبة في اصلاحها تجعل من الممكن أن يكون لها سعر , وهو أمر يدل على أن بالإمكان إيجاد أسعار لا تعبّر عن قيمة ..
ومع ظهور المعادل العام أصبح عالم السلع كلهُ ينقسم الى قسمين ..
ــ النقد من ناحية أي المعادل العام .
ــ السلع ..
النقد يستخدم للتعبير عن قيمة السلع , انه يبرز كتجسيد مباشر لقيمة العمل الاجتماعي , وفي الوقت ذاته تبرز السلع الاخرى كإنتاج مباشر للعمل الخاص , ومن خلال التبادل فقط لقاء النقد يظهر لنا ان السلع من حيث الأساس نتاج للعمل الاجتماعي , وهكذا فمن خلال حركة النقد تتحقق في السوق الصلة بين منتجي السلع , ويجري حساباً عفوياً لما ينفقونه من عمل اجتماعي ..

قانون القيمة ...

قانون القيمة .. هو قانون الانتاج السلعي الاقتصادي والموضوعي , ويعود ذلك الى الزمن الذي بدأت فيه المنتجات تتحول الى سلع , وتبادل السلع كما شاهدنا يعود لأعماق العصور , ان قانون القيمة الذي نشأ مع نشوء الانتاج السلعي , ووجد قبل آلاف السنين , قد اتسع نطاق أثره في ظروف الرأسمالية , وهو أمر واضح لأن الانتاج السلعي في الرأسمالية يمتاز بطابع الشمول ..
وحتى نفهم قانون القيمة جيداً علينا الاجابة على سؤالين هما ..
ــ ما هو جوهر قانون القيمة ؟
ــ ما هو الدور الذي يقوم نه في ظروف سيطرة الملكية الخاصة على وسائل الإنتاج ؟
ان قانون القيمة يفترض أن العمل الاجتماعي المنفق على انتاج السلع , يظهر كقيمة لها , إذاً جوهر قانون القيمة يقوم على كمية العمل الاجتماعي المنفق على سلعة .
وتنحصر خاصية الانتاج السلعي في ان نفقات العمل هنا تأخذ شكلاً اجتماعياً خاصاً , أي شكل قيمة , وبسطاء منتجو السلع مجبرون على مبادلة نتاج عملهم وفقاً لقيمتهِ , وتنعكس الضرورة الموضوعية لمثل هذا التبادل في قانون القيمة ..
وبمقتضى هذا القانون يجري تبادل السلع وفقاً لما انفق على انتاجها من العمل المجرّد الضروري اجتماعياً , وهو أمر يجبر المنتجين على الانتباه كي لا تتجاوز نفقاتهم نفقات العمل الضرورية اجتماعياً , ان قانون القيمة يعمل في ظروف الملكية الخاصة لوسائل الانتاج بشكل عفوي , وتفرّق ما بين المنتجين وتولد الضرورة الموضوعية للتطور العفوي ..
وينظم قانون القيمة نسب تبادل السلع , ويحدد أسعارها , ويجري اقتراب سعر السلع من قيمتها في نطاق تأرجح سوق العمل العفوية , فإذا كانت الأسعار دون قيمة السلع المعينة , غدا التبادل غير مفيد للبائعين , ومفيداً للمشترين .
في هذه الحالة يخف عرض السلع ويزداد الطلب عليها , وهو أمر يؤدي الى الارتفاع العفوي للأسعار التي تقترب من القيمة , وهنا الأمر يصبح مفيداً للبائعين وغير مفيداً للمشترين , فيزداد عرض السلع المعيّنة , في حين يخف الطلب عليها ..
وهنا يجري تخفيض عفوي للأسعار , يقربها في هذه الحالة أيضاً من قيمتها , ويتناسب السعر مع القيمة فقط عندما يتناسب العرض مع الطلب , وعند تأرجح الأسعار في السوق يجري صراع تنافسي لا بين المشترين والبائعين فحسب , بل وبين البائعين أنفسهم , وكذلك بين المشترين , كل منهم يسعى الى البيع بسعر أعلى ويشتري بسعر أرخص ..
ان تأرجح العرض والطلب العفوي , وتأرجح الأسعار يؤثران على مقدار الانتاج , وفي ظل الملكية الخاصة ينظم قانون القيمة عملية التبادل , وعملية الانتاج السلعي .
ان تأرجح الأسعار حول القيمة , عند بيع السلع وشراءها لا بد لها من أن تحدث تغييرات في الانتاج , ان ارتفاع أسعار السوق عن قيمة السلع عبارة عن اشارة للمنتجين تدل على ان الطلب على السلعة المعيّنة لا تسد حاجاته , إن الأسعار الطبيعية هي بمثابة الحافز المباشر على توسيع الانتاج , وعلى زيادة تزويد السوق بالسلع ..
أما إذا كانت الأسعار في السوق دون القيمة , فهذا يعني ضرورة الإقلال من عرض السلع , ولا بد للأسعار المنخفضة من أن تؤدي الى التقنين في الانتاج . وعلى هذا فتأرجح الأسعار حول القيمة انما هو ميكانيكية عفوية ينتظم بها الانتاج الرأسمالي .
ان اقتراب الأسعار من القيمة هو نتيجة لا للتأرجح العفوي في نطاق التداول في السوق , فحسب , بل ونتيجة لتغيّر النسب بين الفروع في نطاق الانتاج , فبدون تغيير مقادير انتاج هذه السلعة أو تلك , لما أمكن حدوث اقتراب أسعار السلع من القيمة , أما التغييرات في الانتاج فيُنظمها التأرجح في الأسعار ..
وتؤدي المنافسة في ظروف الانتاج السلعي القائم على الملكية الخاصة الى تأرجح الأسعار حول القيمة باستمرار , وتقرر الأسعار بدورها عن طريق جعل انتاج هذا الفرع أو ذاك أكثر فائدة , توسيع اصدار السلع أو تقنينه ..
ان توزيع العمل ووسائل الانتاج بين فروع الاقتصاد المختلفة يحدث على أساس تأرجح الأسعار حول القيمة , فضلاً عن ذلك فإن التغييرات التي تطرأ على القيمة الاجتماعية لمنتج ما لا بد أن يصحبها تغييرات في نسب توزيع العمل بين الفروع .
مثل هذه العمليات تنتظم عفوياً عن طريق قانون القيمة , وليس بالإمكان حدوث غير ذلك , لأن الانتاج القائم على الملكية الخاصة لا يمكنه ان يتطور تخطيطياً , دون أن يكون فيه ضحايا يُقذف بهم الى حافة الفقر والجوع ..
ولا بد للملكية الخاصة لوسائل الانتاج أن تولد فوضى في الانتاج , لأن على منتجي السلع أن ينتجوا سلعهم دون ان يعلموا المقادير التي يعدها المنتجون الآخرون من السلع المعيّنة , وأي طلب سيقع عليها ..
وكما نعلم لا ينقاد منتجو السلع إلاّ وراء مصالحهم الخاصة , ففي ظروف الأعمال المنعزلة التي يقوم بها المنتجون المنفردون يصبح قانون القيمة العامل عفوياً هو الناظم الوحيد لإنتاج السلع وتداولها , وباعتبار أن الانتاج السلعي يتسم في الرأسمالية بطابع عام وشامل , فإن قانون القيمة يصبح الناظم للإنتاج الاجتماعي بأسره ..
ان ابتعاد الأسعار عن القيمة لا يستثني فعل قانون القيمة , من ناحية , وهو من ناحية اخرى يبدو في ظروف التطور العفوي الشكل الممكن الوحيد لظهور هذا القانون , ان سيطرة الملكية الخاصة تستبعد التطور المخطط , ووضع الأسعار وفق طريقة مخططة , وإدارة الاقتصاد بشكل مخطط , ان تأرجح الأسعار العفوي حول القيمة هو الميكانيكية الوحيدة الممكنة لتنظيم الانتاج الاجتماعي , وبدون تأرجح الأسعار هذا لن يكون بالإمكان قيام الانتاج السلعي المنتظم عفوياً ..
ولا بد للرأسمالية أن تستدعي فوضى الانتاج والمزاحمة وهو أمر يبدو قانوناً موضوعياً للرأسمالية , وفيها يتمتع قانون القيمة بآفاق كاملة لعمله العفوي , وعندها تظهر تناقضات الانتاج السلعي في الملكية الخاصة ..
ان فعل قانون القيمة العفوي يؤدي الى تطور تالٍ للتناقضات بين منتجي السلع الخاصين وتعميقها , وبقدر ما تتباين شروط انتاج السلع وتحقيقها عند المنتجين المنفردين لا بد لعمل قانون القيمة , وتأرجح الأسعار حول القيمة من أن يرتبطا بتدمير قسماً من منتجي السلع و اغناء القسم الآخر ..
ومن الواضح ان من يتمتع بوضع أفضل في السوق , هم الذين ينتجون منتجاتهم بنفقة أقل نسبياً عن النفقات الضرورية اجتماعياً , ويبيعون في السوق بأسعار تساوي مقدار القيمة الاجتماعية للسلعة , ان القيمة الفردية لوحدة المنتجات تتعلق بمقدار العمل المنفق على انتاجها , وبمستوى انتاجية العمل . كما أن هذه الانتاجية تتعلق بالدرجة الاولى بمستوى تجهيز المؤسسات بالتقنية الآلية الحديثة لوسائل الانتاج , وهو أمر لا يتمكن منه إلاّ كبار منتجي السلع من الأغنياء , فعندما يخفض منتجو السلع نفقات عملهم بالنسبة الى النفقات الضرورية اجتماعياً يصبحون بوضع يجلب لهم فائدة أكبر , وهو أمر يدفع منتجو السلع الآخرون للكفاح من أجل الحصول على شروط أفضل في انتاج السلع وبيعها والى تحسين الانتاج , وزيادة انتاجية العمل , وعلى هذا فقانون القيمة يشحذ تطور القوى المنتجة , وتخفيض قيمة السلع .
ان أكثر الفئات ربحاً هي الأغنياء من المنتجين , وهو أمر يبدو لنا واضحاً عندما تتناسب الأسعار مع القيمة الاجتماعية للسلعة , أو حتى عند ارتفاع الأسعار أو انخفاضها , فإذا ما هبطت الأسعار الى ما دون القيمة الفردية لسلعة من فئة معينة , كانت هذهِ الفئة ( الأغنياء ) أسرع من غيرها في مواكبة السوق , عن طريق تخصيص أموال لتحسين تقنية الانتاج وتطويرها , وبالتالي تخفيض القيمة الفردية للسلع , وكلما نمت القوى المنتجة أمكن تخفيض القيمة الاجتماعية للمنتجات ..
أما الفئتين الدنيا والوسطى من المنتجين فلم تتمكن من الثبات في المزاحمة مع الأغنياء في السوق , الذين يحتكرون بين أيديهم أفضل وسائل للإنتاج , وهكذا تفوقت التعاونية الرأسمالية البسيطة في معركة المزاحمة على الحرفة , كما تفوّق المصنع على المشاغل , ففي ظروف الملكية الخاصة لوسائل الانتاج ومع نمو القوى المنتجة تخسر جماهير المنتجين أكثر فأكثر , في حين تربح أكثر فئة الأغنياء لأنها تحتكر أحدث تقنيات الإنتاج بين يديها ...


السلعة كصنم ..

في ظروف الانتاج السلعي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج تكتسب الاشياء صفات ووظائف خاصة , تبدو للوهلة الاولى محاطة بالغموض , وهو أمر يحدث لأن الملكية الخاصة تخفي علاقات الناس الواقعية بسبب تفريقها لهم , ان الناس مرتبطون فيما بينهم في سياق الانتاج بتقسيم اجتماعي للعمل , إلاّ أن هذه الصفة تظهر فقط عند تبادل منتجات عملهم التي تأخذ شكلاً سلعياً .
وبتعبير آخر .. ان حركة الأشياء في سياق التبادل تعبر عن الصلات الانتاجية بين الناس , فكل عمل خاص هو جزء من العمل الاجتماعي , ويحمل طابعاً اجتماعياً , بيد ان طبيعته الاجتماعية لا تبرز في تبادل منتج لقاء منتجات اخرى للعمل الخاص الآخر , ولا يحصل هذا العمل على الاعتراف الاجتماعي إلاّ في عملية التبادل العفوية , إلاّ في السوق ..
وهكذا تأخذ علاقات المنتجين الاجتماعية شكل علاقات بين الأشياء , ان العلاقات الانتاجية تأخذ شكلاً مادياً , أي أن تبادل السلع لقاء النقد يعني اجراء حساب عفوي للعمل الاجتماعي , يبن لنا ذلك الجزء من مجموع العمل الاجتماعي المنفق على انتاج السلع , والمحتوى في العمل الخاص .
والنقد كما نعلم هو أداة ذلك الحساب العفوي ..
ويعبر عن سلطة العفوية الاجتماعية على الناس هنا كسلطة للنقد , كسيطرة أشياء معيّنة , ان حركة السلع والنقد كما يقول الاقتصاد السياسي تحدد مصير البشر ..
وتجد سلطة العفوية الاجتماعية تعبيرها في سيطرة الأشياء على الناس , فإذا انفق احد المنتجين عملاً اكثر مما هو ضروري على انتاج سلعة , فسرعان ما يظهر التناقض بين العمل الاجتماعي والعمل الخاص فينال بائع السلعة في السوق في سياق التبادل نقداً أقل مما يتناسب مع نفقات عمله الفردي ..
ان العلاقات الاجتماعية تبرز في السوق بقوة كبيرة , على هذا فالأشياء هي نتاج العمل , تبدأ بالسيطرة على الناس وتصبح قوة خاصة تتمتع بصفة معيّنة , إلاّ أن صفتها لا تفسر اطلاقاً بقيمة السلعة الاستعمالية , وإنما تُفسَر فقط بأن السلعة هي نتاج عما أشخاص منفردين , انتاج السياق العفوي الذي تم وضع البشر فيه للإنتاج .
ان اطلاق صفة المادية على العلاقات الانتاجية , أي التعبير عن العلاقات بين الناس كعلاقات بين الأشياء , هو ما أطلق عليه ماركس اسم الصنمية السلعية , لأن اضفاء المادية على العلاقات الانتاجية ينعكس في رؤوس الناس كخاصة للأشياء خارقة للطبيعة .
ان عبادة الذهب السائدة في العالم الرأسمالي انما هي صورة واضحة للصنمية السلعية , ويغدو أداة للسيطرة على الناس , هذا ما يقوله لنا الاقتصاد السياسي , أما للموضوع فله أبعاد واسعة سنتطرق اليه في الفصول الاخيرة من هذا البحث ..
ان الصلات بين الناس في ظروف الانتاج السلعي وسيطرة الملكية الخاصة تظهر من خلال الصلة بين الأشياء , والأشياء هنا تأخذ على عاتقها القيام بدور خاص في المجتمع , انها تجسّد سلطة العفوية على الناس , كل هذا يخلق تلك العمليات الموضوعية التي تدعو منتجو السلع الى تصور العلاقات بين الناس كعلاقات بين الأشياء , هذا هو الأساس الموضوعي للصنمية السلعية .
ان النظرة الماركسية عن السلعة والقيمة هي المفتاح الذي أتاح لنا فهم قوانين الاقتصاد الرأسمالي , لهذا يحاول علماء الغرب والدول الرأسمالية مكافحة هذه النظرة من خلال ابعادها عن المناهج الدراسية , وكذلك التشكيك بالأفراد الذين يأخذون على عاتقهم دراسة قوانين الرأسمالية انطلاقاً من تلك النظرة ..
ان القيمة هي نتيجة موضوعية للعمل في ظروف الانتاج السلعي , ويخضع تشكيل الأسعار الى قوانين اقتصادية موضوعية , لا علاقة لها بإرادة الناس ووعيهم , ومهما كانت التقديرات الموضوعية التي يقوم بها الناس المنفردون لمختلف الأشياء كالطائرة والقلم مثلاً , فإن الطائرة تبقى دائماً أغلى من القلم ببساطة لأنهُ يُنفق على انتاجها عمل اجتماعي اعظم , ولم يكن بمقدور الانتاج السلعي ان يوجد لو أن قيمة السلع لم تتحدد بالعمل الاجتماعي المنفق على انتاجها , مما يحدد في نهاية المطاف النسب في تبادل هذه السلع أيضاً ..
في شروط الانتاج السلعي تقف قبالة كل مشترِ سلعة , سبق وان اكتسبت قيمة معيّنة تقف كتكثيف للعمل , لقد وجدت المعالجة الذاتية لقيمة السلع تحت ألوان متعددة , فبعض الاقتصاديون الغربيون يجمعون ما بينها وما بين نظرية نفقات الانتاج , والبعض الآخر يحاول أن يضيف اليها لوناً آخراً من نظرية القيمة القائمة على العمل , لقد وضح لنا ماركس هذا الأمر في نقطتين فقط وهي ..
ــ لا ينبغي ان نعتبر العمل كتضحية , لأنه عبارة عن نشاط حياتي عادي يقوم به الانسان .
ــ العمل يخلق في علاقات اجتماعية معينة قيمة , بفعل أهميته الموضوعية لوجود الناس ..

وظائف النقد ..

ادى تطور العلاقات السلعية الى ظهور النقد , وكما رأينا ان هذا النقد ضروري في الاقتصاد السلعي , ليس النقد هو الرأسمال انه وجد ويوجد من غير اسلوب الانتاج الرأسمالي , إلاّ أن الرأسمال يظهر قبل كل شيء تحت شكل نقد .
ان تطور العلاقات النقدية على أساس الملكية الخاصة لوسائل الانتاج وعلى أساس تقوية سلطة النقد هو شرط نشوء الاستثمارات الرأسمالية , في المجتمع البرجوازي يحدث تسليف للرأسمال تحت شكل نقدي , وتنامي مقدار النقد المُسلف هو الهدف الذي يخص الاقتصاد الرأسمالي موضوعياً ..
ان الرأسمال يتحقق دائماً تحت شكل نقد , لأن النقد هو سلعة عامة يمكن من خلالها الحصول على أية سلعة اخرى , لهذا فتحليل النقد ووظائفه يجب ان يسبق توضيح جوهر العلاقات الرأسمالية ..
في مختلف مراحل الرأسمالية نشأت نظرية النقد المعدنية , وهي النظرية التي تؤكد ان الذهب والفضة هما نقد بطبيعتهما , لقد ذهب بعض الاقتصاديون الى القول ان الذهب والفضة هما الشكل الوحيد للثروة بسبب خصائصهما الطبيعية , هذه النظرية عبرت عن المصالح الطبقية للرأسمال الصناعي في ذلك الوقت الذي كان ما يزال مرتبطاً فيه بالرأسمال التجاري ..
على هذا فالنقد الجاهز يستخرج من الارض بغض النظر عن وجود العلاقات الاجتماعية , أما ماركس فيقول ان الذهب يصبح نقداً ويلعب دور المعادل العام فقط عند قيام علاقات اجتماعية معينة ..
والى جانب النظرية المعدنية ونظرة ماركس الى النقد نشأت في بداية عصر الرأسمالية نظرية تقول ان النقد هو عبارة عن وحدة اسمية حسابية محرومة من أي محتوى مادي , وسميت هذه النظرية بالاسمية ..
أي انها استخدمت موضوع النقد كشارة للحساب ليس إلاّ , أي اشارة الى اتفاقية لا تتضمن أية قيمة داخلية , لكن دور النقد كمعادل عام لا يمكن أن تقوم به إلاّ سلعة لها قيمة , والذهب هو سلعة قبل كل شيء , لكن أحداً لم يسأل ذات يوم ما هي القيمة التي يتحلى بها الذهب كي يصبح معادل عام أبدي ؟
ما هي القيمة الفعلية للذهب والفضة كي يصبحان معادلاً عاماً منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا ؟
لقد كان اكتشاف الاقتصاد السياسي ان النقد عبارة عن سلعة , هو بمثابة خطوى كبرى نحو تحليل جوهر النقد , لم يتمكن كل من آدم سميث ودافيد ريكاردو من ان يعالجا موضوع النقد الى أبعد نقطة , كما يقول الاقتصاد السياسي الماركسي بسبب محدوديتهما الطبقية , كما أن اياً منهما لم يتمكن من ان يُظهر الطابع المزدوج للعمل المنتج للسلعة , كما أنهما لم يتمكنا من كشف قوانين التداول النقدي , أما الماركسية فتقول .. أن النقد والسلعة يعبران عن علاقات اجتماعية
الذهب سلعة وفي هذا تستقر وحدته مع عالم السلع الاخرى , وهو كسلعة يُعبر عن علاقات اقتصادية معينة بين الناس , نشأت بشكل مستقل عن ارادتهم ووعيهم , لكن ما يُميزهُ عن السلع الاخرى عاملاً حاسماً هو الدور الذي يلعبه كمعادل عام للسلع ..
بيّن ماركس ان النقد هو نتاج التطور العفوي للعلاقات السلعية , لا نتاج اتفاق منتجي السلع , أو أي شيء آخر , لقد وجدت التناقضات حتى في الشكل البسيط للقيمة , وأدى تطور هذه التناقضات في العملية التاريخية الطويلة لتطور التبادل الى ظهور النقد ..
فالنقد بالإضافة الى أنهُ يلعب دور المعادل العام , فإنهُ يمتاز عن السلع الاخرى في أنهُ يحوز خاصية التبادل المباشر مع السلع الاخرى , وظهوره في سياق التطور العفوي للاقتصاد السلعي لم يخلق أبداً علاقات متناسقة , بل على العكس حين يطور تناقضات تبادل السلع المباشر يخلق الشروط الموضوعية للتفاقم التالي في تناقضات الاقتصاد السلعي وتعاظمها .
نرى هنا ان تجزئة التبادل الى عمليتين متناقضتين ومتكاملتين , أي البيع والشراء , تسمح للبائع في ظروف الملكية الخاصة أن يتدخل في التبادل , وهنا يظهر التبادل كوسيلة للاغتناء , ومع ظهور النقد وتطور التجارة أصبح الهدف لا امتلاك القيمة الاستعمالية للسلع , بل امتلاك القيمة , أي النقد ..
وتجزئة التبادل الى عمليتين مستقلتين عن بعضهما في الزمان والمكان يخلق الشروط الفعلية لتطور رأس المال التجاري .
ان ظهور النقد يعني التمكن من فرض سلطان العفوية الاجتماعية على الناس , وتفجير الاقتصاد الطبيعي باستمرار , وتشديد تمايز منتجي السلع , فعند مستوى معين من تطور الانتاج السلعي يبدأ النقد بالعمل من خلف حدود التداول السلعي , ويظهر هنا الريع النقدي والضرائب النقدية , وتتحول الاتاوات الطبيعية الى اتاوات نقدية , ويتمركز النقد بيد الاغنياء بينما تقل بين صفوف الجماهير التي تزداد حاجتها له كلما بقي النظام القائم على الملكية الخاصة موجوداً ..
ويستطيع النقد كمعادل عام ان يخدم تبادل السلع دون ان يرتبط هذا التبادل باستغلال العمال , إلاّ أن عمل النقد في ظروف الملكية الخاصة لوسائل الانتاج يخلق امكانية استخدامه من قبل الأغنياء كأداة لاستغلال الفقراء , في هذه الشروط كان النقد يستخدم دائماً وما يزال أداة من أدوات الاستغلال , قبل ان تنشأ الرأسمالية كان التجار والمرابون يستخدمون النقد لاستغلال صغار المنتجين ..
ان تداول النقد لا يمكن ان يؤدي الى الرأسمالية , وعند قيام الملكية الخاصة لوسائل الانتاج آنذاك فقط تظهر سلعة قوة العمل التي يستطيع الرأسمالي شراءها واستغلال بائعها ..
ولا يتحقق تحول الاقتصاد السلعي الى اقتصاد رأسمالي إلاّ على أساس مستوى تطور معين للقوى المنتجة ينشأ تاريخياً عبر هذا التطور , في هذه الظروف يساعد النقد على ظهور منظومة العمل المأجور ويتحول ذاته الى أداة عامة للاستغلال الرأسمالي .
ان النقد يصبح بعد تكدسه في ايدي منتجي السلع الخاصين أداة استغلال , وسيلة لثراء البعض وافتقار الآخر , فكل من حاز نقداً تمكن من حيازة عمل الآخرين ..
ان نشوء العلاقات الانتاجية الرأسمالية وتطورها مرتبط بنمو الاقتصاد النقدي , فالأغنياء يجتهدون لإدارة استثماراتهم بشكل يؤمن لهم عن طريق الانتاج للسوق ربحاً أكبر , في حين ان الفقراء انفسهم وهم الذين لا تمكنهم استثماراتهم البائسة من اطعام أنفسهم , مضطرين في سبيل الحصول على النقد الى بيع الأغنياء السلعة الوحيدة التي يمتلكونها وهي قوة عملهم ..
ان الفقير هنا يقع تحت سلطة الاغنياء , ويبدأ النقد بلعب دورهِ في الموازنة رغم انه يصبح أكثر افتقاراً , أنه يشترى أكثر مما كان يُشترى من قبل , ان النقد يمر على الفقير كالبرق وهو منطلق باتجاهات مختلفة لتلبية الحاجات المعيشية , ويحط عند الأغنياء .
نرى ان النقد ليس رأسمالاً إلاّ عندما يُستخدم كوسيلة للاستثمار لأن جوهر النقد يظهر في وظائفه , ففي الاقتصاد السلعي المتطور يعمل النقد بالوظائف التالية ..
ــ كمعيار للقيمة .
ــ كوسيلة للتداول .
ــ كوسيلة لتكديس الثروة .
ــ كوسيلة للدفع .
ــ كنقد عالمي ..
لقد نتج تطور النقد عن تطور الاقتصاد السلعي وتناقضاته , لهذا ينبغي عند دراسة وظائف النقد الانطلاق من أن درجة تطور مختلف وظائف النقد تعكس مختلف المراحل التاريخية للإنتاج السلعي نفسه ..
ان اولى وظائف النقد هي قياس القيمة , أي أن قياس قيمة السلع كلها يجري بواسطة النقد , وكما نعلم انه ومنذ مطلع فجر الرأسمالية تقاس قيمة السلع كلها بالذهب , وبذلك نخلق امكانية مقارنة السلع المنفردة ذاتها أيضاً , إلاّ أن النقد هو الذي يجعل السلع قابلة للمقارنة فيما بينها , ان السلع كلها بما فيها الذهب قابلة للمقارنة , لأنها نتاج العمل الاجتماعي , وفي أساس قابلية القياس هذه يستقر العمل الاجتماعي الضروري لإنتاجها , ويبرز الذهب هنا كتجسيد مباشر للعمل الاجتماعي .
ان الذهب يقوم بدور مقياس للقيمة بشكل مثالي فقط , وهذا يعني عند لزوم وجود الذهب حتى يعبر عن قيمة السلعة من خلاله , ان النقد يمكن أ، يقوم بوظيفة مقياس القيمة كنقد معبر عنه فكرياً , كنقد مثالي ..
بيد ان النقد يمكن ان يعبر مثالياً عن قيمة جميع السلع الاخرى لأنه يوجد موضوعياً كمعادل عام , ان العلاقة المتمثلة فكرياً بين النقد وبين السلع الاخرى تعكس العلاقة الحقيقة موضوعياً بينهما ..
ان قيمة السلعة المعبّر عنها بالذهب , هي بشكل آخر سعر السلعة , لذا فإن سعر السلعة يعني تعادلية السلعة مع كمية معينة من الذهب , ويرتبط سعر السلعة عند تناسب العرض مع الطلب بعاملين اثنين هما قيمة السلعة , وقيمة الذهب ..
وكلما زادت قيمة السلعة زاد ما ينبغي دفعه من الذهب لقاءها , والعكس صحيح , وفي الوقت نفسه اذا تغيّرت قيمة الذهب نفسه , ظهر لها تأثير معاكس في السلع , أي كلما زادت قيمة الذهب قلت معها قيمة السلع , وكلما انخفضت قيمة الذهب ارتفعت أسعار السلع ..
تقاس كمية الذهب وكتلته بالوزن , ان كمية الذهب المعينة تتخذ وحدة لقياس الذهب وكتلته , وحدة الوزن للسلعة النقدية هذه تسمى معيار السعر , ولا ينبغي الخلط بين مقياس القيمة ومعيار السعر , ان النقد هو مقياس للقيمة باعتباره تجسيداً للعمل الانساني الاجتماعي المباشر , وقيم السلع يُعبَر عنها بالأسعار .
لكن النقد يبرز تحت شكل معيار السعر كوزن محدد من الذهب , ويستخدم لقياس كمية الذهب , لنفرض مثلاً ان غراماً من الذهب يتضمن 5 ساعات عمل اجتماعي , فإذا كانت قيمة الآلة تساوي 500 ساعة عمل كان سعرها يساوي 100 غرام من الذهب , ولو أن تغييراً طرأ على سعر الذهب وأصبح غرام الذهب يتطلب 2.5 ساعة عمل اجتماعي فحينها يكون سعر الآلة 200 غرام من الذهب . لأن قيمة الذهب انخفضت بينما قيمة الآلة لم تتغير , وسواء بقيت قيمة الذهب ثابتة أم تغيّرت , فإن 200 غرام من الذهب تبقى أكبر مائتي مرة من غرام واحد من الذهب , وعندما تتغيّر قيمة الذهب تدفع لقاء السلعة كمية اخرى منه , لكن معيار السعر هنا لا يتغيّر ان قيمة السلعة سيعبر عنها فقط بكمية اخرى من الوحدات النقدية ..
فإذا تغيّر معيار السعر حدث تذبذب في أسعار السوق دون أن يحدث أي تغيير في قيمة الذهب والسلع , ثم تعود الأسعار لتتوقف عند حد معيّن من جديد ..
ان النقد باعتباره مقياس للقيمة يعمل مثالياً وبالتالي يمكن استعماله كنقد حسابي , ومن الممكن التعبير بالنقد عن أموال المؤسسات المنفردة وإنتاجها , وعن ثروة وطن بأسرهِ ..
ولما كان السعر هو التعبير النقدي عن القيمة فان النقد ذاته لا يتمتع بسعر , ولا يمكن اعتبار الوحدة النقدية هي سعر لذاتها , ان ضرورة النقد تعني في الوقت ذاته استحالة التعبير عن قيمة السلع بزمن العمل الاجتماعي ويقوم النقد في ظروف الملكية الخاصة بوظيفة مقياس القيمة في سياق تشكل السعر عفوياً ..
ان وظيفة النقد كمقياس للقيمة تسم التطور التالي لتناقضات الاقتصاد السلعي في ظروف الملكية الخاصة هذه الوظيفة تحول قيمة السلع الى أسعار , والفرق بين السعر والقيمة ليس اسمياً ..
فمع تحول القيمة الى سعر تظهر أولاً امكانية ابتعاد السعر عن القيمة مع العلم ان تذبذبات الاسعار ليست وقفاً على بعض الصفات , بل تنعكس رأساً على مالكي السلع , كالأشياء التي يمكن ان يكون لها سعر دون ان يكون لها قيمة ..
وفي ظروف الملكية الخاصة يحدث تذبذب في الأسعار بواسطة النقد يؤدي الى افلاس جماهير واسعة واغتناء حفنة قليلة من مالكي وسائل الانتاج , ومع ظهور النقد أصبح تبادل السلعة لقاء سلعة اخرى يُستبدل بتبادل السلعة لقاء نقد , ولكي يحصل المرء على سلعة معينة لا بد من مبادلتها بالنقد , ثم لا بد للنقد من أن يتحول الى السلعة الضرورية ..
ويحدث ما يسميه ماركس بتحول السلعة , أي عملية استبدال أشكالها فيتحول الشكل السلعي الى نقدي والعكس صحيح , ان النقد بوصفه مقياس للقيمة يمكن ان يعمل مثالياً , وعلى النقد حين يقوم بدور وسيلة التداول ان يكون موجود الزامياً .
أما عندما يقوم بوظيفة مقياس للقيمة فإن السلع في هذه الحالة تأخذ تعبيراً مثالياً , لكن يحدث بعد ذلك تحول الاسعار المثالية الى أسعار واقعية , أي لا بد للسلع من التحول الى نقد , وعلى النقد المثالي ان يتحول الى نقد واقعي .
وعندما يحول صاحب السلعة سلعته الى نقد , يحول صاحب النقد في الوقت ذاته نقده الى سلعة والبيع هنا هو في نفس الوقت شراء , في فعل تحويل السلعة الى نقد تظهر تبعية منتجي السلع الخاصين العفوية للسوق ..
ان واحدة من أصعب القضايا في الاقتصاد القائم على الملكية الفردية هي تحويل السلع الى نقد , أي انتزاع الاعتراف الاجتماعي بأن العمل المنفق هو عمل لازم وضروري اجتماعياً , ان التداول السلعي يتميّز عن التداول البسيط جوهرياً , ففي التبادل البسيط كل منتج للسلعة يشتري عند بيع سلعته , سلعة اخرى , أما في التداول السلعي فان منتج السلعة يبيع سلعته محولاً اياها الى نقد وبعدها يقوم بشراء سلعة اخرى ..
ان بيع السلعة بالنسبة الى كل منتجي السلع لا يعني في الوقت ذاته شراء سلعة اخرى , ليس بمستطاع أحد أن يبيع دون أن يشتري آخر منه , ولكن أحداً ما غير ملزم ان يشتري لتوه لأنهُ باع شيئاً ما ..
ان التداول النقدي يعبر عن تطور العلاقات الانتاجية ويخلق في الوقت ذاته الشروط الضرورية لتوسيع تالٍ في العلاقات المتبادلة بين منتجي السلع , أما تبادل المنتجات فيمكن أ، يحدث بين الناس البعيد أحدهم عن الآخر دون أن يلتقوا مباشرةً , إن عملي البيع والشراء هنا ينفصلان عن بعضهما في الزمان والمكان ..
بيد أنهُ إذا ما قدّر لبعض منتجي السلع أن يقوموا بالبيع دون أ، يشتروا في الوقت ذاته فهذا يعني بالنسبة الى الآخرين توقيف البيع , ان التداول النقدي ينطوي في ذاته على امكانية نشوء الأزمات الاقتصادية , وعلى هذا فتداول السلع يعبر عن التطور التالي لتناقضات الاقتصاد السلعي , أي في الاقتصاد السلعي البسيط توجد فقط امكانية للأزمات , وتحول امكانية نشوء الازمات الاقتصادية الى واقع يتطلب عدداً من الشروط الجديدة التي لا تظهر إلاّ في الرأسمالية ..
ومع نشوء النقد يتحول تبادل السلع البسيط الى تداول للسلع , ويكتسب النقد كوسيلة في سياق تداول السلع وظيفة وسيلة التداول , ولا بد من الاشارة الى أن تداول السلع هو الخطوة البدائية الاولى لتداول النقد ..
لما كان النقد يحقق ما ينشأ من أسعار السلع لذا فكمية النقد الضرورية للتداول ينبغي أن تتناسب مع مقدار أسعار السلع , بيد ان مقدار سعر السلع ليس هو العامل الوحيد المحدد لكمية النقد , القضية هنا أ، كل قطعة من النقد وخلال فترة زمنية قصيرة يمكن أن تمر عدداً من المرات وتحقق بعض الدورات أثناء عملية البيع والشراء , وتحقق بعض الدورات , وكلما أسرع النقد في دورانه قل ما يُطلب منه للتداول , ومن هنا نستنتج ان كمية النقد الضرورية للتداول تساوي مقدار سعر السلع , مقسّمة على سرعة تداول الوحدات النقدية ذات التسمية الواحدة ( دولار , يورو , ين .. وغيرها ) ..
من هذه الصيغة نستنتج أن كمية النقد الضرورية للتداول مشروطة بعوامل ثلاث هي ..
ــ كمية السلع .
ــ حركة أسعار السلع .
ــ سرعة تداول النقد ..
جميع هذه العوامل التي ترتبط بها كمية النقد قائمة في التداول النقدي البسيط خارج التداول النقدي ذاته , وهي تنعكس فيه فقط , ان عملية تحقيق السلع وسرعة دوران النقد هما أمران مرتبطان بأسلوب الانتاج القائم , بتطور الصلات بين المدينة والقرية , بتطور النقل وحالة البنى التحتية ..
وعندما يبرز الذهب تحت شكل وسيلة للتداول آنذاك توجد في التداول فقط تلك الكمية النقدية الضرورية , لأن الذهب ببساطة ذو قيمة شأنهُ شأن السلع الباقية , ان السلع تدخل في سياق التداول هي ذات أسعار معيّنة , والذهب بدخولهِ هذه المعادلة وهو يتمتع بقيمة معينة فإن كمية النقد بمجملها هي التي تكون متعلقة بمقدار أسعار السلع ..
يبرز النقد باعتباره وسيلة للتبادل على شكل سبائك , ومع تطور وسيلة التبادل بدأ يأخذ شكل العملة , فالعملة هي سبيكة ذات شكل معيّن , تحتوي على كمية معينة من معدن ثمين ..
ان الضرورة الموضوعية الى اكساء النقد شكل العملة مرتبط بالتقسيم الاجتماعي الكبير الثالث للعمل , وبنشوء طبقة التجار , لقد نتج هذا التطور عن التوسع الهام في علاقات الانتاج وفي التجارة على أساس تطور الحرفة ..
فمع اتساع التجارة اعترضت تبادل السلع لقاء السبائك المعدنية صعوبات كثيرة , كان لا بد من تعيين عيار المعدن ووزنه , وتقسيم السبيكة وغيرها , لذا أصبح كبار أغنياء التجار المعروفون في السوق يدمغون السبيكة بختمهم , موثقين بهذا كمية المعدن ومعياره , وأدى توسع التجارة التالي البعيد عن حدود الأسواق المحلية الى اعتبار ختم بعض التجار غير كافياً , فنشأت ضرورة توثيق المعدن ومعياره ووزنه من قبل هيئة لها سلطتها , ونتيجة لهذه الضرورة الموضوعية بدأت الدول بدمغ العملات بخاتمها على سبيكة المعدن , وفي نفس الوقت أصبحت السبائك تعطى شكلاً معيّناً ..
لقد ظهرت العملة منذ زمن بعيد , وعرفت في سومر ومصر والعديد من البلدان الشرق أوسطية والآسيوية وغيرها , وكان ينبغي في الماضي أن تحتوي العملة على كمية من الذهب أو الفضة , فإذا احتوت كمية ناقصة أقل مما هو مقرر كانت تلك العملة غير قابلة للتداول وناقصة القيمة ..
لقد رأى بردون أحد الدلائل على تكوين قيمة النقد هي أنها مثبتة في العملة , الواقع ان قيمة السلعة النقدية ليست اطلاقاً هي المثبتة في تسمية العملة , بل المثبت فيها كمية هذهِ السلعة النقدية فقط , وهو بافتراضه ان تسمية العملة تعبر عن قيمة السلعة النقدية يأخذ عملياً بوجهة نظر النظرية الاسمية في النقد , هذه النظرية كما قلنا تعتبر ان النقد شارة اتفاقية فقط , وحدة حسابية ليس إلاّ ..!!
ان طبيعة وسيلة التداول تقوم على انه ليس من الضروري اطلاقاً أن يقوم بهذه الوظيفة نقد سليم , ان النقد عندما يقوم بوظيفة وسيلة التداول يكون في الدوران باستمرار , وعندما يحقق النقد سعر احدى السلع ينتقل الى الفصل التالي من التداول السلعي , أي تحقيق سعر سلعة اخرى ..
وهذا يعني أن النقد يقوم بوظيفة وسيلة التداول بشكل مؤقت , ونتيجة لهذا فإن النقد السليم يمكن ان يستبدل في هذه الوظيفة بالنقد الناقص , حتى النقد السليم الذي يمحى نتيجة التداول يمكن ان يتحول الى نقد ناقص , ويبدأ محتواه الفعلي بالابتعاد عن الاسمي ..
عندما يقوم النقد السليم بوظيفته كوسيلة للتبادل يمكن استبداله لا بنقد فضي أو نحاسي ناقص فحسب , بل بشارات نقدية ورقية أيضاً , ان النقد الورقي يحل في التبادل محل السلعة النقدية ( الذهب ) .. وهو بمثابة ممثل لها .
هذا النقد الورقي لا يتمتع بقيمة خاصة بهِ ( اذ لم نحسب قيمة الورق الذي يتكون منه ) لهذا لا يستطيع هذا الورق أو النقد القيام بوظيفة مقياس للقيمة , هذه الوظيفة يقوم بها الذهب حتى في حالة التبادل النقدي الورقي ..
لقد شاهدنا من قبل كيف يقوم الذهب بوظيفة مقياس القيمة مثالياً , أي لا يتطلب وجوده عملياً عند قياس قيمة السلع به , على هذا فمن الممكن تماماً قيام الذهب بوظيفة مقياس القيمة حتى في التبادل النقدي الورقي ..
ان النقد الورقي هو مجرد شارات للذهب وتعبير عنه , وهو عندما يقوم بوظيفة مقياس القيمة في التبادل السلعي فهو يحقق أسعار السلع ..
يدخل النقد الورقي حلبة التبادل بفضل السلطات الحكومية التي تجعل تداوله اجبارياً , لكن بدون أدنى شك أن الدولة ليست هي التي تخلق امكانية التداول لوحدها بل هناك أيضاً الشروط الاقتصادية الموضوعية فهي عاملاً رئيسياً لجعل الدولة تفرض التداول النقدي ..
ان القوانين الاقتصادية الموضوعية المتعلقة بالتداول النقدي تخلق امكانية تداول الورق النقدي , وتستخدم الحكومات هذه الامكانية في صالح الطبقة السائدة المسيطرة على النظام الاقتصادي في الدولة , ولما كان سلطان التداول النقدي الاجباري لا يتعدى حدود الدولة المعيّنة فإن هذا النقد يبقى محلياً حتى يتحول تدريجياً الى عملة متداولة عالمياً ..
ان تجربة اصدار النقد الورقي التاريخية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ميلادية قد عممها ماركس من خلال طرحه , وبيّن أن كمية النقد الذهبي الضرورية للدوران تتحدد بشروط اقتصادية موضوعية ..
فإذا قذفنا بكمية من النقد الورقي في التداول بقيمة مساوية لقيمة النقد الذهبي آنذاك يتم تداوله بقيمة الذهب الذي استبدل به , لكن إذا كان اصدار النقد الورقي في حدود تفوق حاجات التداول السلعي للنقد الذهبي , تبدأ قيمة النقد الورقي بالانخفاض , ويحدث ارتفاع للأسعار ..

مثال ..
هناك بلد رأسمالي فرضت عليه الظروف الاقتصادية تداول مبلغ قدره 5 مليارات دولار , ولكن حكومة هذا البلد رمت في التداول مبلغاً قدره 10 مليارات دولار بغية تلافي العجز في الميزانية , بهذا يحدث فوضى في التداول أو فيض غير منظم , وباعتبار ان النقد الذهبي ذو قيمة خاصة لذا يبدأ الناس بخزنهِ فيختفي تدريجياً من التداول مبقياً على النقد الورقي لوحده ..
لكن حاجة دوران السلع تطلبت من الدولة بفعل الظروف الاقتصادية مبلغاً قدره 5 مليارات دولار فقط , في حين ظهر الى التداول مبلغاً قدره 10 مليارات دولار وبالتالي فقيمة كل دولار تنخفض الى النصف عملياً أي أن كل دولارين سيصبحان دولار ذهبي واحد , لهذا يرتفع أسعار السلع مرتين , لأن انخفاض قيمة النقد يحدث تبعاً لتجاوز الذي يحصل من قبل كمية النقد الورقي على حساب الضروري للتداول من النقد الذهبي ..
وكما نعلم أن قانون النقد الورقي يقوم أساساً على قانون التداول النقدي الذهبي .

ونتيجة لارتفاع الأسعار لا بد لعفوية السوق السلعي من معادلة النقد الورقي , مع كمية العملة الذهبية التي تستبدل به , فالدولة الرأسمالية أو الصناعية الكبرى قادرة على طبع كميات كبيرة من العملة الورقية , لكن استطاعتها في هذا المجال تبقى محدودة لأنها تدرك أبعاد هذه الخطوة على المدى البعيد , فهي تعني التمهيد لإفلاس الدولة وبنوكها وبالتالي انهيارها اقتصادياً وربما تفككها ..
ان عملية التداول توازن عفوياً بين قيمة النقد الورقي وقيمة الذهب الذي حل النقد محله كوسيلة للتداول ..
وهنا يطرح نفسهُ سؤالاً حاسماً وهو ..
ــ لماذا الافراط في اصدار النقد الورقي والعمل على خفض قيمتهِ ؟
الجواب ..
لأن هذا الاصدار للنقد الورقي هو الوسيلة الفعالة بيد الرأسمالية والحكومات التابعة لها لتخفيض مستوى معيشة العمال وزيادة أرباحها ( أرباح الطبقة الرأسمالية ) ..
كيف ؟
عندما تضخ الدولة هذه النقود تعلم سلفاً ان قيمة أية سلعة من السلع هو مثلاً يشكل نصف سعرها المطروح في السوق , وعندما تبدأ بالضخ فإن قيمة السلع تتضاعف بينما رواتب العمال والموظفين لم يطرأ عليها أي تغيير لا قبل الاصدار ولا بعده وبالتالي ترتفع أسعار السلع الى الضعف وهنا يحصل الرأسمالي على أرباح قيمتها 150 % لبعض السلع و 500 % لسلع اخرى تكلفتها أقل ..
أما انخفاض قيمة العملة وتأثيراته فتتجاوزها الدول الرأسمالية من خلال تجارتها الخارجية وفوائد الديون التي تعطيها للدول المتخلفة وكذلك الحروب , وخلال دورتين أو ثلاث دورات من الاصدار تقوم برفع طفيف في رواتب وأجور العمال كي تتجنب غضبهم وتهدئ من روعهم قليلاً وبشكل مؤقت ..
ان فوضى التداول النقدي هي احدى الصفات الهامة التي تشير الى تفاقم فوضى الاقتصاد الرأسمالي في مرحلة أزماتهِ , لقد غدا الافراط في اصدار النقد الورقي وانخفاض قيمته في الوقت الحاضر ظاهرة دائمة في البلدان الرأسمالية , فكلما تعسكر الاقتصاد كلما اشتد انخفاض النقد وبالتالي ارتفاع حجم الفقر في العالم .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- سرّ الملكية .. 16
- الحوار المتمدّن في منتدى الاعلام العالمي في بون ..
- خفايا سقوط الموصل .. بطولة المالكي
- الاقتصاد والماركسية .. 15
- الاقتصاد والماركسية .. 14
- الاقتصاد والماركسية ..13
- الاقتصاد والماركسية .. 12
- الاقتصاد والماركسية .. 11
- الاقتصاد والماركسية .. 10
- الاقتصاد والماركسية .. 9
- الاقتصاد والماركسية ..8
- الاقتصاد والماركسية ..7
- الاقتصاد والماركسية .. 6
- الاقتصاد والماركسية .. 5
- الاقتصاد والماركسية .. 4
- الاقتصاد والماركسية .. 3
- الاقتصاد والماركسية .. 2
- الاقتصاد والماركسية .. 1
- كيف تعمل الرأسمالية اليوم ... 2 6
- كيف تعمل الرأسمالية اليوم ..؟ 1 6


المزيد.....




- 76% من الأسر النازحة تحت خط الفقر!
- -اللبنانية-: طرف سياسي يعرقل تعليم طلاب العلوم الطبيعية
- العدد 253 من جريدة النهج الديمقراطي كاملاً
- الرأسمالية تُجمِّل العدم
- رحيل نوال حفيظ خليل
- طلاب -العلوم الطبيعية- في -الجامعة اللبنانية- يغرقون في بازا ...
- الصحة الفلسطينية تطالب بالكشف عن الغازات التي استخدمتها -إسر ...
- كوريا الديمقراطية: سنصبح أكبر قوة نووية وعسكرية عالميا والول ...
- إضراب 14 دجنبر 1990: المجريات والدروس
- ندوة حوارية حول قانون الانتخابات للشيوعي في لبايا


المزيد.....

- الشيوعيّة ليست - طغيانا طوباويّا - بل هدفا قابلا للتحقيق و ه ... / شادي الشماوي
- الاشتراكية والمثلية الجنسية - توماس هاريسون / عايدة سيف الدولة
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (1- 2) / حسين علوان حسين
- تقرير المصير للقوميات فى الدولة الواحدة: حق داخل حق / محمود محمد ياسين
- مقالة فى الاسس المادية (2). تقسيم العمل فى المنشأة والتقسيم ... / خالد فارس
- رأس المال فى نسخته المترجمة للدكتور فالح عبدالجبار. / خالد فارس
- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فواز فرحان - سرّ الملكية ..17