أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - العجوز الحلقة الثالثة عشرة















المزيد.....


العجوز الحلقة الثالثة عشرة


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 4608 - 2014 / 10 / 19 - 17:42
المحور: الادب والفن
    



لم يزلن هناك، كل تلك العجائز المترهلات، الخَرِفات والرخوات، لم يزلن يحكين حولها. ككل ليلة، كن يتجمعن قرب النافورة، النافورة القديمة، لأنها جفت، وغدت أنقاضًا في ساحة المعدمين بالرصاص. هكذا صارت تُدعى ساحة الجمال منذ ذلك الوقت فصاعدًا، ساحة المعدمين بالرصاص، لأنها كانت مسرحًا للمسرحية الإغريقية الأكثر دموية: مائة من المحكوم عليهم بالموت غداة الحريق الكبير. شبان. كلهم شبان، صبيان. كان الحاكم يخاف خاصةً من الشبان، كل أولئك الأبرياء الذين كان يدعوهم "محاربو الغد"، كل أولئك الظباء، "المعقود لهم لواء القيادة". لم يكن يعشن على الطبيعة، كل تلك العجائز اللاتي لفظتهن الطبيعة من فمها كما تلفظ النواة، وتركتهن للموقد رمادًا. تناولت العجوز بين أصابعها جمرة سقطت من الموقد، وهي تعيد رميها في اللهب، فكرت أن النار جميلة رغم كل شيء. فركت يدها بأناة، وكأن الجمرة لم تمسها، وأضافت حطبة. كانت لهن النار، لكنهن يشعرن بالبرد. حتى في أجمل أيام الصيف، هذا البرد، برد الشياطين، لم يكنّ يستطعن طرده من أجسادهن. رفعت العجوز رأسها، وتأملت الليل القاسي البرد، وهي تقول لنفسها ومع هذا، فهي الليلة الأولى للخريف. قديمًا، كانت هناك مقهى الأقاقيا، وكانوا يذهبون كلهم إليها، رجالاً ونساءً، إلى مقهى القرية. لأجل أن يأخذوا شرابًا ساخنًا، وأن يبقوا جنب النار، لأجل أن يلتقوا قرويين فيما بينهم، وأن يحكوا قليلاً. لم يكن سيف يحب الكلام، كان عكس ما يقترحه اسمه، فينطق كلمة أو كلمتين. لم يكن شيءٌ له من المُبَاِرز، إلا أن هذا الشراب الساخن وذاك الجو "العائلي"، في ليالي الخريف، كانا ينفخان الحياة فيه، فَيُفْضِي كل ما في قلبه، كالكل. كانوا يقولون لبعضهم كل شيء: كم دفعوا ثمن حبوب البندورة لبذرها في الموسم القادم، أو بكم باعوا ثورًا صغير السن، وكيف سيباع القمح بقيمته ذهبًا هذه السنة. كانوا يتكلمون عن القمح، والشتاء لم يأت بعد، وكانوا يعتقدون بمعرفة الشيء قبل وقوعه، ويتبادلون الأسرار. كانوا يبوحون بأشيائهم الحميمة، وأولئك الذين شربوا كأسًا أو كأسين كانوا يضحكون، ويروون بصوت عال حكاياتهم الصغيرة الرذيلة في الفراش. وكانوا يضحكون، وكانوا يقهقهون، وكانوا يتمنون أن يدوم الليل. العُزَّاب، أولئك الصبية الجميلون الذين ضُحِّيَ بهم على ساحة المعدمين بالرصاص، كانوا آخر من يغادر المقهى، وكانوا يغرقون في شارع الأقحوان، شارع صغير منعزل بعض الشيء، بعيد عن النظرات الفضولية، هناك حيث كان يوجد ماخور يتجنبه كل القرويين في النهار، ويرتاده كل الشبان في الليل. العُزَّاب. هكذا كانوا يدعونهم، أولئك العشاق العابرون.
اقتربت العجوز ذات أمارات الحجر بيدها من النار، أقرب ما تستطيع عليه، قبل أن تقول إن الطقس كان حارًا جدًا في النهار، وفي الليل صار باردًا جدًا، وأن هذا لا يبشر بالخير لأول الخريف. هذا نذير شؤم. نذير شؤم؟ كان من اللازم التفكير في هذا من قبل، في نذير الشؤم هذا، قبل السقوط في برد الحياة، كان من اللازم التفكير في هذا بدلاً من الغرق في أحلام بلا جدوى. وانظرن إليها، لا تتمكن من تسخين يديها، ولا من طرد الثعبان من جسدها. محكومٌ عليها بالبرد حتى في الجحيم! سيكون الخريف قاسيًا هذه السنة، هذا أفضل! سيكون قاسيًا، سيكون طويلاً! وبالمقابل، هناك الكثير من الشجر الميت، الكثير من الحطب... ونهضت العجوز.
بعد قليل، عادت بحزمة من الحطب بين ذراعيها، وخلال لحظة تأملت اللهب المتلاعب مع ظلالهن. غَذَّتِ الموقد، فنشطت النار من جديد، وعظمت، غير أن تلك العجوز المعتوهة السقيمة داومت على الشعور بالبرد حتى العظم! ومن ناحية أخرى، كلهن سواء! لم يكن يوجد غيرها عندما يكون الطقس باردًا، من تَقنع بقليل النار، وعندما يكون الطقس حارًا، بقليل الماء. كانت الشجاعة هي ما يلزم للحد من الحاجات، والقوة للتخلي عن الرغبات.
رأت العجوز ذات مخالب الصقر فيها الشيطان الذي يهددها كل ليلة، فتوجهت بالحديث إلى جارتها التي لم تكن أخرى غير العجوز ذات دموع الملح. قالت لها إن هذه المُعَمِّرَة، صاحبة المائة عام، تريد دومًا التظاهر بأنها الأقوى، هذه المحتقِرة! وأضافت الأخرى أنها تريد التظاهر بأن كل شيء لها، الأنانية! وزايدت ثالثة أن لا حاجة لها إلى شيء، كما كان عهدها في الماضي، المدعية! أنها عاقلة! أنها متبصرة! بينا هي في الحقيقة غبية تمام الغباء! تجهل ما ينتظرها، تعتقد دومًا بكونها جميلة الأمس! لا تثقن بها، همهمت رابعة، حذار من... وهي تُعلي صوتها وتُخفضه، بلا شعور، حتى ضاعت في الصمت.
صُمٌّ بُكْمٌ!
همست العجوز ذات دموع الملح في آذانهن قائلة لهم إن العجوز، منذ هذا الصباح، تعلم أنهن لم يزلن يعملن في إقطاعة الحاكم، في البستان، كما كان من عادتهن تسميتها، إنها وجدت ورقة خضراء في شعرها. لم يسعد ذلك العجائز الأخريات، وشكوا في حقيقة أمرها. كان من اللازم أن تجعل من الفطنة رداءها، فتلك العجوز المئوية قادرة على فعل كل شيء في سبيل أن تمنعهم من تشغيل شيخوختهم حتى الرمق الأخير. فجأة، أحسسن بالضياع. كن خائفات فجأة من أن يجدن أنفسهن أمام أنفسهن. كن يغششن، كن يكذبن، كن يُزَوِّرْنَ. كن يتظاهرن بأنهن انتهين. كن يرتكبن الجنح ضد الأخلاق. وفي الوقت الحاضر، كن يشعرن بالحاجة الملحة إلى من يُشَدِّد عزمهن، كطفلات يرمين إلى إخفاء ذنوبهن. آنذاك...
العجائز معًا:
- وجدت ورقة خضراء على رأس أكثرنا غباء، ورقة شجر سعيدة، لسنا ندري... تعيسة! اسمعن، يا العجائز الغبية! لتكن لكن روحٌ ذكية! عليكن المشط قبل مغادرتكن، مشط شعركن بِمُشْطٍ دقيقِ الأسنان!
العجوز ذات دموع الملح:
- وكل الأشجار الخضراء تكون لنا... أريد القول كانت لنا، يوم كانت لجميلة.
العجوز ذات مخالب الصقر:
- جميلة، جميلة، جميلة! مللتُ جميلة! انظري إليها، أبشع من كل الشياطين! شيطان الموت هي! لنطالبها بحمل كل شيء، تخوفاتنا، تألماتنا، تكدراتنا. تقول عن نفسها الأقوى، فلتحمل كل شيء. الحر والبرد، الجوع والظمأ، هذا أفضل! لتأخذ كل هذا معها!
بدا على العجوز فجأة أنها تفقد كل قواها، فتأوهت، وكما لو كانت تكلم نفسها:
- أستطيع أن أتحمل كل شيء، الحر والبرد، الجوع والظمأ، الملح والدغام، لا العياء، ولا التعب. آه! كم أَصْبَحَت ضعيفة تلك القوية التي كنتها. منذ بعض الوقت، أشعر بالتعب، بالعياء! صدقوني أنا، لا تصدقوا جميلة. دفعتنا جميلة إلى إسكات ما علينا قوله، أنا، أنتِ، أنتِ، وأنتِ، وأنتِ، وهي، وهي، وهي.
وجدت العجائز ما يبحثن عنه من تعزية، لأنها هي أيضًا كانت تكذب:
- تشعر بالتعب والعياء، وهذه هي المرة الأولى التي تعترف فيها. حتى أنها تقول إنها تعبة جدًا، عَيَّة جدًا، وهذه هي المرة الأولى التي تقول فيها، كما لو كان ذلك في مأتم. وتتأوه! بلا متعة! كدر متعة دفينة. آه! يا خانقة الأوراق المسكينة...
- لكن لا يلبث هذا أن يذهب، ثم يعود، وهكذا إلى ما لا نهاية... كنت أكذب كي أعطيكن الشجاعة على الرفض، على الامتناع، على مواجهة الشياطين الفعليين، على إيقاف البكاء! على ألا تشاركن، يا عجائز الناس، في النشاطات الخسيسة للشابات من الناس، على هجر أوهامكن، فاصرخن صراخ الخائف بدلاً من أن تهمسن همس الذليل! لم أشأ سوى إنهاض أجسادكن.
- أجسادنا المدعوكة بيد الزمن غالبًا ما تكون ناهضة، كل نعاس العالم لا يكفيها! لا فائدة هناك!
- لا فائدة هناك! إذن فلأُنهض النجوم الغافية، وأنا أحكي لها حكايتي التي لن تنساها جميلة أبدًا. ليس أنتن. حكايتها، تلك التي سبقت حكايتي، أتركها لكن. أترك لكن هذه الحكاية التي تحكونها لأنفسكن في أسوأ لحظاتكن، وبها تقتنون كل متع العالم. حكايتي، حكايتي الفظيعة، تُنهض حتى النجوم التي لا نراها. أقول تُنْهِضُ، أيتها البلهاوات، لا تُرْقِدُ. هي، ربما، ستفهم.
وهذا الصمت المضني، وهذا الصوت المنبثق من كل مكان ومن اللامكان:
- كان يوم الحصاد، كان... منذ زمن بعيد عنا. لم أزل أرى ذهب القمح المائج في حقلنا. عملنا طوال نهار كامل، أنا وسيف، بالمنجل. جمعنا ضُمم القمح في المستودع، وكان علينا، أن نبدأ الدرس في صباح الغد. كان من اللازم ختن الصغير لخلط دمه بالأرض، التي كانت كريمة معنا، وكان ما كان. في اليوم التالي، عاد سيف إلى البيت تعبًا. وفي المساء، بقي زوجي لفترة، وهو ينحني على رضيعنا الذي أنمناه. "أريد أن أرى وجهه وعيناي مفتوحتان وعيناي مغلقتان"، قال لي. أحطت كتفيه بذراعي، ورأيت نظرته، نظرته الحالكة. نظرة حالكة وغائرة. هوة تحسدها جهنم. أخذني من ذراعي، وجذبني إليه. توجعت، وتركتني له. "اسمعي، قال لي، أنا قلق من أجله، لا أدري لماذا." ابتهلت إلى الرحمن الرحيم، ولم أجرؤ على قول إن نظرته، كل تهديد الوجود يأتي من نظرته دون أن يعلم، حبيبي سيف، حبيبي المسالم سيف، حبيبي زوجي الذي يُرثى له! عانقته، وأنا أرتكب خطأً قاتلاً. لينسى قلقه، دعوت جسده إلى التحرر، وتركت روحه ترقد. ليس الأمر نفسه معكن، فأرواحكن ميتة، وأنتن لا شيء غير خيالات... قليلاً فيما بعد، سمعنا طرقات عنيفة على الباب وصيحات رهيبة. كان تنين النار يزحف في المستودع حيث توجد أكداس الذهب والضوء، كل تعبنا، كل حياتنا. خففنا إلى اللهب لنسوطه بجريد النخل، إلا أن طلقاتٍ ناريةً دوت من أعماق الظلام، وهي تزرع الموت زَرْعَ اتفاقٍ ومقامرة. عدو. عواء. الكثير من القتلى في تلك الليلة: فقدتُ طفلي وبنتين من بناتي واختفى زوجي في النيران. اختفى زوجي... اختفى...
هذا كل ما هنالك.
كانت النجومُ بصمتٍ تصغي. النجوم، العجائز. كن يصغين بصمت. تلك النجوم، تلك الأرواح التي ظَنَّتْهَا ميتة. وذلك الحاجز الخفيّ الذي يرتد عنه الصوت:
- حكاية غريبة، حكايتها! أرادت إنهاض الجسد إلا أنها أنهضت الروح!
وبروح يقظة، ابتعدت أول عجوز عن النار، واعتزلت عن العالم. قالت بهيئة مُكْتَرِبَة:
- أذكر كل شيء، نعم: الحريق، الموت، الأضاليا. كان ذلك فظيعًا! يوم النار الكبرى ذاك، كان رهيبًا! كنا ندعوه هكذا، يوم النار الكبرى. لأنها كانت نارًا كبيرة جدًا قلبت حياتنا. لكن...
- لكن ماذا؟ طلبت العجوز بصرامة، لا يوجد لكن.
- لكن قبل النار الكبرى...
- قبل قبل، وبعد بعد، الآن يبدأ برقصة النار الكبيرة التي بقيت مشتعلة على الدوام!
- قبل النار الكبرى، كان الحصاد، ضُمم القمح، الأغنيات، وكل الفصول كانت لنا كلنا. كان لنا كلنا ذلك الوقت السعيد، كان لنا كلنا ذلك الزمن العظيم، كانت لنا كلنا ساحة الجمال، مقهى الأقاقيا، نهر الشهوة، أشجار التوت، أشجار الكستناء...
علت خفيفة، استدارت حول نفسها، ناسيةً الليل والبرد:
- كانت تحت شجرة الكستناء، في شارع الأقحوان، قبلتي الأولى، غزلي الأول.
قلدت عجوز ثانية العجوز الأولى، بنفس الحركات الجذلة:
- كانت عند قدم وردة بيضاء أول صلاة لي، أول إجّاصة لي، أولى قطوف العنب!
وثالثة تقلد الثانية، ويذوب البرد والليل تمامًا تحت الشمس السوداء للذكريات:
- كان الشرف والفخر أبًا عن جد، احترام الكل لنا، من نهر الشهوة إلى البحر الكبير! كان الزمن بلا مشاكل، الصور بلا مرايا! كان ما كان لما كان التاريخ لنا! نحن، أبناء أعظم المعارك، أعظم الأعمال، أعظم الحضارات. آه! يا لها من متعة، متعة التفكير في كل هذا! يا له من سحر، سحر ذلك الزمن القديم!
مع سماعها للأخريات، بدت عجوز رابعة مسكونة بمتعة قصوى أقرب إلى الشَّطْحِ والانتشاء:
- نعم، أنا أيضًا أذكر كل هذا، مع كل ذلك الهديل، مع كل ذلك الطنين، مع كل ذلك الحفيف، ذلك الهفيف، ذلك الهسيس، وتلك الرعشات اللطيفة! ومن ناحية أخرى، أشعر، في كل لحظة، بأصغر ارتعاش من أكبر سعادة، دون أن أنساه أبدًا.
العجوز ذات دموع الملح:
- هذه السعادة الكبيرة جدًا وهذا السبب السحري لوجودنا يمتزجان بالندم وتأنيب الضمير، لأن الحكاية الحزينة لعجوزتنا ليست مما لا يفطن إليه أحد، حكايتها تمسنا جميعًا، لكنها ليست الوحيدة، حكايتها تشبه أخرى، وليست أيها، حكاية دمع ودم.
أحست العجائز الأربع بالبرد بغتة. حكاية أخرى؟ هناك إذن حكاية أخرى؟ هناك إذن حكايات أخرى تُزْعِجُ الإزعاجَ نفسَهُ وتُتْعِبُ؟ ها نحن نعود إلى ذلك العياء المُعْلَن، إلى ذلك الذنب الخفيّ. وَعُدْنَ إلى الجلوس قرب النار، فالخزي لمن أساء الظن:
- حكاية أخرى، نعم، لا كباقي الحكايات... حكاية رهيبة، حكايتها! فلنسمعها، حتى ولو فاجأنا الفجر، حتى ولو اكتمل الليل. فلنسهر كما لو كانت الليلة الأخيرة من حياتنا...
- غداة النار الكبيرة بدأ التدمير الكبير، روت العجوز ذات دموع الملح، كان الطفل فينا الذي لم يقبل الخضوع بسهولة، هذا الطفل الغبيّ. كنا نسمع جميلة، وهي تبكي، ونحن كلنا، بناتٌ وصبيانٌ، نذرف الدموع الأكثر حرقة، الأكثر مرارة. كانت لأخي سنوه السادسة عشرة، كان ولدًا، لكنه كان يعتبر نفسه المسكين جالوت، أو لست أدري من. كان ذلك بدافع العجرفة أكثر من دافع الوطنية. فلاح ذو ستة عشر ربيعًا لا يرى فرقًا بين شجرة زيتون شيخة وشجرة زيتون شابة. الأهم لديه هو الجني: أن يعرف إذا ما كان الجني جيدًا أم سيئًا. هذا هو وطنه، وفرة المحاصيل أو قلتها. هذا المتعجرف، بدافع احتقاره للعدو، وليروي غليله، هوس المقاومة لديه، أخذ بندقية الصيد التي لأبي، وأطلق عيارين ناريين من النافذة، وفي الحال سقط بربريان ميتين. وجهنم البارحة عادت تشتعل من جديد، كل أفراد أسرتي أُعدموا في الحال مع كلابنا الثلاثة. أنا، تركني الجنود لحالي، لأشاهد تدمير بيتنا، ثم تدميري، احتضاري البطيء. فأنا كنت جميلة كوردة دمشق، وكان علي أن أدفع ثمن تهور أخي الصغير، كما لو كانت الجريمة التي ارتُكبت في حق أخوتي وأخواتي، في حق أبي وأمي، لم تكن كافية. الجريمة، العنب الأسود، الجديلة الشقراء. كان عليّ أن أعوض بجمالي كل تلك الفظائع، كل تلك القبلات، كل ذلك الحرير، فأخذني أولئك البرابرة الأقوياء عند الحاكم ليقرر مصيري، مصير كلبة، مصير سوار. باسم ربه، على كل شيء الخضوع له. الخضوع. كل شيء. وعندما أقول كل شيء يعني كل شيء: حتى الثعبان، حتى العقرب، حتى الصراصير أو الديدان. وليشعر بنفسه سيدًا على كل شيء، كان يعامل الإنسان كالحيوان بقسوة. كانت رحمة العسل كما يفهم. حتى عندما يحب، وكانت تلك حالي. أحبني بالشكل الأكثر غِلظة، الأكثر بهيمية. كان يشتهيني ببهيمية، بهيميته "الإنسانية"، كما لم يتوقف عن ترداد ذلك في أذني، عن إهراق العطر على ثديي. كان رجلاً في غاية الوحشية، باختصار بربريًا! كان شبقيًا، داعرًا، منحرفًا، ساقطًا، وفي الوقت نفسه نبويًا، إلهيًا، سماويًا، لازمنيًا! كنت فريسته. كان يلتهمني كل ليلة، الوحش، فذوى جسدي، واختفى جمالي، بريقي، شبابي. ذبلت الوردة التي كنتها، وغدوت دميمةً وعجوزًا، غرابةً، حلمةً لا تتقن العض، وداومت على فعل كل شيء دون إرادةٍ للتمردِ عليه...
قطعت كلامها، ثم، بعينين ثابتتين:
- ... إلى حد الآن!
تابعت، وهي تزفر:
- رغم ضعفي، رغم احتضاري الطويل. نعم، أموت ببطء. آه! كم أتألم!
بكت العجائز:
- آه! كم أتألم!
آه! كم كانت الحياة قاسية معي!
كانت قاسية، كانوا لا يشفقون!
آه! كم يطيل الموت أخذي بين ذراعيه!
موت كسول، حياة قاسية!
ربي، أرحني...
وترنحت، تلك التعيسات، في عجز العمر، بين الموت والحياة. أمس، لا أبعد من أمس، كن يخفن من الموت. اليوم، هن يتمنينه، وبأسرع ما يمكن. سر السنين، فكرت العجوز. أما عنها، إذا ما دفعت الموت بعيدًا عنها، هذا الموت العادي لكل شخص عادي... أو إذا ما أخرته قليلاً، كان في الواقع الفعل الوحيد الذي أرادته ونجحت في تحقيقه. النجاح في سنها؟ لا جدية في الأمر. بالأحرى غرابة. هي، على الأقل، لم تعد في خدمة هذا البربريّ. هذا الإلهيّ. سيد الثدي والساق. ومع ذلك، ترى جيدًا كيف يقتلن أنفسهن في خدمته...! ولا أقل شفقة في قلبه. لو كن بقرات أو كلبات لأعفاهن لباقي أيامهن. حركت العجوز بعض الحطب في الموقد، ودندنت: حرقوني! بناري، في موقدي! كالأعشاب الجافة، حرقوني! لم يذهب سعيها عبثًا، اشتعلت الظلال، ظلالهن، ظلال تلك العجائز الضائعات دائمًا.
- آه! كم أتألم!
آه! كم كانت الحياة قاسية معي!
كانت قاسية، كانوا لا يشفقون!
آه! كم يطيل الموت أخذي بين ذراعيه!
موت كسول، حياة قاسية!
ربي، أرحني...
أعلنت العجوز التي بحثت عن ظلها وفي النهاية وجدته:
- لم أعد أتألم، أنا.
بما أن جسدها القديم لم يعد في خدمته، ذلك الجذع المستبد، لم تعد تتألم. هذا لا يكفي إذا ما أراد المرء التحرر، قالت العجوز لنفسها، إذا ما أراد الطائر التحليق. حدقت في النار، وعادت ترى وجهها الشاب. لكن الماضي، الماضي الرهيب، لم يتأخر عن حجب صورته، فانبثق من النار وجهها القديم المتهدم. النار... كالمرآة، تُضَخِّمُ الهامات السوداء التي تداوم على التألم. هي، هي لا تتألم، لا تتألم. ربما كانت تتألم، ولكن أقل من العجائز الأخريات. أقل أو بشكل مختلف. لم تعد تتألم الألم ذاته الذي كان لها. ما الألم لشخص مئوي السن عرف كل أنواع البؤس؟ الأقاقيا؟ في السابق، كانت تشعر بألمهن، كانت تعيشه كما لو كان ألمها، كانت تعتبرهن كأخوات، وتعيش المساواة في الألم. وفي الأزرق؟ ليس بعد. يجب أن ينهين كل هذا. كل هذه الوجوه المدعوكة، هذه الأقنعة المختومة بخاتمِ لحظةٍ طويلةٍ تدور وتدور منذ قرون. كل هذه الأفواه التي لا تعرف سوى النواح، سوى الشكوى، التي لا تعرف سوى بصق التأوهات، الشَّكاة. يجب أن ينهين كل هذا، وبسرعة. بعدما انتظرن الكثير، وقبل أن يكون الوقت متأخرًا. نعم، على الرغم من عمرها، أملها، أملها الغامض في حفيدها أعاد لها عمر جميلة. لها عمر جميلة في رأسها. عمرها الجميل. جميلة الجميلة. ورأتها، وهي تجلس إلى جانبها، وهي تبتسم، وهي تحني رأسها برقة.
حسبت العجوز نفسها في عالم آخر غير عالم تلك التمساحات الدرداءات اللاتي يبكين، فقالت مشددة على كلماتها:
- لم نكن متساويات، أرامل وعذارى، إلا في البؤس! يجب أن نكون حرات ومختلفات في الرخاء.
أي رخاء! كان يكفي النطق بهذه الكلمة الممنوعة في الوقت الحاضر ليشعرن بالعار. وذلك الألم الذي يطاردهن، وتلك الدموع، وذلك الندم. عوت الأمنيات، فانفجرت إحداهن:
- كان من اللازم...
ثم سكتت، دون أن تحتمل الصمت. نعم، كان من اللازم، كان من اللازم، كان من اللازم، ألف مرة، ألفي مرة، وربما أكثر، مائة ألف مرة "كان من اللازم". لعقها الموت بلسانه، فارتعدت من الخوف والذعر:
- كم الليل دامس!
لم تدرك إلا الآن أن الظلام شديد – ومع ذلك كان الفجر على مرمى حجر-، وأنها تخشى العودة إلى بيتها. الخوف، الخوف الحقيقي. خوف غير ما هو عليه في رأس عجوز بلهاء. الخوف من الوجود ذاته، وليس الخوف من الوجود. الخوف من الذهاب إلى كل مكان، من التنزه في الحلم. فيما مضى، لم يكن الليل يخيفها، رغم أنها لم تستطع النوم أبدًا ملء جفنيها خلال أعوام. ومع ذلك، كان يحصل أن تنام في الماضي، خلال شبابها. الشبابُ الجَذِل! كم هو حلو أن تكون شابًا! حلو بمرارة السكر! كانت تعتقد أنها لن تذوى أبدًا، أنها لن تشيخ. وفي كل ليلة، قبل النوم، كانت تمص قطعة سكر أو قطعتين مسقيتين بماء الحياة. قالوا لها إن لذلك فعالية ناجعة ضد الشيخوخة لكن... لكنها شاخت كالآخرين.
الآخرون! الآخرون! الآخرون، حكاية أخرى. الآخرون، هم الآخرون، السعداء. الأفواه. وهُنّ، هُنّ، التعيسات. الأثداء. شيء مُسَلٍ كل هذا! نعم، مُسَلٍ! مُسَلٍ ومحزن... حتى البكاء! كن شابات والقمر وردة بيضاء هائلة على مقربة من أيديهن. كن شابات ونديات، لكنهن لم يستفدن من حياتهن. لم يكن أنفسهن، حتى في ذلك الرخاء اللعين. لم يغدون ملكات... ثم، لم يتخيلن أن يجدن أنفسهن وحيدات يومًا كفأس مهجورة.
- كم الليل شنيع وكم هو جليديّ!
- اقتربي من الموقد.
- انطفأ الموقد.
- آه! يا إلهي! كم البرد شديد! اشعلي لنا نارًا، أيتها العجوز! أين ذهبت العجوز؟
وهذه الصرخات التي تمزق الليل... وهذا الدم الأسود الذي يتألق.
- أيتها العجوز!
- لقد ذهبت.
- تركتنا لقمة سائغة في فم القدر، وذهبت؟
- أين ذهبت؟
- ذهبت دون أن تقول لنا وداعًا!
وأيضًا هذه الصرخات التي تجتاح البرد والليل... وهذا العنب الأسود الذي ينضج.
- أيتها العجوز! هيا، تعالي! أشعلي لنا نارًا! أنت من لديك الحطب.
- اختفت دون أن تقول لنا شيئًا.
- يا إلهي، آه! يا إلهي! احمنا من البرد!
- ومن الليل.


يتبع الحلقة الرابعة عشرة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,358,316,392
- العجوز الحلقة الثانية عشرة
- العجوز الحلقة الحادية عشرة
- العجوز الحلقة العاشرة
- العجوز الحلقة التاسعة
- العجوز الحلقة الثامنة
- العجوز الحلقة السابعة
- العجوز الحلقة السادسة
- العجوز الحلقة الخامسة
- العجوز الحلقة الرابعة
- العجوز الحلقة الثالثة
- العجوز الحلقة الثانية
- العجوز الحلقة الأولى
- العجوز مقدمة الطبعة الجزائرية
- العجوز مقدمة الطبعة الفرنسية
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة
- موسى وجولييت الفصل الرابع والثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الخامس والثلاثون والأخير
- موسى وجولييت الفصل الثاني والثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الثالث والثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الحادي والثلاثون


المزيد.....




- صحفية إسبانية مشهورة تكشف فبركة القناة الرابعة الإسبانية لر ...
- اللغة الأمازيغية تثير ضجة كبيرة بعد قرار طباعتها على العملة ...
- مجلس الأمن الدولي يرفض إضافة مسألة قانون اللغة في أوكرانيا إ ...
- من هو فولوديمير زيلينسكي الممثل الذي أصبح رئيسا لأوكرانيا؟
- الرسم بالرمل: فن وهواية ووسيلة للعلاج النفسي
- يهم السائقين.. تعديل جديد في مدونة السير يتعلق بالبيرمي والد ...
- الكوميدي الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ينصب رئيسا لأوكرانيا
- في تونس.. مؤذنو المساجد يصقلون أصواتهم بمعهد للموسيقى
- الامتحانات: أفضل النصائح التي تساعدك في تحقيق أحسن النتائج
- لعبة العروش: ردود فعل متباينة على حلقة الختام


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - العجوز الحلقة الثالثة عشرة