أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف المساتي - أحاديث مع فتاة نت: 2 (الراوي)














المزيد.....

أحاديث مع فتاة نت: 2 (الراوي)


يوسف المساتي
الحوار المتمدن-العدد: 4601 - 2014 / 10 / 12 - 10:08
المحور: الادب والفن
    


تقدم الي ببطء، وقد نحل جسده، وثقلت خطوته على غير عادته، ذلك أنه كان معروفا بخفة حركته وسرعة خطواته، ما كان مبعث مداعبتي له أحيانا كثيرة، وكثيرا ما كان معارفه ينادونه "بالقطار"، بيد أنه هذه المرة يبدو على نقيض ما اعتدته منه، بوجه شاحب كالقمر، ولحية كثيفة كسته كأشجار غابة استوائية لم تمتد إليها يد البشر بعد لتفتض بكارتها، كان منكسرا انكسارة جندي منهزم في معركته الأخيرة، وفي الآن نفسه يحاول ان يخفي ما يعتريه لكن جسده وحركاته يتمردان عليه ليقولا نيابة عنه انه يحتضر صامتا.
نظر الي نظرة يتيه المرء داخل ما تحمله من معاني، وما تحتويه من أسرار ومن أحزان، وابتسم ابتسامة ميت في جنازته، ثم صافحني بيد ثلجية، وإن أحسست به وقد علته حرارة غير طبيعية، قبل أن يمد إلي رزمة من الأوراق وقد سرت في يديه ارتعاشة غريبة، وشعلة حزن لمعت في عينيه منكسرة
- خذ، هذا انا، لقد عرفتني، لكنك لم تعرفني، وهنا ستعرفني، وان كنت لا زلت اسال نفسي هل عرفتها؟؟ ام عساي لم افعل؟؟
كان صوته متهدجا، يملؤه الحزن، كأنما يحمل جبلا من الاحزان على ظهره، او لعلها صخرة سيزيف كما كان يحلو له ان يقول عن نفسه في لحظات مكاشفة قليلة، حاولت ان استوعب كلامه، اعدت ترتيب جمله، واعتقدت في البداية انها لوثة قد اصابته من فرط عزلته عن الناس، حتى صار غريبا عنهم وربما عن نفسه، وقبل ان انبس بكلمة، عاد ليبتسم ابتسامته الميتة، كما لو ادرك ما يدور بخلدي وتلك الزوابع التي خلفها كلامه
- اعلم انك لا تفهم، عندما تقرا ستفهم كل شيء، قد تشفق علي، قد تسخر مني، لا اعرف؟؟ كل ما اعرفه اني اترك معك مضغة مني، اصنع منها شخصا اخر، يكون انا ولا يكونه في الان ذاته، يكونني بأفراحي، بذكرياتي، بآلامي، بانكساراتي، بنجاحاتي، لكن لا تجعله بنهايتي، انا الان راحل قد اعود، وقد لا اعود، لكن ارجوك لقد فشلت في كل شيء فلا تجعل الفشل يطاردني قدرا ملازما لي، اعد تشكيلي من جديد، اخلق شيئا مني لا يكونني في الان نفسه
قبل ان استوعب كلامه او افهمه، صافحني بيده الباردة، واستدار ليغيب وقد ترك زوابعا في راسي لا تعرف الهدوء، ويم من الظنون يلقيني بين امواجه العاتية في كل اتجاه، وبين يداي رزمة من الاوراق، احسستها تحمل من الاسرار ما ناءت به الجبال، واسطرها قد تكشف بعضا من اسرار هذا الكائن.
صحيح اني عرفته منذ مدة طويلة، لكني احيانا كثيرة كنت احس اني لا اعرفه، فهو قليل الكلام لا يتجاوز ابتسامة خفيفة، وبضع كلمات، يظهر حينا، ويختفي احيانا، وبداخله علبة مغلقة من الاسرار التي لا يعلم كنهها الا صاحبها، مهما حاولنا اقتحامه كنا نجد امامنا جدار اسمنتيا يأبى ان يسمح لاحد بالعبور له.
عوالم دارت في راسي، وتهت في خرائطها المبتورة، وجغرافيتها المفتقدة لأي عوالم، فقررت ان اخوض غمار التجربة واعتكفت على تلك الرزمة علي اقرا خارطة صديقي واعيد اكتشافه من جديد، كانت اوراقه متنوعة، مختلفة، كأنما كتبها اشخاص عديدون، او هي ذوات كانت تسكن صديقي، لا رابط بينها الا الاحمر القاني، اللون الذي كتبت به الاوراق.
خاب ظني، فقد ظننت تلك الرزمة تفك بعضا من شفرات صديقي، فاذا بها تدخلني في متاهات لا تنتهي، دب الياس قلبي واستنكفت عن قراءتها او اكمالها، لكن تذكرت رجاءه، تساءلت ايكون كل ذلك مجرد لوثة ام ان في الأمر ما فيه، قررت المحاولة من جديد، اعدت تركيبها من البداية، وفجأة، بدأت سحب الحيرة التي خلفها في راسي تنجلي، واقتربت صورته مني حتى بدأت اتقمصه احيانا، وانطق بلسانه احيانا اخرى، وافكر بعقله، كأنما حلت في، او انا من حللت في رزمة اوراقه، مكتشفا عوالما تجول بداخلي قبل ان تكون بداخله.
اني اعترف، وانا اعيد ترتيب اوراق صديقي، اني اجد نفسي تنسل اليها رغما عني، او لعلها رغبة دفينة كانت تتطلع الى الانعتاق، فجاءت فرصتها لتنعتق في رزمة صديقي، وقد وعيت آنذاك لماذا تركها عندي، وقررت ان اصنع من مضغته شخصا اخر، انا هو، وهو صديقي، وصديقي هم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,796,945,232
- وطن المحسودين
- البونية وخطاب الملك
- أحاديث مع فتاة نت: 1 (ما قبل البداية)
- مقاربة أولية للإشكاليات المرتبطة بزراعة القنب الهندي
- في انتظار الموت
- لماذا نغضب؟؟
- سيدي صاحب المقام العالي
- ترانيم على قبر الأمل الميت
- مشاهد على هامش عيد الأضحى
- اللغة العربية والقداسة وسؤال البقاء
- تعقيبات على التعليقات الواردة في المقال المعنون ب:- رد على ا ...
- أسامة بلادن: انتهى تاريخ الصلاحية
- رد على السيد شاهر الشرقاوي: عفوا ولكنه قيد وجمود
- عملية اركانة والقاعدة: لماذا؟؟
- 20 فبراير..لوبيات الفساد: المواجهة القادمة
- بضع مئات..بضع آلاف..مئات الآلاف..كرة الثلج تكبر
- عن الحجاب مرة أخرى (2): من التراث الوثني إلى الخلط بين الحجا ...
- عملية أرغانة و20 فبراير: التحد المستقبلي
- عن الحجاب مرة أخرى
- المسلمون والقران والتراث ج.1


المزيد.....




- انفجار في بنغازي قرب موقع فنانين مؤيدين للأسد
- مجلس النواب يعقد جلسة عمومية للأسئلة حول السياسة العامة
- بطرسبورغ.. إبداع غير مسبوق بالرمال
- الشاعرة نور نصرة: الموت في سوريا يتدحرج من سفح الجبل ليهبط ع ...
- رسميا..مزوار يقدم استقالته من جميع دواليب حزب الحمامة‎
- أحلام تتصالح مع نوال وتطوي خلافاتها مع الجميع
- فنانة مصرية تؤكد علمها بمقلب -رامز تحت الصفر-... لكنها نطقت ...
- نور طلال نصرة في :-جدران عازلة للصوت-
- -هيا إلى الإنسان-... رؤية فلسفية للاتجاه الآخر فينا
- انفجار في بنغازي يستهدف فنانين مؤيدين للأسد


المزيد.....

- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف المساتي - أحاديث مع فتاة نت: 2 (الراوي)