أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - محمد أوالطاهر - فقه المرأة وميكانيزمات الهيمنة الذكورية: قراءة جندرية















المزيد.....

فقه المرأة وميكانيزمات الهيمنة الذكورية: قراءة جندرية


محمد أوالطاهر

الحوار المتمدن-العدد: 4904 - 2015 / 8 / 22 - 02:38
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


لنبدأ أوّلا في تحديد مفهوم مركزي قد يسعفنا في مُقاربة فقه المرأة في التّاريخ الإسلامي، إنّه مفهوم الجندر أو ما يُترجم بالنّوع الإجتماعي(1). يدلّ هذا المفهوم على البناء والهندسة الثّقافية للعلاقات الإجتماعية التي تربط الرّجل بالمرأة داخل المجتمع، ويدلّ كذلك على إرادات السّلطة والقوّة التي تُحدّد أدوار كلّ منهما على المستوى الثّقافي والسّياسي والإقتصادي والرّمزي.
انطلاقا من هذا التّحديد، لا يخلو أيّ مجتمع كيفما كان من علاقات سلطوية وبطريركية Patriarcales يكون فيها أحد الجنسين تحت رحمة الجنس الآخر، وغالبا ما يكون النّظام الأبيسي الذّكوري هو المُسيطِر على كل أشكال التّجليات الأنثوية من خلال الفصل بين المجال العام الذي احتكره الرّجال على مر التّاريخ، وبين المجال الخاص الذي أصبحت فيه المرأة حبيسة ومقيّدة في حريتها وإبداعها؛ من هنا نستخلص أنّ التّمييز الجنسي تمتدّ جذوره في تاريخ البشرية منذ ظهور المِلكيّة الخاصّة وتقسيم العمل بين الجنسين، مما يدلّ على البعد الكوني للعلاقات الجندرية.
من هذا المنطلق، قد تُسعفنا المقاربة الجندرية في تنسيب الطّرح الذي يرى في ثقافة ما - أيا كانت هذه الأخيرة- الكمال والخلاص والطّهرانية، دون الأخذ بعين الإعتبار المشترك الكوني، سواء أكان هذا المشترك قيمًا عليا أو صورًا من صور الهيمنة والسّلطة؛ إذ إن الثّقافة إمكان من إمكانات الوجود البشري، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال، استعادة التّجليات الماديّة لثقافة ما لارتباطها بواقع سوسيو- تاريخي محدّد؛ لذا يقتضي الأمر استعادة روح هذه الثّقافة في مبادئها الإنسانيّة وأسسها الكونيّة.
يُعتبر فقه المرأة من هذا المنظور، بناءً سوسيو- ثقافيا ذو صبغة دينية، يُحيل على إرادة الهيمنة الذّكورية التي طَبعت المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام، ويكشف كيف شهدت الحضارة الإسلامية عودة هذا المكبوت الثّقافي من خلال إحياء التّقاليد البطريركية، إلا أنها أصبحت هذه المرة باسم الدّين والمقدّس والحقيقة.
يُشكّل فقه المرأة إذن، حقلا للإشتغال يسمح بكشف إرادات السّلطة التي تتوارى خلف القرآن والسنة لتبرر وجودها وتفرض هيمنتها؛ وقد نقف على بعض الأمثلة التي تحتاج إلى دراسات وقراءات جندرية قصد فهم تشكلها التاريخي وتفكيك بنيتها الدّاخلية.
لعل ما يعرف بالإسلام النّسوي، قد ساهم – ولو من منظور نسوي وليس على أساس المقاربة الجندرية- في إنجاز بعض القراءات التجديدية بخصوص الخطاب الفقهي- الذّكوري على ضوء المستجداّت المعاصرة في مجال حقوق الإنسان عموما وحقوق المرأة على وجه الخصوص، كما أنه حاول كشف إرادات السّلطة التي تسكن نصوص الفقه والتّفسير والحديث. لقد أعادت تلك الكتابات النّظر في علاقات القوّة والسّلطة المرتبطة بالجنسين في الخطاب الفقهي الإسلامي، وفي الحدود المتحرّكة بين السّياسي والدّيني من جهة، والإيديولوجي والثّقافي من جهة أخرى؟
إن الدّراسة الجندرية دراسة تفكيكية وليست ايديولوجية، لأن هدفها هو الفهم وليس التحيّز وإطلاق الأحكام؛ إن دراسة الحديث النّبوي "المرأة عورة كلها" دراسة تفكيكية – على سبيل المثال- لا يعني البحث في صحّة الحديث من عدمها، كما حاول طارق السويدان ومحمد عمارة مثلا أن يضعّفوه؛ بل إننا ننطلق مما هو معطى، أي في كون الحديث حديثا صحيحا قد صحّحه الألباني؛ من هنا يكون سؤالها هو سؤال حول إرادات السّلطة التي كانت وراء إدراج هذا الحديث ضمن لائحة الأحاديث الصحيحة تاريخيا؟ وهذا يسمح بدراسة البناء الجندري للمجتمع العربي قبل الإسلام وبعده، والذي كان يُنظر فيه للمرأة على أنها فتنة وجسد خُلقت من ضلع الرجل للمتعة والإستئناس.
يتجاوز البناء الثّقافي الجندري قدرات الأفراد ونباهة الأشخاص؛ نجد مثلا كيف إن فخر الدين الرازي المعروف بتفسير للقرآن خالف فيه جل التفاسير الأخرى، يرى أن المقصد من خلق النساء لم يكن الخلافة في الأرض، بل فقط خُلقن لمصلحة وراحة الرجال(2). وفي نفس السياق، نجد وصفا للفقيه المالكي شهاب الديني القرافي في القرن الثالث عشر الميلادي يرى فيه أن النّساء لهنّ "قوى فكرية ليست أعلى بكثير من القوى عند الحيوانات"(3).
أدّى هذا البعد اللاّشعوري بمعناه الفرويدي، إلى جندرة الدّين الإسلامي، كما حصل مع باقي الدّيانات الأخرى؛ كما لو أن ثمّة قوة تَحُول دون تحقيق المغزى من الدّين الذي هو تطهير الروح وتوحيد الله، بل حتى مسألة توحيد الله لم تَسلم من وصايات تفرض الطريقة الصحيحة لتحقيقها، على غرار الدور الذي لعبته الكنيسة في العصور الوسطى من خلال ما عُرف بصكوك الغفران.
ثمّة حديث آخر في نفس الإطار، إنّه حديث "ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"؛ إذ على الرغم من أن البعض شكّك في نسبته لنبي الإسلام مثل فاطمة المرنيسي وتحدى بعضهم في صحته مثل خالد أبو الفضل، إلا أن هذا الحديث تم الإجماع على صحته تاريخيا، وهو موجود في مصادر يجمع المسلمون على أنّها الأكثر صحة تاريخيا كصحيح البخاري ومسند أحمد بن حنبل وسنن النسائي والترمذي(4)؛ ممّا يدعو إلى إعادة النظر في مقولة: أصح كتاب بعد كتاب الله صحيح البخاري ! وذلك من خلال الوقوف على التشكّل التاريخي وإرادات السّلطة التي ساهمت في شرعنته وتقديسه.
بغض النّظر عن صحّة هذا الحديث من عدمها، إلا أن إفرازاته الفقهية أكدت على بعده الثقافي والتاريخي؛ حيث لعب هذا الحديث دورا أساسيا في إنتاج التمييزات بين الجنسين وتبريرها دينيا؛ فعلى سبيل المثال، "تتطلب كتب الفروع الإسلامية عموما فيمن يتولى منصبا عاما أن يكون ذكرا. وبناء على ذلك، يسمح فقط للرجال أن يكونوا على رأس الدولة الإسلامية (الإمام أو الخليفة)"(5).
لا يرتكز الفقهاء في هذا المنظور على مؤهّلات المرأة، بل على الصّورة النمطية التي تشكّلت حول هذه الأخيرة؛ لذا نجد مثلا أن الفقيه ابن العربي يرفض أن تكون المرأة قاضية أو خليفة، والمُبرر الوحيد هو كونها ليس مسموحا لها أن تختلط بالرّجال(6).
تلعب الدوافع الذّاتية إذن دورا كبيرا في طريقة التّعامل الفقهي مع قضيّة المرأة بالتحديد، وكيف إن فعل التّأويل مرتبط بفعل السّلطة والهيمنة؛ بالأحرى، قد تختلف قراءة نفس الحديث من واقع اجتماعي وسياق تاريخي إلى آخر، من هنا يمكن أن نفهم كيف رفض محمد الغزالي المعاصر علاقة حديث "ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" بموضوع شغل المرأة منصبا سياسيا، حيث إن الرسول قد عنى فقط أن الدّولة الفارسية كان مصيرها إلى الزّوال (7). لم يكن هذا الرّأي ممكنا قبل القرن العشرين، إذ لو عاش محمد الغزالي فقط في القرن السابع العشر أو الثامن عشر ما أمكنه أن يقول ما قاله، إذ إنه استطاع استيعاب روح العصر والواقع السّوسيو اقتصادي، وعلى ضوءه أعاد قراءة الحديث واستخدم لذلك المصادر الفقهية نفسها.
في نفس السّياق، كان الإستدلال بقصّة بلقيس يدخل دائما في نطاق الاستثناء لا القاعدة، إلا الفقهاء المعاصرين كالقرضاوي مثلا يستدلون بها لتبرير ولوج المرأة للمجال العام وشغلها لمناصب سياسية، الشيء الذي يدل على أن الصّراع ليس صراعا حول من يمتلك الحقيقة، بل إنه صراع حول من يستطيع أن يفرض فهمه للحقيقة؛ فليست الحقيقة هي الصدق والحق في مقابل الخطأ والشر، بل هي تجسيد لقوة انتصرت على قوة أخرى كما أكد على ذلك الفيلسوف الألماني نيتشه.
مسألة الحجاب هي الأخرى تدخل في هذا النطاق، إذ كيف كان الحجاب خاصّا بالنّساء الحرائر دون الإماء، حيث كان "إدناء الأمَة الجلابيب مصدر خلل في تنظيم الطبقات الإجتماعية، وهو خلل يرفضه عمر بن الخطاب ويتصدى له بقوة إذ يضرب كل أمة تتقنع بالدرة محافظة على زي الحرائر. ومن هذا المنظور يفقد إدناء الجلابيب البعد المُقدس الذي يُضفيه عليه بعض الأصوليين، فإن كان هذا الأمر مقدسا شاملا جميع النساء بلا استثناء بغرض اتقاء الفتنة، فكيف يُستثنى منه الإماء؟"(8).
ثمّة مسائل أخرى تحتاج إلى دراسات جندرية في الثّقافة الإسلامية، لا يسمح المقام للوقوف عليها، ومن بينها: مسألة القوامة، مسألة تعدّد الزّوجات، مسألة الإرث، مسألة الشّهادة، ثنائية الذّكر/الأنثى، الرّجل/المرأة، قصّة الخلق...وغيرها.
من هذا المنطلق، يُمكن أن نعمّم ما أكّده خليل عبد الكريم بخصوص مسألة تعدد الزوجات، على باقي المسائل الآنفة الذكر. يقول: إن "التقاليد العربية التي كانت سائدة في الفترة السابقة على البعثة المحمدية تركت آثارا واضحة لا على النصوص المقدسة فحسب بل على سلوكيات المسلمين من ذوي السابقة"(9)؛ وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الجذور الثقافية والتّاريخية لأبعاد الإسلام اللّغوية والماديّة.

الهوامش:

1- إن الترجمة العربية لمفهوم Le Genre بالنوع الإجتماعي قد لا تسعفنا في تفكيك البناء الثقافي والسلطوي للعلاقات بين الرجل والمرأة، لأن كلمة النوع في اللغة العربية لا تحتمل إلا معنى لغويا- نحويا، بينما كلمة الجندر لها دلالة ثقافية واجتماعيا بالإضافة إلى الدلالة اللغوية- النحوية. لذا ارتأينا استعمال مفهوم الجندر دون ترجمته للحفاظ على حمولته الدلالية المتعددة.
2- فاضل، محمد. هل التاريخانية استراتيجية قابلة للتطبيق لإصلاح الفقه الإسلامي؟ حالة حديث "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. (أبو بكر أحمد باقادر، مترجم). قسم الفلسفة العلوم الإنسانية. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. ص.22. اُسترجعت في تاريخ 01 يناير 2014 من موقع:
http://www.mominoun.com
3- نفس المرجع. ص.22
4- نفس المرجع. ص.5
5- نفس المرجع. ص. 16
6- نفس المرجع. ص.18
7- نفس المرجع. ص.21
8- ألفة ، يوسف. (2008). ناقصات عقل ودين: فصول في حديث الرسول (مقاربة تحليلية نقسية). (ط.3). دار سحر للنشر. ص ص.103- 104.
9- خليل، عبد الكريم. (1990). الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية. (ط.1). القاهرة: سينا للنشر. ص.42





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,553,244
- في قضية شارلي إيبدو: بين حقيقة تخدم السلطة وسلطة تصنع الحقيق ...
- شهر رمضان: فرصة لاكتشاف المسكوت عنه في الثقافة والمجتمع
- العلاقات الجندرية في الثقافة الأمازيغية: بين روح العصر ولا م ...
- العلمانيون والإسلاميون وإمكانية الحوار؟


المزيد.....




- هل تنصر حكومة حمدوك المرأة السودانية بإلغاء قانون -الزي الفا ...
- إحالة أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت إلى -الجنايات-
- لماذا تعشق الفتيات الصغيرات قصة سندريلا؟
- ميغان ماركل تكشف لأول مرة: تلقيت تحذيرات من الزواج من الأمير ...
- تقرير: مهاجرات ولاجئات إفريقيات عرضة للاغتصاب في مصر
- المرأة التي تأكل الصخر
- تقرير: مهاجرات ولاجئات إفريقيات عرضة للاغتصاب في مصر
- حقوق إنسانية أنكرها الرجال وناضلت من أجلها النساء
- الجمارك السودانية تضبط عملية تهريب ذهب داخل علبة دواء وحذاء ...
- لماذا تتذكر النساء تفاصيل يوم الزفاف أكثر من الرجال؟


المزيد.....

- الواقع الاقتصادي-الاجتماعي للمرأة في العراق / سناء عبد القادر مصطفى
- -تمكين النساء-، الإمبرياليّة، وقاعدة كمّ الأفواه العالمية / أريان شاهفيسي
- تحدي الإنتاج المعرفي، مرتين: بحث العمل التشاركي النسوي وفعال ... / تاله حسن
- تدريس الجندر والعرق والجنسانية: تأملات في البيداغوجيا النسوي ... / أكانكشا ميهتا
- وثيقة:في تنظير قمع المرأة: العمل المنزلي واضطهاد النساء / شارون سميث
- رحله المرأة من التقديس الى التبخيس / هشام حتاته
- النسوية الدستورية: مؤسّسات الحركة النسائية في إيران – مر ... / عباس علي موسى
- المقاربة النسوية لدراسة الرجولة حالة نوال السعداوي / عزة شرارة بيضون
- كيف أصبحت النسوية تخدم الرأسمالية وكيف نستعيدها / نانسي فريجر
- الجزءالأول (محطات من تاريخ الحركة النسائية في العراق ودور را ... / خانم زهدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - محمد أوالطاهر - فقه المرأة وميكانيزمات الهيمنة الذكورية: قراءة جندرية