أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - النهر المقدس . القصة كاملة















المزيد.....



النهر المقدس . القصة كاملة


محمود شاهين
الحوار المتمدن-العدد: 4631 - 2014 / 11 / 12 - 22:11
المحور: الادب والفن
    



النهر المقدس
(1)
قالت وردة العودة لعمتها وهي تضم طفلها إلى صدرها وصورة زوجها الذي داهمته الحرب وهو في عمان تمثل في مخيلتها:
- هل سننزح إذا سقطت الضفة يا عمتي أم لا؟
أصلحت عايشة العلان من وضع جلستها فوق النول الذي طوته وأحضرته معها إلى الكهف ريثما تنتهي الحرب:
- لا يا عمتي لن ننزح واليهود لنا ولهم الله !
- ومحمد يا عمتي؟
-له رب يرعاه يابنتي !
- وإذا بقي في عمان ولم يعد؟
-سنرسلك إليه يا إبنتي!
أعلن راديو العدو سقوط الضفة بكاملها. لم يصدق الناس النبأ. خر المئات سجوداً في كنيسة القيامة..قال المطران إيليا متضرعاً وهو يجثو أمام تمثال الرب، وعلامات الحزن والرعب ترتسم على وجهه:

ردد الناس من خلفه (آمين(
بسط الآلاف أذرعهم داخل المسجد الأقصى وشخصوا إلى السماء .. قال الشيخ عبد الحميد متوسلاً:

ارتفعت أصوات تستغيث وتتوسل بخشوع: (آمين(.
دوت طلقات الرشاشات في سا حة الأقصى، ومرت بعض الطائرات المعادية على ارتفاع منخفض فألفت قنابلها وفتحت نيران رشاشاتها بشكل عشوائي .. تناثرت أشلاء من أجساد بشرية. جمد طفل من الرعب لحظة ثم هرب تاركاً عند قدميه بركة صغيرة.. خرج آلاف البشر من الملاجئ والمنازل وأخذوا يعدون في اتجاه الشرق.. ذاك حمل أخفّ الأشياء، وذاك أضاع حماره، وذاك فقد محفظة نقوده.. ارتفع الصراخ والضجيج.. ذاك يسأل عن إبنه، وتلك تصرخ وتولول، وهذه تمزق وجهها بأظافرها، وذاك رجل فقد صوابه وانهال على زوجته ضرباً بعصا، لأنها لم تحضر ما خف حمله كما أمرها، لاعتقادها أن الضفة لن تسقط.. وتلك امرأة كانت قد رتبت كل حاجياتها، فها هي تضع الدجاجات في لقن العجين وتحمله على رأسها، بينما الطفل يصرخ في الحذل المتدلي على ظهرها، وزوجها يحزم بعض الأمتعة ويحملها ويسوق الأطفال أمامه..وتلك امرأة تنزلق قدمها فترسو بين صخرتين وتصرخ جاهدة لإخراج رجلها دون جدوى.
تنبه الراعي محمد عودة إلى الضجيج القادم من الغرب.. ترك القطيع وصعد سفح الجبل ليتبيّن الأمر.. ذاك شاب يعدو، وذاك راع يسوق قطيعه هارباً، لكن من أين كل هذا الصراخ؟وما لبث محمد عودة أن تبين الأمر إذ ظهر آلاف من البشر يركضون في الأودية وعلى قمم الجبال ومع السفوح ..انثنى إلى القطيع .. أخذ بيده صفيحة وشرع يضرب عليها فأجفل القطيع .. وما أن بلغ قمة الجبل وأحكم النظر حتى نزع كوفيته عن رأسه وأخذ يلوح بها وينادي بصوت عال< يا ناس يا هيه، الضفة سقطت في أيدي اليهود، والناس هربوا .ها هم يهرعون من الغرب . يا ناس يا هيه...> وركض على قمة الجبل، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وكرر النداء وهو يلوّح بكوفيته وعقاله ويقفز عالياً، ثم يهوي على الأرض ويرفس بقدميه ويدحرج الحجارة الكبيرة من القمة..
سمع الناس نداء محمد عودة فخرجوا من الكهوف التي أووا إليها منذ إندلاع الحرب، وقد ارتجفت قلوبهم من الرعب والهلع، ودبّت بينهم الفوضى شأن القادمين من الغرب ..
وقفت وردة العودة ترقب شقيقها الذي كان يقفز عالياً ، وشاهدته وهو يتوقف عن القفز والنداء وينحدر مع الجبل جريا. ويدحرج الصفيحة خلف القطيع فتخرج قرقعة هائلة فتهرب الأغنام أمامه..ارتفعت أصوات تدعو إلى النزوح وأصوات إلى التريث لتبين الأمر، لكن محمد عوده بلغ الوادي فقطع الشك باليقين:
< يا ناس اسمعوا >
فأنصت الكل وقد تحلقوا من حوله وهو يعتلي صخرة عالية :
< الدول العربية انهزمت، واليهود احتلوا الضفة والقطاع وسيناء والجولان، أنا لا أقول لكم إلا الصحيح، شاهدت النازحين من القدس والطور والعيزرية وأبو ديس بعيني هذه، ها هم يأتون من الغرب، يحملون عفشهم وأولادهم على ظهورهم ويهربون شرقا. إذا لم تصدقوا اصعدوا إلى الجبل وشاهدوا، ها هم يهرعون من الغرب كأفواج النمل.>
زاد محمد عودة من الطين بلّة، فعلا الصراخ ودبّ الضجيج:
(هل سيفعلون بنا ما فعلوه عام (48)؟ هل يحدث كما حدث في دير ياسين وكفر قاسم؟ سيحدث أكثر من ذلك.. النزوح يا ناس.. اكسبوا حياتكم وحياة أطفالكم.. انهم يبقرون بطون النساء الحوامل، ويقطعون رؤوس الأطفال.. ألا تذكرون دير ياسين؟ آه، لو لدينا سلاح.. هرع الناس إلى ملابسهم وحاجياتهم يحملونها.. تعثروا ببعض.. تلقت الطرمزية صدمة قوية من رأس أحدهم فنزلت الدماء من أنفها. وأفرغت جميلة الحمدان كمية من الطحين على قطعة قماش بالية وصرّت عليه... وأخذت فاطمة زوجة المجنون الأخرس علي الخطيب – الذي انخرس وجنّ بعد أن أحرق لسانه بنار البشعه – تضرب كفا بكف ،ونظرت إلى عايشة العلان لتجدها جالسة في ذهول.. خطت نحوها:
- ما رأيك يا حجة هل ننزح أم لا؟
- لا والله يا بنتي ما دام النزوح موت وفي الحياة هنا موت، لا والله، نموت في بلادنا أحسن لنا.
ولم تجادل فاطمة في ذلك واعتبرت قول (عايشة العلان) القول الفصل.. وكان كل ما يقلق عايشة العلان ابنها محمد الذي قد لا يترك عمله في عمان ويبقى هناك، وتبقى زوجته وطفله هنا..
.آلاف من البشر يتجهون إلى الشرق.. قوى واهنة، خطا ثقيلة.. ألسن جافة من الظمأ، أطفال يصرخون ...كلاب تبحث عن نقطة ماء.. شمس حزيران تلقي بحرارتها على الرؤوس.. عرق يتصبب من الجباه.. شفاه تتقصف في ذبول.. عجوز يتدحرج من سفح جبل فيستقر على حصباء الوادي، يشهق ويشهق وينام نومته الأبدية.. أم تسأل عن طفلها المفقود فلا يجيبها أحد... طائرة تفتح نيران رشاشاتها ، تتهاوى جثث وتنهض أخرى متمايلة من ألم الجراح! ! غراب ينعب في السماء.. بيدر قمح تحرقه قنبلة معادية.. جندي يغيّر ملابسه بملابس مدنية، وآخر يتخلى عن بندقيته، وآخر يبادلها بمطرة ماء.تنزل دموع وردة العودة . تنتحب بصمت... تنبعث اللاجئة المجنونة فجأة قادمة من أسفل الوادي ومتجهة إلى الغرب بعكس معظم البشر، ترتدي كيس الخيش إياه! ! وبشعرها الأشعث المنفوش، تدق صدرها بحجرين، وتغني بصوت مفجوع وقد نضبت الدموع من عينيها.. تقول عايشة العلاّن ومن قلب حزين: آه أيّتها الأم البائسة إلى أين تتجهين، بينما الناس يولون الأدبار؟! تنظر الحاجة ذوابا إلى زوجها الهرم عوده، ثم إلى ابنها محمد وهو يقف إلى جانب القطيع.. يتجهم وجهها ومخيلتها تبحث عن مصير ابنتها بينما صراخ ينبعث من المغارة التي لجأت إليها عائلة (أحمد أبو الجدايل)
خيوط مبعثرة تمتد ما بين الضفتين.. امرأة تحمل طفلاً بيديها وطفلين على ظهرها.. شيخ يتضرع إلى الله.. سرب حمام يفر مذعوراً من أحد السدود .. تنعق بومة معلنة عن أبدية الحزن ! ! ! يرقص جنود الأعداء في حرم الأقصى ..يغتصب آخرون عذراء في كنيسة القيامة.. تتلون السماء بلون قاتم.. أطفال مدرسة الأيتام ينظرون بعيون حزينة حائرة .. حبال تمتد بين ضفتي النهر.. تهاجر طيور القطا في أسراب عن أرض الوطن.. يعبر الناس النهر متشبثين بالحبال.. تصرخ امرأة وقعت في دوّامة. جثة طفل تطفوا فوق ماء النهر.. يمتطي راع ظهر كبشه ويخترق به الماء خلف القطيع.. تسبح الأغنام، تجاهد وتصعد إلى الضفة الأخرى . حماريكتشف أنه يجيد السباحة.. قس يقف بعينين دامعتين.. دجاجات تسقط عن رأس امرأة فتطفو فوق مياه النهر وهي تستغيث! ! يتبادل عارف ابن الشيخ على الأنخاب مع جنود الاحتلال.. يقذف النهر الدجاجات إلى البحر الميت.. يصعد كلب إلى الضفة الأخرى.. يوزع جنود العدو البسكويت على الأطفال النازحين! ! يسقط كيس طحين عن رأس امرأة في الماء فيستقر في قاع النهر...يعزف محمد عوده على نايه لحن النزوح، تتسلل النغمات عبر الجبال والشعاب.. تئن... تدمع عينا عائشة العلاّن، وتبكي وردة العودة زوجها في صمت..ترفع الحاجة صفية راية الاستسلام فوق مدخل المغارة..وتعلن الحاجة ذواباً عن الصمود حتى الموت... ويذرف العجوز عودة من قلب حطمته عذابات الحياة .
(2)
تمر الأيام قاسية مريرة ولا يُسمع أي خبر عن محمد، وتظهر تجارة تهريب الناس إلى الضفة الشرقية.. كان الدليل يأخذ خمسة دنانير على الفرد في البداية ، ومع مرور الأيام، ارتفع السعر إلى عشرة، ثم خمسة عشر وأخيرا ً إلى ثلاثين ، من أين لعائشة العلان هذا المبلغ لتدفعه إلى مهرّب يصحب زوجة ابنها وطفلها إلى الضفة الشرقية؟
ينطلق لحن النزوح كئيباً مبكياً من ناي محمد عودة.. فتحمله الريح.. تتكسر ألحانه عبر التلال فيبلغ مسامع عائشة العلان .. تمر صور عشرات المآسي في مخيلتها ثم تستقر عند صورة محمد ، فتأخذ بالغناء والبكاء وهي تنسج على النول
فختلط أغاني السفر بأغاني الغياب وأغاني المساجين بأغاني الندب :

يا ريتكم تروحوا وأعيد حنايا تروحوا سالمين وأعيد أنا منايايا
يا ريتكم تروحوا وأعيد ملبوسي تروحوا سالمين تايقوى ناموسي
ونتو غايبيــن محرمـــة الغيّــة لما تروحـــــوا يا نور عينيّــه
ونتو غايبين محـــرم اللبــس لما تروحـــوا وتلفوا عالقـــدس
ونتوا غايبين محرم الملبوس لما تروحوا وتطلعوا من لحبوس
************
بعيدين عني وأنا في العين ما ريهم وأنا اشتاق قلبي تني أحاكيهم

طارت الطيارة والهوا يوحـــي تيجوا بالسلامة يا بعـــد روحـي
***********
يتسرب صوت عائشة العلان إلى مختلف البيوت... تذرف النساء الدموع ووردة تنتحب بصمت كعادتها وتحضن طفلها وتضمه إلى صدرها.. تنهض وتجلس صامتة بالقرب من عمتها ثم تأتي الحاجة ذوابا وتنضم إليهما... لقد بعثها غناء عايشة العلان .. تنهض وردة لتجلسها مكانها:
- ابق جالسة يا بنتي، الله يجمعك بزوجك بالسلامة.
- الله يسلمك يا أمي.
تجلس الحاجة ذوابا إلى جوار ابنتها:
- كيف حالك يا عايشة؟
- الله يسلمك يا حجة
- يا وليّة إلى متى الندب والنعي، الغائب علمه معه، إن شاء الله ما يصير إلا الخير، لماذا تعمي عينيك من البكاء؟
- أنا عارفة يا حجة، الله يرضى عنّه ويحن إليه ويسهل الصعاب في وجهه، لو إنه طمأنني بكلمتين عن حاله، ولو امرأته وابنه عنده، والله يا حجة لخفّت مصيبتي.. يا بني من يغسل له ملابسه، من يطبخ له، يا ترى كيف عيشته؟ جوعان، عريان، حي،ميت؟! الله أعلم ....
- الموت لاعدائه.. طوّلي بالك، الله مع الصابرين.
-إلى متى نصبر يا حجة؟ حرمنا من أولادنا وأهلنا، وتشتتنا وتفرقنا، وانهدّ حيلنا وحملنا، قلت له لما جاء آخر مرة قبل الحرب بثلاثة أشهر، يا بني خذ زوجتك وابنك معك، قال لي ريثما استأجر بيتاً مقبولاً يا أمي، ليرضى الله عنه ويحن اليه، كانت يده مجروحة من الأزميل ...
.وانحنت عائشة على حجر مصقول كان محمد قد صقله بأزميله وشاقوشه لتستعمله أمه، فكانت تعمل منه مقعداً تارة، وتارة تضع عليه كؤوس الشاي والابريق .
انحنت عليه وأخذت تقبله وهي تقول لتسلم اليد التي دقّته ..
فكرت الحاجة ذوابا قليلاً وهي تحدق في وجه ابنتها ويبدو أنها وصلت إلى نتيجة ، فقد نظرت إلى عايشة العلان ::
عايشة؟
نعم يا حجة.
- معي عشر ليرات وسأجعل محمد الله يسلّمه يجلب عنزة إلى السوق ويبيعها ، وحاولي أن تحصّلي باقي المبلغ، لنرسل البنت والولد إلى عنده ، حتى إذا طال الاحتلال كل واحد يكون عند أهله ..
ارتسمت علامات العرفان على وجه عايشة العلان.- الله يكثر خيركم يا حجة، لكن لماذا هي الحياة إذا طالت أيام الاحتلال وظل أولادنا بعيدين ونحن هنا، الله يرضى عنّه، أنا قلت سيأتي ولن يظل هناك، وليحدث ما يحدث ..
- أتريدين من الشباب أن يأتوا ليذبحوا ذبح الغنم يا عايشة، انسيتي ما عمل اليهود في الثمانية وأربعين؟ لماذا نزح الناس؟ خوفاً من المذابح،وإلا ما كانوا نزحوا..
ووجمت عايشة العلان قليلاً وتوقفت عن النسيج .
- ومن المهرّب الذي سنرسلها معه؟ -
-سنرسلها مع عارف العلي، منذ الحرب وهو يشتغل في التهريب، لقد أرسل وأحضر الكثير من الناس .
-ألم تجدي غيره يا حجة، أنسيت الأعمال التي عملها عمه فينا، أيام الانكليز، صفيحة الماء كان يبيعنا أياها بخمسة قروش؟
ماذا سنفعل يا عايشة، مع من سنرسلها إذن؟ -
- لا أعرف، الله يعيننا على الذين كانوا السبب-
(3)
اتكلي عليّ يا حجة، والله إنني سأضعها في عينيّ حتى أقطّعها نهرالشريعة... هل انقطعت الدنيا، باطل، مازال فيها خير يا حجة !
- كم تريد يا عارف؟ -
- والله يا حجة اسمعي لأقول لك-
- قول يا بني؟-
- صلي على النبي –
- عليك ألف صلاة يا نبي-
- والله فقط من أجلك يا حجة، ومن أجل عايشة العلان--
- الله يسلمك يا بني ، كم يلزمك؟-
- -أنا أقبض خمسين دينار على النفر، إنما لكنّ أقدّم عيني، ويكفي ثلاثين للبنت وعشرة للولد، أربعين دينار .. والله هالمبلغ لا أقبله من أحد غيركن أبداً؟
أخرجت عايشة العلان ثلاثين دينارا من صرّتها وقالت :
- والله وحياة ابني الذي لا يوجد أعز منه في الدنيا، إننا لم نقدر أن نجمع هذا المبلغ إلا بطلوع الروح، ماذا أقول لك، باع أهل الحجة ذوابا عنزة بعشر ليرات، وأخذت خمس ليرات سلفة من الحاج علي العطا، لأنسج له مفرشين، واستدنّا من هنا وهناك حتى جمعنا الثلاثين ليرة .
: امتعض عارف العلي قائلاً
- والله لا يكفي يا حجة، لما كان ناس كثير، كان ذلك يكفي، إنما أنت عارفة، اليوم على الواحد أن يتحمل المخاطر ويمشي على دمه من أجل خمسة أنفار على الأغلب ، وفي العودة لا يجد أحداً يحضره .
نظرت عايشة العلان إلى وجه الحاجة ذوابا ثم إلى وجه كنّتها:
- والله يا أخي ما معنا غيرها ، والطفل ستحمله أمه، هل ستحمله أنت؟ -
-الله يسامحك يا شيخة، وهل أحمل غير نفسي، كل واحد يحمل نفسه والله يحمل الجميع، أنا أحاسب على النفر، على كل حال إذا كان هذا غير مناسب سلام عليكم...قد يرخص السوق، وأعاهدك يا حجة سأصحبها معي يومها، إنما الآن والله لا يناسبني هذا السعر!
.
وانثنى عارف العلي سائرا..
<الآن ستناديني الحجة وتقول إرجع يا عارف>

غير أن أيا من الحجتين لم تنده له .
(لكن كيف اترك هذا الغزال من بين يدي، غزال يا عارف غزال، لحم كالفستق المقشر، أرداف، آه، كيف تتركها؟ بشرفك ألا تقبل أن تصحبها، بلا أجر؟! آخ، سمكة يا عارف، ما فيها جنس العظام وأنت الصياد، لا أحد ينادي ارجع، إرجع هذا يكفي )
واستدار عارف العلي عائداً إلى الحاجة ذوابا وعايشة العلان .:
- لعنة الله على الشيطان، والله يعز علي أن أذهب وأترك البنت، وهذا الطفل الذي حرم من مشاهدة والده، وشأنكن عندي غير قليل يا حجة !!
- الله يسلم شأنك يا عارف، متى السفر يا أخي؟-
- غداً صباحاً بعونه تعالى-
- خذ يا أخي-
وأخذت عايشة العلان تعدّ النقود في يد عارف .
***************
أقبل عارف منفرداً، فارتابت عايشة العلاّن أن ترسل ورده معه لوحدها.
- صباح الخير يا حجة .
-الله يسعد صباحك يا عارف، شايفك وحدك؟
- أي والله
-ما حدا معك؟
-الله يسامحك، أمن المعقول أن أسافر مع بنت لوحدها؟ لن تناسبني السفرة أبداً، معي خمس نساء، إنما تركتهن على الطريق ريثما أحضر ورده .
اطمأنت عايشة العلاّن لكلام عارف.
متى تقطعون النهر بالسلامة إن شاء الله؟ -
. -الليلة، وغداً في مثل هذا الوقت ستكون عند زوجها إذا سهّل الله
- -إن شاء الله لن يأتي إلا التسهيل، وداعتك ورده يا عارف يا بني ، أنا أضعها أمانة في رقبتك إلى أن تقطعها النهر وتركبها في تكسي، لا ترسلها لوحدها يا بني، وإذا وصّلتها لزوجها تكون عند الله فاعل خير.
- الوداعة على الله يا حجة، لا تهتمي للأمر، ورده أختي وأعز من عيني؟-
- إذا كان في الدنيا خير يا بني.. الله يسلم عينيك ويسهل دربك-
وانثنت إلى الخشّة وقد تناست كل الماضي الأسود لآل العلي.. وجاءت الحاجة ذوابا لتودع ابنتها...صرتّ عايشة العلاّن بعض ملابس ورده وملابس الطفل وبعض ملابس محمد في شرشف كبير، وربطته من طرفيه، بحبل لفّت عند منتصفه بعض الشرائط حتى لا يؤلم رأس ورده.. ووضعت صرّة صغيرة فيها قليل من الزيتون والبصل والخبز لتأكل ورده والطفل في الطريق ، ولتطعم محمد من زيتون البلاد وبصلها وخبزها الذي خبزته بيديها.. كما وضعت مطرة ملأتها
بالماء... ونهضت إلى كنّتها تقبلها مودعة:.
(الله يرضى عليك يا بنتي، سلمي على محمد وخذي بالك منه، إسهري على راحته يا بنتي ولا تناكديه. قبّليه عني يا بنتي، قول له أمك تقبلك، وما تنسي المحرمة التي وضعتها له يا بنتي.وضعت لك فيها ليرتين، لتصرفي على نفسك إذا احتجت لشيء في الطريق.. قولي له، هذه المحرمة من رائحة أمك، وضعتها لك في الملابس.. اعتنوا بأنفسكم يا بنتي، الله يسهل طريقك، ويعمي عيون العدا عنك ، ويجعل لك في كل طريق رفيق)
وأخذت تضم الطفل وتقبله بدموعها.. بينما وردة تودع أمها....
حملت وردة الصرّة على ظهرها وحملت الطفل بيديها وضمته إلى صدرها وانصرفت خلف عارف العلي وعبرات ساخنة تنحدر من مقلتيها.....
لاحقتها كلمات والدتها وحماتها... قالت الحماة: لا تنسي عنوان محمد يا بنتي، الله يرضى عليك ويحن اليك ويجعل الخير ما بين يديك، سلمي على كل الأهل والأحباب يا بنتي، قولي لهم أن عقولنا سارحة معهم في الليل والنهار، وتنتظر قدومهم ..
وقالت الأم: الله يجعل طريقك سهل ما فيها وعر يا بنتي ويوصلك بالسلامة . .
وكانت وردة قد ابتعدت فتوقفت المرأتان عن الدعاء وظلتا ترقبانها حتى اختفت خلف تلة مرتفعة .
شاهد محمد عوده شقيقته تحمل طفلها وتسير خلف عارف العلي فترك القطيع الصغير وهرع إليها والدموع تترقرق في عينيه :
مع السلامة يا أختي – وضمها إلى صدره وقبّلها ثم قبل الطفل – سلّمي على محمد، قولي له أخي محمد يعزف على نايه طول اليوم، يتذكرك مع كل طلوع شمس . واليهود اللعنة عليهم.. قولي له إنا لن نخاف منهم ، وبعد وصولك أرسلوا لنا سلامكم بالإذاعة .
وعاد إلى القطيع بينما تابعت وردة سيرها خلف عارف العلي .
(4)
يقصر عارف العلي من خطواته.. يسير إلى جانب وردة يختلس النظرات إليها )عينان فم، خدود، عنق ، صدر، وردة إنها وردة فعلاً، من أسماها بهذا الاسم؟ تنزلق عيناه إلى أسفل، ينظر بعينين شبقتين إلى ردفين مكتنزين.. تجتاحه موجة من الشبق العارم.. تطرق أسنانه .. ترتخي شفتاه ما الذي يمنعك من رفع هذا الثوب عالياً، لتملس على هذين الردفين، تغرس أصابعك فيهما.. تفرك لحمهما حتى يقطر الدم منه.. تضجعها هنا على حصباء الوادي.. تقلبها بطناً وظهراً.. لا يوجد غير الشمس والجبال والأودية، علها تصرخ؟ قد لا تقبل؟ ما الذي سيحدث بعد ذلك، هل تهرب وتعود إلى القرية؟ ثم تفضحك بين الناس، وتخسر كل تجارتك بعد أن تخسر ثقة الناس.. أم تغتصبها وتقتلها إذا حاولت الهرب.(
ويكبح عارف من جماح شبقه ويحاول أن يطرد سورة ردفيها من مخيلته.. ينظر إليها .. إنها تسير بصمت، وادعة، حزينة، بماذا تفكر؟ألا تفكر برجل يسير معها على انفراد بين هذه الجبال، ولم يشبع من النساء في حياته؟ سيما وأنها لم ترطب فخذيها منذ آخر مرة شاهدت فيها زوجها قبل ما يقرب ستة أشهر.
<يا حبيبي يا محمد، هل سأشاهد طلعتك الجميلة؟ هل ستضمني في الليلة القادمة بين ذراعيك؟ لن أخجل منك. سأقول لك أنني عطشى يا محمد، ضاجعني حتى الصباح، أروني، دعني أنتشي .. ستقول لي: يا سافلة هذا يكفي ! وسأكتفي!! كيف ستستقبلني؟ أعرف أنك ستفرح كثيراً ..أنظر إلى فارس ما أجمله.. إنه صورة طبق الأصل عنك، نفس الأنف، نفس الذقن.. .أنظر إلى الغمازة في ذقنه.. لماذا لم تعد إلى الضفة بعد الحرب؟ فضّلت العمل في عمان. أما زلت تدق هذه الحجارة؟ هل تستطيع أن تقول لي كم حجرا صقلت في حياتك؟ إنك تضحك ..طيّب بلاش، كم صخرة انهلت عليها بمهدّتك لتقسمها من نصفها وتحولها إلى حجارة مصقولة جميلة فيما بعد؟ أما زلت تعمل مع فتح ؟ اطمئن لم أطلع أحداً على هذا السر، حتى أمي وأمك.. .لكن لماذا لم تأتِ؟ أليس النضال من هنا أفضل من النضال من عمان؟‍! >
تعبت يداها من حمل الطفل، رفعته إلى كتفها ونظرت إلى عارف علّه يساعدها في حمله.. تنبه عارف للأمر، مد يديه وتعمد أن يضع يده على كتف الأم قبل أن يأخذ الطفل من يديها:
< سأحمله عنك>
كانت وردة منهكة فلم تمانع في ذلك.. ولم تنتبه لليد التي ملست على كتفها، ثم انزلقت لتمسك الطفل من ذراعه.
صخور صوانية وسدود تمتد على جانبي الوادي.. حرارة الشمس مرتفعة.. تسير ورده إلى محاذاة الوادي علّها تنعم بشيء من ظل الصخور..
- تصوري يا ورده أن الانكليز قتلوا في هذا الوادي أكثر من مائة جندي تركي وعندما أمر منه في الليل، يا ساتر يا الله، شيء يجعل الرأس يشيب، يخرج مردة الجنود الأتراك ويأخذون بالرطن بالتركي بينما مردة الانكليز يردون عليهم بالانكليزي.ماذا أقول لك، أقرأ آية الكرسي، وأتعوّذ من الشيطان وأضع رأسي وأنام..ليلة من الليالي صحوت على واحد منهم، وجدته يجلس عند رأسي ويأكل من صرّة طعامي.. سمّيت بالله وتعوّذت من الشيطان.. انشقت الأرض وابتلعته .. لا تخافي طالما أنا معك، ولاتهتمي للأمر.
ونطقت ورده للمرة الأولى مع عارف وهي تجاهد لتبعد مردته من مخيلتها:
- أين النساء اللواتي تحدثت عنهن؟
<ما أجمل هالصوت، من زمان أنطق يا غزال، خليني أسمع صوتك.>
- بعد قليل سنصل إلى مكان التجمع.. ستجلسين هناك وسأغيب عنك قدر ساعتين وأعود بالنساء، موجودات قلت لهن أن ينتظرنني في مكان قريب.
ضم الطفل إلى صدره وضغط عليه وهو يتمثل والدته بين ذراعيه! غير أن صورة الأم لم تمثل في مخيلته جيداً، ثم أن الطفل لم يملأ حضنه... صار ملتصقاً إلى جانب ورده...اختلس نظرات جانية إلى ردفيها .. ترك فخذه تقترب شيئاً فشيئاً.. اصطدمت ركبته بفخذها..تنبهت ورده واعتبرت أن ذلك قد تم دون قصد.
- أنت تعبت يا عارف، أرى أنك تصطدم بي؟
- لا، أعوذ بالله إنما نزل شعاع الشمس على عيني ولم أبصر أمامي..
- وهذه المردة التي تتحدث عنها؟
- ماذا أقول لك يا وردة، الواحد منهم بسم الله الرحمن الرحيم طول عمود التلفون..
- ألا يؤذون الناس؟
- لا يؤذون غير الذي يشتمهم أو يبغضهم ، لكنهم يخيفون!!
دوت محركات طائرة هليوكوبتر قادمة من بعيد وكانت فرصة ثانية لعارف:
< اختفي يا وردة> ومد يده إلى خصرها وضمها إليه، وهو يلتصق إلى جانب صخرة ناتئة إلى جانب الوادي .. .. ظهرت الطائرة على ارتفاع منخفض، ولم تنتبه وردة لليد التي استقرت فوق ردفها..
مرت الطائرة ولاذت خلف الجبال..تنبهت وردة ليد عارف تملس على ردفها صعوداً ونزولاً.. وأقنعت نفسها أن ذلك ليس مقصوداً‍، وأخذت الطفل من يدي عارف واندفعت سائرة مع الوادي..
< لم تتكلم ، والله رضخت لك يا عارف.. أصبر يا رجل سنصل إلى مكان التجمع... ما أجمل التعري على رمل الوادي تحت ظل الصخور..سأختبرها مرة أخرى، إذا ظلت ساكتة انتهى الأمر>
< من أحضرك يا وردة؟ جئت مع عارف العلي! مع عارف العلي؟ غير معقول ووصلتيني سالمة؟ لا يمكنني أن أصدق؟ لماذا ألست أنا التي أمامك؟ دعيني أرى ! أي إرفع يدك يا سافل ! كيف حال والدتي؟ تسلم عليك..خذ نسيت... ماذا؟ أرسلت لك محرمة من رائحتها.
يا سلام .. والزيتون، ألن تأكل منه. سآكل. والخبز ؟ لقد خبزته بيديها حتى يطيب لك أن تاكله! يا ألله ما أروع خبزك يا أمي . لا تبك أرجوك، لأنني بكيت طول الطريق . ألم تخافي؟ أكثر ما أخافني المردة التي حدثني عنها عارف العلي، وما عدا ذلك ما خفت . مردة‍! ! جان يعني؟ هكذا يقول. اوه، اتركينا من كل هذا الهراء، حدثيني عن القرية، عن ناي شقيقك محمد، عن والدتك عن صبايا البلد، عن اليهود، عن الحرب...! ! اسمع يا سيدي أنا سامع.... لم تحدثيني عن صبايا البلد؟ لن أحدثك . أيتها الغيورة . أنت تغار أكثر مني . صحيح . ضمني إليك . حبيبتي . حبيبي.
***********

وصلا إلى مكان في الوادي حيث توجد بئر ماء.. ويبدو أن أغناماً كانت تقيل في ذلك المكان، إذ ظهر بعض الزبل على مزبلة البئر و على صدره وإلى جانب الأحواض وفي المصفاة. وكانت الصخور العالية والسدود الصخرية تحيط بالمكان من كل جانب، وتلقي عليه ظلاً رطباً ساحراً.
قال عارف وهو يقف إلى جانب الحائط الصخري:وصلنا، سنرتاح قليلاً وسأذهب لأحضر باقي النساء، لن أتأخر عليك.
وضعت ورده الطفل إلى جانب حجر، وطلبت من عارف أن يساعدها في إنزال الحمل عن ظهرها.. وكانت فرصة أخرى غير متوقّعة أمام عارف، فوقف خلفها ملتصقاً. أمسك بالحمل عن ظهرها وأخذ ينزله .. أحست وردة بشيء جعلها تجزم أن عارف يتعمد التحرش بها‍! ! ولم تنبس مفضلة التريث على فتح المعركة معه.
وضع عارف الحمل جانباً واستلقى على جنبه بينما جلست وردة خائرة القوى وكوّعت على حجر قريب منها.. كان الاجهاد ينهك قواها فأسبلت جفنيها..
<ما أجبنك يا عارف لم يبق إلا أن تمد يدك وترفع هذا الثوب إلى أعلى، وبعدها ينتهي كل شيء... ماذا تتوقع من امرأة خائرة القوى أن تفعل معك؟ وليست خائرة القوى فقط، ولم تشاهد زوجها منذ ستة أشهر.. لماذا لا تمد يدك يا حيوان، يا جبان، لماذا؟>
ومد عارف يدا مرتجفة.. استقرت على أعلى فخذ وردة المسبلة الجفنين.. فتحت وردة عينيها، نظرت إلى وجهه ،بدا الاحمرار وقد اندفع منه، وظهر الرعب مسيطراً عليه.. وقالت بصوت لا يخلو من نفرة:
- ماذا تريد يا عارف؟
ارتعدت فرائصه..
- أنا ذاهب لإحضار النساء، خذي بالك من مردة الأتراك قد تخرج اليك!!
قالت بشيء من الاحتداد أيضاً:
- لماذا لا تذهب، ومردة الأتراك لي ولهم الله..
والحقيقة أن حكاية المردة قد أخذت كل تفكيرها..
- أنا ذاهب لا تصرخي، أف ما هذه المرأة؟
أيقن عارف أن لافائدة ترجى من وردة، وأنها قد تكون على معرفة تامة بنواياه. منذ أن لمس كتفها للمرة الأولى، وأنها كانت تكتم غيظها طوال الطريق.. ولم يفكر في أمر اغتصابها خوفاً على تجارته أن تبور وخوفاً على سمعته سيما وأنه من آل العلي الذين حملوا المشيخة أبا عن جد، ولهم مكانتهم بين العشيرة. كما أنه ليس بهذه الشجاعة؟؟ لكنه لم يقطع الأمل.
**************
< سأخبرك يا محمد.. ماذا؟ عارف وغد ابن وغد، اوه كنت أعتقد أنك ستخبريني عن صبايا البلد، ماذا فعل بك هذا الحقير؟ ألن تغار؟ اذا حدّثتيني عن صبايا البلد أولاً لن أغار... طيب سأحدثك.. زواهي ابنة حمدان أبو رطة خطفت.. خطفت؟ نعم.. خطفت؟ أعرف أنك كنت تحبها قبل أن تتزوجني.. خطفت راعي حامد دخيل .. كيف؟ طلب يدها فلم يقبلوا، فهربت إلى منزل حامد دخيل واطنبت عليه، ورجته أن يزوجها من راعيه.. تدخلت الحمائل والعشائر وزوجوها له بالقوة‍! ! بالقوة؟ تقريباً لأن أهلها رفضوا أن يزوجوها من الراعي .. وماذا أيضاً؟ تلك زوجوها من رجل في السبعين، وتلك زوجوها على ضرة، وتلك انتحرت لأنهم لم يزوجوها من الشاب الذي تحب، وتلك وتلك.. تسألني عن أخبار البلد وبناتها وكأنك غبت عنها عشرات السنين... إنها كما هي لم يتغير فيها شيء .والرجال؟ اعتقل اليهود الذين وجدوا في بيوتهم سلاح، والذين ينتمون إلى الثورة والحزب الشيوعي .. بربك من اعتقلوا؟ اعتقلوا رزق أبوالجدايل! ! ومحمود عايد، وعلي عبد ربه وعلي الخطيب.. والآن خبريني عن عارف العلي، هل مازحك؟ أكثر من ذلك.. وردة تقولين أكثر من ذلك؟ أكثر... قولي لي ماذا فعل هذا الجبان بربك ؟ قلت له أن يساعدني في انزال الحمل عن ظهري و..... الحقير ابن الحقير أقسم بشرفي أني سأعلقه في المكان الذي شنق محمد فضة نفسه فيه بسد العقاب، وأتركه معلقاً أبد الدهر.. اعتقدتها مجرد ممازحة في البداية أو شيء من هذا القبيل.. الحقير ابن الحقير، أخ.. لن تهدئ من روعك يا محمد؟ كلا، لن يهدأ غضبي قبل أن أعلقه بالحبل لن يهدأ.....>
(5)
صعد عارف إلى التلال، مر بموقع من جنود العدو، تتمركز فيه كتيبة من حرس الحدود.. تناول الشاي وتحدث مع الكابتن شلومو قليلاً وانصرف ... كانت خمس نساء ينتظرن عارف في مكان وضعهن فيه.. .ثلاث منهن من قرية (أبو ديس) وواحدة من )الطور) والأخرى من )العيزرية) وجميعهن يرغبن في الالتحاق بأزواجهن الذين يعملون في عمان والكويت والسعودية.. باستثناء فتاة ديسية عذراء أرسلها أهلها إلى خطيبها الذي يعمل في الخليج.. وكانت إحدى النساء الديسيات، تصحب طفلها الذي لم يتجاوز العام بينما العيزراوية تصحب طفلة تقارب الأربعة أعوام، وأما الطورية فكانت تصحب طفلين، أحدهما في الثانية من عمره والآخر يقارب الخامسة... أما الديسية الأخرى فكانت عاقراً...سار عارف والنساء من خلفه، يحملن صررهن وأطفالهن، إلى أن بلغ وردة.. وقال لهن أن يأخذن قسطاً من الراحة قبل أن تغرب الشمس، إذ يتحتم عليهن أن يسرن حتى بلوغ النهر.
أسبلت الفتاة العذراء جفنيها، بينما استلقت المرأة الطورية وتنهدت من قلب مفجوع وهي تضم طفليها.. عرّى عارف في مخيلته النساء الخمس والفتاة وأخذ يقلبهن بطناً وظهراً..
*********
.جنحت الشمس إلى الغرب،فأخذت الظلال تغمر الوادي .. أفاقت طيور الحجل من قيلولتها فانتشرت بين الصخور.. وفّرت أسراب الحمام من السدود وأخذت تحلق في السماء وتحطّ على المروج .
قال عارف: انهضن يا بنات..
نهضت النساء. نفضن التراب عن أثوابهن وأخذن يطعمن الأطفال.
. قالت وردة:
كم يبعد النهر من هنا؟
قال عارف:
اذا شددتن الهمة سنصل خلال ثلاث ساعات .
ونهض واقفاً.. حملت النساء صُررهن وأطفالهن وانطلقن خلف عارف بقوى واهنة ومئات الأفكار القلقة والهواجس تطرق مخيلاتهن..
**********
<ما أوحش الجبال في الليل‍ل ! والله إني لا أعرف لماذا هذا التعب والشقاء والتهريب ودفع النقود.. فلو قطعنا النهر في النهار أمام أعين اليهود ماذا سيفعلون بنا؟ ماذا يريدون غير أن نرحل عن بلادنا ونتركها لهم؟..>
.ونظرت المرأة الطورية حولها علّ إحدى النساء تجيبها..
قالت العيزراوية:
- يا وليّة ألم تسمعي عن البنت العذراء التي اغتصبها حرس الحدود بعدما قتلوا شقيقها وتركوها ملقاة إلى جانب الوادي إلى أن ماتت وهي تنزف؟
وقالت الديسية العاقر:
- ألم تسمعن عن العائلة التي سلبوها نقودها؟
وأخذت كل واحدة تردد ما سمعته من قصص عن الناس الذين ينزحون أمام أعين جنود العدو. ولم تتفوه وردة بشيء إذ كانت منهكة والطفل يلتصق بصدرها منكمشاً كالقط، وعيناه تتلصصان ما حوله وقد انهك ذراعيها..وحسدت المرأة الديسية التي كانت تضع طفلها في الحذل الذي يتدلى على ظهرها. وتحمل صرة الملابس بيديها، لكنها تراجعت عن ذلك بعد أن جزمت أن طفلها كبير ولا يستقر في الحذل إلا إذا نام.
كان طفل المرأة الطورية الكبير، يدرج إلى جانب أمه، بينما تضم شقيقه الصغير إلى حضنها، أما طفلة المرأة العيزراوية فكانت تدرج هي الأخرى، وتتعثر بين الفينة والأخرى وتقول لأمها:
-أين بابا يا ماما؟
تقول لها الأم إنه ينتظرهم على حافة النهر‍!وتكثر أسئلة الطفلة وتتكرر: متى نصل النهر؟ لماذا نسير في الليل؟ أين سننام؟ إذا صادفنا اليهود فهل يذبحوننا؟ تعبنا لو نستريح، أو تحمليني؟ عدا عشرات الأسئلة التي تدور حول اليهود والنساء اللواتي معها... فتحملها الأم وتطلب منها أن تسكت فتسكت! !
تعبت وردة وهي تنقل الطفل من كتف إلى كتف ومن يد إلى يد وتمنت لو أن عارف يدعهن يسترحن بعض الوقت، ونظرت إلى السماء فشاهدت القمر يطل من بين صخرتين عاليتين.
********
عرج عارف جانباً وأخذ يسير مع سفح جبل ..التفت إلى النساء قائلاً:
- عندما نطل على السهل سنرتاح..
وفر سرب من طيور الحجل من أمامه فأحدث اصطفاق أجنحته صوتاً مرعباً.. التصق الأطفال بأمهاتهم ، وقف شعر رأس عارف واستنجدت الطورية بيسوع المسيح.. أخذوا يصعدون مع السفح باتجاه الشرق، فانجلت لهم بعض التلال، وتمنت وردة أن يقرب الله من نهاية هذا الصعود إذ خارت قواها وباتت تشعر أن الطفل سيسقط من يديها.
ما أن أشرف عارف على التلال المنبسطة حتى أشار إلى النساء أن يلتقطن أنفاسهن ، إذ ستبدأ المرحلة النهائية كما قال.تنفست النساء الصعداء واستلقين إلى جانب أطفالهن الذين هدّهم النعاس.. أجسام منهكة، عطشى إلى الراحة، لكن من أين يا حسرة؟ يا ليت هذا الدليل يدعهن يأخذن غفوة، غفوة صغيرة يسترددن أنفاسهن خلالها.
*********
< خمس نساء وفتاة عذراء،وأنت والليل والسماء والأرض، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً.. تبا لك،جبان، جبان، سيقتلك الظمأ ولن ترويه مدى حياتك.. قال لك شلومو ماذا لديك اليوم؟ فقلت له خمس نساء وفتاة عذراء . قال لك هذا صيد دسم! ! فرفضت حرصاً على تجارتك وسمعة العائلة بينما صورة الفتاة العذراء التي ماتت من استمرار النزيف بعد أن قتل شقيقها واغتصبتماها وبعض الجنود تمثل في مخيلتك.. والآن ماذا ستفعل؟ ! ! اقترب من هذه العذراء ..أنظر كيف تضطجع على جنبها، إنها ممتلئة .. تمدد خلفها، حاول أن تتحرش بها، أملس بيدك على فخذها.. جبان لا تستطيع أن تفعل ذلك.. إذن عريهن في مخيلتك وضاجعهن في آن واحد أيها الجبان، دعهن يستلقين على بطونهن تحت ضوء القمر.. هكذا..يا سلام..، إنها ليست المرة الأولى التي تعرّى فيها النساء على ضوء القمر، أنظر إلى سحر الأجساد المستلقية أمامك.. بمن تبدأ؟ بالعذراء؟ والأخريات؟ فيما بعد، ليكن ! ما أجملك أيها القمر! ! وما أجمل الأجساد عندما تتعرى على نورك! >
تهرب الصور من مخيلته،يعود إلى وعيه.. لا يشعر بأنه أروى عطشه.. ينظر إلى النساء، يشعر بشبق كبير في داخله يدفعه إلى الحقد على النساء، ويندم لأنه لم يوافق شلومو على اغتصابهن .. تنتابه موجة من الغضب..يحتضن رأسه بيديه ويصرخ بالنساء:انهضن !
تنهض النساء وقد اعتراهن الذعر، ويصرخ الأطفال..
ينحدر عارف مع تلال منبسطة ..تحمل النساء أطفالهن وصررهن وينطلقن في اثره وهن يتساءلن في سريرتهن عن السبب الذي جعله يصرخ بهذا الشكل.. غير أن أيا منهن لم تكشف السبب في ذلك، وإن كانت وردة قد فكرت بأن لذلك علاقة بما حدث لها مع عارف قبل أن تحضر النساء..
تلال صغيرة وشعاب، ثم أرض منبسطة، السير هنا أفضل من صعود الجبال.. القمر أخذ يجنح إلى الغرب، قال عارف أنهن لن يعبرن النهر إلا بعد أن يغيب القمر.
(6)
يختفي القمر خلف الأفق الغربي، فتغمر الظلال المنطقة.. يخيم الظلام وتبدو أشباح أشجار الصفصاف والدفلى والعليق، تتحرك من بعيد يلتفت عارف ويهتف للنساء أن يتبعنه ببطء.. تتمنى كل واحدة منهن أن لا يصرخ إبنها في تلك اللحظات العصيبة.
<إنهم منا يا جماعة < !
كانت مجموعة من المتسللين العائدين تتجه إلى الغرب، وعندما شعروا بقدوم عارف والنساء كمنوا بين الأشجار.. وما أن عرفوا أنهم ليسوا من الجنود حتى قال أحدهم < إنهم منا يا جماعة> ونهض واقفاً من خلف شجرة عليق، فاهتز جسم عارف من هول الرعب ووقف رافعاً يديه! !
قال الرجل:من؟
فقال عارف:صاحب !
- أي صاحب في هذا الليل؟
- من النازحين.
فقال الرجل: نحن من العائدين!!
اقترب عارف منه فشاهد خلف الشجرة مجموعة من النساء والأطفال والرجال ..قال عارف مؤكدا:
- إذن أنتم من العائدين..
- أي والله لكننا لا نعرف الطريق! !
- ليست مشكلة سأدلكم!
وحتى لا يضيع عارف فرصة ثمينة، قد يقبض من ورئها مبلغاً محترماً، أعلن للنساء أن مهمته قد انتهت، وانثنى إليهن يهنئهن بسلامة الوصول.وبكل بساطة، أشار باتجاه النهر، وقال إنه ما عليهن إلا أن يقطعن هذه المسافة القصيرة بين الأشجار ليصلن إلى النهر، ويعبرنه بكل هدوء، إذ أن المياه قد لا تصل إلى ركبهن.
.شعرت وردة أن حملاً ثقيلاً قد أرتفع عن كتفها، غير أن الشرط كان أن يجتاز النهر مع النساء، ويؤمنهن إلى عمان أو يدلهن إلى أقرب طريق للمواصلات على الأقل.ويبدو أن عارف قرأ ما يدور في رؤوس النساء..
- ألا تصدّقن؟ النهر على مرمى حجر وما أن تعبرنه حتى تجدن الفدائيين والجيش في طريقكن، لا تخفن أن تضعن..
أرغمت وردة نفسها على الاطمئنان لكلام عارف كما أرغمت نفسها مسبقاً على التصديق أن تحرشاته عفوية بريئة! ! واندفعت أمام النساء فتبعنها ،وسمعت صوت أحد العائدين يقول: انتبهن من الدوامات!.. فانبرى عارف قائلاً: لا تخفن لا توجد دوامات في هذه المنطقة .
وانثنى إلى العائدين يتفاوض معهم حول ثمن العودة التي لن تتم بدون معرفته للطرق الجبلية والأودية الملأى بمردة الأتراك والانكليز، ومختلف أنواع الوحوش ومصيبة المصائب كمائن قوات العدو التي لا يحصى عددها! ! وأكّد على الكمائن حتى يجد تبريراً للكمين الذي سيقع فيه العائدون والذي سيعيدهم بدوره إلى الضفة الشرقية أو يفتك بهم، وحتى لا يقال أنه كمين مدبر بمعرفة عارف.
صحيح أن النهر لم يكن بعيداً كما قال عارف، لكنه أبعد بكثير من مرمى الحجر اذ قطعت النساء عشرات المرامي ولم يبلغنه بعد.. تنهدت وردة من قلب مثقل بالآلام وشتمت في سرها اليوم الذي وجد فيه آل العلي ومشايخهم ومخاتيرهم، شيخ يقول لشيخ ومختار يقول لمختار وجدّ يقول لجدّ حتى الجد الألف! ! ! كما شتمت الظروف التي جعلتها راعية بنت راع ابن راع وحتى الجد الألف أيضاً..
كثرت أشجار الدفلى والصفصاف والعليق.. جزمت وردة أنهن يقتربن من النهر.. أخذت تزيل الأغصان المتشابكة من أمامها بيد، بينما اليد الأخرى تضم الطفل إلى صدرها .
إنه النهر يا بنات . وجلست جانباً مفسحة المجال للنساء، فمددن أطفالهن وجلسن يسترحن..كانت المياه تندفع هادئة ولا يبدو أنها عميقة... قالت الديسية العاقر:
- لماذا صوت الماء خفيف؟
فقالت الطورية:- باركها المسيح لما تعمّد فيها، قال لها: اهدأي يا مباركة .. فهدأت ومنذ ذلك اليوم وصوتها خفيف! !
أعجبت وردة لقدرة المسيح العظيمة، وبدا لها أنها كفرت بالله سبحانه وتعالى عندما قارنت بين المسيح وبين محمد – صلعم – عندما قال للصخرة المشرفة وكانت قد صعدت إلى السماء حينها : اهدئي يا مباركة ! فوقفت الصخرة منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا، وظلت معلقة بين السماء والأرض! ! ! وأخذت تستغفر الله في سرها...قالت المرأة الطورية:
- لننهض يا بنات، توكلن على الله..
نهضن وأخذن يتضرعن إلى الله في السر وفي العلانية.
لم يكن عرض النهر كبيراً، فقد قدّرته وردة وهي تتأمله بما يقارب ثلاث عشرة خطوة وقد يقل عن ذلك...قالت العيزراوية:
لو معنا حبل لجعلنا واحدة تقطع وتربطه في الجانب الثاني لنتمسك به ونعبر...فقالت الديسية أم الطفل:
-يا ولايا المياه خفيفة.. ولو توفر الحبل من التي تغامر منا وتقطع وحدها وتربطه؟
قالت وردة: لربطناه على وسطنا وامسكنا من طرفه وجعلناها تعبر، واذا ما غرقت فسنسحبها.
قالت الديسية العاقر:
- يا بنات قبل أن نغادر البلد فكرنا بالحبال، فقال الناس إن المياه خفيفة.
قالت الطورية: وإذا وقعنا في دوامه؟
ردت الديسية العاقر:
- إذن ابقين جالسات علّ اليهود يحضرون إلينا..
وبدت الفتاة العذراء وهي صامتة صمت من في القبور! نظرن إلى وجوه بعضهن..رعب، قلق، حزن، وأسئلة كثيرة تدور في الأذهان.. قالت وردة:
- توكلن على الله يا بنات، ولنقطع .
وتقدمت باتجاه الماء وهي تشكل ثوبها وتلفه على وسطها ، ثم ضمت الطفل إلى صدرها وأصلحت الصرّة على ظهرها.. وتشبثت بعرق صفصاف يمتد فوق النهر، غير أن المرأة العاقر، اقترحت أن تمسك كل امرأة بيد الأخرى.. وهكذا تركت وردة عرق الصفصاف ومدت يدها إلى العاقر فأمسكت بها.. ومدت المرأة العاقر يدها إلى ابنة قريتها أم الطفل الصغير فأمسكت بها ، تبعتها الفتاة العذراء، فالمرأة العيزراوية تحمل طفلتها .. وأخيراً المرأة الطورية وقد أجلست الطفل الكبير على كتفيها ، وضمت الآخر إلى صدرها ، بعد أن رفضا بإصرار أن تقوم المرأة العاقر أو الفتاة العذراء بحمل واحد منهما.
تقدمت وردة وقد غاص قدماها في مياه النهر.. سارت ببطء ، تمايلت قليلاً عندما انزلق قدمها عن حجر صغير، غير أنها استعادت توازنها وتقدمت ببطء.. خطت قليلاً .. أخذت المياه ترتفع حتى بلغت ركبتيها..
*********
.جلست عايشة العلان على قطعة كيس من الخيش، وأخذت تبرم الغزلة وهي تتنهد بألم وحسرة..
.شعرت وردة بالتيار يكاد يسحبها.
.نظر محمد عودة إلى الناي بلهفة وشوق...
تقلبت الحاجة ذوابا في فراشها أرقة .....جلس الأب إيليا خاشعاً أمام أيقونة العذراء في كنيسة القيامة ..
سارت اللاجئة المجنونة عبر أزقة القدس، ترتدي كيس الخيش اياه! ! وبشعرها الأشعث المنفوش..
جلس الشيخ عبد الحميد خاشعاً متأملاً في فراشه..
ركزت وردة قدميها على أرض النهر وثبتتها جيداً حتى تكبح جماح التيار.. استغاثت الطورية بيسوع المسيح وتوسّلت الديسية بكل الأولياء.. ودعت العيزراوية أنبياء الله جيمعهم أن يقفوا معهن، وعرّت الفتاة العذراء رأسها ونظرت إلى السماء متوسلة.. وعلق اسم الله بلسان وردة ومدت قدمها فشعرت باندفاع التيار، فأعادتها إلى الأرض في ثبات .. حركتها ببطء وإلى الأمام دون أن ترفعها فنجحت في التقدم خطوة أخرى..ارتفع نحيب الأطفال..
.رفع الشيخ فايز العلي كأسه عالياً فارتفع كأس الكابتن شلومو وكأس المختار فالح العلي وكؤوس كثيرة...
قطعت وردة ثلث المسافة.. ارتفع الماء إلى ما فوق ركبتيها... رددت اسم الله أكثر من ألف مرة... مدت قدمها إلى الأمام ببطء وشعرت أن قدمها تدور في فراغ، وأحست بالتيار يدفعها....
اختل توازنها.. لم تتمكن من استعادة قدمها التي حركتها أولاً أو من تثبيت قدمها الأخرى... وشعرت للحظة أن كل أملها في لقاء زوجها قد تحطمت.. وأحست بساقها تذهب مع الماء.. كادت أن تهوي .. هوت.. ندت عنها صرخة هائلة وهي تسحب يدها من يد المرأة العاقر، وتدفع الطفل باتجاهها، وتتشبث بعود الصفصاف. ودون وعي من الأخرى، كانت تشبث بالطفل وتشده إليها وتتراجع إلى الوراء في اندفاع، وهي تجاهد حتى لا يطرحها التيار، بينما صراخ الطفل يعلو، ويختلط بصراخ الأطفال الآخرين.هوت وردة إلى قاع الدوامة بعد أن تقصف عرق الصفصاف في يدها..
وقفت النساء في رعب رهيب وهن يحدقن إلى الماء.. وبعد قليل شاهدن الدوامة تقذف بجثة وردة فتسحبها مياه النهر أمام عيونهن.. دون أن يتمكّن من عمل شيء... ومكثن يرقبن الجثة الطافية فوق الماء في ذهول مخيف، إلى أن حدّ الظلام من مشاهدتها.. فتراجعن إلى الشاطئ يلفهن الحزن والأسى، بينما صراخ الأطفال يعلو ويعلو في استغاثات مفجعة، ولم يعد جنود الاحتلال يخيفون أحداّ! ! !
ضمت المرأة العاقر الطفل فارس إلى صدرها وطوقته بذراعيها في حنان غامر بينما صراخه يعلو ماما، ماما...
دقت اللاجئة المجنونة صدرها بالحجرين وهي تمر من أمام كنيسة العذراء، وغنّت أغنيتها بصوت حزين:
يا حسرتي حملوا وشالوا، وخلوني وحيدة..
.نزلت الدموع من عيني الأب إيليا وهو يجلس خاشعاً أمام أيقونة العذراء في كنيسة القيامة: ألا ترين ما حل بأبناء وطنك أيتها العذراء القديسة؟ إلى متى يا أم يسوع؟ إلى متى تحجبين عنا بركاتك ورحمتك؟؟
وقال الشيخ عبد الحميد وهو يجلس خاشعاً أيضاً: ربنا لا تُحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين...
أصلحت عايشة العلان من وضع جلستها فوق كيس الخيش وهي تبرم الغزلة...انحدرت دموع طفيفة من مقلتيها، وأخذت تندب بصوت بطئ حزين:
حمرا يا لهيبة وين رحتي بركابك في باب السرايا علقوا لجامك؟
حمرا ومن دبيب النمل حظيـــــتي على فراقهم ليش انتي ذليتي؟
مالك يا حمرا كبيتي في الســهــــل صايبك مسمـار ولا على الأهل؟
مالك يا حمرا كبيتي في المراح صايبك مسمار ولا محمد راح.
أثارت عايشة العلان الحزن في نفس الحاجة ذوابا ومحمد عودة. وكان محمد متشوقا للبكاء منذ لحظات.. لا مس فوهة الناي بشفتيه، وأخذ يعزف لحن النزوح.. انسابت الألحان بين ثنايا الليل.. تكسرت فوق الشعاب والتلال.. تسربت إلى بيوت القرية... فبكى كل من كان يقظاً...
1977
*************





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,051,573,819
- موتي وقط لوسيان . القصة كاملة
- مسك وعنبر وفيض مقدس ! قصة
- شاهينيات : في الخلق والخالق والمعرفة ( 23) - ( 884) في الخال ...
- جسدي بين صبرا وبسمة . قصة
- الكلب الجميل ! قصة قصيرة حقيقية .
- صلاة الفذاذة العظمى ! قصة
- السلام على محمود. أشعار في ديوان محمود درويش (لماذا تركت الح ...
- الجنرال الزعيم . قصة قصيرة
- السلام على محمود. أشعار في ديوان محمود درويش (لماذا تركت الح ...
- أبناء الله . قصة
- السلام على محمود. أشعار في ديوان محمود درويش (لماذا تركت الح ...
- شاهينيات : في الخلق والخالق والمعرفة ( 22) - ( 883) الشباب ب ...
- السلام على محمود. (1) فاتحة ! أشعار في ديوان محمود درويش (لم ...
- ألخطار. قصة طويلة
- شاهينيات : في الخلق والخالق والمعرفة ( 22) - ( 882) حوار الح ...
- العبد سعيد. قصة.
- نار البراءة . قصة في خمسة فصول !
- شاهينيات : في الخلق والخالق والمعرفة ( 21) - ( 881) حوار الح ...
- شاهينيات : في الخلق والخالق والمعرفة ( 20) في الدين والأخلاق ...
- يوم مولدي .. يوم لدمشق


المزيد.....




- نسيان.. رواية جزائرية تلخص معاناة مؤلفتها
- وزير الثقافة السعودي يلتقط -سيلفي- مع الرئيس الروسي
- ظهور جديد لفنان سعودي بعد أنباء عن وفاته
- وزير الثقافة السعودي يغرد بـ-سيلفي- مع بوتين
- انتخاب كاتب الدولة الغراس رئيسا لجماعة بنمنصور
- صدر حديثًا كتاب جديد بعنوان -قَلبى يحدثنى بأنك متلفى-
- انطلاق الدورة الثالثة من مهرجان الأقصر للشعر العربي
- أفريقيا في أسبوع
- في بابوا غينيا الجديدة.. إدمان مضغ جوز التنبول
- في بابوا غينيا الجديدة.. إدمان مضغ جوز التنبول


المزيد.....

- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - النهر المقدس . القصة كاملة