أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - فكر الأنوار الفرنسي















المزيد.....


فكر الأنوار الفرنسي


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4703 - 2015 / 1 / 28 - 07:36
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



قبل حلول القرن الثامن عشر، كانت الليبرالية مجرد مواقف ثقافية لبعض المفكرين، أمثال إراسموس ، هس، اسبينوزا، وغيرهم. لكن بقدوم عصر الأنوار الفرنسي، أصبحت الليبرالية حركة واضحة إجتماعية.

مثل الثورة ضد الإقطاع والنظام القديم وسلطة الكنيسة، قامت الليبرالية الفرنسية على الفور، بالهجوم على عدة جبهات في آن واحد. سياسيا، طالبت بسيادة الشعب وحكومة تمثله. اقتصاديا، تبنت حرية التجارة وعدم التخل في الصناعة.

بالنسبة للدين، قامت بنشر التسامح والمساواة والحرية والمعرفة وفصل الدين عن الدولة. من الناحية الفلسفية، أكدت مبدأ الحرية الشخصية وحرية المجتمع والتعليم المدني وحرية البحث وحرية طلب الحقيقة. لكن العنصر الأهم في حركة التنوير، هو إتيانها بمفهوم التقدم.

مواجهة فكر الكنيسة الأوغسطتيني، كان متوقعا في عصر النهضة، وأثناء التقدم العلمي في القرن السابع عشر. التجربة والمنطق ومعرفة القوانين الطبيعية، كلها كانت في مواجهة الفكر الدوجماتي المطلق. بمعنى أن الماضي ليس بالضرورة بأفضل من الحاضر، وأن الإنسان لم يسقط من عليائه ونقائه إلى أسفل سافلين.

وجد فلاسفة القرن الثامن عشر أن التقدم الاجتماعي والثقافي، تقع مسؤوليته في يد الإنسان نفسه، وفي قدراته وثقافته. وليس في الاعتقاد بأن الرب سوف يتدخل لكي يوقف إنحادر الإنسان إلى أسفل السافلين، ولكي يعيده إلى مدينة الله.

رفض أفكار أوغسطين، هو بداية الفكر الحديث. فلاسفة القرن الثامن عشر، بدأوا يتشككون في عقيدة سقوط الإنسان من عليائه، وعجزه الكامل عن فعل أي شئ حيال هذا السقوط. ثم قاموا بمقارنة علوم وأخلاقيات عصرهم بعلوم وأخلاقيات القدماء، فوجدوا أن هناك تقدما قد حدث بالفعل.

أصبحوا متأكدين أن العلوم، واستخدام العقل، هما السبيل لمجتمع أرقى وأفضل. التقدم لا يأتـي كهبة ومنحة من السماء ينزل بها الوحي. ولكن التقدم يأتي بسبب كد الإنسان واستخدامه لعقله.

ما جعل للثورة الثقافية تأثير سياسي واجتماعي، هو ظهور مفكرين، أو فلاسفة المقاهي، كما كانوا يسمونهم. هؤلاء المفكرون، كان تأثيرهم السياسي مباشرا، لأنهم لم يكونوا فلاسفة تقليديين في أبراج أكاديمية عاجية. يكتبون بلغة لا يفهمها أحد. لكنهم كانوا أصحاب قلم، علماء وفلاسفة وأدباء.

لقد كانوا جزءا من الحالة الاجتماعية والدينية والاقتصادية. نجحوا في خلق رأي عام بين الطبقة المتعلمة. وكانوا هم أنفسهم، من الطبقة المتوسطة القريبة من الناس. لذلك عندما بدأوا في مهاجمة السلطة والكنيسة، التفت حولهم عامة الشعب.

الكنيسة الكاثوليكية، التي كانت لاتزال تعيش في كنف العصور المظلمة، والتي لم يصبها شئ من الإصلاح الديني البتة، كانت ترفض أي تنازل. ولا تقبل أي حل وسط يرضي الجماهير. وانقسم الفرنسيون إلى: إما متعصب ظلامي، وإما حر الفكر. إما سخن وإما بارد.

في إنجلترا، الإصلاح الديني نجح في جعل الدين يتعايش مع الفكر العقلاني. لكن عندما ثار الفرنسيون، لم يعد هناك عند الإنجليز حل وسط. وانقسموا إلى كنيسة وفكر ديني في أقصى اليمين، وفكر عقلاني وثقافة في أقصى اليسار.

فلاسفة المقاهي، كانوا معارضين لديانات الوحي. وكانوا يحاربون الفكر المطلق الدوجماتي. قاموا بإشعال الحرب على الطبقية ومزايا رجال الدين والكنيسة. الكنيسة كانت تحوز ممتلكات وعقارات ضخمة، وكانت معفاة من الضرائب.

قاموا أيضا بتحويل فكر الناس من اللاهوت إلى المنطق، ومن الغيبيات إلى علوم الفيزياء. أول المفكرين الذين رأوا مبكرا أهمية البحث العلمي، هم باكون وكوبرنيق وجاليليو ونيوتن.

النظرية السياسية التي ولدت مع عصر الأنوار، هي نظرية الحقوق الطبيعية. بمعنى أن كل إنسان، هوموسيبيان، له حقوق طبيعية مقدسة لا تنتهك في شخصه وممتلكاته.

هذه الحقوق، التي تضمن حياة الإنسان وحريته، والتي توفر السعادة للجميع، باتت هي الأساس الذي بنى عليه الآباء المؤسسون للولايات الأمريكية، أفكارهم. ثم وجدت هذه الأفكار، طريقها لوثيقة الحقوق، ودستور الولايات المتحدة.

عندما كتب جيفرسون: "إن جميع بني البشر خُلقوا متساوين، وإن خالقهم منحهم حقوقا معينة لا يمكن التصرف بها، ..."، كان يذكر مبادئ ولدت في عصر الأنوار الفرنسي. مصدر نظرية الحقوق الطبيعية للإنسان، هو الفيلسوف جون لوك (1632-1704م). الذي ساهمت كتاباته في ثورة إنجلترا عام 1688م.

كان لوك يعتقد بأن وظيفة الدولة، هي الحفاظ على حقوق المواطنين، وهي حقوق أساسية. منها حق الملكية الفردية. الدولة بمقتضى العقد الاجتماعي، تحمي أملاك الناس، وتصدر القوانين لخدمة الجميع.

تأثير لوك في فرنسا كان خطيرا. جاء عن طريق كتابات فولتير وروسو. اللذان أدت مناهضتهما للحكم المطلق، إلى قيام الثورة الفرنسية.

بالنسبة للجانب العقلي، كان لوك هو أول الفلاسفة التجريبيين المحدثين. العقل، كما يقول لوك، ليس به شئ موروث. صفحة بيضة مثل صدغ اللفت أو مثل قلب المؤمن. ولو أن قلب المؤمن، لم يعد أبيض كما كنا نعتقد. عليها، يقوم الشخص بتسجيل الأفكار الآتية من نتائج التجارب التي يمر بها.

ليس هناك مبادئ عامة أو أخلاق، يمكن أن نعتبرها جاءت بالغريزة أو الفطرة. العقل لا يعرف شيئا إلا عن طريق الحواس. الذاكرة ومزج المعلومات وتصنيفها، يولد الأفكار المعقدة.

فلسفة لوك التجريبية، كان لها تأثير كبير على العقيدة الدينية. ما يقبل من العقيدة الدينية، هو ما يتوافق مع التجربة الإنسانية. لهذا، عكست الفلسفة التجريبية ل"لوك" فكر القرون الوسطى. واستبدلته بفكر القرن التاسع عشر البراجماتيكي، أو النفعي، الذي لا يحترم سوى النتائج.

من طلائع عصر الأنوار، اسحق نيوتن (1642-1727م). مكتشف قانون الجاذبية، ومبادئ حساب التفاضل والتكامل، ونظرية الضوء، قبل أن يصل إلى سن 24 سنة. كان أستاذا بجامعة كامبردج في سن 27 سنة. مؤلف المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية. وهو أهم عمل علمي تم تأليفه على الإطلاق.

لم يضع نيوتن فقط أساس علم الفيزياء لعصر الأنوار، لكنه أدان بنظرياته كل العلماء لمدة 200 سنة متصلة. كان يوصف بالمخلص، وكانت تستنفذ مفرادات اللغة في تمجيده. كتب يمدحه الشاعر "بوب":

"الطبيعة وقوانينها ترقد مختفية في ظلام الليل. فيقول الرب: ليكن نيوتن. إذا بكل شئ جلي، بات واضحا في النور."

شرح نيوتن كيف تعمل قوانين الطبيعة، كان هذا هو حلم جاليليو وديكارت. العالم آلة كونية، تعمل وفقا لقوانين رياضية. العالم نظام هارموني متجانس. وظيفة العلوم اكتشاف قوانينه. هذا الأسلوب، استخدم في كل فرع من فروع العلم. بما في ذلك الفلسفة، والأخلاق والعلوم الاجتماعية.

الاعتقاد بعالم نيوتن الذي يصوره كآلة ميكانيكية، أصبح الدين الجديد. الإنسان، هو جزء من الطبيعة وخاضع لقوانينها. والطبيعة هي ناتج أعمال الرب، وقوانينها، هي قوانين الرب.

معرفة هذه القوانين، خلال ممارسة العلم، كانت هي الشغل الشاغل في القرن الثامن عشر. لوك ونيوتن، كانا نجمي عصر الحداثة. أحدهما، "نبي علوم الطبيعة"، والآخر، "نبي علوم طبيعة الإنسان".

ليبرالية عصر الأنوار تعني استبدال الوحي بالعقلانية. مفكري الثورة وفلاسفة المقاهي، كانوا يعبدون العقل واستخدامه كمرجع أخير في كل الأمور.

أول من نظم الفكر العقلاني ووضعه في إطار فلسفي، هو ديكارت (1505-1650م). إذ يقول في كتابه، "مقالة عن المنهج"، أنه من الواجب رفض أي شئ لا يستقيم مع البديهيات التي يمكن فهمها بسهولة، وصحتها تبدو واضحة لا تحتاج إلى برهان.

العقلانيون في القرن التاسع عشر، أصبحوا أقل تعصبا للعقل، وأخف حدة في عدائهم للدين بصفة عامة. إلا أنهم ظلوا في عدائهم للخرافات، وأي شئ يتعارض مع العقل. ورفضوا الأديان التي تؤسس على الوحي، واعتبروها غير حقيقية. بل هي مجرد صور من الشعائر والطقوس البدائية.

الربوبية، هي فلسفة تؤمن بوجود خالق للكون. يمكن معرفته عن طريق استخدام العقل وحده ومراقبة العالم الطبيعي، دون الحاجة إلى أي دين. لكن دافيد هيوم (1711-1776م)، يقوم بمهاجمة كلا من العقلانية والربوبية.

لقد كان هيوم أكثر مغالاة في الفلسفة التجريبية من مؤسسها لوك. يقول هيوم: "لا توجد فقط أفكار موروثة، ولكن أيضا لا يجب أن تصدق أي شئ مهما كان مصدره، إلا إذا جاء هذا الشئ عن طريق التجربة والمشاهدة. وأن يكون مؤكدا بشهود، لا مصلحة لهم في تأكيده أو تكذيبه". يعني ضرب كرسي في الكلوب وخلاها ضلمة.

التجربة المعادة هي سلاحنا الوحيد ضد الخبر الفردي الغير معتاد. وطظ في المنطق. مقولة "ربنا عرفوه بالعقل"، بلها واشرب ميتها. برهان الفلسفة الربوبية على وجود الرب، بحجة الضرورة، وكذلك الإيمان بالقيم الخلقية على أساس المكافأة والعقاب، كل هذا هجص، ومرفوض. لأنها أمور لا تخضع للتجربة.

طيب، وحكاية السبب والمسبب التي نبني عليها علومنا يا مستر هيوم؟ فيجيب، بأن حكاية السبب والمسبب، هي مجرد تهيؤات يخلقها العقل. تجعل بعض الأحداث تتبع تسلسلا منطقيا.

شك هيوم هذا، يأخذ فلسفة لوك التجريبية إلى آفاق أبعد. حتى بالنسبة لعالمي الأخلاق والسياسة، لا توجد مبادئ عالمية ثابتة. بل كلها من اختراع العقل. بالنسبة للدين، يرفض هيوم المعجزات.

بالرغم من إنه لا يرفض تماما وجود الله والخلود، إلا أن فلسفته تفتح الباب للتساؤل عن مدى صحة هذه القضايا. التجربة والنتائج يا سيدي، وليس التفكير العقلاني، هي بيت القصيد.

يجب القول هنا أن عبادة مفكري عصر الأنوار للعقلانية، والثقة العمياء في العقل، جعلتهم يبسطون الأمور أكثر من اللازم، ويقعون في خطأ تجاهل الشعور الإنساني والدوافع والطبيعة الإنسانية.

تحيزهم الأعمى ضد الإيمان، والتزامهم بالعقلانية الجافة، لم تفسح بينهم مكانا للعواطف. عداؤهم للعقائد، أصبح عقيدة في حد ذاته وقصر نظر. لكن المواءمة والحلول الوسط، سوف نشاهدها في الأجيال القادمة.

مفكرو عصر الأنوار وفلاسفة المقاهي الفرنسيون، كانوا أنبياء. لكنهم لم يرغبوا في أن يكونوا شهداء. بعضهم، ألقي به في سجن الباستيل. لكن معظمهم تجنب الملاحقة بإخفاء نواياهم وأفكارهم الثورية بين السطور، أو بين حنايا حكايات رمزية، أو بالكتابة بأسماء مستعارة.

ظهر كوندورسيه فى العصر الذي أنجب فولتير و"توماس بين" وروسو وديدرو. بالرغم من أن شهرته لا تبلغ شهرة هؤلاء، إلا أن كوندورسيه كان يمثل بصدق وأمانة عصر الأنوار الأوروبي.

كتابه "نشرة تمهيدية لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري"، يعتبر "الماجنا كارتا" للديموقراطية الحديثة (أى الوثيقة العظمى). هو الذي كرس حياته لمبادئ: حرية التعبير، والمطالبة بحكومات دستورية، وبالتسامح الديني، وحرية العمل، وحرية الصناعة والتجارة. والمطالبة بإلغاء الرق، والعمل على نشر السلام العالمي بين الدول.

هو الذي اقترح إقامة محكمة دولية لفض المنازعات بين الدول، وتقوية العلاقات السلمية والإنسانية، وإفساد شهوة السيطرة والحروب بينها. وهو المدافع عن قضية إلغاء حكم الإعدام. واقترح برنامج إصلاح وتهذيب لتأهيل السجناء. يمكن مقارنته ببرامج الإصلاح فى الدول الحديثة اليوم.

الدين بالنسبة لكوندورسيه، يجب أن ينحصر فى أمور الهداية والأخلاق للفرد فقط. ولا يجب أن يتدخل فى الأمور الفكرية والسياسية للبشر. كوندورسيه، هو رائد تحرير المرأة ومساواتها بالرجل فى كل الواجبات والحقوق. منها الحقوق السياسية. هو بطل التعليم العام المجاني لكل أفراد الشعب. وهو المطالب بإعادة كتابة التاريخ بطريقة موضوعية خالية من العواطف والتحيز.

كتابه، "النشرة التمهيدية"، وكذلك كتاب فولتير "مقالات عن السلوك"، يعتبر عمل فلسفي عن الحضارة الحديثة. يبين حركة التاريخ عن طريق التقدم الحضاري للشعوب.

ويبين قدرة الإنسان المطلقة على التقدم على مر التاريخ. لذلك يمكننا القول: إن كوندورسيه، عالم وفيلسوف مهموم بمشاكل البشر. ورائد من رواد الليبرالية الحديثة. وأحد مكوني عقل وضمير الإنسان الحديث.

ديدرو، المشرف على إصدار "موسوعة الفنون والعلوم والحرف". قام بتحرير العديد من فصولها. من قادة حركة التنوير. رئيس تحرير أول موسوعة حديثة.

عقلانية ديدرو، تبلورت في صورة إلحاد. وأيضا، دهولباخ و"داليمبرت". أما روسو و"فولتير"، فكانت عقيدتهما "الربوبية". أي الإيمان بوجود الله، ولكن بدون أنبياء وكتب مقدسة ومؤسسات دينية.

إيمان روسو بالربوبية كان أكثر رقة من إيمان فولتير. روسو كان يقول بأن الله يمكن الإحساس بوجوده، لكن لا يمكن برهان هذا الوجود. الإيمان بالله عند روسو، لا يعني رفض التصوف والمعجزات، كما هو الحال بالنسبة لكل المؤمنين بالربوبية في عصره.

كتاب روسو، "العقد الإجتماعي"، هو أهم أعماله. يبين فيه الأساس القانوني للحكم الجمهوري. منذ صدوره عام 1762م، بات من أهم مصادر الفكر السياسي الحديث فى العالم الغربي.

كلنا يعرف الصيحة الجريئة التي استهل بها الفصل الأول: "ولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مكبل بالأغلال". هذه العبارة أصبحت شعار قرن بأكمله.

افترض روسو وجود حرية و"حالة طبيعية" بدائية للإنسان، لم يكن فيها يعرف قوانين أو قيود. ثم اتهم الدولة القائمة وسلطاتها بتدمير هذه الحرية.

لذلك، هو يقترح كبديل لذلك، إيجاد شكل جديد للمجتمع. يحمي حقوق أعضائه، ويحفظ أملاكهم بكل قوة. مجتمع، يعيد للإنسان حريته التي فقدها. حريته التي كان يتمتع بها من قبل.

يقول روسو أن هناك عقداً اجتماعياً. يأتي من اتفاق الأفراد على أن يخضعوا، رأيهم وحقوقهم وسلطاتهم، لإرادة مجتمعهم ككل. كل شخص يصبح طرفا في مثل هذا العقد. وأن يقبل حماية القوانين العامة التي تحكم هذا المجتمع.

طاعة القانون، هي التي تحرر الإنسان من العبودية. إذا سقطت القوانين، عمت الفوضى، وجاء من يستعبدك. الدولة تصبح جمهورية متى حكمتها القوانيين.

أما إذا كان الحاكم هو الذي يضع القوانين وينفذها، فليست هناك جمهورية أو دولة. بل طاغية يحكم عبيدا. ورفض روسو فكرة "الاستبداد المنير" أو "الحاكم العادل"، كنظام للحكم.

العقد الاجتماعي يسمح بالملكية الخاصة، بشرط رقابة الجماعة. فيجب أن تحتفظ الجماعة بحقها فى مصادرة الأملاك لخير المجتمع. كما يجب أن تحدد الملكية ويعاد توزيع الثروة، عن طريق الضرائب التصاعدية.

الدين عند روسو، لازم للفضيلة. فما قامت دولة بدون أساس ديني. إلا أن رجال الدين لا يجب أن يكونوا فوق قوانين الدولة. حتى لا ينقسم ولاء الوطن بتعدد الأديان.

يختلف روسو مع رجال الدين، في أن الدين يجب أن يكون بسيطا واضحا، دون شروح غامضة ملتوية وتعقيدات غير لازمة. الدين يجب أن يركز على الإيمان بوجود إله قادر، وحياة أخرى، وقيم نبيلة، وبس.

يتسامح روسو مع الأديان التي تتسامح مع غيرها. من يدعي أن دينه فقط هو الصواب، أو يقول بأنه لا يوجد خلاص خارج الكنيسة، يجب طرده من الدولة.

الدين في مجموعه، هداية للبشر. فلا حاجة بنا إلى أن نعلق أهمية كبرى على الفروق بين المذاهب والشيع التي مزقت الأديان وأدمت أنوف الأوطان.

الأديان كلها خير، إن حسّنت السلوك وغذّت الرجاء. من السخف أن نعتقد بأن صحاب العقائد والأديان الأخرى، مصيرهم الهلاك، "فلو لم يكن على الأرض سوى دين واحد صحيح، ولو حكم على كل الخارجين عنه بالعقاب الأبدي، لكان إله هذا الدين أظلم الطغاة وأقساهم."

كتاب الرسائل ل"مونتسكيو"، يبين أن المَلَكية نظام شاذ غير سوي، ينتهي حتما إلى حكم استبدادي مطلق. الحاشية فاسدة، والنبلاء خاملون مبذرون يسيئون إدارة أموال الدولة.

لكنه يمتدح جمهوريات اليونان وروما القديمة، وهولندا وسويسرا الحديثة. الحكومة شئ ضروري. شر لابد منه. لكنها يجب أن تكون قائمة على الفضيلة والأخلاق. لكن انتقادات مونتسكيو الدينية كانت أكثر قسوة.

جاء في الرسائل على لسان أوزبك، أن الزنوج يتصورون أن الإله أسود البشرة غليظ الشفتين أكرت الشعر، وأن الشيطان أبيض البشرة أصفر الشعر أزرق العينين. بعكس صورتي الإله والشيطان عند الأوروبيين. وكان ينتقد عقيدة التثليث عند المسيحيين وحدوث المعجزات.

الساحر "على بابا" يحث الناس على الاعتقاد بأن الخبز ليس خبزا والخمر ليس خمرا. ويسخر من اختلاف المذاهب المسيحية، والمسابح وثياب الرهبان الفضفاضة المذهبة. وأفزعته محاكم التفتيش في أسبانيا والبرتغال حيث كانت تحرق الناس بدون رحمة مثل القش باسم الدين.

امتناع الرهبان والراهبات عن الزواج وتحريم الطلاق سوف يعوقان ازدياد السكان في كل من فرنسا وإيطاليا وأسبانيا. الرهبان خاملون يستولون على كل ثروات الدولة تقريبا عن طريق الوقف، فلا تتداول هذه الثروات ولا تستغل في التجارة أو الصناعة.

كان يسخر مونتسكيو من الاضطهاد العنصري، ويقول على لسان أوزبك: "أنت تعلم ياميرزا كيف أُجبِر الأرمن على مغادرة المملكة أو الدخول في الإسلام. اعتقادا منهم أن هؤلاء الكفار يلوثون المملكة.

اضطهاد هؤلاء الكفار عبدة النار، جعلهم يفرون إلى الهند الشرقية. مما حرم البلاد من شعب جاد نشيط. هذا التعصب الأعمى سوف يتسبب في تدمير الصناعة، ومن ثم البلاد، حاملة معها الديانة التي نريد حمايتها.

عندما تفصل السلطات الثلاثة في الحكومة، ويراقب كل منها السلطتين الأخريين، تتحقق حرية المواطن، وتلتئم مع عدالة الحكومة. هذه الأفكار نجد جذورها عند هارنجتون والجرنو وسيدني وجون لوك.

لقد وجد مونتسكيو ضالته في نظام الحكم الإنجليزي. فالملك يكبح جماحه مجلس العموم. ومجلس العموم يكبح جماحه مجلس اللوردات.

كان مونتسكيو معجبا بمذهب الرواقيين، ويعتبر القضاء علي مذهبهم محنة ابتلي بها الجنس البشري. لأن هذا المذهب وحده، هو الذي صنع الموطنين وعظماء الرجال. الحرية عند مونتسكيو حق لكل إنسان، طالما كانت في ظل القانون. وكان يستنكر الرق لأسباب أخلاقية.

كان يعترف مونتسكيو بالله كعقل، تعبر عنه قوانين الطبيعة وروح القوانين. لكنه يعتقد أن المعجزات لا تلائم طبيعة الإنسان. لا يمانع من وجود شرائع دينية تكمل القوانين المدنية، بشرط ألا تلغيها.

وجود القوانين المدنية تحد من استبداد الشرائع الدينية. كما يجب أن تكون الدولة والكنيسة كل منهما رقيبة على الأخرى، حتي يحدث التوازن.

أما فولتير، فقد أعلن الحرب على التعصب وعدم التسامح الديني، الذى استعبد أوروبا آلاف السنين. كان يقول:

"كفى حرق الكتب، والإطاحة برؤوس الفلاسفة، وإعدام الأبرياء، بحجة أنهم يدينون بديانات مختلفة. هذا عار يجب أن يمحى. الإنسان يجب أن يتحرر من خرافات العصور الوسطى، ومن سلطة الحكومة الدينية. الإنسان يجب أن يحكم بالحجة والعقل."

فى رسالته عن التسامح الديني، وفى كتابه قاموس الفلسفة، يؤكد حرية العقيدة، والإيخاء بين البشر. ينتقد الخطاب الديني الرسمي، وينادي بفصل الدين عن الدولة. ويبتهل إلى الله بالدعاء التالي:

"إلهي، ألتجئ إليك، يا خالق كل شئ، أن لا تجعل الكره والبغضاء تستشري بين البشر، بسبب الفروق التافهة بين ملابسنا أو قوانيننا، أو لغاتنا المختلفة، أو عاداتنا المضحكة، أو آرائنا الغبية، أو مراكزنا الاجتماعية. هذه فروق تبدو عظيمة لنا بسبب جهلنا، لكنها ليست فروقا على الإطلاق بالنسبه لك. فاجعلهم يتذكرون دائما أنهم لا يزالون إخوة وأخوات"

فكر الأنوار هو بداية العالم الحديث. لأن معظم أفكار اليوم، قد أتت من هذه الفترة. الديموقراطية، العقلانية، التجربة، الحقوق الطبيعية، المنهج العلمي، التعليم العلماني، الحرية، والتقدم، إلخ.

جلد الذات والشعور بالذنب، وعدم الثقة في النفس، والاتكال على القوى الخارقة للطبيعة، والامتثال للسلطة، والتضحية بالحياة الدنيا واحتقارها لأجل الحياة الأخرى، وثنائية النظرة للأمور: الرب والعبد، السماء والأرض، الدنيا والآخرة، الروح والجسد، الخير والشر، كل هذه الأمور التي جاءتنا من العصور الوسطى، قد تم التغلب عليها.

أصبح الإنسان الآن يواجه الحياة وكله ثقة بالنفس. أضحى يعرف قدراته، ويأمل في غد أفضل، يتغلب فيه على مشاكله وآلامه.

عصر الأنوار، قام بتحطيم فكرة الحق الإلهي للحاكم، وجاء بالحكم الدستوري. وقام بتحجيم الدين وحصره في وجود الخالق والقيم الخلقية. عصر الأنوار، أعطى الإنسان الأمل، وقدم له من المساعدة، أكثر من أي دين آخر.

لقد أصبح فكر الأنوار مثل الدين الجديد. العقل هو الرب. والقوانين العلمية هي الإنجيل، وفولتير وأمثاله هم الأنبياء. العلم أعطانا نمط جديد من الحقيقة. والعقلانية، قد طغت على كل الأفكار الموروثة.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,808,826
- عالم الخرافات
- هؤلاء هم المرشحون لقيادة الإصلاح الديني
- كيف سقطت المسيحية في ظلمات العصور الوسطى
- العلامة أوريجانوس – كتاباته وأفكاره
- العلامة أوريجانوس، المغضوب عليه من الكنيسة المصرية
- جبتك يا عبد المعين تعين
- عصر التعقل لتوماس بين 1
- تطوّرَ المرض اللعين، والأزهر لا يفل ولا يلين
- مشايخ ومشايخ
- الميكانيكا الكمية – كيف خلقت المادة من الفراغ؟
- الميكانيكا الكمية – الفراغ الكوني ليس فراغا
- الميكانيكا الكمية – شئ من نظرية النسبية
- الميكانيكا الكمية – أشعة بيتا والنيوترينو
- الميكانيكا الكمية – النواة قطرة سائلة
- الميكانيكا الكمية – قوة ربط النواة وأنفاقها
- الميكانيكا الكمية – الغوص في أعماق الذرة
- الميكانيكا الكمية – الإلكترون سحابة حول النواة
- الميكانيكا الكمية – ألاعيب شيحة والنط من فوق الأسوار
- الميكانيكا الكمية – مبدأ عدم اليقين لهيزنبرج
- الميكانيكا الكمية – الموجة الاحتمالية


المزيد.....




- -تضييق الحريات- تحت حكم السيسي.. حزب معارض يهدد بتجميد نشاطه ...
- رئيس الوزراء العراقي: المنطقة على حافة حرب ونعمل على منعها
- بعد هجمات أرامكو... الأرجنتين تتخذ قرارا بشأن أسعار الوقود
- بومبيو: واشنطن تدعم حق السعودية في الدفاع عن نفسها
- موسكو تشكر واشنطن على إعادة وثائق تاريخية هامة مسروقة
- سوريا.. أردوغان يهدد ويعطي مهلة أسبوعين
- حادث مأساوي يتسبب بوفاة طالبة سعودية
- مجلس الأمن يصوت الخميس على مشروعي قرار لوقف إطلاق النار في إ ...
- بعد أن فقدتها في قصر باكنغهام.. ملكة بريطانيا ترد دمية لطفلة ...
- من هو مستشار البيت الأبيض الجديد روبرت أوبراين؟


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - فكر الأنوار الفرنسي