أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني 1/2















المزيد.....


الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني 1/2


عبد المجيد حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 4797 - 2015 / 5 / 5 - 01:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني
1/ 2

إثر إطلاق الدعوة لإصلاح الخطاب الديني في مصر ، عاد الحوار ليحتدم حول مواضيع كثيرة ، كان الحجاب واحدا منها . وفي الحوارات التي تابعتها ، شارك الأزهر بمندوب رسمي . ولقد أذهلني ، دون أن يفاجئني ، أن الحوارات ، على رفعة درجات أطرافها العلمية ، سادتها السطحية ، كما هي العادة ، حين توقفت عند الشكل دون محاولة للاقتراب من جوهر الموضوعات المطروحة . هلى هو الخوف ؟ هل هو نقص في المعرفة ؟ هل هو مواصلة لذات طريق التضليل وتغييب العقل ؟
ولأن ظروفي الصحية ، تحول بيني وبين القراءة والكتابة ، ومن ثم المشاركة في هذا الحوار ، وإلى أن أتمكن من ذلك ، وقد يطول الحال ، فقد اجتهدت بإعادة نشر الاستهلال لكتابي :" المسلمة الحرة " الصادر في العام 2010 والموجود على مكتبة الحوار المتمدن . آملا أن يعبئ بعض فراغ غيابي القسري هذا .



-
المسلمة الحرة


عبد المجيد حمدان


استهلال


1


أثناء قراءتى لسيرة ابن هشام لفتت انتباهي حكاية وردت على لسان ريحانة القرظية . كانت ريحانة قد اصطفاها النبي لنفسه من سبي بني قريظة لكنها اختارت البقاء على دينها. عرض عليها النبي تحريرها والزواج منها وضرب الحجاب عليها لكنها رفضت .قالت دعني هكذا في ملكك فهو أخف علي وعليك .وتوفي عنها وهي في ملكه.أول ما تبادر إلى ذهني أن الصواب جانب ابن هشام في إيراده لهذه الرواية .لكن وبعد المراجعة تبين لي أن ذات الرواية وردت في العديد من كتب التراث التي عنيت بالسيرة النبوية وبسير الصحابة,مثل السيرة الحلبية وعيون الأثر لابن سيد الناس والسيرة المحمدية لمحمد حسين هيكل وغيرها.وكذلك في سير ألصحابة مثل الإصابة لابن حجر العسقلاني وأسد الغابة لابن الأثير وطبقات ابن سعد وغيرها .وكذلك في كتب التاريخ مثل تاريخ الطبري والبداية والنهاية لابن كثير وتاريخ ابن خلدون وغيرها .إذن فالرواية صحيحة ولا غبار عليها، ولأنها كذلك فقد استدعت طرح أسئلة ، بل والعديد من هذه الأسئلة ، مثل :كانت ريحانة سيدة في قومها بني قريظة. كان أبوها زيد بن عمرو بن جنافة سيد قومه ،كما كان زوجها سيداً كذلك .ذلك يعني أن ريحانة كانت تقدر الحرية حق قدرها ، فلماذا إذن اختارت العبودية- ملك اليمين -على الحرية ؟ وإذا كان مفهوما أن ذلك أخف على النبي ،لأنه يعفيه من واجبات الزوجية ،فكيف يكون وضعها في العبودية أخف عليها ؟ ومقابل ماذا تنازلت عن امتيازات كبيرة يوفرها زواجها من النبي ،سيد جزيرة العرب ؟ومقابل ماذا تخلت عن مكانة أم المؤمنين ،بكل ما تمثله من تكريم وتوقير وتشريف واحترام غير محدود ؟ وكيف تركها النبي على خيارها هذا وقد عادت وأعلنت إسلامها بعد وقت لم يطل بعد سبيها ؟ولماذا لم يحاول إقناعها بعكسه ؟هل يفهم من موقفها هذا أن في الحرية قيوداً على المسلمة الحرة -الحجاب -هي أشد وطأة على امرأة تقدر الحرية من هوان العبودية ؟ هذه الأسئلة وغيرها دفعتني للبحث في مسألة ملك اليمين،خصوصاً إذا كانت امرأة،ومسلمة مؤمنة - الذكر يمكن أن يكون ملك يمين أيضاً -.بداية من هي ،أو من هو ملك اليمين ؟ملك اليمين تعبير مرادف للرق أو العبودية ، للرقيق العبد أو المولى وللعبدة , الأمة ,السرية ,المولاة ,أو الجارية .وإذا كانت العبودية أو الرق تجرد المرء أول ما تجرده من نسبه وشهرته ،ثم تلحق ذلك بتجريده من حريته فإنسانيته ،فإنها تحوله إلى مجرد شيء ، متاع ،مال ، نقد أو حتى بضاعة .
لا حاجة للتذكير بأنه من غير الجائز توصيف البضاعة أو المتاع أو الشيء بالصفات الإنسانية. وبالضرورة انعدام إمكانية تطبيق الأحكام ،أو القواعد، الخاصة بالناس على الأشياء .ومن هذه الأشياء ملك اليمين أو الإماء أو الموالي أو العبيد .
بعد الوقوف على المعاني فالأحكام الشرعية الخاصة بكل من الأحرار والعبيد، رحت أطرح على بعض مستمعي أحجية تقول :امرأتان مسلمتان مؤمنتان ،واحدة في العشرينات تملك من مقومات الأنوثة فالجمال والجاذبية الكثير .شعر غزير أشقر طويل ناعم ،عينان حوراوان أخاذتان آسرتان ,وجه مستدير ولا البدر ،قدٌ أهيف وقوام ممشوق، بشرة ناعمة، وباختصار كل مقومات الإثارة والإغراء والفتنة .والأخرى في الستينات ،تزوجت أكثر من مرة ، وأنجبت عشرا ، اثني عشر، وربما خمسة عشر من البنين والبنات .شعرها مختلط ما بين الأسود والأبيض .وجهها كما رقبتها تحفرهما الأخاديد والغضون .قوامها هدته السنين والحمل والإنجاب .ومع ذلك لنقل أنها ما زالت تملك شيئاً من الجمال وبعضاً من الجاذبية والإثارة .لكن ما يثير الانتباه فالدهشة ،أن شعر الأولى ،وجهها ،رقبتها ،نحرها ، ذراعيها ، صدرها ،ساقيها ليست عورة .وهي لا تؤثم على كشف أي منها .كما أن كشف هذه الأجزاء جميعًا ،أو بعضاً منها لا يثير الفتنة ،ولا يؤشر أو يدلل على قلة في الاحتشام ،أو خروج على الآداب .كما لا يدلل على قصد للإثارة أو الإغواء أو الفتنة .وبالتالي كل شيء بخير .المجتمع بخير .الأخلاق بخير .العادات والتقاليد بخير .ولا يحدث ما يغضب الله أو المجتمع أو الشرع والمشرعين .أما الثانية فإن انكشاف خصلة من شعرها الأشيب ، بقصد أو بغير قصد ،يعد جريمة ينكرها الشرع كما ينكرها المجتمع ,والعقوبة في الآخرة تعليقها من شعرها في نار جهنم .
هذه الأحجية غير مستوحاة من مسألة افتراضية ،بل في واقع الأمر هي مستمدة من واقع وأحكام تشريعية ، استندت إلى واقع اجتماعي حياتي ،امتد لما يزيد على ثلاثة عشر قرناً ويزيد .فمنذ فتح مكة - وحتى قبل ذلك - زادت أعداد الرقيق في الحجاز عموماً ،والمدينة المنورة على وجه الخصوص ، نتيجة الحروب المتنوعة ،زيادة هائلة. وفي فترة تقل عن ثلاثين سنة تضاعفت أعداد الرقيق مرات عدة ،وبديهي أن احتلت النساء -طفلات وبالغات - الحيز الأكبر بين هؤلاء المستعبدين الجدد .والقارئ المتمعن في كتب التراث - سير وتاريخ - وحتى في النصوص القرآنية ،يمكنه أن يلاحظ ،وبسهولة ،أن عدد الإماء في المدينة المنورة ، في العهد الراشدي ،زاد كثيراً عن أعداد الحرائر فيها .واستمر هذا الحال فيما بعد في سائر عواصم الخلافات الإسلامية، من قرطبة غرباً ،ومروراً بالقاهرة واستنبول إلى بغداد ومرو شرقاً.ولم يقتصر هذا الحال على عواصم الخلافات فقط ، بل وانسحب على عواصم السلطنات والإمارات ،وحتى الولايات التي نشأت في ظل تلك الخلافات .كما ساد هذا الحال سائر الحواضر والبلدات في سائر الولايات الإسلامية .ولما كان محظوراً على الإماء التشبه بالحرائر -أي لبس الحجاب -ولما كان العمل في البيت وخارجه من مسؤولياتهن ،بما في ذلك التسوق، وفي المقدمة خدمة ضيوف السيد المالك ،وكذلك التسرية عنهم ،بالرقص والغناء، فقد كان لزاماً عليهن الخروج والاختلاط .ولأن الشرع حدد عورة الأمة مساوية لعورة الرجل ، فقد كن يخرجن ويختلطن بالرجال سافرات -بلغة العصر -.والسؤال الذي لابد أن يطرأ على البال هو : ما الذي عناه الفقهاء في أحكام الاحتشام والفتنة والإغراء والإغواء وغيرها وغيرها ،والتي قيدوا النساء الحرائر بها ؟ وهل هي أحكام فرضها الشرع أم هي أحكام تطلبتها التقاليد والعادات وظروف سياسية اجتماعية محددة صبغت بصبغة دينية ؟ وما الذي تعنيه تعابير مثل مجتمعات فاضلة وأخرى فاسدة ،حين تستند الأحكام عليها إلى الاختلاط بين الجنسين وسفور أو تحجب النساء ؟


2

قبل الدخول في محاولة للبحث عن إجابات لمثل هذه الأسئلة وغيرها الكثير، سأحاول إنعاش ذاكرة القارئ باستعادة معلومات كانت في حكم البديهيات في تلك العصور .لقد أنتجت الحروب المتواصلة تدفقاً للرقيق ، غنائم المعارك ،على الحواضر الإسلامية .ولأن الحروب دارت على جبهات مختلفة ، في الشرق والغرب والشمال والجنوب ، فقد جاء هؤلاء الرقيق من جنسيات وألوان شتى .وكان طبيعياً أن يحمل هؤلاء معهم ثقافاتهم ،وأن يرطنوا في بلدان مستقراتهم الجديدة بلغاتهم الأصلية .وبتعبير كاتب محدث - مطلع القرن العشرين - هو أحمد أمين ،في مؤلفه الفخم ،فجر الإسلام ،بدا مجتمع المدينة المنورة - وفيما بعد مجتمعات الكوفة ودمشق والبصرة والقاهرة ،ثم بغداد وقرطبة وغرناطة ومرو وحمص ....إلخ- مثل هيئة أمم .مجتمعات تختلط فيها ألوان الناس بين أسود وأبيض ،وبين أشقر وأصفر وأسمر. وتمتزج فيها الثقافات ،وتختلط ،و تتلاقى أو تفترق ،فيها العادات والتقاليد ،ويرطن الناس في أسواقها بمختلف اللهجات واللكنات .
وإذا ما عدنا إلى مسألة الإماء ،وإذا ما تذكرنا أن الشرع لم يفرض عليهن الحجاب ،وبالتالي لم يفرض عليهن عدم الاختلاط ،وإذا ما أضفنا لكل هؤلاء نساء أهل الذمة ،وهن مثل الإماء لم يفرض عليهن الحجاب ،ولم يمنعن من الخروج والاختلاط -الخليفة عمر بن عبد العزيز أمر بكشف سيقانهن عند الخروج إلى الأسواق لتمييزهن عن الحرائر المسلمات ،طبقات ابن سعد - نستطيع استحضار صورة واضحة لحال أسواق وشوارع وأزقة وحارات الحواضر الإسلامية آنذاك ... كانت هذه ألأسواق تعج بنساء سافرات .شقراوات وسمراوات ،بشعور ذهبية وسوداء فاحمة ،مسترسلة وأخرى مجعدة .أجساد ممشوقة وأخرى متلعة .عيون زرقاء وسوداء وخضراء وعسلية . وإنصافاً للحقيقة لم تكن الصورة على هذا النحو طوال القرون الثلاثة عشر الماضية .
ففي العصرين المملوكي والعثماني عرفت قصور الحكام ،وكبار الأغنياء ،ما عرف بالحرملك .وفي هذا الحرملك حبست نساء القصر -الحريم - ،بمن فيهن الجواري -الإماء -.وهكذا اقتصر الاختلاط في الأسواق على قسم من الإماء ،الخادمات ،بالإضافة إلى نساء الذمة ،وجميع هؤلاء كن يخرجن سافرات .
وأيضاً لم تعرف القرون الثلاثة عشر هيمنة إسلامية كاملة على الأقطار الإسلامية ،إذ تخللتها فترات سيطرة أجنبية استمرت قرون طويلة -المغول في الشرق والصليبيون في جنوب تركيا وبلاد الشام،والاستعمار فيما بعد -.والغالب، كما يعلمنا التاريخ ،لا يفرض سيطرته السياسية فقط ،بل ويثبت تفوقه بفرض ثقافته ومنظومة قيمه ،بما في ذلك عاداته وتقاليده ورؤاه الاجتماعية والمعيشية .أكثر من ذلك لا يؤكد الغالب على دونية المغلوب فقط بل وتتحول كل ممتلكات المغلوب إلى محط مطامع الغالب هذا .
في كل تلك الفترات التي دامت قروناً ،انقلب الحال مع العرب والمسلمين -الذين كانوا السادة قبل حين - من السيادة إلى التبعية . وباتوا أقرب إلى فئة الرقيق منهم إلى أهل الذمة ،أهل البلاد الأصليين .وطوال هذه القرون غدت ليس فقط أموالهم وممتلكاتهم محط طمع الغالبين ،وهم غير مسلمين ،بل وفي المقدمة وقعت نساؤهم الحرائر في مركز هذه الأطماع .
وكان واجباً مفروضاً أن ينشغل أهل الرأي ،في البحث عن سبل ووسائل ،تكون قادرة على ،وكفيلة بِ ، حفظ شرف هؤلاء السادة السابقين .
قدم المفسرون للنصوص القرآنية الحل، وتبعهم الفقهاء في تثبيته ،كما سنبين لاحقاً .وكان الحل بسيطاً،تمثل في تشديد مركَّز على حركة النساء الحرائر ولباسهن ،بتطبيق قواعد مشددة للحجاب ،بلغت حد نسخ آيات قرآنية،خففت من وطأة قواعد الحجاب على الحرة المسنة -القاعد - وإلى حد سجن هذه المرأة الحرة ،وبكل ما تحمله عبارة السجن أو الحبس، من مرارات ومعاني القهر والعذاب .ولاحقاً حولت عمليات التثقيف المثابرة هذا الشكل من القهر إلى نوع من امتياز تحظى به الحرة وحدها ،وبدعوى صيانة شرفها وحفظ كرامتها ،المهددة من قبل الغازي الذي أصبح السيد الجديد والمطلق .
لم تكن فترة الإحتلال الأجنبي لبلدان إسلامية - وقد امتدت بضعة قرون- هي الفترة الصعبة الوحيدة والتي أناخت بكامل ثقلها على كاهل المسلمة الحرة .كانت هناك فترات ربما أشد وطأة .فحكم المماليك ،والذي امتد قرابة ثلاثة قرون - دولة المماليك ضمت إضافة لمصر وبلاد الشام أجزاء من السودان وليبيا ومن العراق والجزيرة العربية - يعتبر من أشد العهود الإسلامية ظلامية .كان النظام المملوكي نظاماً عسكرياً لا تربطه علاقة بأهل الفكر والثقافة ،رغم انتباهه لفن العمارة، كما تشير إلى ذلك آثاره الباقية في القاهرة وحواضره الأخرى .وكان بديهياً أن تنعكس نشأة المماليك وتربيتهم ونظام الحكم عندهم،على الحياة الاجتماعية ، وعلى منظومات القيم والسلوك والأخلاق داخل إمبراطوريتهم .فالمماليك كانوا من حيث النشأة قد اقتلعوا أطفالاً من بيئتهم الأصلية ،على يد عصابات متخصصة،أو كغنائم حرب. ثم بيعوا عبيداً أو رقيقاً في أسواق النخاسة .وفي بيئتهم الجديدة تربى الذكور منهم تربية عسكرية ،فيما تربت الإناث على إتقان أساليب وفنون إمتاع الأسياد الجدد ،بما في ذلك العزف والرقص والغناء وحفظ وإلقاء وحتى قرض الشعر .لكن حمل تحول المماليك ،من مجرد أرقاء إلى أسياد للبلاد ،تغيرات كبيرة على الحياة الاجتماعية ،بما في ذلك تحسين أنسابهم عن طريق مصاهرة العائلات رفيعة الشرف السابقة .وفي ذات الوقت طور المماليك وعمقوا ظاهرة حجز النساء، بمن فيهن الإماء، في أجنحة من قصور الأغنياء ،صارت تعرف باسم الحرملك ،وإن كانت قد استمرت في هذه القصور ، وفي أماكن غيرها، ظاهرة حفلات الترفية التي تحييها الإماء لأهل القصر من الرجال ،ولضيوفهم ومدعوّيهم من السمٌار .ولا أظن أن هناك حاجة للتذكير بأن هؤلاء الإماء ،وهن في أكثريتهن مسلمات مؤمنات،كن يؤدين أدوارهن ،في الرقص والغناء وخدمة السمار،وهن شبه عاريات ،وسط استحسان المشاهدين ،وبينهم قضاة ورجال دين محترمون ،ودون أن تثير تلك الحفلات استهجان الفقهاء فرفضها ،باعتبارها مسيئة للأخلاق العامة .وللحقيقة فهذه الحفلات لم تكن بدعة ادخلها المماليك على الحياة العامة ،بل تقليداً يعود إلى النصف الأخير من العهد الراشدي .ومن ذلك الوقت المبكر واصلت هذه الظاهرة استحسان القضاة والفقهاء ورجال الدين الآخرين ،بديلاً للاستهجان أو الرفض أو الإنكار .وذلك وببساطة لأن الإماء ،في آدائهن هذا،لم يكنَّ يأتين حراماً أو يتجاوزن حلالاً .

3

لم يقتصر هذا الحال على العهد المملوكي ،فقد تجاوزه إلى العهد العثماني .فالعثمانيون ينحدرون من قبائل تركية ،بدائية أو شبه بدائية ،زحفت من أواسط آسيا - تركمانستان وحوض بحر قزوين - غرباً واستقرت في شمال الأناضول .ومن هناك وإبان نشأة دولتها بسطت سيطرتها بداية على تركيا الحالية ،منهية دولة بيزنطية - الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية)- ولتتخذ من القسطنطينية عاصمة لها، وباسم جديد هو اسطنبول . ومن ثم توسعت وتحولت إلى الإمبراطورية العثمانية ،التي تحولت بدورها إلى الخلافة العثمانية ،في محاولة لكسب ولاء المسلمين ،من أهالي ولاياتها الإسلامية .أنشأ العثمانيون دولة بنظام عسكري ،مثلها مثل المماليك .وظلت السمة العسكرية السمة المميزة لهذه الدولة ،ممثلة في جيوشها الإنكشارية ،وفي حروبها وفتوحاتها العسكرية ،في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب على حد سواء .وبسبب هذه النشأة لم تكن لرجال الدولة ،بدءاً من الخليفة ووصولاً لأصغر مسؤول ،صلة بأمور الفكر أو الثقافة ،ولتخيم على العالم الإسلامي عصور من الظلام ،شكلت امتداداً للعصر المملوكي ،وإن كانت أشد منه ظلامية .ما يعنينا هنا أن النصيب الأكبر من عبء هذه الظلامية سقط على رأس المسلمة الحرة .
بسطت الخلافة العثمانية سيطرتها على كامل جنوب شرق اوروبا .وشكلت الإماء الجزء الأكبر من غنائم حروبها .وهكذا ،وخلال كامل عهد الخلافة العثمانية ،ظلت تتدفق على العاصمة، وحواضر البلاد ،مجموعات كبيرة من الصبايا الأوروبيات الشقراوات وغير الشقراوات .ولما اتسمت بدايات العصر الإسلامي بعدم اعتبار الإماء جزءاً من شرف المالكين - في العصر العباسي الأول أخذ الرجال يفضلون الزواج من الإماء، بعد تحريرهن ،لعدة أسباب ،منها عدم المساس بشرف الزوج، في حال ارتكاب الزوجة (الأمة )للخيانة الزوجية -.فإن هذا الحال أخذ في التغير ،وليصبح ،وبالتدريج ،شرف الأمة جزءاً من شرف سيدها ،بادئاً عصر الحريم وظهور أجنحة النساء -الحرملك - ضامة الحرائر والإماء في هذه الأجنحة .وإذا كانت هذه الظاهرة قد شهدت توسعاً كبيراً في العصر المملوكي ،فإنها شهدت توسيعاً وتعميقاً أكبر بما لا يقاس في العهد العثماني .
استدعى نشوء ظاهرة الحرملك - سجن النساء بدعوى صيانة شرف المالك - نشوء ظاهرة أخرى أشد قسوة من هذه .حبس النساء في الحرملك أوجب توظيف ذكور يقومون على حراستهن وخدمتهن .ولمنع احتمالية وامكانية مس هؤلاء الذكور بشرف السيد ،جاء الحل في صورة اقتلاع ذكوريتهم ،وذلك من خلال خصيهم أطفالاً، وليخدموا الشواذ من الأسياد إضافة لخدمة نساء الحرملك .وهكذا تطلب الحفاظ على شرف الأسياد ارتكاب جريمة إضافية لجريمة حبس النساء، هي جريمة خصي ألأطفال الذكور ،ولتشكل واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وعلى مر التاريخ .
توقفت الفتوحات الإسلامية مبكراً مع بداية العصر العباسي الثاني .وكان توقف الفتوحات يستوجب توقف تدفق الرقيق - ومنهم الإماء - مع توقف تدفق غنائم الحروب .لكن ما حدث أن حروب الفتوحات استبدلت بالحروب الداخلية ،ونشوء ممالك وإمارات وسلطنات داخل الخلافات -العباسية والفاطمية - مثل الغزنية والسلجوقية والبويهية في الشرق ،والقرامطة والحمدانية والإخشيدية والطولونية وآل زنكي والأيوبية في الوسط، والأدارسة والموحدين والمرابطين وملوك الطوائف في الغرب .وهكذا تواصل تدفق غنائم هذه الحروب .وفي ظل الفوضى التي خلفتها هذه الصراعات، نشأت عصابات امتهنت خطف الأطفال وبيعهم في أسواق الرقيق ، ولتضيف مصادر جديدة وأساسية ،إلى موارد تجارة الرقيق العادية ،في تزويد أسواق النخاسة بهذه البضاعة التي استمرت وتيرة الطلب عليها متصاعدة .
ينكر الوعاظ والدعاة هذه الأيام تلازم العبودية مع مسيرة النظم الإسلامية ،في محاولة لمنع المسلم من الوقوف على أسباب ومسار التضييق على المرأة المسلمة ،وصولا ًإلى سلبها حريتها .ومن يعترف منهم بهذا، يعمد إلى عرض مختلف التبريرات والتسويغات ،لاستمرار وتصاعد حالة العبودية في التاريخ الإسلامي، وحيث يفترض منطق بعض النصوص القرآنية وضع حد لها وإنهاءها .من هنا كان هذا الاضطرار إلى هذا الاستعراض التاريخي شبه المطول .كما فرض موضوع هذا البحث ،تكرار التذكير بوجود الإماء ،كي يكون ممكناً فهم المنطلقات والمبررات ،التي يلجأ إليها الوعاظ والدعاة وأئمة المساجد ،في التضييق على المرأة المسلمة ،في اللباس والحركة والاختلاط والعمل والمصافحة...الخ .هنا يبرز السؤال : ألم يفرض التطور الاقتصادي تطورا ًاجتماعياً يفرض بالضرورة إلغاء العبودية أو الحد منها ؟والجواب أن العهود الإسلامية كلها لم تشهد تغيراً يذكر في أنماط الإنتاج تستدعي تغييرات اجتماعية، وحتى التغيرات الطفيفة منها .وحتى بداية السبعينات من القرن الماضي تواصل التداخل بين القبلي والعبودي والإقطاع ،في النظم الاجتماعية للبلدان الإسلامية .يقول سيد قطب في تبرير استمرار ظاهرة العبودية في بلاد الإسلام ،وفي مواضع عدة من مؤلفه الضخم - في ظلال القرآن - : "وأما في الرق مثلاً فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعي اقتصادي وأمر عرف دولي وعالمي في استرقاق الأسرى وفي استخدام الرقيق .والأوضاع الاجتماعية المعقدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها ".ويضيف قطب : "جاء الإسلام فوجد الرق نظاما ًعالمياً يقوم عليه الاقتصاد العالمي ووجد استرقاق الأسرى عرفاً دولياً يأخذ به المحاربون جميعاً فلم يكن بد أن يتريث في علاج الوضع الاجتماعي القائم والنظام الدولي الشامل" .( ظلال القرآن المجلد الأول الجزء الثاني ص 169).


4

مثل هذا الهراء ،أو العذر الذي هو أقبح من كل ذنب ،يغدق به على السامعين ،أو القارئين ،كل من هو مثل سيد قطب، أو من هو على النقيض منه ، في الفكر والتوجهات السياسية .لكن أحداً من هؤلاء لا يتكرم على سامعيه أو مشاهديه أو قارئيه ،بعرض أو التحدث عن مسألة استرقاق الأطفال ،وخصي الذكور منهم ،واستغلال أجساد الإناث منهن . أيضاً لا يقدم أي إيضاح عن أثر استغلال الإماء على منظومة الأخلاق العامة ،وعلى ما يوصف بمجتمعات الفضيلة ومجتمعات الرذيلة والفساد ، وغير ذلك من الهراء الذي يواصلون حشو رأس المواطن به صباح مساء .والحجة في ذلك أن هذه المسألة تنتمي إلى الماضي البعيد - أي حتى ما قبل خمسين سنة - وبما أنها لم تعد قائمة ،فإن إعادة نبشها لا تستهدف غير المحاولة للتشويش على المسيرة الناصعة للتشريع الإسلامي المتعلق بالمرأة .ويقول بعض المفكرين الذين يحاولون المساهمة في تجديد الفكر الإسلامي ،مثل د . محمد شحرور ، بما أنه لم يعد هناك إماء فلا لزوم للوقوف عند هذه المسألة المنتهية .
من المؤكد أن هؤلاء السادة الأفاضل لم ينسوا ،ولن ينسوا ،أن كل التشريعات الخاصة بالمرأة ، ليست جديدة ، بمعنى أنها لم تصدر عقب نهاية عصر العبودية ،وإنما صدرت في تلك العصور التي ظل فيها تعداد الإماء يتفوق على تعداد الحرائر في الحواضر الإسلامية .وليس ذلك فقط ،بل زاد عليه أن منظومة القيم، التي يُخضِع المشرعون المرأة المسلمة لها ،صدرت في تلك العصور، محملة إياها بكل انعكاسات المتغيرات ا لتي وقعت فيها .
وقبل أن نعود إلى المسألة التي بدأنا بها هذا الإستهلال ، لا بد من التوقف قليلاً عند مسألة كانت ذات تأثير كبير على المرأة ،وهي أن الممالك والسلطنات والإمارات التي قامت داخل الخلافتين الفاطمية والعباسية، كانت ذات مذاهب مختلفة .بمعنى أن البلد الواحد كان يخضع مرة لدولة سنية تعقبها دولة شيعية أو العكس .المسألة هنا ليست مسألة تبدل مذهب الدولة، وإجبار الناس على الانتقال من مذهبهم القديم إلى ألمذهب الجديد .ألمسألة أن هناك فروقاً أساسية في بعض الجوانب التي تتعلق بالمرأة بين المذهبين .الشيعة مثلاً يأخذون بزواج المتعة - وحتى يومنا هذا - هذا التشريع الذي وصفه علي بن أبي طالب قائلاً : "لو بقي زواج المتعة لما زنى إلا شقي "،في حين ترفضه السنة وتعتبره زناً بواحاً .نحن هنا غير معنيين بالجدل الدائر بين الطرفين حول شرعية أو عدم شرعية زواج المتعة .ما يعنينا هو أثر إباحة ،أو إلغاء، هذا التشريع على وضع المرأة وحقوقها أولاً ،وعلى منظومة القيم والمثل ،ومفاهيم الفضيلة والرذيلة ،وآداب السلوك والأخلاق ثانياً .وبعد فضلت السيدة ريحانة القرظية ،حين خيرها النبي ،العبودية على الحرية ،وعلى تشريفها بالزواج منه ،وعلى الامتيازات التي كانت ستحظى بها كأم لسائر المؤمنين ؟ وكيف تكون العبودية أخف عليها من الحرية ،وهي السيدة بنت الأسياد ، عاشت الحرية ،وتعرف طعمها وتقدر مزاياها ؟
الإجابة غير سهلة ،واقتضت بحثاً اعتمدت له الوسائل التالية :الوقوف على الآيات القرآنية التي تتناول موضوع المرأة ،ومن ثم الاستعانة ببعض علوم القرآن ، التفسير ،أسباب النزول ،الناسخ والمنسوخ ،مع اللجوء إلى القواميس اللغوية ،لاستجلاء معاني الكلمات المفتاحية في الآية الواحدة ،وبعد ذلك متابعة ما طرأ على تفسيرها في مختلف العصور ،فالوقوف على أثر التغيرات السياسية الاجتماعية والاقتصادية ،إن وجدت ،على فكر ورؤية المفسر ، وانعكاسها على تفسير الآية ،فالتطبيق اللاحق لهذا التفسير على المرأة الحرة المسلمة .ولدعم التفسير للآيات الخاصة بالمرأة ،كان لابد من ملاحظة أن الفقهاء ،في مختلف العصور ،نسخوا آيات عُنيتْ بالتخفيف على المرأة .بمعنى أنهم أوقفوا تطبيق أحكامها ،متذرعين بذرائع مختلفة.هكذا أمْلتْ ضرورة اجتلاء الحقيقة ،الاستعانة بعلوم الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول .وبديهي أن السنة النبوية - سواء من صحاح الحديث أو من كتب السيرة ،بمن فيها سير الصحابة والتابعين ،ممن لعبوا دوراً في تدوين السنة - أسهمت إسهاماً أساسياً في إستجلاء الحقيقة التي نطمح إليها .بعد هكذا خطوات كان لابد من رؤية المذاهب المختلفة -الأربعة الرئيسية للسنة ،والجعفري للشيعة على الأقل - لنسبقها ،أو نتلوها ،بمواقف أو أحكام فقهية متنوعة ،آملين مساعدة القارئ ،ومن خلال فصول هذا البحث ،في العثور على جواب شافٍ للأسئلة التي طرحناها ،والخاصة بموقف ريحانة ،وتفضيلها العبودية على القيود التي تكبل الحرة المسلمة .أيضاً آملين مساعدة القارئ ،ومن خلال فصول الكتاب ،على التوصل لحل الأحجية التي أوردناها في مستهل هذا الإستهلال .










كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,635,224,392
- أوروبا ، الغرب .....والإسلاموفوبيا 2-2 تشخيص النبي ومفهوم ال ...
- أوروبا ، الغرب ......والإسلاموفوبيا 1-2
- قراءة في ثورة الشباب المصري 19 براءة مبارك
- ياحضرات المثقفين .....لطفا بتاريخنا السياسي 2 هل نحن أمام سا ...
- يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1
- بوكو حرام في نيجيريا ....داروين حرام في فلسطين
- في الذكرى ال 66 للنكبة ....ولكن آفة شعبنا قياداته
- انحدار التعليم إلى أين ؟ وإلى متى ؟ .....التلقين وطريق الخرو ...
- تلك نظم ولى زمانها
- تقاطعات بين الديان 2 صفات الآلهة
- تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا
- حوار أملاه الحاضر 19 عدالة الإسلام 3 فلسطين اللبن والعسل
- حوار أملاه الحاضر 18 عدالة الإسلام 2 العبودية
- حوار أملاه الحاضر 17 العدالة في الإسلام 1 الغنائم
- من فتنة عثمان إلى فتنة مرسي
- حوار أملاه الحاضر 16 خروج مؤقت آخر عن المسار
- عبد المجيد حمدان- كاتب وباحث واحد قادة اليسار الفلسطيني- في ...
- وبات لزاما عليتا التصرف كدولة
- حوار أملاه الحاضر 15 الشريعة وتطبيق الحدود 5 خروج مؤقت عن ال ...
- حوار أملاه الحاضر 14 الشريعة وتطبيق الحدود ...حد الجنايات 4 ...


المزيد.....




- السودان يعلن توقيف إرهابيين من «بوكو حرام» وتسليمهما إلى تشا ...
- السودان.. القبض على 6 من عناصر بوكوحرام الارهابية
- الجيش السوداني يعلن القبض على 6 من عناصر تنظيم -بوكو حرام- ا ...
- رئيس وزراء السودان لمسئول أمريكي: انتهى عهد التلاعب بالمشاعر ...
- سعودي يحتفي باستقبال أصدقاء يهود في المملكة...فيديو
- أئمة كردستان العراق في جولات سياحية للمزارات الدينية بالقاهر ...
- فرنسا: إنشاء مكتب وطني لمكافحة الكراهية على خلفية انتهاك حرم ...
- قائد قوات حرس الثورة الاسلامية: حطمنا استراتيجية الاعداء بفر ...
- خبيرة ألمانية: لهذا لا تنتقد الدول الإسلامية معاملة الصين لل ...
- تخريب مقبرة يهودية في فرنسا


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني 1/2