أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - النرجس يزهر في الشتاء أيضا . قصة قصيرة














المزيد.....

النرجس يزهر في الشتاء أيضا . قصة قصيرة


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali )


الحوار المتمدن-العدد: 4630 - 2014 / 11 / 11 - 01:28
المحور: الادب والفن
    


النرجس يزهر في الشتاء أيضا .

جلس قرب النافذة المطلة على ناصية الشارع القصير المؤدي في نهايته إلى حراج البلدة حيث عادة ما ينمو النرجس في أوائل الربيع معلنا قدوم الحياة للقرية , ما زال الثلج ينثر على الأرض بياضه الناصع كأنه يسقيها النقاء والطهر قبل أن تولد الحياة من جديد , ثم شجيرات صغيرة غلب عليها البياض فأصبحت كأنها أشباح لمن يراها من بعيد ,دخان السجائر يتشتت بمجرد خروجه من فتحة النافذة وأنفاس حارة متلاحقة كأنه يلهث .. أنه يرغب بالبكاء كما يرغب أن لا يحرج مع نفسه .
في الليلة الماضية كان يحلم بالثلج والريح يتلمس الجدران صوب نور من بعيد ملتفا بجسد الحبيبة وملتصقا بها حد التوحد ,كان حلما قلقا بل كان مثيرا للحد الذي وجد أصابعه قد تجمدت وهو تحت الغطاء السميك ,كثيرا هي الأحلام التي تنقل الجسد من عالم الوجود لعالم الخيال لا يفعل ذلك إلا حب صادق أو ألم حقيقي , بين الحب والألم عاش ليلته الماضية لا قرار ... لا أمل .. لكن الحب هو الحاضر في كل شيء ... الجو البارد والسكون الذي يلف القرية لم يكن طبيعيا هناك حركة تحت الصمت بل هناك ضجيج يمزق أحشائه .
صفير الريح المار من قرب النافذة يضفي جو من الوحشة وشعور بالانعزال والأنقطاع عن العالم الخارجي , صحيح أن بعض الحركة ما زالت تدب في دروب القرية , هناك أسراب من الطيور المهاجرة تمر , صوت نباح كلاب ,الدخان المنبعث من المواقد الخشبية يتسلل عبر المداخن ليدفع البرد أن لا يتسلل داخلا , حياة رتيبة ينقصها بركان من الأشواق ودفئ أجساد ملتهبة لتقتل هذا الضجر لتقتل هذا اليأس وتحيله إلى مواسم عرس ,تذكر أنه قد مر بهذه التجربة منذ زمن لكنه لا يتذكر تماما تلك التفاصيل الصغيرة ,يظن أن أسترجاع الماضي يمزق خرائطه التي صممها لغد .
قرر أن يفعل شيء ربما يلتحف معطفه الصوفي ويخرج باحثا عن زهرة قاومت الثلج ليرميها على شباك الحبيبة أو لربما يمكنه أن يصنع من الثلج تمثال صغير عيناه لا تبارحان دارها , يريد أن يقول شيء لكن الأشياء الجميلة والممكنة لا يمكن أستحضارها الآن , البرد القارص يحيل هذا الفضاء الواسع إلى سجن صغير ضيق وقاس ,فكر أن يبعث طيرا لها ينقر بابها ليذكرها أن هناك روح تفكر وقلب يخفق لها . الفكرة غبية أصلا كيف تفهم الطيور ما نتحسس من أحلام يقظة أو ربما خيالات ليس لها في الواقع من وجود , قراره أن يفعل شيء أي شيء حتى لو كان ضربا من الجنون المدقع .
عاد مرة أخرى لتفاصيل الحلم يتلمس معنى ويبحث في ثناياه عن مبرر يجعله سعيدا , لم يكن حلما عاديا كان أشبه بشريط سينما يمتاز عن بقية أحلامه أنه كان واضحا بكل ألوانه وإن طغى اللون الأبيض الشفاف , من المحتمل أنه رأي أشياء أخرى لا يتذكرها ... تذكر مثلا أن باب الغرفة الحجرية كان من خشب سميك له أصيص عندما تحرك لينفرج عن ذلك المشهد الخرافي ... أيضا كان قد رأى بعض النيران الباقية قبل أن تخمد كأنها أنفاس أخر الشتاء الذي سيودع عن قريب شوارع القرية .. أخبرها أنه يرى كل شيء لكن صمتها قطع عنه الأسترسال في قص حلمه الطويل القصير .
صمتها الغريب واحد من أسباب أزمته اليوم فهو لم يتعود منها هذه القطيعة فقد أباح لها أن تسلك كل الطرق للوصول إلى قلبه .. حتى الموت كان أفتراض ممكن لو كان فيه ما يجعلها سعيدة الموت الذي تفر منه الكائنات كان خيارا جميلا عنده , هكذا منحها التفويض بشرط أن يكون هو من يتخذ القرار ,لا يريد أن يسلخ كخروف غشيم ,شعاره الدروب التي تؤدي إلى المسالخ لم يحالفني الحظ أن أستدل عليها ,كفاني في كل مرة أكون أنا الضحية لا أريد أن أرى عيون الشفقة ترمقني , قررت أن لا أمنح رقبتي حتى للملاك الأبيض فقط تكفيني أنها تحمل جمجمة وعينين ولسان هذا كل ما في خزائني , لن أعلن هزيمتي ... سأحتفظ بآلامي في زاوية لا يعرفها حتى نبضي , صحيح ستبكي العيون ولكنني لن أموت قررت أن أحيا وحيدا مع شمعة صغيرة تشبه وجهك أيها الغائب .
نهض من مكانه كأن حاضرا قد أقبل خرج مسرعا نحو باحة الدار الواسعة ,وقف منتشي تحت سماء تهطل بالثلج والبرد يرقص مذبوحا من الأم .. من يراه يظن أن زوربا يرقص على الرمل ويغني أغنية خطرت كلماته الآن في باله ...
لا شيء أجمل من الموت حرا ...
لا شيء يمنعني أن ألتحف السماء ...
تعالي أيتها النجوم أسهري معي ...
ليلتنا طويلة والقمر غائب حتى الغد ...
هلا هيا ..
هيا هلا
القمر نائم يتسلى بالذكريات
وأنا وحيدا بين الطرقات ...
تعالي يا نجوم السماء سريعا ...
فقد أعددت لكن حساء ساخن ...
تشبه جراحاتي .







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,156,231
- فهم العلم 2
- فهم العلم
- فهم العلم 3
- النظر والتنظير العقلي
- الإنسان وقضية الحداثة
- حب في زمن العاصفة _ قصة قصيرة
- مدرسة الحسين وأفاق مشروع الحرية والعدل ح1
- مختارات فكرية
- النقد وظاهرة الأثراء والتنوع
- الأبيض يليق بالملاك _ قصة فصيرة
- الوجود الظاهر والموجود ظاهرة
- أبيض أسود
- التصنيف العقلي والديني ح2
- التصنيف العقلي والديني ح1
- العقل السوي وسلطان التعقل
- محاولة تناقض _ قصة قصيرة
- الرؤية الذاتية من الخارج
- المسير العربي بين النفق المظلم وأمل النجاة
- الخلاف والأختلاف في التقرير الرباني
- الرواية التاريخية وصياغة المشهد الحدوثي في تاريخ الإسلام وال ...


المزيد.....




- تحفظ عليها سقراط وأربكت كانت وهيغل.. هل خدر الفلاسفة الثورات ...
- الرسم على الملح.. فنان يحوّل شواطئ البحر الميت لمعرض تشكيلي ...
- تريا الصقلي تطالب بإطلاق المسلسل التشاوري بخصوص حق مغاربة ال ...
- دموع عسكري لبناني تثير حرقة بقلوب فنانين ولبنانيين كثيرين... ...
- مونيكا لوينسكي تنتج فيلما بعنوان -15 دقيقة من العار-
- مجموعة متنوعة من العروض الفنية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
- أمريكا: الملك محمد السادس يقوم بإصلاحات جريئة
- تحصن رجل في متحف جنوبي فرنسا والشرطة الفرنسية تتحدث عن تهديد ...
- رجل يتحصن في متحف بجنوب فرنسا والشرطة تتحدث عن كتابات تهديدي ...
- الحوار الاستراتيجي المغرب- الولايات المتحدة: واشنطن تشيد بري ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - النرجس يزهر في الشتاء أيضا . قصة قصيرة