أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير إبراهيم خليل حسن - ما هو سبيل اللّه ؟















المزيد.....



ما هو سبيل اللّه ؟


سمير إبراهيم خليل حسن

الحوار المتمدن-العدد: 1289 - 2005 / 8 / 17 - 11:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كلمات مهملـة

ٱلقمر فى هٰذه ٱلَّيلة أكثر إنارة وأكثر جمالا مِّن أىِّ ليلة عرفتها. وصوت ضفادع ٱلماۤء ٱلمنبعث من ٱلسَّاقية أكثر قوة وأكثر إثارة لِّلنَّفس ٱلتى تدرى وترىۤ أنَّ ما تفعله تلك ٱلضفادع هو حماية ٱلناس من ٱلأخطار ٱلتى يجلبها لهم عض ٱلبعوض. أمَّا نسمات ليالى حزيران فى هٰذا ٱلعام فهىۤ أكثر لطفًا مِّن أىِّ وقت مضى. وليالى ٱلرِّيف ٱلمقمرة تبعث فى نفوس ٱلزآئرين راحة وسكينة.

هٰذا ٱلشعور بٱلوجود وجماله ملأ نفسى من بعد سماعى خبرًا عن وصول كاسينىۤ إلى كوكب زحل ذو ٱلحلقات ٱلبعيدة فى ٱلسَّمآء. وقد بدأت عيناىَ ترسل بصرهاۤ إلى ٱلسَّمآء ٱلسودآء ٱلتى تتلألأ فيها ٱلنجوم لعلَّه يلتقى بكوكب زحل ٱلَّذى دخلت كاسينى فى مدار حوله من بعد أن نفذت فى ٱلسَّمآء 2.2 بليون ميل. وهى ٱلتى كانت قد بدأت رحلتها منذ سبع سنوات قبل وصولهاۤ إلى مداره فى 30 حزيران من هٰذا ٱلعام.

لقد نفذ نظر ٱلعلمآء إلى مكان بعيد فى ٱلسَّمآء عن أرضنا ٱلتى نحيا ونعيش عليها. وأكثرنا لا يهتم بخبر كاسينى. ولا بما يصدر عن علمآء ٱلتكوين من بيان. وسبب ٱمتناعنا عن ٱلاهتمام بٱلأمر هو مناهج ٱلتعليم على ٱختلاف درجاته. ٱلتى تجعل قلوبنا ترىۤ أن ٱلعلم لاۤ أهمية له فى حياتنا. وأنَّ ٱلخبز وحده هو ٱلذى يستحقُّ منَّا ٱلاهتمام. أمَّا ما جآء فى كتاب موسى من أنَّه:
"ليس بٱلخبز وحده يحيا ٱلإنسان" 8 تثنية.
فيجرِّمه* ٱلذين يحتكرون مناهج ٱلإيمان من مفهوم ٱلعلم. ٱلذى يشير إليه ٱلقول:
"بل بكلِّ ما يخرج من فم الرَّبِّ يحيا الإنسان" 8 تثنية.
وهم يزدرون بٱلخطاب ٱلعربى:
"يَٰمَعشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِن ٱستَطَعتُم أََن تَنفُذُواْ مِن أَقطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ فَٱنفُذُواْ لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلطَٰنٍ" 33 ٱلرَّحمٰن.
كماۤ أنَّهم يزدرون بٱلسؤال وٱلبيان ٱلعربى:
"ما لكم لا ترجونَ للَّه وقارًا/13/وقد خلقكم أطوارًا/14/" نوح.
وهم يرجمون بتهمة ٱلكفر جميع ٱلَّذين ينشرون بيانات عن تطور ٱلخلق ٱلمكوَّن. وهم ٱلَّذين يعملون على منع ٱلعلم من ٱلتطور بفعل مواصلة ٱلنظر كماۤ أمر ٱللَّه فى بلاغه ٱلعربى:
"قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلقَ"20 ٱلعنكبوت.
وهم ٱلَّذين يوقفون بٱسم ٱلدين ٱلذى يتوهمون. وبٱسم ٱلأخلاق ٱلتى يصنعها جهلهم. فيمنعون ٱلسير فى ٱلأرض ومواصلة ٱلنَّظر وٱلبحث فىۤ ءايات عديدة. وهم حتى فىۤ أكثر دول ٱلأرض علمًا ٱستطاعوا منع ٱستنساخ ٱلبشر إلى ٱلأن. كما عطلوا مواصلة ٱلبحث فى ٱلمعالجة ٱلجينية وٱلجزعية بٱسم ذٰلك ٱلدِّين ٱلَّذى يتوهمون.
أصحاب هٰذا ٱلدِّين وهٰذه ٱلأخلاق هم ٱلمترفون فى كلِّ مكان مِّن أرض ٱللَّه. وهم أصحاب ٱلأموال ٱلمخزونة فى ٱلبنوك ٱلتى تربو بٱلربوٰا ٱلَّذى يحرِّمه تعليم ٱللَّه للإنسان:
"وأحلَّ ٱللَّهُ ٱلبيعَ وحرَّم ٱلرِّبوٰاْ"275 ٱلبقرة.
وهم ٱلَّذين يشرِّعون أساليب ٱلمكِّ لأموال ٱلناس (إكراه ٱلناس على دفع ٱلضراۤئب). وقد ٱحتكر هؤلآء ٱلدِّين فى بلاد كثيرة ومنها بلادنا. وٱحتكروا معه حقَّ ٱلعيش وحقَّ ٱلحياة. وأقاموا جميع ألوان ٱلحواجز على سبيل ٱللَّه. وهو ٱلممرّ ٱلسَّالك ٱلَّذى يسير عليه من يريد من ٱلناس ناظرًا باحثًا كيف بدأ ٱلخلق. من دون عوقٍ لَّه ولا منع ولا موقف مستبدّ على خيرته. وبٱلسير على ٱلسبيل تتحدَّد مسئولية ٱلفرد عن موقفه ٱلَّذى يتوصل إليه من بعد نظره وبحثه.
ولكى يكون ٱحتكار هؤلآء مأمونًا ٱحتكروا وحرسوا مناهج ٱلتعليم. وقد أمَّنوا علىۤ أنَّ ٱلتعليم يبعد ٱلناس عن سبيل ٱللَّه ويبعدهم عن حبِّهم ٱلعلم وبياناته. وقد ٱستطاعوۤا أن يفصلوا بين بيان ٱلعلم وٱلناس فى كلِّ مكان. وترى ٱلغبار فى ٱلمكتبات يعلو كتبها ٱلعلمية ٱلمعروضة للبيع. ومجلات ٱلعلم لا يشتريهاۤ إلا عدد قليل من ٱلناس. أمَّا كتب ٱلسَّلف وٱلأبراج وٱلأطعمة ٱلملونة وٱلأزيآء ٱلنَّسوية فهى تروج كما يروج ٱلخبز ٱلمنخول ٱلَّذى لا نفع من أكله إلا فى زيادة شحوم ٱلجسم وتقصير عمر أَكليه.

لقد ٱبتعد أكثر ٱلناس فى بلاد ٱلشام عن ٱلعلم وبياناته. وجميع محطات ٱلتلفزيون فيها تستقبل دعاة ٱلتنفير من ٱلعلم. وفيها يُقدَّم للجمهور مَن يزعم أنَّه عالم فى ٱلدِّين أو داعية لَّهُ يملك ٱلخلاص للناس. وفيها تروَّج أفكاره وأحاديثه وما يزعم من فتاوى لتعوق وصول بيان ٱلعلم إلى ٱلناس وتصدّهم عن أىِّ خبر علمىّ.
هٰذه ٱلمسألة لم تسلم منها ٱلمجتمعات ٱلمتقدمة فى ٱلعلم وبحوثه. فقد أشتكى ٱلمفكر وعالم ٱلفيزيآء لورنس كراوس رئيس قسم ٱلفيزيآء فى جامعة Case Western Reserve من محاصرة ٱلبحوث ٱلعلمية بدعوى ٱلأخلاق وٱلدين. وٱلَّتى تجد لها فى ٱلقوى ٱلسياسية ٱلمحافظة فى ٱلولايات ٱلمتحدة وغيرها من ٱلدول ٱلمتقدمة من يشرّع ٱلشرآئع ٱلَّتى تعطل وتمنع تمويل وٱجرآء ٱلبحوث فى مسآئل علمية متعددة.
أمَّا ٱلأعمال ٱلَّتى تنشر ٱلفساد فى ٱلأرض وقميصها وتروّج لجعل ٱلناس أنعامًا مُّستهلكة فلا توجد دعوى ولا تشريع لمنعها بٱسم أخلاق أو بٱسم دين. فٱلشكوى فى كلِّ مكان يطلقها رجال ٱلعلم. وهم جميعهم يعانون من نقص ٱلتمويل ونقص مشاركة ٱلناس وتشجيعهم.

قد أكون من ٱلقليل ٱلذين يدعون بٱسم ٱلدِّين إلى نشر ٱلعلم وتوسيع بحوثه وزيادة فى تمويله. وسندى فى ٱلأمر مستمدّ مِّنَ ٱلقرءان وفيه حضّ عليه:
"وممَّا رزقنٰهم ينفقون"3 ٱلبقرة.
وهؤلآء هم "ٱلَّذين يؤمنون بٱلغيب" ومنه ٱلكتاب ٱلَّذى لا ريب فيه "الۤمۤـ" (H2g2O). كماۤ أنَّ دعوتىۤ إلى ذٰلك وعملى عليه يأتيان فى وقت جعل فيه ٱلمعيقون لتطور ٱلعلم (بٱسم ٱلدين وٱلأخلاق) جميعَ ٱلَّذين يعلمون يطلبون إبعاد ٱلدِّين عن ٱلعلم وعن ٱلسياسة وعن ٱلمجتمع. وهٰذا يظهر دعوتى وعملى وكأنَّهما يتعارضان مع طلب ٱلَّذين يعلمون. فأناۤ أقدم ٱلدِّين كوعآء للعلم بكل وجهاته ومن دون قيد على بحوثه. وسندى فى ذٰلك كتاب ٱلدِّين ٱلمرسل بعيدًا عن دعاة ٱلدِّين وٱلأخلاق من رجال كهنة.
لقد عملت ونظرت فى كتاب ٱللَّه ٱلقرءان لسنوات. فلم أجد فيه أىَّ كلمةٍ أو فكرة لا تحضُّ ٱلناس على ٱلنظر وٱلبحث وٱلإنفاق. بل فيه أمر يقطع فى ٱلمسألة:
"قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلق"20 ٱلعنكبوت.
ومثل هٰذا ٱلأمر لا يحدث بٱتباع ما يسمىۤ أخلاقًا ودينًا صنعته أكثرية جاهلة تزعم ٱلدفاع عن ٱختصاص ٱللَّه وتوقف فى سبيله. بل يحتاج إلى من يعلمون ما هو سبيل ٱللَّه وما هى حاجة ٱلسلوك عليه. فٱلأمر لا يتبع ٱستفتآءً بحثًا عن أكثرية. وقد بين ٱلبلاغ ٱلعربى أنَّ ٱتّباع ٱلأكثرية يسوق إلى ٱلضّلال عن ٱلسبيل:
"وإن تُطع أكثر مَن فى ٱلأرض يُضلُّوك عن سبيل ٱللَّه إن يتبعون إلا ٱلظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون"116 ٱلأنعام.
وسبيل ٱللَّه فى طاعة أمره (20 ٱلعنكبوت) وفيه ٱلأمر بٱلسير وٱلنظر. وفى طاعة ٱلبلاغ (3 ٱلبقرة) وفيه بيان ٱلانفاق على ٱلبحوث ٱلَّتى تقوّى ٱلنظر فى كيف بدأ ٱلخلق.
وممَّا يلزم لتحقيق ٱلسير وٱلنظر وٱلانفاق هوۤ إدراك ٱلبلاغ ٱلَّذى يبين أنَّ ٱلدِّين ليس مسألة عامَّة بين ٱلناس يتنازعون فيها:
"لاۤ إكراه فى ٱلدِّينِ قد تبيَّنَ ٱلرُّشدُ مِنَ ٱلغىِّ فَمَن يكفُر بٱلطَّٰغوتِ ويؤمِن بٱللَّهِ فقدِ ٱستمسكَ بٱلعروة ٱلوثقىٰ لا ٱنفصامَ لها وٱللَّهُ سميع عليم" 256 ٱلبقرة.

وما وجدته وأنآ أبحث فى دليل كلمات ٱلقرءان أنَّ إهمال ٱلنظر فى دليل كلمات كتاب ٱلدِّين كان قد قطع هذه ٱلكلمات عن ٱلتطور ٱلجارى فى ٱلنظر وٱلبحث ٱلعلميين. وأوقف دليل كلماته عند إدراك ٱلسلف. وهذا ٱلاهمال جعل ٱلناس يصدقون زعم رجال ٱلكهنوت أنَّهم رجال ٱلدِّين. وهو ٱلَّذى دفع بٱلَّذين يعلمون إلى ٱلمطالبة بفصل ٱلمجتمع وعلومه عن ٱلدِّين.
وقد توصل نظرى من بعد جهد فى دليل بعض كلمات كتاب ٱلدِّين إلى ٱلعلم أنَّ رجال ٱلدِّين ٱلحقِّ هم علمآء فى ٱلحقِّ. من مثل ٱلمفكر وعالم ٱلفيزيآء لورنس كراوس وغيره من علمآء ٱلفيزيآء وٱلفروع ٱلأخرى من فروع ٱلنظر وٱلبحث. فهؤلآء جعلهم نظرهم وبحوثهم يطمئنون إلى قولهم أنَّ جزء ٱلمآء الۤمۤـ "لا ريب فيه". كما جعلهم "ينفقون ممَّا يرزقون" على بحوثهم ويطلبون من رجال ٱلدولة أن ينفقوا على تلك ٱلبحوث. وأن لا يناصرون أولئك ٱلذين يزعمون أخلاقًا ودينًا وما هم برجال دين.
كما وجدت أنَّ مؤسسات ٱلتعليم قد أهملت مسألة ٱلتطور فىۤ إدراك دليل كلمات كتاب ٱلدِّين. وبقىَ إدراك دليل ٱلكلمات فى مناهجها يتبع إدراك شاعر ٱستعمل ٱلكلمات فى شعره كماۤ أدرك دليلهاۤ. أو مفكر رأى قلبه من دليل ٱلكلمة بما يملك من علم. وبذلك صار فهم كلمة ٱلدِّين عند ٱلَّذين ٱحتكروا ٱلقول بٱسمه يتبع ما رأـٰه شاعر أو مفكر ميِّت. فلا يجوز لأحد تجاوزه إلىۤ إدراكٍ أكثر عمقًا بفعل تطور وسآئل إدراكه. وقُيِّد كتابُ ٱللَّه بماۤ أدركه ذٰلك ٱلشَّاعر أو ٱلمفكر ٱلميِّتين. وقد تجاوزهماۤ إدراك جميع ٱلناس ٱلأحيآء بفعل تطور ٱكتسابهم ٱلعلمى.
وفى ٱلحقِّ فإنَّ ٱلَّذى قدَّم للناس شرحًا لكتاب ٱللَّه قدَّم لهم بلسانه ماۤ أدركه فيه. ولم يطلب منهم ٱلامتناع عن ٱلجهد فى كتاب ٱللَّه كلّ وفق ٱستطاعة إدراكه. فكتاب ٱللَّه محكم ومتشابه. ونرى فى أمِّ ٱلكومبيوتر mother board شبها بٱلمحكم فى كتاب ٱللَّه وهو أمِّ ٱلكتاب. كما نرى فى مناهج ٱلكومبيوتر على ٱختلافها شبها بٱلمتشابه. وهى جميعها يحكمها ٱلمحكم (أمُّ ٱلكومبيوتر) فى جميع أطوار ٱلويندوز. فٱلذى يكتشف طورًا مِّن أطوار ٱلمتشابه ينشر عنه بيانًا يُطلع ٱلناس عليه. ومِنَ ٱلناس مَن يتوكَّد منه بٱلاختبار قبل أن يصدِّق به. ومنهم مَّن يصدِّق به من دون ٱختبار. ثم يجرى ٱلعمل على صناعة تدفع إلى طور أعلى كصناعة ٱلويندوز.
أمَّا ٱلَّذين ٱحتكروا ٱلقول بٱسم ٱلدِّين فقد جعلوا كتاب ٱللَّه يوافق إدراكًا مَّقطوعًا ومتخلفًا عن تطور إدراكنا. ومنعوا ويمنعون ٱلنظر فيه كما يمنعون صناعة ٱلتطور فىۤ إدراكه. وبهٰذا ٱلمنع يجرى ٱلفصل بين ٱلدِّين وٱلعلم بقوة جهل وجنون ٱلكهنوت.

إنَّ كلمة دين (كما رأينا فى كتابنا "أنبآء ٱلقرءان") تستمدُّ دليلها من دليل ٱلفعل "دَيَنَ" ٱلَّذى يشترط وجود ديَّان ومدين. وقلنا فيه أنَّ ٱلدِّين هوۤ أشراط ٱلديَّان على ٱلمَدين. وهى ٱلَّتى كشف ٱلعلم ٱلناظر عنها وسمَّـٰٰها substantive law بلسانه ٱلباحث. ونرى فىۤ أشراط ٱلعيش ٱلمدينى فى دولة ٱلمدينة ما هو مثل ٱجتماعى عليها يظهره ميثاق ٱلعيش فى ٱلمدينة. وهو ما يعرف ٱليوم بٱسم دستور. وهو ٱلَّذى يبين أنَّ أشراط ٱلعيش ٱلمدينى يقوم على ٱلميثاق بتطوع وخيرة ٱلناس ويفتح أمامهم سبيل ٱللَّه. فٱسم ٱلمدينة من أصل ٱلفعل دَيَنَ ومن فروع ٱلاسم هو ٱلدِّين. وٱسم ٱلمدينة لا يُطلق على مكانٍ لَّا يعيش ٱلناس فيه أحرارًا وفق ميثاق تُعدَّد أشراط ٱلدَّين فيه على ٱلجميع.
ولقد ظهر لىۤ أنَّ تطور إدراك وفهم ٱلدليل للكلمات هو عمل يماثل عمل ٱلنظر فى كيف بدأ ٱلخلق. بل هو عمل أساس. لأنه يبنى ٱلأسس ٱلتى تجعل بيان ٱللَّه وسيلة تصديق لعمل جميع ٱلناظرين.
وفى كتابى هذا جآء فقهى لٱسم مكَّة ووجدت أنَّ دليله من دليل ٱلفعل مكَّ ٱلذى يبيِّن قوَّة فراغٍ شديد ٱلسَّحب. ورأيت أنَّ هذه ٱلقوَّة هى من ٱلقوى ٱلأساس فى ٱلتكوين ٱلفيزيآئى vacuum energy.
وبسبب إهمال ٱلعلم بٱلدليل وتطور ٱلإدراك له فإنَّ فعل مَكَّ وٱسم مكَّة ٱلعربيين غير معروفين فى علم ٱلفيزيآء. ولا يستعملان فى كلماته ٱلَّتى تدل على هذه ٱلقوَّة. ولا تستعملهما ٱللغة ٱلفصحى فى ترجماتها بسبب إهمالها لمسألة ٱلتطور فى إدراك ٱلدليل. بل بسبب ٱمتناع أصحابها عن قبول مسألة تطور ٱلإدراك لدليل ٱلكلمة عن ٱلإدراك ٱلموروث.
ونحن نرى بعد أن علمناۤ أنَّ دليل كلمة مكَّة لا يتوقف عند ٱلإدراك ٱلموروث. بل يمتد إلى ٱلغيب ٱلجزئى فى فيزيآء ٱلتكوين. وإنّ ٱستعمال ٱلكلمة فى بيان ٱلفيزيآء يتبع هذا ٱلإدراك ويجعل بيان ٱلدِّين مدركًا مِّن قبل ٱلذين ينظرون ويبحثون. ويجعلهم إدراكهم لبيانه يتوجهون إلى عقله مع ما يتوصل إليه نظرهم وبحوثهم. وهٰذا ٱلأمر يجعلهم لا يطلبون فصل بيان ٱلدِّين عن أعمالهم ٱلناظرة. كماۤ أنَّ ذٰلك يجعلهم يسمّون أنفسهم رجال دين ٱلحقِّ substantive law.
كما نرىۤ أنَّ دليل ٱسم مكَّة لا يقصر على ٱلفيزيآء فى ٱلتكوين. بل يمتد إلى عيش ٱلناس فى مجتمعات. فٱلَّذين يعيشون فى مكَّة يعيشون فى مكان تَسيد فيه قوّة ساحبة لِّإرادة ٱلناس وأموالهم ومسئولية كلّ مِّنهم. وسبيل ٱللَّه مغلق فى وجه أكثرهم.
ونجد فى معاجم ٱللغة ٱسم مكوس (من فروع ٱسم مكَّة) وهو ٱسم لأفعال سحب ٱلأموال من جيوب ٱلناس (ٱلضرآئب). وبٱلمكوس يُكره ٱلناس على دفع ٱلمال للسلطة ٱلمكية من دون تطوع. فٱلمجتمع ٱلمكّىّ مجتمع طاغوت يقوم علىۤ إكراه ٱلناس فى دفع ٱلمكوس (ٱلضرآئب). وهٰذا يجعل ٱلناس يخاتلون فى حساباتهم ليتهربوا مما يُكرهون عليه.
أمَّا مجتمع ٱلمدينة فيستمد ٱسمه من ٱسم ٱلدِّين. وتقوم ٱلسلطة فيه على ٱلميثاق ٱلَّذى يبيِّن أنَّ مال خزينته يأتى من ٱلصَّدقات ٱلَّتى يدفعها ٱلناس تصديقًا لِّإيمانهم بعيشهم وٱستمراره من دون مكٍّ. وهم يدفعون تطوعًا مِّن دون إكراه. وهو ما نجده فى ٱلأمر ٱلعربى:
"خُذ من أموالهم صَدَقَةً تُّطهِّرُهُم وتزكِّيهِم بها وصلِّ عليهم إنَّ صلوٰتَكَ سكن لَّهم وٱللَّهُ سميع عليم" 103 ٱلتوبة.
فٱسم مدينة يدلنا على مكان عيشٍ لِّلنَّاس وفق أشراط ميثاق بينهم (دستور). لاۤ إكراه فيه عليهم لا فىۤ أفكارهم ولا فىۤ أموالهم. وسبيل ٱللَّه فيه مفتوح للجميع. من شآء منهم أن يؤمن فليؤمن ومن شآء منهم أن يكفر فليكفر فلاۤ إكراه فى ٱلدِّين.

ونقول أنَّ إهمال تطور إدراك دليل ٱلكلمات وتركه للَّذين يخرصون. هو ٱلَّذى جعل من كلمة ٱلدِّين بعيدة عن قول ٱلَّذين ينظرون ويبحثون. وهٰذا ٱلإهمال هو ٱلَّذى جعل عالم من علمآء دين ٱلحقِّ. وهو عالم ٱلفيزيآء لورنس كراوس يقول "لا أوافق على تدريس الأفكار الدِّينية على أنها علوم" . وقوله هو ٱلحقّ فيما يتعلق بتلك ٱلأفكار ٱلظنية ٱلشيطانية ٱلَّتى تدرَّس علىۤ أنَّها دين. وٱلَّتى نشأت بسبب إغلاق سبيل ٱللَّه ومنع ٱلسير وٱلنظر فى كيف بدأ ٱلخلق. ومنه إهمال سلطة ٱلمجتمع ٱلمكّىّ لتطور إدراك دليل ٱلكلمات. ولقد صوَّر أصحاب هٰذه ٱلأفكار ٱلمكية ٱلدِّينَ وفق إدراك من لا يعلم بٱلحقِّ وبيانه ٱلمرسل من ٱلخالق. كماۤ أنهم يصورون ٱلَّذين يسندون إليهم أقوالهم فى ٱلدِّين من ٱلموتى وقد رضىَ ٱللَّه عنهم. وهم لا يتعبون أنفسهم فى بيان كيف رضى ٱللَّه عنهم. ولا يسألهم أحد عن ٱلوسيلة ٱلتى جلبت ذٰلك ٱلرضى ٱلمزعوم.

هناك مسألة أخرى تعوق ٱلعالم ٱلحقّ فى ٱلاقتراب من بيان ٱلدِّين. وهى تتعلق بجعل بيان ٱلعلم فى عزلة عن ٱلناس ٱلمعلِّمين منهم وٱلمتعلمين. وقد كشف كراوس عن ٱلسبب فى هٰذه ٱلعزلة فى قوله عن "سوء تدريس ٱلعلوم في كثير من ٱلمدارس. فليس لدى العديد من مدرسي المرحلة المتوسطة وحتى بعض مدرسيّ المرحلة الثانوية خلفية من ٱلعلوم. عندما دخلت ٱبنتي في الصف الثاني ذهبتُ إلى مدرستها فأذهلني عدم تمكن معلمتها من تدريس أبسط المفاهيم العلمية. وأعتقد أن هذا شيء عام. وأن ثمة حقيقة وهي أن العلوم أصبحت محصورة بشكل متزايد في النخبة. مما يجعل فهمها أكثر صعوبة بين عامة الناس. والحقيقة. وأنا لست أول من يقول ذلك. هي أن الباحثين العلميين الأمريكيين صاروا بعد الحرب العالمية الثانية نخبة معزولة عن المجتمع. فالأسرار التي سمحت لهم بتغيير العالم دعتهم أيضا إلى التنصل من مسؤولياتهم الوطنية. فأصبح الباحثون العلميون طبقة فوق المجتمع وليست جزءا منه. ولذلك- ولزمن طويل, وحتما حتى سبعينات القرن العشرين- لم يكن في اعتقاد العديد من الباحثين أن التواصل مع الجمهور أمر مهم, وكانت تلك فترات طيبة سَهُلَ فيها تمويل المشروعات. وقد أتى نداء اليقظة عام 1993 عندما وأد مجلس الشيوخ مشروع المصادم الفائق ذي الموصلية الفائقة Superconducting Super Collider. وكانت هذه إشارة حقيقية إلى أن الفيزيائيين ليسوا على جادة الصواب. فقد قصرنا في إقناع الجمهور, وكذلك في إقناع جميع زملائنا, بجدوى إنفاق البلايين. وأصبح واضحا منذ ذلك الحين أنه للحصول على تمويل لما نقوم به يجب علينا شرح جدوى ذلك للجمهور. ومن أجل ذلك أرى وجوب ربط الأفكار المثيرة في العلوم بالحياة اليومية للناس".
هٰذا ما يرـٰه كراوس من عزلة ٱلعلم فى مجتمع متقدم كٱلولايات ٱلمتحدة عن ٱلناس. فكيف هو فى بلاد أقل تقدمًا ؟
ويتابع كراوس فى وصف ٱلمتعلمين فى مجتمعه بقوله "إننا نعيش اليوم في مجتمع لا يعيب على الأذكياء أميَّتهم العلمية. ولكن ذلك لم يكن صحيحًا دائما, إذ لم يكن بالإمكان اعتبار الفرد مثقفا في بداية القرن العشرين إلا إذا كان بوسعه مناقشة الموضوعات العلمية المطروحة حينذاك".
هٰذا ٱلوصف يشمل جميع ٱلمتعلمين فى جميع ٱلبلدان. ٱلمتقدم منها وٱلمتأخر. وٱلَّذىۤ أوصل ٱلناس إلى هٰذا ٱلوصف هو ٱلزعم بسرية ٱلعلوم. وتوجيه جميع فروع ٱلعلم وجهة واحدة. ينتفع منها ٱلملأ فى ٱلمجتمع. ويبقى ٱلناس ٱلمتعلمين فى دآئرة ٱلجهل بتطور هٰذه ٱلعلوم. وفى هٰذا ٱلأمر فسق عن ٱلبلاغ ٱلعربى:
"إنَّ ٱلَّذينَ يكتمونَ مآ أنزلنا من ٱلبينٰتِ وٱلهُدىٰ من بعدِ ما بيَّنٰهُ للناس فِى ٱلكتٰبِ أُوْلٰئك يلعَنُهُمُ ٱللَّهُ ويلعَنُهُمُ ٱللَّٰٰعِنُونَ" 159 ٱلبقرة.
وهٰذا ٱلعمل يجعل أكثر ٱلناس صيدًا سهلا على رجال ٱلكهنوت. ويجعل من يبقى منهم بعيدًا عن صيد رجال ٱلكهنوت فى صفِّ ٱلَّذى يعادى ٱلدِّين. وهٰذا ٱلأمر يعزِّر فعل إهمال تطور إدراك ٱلدليل للكلمات. ويزيد ٱلقبول وٱلتسليم بما يقوله ٱلكهنوت فى ٱلدِّين.
كماۤ أن هٰذا ٱلعمل يجعل من علاقة ٱلعلم ببيان ٱلدِّين أمرًا يصعب على ٱلناس ٱلمتعلمين تبيّنه. وقد لمست هٰذا ٱلأمر من بعض ٱلأصدقآء ٱلمفكرين. حيث كان قولهم فىۤ أعمالى يبين صعوبة فهمها بسبب ما فيها من مسآئل علمية نظرية كٱلفيزيآء وٱلبيولوجيا. وقد قال لىۤ أحد ٱلأصدقآء. وهو يحمل درجة دكتور بعلم ٱلِّسان. أن أعمالى يصعب وصول كلّ ما فيهاۤ إليه بسبب فروق فى وسآئل ٱلمعرفة لكلٍّ مِّنَّا.

لقد صار ٱلواحد منَّا يحمل شهادة تعليم عالية فى ما يسمَّى ٱلعلوم ٱلإنسانية من دون أن تكون لديه أية معرفة نظرية فى علوم ٱلفيزيآء وٱلبيولوجيا. كذٰلك هو ٱلأمر مع ٱلفيزيآئيين وٱلبيولوجيين. إذ ليس لدىۤ أكثرهم أىّ معرفة بعلم ٱلِّسان ولا فى بيان ٱلدِّين. وهم يتخبطون فى ٱختيار كلمات فى بياناتهم يختلف دليلها بين من ٱختار ٱلكلمة وغيره من ٱلناظرين. فكيف سيكون ٱلأمر عند أصحاب شهادات ٱلتعليم ٱلأدنى ؟
لقد أثار هذه ٱلمسألة ٱلمتعلقة بٱلعلوم ٱلإنسانية ٱلعالم ٱلبيولوجى "إرنست ماير" Ernst Mayr فى كتابه "This is Biology" وهو يقول:
"إن "الجفوة" بين العلم والإنسانيات كثيرا ما يتسبب فيها إخفاق العلماء في تقدير العنصر الإنساني وهم يجرون أبحاثهم..ولكن اللوم لا يقع بالكامل على أكتافهم, فالمشتغلون بالإنسانيات أيضًا لم يوفقوا في اكتساب الإلمام الكافي بالمنجزات العلمية في مجالات لا غنى عنها مثل: البيولوجيا التطورية, والتطور البشري, وعلم السلوك, وهذا النقص واضح بصورة مخجلة في كتابات نفر من المشتغلين بالإنسانيات, الذين يعتذرون عنه بعدم أهليتهم لاستيعاب الرياضيات (مع ضآلة القدر المطلوب منها لمتابعة فروع البيولوجيا التي يتحتم عليهم التآلف معها إلى أقصى حد), فمن الضروري مثلا اعتبار فهم "البيولوجيا البشرية" جزء لا يتجزأ من الدراسات الإنسانية, بل إن علم النفس, الذي كان من العلوم الإنسانية-أصبح الآن فرعًا من العلوم البيولوجية, وأخيرًا: كيف يستطيع أحد أن يكتب في الإنسانيات من دون أن يتوفر لديه الإلمام الكافي بعلم السلوك البشري؟
إن الجهل بالمنجزات العلمية يصبح أشد خطورة عندما يواجه المعنيون بالإنسانيات بعض المشكلات ذات الطابع السياسي أو الاجتماعي: كزيادة الكثافة السكانية, وانتشار الأمراض المعدية, ونضوب الموارد, والتقلبات الجوية, وتخريب البيئة الطبيعية, وشيوع السلوك الإجرامي, وإخفاق السياسة التربوية.. إذ لا يمكن معالجة أي من هذه المشاكل بطريقة مرضية من دون الاستعانة بالمنجزات العلمية وبخاصة في المجال البيولوجي, ومع ذلك فما أكثر ما يتمادى السياسيون في تجاهل هذه الحقيقة".
إنّ ماير قد أثار ٱلمسألة من جميع جوانبها فى "ٱلعلوم ٱلإنسانية" ٱلَّتى لا يمكن ٱعتبارها فيزيآء. وهذه ٱلعلوم تضمّ ٱلفلسفة وٱلتاريخ وٱلتشريع وٱلأدب وٱلشعر وٱلدِّين.
هذه ٱلقطيعة بين ٱلعلم (فيزيآء وبيولوجيا ومقدار) وبين ٱلعلوم ٱلإنسانية. وفى مقدمها علم ٱلِّسان وٱلدِّين. قد ترك ٱلعلم فى بيان ٱللَّه ٱلمنشور عن خلقه للَّذين يظنون ويخرصون من ٱلكهنوت. وهم ٱلَّذين قرنهم بلاغ ٱللَّه ٱلعربى مع ٱلمجانين:
"فذكِّر فماۤ أنت بنعمة ربِّك بكاهنٍ ولا مجنون"29ٱلطور.
وهٰذا هو ٱلَّذى جعل عالم فى بعض علم ٱللَّه مثل كراوس يقول "لست ضد تدريس الأفكار القائمة على الإيمان في صفوف التربية الدِّينية, لكنني ضد تدريسها وكأنها علوم". وهو فى قوله هٰذا يظن أن ما يُعلَّم فى تلك ٱلصفوف هو ٱلدِّين. كماۤ أنه لا يدرىۤ أنَّ عمله ٱلعلمى ما هوۤ إلا عمل فى واحد من فروع ٱلدِّين ٱلَّذى تبين أسمآء ٱللَّه ٱلحسنى عددها وألوانها. ولو أنَّه علم بذٰلك لسارع فى طلبه لتعليم ٱلدِّين فى جميع أطوار ٱلتعليم. علىۤ أن يكون ٱلمعلِّم عالم فى فرع من فروع ٱلدِّين أو أكثر من مثل كراوس نفسه.
 

فى هٰذا ٱلكتاب جهد لِّبيان ما هو سبيل ٱللَّه. وقد حدث ذلك بعرض لمفهوم تطور ٱلإدراك فى دليل بعض ٱلكلمات. وبكنسٍ لِّغبار ٱلإهمال عن تطور دليلها. ومنها كلمات سبق وقلنا فى دليلها ماۤ أدركناه فى وقته. وقد تطور إدراكنا وقولنا فيه من بعد متابعة ٱلخوض فى ٱلمسألة. ومن بعد إكمالنا لعملنا فى كتابناۤ "أنبآء ٱلقرءان" ٱلَّذى كشف لنا عملنا فيه عن جوانب من ٱلدليل لم تكن ظاهرة لنا من قبل. وهذا جعلنا نقدِّم على ٱلبحث ٱلذى حمله غلاف هذا ٱلكتاب بحوثًا فى دليل كلمات وتطوره. فجعلنا لكلمة صلوٰة فصلا فى هٰذا ٱلكتاب كما فعلنا فى كتابنا "ٱلحكم ٱلرسولى". لما لهٰذه ٱلكلمة من أهمية فى تطور إدراك ٱلقول فى كتاب ٱللَّه وٱلعلم بدليل يهدىۤ إلى معرفة سبيله. كذٰلك فعلنا مع دليل ٱلاسم يهود وٱلذين هادوا ٱلَّذى يكوِّن قوَّة ٱلمنع وٱلتعطيل لسلوك سبيل ٱللَّه فى جميع ٱلمجتمعات. وسبب عملنا هذا هو تطور إدراكنا وفهمنا لدليل هٰذه ٱلكلمات. وما رأيناه من ٱرتباط مفهوم دليل كلٍّ مِّن هذه ٱلكلمات مع مفهوم سبيل ٱللَّه.
أمَّا ٱلسؤال "ما هو سبيل ٱللَّه ؟" فيأتى فى أخر بحوث كتابنا ٱلذى يحمل ٱلسؤال عنانًا لَّه. وسبب تأخيره هو ما تبينه ٱلبحوث ٱلتى تسبقه من مفاهيم تصبُّ فى وعآء ٱلمسألة. فسبيل ٱللَّه لا يدرك من دون علم فى دليل ٱلكلمة ٱلتى تبين ٱلحقَّ فى ٱلتكوين. ولهذا يبدأ كتابنا بدليل كلمة مكّة وكلمة ٱلمدينة. ويتوجه عملنا فيه لبيان دليل كلٍّ مِّن ٱلكلمتين فى ٱلتكوين. ولقد رأينا فى دليل ٱسم مكَّة ودليل ٱسم ٱلمدينة أنهما طرفان أساس لِّفهم نظرية ٱلتكوين ٱلفيزيآئى (ٱلمآء ٱلمنتشر بفعل قوَّة ٱلفجر وما يبقى من بعد ٱنتشار ٱلمآء הַשּׁמַים וְ הָאָֽרֶץ هَشَمَيم وهَارِث). وقد أتى عملنا فيه مع عرض لمسألة ٱلتحريف لدليل كلمة قرأ ولفهم دليل كلمة تَلَوَ ودليل كلمة جعل. ثم يليه فصل يتعلق بدليل ٱسم ٱلصَّابئين وهم ٱلذين يؤلفون ٱلقوَّة ٱلإنسانية ٱلأساس لأن يكون سبيل ٱللَّه سالكًا.
كماۤ أنَّ مسآئل كانت وردت فى بعض كتبى ٱلسَّابقة. عُدنا إليها فى هٰذا ٱلكتاب. لننظر فيها من جديد فى نور تطور ٱلإدراك ٱلجديد ٱلذى وصلناۤ إليه. فقد جآء فى كتابناۤ "أنبآء ٱلقرءان" بيان لموقفى من أعمال ٱلبشر "سوآء ءَكانت ما يسمّى "ترجمةً" أم "مصطلحًا" أم "دراسات تاريخية للنصوص" أم "معاجم". فإنَّ مآ أرـٰه فيها من إدراكٍ هو وسيلة إقليدسيَّة لا تنفع من ينظر فى كيلٍ غيبىٍّ. كما لآ أتركها توقف وتصدُّ مآ أسعى لإدراكه. ومآ أقوله فى بحوثى هوۤ إدراكى ومسئوليَّتى ٱلأَن. وهو غير موقوف على ما كنته بٱلأمس. فكيف بما قاله ٱلسَّلف ؟" .
وبهٰذا ٱلمفهوم أعود إلى تلك ٱلمسآئل وأجدد إدراكى لها. فأحنف عنها ولاۤ أعود إلى ٱلمسألة بما يعرف بٱلطبعة ٱلثانية ٱلتى تحمل إدراكى عند طور من أطوار نظرى فيها.
وأرجو أن يكون لعملى على بيان تطور إدراك دليل ٱلكلمات ٱلمهمل ما يحضُّ غيرى على ٱلعمل فيه. لنكون فريق عمل يردف أحدنا ٱلأخر. حتى نكمل ٱلكشف عن بيان ٱللَّه ٱلعربى ٱلمفصَّل عن جميع خلقه من دون تخريص ولا ظن.


















ٱلتكوين
مكَّة وٱلمدينة
عودة على مسألة ٱلتحريف

لقد أخذ مفهوم ٱلتكوين من ٱلناس وقتًا طويلا. وهم لا يزالون يعملون عليه إلى يومنا هٰذا. ولهم فى ٱلمسألة نظريات مُّتعددة. وكان كتاب موسىٰ قد بدأ بٱلمسألة. إلاۤ أنَّ ٱلتوقف عن ٱلعمل فى تطور إدراك ٱلكلمة جعل من كلمات كتاب موسىٰ وكأنها على خلاف مع ٱلعلم. وهٰذا ٱلأمر جعل ٱلذين يعملون نظرهم فى ٱلتكوين يبتدعون نظريات مُّتعددة فى ٱلمسألة ويهملون بلاغ كتاب موسىٰ.
لقد بدأ كتاب موسىٰ بكلمة בְרֵאשׁית برِشيت. وقد ظهر لنا فى كتابناۤ "أنبآء ٱلقرءان" أنها تدل علىۤ أول حدث فى ٱلتكوين. وهو حدث يشبه ما يجرى فى بيضة دجاج من بعد تلقيها مقدارًا مِّنَ ٱلحرِّ. فينفصل زلالها عن صفارها.
هٰذا ٱلأمر يبين قوَّة تدفع بٱلزلال (ٱلمآء) بعيدًا عن ٱلصَّفار ٱلذى يبين ٱسمه (صفار) فراغه من ٱلزلال. وبفراغه يتحول إلى قوَّة ساحبة تشد إليها ٱلزلال ٱلمنتشر بقوَّة ٱلتغلب على ٱلعطالة ٱلتى تدل عليها ٱلكلمة ٱلعبرية אֱהימ اِلُُهيم. وهى قوَّة تبرأ ٱلزلال عن ٱلصَّفار (הַשּׁמַים וְ הָאָֽרֶץ هَشَمَيم وهَارِث). وتكسب ٱلمآء حركته ٱلمنتشرة وٱلمبتعدة عن بقية ٱلحدث בְרֵאשׁית برِشيت. هٰذه ٱلبقية تبينها ٱلكلمة ٱلعبرية הָאָֽרֶץ هَارِث. ٱلتى تدل على بقية ٱلشىء كٱلرماد وبقية ٱلموتى وٱلتراب. ومنها ٱلكلمة ٱلانكليزية Earth. وهو ما تدل عليه ٱلكلمة ٱلعربية إرث لما تركه مَن مات.
كلمة הָאָֽרֶץ هَارِث فى كتاب موسىٰ تدل على ما يسمَّى فى فيزيآء ٱلتكوين (مادة مظلمة) dark substance ٱلتى بقيت فى موقع ٱلفجر (ٱلانفجار ٱلأعظم) وقد ٱفترقت عنها (ٱلمادة ٱلمنيرة) light substance . وهى ما تدلنا عليه كلمة הַשּׁמַים.
وما نرـٰه أنَّ ٱلقوَّة ٱلتىۤ أخرجت ٱلمآء من موقع ٱلفجر هى ٱلقوة صفر ٱلسَّاحبة وفى موقع أخر. وٱلقوَّة صفر هى قوة فراغ وخلوٍّ يبينها دليل ٱلكلمة ٱلعربية مكَّة. وهو ما سنعمل نظرنا فيه.

إنَّ تطور إدراك وفهم ٱلإنسان لدليل ٱلكلمة من ٱلمسآئل ٱلتى تجعل نظره وعلمه يخضعان للتطور. فما سُطِّر فى ٱلمعاجم من إدراك لِّدليل ٱلكلمة لا يمثل إلا طورًا مِّن أطوار إدراك ٱلإنسان لدليل ٱلكلمة فى ٱلمحسوس. وما نجده فى ٱلمعجم ٱلوسيط من قول فى دليل كلمة مكَّة نرى فيه قول من لَّا يدرىۤ إلا بما هو ظاهر لِّبصر عينه:
"مكَّ ٱلعظم مكًّا: مصَّ جميع ما فيه. وٱمتكَّ ٱلفصيل ما فى ضرع أمّه: ٱستقصاه بٱلمصِّ".
فصاحب ٱلمعجم لم يرَ أنَّ ٱلفعل مكَّ يتخطى هٰذا ٱلدليل ٱلمباشر. ولم يكن يدرىۤ أنَّه من أفعال ٱلفيزيآء. وسوآء ءكان فعل ٱلمكّ فى ٱلضَّرع أم فى ٱلسَّمآء فٱلكلمة تدلنا على قوَّة سحب شديدة لِّما فى ٱلضَّرع ولما فى ٱلسَّمآء.
ولا يقصر ٱلدليل على فعل ٱلسَّحب فى ٱلضَّرع. كماۤ أدرك صاحب ٱلمعجم ومن أخذ عنهم. فٱلتطور فى ٱلنظر وٱلعلم يجعل ٱلإدراك وٱلعلم فىۤ دليل ٱلكلمة أكثر إحاطة فيه. وبفعل ٱلتطور ينتقل إدراك ٱلإنسان من ٱلدليل فى ٱلمحسوس إلى ٱلغيب ٱلفيزيآئى وٱلبيولوجى (ٱلميِّت وٱلحىّ). ومن دون هٰذا ٱلتطور يحدث ٱلفصل بين تطور ٱلإنسان ٱلمعرفى وبين مخزونه من ٱلكلام. ويصير دليل كلمات مخزونه ٱلموقوف عن ٱلتطور يعيق إدراكه وفهمه للعلاقة بين تطوره ٱلمعرفى ومخزونه من ٱلكلام.
فكلمة مكَّة ٱلتى تدل فى علم ٱلفيزيآء على ما يدل عليه ٱلقول vacuum energy لا تستعمل فى ٱلفيزيآء بسبب ما جرى من فصل لدليلها عن تطور إدراك ٱلدليل فى ٱلغيب كما هو فى ٱلمحسوس. وهٰذا يمنع من ٱلوصول إلى ٱلنفع من مخزون ٱلكلام بما وصلناۤ إليه من علم. كما يفتح ٱلباب للذين يظنون ويخرصون لأن يدَّعوۤا أنَّهم أصحاب ٱلقول فى دليل كلمات ٱلمخزون ٱلذى تُرك لهم ليعبثوا فيه. وهم لغوا ويلغون فيه وجمَّدوا ويجمِّدون ٱلدليل عند حدود إدراكهم ٱلموقوف وٱلمقطوع عن ٱلتطور.
كمآ أنَّ جمود دليل ٱلكلمة عند ٱلأمر ٱلمحسوس يمنع ٱلوصول إلىۤ إدراك أفعال تكوينه فى ٱلغيب. ويطغى ٱلظن أنَّ ٱلكلمة تكونت بفعل لقآء بصر ٱلعين مع ٱلشىء من دون بيان كيف يحدث ذٰلك. فٱلبلاغ ٱلعربى "وعلَّم ءَادم ٱلأسمآء كلَّها" يبين لناۤ أن ٱلكلمة معلَّمة فى ٱلفؤاد. ومنه تخرج صوتًا مَّنطوقًا أو خطًا مَّسطورًا لِّتدل على ٱلشىء ٱلذى وقع عليه بصر ٱلعين. وعلى ٱلإنسان أن يعمل نظره ليرى كيف يحدث فعل ٱلكلمة ومما تتكون. وعندما يوصل نظره إلى غيب فيه قوَّة سحب شديد vacuum energy فإنَّ كلمة مَكَّ هى ٱلتى تخرج من فؤاده لتدل على قوَّة سحب شديد أدركه فى ذٰلك ٱلغيب (كما فعل مع قوَّة ٱلسحب لما فى ٱلضَّرع ولما فى ٱلعظم). ومثله كلمة مكّوك ٱلتى تطلق على ٱلمغزل وٱلوشيعة ٱلتى تدور فى وجهة واحدة تسحب معها ٱلخيط مكونة منه وشيعة مشدودة إلى ٱلداخل. فهو قوة ساحبة. وٱسم مكّوك يوافق فعله ٱلجارى فى سحب ٱلخيط. كما نرى فى ٱلكلمة ٱلانكليزية magnet (وهى تدل على قوّة ساحبة) أنها من أصل ٱلفعل مكَّ ٱلشامى ونطقها قريب منه. وبٱلتالى فإن ٱلتسمية ٱلعربية للقوة ٱلمغناطيسية هى ٱلقوّة ٱلمكّية.
وعليه فإننا نرىۤ أنّ ٱلقوة ٱلفاعلة فى ٱلتكوين هى ٱلقوة ٱلمكيّة vacuum energy.

ونجد قوَّة أخرى تقابل قوّة مكَّة فى ٱلتكوين هى قوَّة حشرٍ وزجرٍ ودفعٍ موجودة فى موقع ٱلفجر وهى قوّة بكَّة. ٱلتى تستمد دليلها من دليل ٱلفعل بكَّ. ٱلَّذى يدل على ٱلاجتماع وٱلحشر وٱلزجر. وهى ٱلقوَّة ٱلفاعلة فى موقع ٱلفجر ٱلذى يدفع ٱلمآء للانتشار وٱلعبور فى وجهة ٱلموقع ٱلسَّاحب له مكّة.
وتتبادل ٱلقوّتان فعل كلٍّ منهما فى حركة تسلسلية وفى حلقة سباعية ٱلبطون كما بين ٱلبلاغ ٱلعربى:
"ٱللَّه ٱلَّذِى خَلَقَ سَبعَ سَمَٰوٰتِ ومن ٱلأرضِ مثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأمرُ بينَهُنَّ لِتَعلمُوۤاْ أنَّ ٱللَّهّ علىٰ كلِّ شىءٍ قدير وأنَّ ٱللَّهَ قد أحاطَ بكُلِّ شىءٍ عِلما" 12 ٱلطلاق.
فموقع مكّة (بعد أن يسحب إليه ما يخرج مزجورًا من موقع بكَّة ويمتلء به) يكون موقع بكّة قد فرغ وتحول إلى قوّة ساحبة. وبذلك يبدل ٱسم ٱلواحد بٱلأخر. وبين موقع بكّة وموقع مكّة يعبر ويحدث ٱلتكوين فى سبع مواقع. وهو ما يبينه ٱلبلاغ ٱلعربى:
"إنَّهُ هُوَ يُبدِئُ وَيُعيدُ" 13 ٱلبروج.
"إنَّهُ يَبدَؤُاْ ٱلخَلقَ ثُمَّـ يُعيدُهُ" 4 يونس.
"يَومَ نَطوِى ٱلسَّمآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجلِّ لِلكُتُبِ كَمَا بَدَأنَآ أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدهُ" 204ٱلأنبيآء.
**

تلو وجعل وقرأ

لقد طغت أفعال ٱلظَّنِّ وٱلتخريص على صناعة دليل ٱلكلام. وفتحت ٱلأبواب أمام أفعال لم تتوقف عند تجميد ٱلدليل عند إدراك شاعر أو مفكر ميِّت. بل ٱمتدت تلك ٱلأفعال إلى تحريف ٱلكلم عن مواضعه. ٱلأمر ٱلذى يحرف ويصعِّب ٱلإدراك ويعطِّل ٱلنَّفع من مخزون ٱلكلام. ويمنع ٱلفهم وٱلعلم فى ٱلحقّ.
وبتحريف ٱلكلم عن مواضعه يصير بيان ٱللَّه فى صفٍّ وبيان ٱلعلم فى صفٍّ أخر. وبذلك يستطيع ٱلكافرون كَفرَ سبيل ٱللَّه على ٱلكثير من ٱلناس.
ونضرب مثلا على هٰذا ٱلتحريف فى دليل كلمة قرأ وفى دليل كلمة تَلَوَ كما يجرى تعليمهما فى بيوت ٱلتعليم لدينا. فكلمة قرأ حرف ٱلتخريصُ وٱلظَّنُّ دليلََها عن موضعه وجعله بدليل كلمة تَلَوَ ٱلموضوعة لتدلنا على تتبع ٱلكلمات ٱلمتتالية فى ٱلسَّطر ببصر ٱلعين. وٱلكلمات ٱلتى تتالى بٱلصوت وتسمعها ٱلأذن. وكذٰلك ٱلكلمات ٱلمتتالية فى ٱلأشيآء ٱلغيبية سوآء ءَكان فى ٱلفيزيآء ٱلجزئية أم فى ٱلبيولوجيا ٱلجزئية. فٱلكلام أىًّ كانت هيئته يأتى متتاليًا فى ٱلسَّطر. وبٱلفعل تلوَ يجرى تتبعه. ثم يأتى فعل ٱلنظر فيما يرمز إليه. وٱلعلم بما يدل عليه.
ونحن بما وصل إليه نظرنا نرىۤ أنَّ ٱلفعل تلوَ لا يدلنا علىۤ أن ٱلمتابع يفهم ويعلم بٱلكلام ٱلمخطوط أو ٱلمسموع. سوآء ءَكان ٱلكلام بلسانه أم بلسانٍ أخر. ونرىۤ أنَّ ٱلذى يتلو ٱلكلام إذا جهد نفسه وتابع عمله ونظره فيه. وٱستعان بوسآئل تقوِّىۤ إدراكه ونظره وفكره. يوصل من بعد جهده إلى ٱستنباطِ دليلٍ لكلِّ كلمة فى ٱلسَّطر. ثمَّ يعمل من بعد ذٰلك على بنآء قولٍ مُّستنبطٍ. يبيِّن فيه بلسانه ماۤ أدركه من ذٰلك ٱلكلام. وهو بهٰذه ٱلأعمال يكون قد جعل ٱلكلام قُرءًا بيِّنًا بلسانه. وبعمله هٰذا يكون قد قرأ ٱلكلام وبيَّن دليله عند طور من أطوار ٱلعلم فيه. ومثله هو ٱلعمل ٱلجارى فىۤ إدراك وفهم ٱلخط ٱلمسمارى وٱلخط ٱلهيروغليفى وٱلخط ٱلأوغاريتى وغيرها من ٱلخطوط ٱلقديمة.
ومثل ذٰلك هو عمل ٱلفيزيآئى ٱلذى ينظر فى رموز codes ٱلأشيآء ٱلغآئبة عن بصر ٱلعين بوسآئل صنعية تقوّى ٱلبصر. فهو يتلو ويراقب ويشبِّه تلك ٱلرموز بأشيآء يعرفها. ويفرِّق ويميِّز بين رمز وأخر من هيۤئة كلٍّ مِّنها وحركته ولونه. ويحدِّد لكلِّ رمزٍ ٱسمًا يوافقه فى ٱلهيۤئة وٱلحركة وٱللَّون. ثم يعود إلى ما حدَّده ويعمل على ٱستنباطٍ لِّمفهومٍ مِّنه كماۤ أدركَ وفهمَ من تلك ٱلرموز ٱلمعجمة فى ٱلغيب. ثم يجعل ٱستنباطه قولا بلسانه ينشره بيانًا. فيتلوه ويدركه كلُّ من يدرك قول ٱلفيزيآء.
ما قام ويقوم به ذٰلك ٱلفيزيآئى ٱلناظر هو جعلُ (ترجمة) ٱلكلام ٱلذى تلوَ رموزَه ٱلمعجمة كلامًا مُّدركًا بلسانه. وما فعله وعمله هو قرء يبيِّن بلسانه دليلَ تلك ٱلرموز.
وقد قال غاليلو رأيه فى هذه ٱلمسألة:
"إن كتاب الطبيعة لا يمكن فهمه ما لم يتعلم المرء أولا كيف يفقه اللغة التي كتب بها, وينطق الحروف التي ألفت منها. فهو مكتوب بلغة الرياضيات ومكوناته هي المثلثات والدوائر وغيرها من الأشكاال الهندسية التي من دونها لا يمكن لبشر أن يفهم منها كلمة واحدة, بل إنه يظل يتخبط في متاهة مظلمة".

هٰذا ٱلدليل لكلمة قرأ أضاعه لغو وتخريص ٱلكهنوت ومن تبعهم من أصحاب ٱللُّغة ٱلفصحى على جميع ٱلمتعلِّمين بلسانها. وجعلوه بدليل ٱلفعل تلوَ ٱلذى لا يدل علىۤ أكثر من تتبع ٱلكلمات فى ٱلسَّطر. سوآء ءَكان دليلها مدركًا أم غير مدرك. وهٰذا ٱلعمل هو من أعمال تحريف ٱلكلم عن مواضعه ٱلتى بيَّن لنا ٱللَّهُ فاعلََها فى ٱلقرءان وفى ٱلبلاغات ٱلتالية:
"يٰأيُّها ٱلرَّسولُ لا يحزُنك ٱلّذين يُسٰرعون فِى ٱلكُفر من ٱلّذين قالواْ ءَامنَّا بأفواههم ولم تؤمن قلُوبُهم ومِنَ ٱلّذين هادواْ سمَّٰعُونَ لِلكَذِبِ سمَّٰعون لِقوم ءَاخَرين لم يأتوكَ يُحرِّفون ٱلكَلِمَ من بعد مواضِعِهِ" 41 ٱلمائدة.
"من ٱلّذين هادُواْ يُحرِّفون ٱلكَلِمَ عن مواضِعِهِ يقولون سمعنا وعصينا" 46 ٱلنساء.
"فبما نقضهم ميثٰقهم لعنَّٰهم وجعلنا قلوبهم قٰسيةً يُحرِّفون ٱلكَلِمَ عن مواضعه ونسواْ حظًّا مِمَّا ذكِّرواْ به" 13 ٱلمائدة.
ٱلتحريف كما يبينه ٱلبلاغ ٱلعربى عمل كاذب يأتى به ٱلذين "يُسٰرعون فِى ٱلكُفر من ٱلّذين قالواْ ءَامنَّا بأفواههم ولم تؤمن قلُوبُهم ومِنَ ٱلّذين هادواْ". وهؤلآء لا يصبرون على نظرٍ ويسارعون فى ٱلقول من دون دراية ولاۤ إدراك ولا فكر ولا فهم.
لقد حُرف دليل ٱلكثير من ٱلكلمات. فكلمة سوَّى حُرف دليلها عن موضعه وحلَّت كلمة نفَّذ مكانها. وحرف دليل كلمة خلق إلى دليلٍ لَّغوٍ بكلمة صمَّم. ودليل كلمة خطَّ إلى دليل كلمة كتب. وغيره كثير.
وما نرـٰه أنَّ ٱلقوَّة ٱلفاعلة فى ذٰلك ٱلتحريف هو ما بينه ٱلبلاغ ٱلعربى من سرعة ٱلقول من دون نظر. وهو فعل يأتى به من ٱتخذ ٱلعِجل. وهو ٱلذى لا يصبر على نظر وحال قوله "هات من ٱلأخر".
ومن ٱلعوامل ٱلمساعدة فىۤ أفعال ٱلتحريف هو تدنِّى ٱستطاعة ٱلاحتمال على ٱلإدراك وٱلفهم. ٱلأمر ٱلذى يترك ٱلطريق مفتوحًا أمام ٱلتحريف بسبب نقص ٱلتطور فى وسآئل ٱلإدراك لدى ٱلناس. وهو ٱلذى يبينه قول عيسى لتلاميذه:
"إنَّ لى أُمورًا كثيرةً أيضًا لأقول لكُم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا ٱلأَن وأمّا متى جآء ذاك روح ٱلحقِّ فهو يرشدكم إلى جميع ٱلحقِّ" الإصحاح 15 إنجيل يوحنا.
ويبين لنا هذا ٱلقول أنَّ إدراك وفهم ٱلتلاميذ هوۤ أدنى من ٱلقول ٱلذى تركه عيسى إلىۤ أخر طورٍ مِّن أطوار ٱلرسالة. وفيها قرءان جميع ٱلحقِّ
فٱلإدراك وٱلفهم ٱلأدنى من ٱلبيان ٱلعربى عند ٱلكهنوت وجماعة ٱللُّغة ٱلفصحى. وٱمتناعهم عن ٱلصبر فى ٱلنظر وٱلعمل ٱلذى يوصل إلىۤ إدراكه. وتوسعهم فى قول ٱلظنون وٱلتخريص عنه وفيه من دون صبر على نظر أو فكر. هو ٱلذى جآء بٱلتحريف ولغوه.
ويبين لنا ٱلأمر مَثَل مِّن أفعال ٱلكومبيوتر ٱلمكتبى وٱلمحمول ٱلذى وصل ٱلإنسان ٱلعالم إلى صناعته. وجعله يقوم بأفعال تشبه أفعال كلٍّ من فؤاده وقلبه. وكلنا يعلم أنَّ صناعة مناهج ٱلكومبيوتر تخضع لأطوارٍ. وقد وصل ٱلتطور بهاۤ إلىۤ أعلى طورٍ وهو ٱليوم ٱلويندوز إكس بى windows xp. وأنَّ ٱلكتاب ٱلمخطوط بهٰذا ٱلويندوز لا يستطيع منهاج أدنى طورًا (مثل ٱلويندوز windows 2000) إدراك وتعرّف جميع رموز ٱلكتاب ٱلمخطوط بٱلويندوز ٱلأعلى طورًا. أمَّا ٱلويندوز إكس بى xp فيدركُ ويتعرَّفُ على ما خَطَّه ٱلأدنى منه windows 2000. ومثله ٱلذى يتلو ٱلكتاب وفق إدراك وتعرّف ٱلويندوز ٱلأدنى. فإذا كان لا يدرى بهٰذا ٱلفرق بينهما يبقى غافلا عن جميع ٱلرموز ٱلتى لم يدركها ولم يتعرّف عليها منهاج ٱلويندوز لديه. وأنَّ ماۤ أدركه وما يقوله فى ٱلكتاب لن يكون إلا ظنًّا ورجمًا فى ٱلغيب.
ومثله ٱلذى يتلو ٱلبلاغ ٱلعربى (ٱلقرءان) بوسآئل ٱلإدراك ٱلأدنى للكلمة ٱلشامية ٱلمفروقة ٱلخطِّ. وبه يتوصل إلىۤ إدراك خاطئ. كما هو فى ٱلمثل عن ٱلويندوز ٱلأدنى. ويظن أنَّه فَهِمَ ٱلكلمة ٱلعربية فيأتى قوله فيها موافقا لِّما ظنه. وهٰذا ٱلفعل فاعله هو ٱلظنُّ وٱلجهل فى فروق ٱلأطوار وٱستطاعة كلٍّ مِّنها على ٱلاحتمال. فٱلذى يدرك دليل ٱلكلام بخطٍّ مَّفروق يلزمه تحديث وتطوير لِّمنهاج لسانه قبل أن يطلق قوله فى لسان ٱلقرءان ٱلموصول ٱلخطِّ. وإن فَعَلَ من دون ٱلتحديث وٱلتطوير لمنهاج لسانه يأتِ قوله بأفعال ٱلتحريف للكلم عن مواضعه. وبه ينشأ ٱللَّغو فى الكلام. وبه يضيع على ٱلناس تطور إدراك ٱلدليل.

أمَّا ٱلخطُّ ٱلموصول ٱلذى صنعه ٱلبشر وبه يخطون لغتهم ٱلفصحى. فهو خطّ لِّكلامٍ مَّفروقٍ مِّن أطوارٍ شامية لِّلِّسان. وبه جرى تحريف كبير لِّلكلم عن مواضعه. فهو خطّ لَّا يدل على دليل كلمةٍ مِّن طورٍ مَّفروق. كما لا يدل على دليل كلمةٍ مِّن ٱلطور ٱلعربى ٱلموصول ٱلخطِّ. وقد بيَّنا فى كتابنا "أنبآء ٱلقرءان" هٰذه ٱلمسألة وقد عرضنا فيه لخطَّين شاميين. ٱلأول هو ٱلخطُّ ٱلعبرىّ ٱلمفروق كما فى كتاب ٱلرَّب ٱلذى ٱستلمه موسىٰ مخطوطًا. وٱلثانى هو ٱلخطّ ٱلعربىّ فى كتاب ٱللَّه ٱلقرءان ٱلذى خطَّه رسول ٱللَّه محمد كماۤ أُنزل على قلبه وثُبِّت به فؤاده. وقد خلط أصحاب ٱللّغة وٱلكهنوت بين ٱلكلام ٱلمفروق ٱلخطِّ وٱلكلام ٱلموصول ٱلخطِّ. وهٰذا ٱلعمل تُبيِّنُ مَثَلَ أثرِه مسألةُ إخضاع علوم ٱلمقدار (ٱلرياضيات) وٱلكيل ٱلفضآئية وعلوم ٱلفيزيآء وٱلبيولوجيا ٱلجزئية لأسس علوم ٱلمقدار وٱلكيل ٱلإقليدسية.

إنَّ ٱسم مكَّة قديم. وقد ظهر ٱلاسم مع ظهور ٱلرسول وٱلنبى إبراهيم. وٱلاسم هو لمكان يجرى فيه فعل ٱلمكِّ. سوآء ءَكان فى ٱلتكوين فى طوره ٱلجزئى. أم فى تكوين ٱلمجتمع ٱلبشرى. أمَّا ما ورد فى ٱلمعجم ٱلوسيط من قول فى دليل ٱلكلمة:
"مكَّ ٱلعظم مكًّا: مصَّ جميع ما فيه. وٱمتكَّ ٱلفصيل ما فى ضرع أمّه: ٱستقصاه بٱلمصِّ".
فيبين إدراكًا مباشرًا ومحسوسًا لدليل ٱلكلمة. ومثله يكون ٱلإدراك عندما يلتقى نظر ٱلناظر بٱلقوَّة vacuum energy فى ٱلسَّمآء.
وما نرـٰه فى تجميد ٱلدليل عند ٱلإدراك ٱلمباشر ٱلمحسوس يبعده عن كلمات من ينظر فى كيف بدأ ٱلخلق. وهو ٱلأمر ٱلذى يجعل من ينقل ٱلقول من ٱلِّسان ٱلانكليزىّ إلى لسان ٱللُّغة ٱلفصحى يأتى بٱلقول "طاقة ٱلخلاۤء" بدلا من كلمة مكَّة.
وما نفهمه من دليل ٱلكلمة من بعد تطور إدراكنا فيه. أنَّ ٱلفعل مكَّ يدل على فعل قوةٍ يظهر أثرُها فى ٱلسَّحب لما فى لبِّ ٱلعظم. وما فى ضرع أمِّ ٱلفصيل. وهٰذا ٱلدليل يبقى مع ٱلكلمة ٱلناشئة عن جريان ٱلفعل. كما هو فى ٱلمحسوس هو فى ٱلغيب ٱلجزئى. فٱسم مكَّة هو لمكان ينشأ ويتكون فيه شىء بقوة ٱلفعل ٱلجارى مَكَّ. ومع ٱسم ٱلمكان دليل ٱلفعل مَكَّ فى جميع أطوار ٱلتكوين من طور ٱلفجر زمان "حقبة ٱلثقالة ٱلكمومية" إلى طور ٱلتكوين ٱلعربى ٱلموصول ٱلمشاهد وٱلمحسوس.
وفى ٱسم ٱلمكان دليل ٱلفعل ومعه تاۤء مُّغلقة تدلنا على علامة. وما فى داخل ٱلعلامة هو رموز codes معجمة مُّعلَّمة فيها. وبٱلفعل تلو لما فى ٱلعلامة من رموز وٱلجهد للوصول إلىۤ إدراكها وفهمها يجعلها (يترجمها) بيانًا فى لسان ٱلناظر فيها. ثم يأتى نشرها فى صحف. وبهٰذا يكون قُرءُها ٱلذى يُخرج دليل تلك ٱلرموز من حالٍ مُّعجم إلى حالٍ مُّدركٍ ومفهوم. وٱلذى يتلو وينظر فى تلك ٱلرموز وفى هيۤئة ولون كلٍّ مِّنها. يجد نفسه يطلق على كلٍّ مِّنها ٱلاسم ٱلذى يطابق هيئته ولونه. وبعمله هٰذا يستنبط دليل ٱلرمز ويتكون ٱلمفهوم لدى ٱلذى يتلوه ويجهد نظره فيه. وبعد كمال نظره يجعل ما توصل إليه من علم بيانًا يعرب عنه بلسانه. وبعمله هٰذا يفتح ويبسط ٱلعلامة ويخطُّ ٱلكلمة مَكَّتَ.
ما قام به هٰذا ٱلناظر هى ٱلأفعال تلوَ وسأل ونظر وأدرك وٱستنبط وجعل. وهى جميعها وسآئله للعلم وللفهم بما تدل عليه تلك ٱلرموز. وبها يجعل تلك ٱلرموز كلامًا مدركًا ومفهومًا بلسانه. وما ينشره عن عمله هٰذا هو بيانه عن علمه وفهمه وإدراكه لتلك ٱلرموز. وهو ببيانه يكون قد أكمل وسآئل دليل ٱلفعل قرأ. وأنَّ ما خرج به نظره هو قرء مُّتشابه مُّبين لِّكلامٍ مُّعجمٍ فى ٱلعلامة ٱلمغلقة. وهو بيان جزئىّ يتعلق بشىءٍ واحدٍ مِّن أشيآء ٱلتكوين.
أمَّا ٱلبيان عن جميع ٱلتكوين وجميع أطواره فهو قرءان مُّبين. وأنَّ ٱلذى ينشره بيانًا هو ٱلخالق ٱلعليم.

وما نرـٰه فى ٱلكلمة ٱلعبرية "חׁשֶׁךְ حُشِخ". أو حَشَكَ فى ٱلعامية ٱلشامية. أنها تدل وتشير إلى قوَّة تحصر وتحشر وتزجر وتدفع. وقد وردت هٰذه ٱلكلمة فى ٱلقول ٱلثانى من كتاب موسىٰ:
1 בְרֵאשׁית בּרָא אֱהימ אֵת הַשּׁמַים וְאֵת הָאָֽרֶץ: 2 וְהָאָרֶץ הָֽיְתָה תׁהוּ וָבׁהוּ וְחׁשֶׁךְ עַל־פְּנֵי תְהוֹם וְרוּחַ אֱהִים מְרַחֶפֶת עַל־פְּנֵי הַמָּֽיִם ׃
"برِشيت برا اِلُهيم اِت هَشَمَيِم فَ اِت هَاَرِث. فهَاَرِث هَيتَه تُهو فَ فُهو فحُشِخ عَل-بنِى تهوم فروخَ اِلُهيم مرَحِفِث عَل-بنِى هَمَّيِم".

ٱلفعل حُشِخ جرى بعد ٱلبرء للمآء فى طوره ٱلشهرى ٱلكواركى "הַשָּׁמַים هَشَمَيِم" عن بقايا ٱلفتق وٱلفرق "הָ אָֽרֶץ هَاَرِث". فهو فعل يحصر ويحشر ويزجر ويدفع ٱلمآء ٱلكواركى وٱلميزونى عبر بوابة بكَّة ليُسحب منهاۤ إلى بطن مكَّة. فتتكون منه ٱلسُّوَر ٱلإبتدآئية ٱلجملونية (بروتون ونيوترون وإلكترون ونترينو ٱلإلكترون). ومن بعض ٱلجملونات تتكون ٱلسُّور ٱلمستقرَّة وأولها سورة ٱلمآء هدروجين. وهى سورة ٱلفاتحة.
هٰذه ٱلسُّورة تهاجر من بطن مكَّة إلى ٱلمدينة وفيها يزول فعل ٱلمكِّ وتتبع ٱلسُّورة أشراط ٱلعيش فى ٱلمدينة. ومن هٰذه ٱلسُّورة ومن ٱلثور ox وقوى ٱلفعل gluons يتكون جزء ٱلمآء H2g2O الۤمۤـ ٱلذى "لا ريب فيه".
لقد مرَّ معنا فىۤ أعمالنا ٱلسابقة أنَّ لكلّ مِّن تكوين سورة ٱلهدروجين وجزء ٱلمآء H2g2O هيۤئة ٱلكعبة ٱلسداسية ٱلوجوه. وإذا عدناۤ إلى ٱلطور ٱلعبرى نرى فيه أنَّ ٱلفعل حُشِخ يبين لنا كيف يجرى كلّ من ٱلفعلين بكَّ ومكَّ فى ٱلسَّمآء Heaven ٱلّتى صارت "فقاعة". أو ٱنتفخت inflation بعد "ٱلفجر the Bang".وقد حدث فيها فعل ٱلبرء للمآء ٱلكواركى "הַשָּׁמַים هَشَمَيِم" عن ٱلتراب "הָ אָֽרֶץ هَاَرِث".
وما يدلنا عليه ٱلفعل حُشِخ هوۤ أفعال ٱلحصر وٱلحشر وٱلزجر وٱلدفع وٱلسَّحب. وجميع هٰذه ٱلأفعال من مكونات ٱلفعل حُشِخ. وهٰذ ٱلفعل يُفصَّل فى ٱلبلاغ ٱلعربى فى دليلين لفعلين منفصلين. ٱلأول هو ٱلفعل بكَّ ٱلذى يدلنا علىۤ أفعال ٱلحشر وٱلزجر وٱلدفع إلى ٱجتماع. وٱلثانى هو ٱلفعل مكَّ ٱلذى يدل على ٱلسَّحبِّ لما حُشر وزُجر ودُفع بقوة ٱلفعل بكَّ. وتتساند ٱلقوَّتان فى نشأة قوَّة كلٍّ مِّنهما.
وما نرـٰه فى ٱلبلاغ ٱلعربى أنَّ بكَّة هو مكان لِّأوَّل بيت فى ٱلتكوين:
"إنَّ أولَّ بيتٍ وضع للنَّاس لَّلذى ببكَّةَ مُباركًا وهدًى لِّلعٰلمين" 96 ءال عمران.
هٰذا ٱلمكان بكَّة يدلنا على مكان ضيق وطويل يشبه عنق ٱلزجاجة. وبين طرفيه يجرى ٱلحشر وٱلزجر وٱلدفع بسرعة كبيرة. وهٰذه ٱلهيئة ٱلمستنبطة من دليل ٱلاسم تماثل هيۤئة عنق ٱلمسرعات فى مراكـز ٱلبحث ٱلعلمى. كما تشبه هيۤئة فرج وعنق رحم ٱلأنثى. حيث يبدأ ٱلمكان ضيقًا وطويلاً مثل عنق ٱلزجاجة. وبعد أن تجتاز ٱلذَّريَّة ٱلمكان ٱلضيِّق تندفع بقوة سحب شديد إلى بطنٍ واسع شديد ٱلسَّواد. تتكون فيه ٱلأيات من ٱلكلمات ٱلأولى. وقد جآء فى ٱلبلاغ ٱلعربى وصف لِّهٰذا ٱلمكان:
"وهو ٱلَّذِى كفَّ أَيديَهُم عنكم وأيدِيَكم عنهم ببطنِ مكَّةَ" 24 الفتح.
وفى بطن مكَّة تُبنى من ٱلذَّرِّ ٱلسُّورة ٱلمستقرة ٱلأولى فى ٱلتكوين (ٱلهدروجين H). وٱسم ذٰلك ٱلبناۤء هو ٱلكعبة. وهو ٱلذى رأيناۤ أنَّه واحد ٱلمآءH2g2O فى كتابنا ٱلثانى "منهاج ٱلعلوم". وفى كتابنا "أنبآء ٱلقرءان" ظهر لناۤ أنَّ هيۤئة ٱلمآء فى طور سورة ٱلهدروجين هو ٱلأخر سداسى ٱلوجوه ويسبق تكوينه تكوين ٱلجزء. وقد جآء فى ٱلبلاغ ٱلعربى أن هٰذا ٱلمكان كان يخلو من ٱلزرع:
"إِنِّى أسكنت من ذريتى بوادٍ غير ذِى زرعٍ" 37 إبراهيم.
وما نرـٰه أنَّ كلمة وادٍ تستمدّ دليلها من دليل ٱلفعل "وَدَى" ٱلذى نجده فى دليل ٱلأفعال (سلك وسال ونفذ وجمع). فٱلوادى ٱلمحسوس هو ٱلمكان ٱلذى يسلك إليه ٱلسَّيل وينفذ ويجتمع فى بطنه. وفى ٱلبطن يبنىۤ أول بيت. وهو مكان ٱلسَّكن وٱلاستقرار لبعض ٱلذَّريَّة. وهٰذا يشير إلى ٱلمكان ٱلثانى مكَّة ٱلذى سحب بعض عدَّة ٱلشهور لتتكون منه ٱلسُّورة ٱلأولى.
من هٰذا ٱلفهم نستنبط كيف تتكون ٱلسُّورة وكذٰلك ٱلجزء. فمن ٱسم بكَّة وٱسم مكَّة ومن فعل ٱلبكِّ وفعل ٱلمكِّ نستدلُّ على تلك ٱلقوة ٱلحاشكة فى ٱلسَّمآء. وهى تلك ٱلتىۤ أطلق عليهاۤ أينشتاين ٱسم vacuum energy ليدل على قوَّة فراغ وخلوّ תׁהוּ וָ בׁהוּ (تُهو وبُهو) كما بيَّن ٱلقول ٱلثانى فى كتاب موسىٰ. وهى ٱلتى يسميها علمآء ٱلفيزيآء hole blackليدلوا بقولهم على حفرة سودآء فى ٱلسَّمآء يرتمى فيها كلَّ شىءٍ. وهى ٱلتى نقلتها ٱللغة ٱلفصحى بلسانها بقولين (طاقة خلاۤء) و(ثقب أسود) من دون أن تدرىۤ أن ٱلقوة ٱلمشار إليها هى قوَّة ٱلفعل مكَّ.

لقد جعل ٱللَّه هٰذا ٱلبنآء ٱلمكعب حِجًّا علينا:
"وللَّهِ على ٱلنَّاس حِجُّ ٱلبيت مَنِ ٱستطاعَ إِليه سبيلا" 97 ءال عمران.
هٰذا ٱلبنآء أقام إبرٰهيم له هيۤئة جعلها ٱللَّه حِجًّا علينا. وللبنآء هيۤئة سداسية ٱلوجوه. ونحن من بعد علمنا بهٰذا ٱلتكوين ٱلشهرى وٱلقلاۤئدى وٱلمنهاجىquarks &strings & method ٱلذى جآء ٱلتفصيل عن تكوينه ٱلجزئى فى ٱلبلاغ ٱلعربى:
"جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلكَعبَةَ ٱلبيتَ ٱلحَرَامَ قيٰمًا لِّلنَّاس وٱلشَّهرَ ٱلحَرَامَ وٱلهَدىَ وٱلقَلَـٰٰۤئِدَ ذٰلكَ لِتَعلَمُوۤاْ أنَّ ٱللَّهَ يعلمُ ما فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وما فِى ٱلأرضِ وأنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَليم" 97ٱلمائدة.
وبه نعلم "أَنَّ ٱللَّهَ يعلمُ ما فِى ٱلسَّمٰوٰتِ وما فِى ٱلأرض وأَنَّ ٱللَّهَ بكُلِّ شىءٍٍ عليم". وبعلمنا يبلغ ٱلحِجُّ عليناۤ أقصاه. ويجعلنا نؤمن يقينًا مِّن دون ريب بعلم ٱللَّه وبيانه ٱلمنشور بلسانٍ عربىٍّ.

هٰذا ٱلإدراك لدليل ٱلفعلين "بكَّ" و"مكَّ" فى ٱلتكوين لا يظهر فى معاجم ٱللغة ٱلفصحى. ولا فى كتب ٱلشارحين من رجال ٱلكهنوت. وفيها ماۤ أدركه ٱلناس ببصر ٱلعين من دون سؤال ولا نظر ولا تفكير ولا ٱستنباط ولا جعل.
وفى هٰذا ٱلمثل بيان يكشف لنا كم أضاع ٱلكهنوت وٱللُّغو علينا من دليل ٱلبلاغ ٱلعربى. ومن تحديث ٱستطاعة ٱلاحتمال ٱلتى تكبر بتنزيل أخر نسخة من أطوار ٱلويندوز (ٱلقرءان) فى قلوبنا. وتثبيته فىۤ أفئدتنا ليكون لباسًا يوارى ٱلسَّوءة فىۤ إدراكنا وأفعالنا وأعمالنا وأقوالنا:
"يَـٰبَنِىۤ ءَادَمَ قد أَنزَلنا عليكم لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوۡءَٰتِِكُم" 26 ٱلأعراف.
وما يجب أن نعلمه أنَّ ٱلذين صنعوا ٱللُّغو فى لسان ٱلقرءان ٱلعربى هم من قوم ٱلرسول. وفى ٱلبلاغ بيان حال أكثرهم إلى قيام ٱلساعة:
"يسۤ(1) وَﭐلقرءَانِ ﭐلحَكِيمِ(2) إِنَّكَ لَمِنَ ﭐلمُرسَلِينَ(3) علىٰ صِرَٰطٍٍ مُّستَقِيمٍ(4) تَنزِيلَ ﭐلعَزِيزِ ﭐلرَّحِيمِ(5) لِتُنذِرَ قَومًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُم فَهُم غَـٰفِلُونَ(6) لَقَد حََقَّ ﭐلقَولُ عَلَىٰۤ أَكثَرِهِم فَهُم لا يُؤمِنُونَ(7) إِنَّا جَعَلنَا فِىۤ أَعنَـٰقِهِم أَغلَـٰلا فَهِىَ إلى ﭐلأذقانِ فهم مُقمَحُونَ(8) وجعلنا مِن بَينِ أيدِيهِم سَدًّا ومِن خلفِهِم سَدًّا فأغشَينَـٰٰهم فَهُم لا يُبصِرُونَ(9) وَسَوَآء عَليهِم ءََأَنذَرتَهُم أَم لَم تُنذِرهُم لا يُؤمِنُونَ(10)" يسۤ.
ٱليود (ٱليآء) فى كلمة "يسۤ" يـد مُّوجَّهة بٱلصِّيرى (ٱلنقطتان). وتوجيهها موزع فيهاۤ (أتوماتيك) ولا خيرة لها فيه.
أمَّا ٱلسَّامخ "س" فيدل على ٱلسَّطر ٱلذى تَخطُّ فـيه ٱليودُ كلماتٍ. وٱلمدُّ يبين أنَّ ٱلسَّطر يتضاعف "س س". وهٰذا يدلُّ على ٱلنَّسخ. ومثله ما يجرى فى كتاب ٱلجينوم ٱلـ د ن ا DNA حيث يقوم ٱلمرسال messenger بنسخ ٱلمعلومات ومضاعفتها وفق هداية موزعة program.
ثم يأتى بعد كلمة "يسۤ" كتاب ٱلوتد "واو" ٱلذى يدلُّ على ٱلتتالى وٱلطور وٱلعقل. ويليه ٱسم "ٱلقرءان" وٱسم صفة له "ٱلحكيم". وهو يدل علىۤ إدراك ما يجرى فى ٱلـ د ن ا وجعله (ترجمته) بيانًا حكيمًا لِّجميع ألوان ٱلبيان ٱلتى يأتى بها فعلُ عليمٍ:
"إنّا جَعَلنـٰهُ قُرءانًا عَربِيًّا لَعلَّكُم تَعقِلونَ" 3 الزخرف.
فقوم ٱلرسول أكثرهم لا يؤمنون. وسبب ذٰلك هو ٱلجينوم (س س= سۤ) ٱلذى يجعل هٰذه ٱلأكثرية مقمحة. وعلىۤ أبصارهم غشٰوة. فهم فى قولهم كالقمح ٱلذى يتمايل متفاخرًا. وعندما يهب ريح يتكسَّر ٱلقمح ويتساقط فوق بعضه.

لقد رأيناۤ أنَّ ٱلفعل "جعل" يدلنا على فعل يحوِّل أمرًا أو شيئًا مِّن هيۤئةٍ إلىۤ أخرى. كتحويل قول من لسان ٱنكليزىّ إلى لسان فرنسى (ترجمة). ومأربُ ٱلجعلِ هو إدراك ما يدلُّ عليه ذٰلك ٱلأمرُ أو ٱلشىءُ فى ٱلطرف ٱلمحول إليه ٱلقول. وجآء فى قولنا عن مَثَلِه فيما يفعله علمآء ٱلفيزيآء وعلمآء ٱلبيولوجيا. فهم يجعلون (يترجمون) ٱلرموز codes ٱلمُعجمة فى ٱلشىء رموزًا مُّدركة تدل بلسانهم علىۤ أمرٍ يتعلق بتكوين هٰذا ٱلشىء وعلاقته مع ٱلأشيآء ٱلأخرى. ويجرى ذٰلك بجعل ٱلرموز ٱلمُعجمة كلمات مَّنطوقةً ومخطوطة بلسانٍ يبيِّن ٱلدليل.
ومثله ما وجده علمآء ٱلبيولوجيا فى فعل ٱلريبوزومات فى سيتوبلازما ٱلعلقة (ٱلخلية). ٱلتى تجعل (تترجم) ٱلأحماضَ ٱلأمينيَّةّ ٱلمصفوفة فى شريط ٱلمرسال "د ن ا/mDNA" بروتيناتٍ.
هٰذا ما يدلنا عليه ٱلفعل "جعل". فهو فعل يحوِّل (يترجم) ٱلأمر ٱلعجمى إلىۤ أمر عربىٍّ. فٱلَّذى جُعل قرءانًا عربيًّا هو عِلم مُّعجَم فى ٱلتكوين على ٱلبشر. وهو سنّة ٱلتكوين فى هيۤئة رموز فيزيآئية فى ٱلشىء ٱلميِّت. ورموز بيولوجية فى ٱلشىء ٱلحىِّ. وفيها هداية للشىء فى تكوينه وفى علاقاته مع ٱلأشيآء ٱلأخرى. وٱلقرءان ٱلعربىّ هو بيانُ وتبيانُ ما تدلُّ عليه رموز ٱلأشيآء ٱلمُعجمة بلسانٍ ينطق به ٱلبشر بقوَّة منهاج ٱلويندوز "وعلَّم ءَادم ٱلأسمآء كلَّها" ٱلمحدَّث بلسان عربىٍّ مبين. وبه يُدركون. وهو لسان يسير سهل بيِّن لَّا خفآء فيه. وهو ما تدل عليه كلمة عربىٍّ. فٱلقرءان ٱلعربىُّ جَعَلَ رموزَ تكوين ٱلأشيآء جميعها بيِّنة بلسان لَّا عُجم ولا خفآء فيه. وهو ما يدل عليه تكوين كلمة قرءان. فهو قرء كلىّ وبيان مُّطلق. يبلغنا عن جميع ٱلحقِّ بلسان عربىٍّ مُّبينٍ.
أمَّا ٱلأشيآء ورموزها ٱلغيبيَّة فهى ٱلتى جُعلت أسمآء. وكلُّ شىء صورتُه فى ٱلأسمآء كلها. وهى ٱلتى عُلِّمت فى قلب ءادم "وعلَّم ءادم ٱلأسمآء كلَّها". فٱلقرءان بيان وتبيان عن ٱلأشيآء ورموزها ٱلظاهرة لبصر ٱلعين وٱلغاۤئبة عن بصرها. وهو وسيلة ٱلعالم ٱلبصير إلى ٱلعقل مع ٱلحقِّ ٱلمنظور فيه. وبه سبيل ٱلناظر إلى ٱلعقل مع ما يكشفه نور ٱلنظر وٱلبحث فى سنّة ٱلأشيآء ورموزها. وفى ٱلوصول إلى تصديق ٱلبلاغ ٱلعربىِّ وٱلاطمئنان إليه.
وبهٰذا ٱلمفهوم لدليل ٱلفعل جعل يتبيَّن لناۤ أنَّ كتاب ٱللَّه ٱلقرءان هو جعل (ترجمة) لِّعدَّة وقوى ٱلفعل ٱلمُعجمة فى ٱلتكوين ٱلميت وٱلحى (فيزيآء وبيولوجيا). ووسيلة جعله لسانُ بشرٍ مَّنطوق ومخطوط. وبهٰذا ٱلبيان صار ٱلسير بنا مع مفهوم كلِّ كلمة أيسر إدراكا وفهما.

لقد لغو ٱلكهنوت فى جميع ٱلكلام ٱلعربى. وصار ٱلتَّصويب أكبر من أعمال ٱلنظر. ويأخذ حظها من ٱلوقت. وهٰذا ما يظهر من أعمالى حتى ٱلأن. إلاۤ أنَّ أعمال ٱلنظر لا تنتظر تصويبنا لما لغو فيه ٱلكهنوت. فبعض ٱلناس فى بلاد بعيدة عن بلاد ٱلشَّام ينصرفون لأعمال ناظرة باحثة عن ٱلحق فى ظاهره وفى غيبه. ولهم فىۤ أعمالهم قروء تبين كيف بدأ ٱلخلق فى ٱلغيب وٱلزمان ٱلبعيدين. وهم فىۤ أعمالهم يعبدون ٱللَّه ٱلذىۤ أمر بٱلسير فى ٱلأرض وٱلنظر فى كيف بدأ ٱلخلق. وعبادتهم تأتى على ٱلرّغم من فقدان ٱلدراية بدليل كلمات ٱلقرءان ٱلعربى.

أمَّا فى بلاد ٱلشَّام فتسيد مفاهيم أهل مكّة وفسقهم عن أمر ٱللَّه. ولسان حالهم ٱلكاذب وٱلمقيت "أهل مكّة أدرى بشعابها". وهم لا يدرون أنَّ مكَّة لا يدرى بشعابهاۤ إلا من عَبَدَ ٱللَّه وسار فى ٱلأرض ناظرًا كيف بدأ ٱلخلق. ومن عَلِمَ أنَّ فعل ٱلمكِّ هو فعل فى ٱلتكوين يجرى فى ظلام قوَّة ساحبة. وهو ٱلذى يجعل ٱلكواركات هدروجينًا سداسى ٱلوجوه يبقى فى ٱلظلمات حتى يكشف عنه نور نظر ٱلناظر. فينيره ويبينه بلونه ٱلأبيض. كما هو لون ٱلثلج ذو ٱلجزيئات ٱلمكعبة. ويعلم أنَّ دليل ٱسم زمان ٱلعبرى ٱلِّسان وٱلمفروق ٱلخطِّ. يدلنا على ٱمتداد أجزآء ٱلتكوين فى ٱلمكان ٱلذى يحمل ٱسم مكَّة فى ٱلسَّمآء وفى مسرِّعات ٱلفيزيآء. أمَّا بعد أن يوصل ٱلتكوين إلى ٱلسَّكن فى ٱلمكان ٱلذى يحمل ٱسم ٱلمدينة ويصير ٱلتكوين مشاهدًا ومحسوسًا فتدلنا على ٱمتداد ٱلأشيآء فيه كلمة وقت ٱلعربية.

سلطة مكّة وسلطة ٱلمدينة
من بعد ٱلعرض لتطور دليل ٱلاسم مكَّة ٱلذى يجعله من كلمات بيان ٱلفيزيآء ٱلموافق لدليل ٱلقول vacuum energy. وقد جآء فيه أنَّ دليل ٱلاسم يبدأ من ٱلمحسوس وينتقل بتطوره إلى ٱلغيب. نرىۤ أن يمرَّ عملنا على دليل ٱلاسم على ما يتعلق بٱلسلطة فى ٱلمجتمع. ٱلذى تديره هيئة تتكون من بعض أفراده. وهٰذه ٱلهيئة إمَّاۤ أن تكون إدارتها تقوم على تسلط وطغوى فئة من أبنآء ٱلمجمتع لا تترك لأفراده خيرة فى ٱلرأى وٱلموقف. وسلطتها لا تخضع للتداول بين أبنآء هٰذا ٱلمجتمع. وإمَّاۤ أن تكون إدارتها تقوم على ٱلتداول بين أفراد ٱلمجتمع وفق ميثاق (دستور) ومن دون تسلط أو طغوى. وأسلوب كلٍّ من ٱلهيئتين هو ٱلذى يحدد ٱسمها.
فٱلهيئة ٱلتى تتسلط وتطغى هى سلطة مكّيّة تستمد حياتها من أسلوب ٱلمكِّ لكلِّ شىء كٱلضرآئب وٱلسخرة وٱلإكراه على خدمة فى جيشها وإكراه ٱلناس على ٱتباع دينها. وهٰذا ٱلمكُّ فى حياة ٱلناس ينشر ٱلظلام على كلِّ أمر كما هو ٱلأمر فى ٱلتكوين ٱلسَّماوى ٱلمسمَّى black hole. وبٱلمكِّ يغلق على ٱلناس سبيل ٱللَّه.
أمَّا ٱلهيئة ٱلتى تستمدّ حياتها من ٱلميثاق ٱلدِّينى فهى سلطة مدينة (مدنية) authority civilian يكشف ٱلنور جميع جوانب حياتها كما هو ٱلأمر فى ٱلطريق ٱللّبنىThe milky way Galaxy ٱلمنير. وفيه لكلِّ تكوين فرديته وحدوده وفلكه ٱلذى يسبح فيه. وجميع أعمال ٱلناس فى ٱلمدينة تخضع طوعًا للميثاق ٱلذى يحترم فردية كلَّ مَن يعيش فى ٱلمدينة. فلا ظلام ولا سخرة ولا مكوس فيها ولاۤ إكراه فى ٱلدين. وحاجتها من ٱلأموال تأتى بها ٱلصدقات. وٱلدفاع عنها يحدث بتطوع أبنآئها. وٱلأمر فيها يتبع ٱلشورى فى ٱلرأى ٱلذى يثبته ما يبينه ٱليوم من ٱستفتآء للأرآء عبر وسآئل ٱلإعلام ٱلمختلفة وعبر صناديق ٱلانتخاب.
هٰذا ٱلأمر يبيّن لنا فى مطلب ٱحتكار ٱلسلطة لكلٍّ مِنّ ٱلَّذين يسمّون أنفسهم بٱسم ٱلإسلام (وهم مسلمون لدين مكَّة وطاغوتهاdespotism command ). ومن ٱلَّذين يسمون أنفسهم بٱسم ٱلقوم. أنَّ كلاهما عدوّ لدين ٱلمدينة وميثاقها.
ولقد بينا فى كتابنا ٱلصحيفة أن عدوَّ دولة ٱلمدينة هم ٱلذين يدعون بٱسم ٱلقوم ٱلذى يمثله ٱسم قريش. وقد ورد فى ٱلصحيفة أن ٱلعدو هو قريش. فٱلسلطة ٱلقومية ٱلمفاهيم هى سلطة ٱلذين هادوا وهم ٱلسَّلفيون فىۤ أرآئهم ومفاهيمهم. وهم ٱلذين يخضعون ٱلحاضر لسلطة ماضٍ مَّيّتٍ. فيموت حاضرهم بفعل أفكارهم ٱلتى تخالف ٱلأمر ٱلعربى:
"ولا يلتفت منكم أحد" 81 هود.
فى هٰذا ٱلتفريق بين مفهوم ٱلدليل ٱلمقطوع عن تطور ٱلإدراك وٱلمفهوم ٱلسَّآئر على سبيل ٱلتطور نرى ٱلأسس ٱلتى نعيد بنآء فهمنا عليها لمسآئل متعددة. وأولها مسألة ٱلدين وكذٰلك مسألة ٱلسلطة وتداولها. وبذلك يتبين لنا دليل سبيل ٱللَّه فنعكف على سلوكه عالمين بٱلمصير ٱلحسن.
وما تبين لنا من دليل ٱسم مكَّة وحمله لما يرـٰه علمآء ٱلتكوين من دليل فى ٱلقوَّة vacuum energy يدفعنا لنبعد بأنفسنا عن أهل مكَّة وهم قريش. ونهاجر لنلتحق بـ أهل ٱلمدينة. وفى موقفنا هٰذا لا ندعوۤا إلى حرب مع أهل مكَّة. ولكن لا نتركهم يعتدون على سبيل ٱللَّه من دون عقاب. وسبيل ٱللَّه هوۤ إدراك سنَّته ٱلفاعلة فى ٱلتكوين. وٱلعلم أنَّ إدراك ٱلسنَّة فى طورها ٱلمكىّ يدفع لاختيار ٱلسنَّة فى طورها ٱلمدينىّ. وفى ٱلفصول ٱلتالية من ٱلكتاب ما يساعد على فهم ٱلمسألة أكثر.























صَبِئَ

لقد طغى ٱلظنُّ وٱلتخريص وٱلقول ٱلمقمح لرجال ٱلكهنوت ومن تبعهم فى لغوهم على دليل جميع ٱلكلمات ٱلعربية. وبٱلظنِّ جآء ٱلرَّجم بٱلغيب وقد صنع دينًا وأطلق عليه ٱسم ٱلصَّابئة. وقد حدث ذلك بسبب إدراكٍ عجلٍ وخاطئ لِّدليل ٱسم ٱلصَّـٰبِئين فى ٱلبلاغات ٱلتالية:
"إِنَّ ٱلَّذينَ ءَامنواْ وٱلَّذينَ هادُواْ وٱلنَّصٰرَى وٱلصَّٰبِئين من ءَامَنَ بِٱللَّهِ وٱليومِ ٱلأَخِرِ وَعَمِلَ صٰلحًا فلهم أَجرُهم عِندَ رَبِّهم ولا خَوف عَلَيهِم ولا هم يحزنُون" 62 ٱلبقرة.
"إِنَّ ٱلَّذينَ ءَامنواْ وٱلَّذينَ هادُواْ وٱلصَّٰٰبِئُونَ وٱلنَّصٰرى من ءَامَنَ بِٱللَّهِ وٱليومِ ٱلأَخِرِ وَعَمِلَ صٰلحًا فلا خَوف عَلَيهِم ولا هم يحزنُون" 62 ٱلماۤئدة .
"إنَّ ٱلّذين ءَامنواْ وٱلّذين هَادُواْ وٱلصَّٰبئينَ وٱلنَّصَٰرى وٱلمَجُوسَ وٱلّذينَ أَشرَكُواْ إنَّ ٱللَّه يفصِلُ بينهم يومَ ٱلقيٰمةِ إنَّ ٱللَّه على كلِّ شَىءٍ شهيد" 17 ٱلحج.
وما جآء فى كتب ٱلكهنوت وٱللُّغة بزعم تفسيرٍ يبين ٱلرَّجم بٱلغيب وٱلتخريص فى دليل ٱسم ٱلصَّابئين.
أمَّا ٱسم صابئ فدليله من دليل ٱلفعل صبئ. وهو فعل يدل على موقف إنسانٍ مِّن مَّسألةٍ أو مسآئل عاۤمَّة كٱلسلطة ٱلمكيّة فى ٱلمجتمع ٱلتى تتماثل مع ٱلسنَّة فى طور مكَّة ٱلتكوينى. وهى ٱلمفاهيم ٱلتى تقيِّد ٱلناس وتكرههم فى ٱلرأى وفى ٱلفعل وتمنع عليهم سلوك سبيل ٱللَّه.
وصاحب هٰذا ٱلموقف هو ٱلصابئ. وهو ٱسم لمن يحتجُّ ويعترض على ٱلسلطة ٱلمكيّة ومفاهيمها ٱلمقيدة وفىۤ أىِّ وقت. ويوصل فى ٱحتجاجه وٱعتراضه إلى حدِّ ٱلانشقاق عن تلك ٱلسلطة ومفاهيمها. ويسوقه ٱحتجاجه وٱعتراضه إلى ٱلهجرة عن أرض قومه. وبهجرته يكتمل موقفه. وبٱكتمال موقفه تزول ٱلحاجة إلى هٰذا ٱلاسم. وهو بعد هجرته يزول ٱحتجاجه ويتغير ٱسمه من صابئ إلى مهاجر ويشرع ببنآء طور ٱلعيش فى ٱلمدينة.
وهٰذا ما حدث للرسول محمد ولأتباعه. فقد كان أهل مكَّة يطلقون ٱسم صابئ عليه وعلىۤ أتباعه. بسبب ٱحتجاجهم وٱعتراضهم على ٱلمفاهيم ٱلمهيمنة علىۤ أهل مكَّة بفعل ٱلمكّ ٱلشديد على عيش ٱلناس فيها. ومنع ٱلسلوك على سبيل ٱللَّه. وقد جآء عند ٱلمفسرين ٱلثلاثة أنَّ أهل مكَّة:
"يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه هَؤُلاءِ الصَّابِئُونَ وكانوا يَنْبِزُونَ مَنْ أَسْلَمَ بِالصَّابِئِ أَيْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ سَائِر أَدْيَان أَهْل الْأَرْض" .
وكما جآء فى قول ٱلقرطبى:
"ٱلصَّابئ مَنْ خَرَجَ وَمَالَ مِنْ دِين إِلَى دِين, وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَب تَقُول لِمَنْ أَسْلَمَ قَدْ صَبَأَ".
ومع أنَّهم بيَّنوا معرفتهم لدليل هٰذا ٱلاسم إلاۤ أنهم ضاعوا فى تفسيراتهم ٱلتىۤ أظهرت ٱلصَّٰبئين وكأنهم أصحاب دين يحمل هٰذا ٱلاسم. فيقول ٱبن كثير:
"أما الصابئون فقد اختلف فيهم".
وأورد مجموعة من أقوال متخالفة ومتناقضة:
"لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم،.. إنهم كالمجوس،.. إنهم يعبدون الملائكة،.. إنهم يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس،.. إنهم يقرأون الزبور ويصلون للقبلة،.. إنهـم قـوم مما يلي العراق يؤمنون بالنبيين ويصومون ثلاثين يوماً,... إنهم يعرفون الـلَّـه وحده وليست لهم شريعة يعملون بها،.. هم أهل دين من الأديان،.. وهم قوم يشبهون النصارى إلاَّ أن قبلتهم نحو مهبّ الجنوب،.. إن دينهم مـركـب بين اليهود والمجوس ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نسـاؤهم" .
ويتابع ٱبن كثير ليقول رأيه فى ٱلمسألة:
"وأظهر الأقوال والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتنونه، ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ، أي أنه خرج عن سائر أديان الأرض إذ ذلك. وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم" .
ومن ينظر فى هٰذه ٱلأقوال يرى فيما قاله ٱلسادة ٱلمفسرون أنَّه أقل إدراكًا لِّلمسألة من إدراك ٱلجهلة المشركين "ٱلذين كانوا ينبزون من أسلم بالصابئ". فٱلمشركون وهم ٱلجاهلون كانوا يطلقون ٱسم صابئ على كلِّ من ٱحتجَّ وٱنشقَّ عن دين مكَّة. ولم يضيعوا فى ٱستعمال ذٰلك ٱلاسم كما ضاع ٱلسادة ٱلمفسرون.

وفى عمل يزعم علمًا بٱلمسألة لـ مشيل تارديو جَهَدَ فيه باحثًا عن ٱلصَّابئين وتوصل إلى ٱلقول ٱلتالى:
"فمن الفرق الدِّينية الأربع التي عرفها الرسول وأورد أسماءها، يظل الصابئة الفرقة الوحيدة التي لا نعلم عنها شيئاً. لقد اختفى، أو مُحي، كل أثر لهم. وفي زمن الهجرة، كانوا غير معروفين بصفتهم الصابئة خارج حدود شبه الجزيرة العربية وحتى داخلها بالذات كان وجودهم في "المدينة "موضع شك كبير".
وما يرـٰه تارديو رأـٰه ٱلمفسرون ٱبن كثير وٱلطبرى وٱلقرطبى وغيرهم. وهو فى قوله يستند إلى تخريصهم ورجمهم بٱلغيب. وهو فى قوله عن ٱلصَّابئين "كان وجودهم في "المدينة "موضع شك كبير" يبين أنَّه لم يرَ زوال ٱلحاجة للاسم فى دولة ٱلمدينة. وقد صار ٱلصَّابئون فى هجرتهم مهاجرين.
لقد عرفت أوروبا سلطة مكيَّة (سلطة ٱلكنيسة) وكان فيها مثل هٰذا ٱلموقف ٱلصَّابئ لقرون متعددة (صابئة حرّان وصابئة نجران). وكان أخر أصحاب هٰذا ٱلموقف ٱلصَّابئ وٱكثرهم تأثيرًا هم أولٰئك ٱلذين ٱشتهروا بٱسم يدل على ٱلاحتجاج وٱلاعتراض بلسان لاتينى. وهٰذا ٱلاسم هو ٱلبروتستانت Protestant.
وكما حدث وهاجر ٱلصَّابئون فى مكَّة إلى يثرب وجعلوا منها مكانًا يحمل ٱسم ٱلمدينة بٱتباع أهله سبيل ٱللَّه وفق ميثاق طوعى لاۤ إكراه فيه علىۤ أحد. فقد هاجر أكثر ٱلصَّابئين "ٱلبروتستانت" من سلطة أوروبا ٱلمكيَّة إلىۤ أمريكا ٱلشمالية. وفيها أقاموا دولة ٱلولايات ٱلمتحدة فى هيۤئتها ٱلمدينية ٱلفيدرالية وٱلديمقراطية. أمَّا ٱسم بروتستانت فقد بقى ٱسمهم إلى يومنا هٰذا على ٱلرغم من زوال ٱلحاجة إليه من بعد ٱلهجرة عن أرض ٱلسلطة ٱلمكيَّة.
هٰذا ٱلأمر يبين أنَّ حدث ٱلهجرة يجرى من ٱلبلد ٱلذى ٱتخذ أهله من منهاج ٱلمكِّ ٱلمُكره لهم أساسًا لعيشهم وبه يمنع ٱلسلوك على سبيل ٱللَّه. فٱلذى يهاجر يسبق هجرتَه موقفُهُ ٱلصَّابئُ. وهو بعد ٱلهجرة يصير مهاجرًا ويترك ورآءه موقفه ٱلصَّابئ. كذٰلك يترك ٱسمه كمحتجٍّ ومعترض "بروتستانتى" Protestant.
هٰذا ٱلأمر لم يجده ٱلسادة ٱلمفسرون ولا ٱلسيد تارديو على ٱلرغم من ٱلاستعمال ٱلصَّواب للمشركين فى مكَّة له. فٱلصَّابئون فى مكَّة تبدل ٱسمهم إلى مهاجرين فى يثرب. وقد عملوا على تبديل ٱلسلطة فيها بتطوع أهلها. وحولوهاۤ إلى سلطة مدينة لاۤ إكراه فيها authority civilian. تقوم على ميثاق بين ٱلناس بتطوع ومن دون إكراه.

















ٱلصَّلوٰة

نحن هنا نتوسع فيماۤ أدركناه وقلناه عن ٱلصَّلوٰة فى كتابنا ٱلحكم ٱلرسولى.  تسهيلا لإدراك مفهوم ٱلكلمة ٱلتى حرف ٱللَّغو دليلها عن موضعه منذ زمن بعيد. فٱلفعل صلَّى هو فعل أساس فى سير أفعال ٱلتكوين ٱلتى تقوم بها ٱلرموز ٱلمعجمة فى ٱلأشيآء. وهو ٱلفعل ٱلذى يحكم سير أفعال ٱلتكوين. يحرسها فلا يتركها تتداخل فيما بينها. وإلا وقعت ٱلطامَّة ٱلكبرى فى ٱلتكوين كلِّه.

لقد نفخ ٱللَّهُ ٱلرّوحَ فى قلب ٱلبشر من دون علمٍ أوۤ إرادةٍ للبشر فى ذٰلك. ثم تابع تقوية ٱلرّوح بتنزيل ٱلرّسالات حتى ٱكتمل ٱلدِّين. وبكمال ٱلدين صار ٱلإنسان قادرًا على فعل ٱلجعل (ٱلترجمة). فأعلن ٱللَّه أنه بعد كمال تلك ٱلقدرة. لا يتدخل فىۤ أفعال وأعمال وأقوال ٱلبشر ٱلإنسان. وأنه يتخذ منه موقف ٱلخالق ٱلقادر ٱلعليم ٱلشَّهيد ٱلمحيط ٱلسَّميع ٱلبصير ٱلرقيب ٱلحسيب. وقد صار ٱلبشر إنسانًا يقدر على فعل ٱلكيل من دون عون خارجى. بفعل ٱلطور ٱلذى وصل إليه وهو طور ميكـٰل.
لقد كان تدخل ٱللَّه من أجل ٱلوصول بأطوار ٱلرّوح فى نفس ٱلبشر إلى طور ميكـٰل. وبه يملك ٱلوسيلة لأن يكون قادرًا على ٱلجعل وٱلكيل. وعليمًا به وشهيدًا ومحيطًا وسميعًا وبصيرًا ورقيبًا وحسيبًا. وبعد أن وصل ٱلإنسان إلى هٰذا ٱلطور ورد ٱلقرءان ٱلعربى. وهو منهاج فيه وسيلة ٱلسعى للعلم فى كيف بدأ ٱلخلق. ووسيلة ٱلوقاية من أى فعل يشيط به إلى فعل ٱلسُّوء:
"يـٰبنِى ءَادم قد أنزلنا عليكم لباسًا يوٰرِى سوءٰتكم"26 ٱلأعراف.
لقد توقف تدخل ٱللَّه عند هٰذا ٱلمنهاج وبه كمال تنزيل ٱلدِّين:
"ٱليوم أكملت لكم دينكم"3 ٱلمآئدة.
أمَّا مسألة تنزيل ٱلقرءان فى قلب كل واحد من ٱلبشر وتثبيته فى فؤاده فهى متروكة للبشر. وهو ٱلذى ينزِّل منهاج ٱلقرءان فى قلبه بنفسه. ويثبته فى فؤاده. ثم يبدأ يقرأه ليُقضىٰۤ إليه وحيه.
وتدخل ٱللَّه هو تدخل ٱلعليم ٱلخبير. وقد جعل من ٱلبشر قوة تقدر على ٱلعلم وٱلخبرة. وتدخّله هو مثل أفعال تحميل وتنزيل ٱلمناهج فى كومبيوتر من دون تدخل فى سلوك وأفعال ٱلبشر وأعماله وأقواله ٱلمتعلقة بعيشه وحياته ٱلخاصة. وهى متروكة للبشر ليظهر تأثير تلك ٱلمناهج لدى كلِّ واحد مِّنه. سوآء ءَكان نبيًّا أم نبيًّا ورسولا. فإن ٱللَّه لم يتدخل فيما يفعله ويعمله ويقوله. وترك مسئولية ذٰلك للبشر نفسه. وقد ٱتخذ ٱللَّه من ٱلبشر موقف ٱلقادر ٱلعليم ٱلشَّهيد ٱلمحيط ٱلسميع ٱلبصير ٱلرقيب ٱلحسيب.
وقد وردت فى ٱلقرءان كلمة يضم دليلها دليل ٱلأفعال (قدر وعلم وشهد وسمع وبصر وأحاط ورقب وحسب). وهٰذه ٱلكلمة هى "صَلَّى". فٱلَّذى يصلِّى يقدر ويعلم ويشهد ويحيط ويرقب ويحسب فلا يغفل. ولا يسهو. ولا يفتر سمعه وبصره. عن ٱلَّذى يرقبه. ولا يتجاوز حدود ٱلَّذى يصلِّى عليه ليعتدى عليه. فهو يتربص أفعاله وأعماله وأقواله من دون تدخل فيها. ويترك له ٱلخيرة فيما يفعل ويعمل ويقول.
وهو فعل يشبهه ما تفعله مايكروسوفت فى مراقبة أفعال مناهجها على جميع ٱلكومبيوترات فى ٱلأرض من دون ٱلتدخل فىۤ أعمال وخصوصية ٱلعامل على ٱلمنهاج.
وما وجدناه أنَّ ٱلعامّة يستعملون هٰذه ٱلكلمة صوابًا وفق إدراك بسيط لدليل ٱلكلمة. فهم يقولون فلان "صَلَى ويَصلِى" فلانًا. وهم يريدون من قولهم أنّه يرقبه ولا يغفل عنه ويعدُّ له. ومثله قولهم "صَلى ٱلصّياد". أى توقف عن ٱلحركة وتهيأ لرمية ٱلصَّيد. وقولهم "صَلَى ٱللّحم" إذا شوـٰه. وهو وصف صواب للّحم ٱلمشوىّ ٱلصَّالح للأكل. بسبب وضعه على بعدٍ مِّنَ ٱلنار يجعلها تشويه. من دون حرقٍ له. فإذاۤ أقترب من ٱلنّار حرقته. وإذا ٱبتعد لا تشويه. وشوىُ ٱللّحم فى وضعه على بعدٍ هو حدّ مِّنَ ٱلنّار.
هٰذا ٱلفهم ٱلعامىّ ٱلفطرىّ يطابق دليل ٱلكلمة فى ٱلبلاغات ٱلتالية:
"خذوه فغلّوه (30) ثمّ ٱلجحيم صلّوه (31)"ٱلحاقة.
"فأنذرتكم نارًا تلظّى (14) لا يصلـٰهاۤ إلاّ ٱلأشقى(15)"ٱلّيل.
"فنزل مِّن حميمٍ (93) وتصلية جحيم (94)"ٱلواقعة.
"جهنّم يصلونها فبئس ٱلمهاد"56 ص.
فهو يوضع على بعدٍ منها. يرقبها. وهى تشويه ولا تحرقه. وهو ما يبينه ٱلبلاغ:
"إن ٱلَّذين كفرواْ بـٴَـاياتنا سوف نصليهم نارًا كُلَّما نضجت جلودُهُم بدلنَـٰهم جلودًا غيرها ليذوقواْ ٱلعذاب"56 ٱلنسآء.
فكلمة "نضجت" تبين ٱلشّوىَ لا ٱلحرق. وفى ٱلحرق موت فلا تذوّق لعذاب من بعده.
هٰذا يبيّن أنّ كلمة "صَلَى" تدلّ على ما تقدم من قولٍ. وكلمة "صَلوٰة" مصدرها هٰذا ٱلأصل. وهى ٱسم وسيلة ٱلفعل "صَلَّى". وأنَّ ٱلَّذى يقوم بٱلفعل "صلَّى" يكون قدير عليم شَّهيد سميع بصير رقيب حسيب. وهو لا يغفل ولا يتدخل ولا يعتدى على حدود وأفعال وأعمال ٱلذى يصلِّى عليه.
"صَلَّى" فعل يشير إلى موقف فاعل. سوآء ءكان ٱلفاعل هو ٱللَّه أم كان إنسان. وهٰذا ٱلفاعل لا يعتدى بسبب علمه بٱلأذى ٱلذى يأتى به ٱلإعتدآء فيذكر ٱلأمر ولا ينسى:
"وَذَكَر ٱسمَ رَبِِّهِ فَصَلَّى" 15 ٱلأعلى.
ٱلَّذى صلَّى هو ٱلإنسان ٱلخليفة ٱلمؤمن ٱلعالم. وموقفه ٱلذى يظهره ٱلفعل "صَلَّى" يأتى به علمه وتذكره أنَّ ٱلرّب عليم باق حىّ قيُّوم. وأنَّه صاحب ٱلمرتبة ٱلأولى فى ذٰلك. فٱلإنسان ٱلمؤمن يصلِّى على صاحب تلك ٱلمرتبة فلا يعتدى على ٱسمه ولا يتخذه لنفسه. ويعلم أنَّه يليه فى ٱلمرتبة. فلا يدّعىۤ أنّه إلٰٰٰه. ويعلم أنَّه شىء خلقه وسوَّـٰه صاحب ٱلمرتبة ٱلأولى ثمّ جعله خليفة. وأنَّ صفة فعل ٱلخالق وفعل ٱلمخلوق محدَّدتان فى ٱلبلاغ:
"لا إلـٰهَ إلاَّ هُوَ كُلُّ شَىءٍ هَالِك إلاَّ وَجههُ"88 ٱلقصص.
كما يعلم أنَّ علمه محدود:
"وما أُوتِيتُم منَ ٱلعِلمِ إلاّ قليلاً"85 ٱلإسرآء.
فيقرُّ ويركعُ أمام صاحب ٱلمرتبة ٱلأولى. ويسلك فى حياته ٱلدنيا وفق ٱلمرتبة ٱلثانية. فلا يتكبَّر. ولا يطغى. يصلِّى على أفعاله وأعماله وأقواله (رقابة ذاتية) ويقابلها بأوامر ٱللَّه مصدر ٱلتَّكوين وٱلعلم. فهو لا يغفل عن نفسه ولا يسهو عن أفعالها وأعمالها وأقوالها. وهو يعلم ويشهد ويسمع ويبصر ويرقب ويحسب كلَّ عمل وفعل وقول تقوم به نفسه.
أمَّا ٱلإنسان ٱلَّذى لا يذكر فلا يصدِّق ولا يصلِّى. ولا يقرّ بهٰذه ٱلمرتبة إلاّ لنفسه. ويسعى فى مسلكه لتحقيقها:
"فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى"31 ٱلقيامة.
فهو يكذّب بٱلبلاغ. ولا يستمع إليه. ويدّعى لنفسه ٱلمرتبة ٱلأولى فى ٱلوجود وٱلعلم على ٱلسَّوآء. ويسلك فى حياته ظانًّا أنَّه إلـٰه. ويدّعى بذٰلك ٱدعآء فرعون:
"يَـٰۤأيها ٱلمَلأُ ما عَلِمتُ لكُم من إلـٰـهٍ غيرِى" 38 ٱلقصص.
ويتوجّه فعله وقوله إلى سلوك أفعال وأعمال ٱلطاغوت. فيأتى قوله مثل قول فرعون ٱلذى يوجِّهه لينذر موسى:
"لَئِنِ اتَّخَذتَ إلـٰهًا غَيرِى لأجعَلَنَّكَ من ٱلمَسجُونينَ" 29 ٱلشعرآء.
مثل هٰذا ٱلإنسان ٱلمكذّب ٱلمدّعى لنفسه ٱلألوهة. يفقد ٱلقدرة علىۤ إخفآء موقفه فى ٱلحياة ٱلدنيا. ويعترف به يوم ٱلحساب:
"قَالُواْ لم نكُ من ٱلمُصلّينَ" 43 ٱلمدثر.
"وكُنَّا نُكذِّبُ بيومِ ٱلدِّينِ" 46ٱلمدثر.

ٱلإنسان ٱلَّذى يصلّى. هو ٱلإنسان ٱلَّذى يرقب نفسه فلا يغفل عن فعل أو عمل أو قول لَّها. ولا يترك نفسه توقع فى مخالفة ٱلبلاغ ٱلعربى. فيوقف على حدوده. ولا يتعدى حدود ٱللَّه. وأولها سبيله ٱلذى لاۤ إغلاق له ولاۤ إكراه فيه. ويعلم أنّ ٱللَّه يُصلِّى عليه. يشهد ويبصر ويسمع ويرقب أعماله وأفعاله وأقواله من دون تدخل فيها:
"هُوَ ٱلَّذى يُصلِّّى عليكم وملـٰۤئِكَتُهُ لِيُخرِجَكُم من ٱلظُّلُمٰتِ إلى ٱلنُّورِ وكانَ بٱلمؤمنينَ رَحيمًا"43 ٱلأحزاب.
إنَّ ٱللَّه يتَّخذ موقف ٱلقدير ٱلعليم ٱلشَّهيد ٱلسميع ٱلبصير ٱلرقيب ٱلحسيب ٱلَّذى لا يتدخل فىۤ أفعالنا وأعمالنا وأقوالنا وهو يقدر عليها. ويترك ذٰلك لنا وحدنا لنسير على سبيله. ننظر فىۤ ءَايات ٱلوجود. ننتقل من ظلمات عَجَمَ إلى نور عَرَبَ فيها. بهداية ٱلمنهاج ٱلذى جآءنا بلسان عربى مُّبين. وأنَّ ما نكشف عنه من سنّت ٱلرَّبِّ فىۤ أشيآء ٱلوجود. وما نجريه من عقل بينها وبين ٱلبلاغ ٱلعربى. يجعلنا نعمل علىۤ إقامة ٱلصلوٰة على جميع أفعالنا وأعمالنا وأقوالنا. فلا نعتدى ولا نطغى ولا نعطل سبيل ٱللَّه. كما يجعلنا نقيم ٱلصَّلوٰة على ٱلأخرين نرقبهم ونعلم بكل تطوراتهم من دون أن نعتدى عليهم عملا بٱلبلاغ ٱلذى يبين لناۤ أهمية ٱلتنافس بين ٱلناس:
"ولولا دَفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّهُدِّمَت صَوَٰمِعُ وَبِيَع وصَلَوَٰت ومَسَـٰجِدُ يُذكَر فيها ٱسمُ ٱللَّهِ كثيرًا ولينصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن ينصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِى عزيز (40) ٱلَّذين إِن مَّكَّنٰهم فى ٱلأرض أّقامُواْ ٱلصَّلوٰة وءَاتَواْ ٱلزَّكوٰة وأَمَرُواْ بٱلمَعرُوفِ وَنَهواْ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ (41)"
وفيه بيانُ ما للتنافس بين ٱلناس من عوامل قوَّة وعزٍّ ونصر لِّلَّذين يقيمون ٱلصَّلوٰت بكلِّ ألوانها. كٱلمراصد ٱلتى ترقب ٱلسَّمآء وما فيها. وٱلتى ترقب حركة وأعمال ٱلناس فى كلِّ مكان من دون ٱعتدآء. وٱلتى تلاحق وترقب ما يغيب عن بصر ٱلعين فى ٱلأشيآء أحيآء وأمواتًا. تعلم ما فيها من مكونات ومن أفعال. وتعلم كيف بدأ تكوينها كما بيَّن ٱلبلاغ ٱلعربى:
"ولقد علمتم ٱلنَّشأَة ٱلأولى فلولا تذكّرون" 62 ٱلواقعة.
وعلم ٱلنَّشأة ٱلأولى لا يحدث إلا بإقامة ٱلصَّلوٰت. بها نرقب ونسمع ونبصر ونشهد ونعلم ونحسب ونقدر من دون تجاوز للحدود. فلا نعتدى لأننا نعلم أنَّ ٱلعدوان يأتى بٱلطامَّة ٱلكبرى. ومثلنا على ذٰلك ٱلعلم بٱلفساد ٱلجارى فى ٱلأرض وقميصها (غلافها ٱلجوى) وبه يسعى ٱلذين يصلّون. وهم ٱلذين يؤمنون (يعلمون ويصدقون ويوثقون) لوقايتنا من أفعال ٱلفساد. وهؤلآء ينفقون ممَّا يرزقون لأقامة ٱلصَّلوٰت ٱلتى تعينهم فى علمهم بذٰلك ٱلفساد وسبل ٱلصَّلاح. وهم ٱلذين يعلمون أنَّ ٱلمآء ومن طوره ٱلجزئىّ H2g2O هوۤ أساس لِّكِّل شىءٍ حىٍّ. وهم ٱلذين بدأت سورة ٱلبقرة بٱلحديث عنهم وعن أعمالهم:
"الۤمۤـ(1) ذٰلك ٱلكتٰب لا ريبَ فيه هدًى لِّلمتَّقين(2) ٱلَّذين يؤمنون بٱلغيب ويقيمون ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رزقنٰهم ينفقونَ(3)"
فٱلغيب ٱلذى يؤمنون به هو جزء ٱلمآء H2g2O الۤمۤـ. وهم ٱلذين يعلمون أنَّه كتاب لا ريب فيه. وهم ٱلذين يؤمنون بهٰذا ٱلحقِّ ويصدقون أنه أساس كلِّ شىء حىٍّ. فيصلُّون عليه ويعملون على منع ٱلفساد فيه. وهم ٱلذين ينفقون من رزقهم على متابعة أعمالهم ٱلتى تساعدهم فى ٱلصًّلوٰة عليه.
ودليل صلَّى هٰذا نجده فى ٱلبلاغات ٱلتالية:
"وإذا كُنتَ فيهم فأَقمتَ لهمُ ٱلصَّلوٰة فَلتَقُم طآئفة مِّنهم مَّعَكَ وَليَأخُذُواْ أسلحَتَهُم فإذا سجدواْ فَليَكُونُواْ مِن ورآئِكم وَلتَأتِ طَآئِفَة أُخرَىٰ لَم يُصَلُّواْ فَليُصَلُّواْ مَعَكَ وَليَأخُذُواْ حِذرَهُم وَأسلحَتَهُم وَدَّ ٱلَّذين كّفرواْ لو تغفلون عن أسلحتكم وأّمتعتكم فيميلونَ عليكم مَّيلةً وٰحدةً ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى مِّن مَّطرٍ أَو كنتم مَّرضىٰۤ أن تضعواْ أسلحتَكم وَخُذُواْ حِذرَكُم إنَّ ٱللَّهَ أعَدَّ للكٰفرينَ عَذَبًا مَّهينًا" 102 ٱلنِّسآء.
وما نستنبطه من هٰذا ٱلبلاغ يتعلق بمسألة ٱلرَّصد للعدوِّ فى أماكن ٱلقتال. فمراقبة ٱلعدوِّ لا تعتمد على ٱلفرد أو بعض ٱلأفراد فى مثل هٰذا ٱلحال. بل تتطلب عددًا يكفى للدخول فى ٱلقتال. من دون ٱنتظار ٱكتمال نهوض ٱلجيش جميعه. كماۤ أنَّ ٱلَّذى يقيم ٱلرَّصدَ هو ٱلأعلى رتبة فى ٱلجيش. وهو يأمر نصف ٱلجيش ليضع أسلحته ويرتاح. ونصفه ٱلأخر ليبقى مستنفرا بكامل سلاحه. وليرصد حركة ٱلعدوِّ ويظهر له ٱستعداده للقتال. وله أن يأمر ٱلذين يرصدون بوضع ٱلأسلحة جانبًا مَّع بقآء ٱلتيقظ فىۤ أعمال ٱلرَّصد لمدَّة يعود تقديرها له. وبعد ٱنقضآء هٰذه ٱلمدَّة يأمر ٱلذين أخذوا قسطًا مِّنَ ٱلرَّاحة ليقوموا معه بكامل أسلحتهم إلى ٱلرَّصد. ويجلس ٱلذين أقاموا ٱلرَّصد قبلهم.
ونفهم من هٰذا ٱلبلاغ أنَّ ٱلذى يأمر ٱلجيش يبقى على رأس أعمال ٱلرَّصد فى ٱلمدَّتين.
هٰذا ما تدل عليه كلمة ٱلصَّلوٰة فى هٰذا ٱلبلاغ ولا محل للقول بـ ٱلنُّسك هنا. وفى ٱلأمر ٱلعربى:
"ولا تُصَلِّ علىٰۤ أحدٍ مِّنهم مَّات أبدًا"84 ٱلتوبة.
ٱلأمر يوجِّه إلى ٱلامتناع عن رصد مَن مَّات. حيث لا نفع من رصد ٱلأموات. وهٰذا نجد بيانه فى ٱلأمر ٱلعربى:
"ولا يلتفت منكم أحد"81 هود.

وما نرـٰه فى شروحات وتفسيرات ٱلسَّلف لكلمة صلَّى هو حرف ٱلكلمة عن موضعها وجعلها بدليل كلمة نَسَكَ. ومثل هٰذا ٱلفعل أضاع ٱلصَّلوٰة. وأضاع ٱلنَّفع من ٱلبلاغ ٱلعربى ٱلذى بيَّن لنا ٱلذين أضاعوا ٱلصَّلوٰة وما يوقعون فيه:
"فَخَلَفَ من بعدِهِم خَلف أضَاعُواْ ٱلصَّلوٰة وٱتَّبَعواْ ٱلشَّهَوات فسوفَ يَلقَونَ غيًّا"59 مريم.
ٱلغىُّ فى دليله دليل ٱلجهل وٱلكذب وٱلضَّلال وٱلخيبة وٱلمرض وٱلضّعف وٱلهون وٱلذِّلّ وٱلشَّرّ. وهٰذا هو شأن جميع ٱلشعوب ٱلضعيفة. وهم ٱلذين "أضاعواْ ٱلصَّلوٰة".
أمَّا ٱلَّذين يقيمون ٱلصَّلوٰة فهم أقويآء فى ٱلأرض. وعندهم ٱلقدرة على مشاهدة أكثر ما يحدث فيها. ومراقبة معظم أحداثها. وٱلعلم بكنوزها. وٱلسعى لأخذها من دون إذنٍ مِّن أحدٍ. ومثلهم فى ذٰلك كَمَثلِ يوسف:
"وكذٰلك مكّنّا ليوسف فى ٱلأرض يتبوّأ منها حيث يشآء"56 يوسف.
وهم ينعمون فى عيشهم بٱلتعاون ٱلاجتماعى. وٱلبرّ من دون ٱلإثم. وقد جآء فى ٱلبلاغ عنهم:
"ٱلَّذين إن مكَّنَّـٰهم فِى ٱلأرضِ أقامواْ ٱلصَّلوٰة وءَاتَواْ ٱلزَّكَوٰة وأمرُواْ بٱلمَعرُوف ونَهَواْ عن ٱلمُنكَرِ ولِلَّهِ عَـٰقِبةُ ٱلأمُورِ"41 ٱلحج.
ومثل هؤلآء لا يعبدون إلا ٱللَّه. ولا يخالفون أمره:
"وجَعلنَٰهم أَئِمةً يَهدونَ بأمرِنا وأوحينآ إليهم فِعلَ ٱلخيرٰتِ وإقامَ ٱلصَّلوٰة وإيتآء ٱلزّكوٰة وكانواْ لنا عَـٰبدينَ"73 ٱلأنبيآء .
فهم لا يخشون إلا ٱللَّه. ولا يخضعون لغيره. ولا يَعمُرُون مكانًا لِّلسجود إلاّ مساجد ٱللَّه:
"إِنَّما يَعمُرُ مسٰجِدَ ٱللَّه من ءَامَنَ بٱللَّه وٱليومِ ٱلأخِرِ وأقامَ ٱلصَّلوٰة وءَاتى ٱلزَّكوٰة ولم يخشَ إلاَّ ٱللَّه فعسى أوْلـٰۤئِكَ أن يكونواْ من ٱلمهتدينَ" 18 ٱلتوبة .
هٰذه ٱلأماكن هى مسٰجد ٱللَّه. وهىۤ أماكن تسيير أعمال ومصالح ٱلناس (ٱلصَّوامع وٱلبيع وٱلمسٰجد وٱلصَّلوٰت). وهى ٱلأماكن ٱلتى يجرى فيها فعل ٱلتنافس بين ٱلناس سندًا لأوامر تستند على هداية من كتاب ٱللَّه. وأعمال ومصالح ٱلناس هى منافعهم. من تجارة وصناعة وزراعة وغيرها من ٱلأعمال. وفعل "عَمَرَ" يدل على ٱلإقامة وٱلبنآء وٱلسكن. فٱلَّذى يقوم ويسكن فى هٰذه ٱلأماكن. وهو يصدِّق ويثق بٱليوم ٱلأخر. ويقيم ٱلصَّلوۤة. لا يعتدى ولا يطغى ولا يعطل سبيل ٱللَّه. ويأتى بٱلأفعال وٱلأعمال وٱلأقوال ٱلصالحة (ٱلزكوٰة). ولا يخشى إلاّ ٱللَّه فلا يخالفه فىۤ أمر. فهٰذا يُرجىۤ أن يكون مهديًّا. وهو لا يدعو مع ٱللَّه أحدًا كما فى ٱلأمر:
"وأنَّ ٱلمسٰجِدَ للَّهِ فَلا تَدعُواْ معَ ٱللَّه أحَدًا" 18ٱلجن.
"فلا تدعواْ مع ٱللَّه أحدًا" نهى ظاهر فصيح بيّن. فلا رسول ولا حاكم ولاۤ أب ولا ولد يملك أن ينفع من دون ٱللَّه. وٱلبلاغ يبيّن أنَّ ٱلرَّسول لا يملك أن يضرّ أحدًا ولا يملك أن يرشده:
"قُل إنِى لا أملِكُ لَكم ضَرًّاً ولا رَشَدًا" 21 ٱلجن.
بل إنه لا يملكُ لنفسه ذٰلك:
"قُل إنِى لن يجيرنِى منَ ٱللَّه أحد ولن أَجِدَ من دُونِهِ مُلتَحَدًا"22 ٱلجن.
وأنَّ ٱلَّذين يأخذون بٱلكتاب ويتمسَّكون به. ويعتصمون بما فيه. جآء عنهم فى ٱلبلاغ:
"وٱلَّذين يُمَسِّكون بٱلكتٰبِ وأقامواْ ٱلصَّلوٰة إنَّا لا نُضيعُ أَجرَ ٱلمُصلحينَ" 170 ٱلأعراف.
وهؤلآء من صفاتهم ٱلصَّبر. وٱلفعل ٱلحسن. وإقامة ٱلصَّلوٰة. وٱلإنفاق بٱلسرِّ وٱلعلن على تطوير أماكن ٱلتنافس بين ٱلناس:
"وٱلَّذين صَبَرُواْ ٱبتغَآء وَجهِ ربِّهم وأقامواْ ٱلصَّلوٰة وأنفَقُواْ مما رزقنَـٰهُم سِرًّا وعلانيةً ويَدرءُونَ بٱلحسنةِ ٱلسَّيِّئَةَ أوْلـٰۤئك لهم عقبى ٱلدَّارِ"22 ٱلرعد.
وصبرهم هو على ٱختيارهم ٱلتوجُّه على سبيل ٱللَّه للمعرفة وٱلعلم بصراط ٱلرَّب ٱلمستقيم. وسبيله هو فى ٱلنظر وٱلبحث ٱلعلميين فى ءَاياته من دون عدوان ولاۤ إكراه وٱتباعًا لِّلأمر:
"ٱقرأ بٱسمـِ ربِّكَ ٱلَّذى خلقَ" 1 ٱلعلق.
وهم بٱلصبر يبتعدون عن ٱلفعل "عَجَلَ". ويوصلون إلى ٱلعلم فى "كيف بدأ ٱلخلق". وبعلمهم يدرءون ٱلسَّيئة بٱلحسنة. وٱلحسنةُ هى كلُّ عمل ينجم عن ٱلفعل "حَسَنََ". ٱلذى يضم فى دليله دليل ٱلأفعال (جَدَدَ وتَقَنَ وزَيَنَ). ومنه صفة فعل ٱلخلق للَّه:
"فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحسَنُ ٱلخَـٰلِقِينَ" 14 ٱلمؤمنون.
فكلمة "أَحسَنُ" تدلّ على لزوم ٱلجَدِّ فى ٱلخلقِ مِن دونِ فتورٍ. وٱلإتيان بٱلجديد بإتقانٍ. وجمع أقسام ٱلخلق وسُوَرِهِ. للكشف عن زينة ٱلحقِّ ٱلمخلوق. وجعله عربيًّا مُّبينًا. وإنَّ ٱلتَّوَقُّف عند طورٍ مِّن أَطوار ٱلخلق والإبداع. يوقف ويلغى مفهوم (أحسن).
لقد ٱقترن ٱلصَّبر على ٱلوجهة بإقامة ٱلصَّلوٰة. وٱلإنفاق علىۤ إقامتها من دون بخل. سوآء ءَكان ٱلإنفاق يتطلب ٱلسِّرَّ أم ٱلعلانية. فٱلذى يُطلب قيامه هو بنآء لا ينجم عنه سيِّئة. مثل أبنية ٱلصناعة ٱلتى لا تنفث فى ٱلهوآء أو ٱلمآء ما يفسد فيهما. وإقامة مثل هٰذه ٱٰلصناعة تحتاج للإنفاق من دون بخل. وفى إقامتها ٱلحسنةُ ٱلتى تدرأ ٱلسيِّئةَ. ومفهوم إقامة ٱلصَّلوٰة فى مثل هٰذا ٱلأمر. هو فى صناعة لا تعتدى على ٱلهوآء وٱلمآء. ولا تفسد فى ٱلحرث وٱلنسل.

إنَّ مفهوم ٱلصَّلوٰة فى ٱلبلاغ ٱلعربى يدلنا على سنَّة ٱلدِّين ٱلحقِّ ٱلَّذى يجرى وفق "قدر فهدى". فٱلأمر ٱلأول لمفهوم ٱلصَّلوٰة. هو فى توجيه ٱلسَّمع وٱلبصر وٱلفؤاد إلى كلِّ شىء. وٱلامتناع عن ٱلعدوان. وٱلعلم أنَّ ٱلصَّلوٰة سنَّة أساس فى ٱلتكوين. وقد جآء عن ذٰلك فى ٱلبلاغ:
"ألم تَرَ أنَّ ٱللَّه يُسَبِّحُ لَهُ من فى ٱلسّمٰوٰتِ وٱلأرضِ وٱلطَّيرُ صٰفـَّٰتٍ كُل قد عَلِمَ صلاته وتسبيحهُ وٱللَّه عليم بِما يَفعَلونَ"41 ٱلنور .
ٱلعلم هنا هو علم هداية إلى صراط ٱلرَّب ٱلمستقيم. وٱلأشيآء ليس لها فيه إدراك ودراية وعقل. فقد وجد علمآء ٱلأحيآء مئات ٱلعمليات ٱلحيوية داخل ٱلعلقة (ٱلخلية). تجرىۤ أفعالهاۤ إلى جانب بعضها من دون أن يتدخل أحدها فى جريان ٱلأفعال ٱلأخرى. فكل عملية حيوية تصلِّى على غيرها من ٱلعمليات ٱلجارية إلى جانبها. ولا تتدخل فيهاۤ أبدًا. ولو حدث عدوان لوقعت ٱلطَّامة (ٱلكارثة) ٱلحيوية داخل ٱلعلقة. وكَيِّل بذٰلك ٱلعمليات فى كل ٱلأشيآء. ٱلميّت منها وٱلحىّ على ٱلسَّوآء.
وإنَّ صلوٰة ٱلأشيآء تجرى وفق "قدّر فهدى". أما صلوٰة ٱلإنسان فتجرى وفق "درك ودرى وعلم وعقل". وجريانها على ٱلنَّفس وعلى ٱلأخرين وعلى كلِّ شىءٍ. وهى تتبع علم ٱلإنسان وخبرته وإرادته وخيرته فى ٱلسير على سبيل ٱللَّه يعلم ويتعرف على صراط ٱلرَّب. أما وجـوده كشىء فـإن ٱلصَّلوٰة تجرى وفق "قدر فهدى" فى جميع علق جسمه. وهو يزيد على ٱلأشيآء فى صلوٰته ٱلَّتى تُركت لعلمه وخيرته وإرادته. وهو ما يبينه ٱلبلاغ ٱٰلعربىّ:
"وكان ٱلإنسٰنُ أكثرَ شَىءٍ جَدَلاً" 54 ٱلكهف.
فكلمة أكثر تبين إرادة ٱلإنسان وعلمه وخيرته ٱلَّتى لا تملكها ٱلأشيآء ٱلأخرى. وهى تصلِّى وفق "قدر فهدى". أمَّا ٱلإنسان فيفعل ويعمل ويعلم ويصنع ويقول. وهو فى حركته عليه أن يتوافق مع سنَّة ٱلتكوين. فلا يترك نفسه توقع فى تعارضٍ مَّعها. ولا يفعل عدوانًا يسوق إلى ٱلطَّامة ٱلوجودية ٱلشيئية وهو منها.
وٱلإنسان ٱلمؤمن هو ٱلعالم. وهو ٱلَّذى يصلى على نفسه وعلى ٱلأخرين وعلى ٱلأشيآء. وهو يعمل ليؤسس فى بيته أهلاً يعلمون ويصلّون:
"وَأْمُر أهلَكَ بٱلصَّلوٰةِ وٱصطَبِر عليها لا نسئَلُكَ رِزقًا نَّحن نَرزُقُكَ وٱلعـٰقِبةُ لِلتَّقوى" 132 طه.

لقد رأينا فى ٱلبلاغ (43 ٱلأحزاب) أنَّ ٱللَّه يصلِّى على ٱلمؤمنين. وإنّ موقفه من قول وفعل وعمل ٱلإنسان هو موقف ٱلمصلِّى لا يعتدى ولا يُكره ولا يتدخل إلى يوم ٱلحساب. ونرى فى ٱلبلاغ أنَّ ٱللَّه يصلِّى على ٱلنَّبىّ:
"إنَّ ٱللَّه وملـٰۤئكتَهُ يُصَلُّون على ٱلنَّبىِّ" 56 ٱلأحزاب.
وٱلصَّلوٰة على ٱلنَّبىّ هى مثل ٱلصَّلوٰة على ٱلمؤمنين. فٱللَّه يتَّخذ موقف ٱلمصلِّى على ٱلنَّبىِّ ويوكّد على خيرته فىۤ أفعاله وأعماله وأقواله وعيشه.
أمَّا ٱلرَّسول فلم نجد فى ٱلبلاغ أنَّ ٱللَّه يصلِّى عليه. ولوۤ أنَّه صلَّى عليه. ما كان للرَّسول أن يأت برسالة. وما كان لٱسم رسولٍ مِّن حاجةٍ. فٱلرَّسول لا خيرة له فيما يوحىۤ إليه. وما عليه إلا ٱلبلاغ. من دون أن يكون له خيرة فى قول ٱلرِّسالة:
"ولو تقوَّلَ علينا بعض ٱلأقاويل(44) لأخذنا منه بٱليمين(45) ثمَّ لَقَطَعنَا منه ٱلوتين(46)" ٱلحاقَّة.
ونجد فى ٱلبلاغ طلبًا للمؤمنين ليصلّوا على ٱلنَّبىِّ:
"يَـٰۤأيها ٱلَّذين ءامنواْ صلُّواْ عليه وسَلِّمُواْ تَسليمًا" 56 ٱلأحزاب.
فكيف يصلِّى ٱلمؤمنون على ٱلنَّبىِّ ؟
ما وجدناه فى ٱلبلاغات ٱلتى تسبق ٱلبلاغ (56 ٱلأحزاب). وكذٰلك ٱلبلاغات ٱلَّتى تليه يبين كيف يصلِّى ٱلمؤمنون على ٱلنَّبىِّ:
"يَـٰۤأيها ٱلَّذين ءَامنواْ لا تَدخُلُواْ بُيُوت ٱلنَّبىِّ إلاۤ أن يُؤذنَ لَكُم إلى طَعامٍٍ غير نـٰظِرِينَ إنَـٰهُ ولٰكن إذا دُعِيتُم فٱدخلواْ فإذا طَعِمتُم فَٱنتَشرواْ ولا مُستئنسينَ لحديثٍ إنَّ ذَٰلكُم كانَ يُؤذى ٱلنَّبِىَّ فيستحِى مِنكم وٱللَّه لا يستحِى من ٱلحقِّ" 53 ٱلأحزاب.
ٱلتَّوجيه فى هٰذا ٱلبلاغ يتعلق بدخول "ٱلَّذين ءامنوۤاْ" إلى بيوت ٱلنَّبىِّ. فدخول ٱلبيت يحتاج إلىۤ إذن. وعند دخول ٱلبيت يوجّه ٱلبلاغ إلى تقييد ٱلنَّظر فلا يُرسل ليطوف على كل شىءٍ فيه. وإلىۤ إلتزام ٱلمأرب من دخول ٱلبيت. وعندما ينقضى ٱلأمر ٱلدَّاعى للدِّخول. يطلب ٱلبلاغ ٱلانتشار خارج ٱلبيت. ويبيّن أن ٱلبقآء وإطالة الجلوس يؤذى النَّبىّ. وهو يستحىۤ أن يطلب ٱلانتشار ويُحرج منه.
هٰذا ٱلبلاغ سبق ٱلبلاغ (56 ٱلأحزاب). ونتلو فيما يلى بلاغين بعده:
"وٱلَّذين يُؤذون ٱلمؤمنين وٱلمؤمنات بغير ما ٱكتَسَبُواْ فقد ٱحتَمَلُواْ بُهتـٰنًا وإثمًا مُّبينًا/58/ يَـٰۤۤأيها ٱلنَّبِىُّ قُل لأزوٰجِكَ وبَنَاتِكَ ونسآء ٱلمؤمنين يُدنِينَ عليهنَّ من جَلـٰبِيبِهِنَّ ذٰلك أدنَى أن يُعرفنَ فلا يُؤذَين وكان ٱللَّهُ غفورًا رَّحيمًا /59/" ٱلأحزاب.
فى ٱلبلاغين عرض لِّمسألة ٱلأذى ٱلَّذى يقع على ٱلمؤمنين وٱلمؤمنات بسسب ما ٱكتسبه كلُّ واحدٍ مِّنهم. فلا زيادة عليه. وحتى لا يكون قول ٱلداخلين ٱلبيت يحمل أذى لأهله. نجد توجيهًا لِّلنبىِّ ليقول لأزواجه وبناته ونسآء ٱلمؤمنين. أن لا يظهرن أمام ٱلضّيوف فى لباس ٱلبيت. فٱلمرأة فى بيتها تلبس لباسًا خفيفًا. وتجلس أمام زوجها وأولادها من دون حرجٍ مِّما يظهر من جسمها. وكذٰلك ٱلبنت. فٱلطلب موجَّه لَّهنَّ حتى لا يظهرن أمام ٱلضيوف بهٰذا ٱللباس ٱلخفيف. وأن يلبسن كما لو كنَّ فى خارج ٱلبيت. وأن لا يُظهرن من أجسامهن إلاّ ما تعودن إظهاره فى ٱلطريق. وهنا نجد ٱلتَّوجيه "أن يُدنين عليهنَّ من جلٰبيبهنَّ" . يتبعه بيان ٱلسبب "ذٰلك أدنى أن يُعرفنَ فلا يُؤذين". فإنَّ معرفة ٱلداخل إلى ٱلبيت. لعلاماتٍ مِّن أجسامهنَّ لا تظهر فى ٱلطريق للناس. إذا ما جرت على لسانه يُلحق بهنَّ ٱلأذى. فٱلَّذى يظهر من أجسامهن يجب أن يكون موافقًا لِّلمعروف فى ٱلمجتمع ٱلَّذى يعشن فيه. فإذا جرى ٱلكلام على لسان واحد من ٱلداخلين إلى بيوت ٱلنَّبىّ. أو بيوت ٱلمؤمنين. وكان كلامه موافقًا لِّما يعرفه ٱلنَّاس فلاۤ أذى فيه. أمَّآ إذا كان ٱلكلام يشير إلى معرفةِ ما لا يعرفه ٱلنَّاس. ولا يُعرف إلا بكشف ٱلثَّوب عنه. فٱلأذى واقع بسبب ما يظنُّه ٱلنَّاس ويرسلون فيه ٱلقول.
وبٱلعودة إلى ٱلبلاغ (56 ٱلأحزاب) نجد أنَّ صَلوٰة ٱلمؤمنين على ٱلنَّبىِّ جآءت طلبًا وتوجيهًا "صلُّواْ عليه وسلِّمواْ تسليمًا". أى لا تعتدوا ولا تتدخلوا فى حياته ٱلخاصة ولا فى نسآئه وبناته. وقد ٱقترن ٱلطلب بٱلتسليم للنّبىِّ بهٰذه ٱلخصوصية. ولا جدال للمؤمنين فى هٰذا ٱلحقّ. وهم يسلِّمون فيه تسليمًا.
سلَّمَ فى ٱلأمرِ. ترك ٱلجدالَ فيه ورضى به. وخلّص نفسه من ٱلرَّيب فيه. فٱلقول "سلِّمواْ تسليمًا". يقترن فيه ٱلطلب "سلِّمواْ" بٱلمفعول ٱلمطلق "تسليمًا" لتوكيده وبيان ٱلتَّشديد فى ٱلطلب.
وهٰذه ٱلصَّلوٰة واجبة على جميع ٱلمؤمنين من دون ٱستثنآء. وكلّ مِّنا عليه أن يصلِّى على ٱلأخرين. فلا يعتدِ ولا يتدخل فى حياتهم ٱلخاصة. ويسلِّم لهم بهٰذا ٱلحقِّ.

ونجد فى ٱلبلاغ أنَّ طلب ٱلصَّلوٰة لا يقصر على ٱلمؤمنين وحدهم. وهناك طلب مثله موجَّه للنَّبىِّ:
"خُذ من أموالِهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِم بها وصَلِّ عليهم إنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَن لََّهم وٱللَّه سَميع عليم" 103ٱلتوبة.
صلوٰة ٱلنَّبىِّ على ٱلمؤمنين هى فى ٱتخاذه ٱلموقف ٱلثانى فيما يتعلق بأفعالهم وأعمالهم ومفاهيمهم وشؤونهم ٱلخاصة. فهو يأخذ منهم صدقة مِّن دون تدخل وإكراه فى تحديد مقدارها. وٱلصدقة فى دولة ٱلمدينة هى ما يدفعه ٱلناس طوعًا مِّن أموالهم لِّدولتهم. وهو ما يعرف بٱلمكوس (ٱلضريبة) فى ٱلدول ٱلمكيَّة. فٱلنَّبى رئيس دولة ٱلمدينة وهو لا يتدخل فى مقدار ما يدفعه ٱلناس لدولتهم ولا يكرههم على مقدار ما يدفعون. وهو لا يتسلط عليهم فى ٱلأمر. ولا يطغى. وهٰذا يبيّنه ٱلقول "سَكَن لهم". وفيه بيان ٱلاطمئنان على ٱلخِيرَةِ فى ٱلقول وٱلفعل وٱلعمل وٱلتطوع. كما يبينه "وشاورهم فى ٱلأمر". فٱلنّبىُّ لا يتسلط ولا يستبد فى ٱلرأى وٱلفعل. وهو يشاور ٱلناس فى مسألة ٱلصدقات وسبيل ٱنفاقها. ويعرض عليهم حاجة ٱلدولة من ٱلأموال. ويترك لهم أمر تحديد مقدار صدقاتهم. وهم ٱلذين يتصدَّقون فيزيدون مقدار ٱلمال لدولتهم من دون إكراه.
وما نرـٰه فى ٱلبلاغ أنَّ موقف ٱلمصلِّى. لا يمكن ٱلوصول إليه إلاّ من سبيل ٱلعلم. ومن أبرز أسس ٱلعلم هو ٱلتَّذكر. وقد ٱقترنت ٱلصَّلوٰة بتذكُّر أوامر ٱللَّه ووصاياه. وبٱلمنهاج ٱلَّذى تضمُّه ٱلرِّسالة. وبيّن أنَّ ٱلتَّذكُّر هو ٱلأساس:
"ٱتلُ ما أُوحِىَ إليكَ من ٱلكتٰبِ وأقِم ٱلصَّلوٰة إنَّ ٱلصَّلوٰة تَنهَى عن ٱلفَحشَآء وٱلمُنكَرِ ولَذِكرُ ٱللَّه أَكبرُ وٱللَّه يعلمُ ما تَصنَعُونَ" 45ٱلعنكبوت.
ٱلتوجيه لتلاوة ٱلبلاغ وإقامة ٱلصَّلوٰة. أى إقامة كل وسآئل ٱلتَّيقظ وٱلتَّرقب وٱلتَّهيؤ على ٱلنفس وعلى ٱلأخرين وعلى ٱلأشيآء. وٱتباع ما فى ٱلوحى من توجيه فىۤ إقامتها. فلا تجاوز للحدود. ولا ٱعتدآء. فٱلمصلِّى هنا هو ٱلإنسان. وصلوٰته تتعلق بمرتبته فى ٱلعلم وٱلتطور. فهو يصلِّى ليرقب ويشهد ويبصر ويسمع وينظر ويعلم هل هو مسبوق أم سابق فى تطوره وعلمه وقوته. فلا يسهو ولا يغفل عن صلوٰته. ولا يعتدى ولا يتجاوز حدوده. وإذا وقع عليه ٱعتدآء فهو متهيئ لَّه. ويعلم به قبل وقوعه. فيدفعه عنه بقوة إذا وقع.
إنَّ موقف ٱلإنسان ٱلمصلِّى يدفع عنه ٱلتَّكبر وٱلطغيان وٱلشقآء وٱلفحشآء وكل فعلٍ ينفر منه ٱلنَّاس. وبيّن ٱلبلاغ أنَّ هٰذا ٱلموقف يتكوَّن من ذكر ٱللَّه وبلاغه.
وفىۤ إقامة ٱلصَّلوٰة فتح لِّباب ٱلذَّاكرة على ٱلبلاغ. ٱلَّذى يوجّه سلوك ٱلإنسان ٱلمصلِّى حيث وجه ٱللَّه. ومن دون هٰذه ٱلذَّاكرة تكون ٱلصَّلوٰة عملا لَّا ينتفع منه. ولذٰلك جآء ٱلإنذار للمصلِّين ٱلَّذين لا يذكرون:
"فَوَيل لِّلمُصَلِّينَ/4/ ٱلَّذين هُم عن صَلاتِهم سَاهُونَ/5/" ٱلماعون.
سَهَوَ فى ٱلشىء ومنه. تَرَكَهُ. وهٰذا للذين أقاموا ٱلصَّلوٰة ثم سهوا عنها ولم يوقدوا ٱلذَّاكرة بٱلبلاغ. وبٱلسهو يوجّه ٱلفعل ٱلإنسانى نحو ٱلريآء وٱلشّحِّ بدل ٱلصِّدق وٱلبرّ:
"ٱلَّذين هُم يُرآءونَ /6/ وَيَمنعُونَ ٱلماعُونَ /7/" ٱلماعون.
فٱلَّذى يسهو عن صلوٰته. يمتنع عن ٱلعون وٱلتطوع بكلِّ ألوانهما. ويعتدى ويتجاوز ٱلحدود. لأنه جاهل لا يعلم بما ينجم عن تجاوزه للحدود.
لقد أمر ٱللَّه ٱلمؤمن بما يلى:
"إنَّنِىۤ أنا ٱللَّه لاۤ إلـٰهَ إلاَّۤ أنا فَٱعبدنِى وأَقِم ٱلصَّلوٰة لذكرِى"14 طه.
وفيه توجيه إلى طاعة ٱللَّه وحده "فٱعبدنى". أى ٱجعل أعمالك وأفعالك وأقوالك موافقة لأوامرى.
وبيّن أنَّه واحد ولا يوجد إله أخر. وما قاله فرعون للملإ هو ظنّ لَّا حقّ فيه. فٱلَّذى يستحقّ ٱلخوف منه هو ٱللَّه وحده:
"وقالَ ٱللَّهُ لا تَتَّخِذوۤاْ إِلٰهين ٱثنينِ إِنَّما هُوَۤ إِلٰه وَٰحِد فَإيَِّٰىَ فٱرهَبُونِ" 50 ٱلنحل.
كما بين أنَّ ٱلإرادة من إقامة ٱلصَّلوٰة ذكر ٱللَّه. وفيه إلغآء للسَّهو وٱلنِّسيان. وبٱلسهو وٱلنِّسيان يخالف ٱلإنسان أوامر ٱللَّه ويعبد غيره.
لقد وردت ٱلذَّاكرة فى أنبآءٍ عديدة منها:
"ٱلَّذين يَذكُرُونَ ٱللَّه قِيامًا وقُعُودًا وعلى جُنُوبِهم"191 ءال عمران .
"وٱلَّذين إذا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أو ظَلَمُوۤاْ أنفُسَهُم ذكَرُواْ ٱللَّه فٱستَغفَرواْ لِذُنُوبِهم" 135 ءال عمران .
"إلاَّ ٱلَّذين ءَامَنُواْ وعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحٰتِ وذَكَرُواْ ٱللَّه كثيرًا" 227 ٱلشعرآء.
"وَٱذكُر رَبَّكَ إذا نَسِيتَ" 24 ٱلكهف.
إنَّ ٱلذاكرة أساس فى ٱلعلم وفى ٱلفعل ٱلإنسانى ٱلموافق لأوامر ٱللَّه. وبها توقد ٱلأفئدة بٱلمعلومات. وهى وسيلة ٱلعلم وٱلرسوخ فيه. ولا نفع من صلوٰةٍ من دون ذكر ٱللَّه وبلاغه.
ونرى فى ٱلبلاغ أنَّ ٱلنسيان يسبب للإنسان عذابًا خالدًا:
"فَذُوقُواْ بِما نَسِيتُم لقآء يَومِكُم هَٰذآ إنَّا نَسِينَـٰكُم وذُوقُواْ عَذابَ ٱلخُلدِ بما كُنتُم تعملونَ" 14 ٱلسجدة.
وهٰؤلآء كانوا يعبدون من دون ٱللَّه. فكانت أعمالهم تخالف أوامره. وجرى لهم ذٰلك بسبب ٱلنسيان.
لقد قرن ٱلبلاغ ذاكرة ٱللَّه بذاكرتنا:
"فٱذكرونِىۤ أذكُركُم وٱشكُرواْ لِى ولا تكفرونِ"152 ٱلبقرة .
وهٰذا ما نجده مع ٱلنسيان:
"نَسُواْ ٱللَّه فنَسِيَهُم إنَّ ٱلمُنَافِقينَ هُم ٱلفـَٰسِقُونَ" 67 ٱلتوبة.
ويظهر من ٱلبلاغ أنَّ علاقة ٱلإنسان بٱللَّه يتولى ٱلإنسان تحديدها وتوجيهها. إمَّاۤ إلى ٱلتذكر وٱلتوافق مع أوامر ٱللَّه. وإمّاۤ إلى ٱلنسيان وٱلعبادة من دون ٱللَّه.
ويظهر من ٱلبلاغ (152ٱلبقرة) وٱلبلاغ (67 ٱلتوبة) أنَّ ٱللَّه هو ٱلمصلِّى. وأنَّ موقف ٱلإنسان هو ٱلأوَّل ٱلَّذى يؤسَّسُ عليه موقف ٱللَّه "فـٱذكرونِىۤ أذكركم" و"نسُواْ ٱللَّه فنَسِيَهُم".

ٱلنسيان ظاهرة إنسانية. وهو مع ٱلتذكر يكوّنان فى ٱلنفس ٱلجدلية ٱلزوجية (ذكر/ نسى). وتجرى تقوية طرف ٱلجدلية "ذكر" بمتابعة ٱلمذاكرة فى ٱلكتاب. وبها تُكشف ٱلهداية ويضعف طرف ٱلجدلية ٱلأخر "نسى". وبٱلمذاكرة يصير ٱلإنسان ٱلمذاكر من "أهل ٱلذِّكر". وهم ٱلَّذين يذكرون جميع أوامر ووصايا ٱللَّه. فجدلية (ذكر/ نسى) هى جدلية إنسانية. يتخذ منها ٱللَّه ٱلموقف ٱلمقابل لموقف ٱلإنسان.
إنَّ دليل ٱلفعل "ذكر" يضمُّ دليل (حفظ وحضر وجرى وطلب وقوى وظهر وعلن ورجع وقرن ووزن وكيل وحكم). كل هٰذا يجتمع فى دليل كلمة واحدة. ويدل هٰذا ٱلاجتماع على ٱلنظر ٱلعلمى. وعلى ٱلإحاطة بٱلجزء وٱلكل. وعلى ٱلرسوخ فى ٱلعلم ٱلمقارن مع ٱلنبإ. وبه يكون ٱلبحث ٱلعلمى موجَّهًا توجيه هداية.
وٱلفعل "ذكر" يدل على قوَّة ٱلأفئدة ٱلمتقدة. وهٰذا ٱلفعل من أفعال قلب وفؤاد ٱلإنسان ٱلعالم. ٱلَّذى يبقى يسأل ويسعى سآئرًا على سبيل ٱللَّه ليجد ٱلجواب ما دام حيًّا. فذَكَرَ فعل ملازم للبحث ٱلعلمى. وهو سمته ٱلرئيس. وقد جآءت هٰذه ٱلسمة ملازمة للقرءان:
"ص وٱلقُرءَان ذِى ٱلذِّكرِ" 1 ص .
وٱلفعل "ذكر" يبرئ ٱلإنسان من ٱلنسيان وٱلظَّنِّ وٱلكسل وٱلكذب وٱلريآء وعمى ٱلقلب:
"إنَّ ٱلَّذين ٱتقواْ إذا مسَّهم طَـٰۤئف مِنَ ٱلشَّيطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإذا هُم مُبصِرُونَ" 201 ٱلأعراف .
وهو ٱلوسيلةُ للعلم وٱلرسوخ فيه. وسبب لعلوِّ ٱلإنسان ٱلَّذى يحيا مع هٰذه ٱلوسيلة:
"قُل هل يَستَوِى ٱلَّذين يعلمون وٱلَّذين لا يعلمون إنَّما يَتَذكَّرُ أُولواْ ٱلألبٰبِ" 9ٱلزمر.
ومَن يُكسب قلبه فعل "ذكر" يصير من أهله:
"وما أرسَلنَا من قَبلكَ إلاَّ رِجالاً نوحِىۤ إليهم فَسئَلُوۤاْ أهلَ ٱلذِّكرِ إن كُنتُم لا تَعلمونَ" 43ٱلنحل .
فٱلَّذين يذكرون هم ٱلَّذين يعلمون. وهؤلآء هم أهل ٱلذِّكر.

لقد حرف ٱلعاملون فى ٱلِّسان كلمة ذكر عن موضعها وأشركوا فى دليلها كلمة دَكَر. وفى ٱلبلاغ فرق بيّن بينهما. وفيه نجد ٱلفعل دكر يبطل ٱلفعل ذكر بسبب ٱلإعراض وٱلهوى وٱلتكذيب:
"ولقد تَركنَٰهآ ءَاية فهل من مُّدَّكِرٍ" 15 ٱلقمر.
"ولقد يَسَّرنا ٱلقُرءانَ للذِّكرِ فهل من مُّدَّكِرٍ"17 ٱلقمر.
"ولقد أهلَكنآ أشياعَكُم فهل من مُّدَّكِرٍ" 51ٱلقمر.
لقد ٱقترنت كلمة مدَّكر بٱستفهام مُّستنكر. وكان ٱلبلاغ قد بيّن عمل ٱلَّذين يدّكرون فى بداية سورة ٱلقمر:
"وإن يَرَوۤاْ ءَاية يُعرضُواْ ويَقُولواْ سِحر مُّستمرّ /2/ وكذَّبُواْ وٱتَّبعوۤاْ أهوآءهُم وكُلُّ أمرٍ مُُّستقرّ /3/ ولقد جآءهم من ٱلأنبآء ما فيه مُزدجَر /4/" ٱلقمر.
ويظهر من ٱلأيات أنَّ ٱلَّذين يدّكرون أمام أى مسألة من مسآئل ٱلوجود. هم ٱلَّذين يُعرضون ويكذبون ويتبعون ٱلأهوآء. وهم ٱلَّذين يميلون إلى ٱلكسل. ويطلقون ٱلأحكام ٱلظَّنيَّة. بعيدًا عن ٱلنظر وٱلعلم.
ويبيّن ٱلبلاغ أنَّ ٱلدّكر يأتى به ٱلشَّيطان:
"وقالَ للّذى ظنَّ أنهُ ناجٍ مِّنهما ٱذكرنِى عندَ ربِّكَ فأنسَٰهُ ٱلشَّيطـٰنُ ذِكرَ ربِّهِ فلبثَ فى ٱلسِّجنِ بِضعَ سنين"42يوسف.
ٱلَّذى أنسٰه هو ٱلشَّيطان. وفى ٱلنبأ بيان لِّرؤيا ٱلملك. وطلبه ٱلفتوى فيها. وكان ٱلعجز عن ٱلإتيان بطلبه قد دفع هٰذا ٱلَّذى أنسٰه ٱلشَّيطان للتذكر:
"يَـٰۤأيها ٱلملأُ أفتونِى فِى رُءيٰىَ إنْ كُنتُم للرُّءيَا تَعبُرُون/43/قالوۤاْ أضغـٰثُ أَحلـٰمٍ وما نَحنُ بِتأويلِ ٱلأحلـٰمِ بعـٰلمينَ/44/وقالَ ٱلَّذى نجا منهما وٱدَّكَرَ بعد أُمَّةٍ أنآ أُنبِّئكُم بتأويلِهِ فأرسلُونِ/45/" يوسف.
"بعد أمَّة" أى بعد إتباع منهاجٍ أمىٍّ. وهنا هو منهاج ٱلجاهل وفيه ٱلإعراض وٱلهوى وٱلتكذيب. وإنَّ إتباع هٰذا ٱلمنهاج يسوق صاحبه إلى ٱلسَّهو وٱلنِّسيان. فلا يعود يتذكر ٱلأمر إلاّ بعد حدثٍ طارقٍ.
وكان طلب ٱلفتوى لرؤيا ٱلملك هو ذٰلك ٱلطَّارق. وهو ٱلَّذى جعل "ٱلَّذى نجا منهما" يتذكَّر يوسف وتأويله لرؤياه ورؤيا صاحبه فى ٱلسجن. كما جعله يتذكَّر طلب يوسف له "ٱذكرنى عند ربِّك".
وعن مثل هؤلآء ٱلَّذين يدّكرون جآء فى ٱلبلاغ:
"وإذا قاموۤاْ إلى ٱلصَّلوٰةِ قامواْ كُسَالى يُرآءون ٱلنَّاس ولا يَذكُرُونَ ٱللَّهَ إلاَّ قليلاً" 142 ٱلنسآء.
"قامواْ كُسالى يرآءون ٱلنَّاس". ٱلسبب "لا يذكرون ٱللَّهَ إلاَ قليلا". فتبقىۤ أوامر ووصايا ٱللَّه غآئبة عنهم. فهم يدّكرون فلا يذكرون ويتبعون فى حياتهم ٱلهوى. ويمنعون ٱلسير على سبيل ٱللَّه وٱلنظر بكيف بدأ ٱلخلق. وبذلك يمتنع فعل ٱلعقل بين ما يوجده ٱلنظر وبين بلاغ ٱللَّه ٱلعربى.
ونقول أنَّ ٱلفعل "دَكَرَ" هو سمة ٱلأفئدة ٱلمعطلة. بسبب ٱلإعراض وٱلتكذيب وٱلهوى. وهى ٱلتى يوقظها حدث طارق.
وهٰذا ٱلفعل ليس من أصل ٱلفعل "ذكر". كما جآء عند ٱلَّذين لم يستمعوۤا إلى ٱلقرءان ولغوا فيه.

ونجد إلى جانب ٱلفعل "ذكر" ٱقتران ٱلصَّلوٰة بٱلفعل "سَبَحَ" ٱلَّذى يدل على ٱلحركة وٱلجريان فى ٱلمآء وفى ٱلأرض وفى ٱلسمآء. بسبب قوَّة مخزَّنة فيه وصآئرة إلى ٱلهلاك. وفى ٱلهلاك ٱستقرارها. وكلُّ شىءٍ يسبح كما جآء فى ٱلنبإ:
"كُلّ فِى فَلَكٍ يَسبَحُونَ" 33 ٱلأنبيآء و40 يس.
وبيّن أنَّ ٱلسباحة تجرى فى "فلك" بدءًا من ٱلجسيدات ٱللونيَّة "ٱلكواركات وٱلسّور Quarks and elements وحتى ٱلكواكب وٱلنجوم. وجميعها تجرى سابحة وفق "قَدَّر فهدى":
"سَبَّحَ للَّهِ ما فِى ٱلسَّمٰوٰتِ وٱلأرضِ وهُو ٱلعزيزُ ٱلحَكيمُ"1ٱلحشر و1ٱلحديد و1ٱلصَّف.
سباحة "ما فى ٱلسَّمٰوٰت وٱلأرض" تتبع أمر ٱللَّه. ٱلَّذى يتحكم بذٰلك ٱلتقدير وٱلهداية. ويصيطر عليهما. ولا يشاركه فى ذٰلك أحد. وأنَّ هٰذه ٱلسباحة لا تنقطع ولا تضعف لا فى ٱلَّيل ولا فى ٱلنَّهار:
"يسبّحون ٱلّيل وٱلنَّهار لا يفتُرون" 20 ٱلأنبيآء.
"سبّح" نقيضه "ٱستَقرَّ". ودليله هو دليل ٱلفعل "قَرَّ". ٱلَّذى يدل على ٱلسكون وٱلثبات وٱلإقامة وفقدان ٱلقوة على ٱلحركة:
"وٱلشَّمسُ تجرِى لِمُستَقَرٍّ لَّها ذٰلك تَقديرُ ٱلعزيزِ ٱلعليمِ"38 يس.
مستقرّها هو هلاك طاقتها على ٱلجرى. ويحدث ذٰلك وفق "قَدَّر فهدى". وهو ما يدلنا على ٱلصَّيطرة وٱلتحكم ٱلكامل فى طاقة ٱلجرى "ذٰلك تقدير ٱلعزيز ٱلعليم".
وبيَّن ٱلنبأ أنَّ طاقة ٱلسباحة لأىِّ شىء محدَّدة وهالكة:
"كُلُّ شَىءٍ هَالك" 88 ٱلقصص.
أى يستهلك طاقته على ٱلجرى. أمَّا طاقة فعل ٱللَّه فغير محدودة وغير مستهلكة ولا ٱستقرار لها.
ونجد أنَّ ٱلكلمة "سبحان" تدلنا علىۤ أنَّ قوة ٱللَّه على فعل ٱلسباحة مطلقة وباقية. وهى ملازمة لصفة ٱلحىِّ ٱلباقى.
وفى ٱلنبإ فرق بين قوة ٱللَّه على فعل ٱلسباحة وقوة ٱلأشيآء:
"فَسُبحَـٰنَ ٱللَّه ربِّ ٱلعرشِ عمَّا يَصِفُون" 22 ٱلأنبيآء.
ٱلَّذى يصفون له مستقرّ وهو هالك. أمَّا فعل ٱللَّه فليس له مستقرّ. وهو ٱلفاعل ٱلَّذى "قدّر فهدى". ٱلمصيطر ٱلمتحكم بكل أمرٍ.
وفى ٱلبلاغ فرق معرفىّ أخر يوصل إليه ٱلإنسان ٱلعالم:
"فَسُبحَـٰنَ ٱللَّه حِينَ تُمسونَ وحين تُصبحونَ"17 ٱلروم.
صاحب ٱلمقام ٱلأوَّل ٱلكامل ٱلقوة ٱلَّذى ليس لفعله مستقرّ هو ٱللَّه. وصاحب ٱلمقام ٱلثانى ٱلهالك ٱلَّذى يفتر عن ٱلحركة فى ٱلمسآء ويعود إليها فى ٱلفجر وله مستقرّ فى ٱلموت هو ٱلإنسان. وهو ٱلَّذى يبيِّن ٱلفرق بين ٱلمقامين. ويقرُّ بهما فى موعدين للصَّلوٰة. ٱلأوَّل فى المسآء. وٱلثانى فى ٱلصباح.
وتقترن كلمة "سبَّح" مع كلمة "ذكر" كما فى ٱلأمر:
"وَٱذكُر ربَّكَ كثيرًا وسَبّح بٱلعشِىِّ وٱلإبكَٰرِ"41 ءال عمران.
وفيه طلب للتذكر وٱلمقابلة بين ٱلمقام ٱلأول ٱلباقى وٱلمقام ٱلثانى ٱلهالك. وذٰلك فى موعدين "ٱلعشىِّ وٱلإبكٰر". وهٰذا يدلنا على موعد ٱلصَّلوٰة ٱلرَّاصدة للسَّمآء وما فيها من تكوينات وٱلتى تبدأ فى ٱلعشى وتنتهى باكرًا وقت ٱلفجر.

ونستنبط من ٱلبلاغ أنَّ ٱلصَّلوٰة مقترنة بتوقُّد ٱلذَّاكرة. وفيها مقابلة وعقل بين وجود ٱلحىِّ ٱلباقى ووجود ٱلهالك. وأنَّ إقامتها فى موعدين تجرى يوميًّا. وأنَّ ٱلذى يقيمها هو ٱلمؤمن ٱلعالم ٱلذى يسير فى ٱلأرض ينظر كيف بدأ ٱلخلق. وهو لا يفتر عن قيام ٱلصَّلوٰة حتى مستقرّه فى ٱلموت. يشحن ذاكرته بما ينجم عن نظره وعلمه. وبعلمه يجرى ٱلتفريق بين "سبح" و"سبحان". بين ٱلهلاك وٱلبقآء.
ومثل هٰذا ٱلمؤمن هو من "أهل ٱلذكر". وهو ٱلذى يحافظ على ٱلصَّلوٰة ما دام حيًّا. فلا تضيع منه. ويبقى مصيطرًا علىۤ أفعاله وأعماله وأقواله وٱلمقرّ ٱلّذى يحيا فيه. حتى تهلك طاقة سباحته ويستقرّ. فلا يتجبَّر ولا يطغى ولا يعتدى. لأنه يذكر قوَّة ربِّه ويعلم بها.
أمّا ٱلَّذين أضاعوا ٱلصَّلوٰة فقد جآء عنهم فى ٱلبلاغ:
"فَخَلَفَ من بعدِهِم خَلف أضَاعُواْ ٱلصَّلوٰة وٱتَّبَعواْ ٱلشَّهَوات فسوفَ يَلقَونَ غيًّا"59 مريم.



كثيرة هى ٱلمفاهيم ٱلتى أبدلها ٱللَّغو وحرفها. وكان ٱلتحريف قد فعل فى كلمة "صلوٰة" وكلمة "منسك". فحرف دليل ٱلكلمتين. وضيَّع ٱستعمالهما على ٱلناس. وما سبق من عرض لمفهوم ٱلصَّلوٰة فى ٱلبلاغ ٱلعربى. يبين علاقة ٱلصَّلوٰة بإعلان سورة ٱلبقرة "لاۤ إكراه فى ٱلدِّينِ". وقد رأيناۤ أنَّ ٱللَّه يصلِّى على ٱلمؤمنين. ولا يكرههم. ويصلى على ٱلنبى. ولا يكرهه. وقد طلب إليناۤ أن نقيم ٱلصَّلوٰة على ٱلنبى. وأن لا نعتدى على خصوصيته وأهل بيته. فله وحده هٰذه ٱلخصوصية.
أمَّا ٱلطاغوت وكهنته فقد ٱعتدوا على ٱلنبى وعلىۤ أهل بيته. ونشروا عدوانهم فى صحف كثيرة. وزعموۤا أنَّ عدوانهم سنَّة للنبى. وقد كان عدوانهم وما زال. يطول نسآء ٱلنبى وعلاقته ٱلزوجية معهنَّ. ويفحش بهنَّ وبه. ٱلأمر ٱلذى جعل مفكرًا مثل سلمان رشدى يسخر من دين أصحاب هٰذه ٱلسِّنَّة فى كتابه "آيات شيطانية". وقد جعله دينهم يتصور أنَّ ٱلنبى قوادًا وزوجاته غانيات. وهو بتصوره ٱلذى يزيد من ٱلإعتداۤء على ٱلنبى وأزواجه. يظهر أنَّ نظره ٱقتصر على ما نشره ٱلمعتدون على ٱلنبى وأهل بيته. وجعله مادة لعدوانه وتصوره.
لقد ٱمتنع ٱلطاغوت وكهنته عن ٱلصَّلوٰة على ٱلنبى. وٱعتدى وفحَّش. بزعم أنَّه ينشر سنَّة ٱتبعها ٱلنبى مع نسآئه. وقد حرَّض ٱلمعتدى ويحرّض ٱلناس ليتبعوا ما يزعم به من سنَّة للنبى. وأخفى عنهم مفهوم ٱلصَّلوٰة. كماۤ أخفى عنهم مفهوم ٱلدستور.
لقد بين ٱلبلاغ أنَّ ٱلتوجُّه إلى ٱللَّه بٱلسؤال هو فعل ٱبتهالٍ:
"فَمَن حآجَّكَ فيهِ من بعدِ ما جآءَكَ من ٱلعلمِ فَقُل تَعَالَواْ نَدعُ أَبنآءَنا وأَبنآءَكم ونسآءَنا ونسآءَكم وأَنفسَنا وأَنفسَكم ثمَّ نبتهل فنجعل لَّعنتَ ٱللَّهِ على ٱلكٰذِبينَ" 61 ءال عمران.
وأنَّ شعآئر ذٰلك ٱلتوجُّه هى فعل نُسكٍ. وٱلمكان ٱلذى يقام فيه ٱسمه منسك:
"ولكُلِّ أمَّةٍ جعلنا منسكًا لِّيذكُرُواْ ٱسم ٱللَّهِ على ما رَزَقَهُم من بهيمةِ ٱلأنعٰمِ فَإلٰهُكُم إِلَٰه وٰحِد فلهُۤ أسلِمُواْ وبشِّرِ ٱلمُخبِتِينَ" 34 ٱلحج.
"ولكلِّ أمَّةٍ جعلنا منسكًا هُم ناسِكُوهُ" 67 ٱلحج.
لقد حرف لَغو ٱلذين كفروا ٱسم هٰذا ٱلمكان إلى ٱسم جامعٍ. وبه حرفوۤا إدراك ٱلناس عن ٱلاسمين معًا. فٱلجامع هو مكان تعليم حسىٍّ وتجريبىٍّ. يدلنا على ذٰلك ٱلقسم من ٱلجامع ٱلذى يحمل ٱسم محراب. ولما ٱحتاج ٱلأمر إلى تسمية بيوت ٱلتعليم ٱلجامعى. جيئ بٱلاسم جامعة وبٱلاسم مخبرٍ. ليتركوا ٱسم ٱلجامع فى دآئرة ٱللَّغو وٱلتحريف. ولينسى ٱلناس دليل وحاجة ذٰلك ٱلقسم من ٱلجامع ٱلذى يحمل ٱسم محراب.
وما فعله ٱلطاغوت وكهنوته. جعله فى صحف منشورة. وبها يجرى ٱلتعليم فى بيوتٍ تؤسس إدراكًا لا يوصل إلى فهم دليل ٱلكلمة فى كتاب ٱللَّه.
























ٱليهود – ٱلَّذين هادوا

ٱلفعل "هاد" تدل عليه ٱلأفعال (رجع وقبل وقرَّ وعزَّ ومدح). و"ٱلذين هادوا" هم ٱلذين يرجعون ويقبلون ويقرّون ويعتزّون ويمدحون ماضٍ ونسبٍ سَكَنَ وماتَ. وهم ٱلذين يوجِّهون حاضرَهم إلى ذٰلك ٱلماضى ٱلميِّت ويكرهون ٱلناس على ٱتباعهم فى توجههم. فيغلقون أمام ٱلناس سبيل ٱللَّه.
وٱسم "يهود" هو ٱسم جمع يطابق ٱلفعل ٱلحاضر "يهودُ" وهۤؤلآء يرجعون بفكرهم إلى ورآء مهما بلغ تقدمهم ٱلعلمى وٱلحرثى (ٱلإقتصادى).
وقد ظهر فى ٱلقصص ٱلإنسانى منذ زمن بعيد من ٱليوم أنَّ قوم موسىٰ هم ٱليهود. وصار هٰذا ٱلاسم عَلَمًا لأكثرهم من دون غيرهم من ٱلناس. وهۤؤلآء يجهدون حرثيًّا وعلميًّا وصناعيًّا ويوجِّهون جهدهم لمأربٍ أساسٍ هوۤ إقامة مملكة داود من ٱلموت. فحاضرهم ومستقبلهم مسخَّر لِّهٰذا ٱلمأرب. وهٰذا يجعلهم يهودًا.
أمَّا ٱسم يهود فيلتصق بٱلناس ٱلذين يتمسَّكون بٱلنَّظر إلى ورآء. سوآء ءَكانوا من قوم موسىٰۤ أم من قوم أخرين. فكلُّ سلفىٍّ يهودىّ.
ويوكِّد هٰذا ٱلفهم ٱلنَّظرُ فى كتاب موسىٰ. وكذٰلك ٱلنَّظر فى ٱلقرءان.

لقد ورد فى نسخة ٱللُّغة ٱلفصحى لكتاب موسىٰ وفى "سفر خروج" أنَّ قوم موسىٰ هم بنىۤ إسرٰئيل:
"وهٰذه أسماء بني إسرائيل الذين جاءوا إلى مصر. مع يعقوب جاء كلُّ إنسانٍ وبيته" ٱلإصحاح ٱلأول -1.
فقوم موسىٰ هم "بنىۤ إسراۤءيل". ولا يوجد ٱسم "ٱليهود" فى جميع أسفار موسىٰ. وفى ٱلقرءان تصديق لذٰلك. فهم "بنىۤ إسرٰۤءيل". وإسرٰۤءيل ٱسم يدل علىۤ إنسانٍ ٱختار فى عيشه أن يكون متغلِّبًا على قوى ٱلعطالة فيندفع سالكًا سبيل ٱللَّه. وهو ٱسم لَّا يتعلق بقوم أو شعب من ٱلشعوب. بل هو ٱسم فرد يتغلَّب على قوى ٱلعطالة فى عيشه. يسير ويبصر فىۤ ءَايات ٱللَّه ويصدِّق بصره ونظره. ومثله يصير أبًا لِّأبنآء يسيرون على منهاجه.
وبنىۤ إسرٰۤءيل منهم ٱلذى يتابع ٱلمنهاج فيرتقىۤ إلى طور معرفى وعلمى جديد. وهؤلآء يحتفظون بٱلاسم "بنىۤ إسرٰۤءيل".
أمَّا ٱلذين لا يصدقون ٱلجديد ولا يتابعون ٱلمنهاج يتوقفون عند طور مِّن أطوار منهاج إسرٰۤءيل فيسقط عنهم ٱسم إسرٰۤءيل ويحلُّ عليهم ٱسم ٱليهود.
وهٰكذا يتبين لنا ٱلفرق بين ٱلاسمين. فٱسم بنىۤ إسرٰۤءيل للذين يسيرون على طريق ٱلارتقآء ٱلمعرفى وٱلعلمى بسيرهم على سبيل ٱللَّه. وٱسم ٱليهود للذين يتمسكون بما وصل إليهم من ٱلأبآء. وهؤلآء لا يصدقون بطور أعلى ويكفرون بكلِّ جديد:
"لُعِنَ ٱلَّذين كفرواْ من بنىۤ إسرٰۤءيل على لسان داود"78 ٱلمآئدة.
ٱلَّذين كفرواْ هم ٱلَّذين تعطَّل سيرهم إلىۤ أمامٍ. يبعدون أبصارهم وأنظارهم عن ٱلأيات. ولا يصدِّقون بٱلجديد فيها. وهؤلآء يُبعدون ويُطردون عن درجات سُلَّم ٱلتَّطور وٱلاصطفآء ٱلمعرفى وٱلعلمى. ويصيبهم بذٰلك ٱلخزى ويتخلفون عن ٱلذين يتابعون منهاج إسرٰۤءيل. وهٰذا ما يدلُّ عليه ٱلفعل "لعن" وفى دليله دليل ٱلأفعال (بعد وطرد وخزى).
لقد ورد فى سفر تكوين ٱلأمر ٱلتالى:
"لا تنظر إلى ورائك" ٱلإصحاح 19 (19).
وهٰذا ٱلأمر موجَّه إلى ٱلنَّبى لوط. وبين أنَّ ٱلنظر إلى ورآء يوقف فاعله عن ٱلسير على ٱلسبيل ويمنعه من ٱلتطور ويسقطه فى دآئرة ٱلتخلف ٱلمميت:
"ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملحٍٍ" ٱلإصحاح 19 تكوين(26).
ويبين لنا هٰذا ٱلقول أنَّ ٱلذى ينظر إلى ورآء يصير كٱلملح لا يصلح لنبات حىٍّ. وهٰذا ٱلأمر نجد تصديقه فى ٱلقرءان:
"ولا يلتفت منكم أحد" 81 هود.
ٱلذين يلتفتون هم ٱلذين ينظرون إلى ورآء فتعمىۤ أبصارهم عن ٱلسبيل. وهؤلآء هم ٱليهود. فٱليهودى هو كلُّ من يخالف ٱلأمر ٱلإلٰهى فى كتاب موسىٰ وفى ٱلإنجيل وفى ٱلقرءان. وهو ٱلذى يتوجَّه بنظره إلى ورآء ويسخِّر جميع ٱلقوى بين يديه لخدمة ما هو ميِّت وفى ماضٍ بعيدٍ. فيختار لعيشه منهاج مكَّة ويوقف للناس فى سبيل ٱللَّه يكرههم على ٱتباع دينه. وفى توجُّهه يوقع نفسه فى صراع مع ما هو قآئم على ٱلمكان. فينشأ قتل وتهجير. ويتعزز ٱلسير فى طريق ٱلحرب وٱلعدوان وٱلقتل. كما يُعزَّز ٱلظَّنّ أنَّ ما فعله من أجل ميِّت هو طريق ٱلخلاص لنفسه!.

لقد بين ٱللَّه إرادته من خروج بنى إسرٰۤءيل:
"فإنَّ لي جميع الأرض. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمَّة مقدَّسة" سفر خروج –ٱلاصحاح 19(5-6).
إنَّ أوَّل أمر فى هٰذا ٱلبيان أنَّ ٱلأرض ملك لِّلَّه. وهى لم ولن تكون ملكًا لِّأحدٍ مِّنَ ٱلناس. وٱلأمر ٱلثانى هو بيان أسباب خروج بنىۤ إسرٰۤءيل إلى مكان مَّعزول ومعهم موسىٰ. فهؤلآء ٱلذين خرجوا مع موسىٰ هم ٱلمصطفون لطور أعلى. وخروجهم مِّن مِّصرَ إلى مكان مَّعزول. فيه عزل لَّهم عن تأثير ٱلشهوات ٱلتى تنتشر فىۤ أرض مصر وهى دولة طاغوت مكىٍّ. وعزلهم جرى لمدة أربعين عامًا يخضعون لسبيل عيش وعلم يوصل من يبقى منهم إلى "مملكة كهنة وأمَّة مقدسة". وما نجده فى سفر خروج أنَّ هؤلآء ومعهم أميرهم موسىٰ يتَّبعون منهاجًا مِّن عند ٱللَّه يحمله إليهم مَلَك (روبوت):
"ها أنا مرسل ملاكًا أمام وجهك ليحفظك في الطريق وليجيء بك إلى المكان الّذي أعددته. احترز منه واسمع لصوته ولا تتمرد عليه. لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأنَّ اسمي فيه" الإصحاح 23 (20-21).
وما نجده أنَّ ٱلمكان محدَّد ومعدّ لِّلتدريب على منهاج. كماۤ أنَّ ٱلمدرب روبوت بدليل ٱلقول "اسمع لصوته". فٱلمدرب له صوت وليس له قول أو كلام. فهو يردِّد ٱلصوت ٱلمسجَّل فيه. وهٰذا ما تدل عليه كلمة "مَلَك".
كما وجدناۤ أنَّه موزع لقتل من يخالف:
"ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلثة ألاف رجل" خروج-الصحاح 32(28).
ونجد فى سفر تثنية ما يبين سبب خروج بنىۤ إسرٰۤءيل من مِّصر:
"وتتذكَّر كلّ الطريق التي سار بك الرَّبُّ إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يُذِلَّكَ ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا. ما ذلَّك وأجاعك وأطعمك المنَّ الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه أباؤك لكي يعلِّمك أنَّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلِّ ما يخرج من فم الرَّبِّ يحيا الإنسان. فاعلم في قلبك أنَّه كما يؤدِّب الإنسان ابنه قد أدَّبك إلهك" الإصحاح 8 (2-6).
وهٰذا يبيِّن أنَّ موسى وقومه أُخذوا وعُزلوا عن ٱلناس لمدَّة أربعين سنة فى قفر مُّوحش. لِّتذليلهم وتجربتهم على حفظ ٱلوصايا. وعلى ٱلعلم أنَّ حياة ٱلإنسان فى ٱتباع كلام ٱلرَّب. كما يبين هٰذا ٱلقول عمل ٱلتأديب ٱلذى جرى لـ موسىٰ وقومه.
لقد جرى ذٰلك من دون هوادة ولا صفح عن ٱلذنوب. لأنَّ ٱلمؤدِّب مَلَك مهدىّ علىۤ أفعال وأصوات مُّحدَّدة وموزعة فيه. ومنها فعل ٱلقتل لكلِّ من يخالف ٱلتأديب.

رسالة ٱللَّه للبشر طورية بدأت مع ٱلبشر ٱلذى يشبه جميع ٱلدَّواۤبِّ ٱلبهيمة. بدأت بٱلزجر وٱلتأديب وٱلتذليل. وٱلمؤدب ملك مهدىّ علىۤ أفعالٍ وأصواتٍ.
وعندما ظهر ٱلطَّور ٱلأول من ٱلبشر ٱلمؤدَّب صار ٱسمه "ءَادَبَ". ثمَّ تابع ٱلتدريب فى ٱلطور ٱلثانى. فبعد أن تعلم ءَادب ٱلأسمآء كلَّها ظهر ٱلمصطفى ٱلأول "ءَادم". وتابع ٱلتدريب أطواره إلىۤ أن وصل إلىٰۤ "إسرٰۤءيل" وهو ٱلذى صار معلِّمًا وأبًا لِّأَتباع هم أبنآء لَّه فى ٱلمنهاج. ومنهم من هو ولد لَّه. ومنهم مَن لَّا قرابة فيه. فهو صاحب منهاج وأتباعه ٱلمصدقون له هم أبنآء.
ومنهاج إسرٰۤءيل يقوم على تصديق ٱلنبوَّة وتصديق ٱلأيات ٱلمبصرة. وهو ما يعلِّمه لأبنآئه ويوصيهم به. وهم ٱلمصطفون لتصديق أطوار ٱلنُّبوَّة وٱلرِّسالة حتى ٱلكمال فى رسالة ٱللَّه للناس جميعًا (ٱلقرءان).
وبنوۤ إسرٰۤءيل ليسوا سوآء فى تصديق ٱلجديد. وأكثرهم يتوقف عند ٱلطور ٱلذى صدَّقه فلا يقبل بطور أعلى. وهو ما نجده فى ٱلقول ٱلتالى:
"وكان الرَّبُّ قد قال لموسى قل لبني إسرائيل أنتم شعب صلب الرقبة" خروج –الإصحاح 33(1-3).
وفيه توكيد أنَّ قبولهم لأطوار ٱلرِّسالة سيكون صعبًا. وأنَّ كفرهم بٱلأطوار ٱلجديدة سيوقع فيهم ٱلقتل على يد مَلَكٍ مَّهدىٍّ لِّمنع ٱلتمرد على ٱلتدريب ٱلذى يسوق ٱلمُدَرَّبَ إلىۤ أطوار ٱلرِّسالة ٱلأخيرة.
أسفار تكوين وخروج وتثنية وعدد ولاويين تبين جمعًا كبيرًا مِّنَ ٱلناس يخرجون من ٱلقرية (ٱلحضارة) ٱلمكيَّة ٱلتى يعيشون فيها ليعزلوا بعيدًا عن لذَّة ٱلعيش ويتدربون على منهاج. وفى ٱلعزل توالدوا تحت ظل هٰذا ٱلمنهاج. وبعد أربعين سنة جآء أولادهم وقد حملوا صفات ٱلإنسان ٱلذى دُرِّبَ على حفظ ٱلوصايا وعبادة ٱللَّه. وقد دُفعوا فى ٱلقرى وسط ٱلشعوب ومعهم ما تعلموه من مِّنهاج ٱلتدريب. وبهم ٱنتشر ٱلمنهاج بين ٱلناس يدفعهم إلى طور أعلى من ٱلمعرفة وٱلعلم.
ولقد جرت ءايات عديدة أمام بنىۤ إسرٰۤءيل وهى على هيۤئة بيانات حسية سمعًا وبصرًا. ملأت قلوبهم ثقة بماۤ أتى لهم مِّن علم. وهٰذا ما يدلنا عليه ٱلبلاغ ٱلعربى:
"سَل بنىۤ إسرٰۤءيل كم ءاتينٰهم مِّن ءاية بيِّنةٍ" 211 ٱلبقرة.
لقد أبصروۤا ءايات يصعب تكذيبها. وفيما يلى بعضها:
"وإذ نجينٰكم من ءَالِ فرعونَ..وإذ فرقنا بكم ٱلبحر.. ثمَّ بعثنٰكم من بعد موتكم.. وظلَّلنا عليكم ٱلغمام وأنزلنا عليكم ٱلمَنَّ وٱلسَّلوىٰ.. وإذ ٱستسقى موسىٰ لقومه فقلنا ٱضرب بعصاك ٱلحجر فٱنفجرت ٱثنتا عشرةَ عينًا.."49-60 ٱلبقرة.
وقد وصل ٱلأمر مع هؤلآء إلى حدِّ ٱلميثاق ٱلذى يدلُّ على طور عالٍ مِّن ٱلمعرفة وٱلعلم:
"وإذ أخذ ٱللَّه ميثاق بنىۤ إسرٰۤءيل وبعثنا منهم ٱثنى عشر نقيبًا" 12 ٱلمآئدة.
ودليل ٱلنقيب من دليل ٱلفعل "نَقَبَ". وفى دليله دليل ٱلأفعال (بحر وخبر وعلم ومحص). فٱلنقيب هو ٱلباحث ٱلبحر ٱلخبير ٱلعالم ٱلذى يمحص ٱلمسألة حتى ٱلبلاغ ٱلمبين.
لقد جرى ٱصطفآء بنىۤ إسرٰۤءيل ليكونوۤا أمَّة مقدسة وهو ما يصدقه ٱلبلاغ ٱلعربى:
"يٰبنىۤ إسرٰۤءيل ٱذكرواْ نعمتىَ ٱلَّتىۤ أنعمت عليكم وأنِّى فضَّلتكم على ٱلعٰلمين" 47 ٱلبقرة.
ونرى فى ٱلبلاغ ٱلعربى أنَّ عيسىٰ ٱبن مريم يتوجَّه برسالته ونبوَّته إلى بنىۤ إسرٰۤءيل وليس إلى ٱليهود كما يُظنُّ:
"وقال ٱلمسيح يٰبنىۤ إسرٰۤءيل ٱعبدواْ ٱللَّه ربِّى وربَّكم" 72 ٱلمآئدة.
فرسالته ونبوَّته موجهتان إليهم أينما كانوا ومن أىِّ لون بشرىٍّ. لا كما يُظنُّ أنها رسالة خاصة بٱليهود:
"ورسولا إلىٰ بنىۤ إسرٰۤءيل أنِّى قد جئتُكم بـءَـايةٍ مِّن رَّبِّكم" 49 ءال عمران.
فٱلذين صدَّقوا من بنىۤ إسرٰۤءيل تابعوا طريق كمال ٱلإصطفآء ونكص ٱلذين كفروا بها:
"فـءَـامنت طآئفة مِّن بنىۤ إسرٰۤءيل وكفرت طَّآئفة فأيَّدنا ٱلذين ءامنواْ علىٰ عدوِّهم فأصبحواْ ظٰٰهرين" 14 ٱلصَّف.


إنَّ رسالات ٱللَّه هى منهاج ذو أطوار كما هى مناهج ٱلكومبيوتر. وفى كل طور من أطوار ٱلرسالة يجرى تنزيل وتثبيت قسم من ٱلمنهاج إلىۤ أن يكمل بٱلمنهاج ٱلعربى ٱلمبين (ٱلقرءان). وهو منهاج ما زال ٱلناس لا يصدقون به. وهم إلى يومنا هٰذا يعملون وفق أجزآء مِّنَ ٱلمنهاج غير كامل:
"ٱليوم أكملت لكم دينكم" 3 ٱلمآئدة.
وحال ٱلناس ٱليوم وفى كلِّ ٱلأرض هو حال ٱليهودى ٱلذى يمتنع عن تنزيل ٱلمنهاج ٱلأعلى. فهو لم يصدِّق أنَّه منهاج مِّن عند ٱللَّه.
ومنهاج ٱلقرءان هو منهاج ٱلإسلام للَّه ربّ ٱلعالمين. وٱسم "إسلام" من أصل دليل ٱلفعل "سَلَمَ". وفى دليله دليل ٱلأفعال (برئ وخلص ورضى وصلح وقرَّ وخضع وسجد وركع). وما نجده أنَّ منهاج ٱلإسلام فى ٱلقرءان هو فى ٱلإسلام للَّه ربِّ ٱلعالمين وهو ٱلدِّين عند ٱللَّه:
"إنَّ ﭐلدِّين عِندَ ﭐللّهِ ﭐلإسلامُ" 19ءال عمران.
وهو دين جميع ٱلحقِّ من ٱلذَّرِّ وحتىۤ أكبر نجم فى ٱلسَّمآء. ٱلكلُّ يسلم لسنت ٱلرَّبِّ ٱلفاعلة فى ٱلتكوين substantive law (ٱلقوانين ٱلموضوعية فى ٱللّغة ٱلفصحى) ٱلحىِّ وٱلميِّت على ٱلسَّوآء. فكلُّ ٱلأشيآء دينها ٱلإسلام لرَّبِّ ٱلسَّمٰوٰت وٱلأرض.

وحده ٱلإنسان يُترك له أمر ٱلإتباع لسنَّتِ ٱلرَّبِّ. فهو يولد مسلمًا لِّهٰذا ٱلدِّين. وبعد أن يتعلم ٱلأسمآء كلَّها ويزداد علمه فى بيوت مجتمعه وقومه. له أن يتخذ موقفًا. فأمامه طريقان. ٱلأول دين جميع ٱلحقِّ. وٱلثانى دين جميع ٱلباطل. وهو وحده ٱلمسئول فى خيرته بين جميع ألوان ٱلحقِّ.
وقد بين ٱلبلاغ ٱلعربى توزّع ٱلناس على مواقف فى عيشهم:
"إنَّ ٱلّذين ءَامنواْ وٱلّذين هَادُواْ وٱلصَّٰبئينَ وٱلنَّصَٰرى وٱلمَجُوسَ وٱلّذينَ أَشْرَكُواْ إنَّ ٱللَّه يفصِلُ بينهم يومَ ٱلقيٰمةِ إنَّ ٱللَّه على كلِّ شَىءٍ شهيد" 17 ٱلحج.
وفيه بيانُ مَن يفصل بينهم. ولم يعدَّد بينهم موقف "ٱلإسلام". فٱلذين ءامنوا هم ٱلذين يصدقون ويطمأنون لقولهم فيما كشف عنه نظرهم وتعرَّفوا عليه وعلموا بجريانه فى ٱلأشيآء. ومنهم ٱلعاملون فى علوم ٱلمقدار وٱلاختبار وٱلعمران فى كلِّ وقت. ومنهم من يوصل إلى موقف قريب من ٱلإسلام فيوجِّه علمه بٱلتوافق مع سنَّت ٱلرَّبِّ فى ٱلتكوين فلا يخالفها ولا يفسد فيه. ومنهم من يوصل إلى موقف بعيد عن ٱلإسلام ويوجِّه علمه حيث يظنُّ أنَّه ينفعه. فيعمل فسادًا فى ٱلأرض وفى ٱلحرث وفى ٱلنَّسل.
إنَّ موقف ٱلإسلام يلزمه منهاجه. إذ لا يمكن لإنسان أن يعمل موافقًا لِّمنهاج ٱلإسلام من دون أن يكون ٱلمنهاج مثبت فى فؤاده كما تثبت مناهج ٱلكومبيوتر. وٱلمسلمون قليلون فى كلِّ وقت وفى كلِّ مجتمع. وهو ما نفقهه من ٱلبلاغ ٱلعربى:
"ثُلَّة مِّنَ ٱلأوَّلين(13) وقليل مِّنَ ٱلأخرينَ(14)" ٱلواقعة.
وٱسم "ثُلَّة" من ٱلأصل "ثّلَّ" وهو يدل على جمع كثير. فٱلأوَّلون كثيرون وهم ٱلذين شهدوۤا ءايات جرت أمامهم فصدقوها بفعل قوَّة ٱلبصر.
أمَّا ٱلأخرون فٱلذى يصدِّق منهم قليل. لأن ٱلعاملين فى ٱلبحث ٱلعلمى ٱلذين يكشفون عن سنَّة جريان ٱلأية فى مخابرهم عددهم قليل. وهم فى بحوثهم وٱختباراتهم يرون ما يدفعهم للتصديق وٱلاطمئنان إذا كانت قلوبهم مفتوحة ٱلمنهاج. أمَّا إذا كانت قلوبهم مغلقة ٱلمنهاج فإنَّ ما يرونه يجعلهم يصدقون بٱلحدث ٱلمخبرى ولٰكنهم لا يوصلون إلى تصديق ٱلعلم بٱستقرار ٱلنَّبإ ٱلأتى فى ٱلبلاغ ٱلعربى. لأنَّ منهاج كلٍّ مِّنهم يمثِّل طورًا مِّنَ ٱلأطوار ٱلتى سبقت منهاج ٱلطور ٱلعربى. وهم يحصرون تصديقهم بٱلطور ٱلذى وقف كلّ مِّنهم عنده. وقد بين عيسى ٱبن مريم ذٰلك:
"إنَّ لى أُمورًا كثيرةً أيضًا لأقول لكُم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا ٱلأَن وأمّا متى جآء ذاك روح ٱلحقِّ فهو يرشدكم إلى جميع ٱلحقِّ" الإصحاح 15 إنجيل يوحنا.
وفى هٰذا ٱلقول بيانُ أنَّ ٱلتصديق يلزمه تطور فى ٱستطاعة ٱلاحتمال. وهٰذا نرى له شبهًا فى مناهج ٱلكومبيوتر.

إنَّ ٱلذين ءامنوۤا أينما ورد هٰذا ٱلقول فى ٱلقرءان لا يدل على ٱلمسلمين للَّه ربِّ ٱلعالمين. فٱلمسلم للَّه ربِّ ٱلعالمين مؤمن يؤمن بٱللَّه وٱليوم ٱلأخر ويعمل صالحًا. وقد بدأ هٰذا ٱلاسم ومنهاجه مع إبرٰهيم:
"وإذ قال إبرٰهِم ربِّ أرنِى كيف تُحِى ٱلموتىٰ قال أوَلَم تؤمِن قال بلىٰ ولٰكن ليطمئنَّ قلبى" 260 ٱلبقرة.
وهو "إبرٰهِم" قبل تنزيل وتثبيت منهاج ٱلاطمئنان. وقد طلبه إبرٰهِم من ربِّه بقوله "أرِنىۤ" أى ٱجعل قلبى يرى. وهٰذا تطور فى قدرة قلب إبرٰهِم على ٱلنظر وٱلرأى. وليس بصر ٱلعين هو ٱلمطلوب كما يُظنُّ. وبعد تنزيل وتثبيت ٱلمنهاج صار ٱسمه "إبرٰهيم". فظهر فى ٱسمه ٱليود "يـ" بعد ٱلشبكة "هـ" وصار توجيه ٱلشبكة مؤيد بٱليد "يـ". ومثل إبرٰهيم فى ٱلأخرين قليل. فٱلمسلم يتحرَّ رَشدًا كما يبين ٱلبلاغ ٱلعربى:
"وأنَّا مِنَّا ٱلمسلمون ومِنَّا ٱلقٰسطون فمن أسلم فأُلٰئك تحرَّواْ رَشَدًا(14) وأمَّا ٱلقٰسطون فكانواْ لجهنَّم حطبًا(15)" ٱلجنّ.
ودليل ٱلقاسط من أصل دليل ٱلفعل قسط. وهٰذا ٱلفعل يدل على قَسمِ ٱلشىء أقسامًا سوآء. وٱلقاسطون هم ٱلذين يقسمون ٱلأشيآء ويعاملونها علىۤ أنها سوآء. فلا يأخذون بخصوصية أىٍّ مِّنها. وهٰذا يدل على نقص ٱلدراية وٱلعلم عند ٱلفاعلين.
ٱلقسط هو ٱلتقسيم ٱلعادل ٱلكريم (سوآء مِّن دون زيادة أو نقص) وهو من أفعال ٱللَّه. ومن أسماۤئه ٱلحسنى "ٱلقاسط". وٱلقاسطون لا يدرون بدين ٱلفطرة "ٱلإسلام" بسبب ٱلامتناع عن تنزيل وتثبيت منهاجه فىۤ أفئدتهم. ونضرب مثلا فى ٱلموقف من جماعة من ٱلناس علىۤ أنهم متساوون فى جرم ٱقترفه واحد أو ٱثنين منهم.

ونوصل إلى ٱلقول أن ٱلمسلم هو صاحب ٱلموقف ٱلذى يسجد ويركع لسنَّت ٱلرَّبِّ فلا يخالفها فيسلم فى قوله وعمله لهٰذه ٱلسُّنَّت. وسبب موقفه هٰذا هو منهاج ٱلِّسان ٱلعربى ٱلمبين ٱلذى نزَّله فى قلبه وثبته فى فؤاده فصار يقرأه ويعمل بأعلى طور لسانى. ويصدِّق أطوار ٱلِّسان جميعها بدءًا مِّن ءَداب إلى محمد. ومثل هٰذا لم يذكره ٱلبلاغ (17 ٱلحجّ) مع أصحاب ٱلمواقف ذات ٱلمنهاج ٱلأدنى. فٱلمسلم للَّه ربِّ ٱلعالمين يصدِّق مناهج أصحاب هٰذه ٱلمواقف فلا يعتدى عليها. وهو يعلم أنَّ ٱلفصل بينهم من أفعال ٱللَّه. فهو يصلِّى عليهم ويدعوهم بٱلتى هىۤ أحسن لتنزيل وتثبيت منهاج ٱلِّسان ٱلعربى ٱلمبين فى قلوبهم وأفئدتهم ويترك أمامهم سبيل ٱللَّه مفتوحًا. وبه يرتقون إلى موقف ٱلإسلام للَّه ربِّ ٱلعالمين إن أرادوا. فلاۤ إكراه فى ٱلدِّين ولكلِّ إنسان حقّ فى ٱلسَّكن وٱلاستقرار فىۤ أرض ٱللَّه من دون إذنٍ من أحدٍ. فٱلأرض أرض ٱللَّه. لا قوميات ولا شعوب ولا حدود تمنعه من ٱلحركة وٱلترحال فى كلِّ ٱلأرض. ولا فساد فىۤ أرض ٱللَّه من أجل طعام أو مال أو سكن. فٱلمسلم يعلم أنَّ سنَّت ٱلصلاح للحياة فى ٱلأرض ترتبط بتوقف ٱلإفساد فيها بفعل ٱلإسراف فى ٱلبحث عن ٱلثروات وٱلملك. كما يعلم أنَّ ٱلعلوَّ فى ٱلأرض بسبب ٱلمال يدفع بصاحبه إلى ٱلطامَّة ٱلكبرى فى ٱلحياة ٱلدنيا. مثل ٱلطوفان أو ٱرتفاع ٱلحرِّ فى قميص ٱلأرض (غلافها ٱلجوى). أو حدوث قدود فيه (ثقوب ٱلأزون) ٱلتى تجعل ٱلنار ٱلشمسية ٱلحارقة توصل إلى ٱلحياة فتقتلها.




























ما هو سبيل ٱللّه ؟

لقد وجّه ٱللّه فى ٱلبلاغ ٱلعربى أنّه:
"لاۤ إكراه فى ٱلدينِ قد تبيَّنَ ٱلرُّشدُ مِنَ ٱلغىِّ فَمَن يكفُر بٱلطَّٰغوتِ ويؤمِن بٱللَّهِ فقدِ ٱستمسكَ بٱلعروة ٱلوثقىٰ لا ٱنفصامَ لها وٱللَّهُ سميع عليم" 256 ٱلبقرة.
"لاۤ إكراه فى ٱلدين" قول يبين أنَّ ٱلدِّين هو مفهوم ومسألة تتبع إدراك وخيرة ٱلفرد ومسئوليته. وهذا لا يحقق ما لم يكن ٱلفرد سيد نفسه وقوله وموقفه من مفاهيم ٱلمجتمع وٱلسلطة. وكذلك مفهومه عن ٱلوجود.
كما يبين أنَّ ٱلدِّين ليس من ٱلمسآئل ٱلعامَّة ٱلتى يُتنازَع أو يُقاتَل فيها. وأنَّ ٱلَّذين يقاتلون فى ٱلدِّين هم ٱلَّذين يعتدون بزعم دفاع عن ٱلدِّين. وهذا ٱلأمر نجده فى ٱلبلاغ ٱلَّذى ينهى عن ٱتخاذ أوليآء من ٱلَّذين يقاتلون فى ٱلدِّين:
"إنَّما يَنهٰكُم ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذين قٰتلوكم فى ٱلدِّين وأخرجوكم من ديٰرِِكم وظٰهَرُواْ علىٰۤ إخراجِكم أن تَوَلَّوهُم ومَن يتوَلَّهُم فأُوْلٰۤئك هُمُ ٱلظَّٰلمونَ" 9 ٱلممتحنة.
هؤلآء ٱلَّذين قاتلوا ويقاتلون بزعم دفاع عن ٱلدِّين (ٱلحروب ٱلطآئفية) ينجم عن قتالهم فى ٱلدِّين تهجير للناس عن بيوتهم وديارهم.
وما نجده فى ٱلنَّهىۤ أنَّه يمتد إلى ٱلَّذين (ظاهروا علىٰۤ إخراجكم) أىۤ أيَّدوا وأعلنوا تأييدهم للفصل بين ٱلناس مخالفة للبلاغ 17 ٱلحج. فٱلنَّهى هو عن تولية أىٍّ مِّن هؤلآء (ٱلَّذين قاتلوا وٱلَّذين ظاهروا) مواقع سلطة وحكم من بعد توقف ٱلقتال وٱلتوصل إلى ٱلسلم.
ونفهم من ٱلبلاغ 9 ٱلممتحنة وٱلبلاغ 256 ٱلبقرة أنَّ ٱلدِّين ليس من ٱلمسآئل ٱلتى يتنافس ويتنازع عليها وفيها ٱلناس. وهى مسألة فردية ولا يجوز جعلها مسألة عامَّة.
ويوكِّد فى ٱلبلاع على مسألة ٱلفردية:
"كلُّ نفسٍ بِما كَسَبَت رهينة" 38 ٱلمدَّثر.
"وٱتَّقواْ يومًا لا تَجزِى نفس عَن نفسٍ شيئًا" 48ٱلبقرة.
"وٱتَّقواْ يومًا تُرجَعونَ فيه إلى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كلُّ نفسٍ مَّا كَسَبَت وهُم لا يُظلمونَ" 281 ٱلبقرة.
"وكُلُّهُم ءَاتِيهِ يَومَ ٱلقِيٰمَةِ فردًا" 95 مريم.
"ولقد جِئتُُمونا فُرَٰدَىٰ كَما خلقنٰكم أوَّل مرَّة" 94 ٱلأنعام.
"إنَّاۤ أنزلنا عليك ٱلكتٰبَ للناسِ بٱلحقِّ فَمَن ٱهتدىٰ فلِنَفسِهِ ومَن ضَلَّ فإنَّما يضُلُّ عليها ومآ أنت عليهِم بوكيلٍ" 41 ٱلزُّمر.
"قُل إن ضَلَلتُ فإنَّمآ أضِلُّ علىٰ نَفسِى وإن ٱهتَديتُ فَبِما يوحِىۤ إلىَّ ربِّىۤ إنَّهُ سميع قَرِيب" 50 سبإ.
ونستنبط من هذه ٱلبلاغات أنَّ ٱلدِّين لا يمكن أن يكون مسألة عامَّة. وهو مسألة علم ومعرفة وعلى ٱلفرد أن يسعى للتحصيل فيها مثل أىّ مسألة علمية أو معرفية أخرى.

ٱسم سَّبيل هو للممرّ ٱلسَّالك ٱلذى لا عوق فيه ولا عوج ولا ميل ولا حفر ولا شوك ولا حجب للبصر. فهو ممرّ عربىّ مستقيم. وهو صراط ٱلرَّبِّ ٱلذى يطلب ٱلمؤمنون ٱلهداية إليه:
"ربنا ٱهدِنا ٱلصِّرٰط ٱلمستقيم" 6 ٱلفاتحة.
"ٱهدِنا ٱلصِّرٰط ٱلمستقيم" مثل ٱلقول "أَرِنِى كيف تُحِى ٱلموتى". فيه طلب لقدرة علمية ومعرفية فى ٱلمسألة.
وكلمة "صرٰط" دليلها من دليل ٱلفعل "صَرَطَ" ٱلَّذى يضمُّ دليل كلٍّ مِّنَ ٱلأفعال (مرّ وبان وأَمِنَ). فهو ممرّ بيِّن أَمِن.
أمَّا دليل كلمة "مستقيم" فهو من دليل ٱلفعل "قام" ٱلَّذى يدل على ٱلأفعال (عَدَلَ وظَهَرَ وقَرَّ وبَقِىَ وحَدَّ ورَفَعَ وبان وقَدَرَ وحَفَظَ وسَيَدَ وعَمَدَ وعانَ). وكل هذه ٱلأفعال تشترك فى جعل ٱلصراط مستقيمًا لَّا عوج ولا ميل ولا حجب لِّلبصر فيه. وهو منهاج ومسلك قيِّم:
"قُل إنَّى هَدـٰنى رَبِّى إلى صِرٰطٍ مُّستقيمٍ دينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبرٰهيم حنيفًا وما كان من ٱلمشركين" 161 ٱلأنعام.
"ذلك ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ ولكنَّ أكثرَ ٱلنَّاسِ لا يعلمون" 30 ٱلروم.
"وذلك دِينُ ٱلقيِّمةِ" 5ٱلبينة.
ٱلهداية إلى صراط ٱلرَّب هى ٱكتساب قدرة فى ٱلعلم وٱلمعرفة بسنَّة ٱللَّه فى تكوين ٱلمفاهيم لدى ٱلإنسان. وبهذا ٱلاكتساب يوصل إلى ٱلعلم أنَّ صراط ٱلرَّب هو سبيل ٱللَّه. وبعلمه هذا ينشأ موقفه من ٱلحياة وٱلتكوين.
مثل هذه ٱلهداية لا تحدث من دون متابعة للعلوم ٱلتى تبين سنّة ٱلتكوين وسنَّة ٱلتطور. وهى ٱلتى تجعل مفاهيم ٱلفرد قادرة على تأسيس موقف لَّه فى ٱلحياة بدراية وعلم ومسئولية. وهذا يبينه ٱلأمر ٱلعربى:
"قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلقَ"20 ٱلعنكبوت.
وفى طاعة هذا ٱلأمر يتكوَّن ٱلعلم ويدل علىۤ أنّ ٱلسلوك على ٱلسبيل قآئم.
فسبيل ٱللَّه هو ٱلممرّ إلى ٱلعلم وٱلمعرفة بكيف بدأ ٱلخلق. وهو ٱلسبيل ٱلذى يوصل ٱلسَّآئر عليه إلى معرفة ٱللَّه وٱلعلم بصراط ٱلرَّب ٱلمستقيم. وبهذا ٱلعلم يوجه موقفه وأعماله لجعل هذا ٱلسبيل سالكًا من دون عوق فيه على ٱلناس. ويوصل إلى ٱلعلم أنَّ تعطيل ٱلسير على هذا ٱلسبيل يأتى به ٱستبداد ٱلمفاهيم ٱلتى يسميها ٱلبلاغ ٱلعربى بٱسم ٱلطاغوت. وهو سلطة ٱلذين لا يعلمون بٱلصِّراط ٱلمستقيم ولا بسبيل ٱللَّه وهؤلآء هم ٱلجاهلون.
فٱلَّذى يعرف ويعلم أنَّ سبيل ٱللَّه هو ممرّ ٱلناس إلى ٱلعلم وٱلمعرفة وٱلمسئولية لا يعمل على عوق ٱلسير عليه. وهو يعلم أنَّ ٱلدين هوۤ أشراط ٱلدَّيَّان على ٱلمدين. كما يعلم أنَّ لهذه ٱلأشراط لونان:
ٱلأول هو دين ٱلحقّ substantive law وهو سنّة جميع ألوان ٱلحق ٱلوجودى بدءًا مِّن عدّة ٱلشهور وٱنتهآء بأكبر تكوين فى ٱلسمآء. وهذا ٱللون من ٱلدين لا خيرة فيه. وجميع ٱلأشيآء تسجد له من دون قدرة على ٱلتمرد وٱلعصيان. وهذا هو صراط ٱلرَّب ٱلمستقيم.
أما ٱلثانى فهو دين ٱللّه وفيه ٱلعلم بدين ٱلحقّ وتصديقه بوسآئل ٱلسؤال وٱلنظر وٱلبحث وٱلاختبار.
ويجرى ٱلعلم بدين ٱلحقِّ من دون ٱستقرار لَّه. وهو يخضع لسنَّة طورية. وفى كلِّ طور حنف عن ٱلموقف ٱلسَّابق. وبٱلحنف يتوقف ٱلشّرك ويتراجع ٱلجهل. وبعقل ما يخرج به نظر ٱلناظر مع ما جآء فى ٱلبلاغ ٱلعربى يتعزز ٱلسير على سبيل ٱللَّه وتقوى مسالة ٱلتصديق.
وما نرـٰه فى ٱلأول أنّه لا خيرة لشىء فى جريان ٱلسنّة. أمّا ٱلثانى فهو يتعلق بعلم ومعرفة ٱلإنسان لدين ٱلحقّ وٱلعقل بينه وبين بلاغ ٱللّه عنه. وٱلوصول إلى ٱلعلم أنّ صاحب ٱلدِّين ٱلأول وٱلثانى هو ٱللّه.
هذا ٱلأمر لا يحدث إلا فى مجتمع يعمل أفراده فى وسط تشريع يقوم على مفهوم لاۤ إكراه ولا قتال فى ٱلدِّين. وهو ٱلأمر ٱلذى يظهر فى مفاهيم ٱلناس ومواقفهم ٱلحياتية. وهم يتوزعون على مواقف ومفاهيم (17 ٱلحج). وهم يتنافسون من أجل كل أمر:
"لولا دفع ٱللّه ٱلناس بعضهم ببعض" 40 ٱلحج.
فٱلناس يتدافعون ويتسابقون على طريق ٱلاصطفآء. ولولا دفع ٱللّه لهم هذا لما تخطوا عتبة ٱلوحش ٱلبهيم مهما طال بهم ٱلعيش. ولقد وضع ٱللّه لهذا ٱلتدافع أشراطًا. ومن أدركها تقيد بها. ومن لا يدركها تبقى عليه مبهمة.
وفى رأس هذه ٱلأشراط ٱلأمر "لاۤ إكراه فى ٱلدين". فأول أشراط ٱلقدرة على ٱلتنافس عند ٱلفرد هو حريته. وهذا لا يحدث ما لم يُصلِّ عليه ٱلأخرون. فلا يتدخلون فى شأنه. ولا يكرهونه على موقف ولا على فعل أو عمل. ولا يغلقون سبيل ٱللَّه فى وجهه.

بعد أن عرضنا لتطور فهم ٱلدليل لكّلٍ من ٱسم مكَّة وٱسم ٱلصَّٰبئين. ولمفهوم ٱلذين هادوا وكذلك مفهوم ٱلصَّلوٰة. وكذلك ما تقدم من عرض لمفهوم ٱلسبيل وٱلصِّراط يجعل ٱلجواب يسيرًا على ٱلسؤال: ما هو سبيل ٱللَّه ؟
وما نرـٰه فى ٱلبلاغ من عرض وبيان لسلطة ٱلطٰغوت يبين لنا ٱلجواب. فمن ٱلناس مَن يتقوى بٱلجهلة وتصير له ٱلكثرة ٱلجاهلة. وبها ينشر كفره على ٱلناس وعلى سبيل ٱللَّه. وبها يظلم نفسه ويظلم ٱلنَّاس. وهذا يجعل ٱلمستضعفين من ٱلرجال وٱلنِّسآء وٱلولدان ٱلذين يدركون خطر هذا ٱلكفر يطلبون ٱلنصر من ربهم ٱلَّذى يبينه أمر ٱللَّه للمؤمنين بٱلقتال:
"وما لكم لا تقٰتلون فى سبيل ٱللَّه وٱلمستضعفين مِنَ ٱلرجال وٱلنِّسآء وٱلولدان ٱلذين يقولون رَبَّنا أَخرِجنَا مِن هذه ٱلقرية ٱلظالِمِ أهلُها وٱجعل لنا مِن لَّدُنكَ وليًّا وٱجعل لَّنا مِن لَّدُنكَ نصيرًا" 75 ٱلنِّسآء.
فظلم ٱلظالم يجعل ٱلناس لا يستطيعون رفع ٱلظلم عن أنفسهم. فهم يشتكون ويحتجون ويطلبون ٱلهجرة "رَبَّنا أَخرِجنَا مِن هذه ٱلقرية ٱلظالِمِ أهلُها". ويطلبون ٱلولىّ وٱلنصير من ٱلخارج.
وإنَّ ٱلذين يحتجون ويطالبون بذلك هم فئة من ٱلناس ٱلمستضعفين وليسوا جميعهم. وٱسم هؤلآء هو ٱلصَّابئون. وٱلاسم يدلنا على موقف أفراد يحتجون على ٱلموقف ٱلظَّالم للناس ويطالبون بوقف ٱلظُّلم. وأول مطالب ٱلصَّابئ تبينه سورة ٱلكافرين:
"قُل يٰۤأيُّها ٱلكٰفرونَ/1/ لآ أعبُدُ ما تعبُدُونَ/2/ ولآ أنتم عٰبدون مآ أعبُدُ/3/ ولآ أناْ عابِد مَّا عَبَدتُم/4/ ولآ أنتُم عٰبِدونَ ماۤ أعبُدُ/5/ لكُم دِينُكُم وَلِىَ دِينِ/6/"
وفيه طلب موجَّه للَّذين يكفرون سبيل ٱللَّه على ٱلنَّاس لكى يرفعوا حواجزهم عنه ويتوقفوا عن إكراه ٱلناس على ٱتباع ما يظنون أنه ٱلدِّين. فلهم ما يعبدون من دون إكراه لَّهم فى موقفهم ٱلمستقرّ. ولغيرهم من ٱلناس ما يعبدون من دون إكراه لَّهم فى موقفهم ٱلمتحرك. فٱلدين موقف علمى ومعرفى يختلف من فرد إلىۤ أخر. ولا توجد مسألة علمية ومعرفية توصل إلى ٱستقرار مُّطلق. وكل موقف علمى ومعرفى فى مسألة ٱلدِّين يتحرك إمَّا صعودًا وإمَّا هبوطًا. وهذا يتبع منهاج ٱلفرد فى ٱلنظر وٱلبحث. ولا يوجد موقف عامّ فى ٱلمسألة.
وحتى فى ٱلمسآئل ٱلفيزيآئية وٱلبيولوجية نرى هذه ٱلحركة فى ٱلمفاهيم ٱلنظرية. وقد حدثت قفزات علمية ومعرفية تجاوزت مواقف فى ٱلعلم كانت قد ٱستقرَّت زمنًا طويلا. ومثل هذه ٱلقفزة هو مفهوم ٱلأصل ٱلمشترك لجميع ٱلألوان ٱلحيَّة ٱلذى جآء به "دارون" فى كتابه "أصل ٱلأنواع". وقد عارضه وقاومه جميع أصحاب ٱلمواقف ٱلمعرفية ٱلمستقرّة. و"دارون" فيما قدَّمه من مفهوم صار موقفًا فى ٱلعلم تابع ٱلعمل على توكيد ٱلمفهوم حتى قدَّم ٱلبحث ٱلعلمى ما جعل مفهومه عن ٱلأصل ٱلمشترك صادقًا صدقًا نِّسبيًّا.
وما رأيته فى ٱلبلاغ ٱلعربى يبين لى تصديقًا مُّتبادلا بين مفهوم ٱلأصل ٱلمشترك وبين بلاغ ٱللَّه:
"هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنها زَوجَها لِيَسكُنَ إلَيها فلمَّا تَغَشَّـٰها حَمَلَتۡ حَملاً خَفيفًا فَمَرَّتۡ بِهِ فَلَمَّآ أَثقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُما لَئِنۡ ءَاتيتنا صَـٰلِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكرينَ "189 ٱلأعراف.
فٱلنفس ٱلواحدة هى ٱلأصل ٱلمشترك للمخاطَب وهو ٱلإنسان. وهذا يصدِّق نظرية "دارون" عن ٱلأصل ٱلمشترك. كماۤ أنَّ نظرية "دارون" تصدِّق بلاغ ٱللَّه ٱلعربى.
ٱلكافرون هم ٱلَّذين لا يصدِّقون. وهم ٱلَّذين يُكرهون ٱلناس على ٱتباع موقفهم ٱلمستقرِّ فى ٱلمسألة. وبفعل ٱلإكراه يحدث ٱلظلم وينشأ موقف ٱلمستضعف وموقف ٱلمحتج.
ونجد أنَّ مَن ٱلتحق مِن ٱلناس فى مكَّة بصاحب هذا ٱلطلب. وهو ٱلرَّسول محمد. قذفته ٱلكثرة ٱلجاهلة بٱلاسم ٱلذىۤ أطلقه عليه سادتها من ٱلطَّاغوت. فهم "يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه هَؤُلاءِ الصَّابِئُونَ وكانوا يَنْبِزُونَ مَنْ أَسْلَمَ بِالصَّابِئِ أَيْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ سَائِر أَدْيَان أَهْل الْأَرْض" .
وأديان أهل ٱلأرض هى ٱلطَّوآئف ٱلتى جعلت مفهومها عن ٱلدِّين مستقرًّا. ودين مكَّة هو دين ٱلطوآئف ٱلَّذى يظنُّ أصحابه أنَّه مسألة عامَّة مستقرَّة يُمنع ٱلخروج عنها. وهذا ٱلدِّين هو دين ٱلمخاطبين فى سورة ٱلكافرين "يٰۤأيُّها ٱلكٰفرونَ". وهم ٱلكافرون بموقف ٱلفرد وتطور علومه ومعارفه ومسئوليته فى ذلك. وهم ٱلَّذين يعتدون علىۤ أصحاب ٱلمواقف ٱلجديدة ويتوجهون لإغلاق سبيل ٱللَّه عليهم. وهم يبدأون بٱلتضييق وٱلحبس ويتطور موقفهم ٱلمكرِه إلى ٱلقتل.
ومَن يستطيع من ٱلصَّابئين ٱلهجرة عن ٱلديار يهاجر ويسعى للعيش فى مجتمع لا مكّ فيه. وهو بماۤ أصابه من مَّكٍّ وإكراه يهتدى إلىۤ أنَّ سبيل ٱللَّه يجب أن يبقى سالكًا لِّجميع ٱلناس من دون عوق فيه. فمن شآء منهم أن يهتدى فليهتدى. ومَن شآء منهم أن يكفر فليكفر طاعة لِّلأمر:
"وقُل ٱلحقُّ مِن رَّبِّكم فَمَن شآء فَليُؤمِن ومَن شآءَ فَليكفُر" 29 ٱلكهف.

لقد هاجر صابئوا مكَّة إلى يثرب. وفى جوٍّ مِّنَ ٱلتفاهم وٱلثقة أقاموا مع أهل يثرب دولة لها ميثاق يمنع ٱلحجب وٱلعوق فى سبيل ٱللَّه. وهذا ٱلميثاق حمل ٱسم ٱلصحيفة ليكون منشورًا ولا يغيب منه أمر علىۤ أحد مِّن أهل ٱلدولة ٱلجديدة ٱلتى حملت ٱسم ٱلمدينة بسبب هدايتها بميثاق ٱلدِّين "لاۤ إكراه فى ٱلدِّين".
أمَّا عدوان وفعل ٱلكافرين فى مكّة فلم يتوقف من بعد هجرة ٱلصَّابئين. بل ٱنتقل موقفهم من ٱلتضييق على ٱلصَّابئين وٱلقتل لبعضهم إلى موقف حربهم فى ديار هجرتهم.
وكان موقف ٱلمؤمنين من ٱلمهاجرين ومن أهل يثرب يستند إلىۤ أمر ٱللَّه ٱلتالى:
"فقٰتل فى سبيل ٱللَّه لا تُكلَّفُ إلا نفسَكَ وحرِّضِ ٱلمؤمنينَ عسى ٱللَّهُ أن يَكُفَّ بأسَ ٱلذين كفرواْ وٱللَّهُ أشدُّ بأسًا وأشدُّ تنكيلا" 84 ٱلنسآء.
فٱلذى يؤمن بسبيل ٱللَّه ويختار ٱلقتال ليبقى ٱلسبيل من دون حواجز. يكلف نفسَه ويحرّض غيره على ٱلقتال من دون إكراه لَّه عليه. وهذا ظهر جليًّا فى ٱلصحيفة (دستور دولة ٱلمدينة): "وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ".
وهو يبين أنَّ ٱلخروج إلى ٱلقتال لاۤ إكراه فيه علىۤ أحدٍ مِّن أهل ٱلمدينة. وأنَّ تكليف ٱلنَّفس هو وحده ٱلذى يجعل من ٱلفرد مقاتلا لِّدفع ٱلكفر عن سبيل ٱللَّه. فٱلقتال فى سبيل ٱللَّه هو ٱلأخر مسألة تتبع موقف ومسئولية ٱلفرد وليس ٱلجماعة.

وما نرـٰه أنَّ أسباب ٱلخروج للقتال فى سبيل ٱللَّه لا تكون إلا فى وقوع عدوان من ٱلذين كفروا على ٱلذين سلكوا على ٱلسبيل ولا يريدون ٱلرجوع عنه. وٱلذين كفروا هم ٱلذين غطوا على ٱلحق. علىۤ أنفسهم وعلى ٱلناس. وهؤلآء يوقفون فى سبيل كلِّ مَن يريد ٱلسير على سبيل أخر غير سبيلهم. وحجتهم فى ذلك حماية ٱلدِّين. وهؤلآء لم يتوقف كفرهم على حرب أهل ٱلمدينة وميثاقها. بل ما يزالون يقاتلون معتدين ويكرهون ٱلناس على ٱلحرب فى صفوفهم لحجب سبيل ٱللَّه إلى يومنا هذا.
وإذا قلت ٱليوم لهؤلآء ٱلكافرين أنَّ ٱلدِّين لاۤ إكراه فيه. صرخوا فى وجهك بسبب جهلك. أنَّ ذلك جرى نسخه بأية ٱلقتال (إلغآؤه كما يزعمون بلغوهم وتحريفهم لكلمة نسخ عن موضعها).
ونقول للَّذين يترددون فى ٱلمسألة أنَّ ٱلأمر 84 ٱلنِّسآء يبين أنَّ ٱلذى يريد ٱلقتال فى سبيل ٱللَّه لا يكلِّف إلا نفسَه. فليس له أن يكلِّف غيره. وإن فعل فهو فعل إكراهٍ. وإلغآء لِّمسئولية ٱلمكرَهِ. وتحويل لَّه إلى مطيعٍ لِّأمرٍ يصدره رأسُ إنسانٍ أخر. بل هو فعل يلغى ٱسم إنسان عن ٱلذى قَبِلَ ٱلإكراه على نفسه وطاع أمرًا لَّم يُكلِّف هو نفسه فيه.

لقد طغى ٱللّغو على مفهوم ٱلقتال فى سبيل ٱللّه. كما طغى على مفاهيم يصعب حصرها فى عمل واحد. ٱلأمر ٱلذى جعلنىۤ أعمل على ٱلمسألة فىۤ أعمال مُّتعددة حتى ٱلأن. ولكن ٱلمسألة تظهر من أىِّ نظر جدىّ فى كتاب ٱللّه. فقد ظهر لى من أول عمل أنّ سبيل ٱللّه لا يُحقَّق فى ٱلحياة ٱلإنسانية ما لم يكن كل فرد يملك خيرته فيما يرى ويقول ويعمل من دون عدوان على غيره من ٱلأفراد. سوآء ءكان ذلك فى ٱلمجتمع ٱلذى ولد فيه أم فى مجتمع أخر هاجر إليه. فخيرة ٱلفرد هى مسئوليته عمّا يعمل ويقول ويتخذ مواقف له فى ٱلحياة من دون إكراه لَّه فىۤ أىّ أمر ومن أىّ وجهة. وله أن يحنف عن موقفه فىۤ أىِّ وقت يشآء. وهوۤ إن جمد موقفه عن ٱلحنف فإنَّه يدلّ على من ٱستقرَّ وٱمتنع عن ٱلحركة وٱلسير وٱلنظر فى كيف بدأ ٱلخلق. وفى ٱستقرار موقفه موقفُ كافرٍ بٱلحنف. وفيه قوّة تنتظر لتعتدى على موقف حانف.
لقد بيَّنَ ٱللَّه لرسوله محمد ماذا يتبع:
"ثمَّ أَوحينآ إليكَ أَنِ ٱتَّبِع ملَّةَ إبرٰهيمَ حنيفًا وما كان مِنَ ٱلمُشرِكينَ" 123 ٱلنَّحل.
وأَمَرَه لإعلان ذلك:
"قُل إنِّى هَدَـٰنى رَبِّى إلى صِرٰطٍ مُّستقيمٍ دينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إبرٰهيمَ حنيفًا وما كان من ٱلمشركين" 161 ٱلأنعام.
فهو ليس صاحب ملَّة بل يتبع صاحب ٱلملَّة إبرٰهيم ٱلَّذى حنف عن دين قومه بفعل ٱلنظر فىۤ ءايات ٱللَّه.
وهذا يبين حركة فى مفهوم ٱلدِّين يرتبط بفعل ٱلنظر وٱلبحث لكلِّ فرد مِّن ٱلنَّاس. كما يبين أنَّ ٱلَّذين لا يحنفون هم ٱلمشركون وهم ٱلَّذين يظنون بٱستقرار ٱلمفهوم وٱلموقف. وهؤلآء هم ٱلَّذين يكفرون ويعتدون على من يريد حنفًا يطلبون إكراهه فى مفهومهم عن ٱلدِّين. وهم لا يعلمون أنَّ ٱللّه لوۤ أراد أن يكره ٱلناس على ٱلإيمان لوجب أن يبدل ٱسم إنسان بٱسم مَلَكٍ. وما كان من حاجة لِّرسلٍ ولا لرسالةٍ. ولسقط مفهوم ٱلحساب. ولسقط كل أمر يتعلق بٱلفكر وٱلسؤال وٱلنظر وٱلكفر وٱلإيمان. ولكان ٱلناس كبقية ٱلبهآئم جميعهم يسجدون سجود هداية.

بٱلعلم وبٱلمعرفة يتحول ٱلبشر ٱلبهيم إلىۤ إنسان. ومن دونهما يعود إلىۤ أصله ٱلوحش فلا يدرى ما هو سبيل ٱللَّه. وفى بلاد يمنع أهلُها ٱلفردَ من ٱكتساب ٱلعلم وٱلمعرفة يقلُّ فيها عدد ٱلَّذين يتفكرون ويفقهون ويعلمون. ويبرز فيها كهنة جاهلون ينشرون ظنونهم وجهلهم بٱسم ٱلعلم وٱلعلمآء.
ونرىۤ أنَّ ٱلقتال فى سبيل ٱللَّه هو قتال دفاع فى جميع أطواره وألوانه. لأن ٱلمعتدى هو ٱلذى يبدأ عدوانه بما يفعل لإكراه ٱلناس على ٱتباع جهله وكفره بٱسم ٱلدِّين:
"وقٰتلواْ فى سبيل ٱللَّه ٱلَّذين يقٰتلونكم ولا تعتدوۤاْ إنَّ ٱللَّهَ لا يحبُّ ٱلمعتدين" 190 ٱلبقرة.
لقد بين ٱلبلاغ أنَّ سبيل ٱللَّه يقابله سبيل ٱلطَّاغوت. وهو سبيل ٱلسلطة ٱلمكية ٱلتى تطغى بجهلها وكفرها وإكراه ٱلناس على ٱتباع دينها ٱلطَّائفى. ونرىۤ أنَّ ٱلناس يتوزعون بين ٱلسبيلين:
"ٱلَّذين ءامنواْ يقٰتلون فى سبيل ٱللَّهِ وٱلَّذين كفرواْ يقٰتلون فى سبيل ٱلطَّٰغوتِ فقٰتلواْ أوليآء ٱلشَّيطٰن إنَّ كيدَ ٱلشَّيطٰن كان ضعيفًا"76 ٱلنِّسآء.
ويبين لنا ٱلبلاغ أنَّ دين مكَّة هو دين شيطان. ومثله كلّ دين يكره ٱلناس على ٱلاتباع. فسبيل ٱللَّه هو سبيل علم ومعرفة ومسئولية فردية فى كلِّ وقت. وليس منهاج قطيع يسوقه ظنُّ جاهلين.
ٱللاذقية 20/تموز 2004 سمير إبراهيم حسن



















رأى فى ٱلكتاب

الأستاذ الوقور سمير إبراهيم حسن، تحية طيبة وتقدير كبير لك.
أشكر جزيل الشكر على منحي فرصة الاطلاع على بعض آرائك من خلال هذا الكتاب القيم. واسمح لي أن أقدم بين يديك قراءة أولية لكتابك هذا عسى أن تتاح لي الفرصة لتعميقها قريبا.
سعيد الكحل

قراءة في كتاب:
"ما هو سبيل ٱللَّه ؟"
سمير إبراهيم حسن

شرفني الأستاذ سمير إبراهيم حسن بدعوتي إلى إنجاز قراءة في كتابه حديث الصدور تحت عنوان "ما هو سبيل الله؟".
وأنا ألبي دعوة الأستاذ سمير، لا أزعم التدقيق في كل تفاصيل الكتاب، بقدر ما أكتفي بالتركيز على ما يناسب اهتمامي مع بذل قدر من الجهد لتجاوز بعض الصعوبات التي تطرحها عادة الكتابات العلمية المتخصصة في وجه غير المتخصصين. تضاف إلى هذه الصعوبات صعوبة أخرى مرتبطة بالجهاز المفاهيمي الذي يستعمله المؤلف، خاصة بالنسبة لمن تكون قراءته الأولى لواحد من مؤلفات الأستاذ سمير، كما هو حالي. الأمر الذي يشق علي فعله وأنا ألملم معاني ودلالات المفاهيم الموظفة في الكتاب.
لهذا لا أبرئ قراءتي للكتاب من بعض العثرات التي آمل ألا تشوش على مقاربة مقصد الكتاب ومرمى الكاتب.

منذ البداية يستوقف القارئ عنوان الكتاب "ما هو سبيل الله؟"، والذي أراد به الكاتب أن يشرك القارئ في قلق السؤال وما يصاحبه من توترات داخلية لم يعهدها القارئ مع كتب عديدة درجت على طمأنة القارئ وإراحته من همّ السؤال، بحمل عناوين واضحة الدلالة يقينية الإجابة.
إذن عنوان بصيغة سؤال مفتوح "ما هو سبيل الله ؟" يختلف نوعيا عن أي عنوان آخر يقدم الجواب الكافي في صيغة "الطريق إلى الله" أو "السبيل إلى الله"، والتي لا تتطلب من القارئ سوى تتبع المسار الذي حدده الكاتب كما يفعل كل سائح مع خريطة موقع أو مرشد سياحي.
إن قلق السؤال الذي يثيره عنوان الكتاب يهيئ القارئ إلى مواجهة المفاجآت المحتملة، ومن ثم يصير القارئ شريكا للكاتب في البحث عن الجواب أو في صياغته.
فمنذ اللحظة الأولى حرص المؤلف على وضع القارئ أمام سلسلة من المفارقات التي تميز الإنسان العربي المسلم في فهمه للقرآن الكريم وتعامله مع الحقائق العلمية عن غيره من أهل الديانات السماوية الأخرى. وأولى تلك المفارقات التي يواجهها القارئ هي عدم اكتراث المسلمين بالإنجاز العلمي الهائل الذي تحقق بدخول المسبار (كاسينى في مدار حول كوكب زحل من بعد أن نفذت في ٱلسَّمآء 2.2 بليون ميل. وهى ٱلتي كانت قد بدأت رحلتها منذ سبع سنوات قبل وصولهاۤ إلى مداره فى 30 حزيران من هٰذا ٱلعام).
ووجه المفارقة صاغه الكاتب في عبارته (وأكثرنا لا يهتم بخبر كاسينى. ولا بما يصدر عن علمآء ٱلتكوين من بيان. وسبب ٱمتناعنا عن ٱلاهتمام بٱلأمر هو مناهج ٱلتعليم على ٱختلاف درجاته. ٱلتي تجعل قلوبنا ترىۤ أن ٱلعلم لاۤ أهمية له في حياتنا. وأنَّ ٱلخبز وحده هو ٱلذي يستحقُّ منَّا ٱلاهتمام).
ولكأن همنا، كمسلمين، هما شهوتي البطن والفرج. أما العلم والمعرفة فعققناهما يوم احتكر الفقهاء الدين وحاربوا العلم (وهم يزدرون بٱلخطاب ٱلعربى:
"يَٰمَعشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِن ٱستَطَعتُم أََن تَنفُذُواْ مِن أَقطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ فَٱنفُذُواْ لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلطَٰنٍ" 33 ٱلرَّحمٰن.
"ليس بٱلخبز وحده يحيا ٱلإنسان" 8 تثنية).
كما (يرجمون بتهمة ٱلكفر جميع ٱلَّذين ينشرون بيانات عن تطور ٱلخلق ٱلمكوَّن. وهم ٱلَّذين يعملون على منع ٱلعلم من ٱلتطور بفعل مواصلة ٱلنظر كماۤ أمر ٱللَّه فى بلاغه ٱلعربى:
"قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلقَ"20 ٱلعنكبوت).
إن الكاتب يضعنا في السياق التاريخي العام لمجتمعاتنا العربية التي صارت رهينة هذا الفكر المشلول المعادي للتطور، والذي امتد إلى المناهج التعليمية للتحكم من خلال مضامينها في تشكيل ذهنيات الأجيال المتعاقبة لتظل أسيرة العمى الفكري والعداء المعرفي. هؤلاء (هم ٱلَّذين يشرِّعون أساليب ٱلمكِّ لأموال ٱلناس (إكراه ٱلناس على دفع ٱلضراۤئب). وقد ٱحتكر هؤلآء ٱلدين في بلاد كثيرة ومنها بلادنا. وٱحتكروا معه حقَّ ٱلعيش وحقَّ ٱلحياة. وأقاموا جميع ألوان ٱلحواجز على سبيل ٱللَّه. وهو ٱلممرّ ٱلسَّالك ٱلذي يسير عليه من يريد من ٱلناس ناظرًا باحثًا كيف بدأ ٱلخلق).
إن المسألة إذن مرتبطة بمصالح معينة لا يمكن تأمينها إلا باحتكار مناهج التعليم. لهذا، يقول الكاتب (ولكي يكون ٱحتكار هؤلآء مأمونًا ٱحتكروا وحرسوا مناهج ٱلتعليم. وقد أمَّنوا علىۤ أنَّ ٱلتعليم يبعد ٱلناس عن سبيل ٱللَّه ويبعدهم عن حبِّهم ٱلعلم وبياناته. وقد ٱستطاعوۤا أن يفصلوا بين بيان ٱلعلم وٱلناس في كلِّ مكان. وترى ٱلغبار في ٱلمكتبات يعلو كتبها ٱلعلمية ٱلمعروضة للبيع. ومجلات ٱلعلم لا يشتريهاۤ إلا عدد قليل من ٱلناس. أمَّا كتب ٱلسَّلف وٱلأبراج وٱلأطعمة ٱلملونة وٱلأزيآء ٱلنَّسوية فهي تروج كما يروج ٱلخبز ٱلمنخول ٱلذي لا نفع من أكله إلا في زيادة شحوم ٱلجسم وتقصير عمر أَكليه).
وتترتب عن هذه المفارقة مفارقة أخرى تتمثل في أن (ٱلأعمال ٱلتي تنشر ٱلفساد في ٱلأرض وقميصها وتروّج لجعل ٱلناس أنعامًا مُّستهلكة فلا توجد دعوى ولا تشريع لمنعها بٱسم أخلاق أو بٱسم دين. فٱلشكوى في كلِّ مكان يطلقها رجال ٱلعلم. وهم جميعهم يعانون من نقص ٱلتمويل ونقص مشاركة ٱلناس وتشجيعهم).
وإذا كان المؤلف يعمم هذه المفارقة لتشمل كل بلدان العالم، فإنها في مجتمعاتنا العربية أشد حدة. فعلى امتداد الوطن العربي، بطاقاته ومقدراته، لا يتجاوز عدد الإصدارات 19 ألف عنوان في السنة، بما فيها الكتب المدرسية التي تشكل النسبة العظمى من تلك الإصدارات. وتظهر حقيقة هذا الرقم إذا استحضرنا بعض المعطيات لتسهيل المقارنة. وسيكون مهما للغاية استحضار مثال إسرائيل لطبيعة العلاقة مع هذا الكيان الدخيل على الجسم العربي. فرغم محدودية الموارد البشرية لهذا الكيان (7 ملايين نسمة)، ورغم انعدام مصادره في الطاقة والثروة الطبيعية، إذ يعتبر الماء أخطر مشكل يواجهه هذا الكيان، فإن إسرائيل تنتج ما يقارب مجموع الكتب التي ينتجها العالم العربي. بحيث يصل معدل الإصدارات 17 ألف عنوان سنويا.
هنا يظهر الفارق بين سياسة إسرائيل التي تعتمد الثقافة رأسمالا وسلاحا وواجهة للصراع ضد "الخطر" العربي، وبين السياسة الرسمية للدول العربية التي تتجاهل العامل الثقافي وأهميته في تحقيق التنمية والتفوق على الخصم الحضاري. ذلك أن الدول العربية لا تعتمد سياسة استثمار الموارد البشرية وتنميتها. فالعنصر البشري لا يمثل أدنى قيمة في مخططات هذه الدول. وتدل على ذلك مستويات الفقر والتهميش والأمية والأمراض التي تضع دولنا في مؤخرة الترتيب العالمي. في الوقت الذي تتعرض فيه الأموال العمومية لكل أشكال النهب والتبذير دون أن تهتدي حكومات الدول، النفطية خاصة، إلى توظيف الفائض على الأقل في دعم الثقافة.
وهذا حال العربية السعودية مثلا، التي لا يزيد عدد سكانها عن 24 مليون نسمة بمن فيهم الخمسة ملايين من المهاجرين. لم تعمل هذه الدولة على توظيف جزء من عائدات النفط في تنمية العنصر البشري. إذ لا زالت الدولة تعتمد على اليد العاملة الأجنبية في إدارة اقتصادها.
لقد استوقفتني كثيرا الأرقام التي ذكرها روبير بايير في مؤلفه "ذهب أسود وبيت أبيض" الذي عملت جريدة "الأحداث المغربية" على نشر مضامينه. ومن شأن هذه الأرقام والحقائق أن تشعر القارئ بمرارة الانتماء إلى هذا الواقع الآسن. ومن بين ما ذكره الكتاب أن ربع سكان السعودية وما يفوق ثلث سكانها النشطين هم من الأجانب يعملون في المجمعات البترولية، وفي برمجة الحواسيب وتسيير مصافي البترول، بحيث يشغل الأجانب 70 في المائة من المناصب المتوفرة. علما أن نسبة البطالة في السعودية وصلت إلى 26 في المائة. وهي نسبة جد كارثية. ورغم ما كانت تحققه الدولة من فائض مالي ضخم قبل حرب عاصفة الصحراء، إذ ذكر روبير بايير أن الفائض بلغ في بداية الثمانينات 120 مليار دولار، إلا أنها لم تفلح في القضاء على الأمية التي ما يزال المجتمع السعودي يعاني منها. كما لم تفلح الدولة في نشر العلم والمعرفة في معظم التخصصات إن لم يكن كلها.
لقد أفلحت السعودية للأسف الشديد في أن تتحول إلى منتج للتطرف الديني ومروج له بلا منازع. وكيف لا وثلثا الحاصلين على شهادة الدكتوراه متخصصون في الدراسات الإسلامية بتأطير وإشراف حملة الفكر الوهابي ومؤدلجوه. أما حاملو الدكتوراه في المعلوميات والهندسة، فوجودهم جد نادر. وهذا ما جعل روبير بايير يلخص المسار التعليمي الذي تنهجه السعودية بقوله (إن الشباب السعودي يكَون من أجل إدماجه في عالم لن يوجد إلا إذا نجح الجهاديون الوهابيون وحلفاؤهم الإخوان المسلمون في العودة بالبلاد إلى بعض القرون الخوالي. فبينما العالم يسير نحو الانفتاح أكثر فأكثر، لا يتمكن السعوديون من حل شفرات الأحداث إلا من خلال كوة ضوء ضيقة، في حال لم تقفل هذه الكوة كليا).
ذلك هو واقع دولة تملك أكبر احتياطي عالمي في مجال النفط والغاز الطبيعي. كل ثروتها لم تستثمر في بناء الإنسان، بقدر ما كانت مصدر خنق حرياته وسد آفاق تطلعه وأبعاد انفتاحه على الإنجازات الحضارية والقيم الكونية. حتى أصبح شراء الأسلحة هو الشغل الشاغل للدولة، إذ تمثل النفقات العسكرية للسعودية، حسب الأرقام الرسمية، 13 في المائة من الناتج الخام. علما أن السعودية ليست دولة مواجهة ولا في حالة حرب.
خلافا لذلك، ورغم الوضعية التي توجد عليها إسرائيل، وحالة الحرب الدائمة التي تشنها ضد دول المنطقة، فإن النفقات العسكرية لا تزيد عن 9 في المائة من الميزانية العامة لدولة إسرائيل ذات الموارد المحدودة.
وما ينطبق على دولة السعودية يسري على كل البلدان العربية التي تحتل ميزانية الثقافة آخر القائمة. الأمر الذي ينعكس مباشرة على المستوى الحضاري والثقافي للإنسان العربي. وتُظهر المعايير الدولية المسافة العميقة التي تفصل مجتمعاتنا عن الانخراط في ثقافة عصرها. ذلك أن هذه المعايير تقتضي أن تتوفر مكتبة عامة بالمواصفات المعروفة عالميا لكل ستة آلاف نسمة.
وبناء عليه سيكون من المفروض في مصر مثلا التي تعد "أم الدنيا"، أن تتوفر على ما لا يقل عن عشرين ألف مكتبة. في حين أنها ـ مصر ـ تتوفر بالكاد على خمسين مكتبة وفق المعايير الدولية. أكيد أن أمر البؤس الثقافي الذي تعم بلواه عالمنا العربي، يعود أساسا إلى طبيعة السياسات الحكومية المتبعة، والتي تستبعد من دائرة اهتمامها نشر الثقافة ودعم بنياتها. وهذا ما أكده السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية في الجلسة الأولى للمؤتمر الثاني لمؤسسة الفكر العربي، المنعقد بلبنان في الأسبوع الأول من دجنبر 2003، لما أحاط الحاضرين علما بالاتفاق مع معهد فرانكفورت ليكون الكتاب العربي ضيفا على المعهد، مما يفتح المجال لعرض الإنتاج الثقافي العربي طيلة السنة، والتعريف بالثقافة العربية. ولإنجاز هذا النشاط الثقافي على الجامعة العربية أن توفر مبلغ ثلاثة ملايين دولار. ولما عرض المشروع على الدول العربية وافقت عليه ولم تلتزم بتسديد حصصها سوى أربعة دول. وبسبب هذا البخل الثقافي، تفتقر دولنا إلى المراكز ومعاهد الدراسات المتخصصة، رغم الحاجة الملحة إليها، ورغم الإمكانيات المادية المتوفرة. إذ لا تمثل المراكز الموجودة في الدول العربية مجتمعة سوى نسبة الخمس (5/1) مما تتوفر عليه إسرائيل.
من هنا يخلص الكاتب إلى أن أولى خطوات الانحراف عن طريق الله هي فصل الدين عن العلم وإسناد فهم كلام الله إلى رجال الدين دون غيرهم من المتخصصين في العلوم الحقة. في حين، يؤكد الكاتب (وقد توصل نظرى من بعد جهد فى دليل بعض كلمات كتاب ٱلدِّين إلى ٱلعلم أنَّ رجال ٱلدِّين ٱلحقِّ هم علمآء في ٱلحقِّ. من مثل ٱلمفكر وعالم ٱلفيزيآء لورنس كراوس وغيره من علمآء ٱلفيزيآء وٱلفروع ٱلأخرى من فروع ٱلنظر وٱلبحث. فهؤلآء جعلهم نظرهم وبحوثهم يطمئنون إلى قولهم أنَّ جزء ٱلمآء الۤمۤـ "لا ريب فيه". كما جعلهم "ينفقون ممَّا يرزقون" على بحوثهم ويطلبون من رجال ٱلدولة أن ينفقوا على تلك ٱلبحوث. وأن لا يناصرون أولئك ٱلَّذين يزعمون أخلاقًا ودينًا وما هم برجال دين).
لذا، فالسبيل إلى الله يدركه هؤلاء المتخصصون الذين ينسجمون مع الخطاب الإلهي ويستجيبون لأمره "قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلق"20 ٱلعنكبوت.
وبذلك يغير الكاتب مسار السبيل إلى الله من البحث في الدلالات اللغوية والشعرية لألفاظ القرآن إلى البحث في دلالاتها العلمية المرتبطة بقوانين الكون والطبيعة. فالكاتب لا يخفي انشغاله بالبحث عن دلالات الألفاظ القرآنية خارج السياق التقليدي الذي رسمه الفقهاء، والذي ظل متأثرا بضيق مداركهم وشح معارفهم. وهذه معضلة لازمت المسلمين منذ ظهور الإسلام ومحاولاتهم إيجاد تفسير للآيات القرآنية التي تتحدث عن ظواهر طبيعية أو عوالم كونية. إذ نجدهم وقد استعانوا بالموروث الثقافي القديم السائد في البيئة العربية. الأمر الذي جعل تفسيراتهم لا تختلف عن تفسيرات العوام من الناس. وهذا ما لاحظه ابن خلدون على كتب هؤلاء المفسرين من كونها (تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب). لهذا جاءت تفسيراتهم تعكس مستوى ما يملكونه من معارف التي هي معارف عامية. وظلت، للأسف، تلك التأويلات "العامية" تحْكُم أفهام الناس وتوجهها، ومتى ظهرت تفسيرات جديدة تخالف ما تشبع به الناس إلا واعترتهم مشاعر الرفض. إنهم يريدون وقف حركة الفكر وتجميدها عند ما أنتجه الأولون. لعل هذا ما قصده الكاتب بقوله (وما وجدته وأنآ أبحث في دليل كلمات ٱلقرءان أنَّ إهمال ٱلنظر في دليل كلمات كتاب ٱلدِّين كان قد قطع هذه ٱلكلمات عن ٱلتطور ٱلجارى في ٱلنظر وٱلبحث ٱلعلميين. وأوقف دليل كلماته عند إدراك ٱلسلف. وهذا ٱلإهمال جعل ٱلناس يصدقون زعم رجال ٱلكهنوت أنَّهم رجال ٱلدِّين. وهو ٱلذي دفع بٱلَّذين يعلمون إلى ٱلمطالبة بفصل ٱلمجتمع وعلومه عن ٱلدِّين).
إن خطورة هذا الانحباس المعرفي ستشمل أساسا المؤسسات التعليمية التي تتولى إعادة إنتاج نفس الفهم الذي صاغه السلف. وبذلك تزداد سلطة السلف على الخلف وتتقوى أغلاله التي تحجر على العقول. فالكاتب جعل من أولوياته تكسير تلك الأغلال وتحرير العقول التي شكلتها البرامج التعليمية. يقول الكاتب (وجدت أنَّ مؤسسات ٱلتعليم قد أهملت مسألة ٱلتطور فىۤ إدراك دليل كلمات كتاب ٱلدِّين. وبقىَ إدراك دليل ٱلكلمات في مناهجها يتبع إدراك شاعر ٱستعمل ٱلكلمات في شعره كماۤ أدرك دليلهاۤ. أو مفكر رأى قلبه من دليل ٱلكلمة بما يملك من علم. وبذلك صار فهم كلمة ٱلدِّين عند ٱلَّذين ٱحتكروا ٱلقول بٱسمه يتبع ما رآه شاعر أو مفكر ميِّت. فلا يجوز لأحد تجاوزه إلىۤ إدراكٍ أكثر عمقًا بفعل تطور وسآئل إدراكه. وقُيِّد كتابُ ٱللَّه بماۤ أدركه ذٰلك ٱلشَّاعر أو ٱلمفكر ٱلميِّتين. وقد تجاوزهماۤ إدراك جميع ٱلناس ٱلأحيآء بفعل تطور ٱكتسابهم ٱلعلمي).
إن الرفض الذي أبداه الفقهاء من نظرية التطور هو نفسه الرفض الذي يواجهون به التطبيقات العلمية في مجال الهندسة الوراثية والاستنساخ لأغراض علمية. ومن تتبع حلقة يوم 27 مايو 2005 من برنامج "أكثر من رأي" على قناة "الجزيرة" سيدرك عمق الفجوة التي تفصل الذهنية الفقهية عن الذهنية العلمية المخبرية. إن أولى خطوات التحرر التي رسمها الكاتب تنطلق من تجاوز عقلية القطيع، لأن الحقيقة لا تتم البرهنة عليها بعدد الأتباع، بل بما نملكه من أدلة علمية. ومن ثم، فالاستجابة لأمر الله، يقول الكاتب، لا تحدث (بٱتباع ما يسمىۤ أخلاقًا ودينًا صنعته أكثرية جاهلة تزعم ٱلدفاع عن ٱختصاص ٱللَّه وتوقف في سبيله. بل يحتاج إلى من يعلمون ما هو سبيل ٱللَّه وما هي حاجة ٱلسلوك عليه. فٱلأمر لا يتبع ٱستفتآءً بحثًا عن أكثرية. وقد بين ٱلبلاغ ٱلعربي أنَّ ٱتّباع ٱلأكثرية يسوق إلى ٱلضّلال عن ٱلسبيل:
"وإن تُطع أكثر مَن في ٱلأرض يُضلُّوك عن سبيل ٱللَّه إن يتبعون إلا ٱلظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون" 116 ٱلأنعام).

إن الكاتب يثير مسألة في غاية الأهمية، وهي أن (ٱلَّذين ٱحتكروا ٱلقول بٱسم ٱلدِّين فقد جعلوا كتاب ٱللَّه يوافق إدراكًا مَّقطوعًا ومتخلفًا عن تطور إدراكنا. ومنعوا ويمنعون ٱلنظر فيه كما يمنعون صناعة ٱلتطور فىۤ إدراكه. وبهٰذا ٱلمنع يجرى ٱلفصل بين ٱلدِّين وٱلعلم بقوة جهل وجنون ٱلكهنوت).
ومن ثم تزداد مسئولية العلماء تعقيدا: من جهة: الربط بين الدين والعلم، ومن أخرى تحرير الدين من احتكار رجال الدين. حقيقي أنها مغامرة قد تزيد علاقة الدين بالعلم تعقيدا، لأنها سترهن أحدهما بالآخر. إما أن الدين يتحول إلى مجال يستمد منه العلم مشروعية أبحاثه، ومن ثم يزكي حقائقه. وفي هذه الحالة سيضع العلم مصيره بيد الدين ورجاله، لأنه سينفعل بهم أكثر مما سيفعلون. وقد يتحول الأمر إلى صراع بين الطرفين على المجال الديني بالخصوص. أي من يملك سلطة الحديث باسم الدين ؟ وإما أن يتحول العلم إلى مجال ينهل منه الدين ورجاله المصداقية المطلوبة لإثبات بعثة الرسالة السماوية، كما يفعل اليوم مروجو مفهوم "الإعجاز العلمي". لهذا يبقى المخرج الأسلم، خلافا لما ذهب إليه الكاتب، هو ضمان استقلالية العلم منهجا وموضوعا عن الدين، مما سيساعد على تجدد القراءات للنصوص الدينية وتطور أفهام الناس لها، من جهة، ومن أخرى يزيل العراقيل في وجه البحث العلمي. حينها يكون الفقهاء مضطرين للانفتاح على نتائج العلوم وحقائقها.

إذن من نافلة القول التذكير بأن كتاب "ما هو سبيل الله ؟" قراءة جديدة للمتن القرآني تتخذ لها من ألفاظه منطلقا لبناء معاني أشمل لاستيعاب حركة التطور التي يعرفها التاريخ والمجتمع والعلم. لتظل غاية المؤلف تحرير الدين من احتكار الفقهاء، وتحرير الخلف من سلطة السلف. على اعتبار أن سبيل الله لا يمر عبر أفهام تحنطت وعقول تكلست بفعل تجمدها عند لحظة زمنية غابرة، ولم تعد تقوى على مجاراة فعل التطور. لهذا، يقرر الكاتب (فسبيل ٱللَّه لا يدرك من دون علم في دليل ٱلكلمة ٱلتي تبين ٱلحقَّ في ٱلتكوين. ولهذا يبدأ كتابنا بدليل كلمة مكّة وكلمة ٱلمدينة).
إن هاتين الكلمتين اتخذهما المؤلف مفاتيح لمقاربته الجديدة للنص الديني، إذ نقرأ له (إنَّ كلمة دين (كما رأينا فى كتابنا "أنبآء ٱلقرءان") تستمدُّ دليلها من دليل ٱلفعل "دَيَنَ" ٱلذي يشترط وجود ديَّان ومدين. وقلنا فيه أنَّ ٱلدِّين هوۤ أشراط ٱلديَّان على ٱلمَدين. وهى ٱلتي كشف ٱلعلم ٱلناظر عنها وسمَّـٰٰها substantive law بلسانه ٱلباحث. ونرى فىۤ أشراط ٱلعيش ٱلمدينى فى دولة ٱلمدينة ما هو مثل ٱجتماعى عليها يظهره ميثاق ٱلعيش فى ٱلمدينة. وهو ما يعرف ٱليوم بٱسم دستور. وهو ٱلذي يبين أنَّ أشراط ٱلعيش ٱلمدينى يقوم على ٱلميثاق بتطوع وخيرة ٱلناس ويفتح أمامهم سبيل ٱللَّه. فٱسم ٱلمدينة من أصل ٱلفعل دَيَنَ ومن فروع ٱلاسم هو ٱلدِّين. وٱسم ٱلمدينة لا يُطلق على مكانٍ لَّا يعيش ٱلناس فيه أحرارًا وفق ميثاق تُعدَّد أشراط ٱلدَّين فيه على ٱلجميع).
إن تركيز الكاتب على الإمساك بدلالات الألفاظ القرآنية في حركيتها وتطورها إنما مرده إلى المماثلة بينه وبين النظر في أسرار الكون. يقول الكاتب (ولقد ظهر لىۤ أنَّ تطور إدراك وفهم ٱلدليل للكلمات هو عمل يماثل عمل ٱلنظر في كيف بدأ ٱلخلق. بل هو عمل أساس. لأنه يبني ٱلأسس ٱلتي تجعل بيان ٱللَّه وسيلة تصديق لعمل جميع ٱلناظرين).
ولبيان أهمية الدلالة العلمية والتاريخية لألفاظ القرآن في رسم السبيل إلى الله، وضع الكاتب مقارنة بين معنى "المدينة" ومعنى "مكة". إذ نقرأ له (وفى كتابى هذا جآء فقهى لٱسم مكَّة ووجدت أنَّ دليله من دليل ٱلفعل مكَّ ٱلذي يبيِّن قوَّة فراغٍ شديد ٱلسَّحب. ورأيت أنَّ هذه ٱلقوَّة هي من ٱلقوى ٱلأساس في ٱلتكوين ٱلفيزيآئى vacuum energy.
وبسبب إهمال ٱلعلم بٱلدليل وتطور ٱلإدراك له فإنَّ فعل مَكَّ وٱسم مكَّة ٱلعربيين غير معروفين في علم ٱلفيزيآء. ولا يستعملان في كلماته ٱلتي تدل على هذه ٱلقوَّة. ولا تستعملهما ٱللغة ٱلفصحى في ترجماتها بسبب إهمالها لمسألة ٱلتطور في إدراك ٱلدليل. بل بسبب ٱمتناع أصحابها عن قبول مسألة تطور ٱلإدراك لدليل ٱلكلمة عن ٱلإدراك ٱلموروث. كما نرىۤ أنَّ دليل ٱسم مكَّة لا يقصر على ٱلفيزيآء فى ٱلتكوين. بل يمتد إلى عيش ٱلناس في مجتمعات. فٱلَّذين يعيشون في مكَّة يعيشون في مكان تَسيد فيه قوّة ساحبة لِّإرادة ٱلناس وأموالهم ومسئولية كلّ مِّنهم. وسبيل ٱللَّه مغلق في وجه أكثرهم).
من هنا يضع الكاتب المقارنة التالية واقع "المدينة" وواقع "مكة" التاريخي والاجتماعي كالتالي (ونجد فى معاجم ٱللغة ٱسم مكوس (من فروع ٱسم مكَّة) وهو ٱسم لأفعال سحب ٱلأموال من جيوب ٱلناس (ٱلضرآئب). وبٱلمكوس يُكره ٱلناس على دفع ٱلمال للسلطة ٱلمكية من دون تطوع. فٱلمجتمع ٱلمكّىّ مجتمع طاغوت يقوم علىۤ إكراه ٱلناس فى دفع ٱلمكوس (ٱلضرآئب). وهٰذا يجعل ٱلناس يخاتلون فى حساباتهم ليتهربوا مما يُكرهون عليه.
أمَّا مجتمع ٱلمدينة فيستمد ٱسمه من ٱسم ٱلدِّين. وتقوم ٱلسلطة فيه على ٱلميثاق ٱلَّذى يبيِّن أنَّ مال خزينته يأتى من ٱلصَّدقات ٱلَّتى يدفعها ٱلناس تصديقًا لِّإيمانهم بعيشهم وٱستمراره من دون مكٍّ. وهم يدفعون تطوعًا مِّن دون إكراه. وهو ما نجده فى ٱلأمر ٱلعربى:
"خُذ من أموالهم صَدَقَةً تُّطهِّرُهُم وتزكِّيهِم بها وصلِّ عليهم إنَّ صلوٰتَكَ سكن لَّهم وٱللَّهُ سميع عليم" 103 ٱلتوبة).

إن الكاتب، في معالجته لدلالة لفظ "مكة" يقرر واقعا لم يستطع فقهاؤنا التحرر منه، لأن (ما سُطِّر فى ٱلمعاجم من إدراك لِّدليل ٱلكلمة لا يمثل إلا طورًا مِّن أطوار إدراك ٱلإنسان لدليل ٱلكلمة في ٱلمحسوس. وما نجده في ٱلمعجم ٱلوسيط من قول في دليل كلمة مكَّة نرى فيه قول من لَّا يدرىۤ إلا بما هو ظاهر لِّبصر عينه:
"مكَّ ٱلعظم مكًّا: مصَّ جميع ما فيه. وٱمتكَّ ٱلفصيل ما فى ضرع أمّه: ٱستقصاه بٱلمصِّ".
فصاحب ٱلمعجم لم يرَ أنَّ ٱلفعل مكَّ يتخطى هٰذا ٱلدليل ٱلمباشر. ولم يكن يدرىۤ أنَّه من أفعال ٱلفيزيآء. وسوآء ءَكان فعل ٱلمكّ في ٱلضَّرع أم في ٱلسَّمآء فٱلكلمة تدلنا على قوَّة سحب شديدة لِّما في ٱلضَّرع ولما في ٱلسَّمآء).
وبهذا يظهر الفرق بين مدلول "مكة" ومدلول "مدينة" (فٱسم مدينة يدلنا على مكان عيشٍ لِّلنَّاس وفق أشراط ميثاق بينهم (دستور). لاۤ إكراه فيه عليهم لا فىۤ أفكارهم ولا فىۤ أموالهم. وسبيل ٱللَّه فيه مفتوح للجميع. من شآء منهم أن يؤمن فليؤمن ومن شآء منهم أن يكفر فليكفر فلاۤ إكراه فى ٱلدِّين).
واضح إذن أن الاكتفاء بالدلالة المعجمية التي حصرتها المعاجم القديمة، والتقوقع داخلها، لا يقود حتما إلى استيعاب حركية الفكر والواقع وتطور العلم والمجتمع. بل يصير عقبة في وجه الفهم السليم لكلام الله، ومن ثم عدّه الكاتب "تحريف" الكلم عن مواضعه (لقد طغت أفعال ٱلظَّنِّ وٱلتخريص على صناعة دليل ٱلكلام. وفتحت ٱلأبواب أمام أفعال لم تتوقف عند تجميد ٱلدليل عند إدراك شاعر أو مفكر ميِّت. بل ٱمتدت تلك ٱلأفعال إلى تحريف ٱلكلم عن مواضعه. ٱلأمر ٱلَّذى يحرف ويصعِّب ٱلإدراك ويعطِّل ٱلنَّفع من مخزون ٱلكلام. ويمنع ٱلفهم وٱلعلم في ٱلحقّ.
وبتحريف ٱلكلم عن مواضعه يصير بيان ٱللَّه في صفٍّ وبيان ٱلعلم في صفٍّ أخر. وبذلك يستطيع ٱلكافرون كَفرَ سبيل ٱللَّه على ٱلكثير من ٱلناس).
ويقدم الكاتب مثالا على هذا التحريف من خلال لفظتي "قرأ" و"تلَوَ" كالتالي (فكلمة قرأ حرف ٱلتخريصُ وٱلظَّنُّ دليلََها عن موضعه وجعله بدليل كلمة تَلَوَ ٱلموضوعة لتدلنا على تتبع ٱلكلمات ٱلمتتالية في ٱلسَّطر ببصر ٱلعين. وٱلكلمات ٱلتي تتالى بٱلصوت وتسمعها ٱلأذن. وكذٰلك ٱلكلمات ٱلمتتالية فى ٱلأشيآء ٱلغيبية سوآء أكان في ٱلفيزيآء ٱلجزئية أم فى ٱلبيولوجيا ٱلجزئية. فٱلكلام أىًّ كانت هيئته يأتي متتاليًا في ٱلسَّطر. وبٱلفعل تلوَ يجرى تتبعه. ثم يأتي فعل ٱلنظر فيما يرمز إليه. وٱلعلم بما يدل عليه).
في حين يستنتج الكاتب (أنَّ ٱلفعل تلوَ لا يدلنا علىۤ أن ٱلمتابع يفهم ويعلم بٱلكلام ٱلمخطوط أو ٱلمسموع. سوآء ءَكان ٱلكلام بلسانه أم بلسانٍ أخر. ونرىۤ أنَّ ٱلذي يتلو ٱلكلام إذا جهد نفسه وتابع عمله ونظره فيه. وٱستعان بوسآئل تقوِّىۤ إدراكه ونظره وفكره. يوصل من بعد جهده إلى ٱستنباطِ دليلٍ لكلِّ كلمة فى ٱلسَّطر. ثمَّ يعمل من بعد ذٰلك على بنآء قولٍ مُّستنبطٍ. يبيِّن فيه بلسانه ماۤ أدركه من ذٰلك ٱلكلام. وهو بهٰذه ٱلأعمال يكون قد جعل ٱلكلام قُرءًا بيِّنًا بلسانه. وبعمله هٰذا يكون قد قرأ ٱلكلام وبيَّن دليله عند طور من أطوار ٱلعلم فيه).
إذن لفظ "قرأ" متحرك يسعى لإدراك المعنى وإظهاره، سواء تعلق الأمر بكلمات كتاب القرآن أو قوانين كتاب الطبيعة الذي قال عنه الكاتب بلسان غاليلو: "إن كتاب الطبيعة لا يمكن فهمه ما لم يتعلم المرء أولا كيف يفقه اللغة التي كتب بها, وينطق الحروف التي ألفت منها. فهو مكتوب بلغة الرياضيات ومكوناته هي المثلثات والدوائر وغيرها من الأشكال الهندسية التي من دونها لا يمكن لبشر أن يفهم منها كلمة واحدة, بل إنه يظل يتخبط في متاهة مظلمة").

إن الكاتب يتعامل مع آيات القرآن وألفظه كما يتعامل الفيزيائي مع الظواهر الطبيعية، فهو يُخضع الألفاظ للقراءة العلمية الدقيقة. أي يجعل من القرآن كما لو أنه "مكتوب بلغة الرياضيات". ومن ثم تكون للعقل العلمي الصرف وحده صلاحية إدراك معاني القرآن وإظهارها. وها نحن أمام القراءة العلمية التي تنضاف إلى قراءات أخرى شيعية وصوفية وأيديولوجية الخ.
إن هذه القراءة العلمية للقرآن جعلت الكاتب يقف عند التحريف الذي طاول الألفاظ فغير مدلولها، ومنها كلمة "صلاة". يقول الكاتب (وقد وردت في ٱلقرءان كلمة يضم دليلها دليل ٱلأفعال (قدر وعلم وشهد وسمع وبصر وأحاط ورقب وحسب). وهٰذه ٱلكلمة هي "صَلَّى". فٱلَّذي يصلِّى يقدر ويعلم ويشهد ويحيط ويرقب ويحسب فلا يغفل. ولا يسهو. ولا يفتر سمعه وبصره. عن ٱلَّذى يرقبه. ولا يتجاوز حدود ٱلَّذي يصلِّى عليه ليعتدى عليه. فهو يتربص أفعاله وأعماله وأقواله من دون تدخل فيها. ويترك له ٱلخيرة فيما يفعل ويعمل ويقول.
وهو فعل يشبهه ما تفعله مايكروسوفت فى مراقبة أفعال مناهجها على جميع ٱلكومبيوترات في ٱلأرض من دون ٱلتدخل فىۤ أعمال وخصوصية ٱلعامل على ٱلمنهاج. وكلمة "صَلوٰة" مصدرها هٰذا ٱلأصل. وهى ٱسم وسيلة ٱلفعل "صَلَّى". وأنَّ ٱلَّذى يقوم بٱلفعل "صلَّى" يكون قدير عليم شَّهيد سميع بصير رقيب حسيب. وهو لا يغفل ولا يتدخل ولا يعتدى على حدود وأفعال وأعمال ٱلَّذى يصلِّى عليه).
بناء على هذا المعنى يكون (ٱلإنسان ٱلَّذى يصلّى. هو ٱلإنسان ٱلَّذى يرقب نفسه فلا يغفل عن فعل أو عمل أو قول لَّها. ولا يترك نفسه توقع في مخالفة ٱلبلاغ ٱلعربى. فيوقف على حدوده. ولا يتعدى حدود ٱللَّه. وأولها سبيله ٱلَّذى لاۤ إغلاق له ولاۤ إكراه فيه. ويعلم أنّ ٱللَّه يُصلِّى عليه. يشهد ويبصر ويسمع ويرقب أعماله وأفعاله وأقواله من دون تدخل فيها:
"هُوَ ٱلَّذى يُصلِّّى عليكم وملـٰۤئِكَتُهُ لِيُخرِجَكُم من ٱلظُّلُمٰتِ إلى ٱلنُّورِ وكانَ بٱلمؤمنينَ رَحيمًا" 43 ٱلأحزاب).
فعلا أن هذا المدلول ينسجم مع قوله تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
إلا أن حصر دلالة الصلاة في الرقابة والمنع دون غيرها من المعاني، التي من ضمنها التعبد الروحي والجسدي عبر حركات الركوع والسجود لله، لا يستقيم مع الأمر الإلهي (فصل لربك وانحر) (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل)، (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل)، (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)، (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) المائدة:6.
وتبعا لإقصار الكاتب دلالة لفظ الصلاة على الرقابة، فإنه أعطى معنى آخر لقوله تعالى "وإذا كُنتَ فيهم فأَقمتَ لهمُ ٱلصَّلوٰة فَلتَقُم طآئفة مِّنهم مَّعَكَ وَليَأخُذُواْ أسلحَتَهُم فإذا سجدواْ فَليَكُونُواْ مِن ورآئِكم وَلتَأتِ طَآئِفَة أُخرَىٰ لَم يُصَلُّواْ فَليُصَلُّواْ مَعَكَ وَليَأخُذُواْ حِذرَهُم وَأسلحَتَهُم وَدَّ ٱلَّذين كّفرواْ لو تغفلون عن أسلحتكم وأّمتعتكم فيميلونَ عليكم مَّيلةً وٰحدةً ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى مِّن مَّطرٍ أَو كنتم مَّرضىٰۤ أن تضعواْ أسلحتَكم وَخُذُواْ حِذرَكُم إنَّ ٱللَّهَ أعَدَّ للكٰفرينَ عَذَبًا مَّهينًا" 102 ٱلنِّسآء.
إذ يقول الكاتب في تأويل هذه الآية (وما نستنبطه من هٰذا ٱلبلاغ يتعلق بمسألة ٱلرَّصد للعدوِّ في أماكن ٱلقتال. فمراقبة ٱلعدوِّ لا تعتمد على ٱلفرد أو بعض ٱلأفراد في مثل هٰذا ٱلحال. بل تتطلب عددًا يكفى للدخول فى ٱلقتال. من دون ٱنتظار ٱكتمال نهوض ٱلجيش جميعه. كماۤ أنَّ ٱلَّذى يقيم ٱلرَّصدَ هو ٱلأعلى رتبة في ٱلجيش. وهو يأمر نصف ٱلجيش ليضع أسلحته ويرتاح. ونصفه ٱلأخر ليبقى مستنفرا بكامل سلاحه. وليرصد حركة ٱلعدوِّ ويظهر له استعداده للقتال. وله أن يأمر ٱلَّذين يرصدون بوضع ٱلأسلحة جانبًا مَّع بقآء ٱلتيقظ فىۤ أعمال ٱلرَّصد لمدَّة يعود تقديرها له. وبعد ٱنقضآء هٰذه ٱلمدَّة يأمر ٱلَّذين أخذوا قسطًا مِّنَ ٱلرَّاحة ليقوموا معه بكامل أسلحتهم إلى ٱلرَّصد. ويجلس ٱلَّذين أقاموا ٱلرَّصد قبلهم.
ونفهم من هٰذا ٱلبلاغ أنَّ ٱلَّذى يأمر ٱلجيش يبقى على رأس أعمال ٱلرَّصد فى ٱلمدَّتين.
هٰذا ما تدل عليه كلمة ٱلصَّلوٰة فى هٰذا ٱلبلاغ ولا محل للقول بـ ٱلنُّسك هنا. وفى ٱلأمر ٱلعربى:
"ولا تُصَلِّ علىٰۤ أحدٍ مِّنهم مَّات أبدًا" 84 ٱلتوبة).
إننا فعلا أمام قراءة مغايرة لما سبقها. قراءة تعتمد المقاربة العلمية والتقنية في رصد المعاني والانفتاح على مجالات معرفية لم تعهدها القراءات السالفة. مما اعتبرها ـ القراءات السالفة ـ الكاتب تحريفا للكلمة عن موضعها (وما نرـٰه فى شروحات وتفسيرات ٱلسَّلف لكلمة صلَّى هو حرف ٱلكلمة عن موضعها وجعلها بدليل كلمة نَسَكَ. ومثل هٰذا ٱلفعل أضاع ٱلصَّلوٰة).
قد أجدني أختلف مع الكاتب في اعتباره تفسير الصلاة بالنسك "تحريفا" للكلمة، بينما الأنسب أن تكون للفظة "الصلاة" دلالات متعددة تشمل النسك والدعاء والرقابة وغيرها.

بعد إيراد الكاتب لجملة من تحريف الكلم عن مواضعه، انتهى إلى تعريف السبيل إلى الله وتحديده لغويا ودينيا. يقول الكاتب (ٱسم سبيل هو للممرّ ٱلسَّالك ٱلَّذى لا عوق فيه ولا عوج ولا ميل ولا حفر ولا شوك ولا حجب للبصر. فهو ممرّ عربىّ مستقيم. وهو صراط ٱلرَّبِّ ٱلَّذى يطلب ٱلمؤمنون ٱلهداية إليه:
"ربنا ٱهدِنا ٱلصِّرٰط ٱلمستقيم" 6 ٱلفاتحة.
"ٱهدِنا ٱلصِّرٰط ٱلمستقيم" مثل ٱلقول "أَرِنِى كيف تُحِى ٱلموتى". فيه طلب لقدرة علمية ومعرفية فى ٱلمسألة.
وكلمة "صرٰط" دليلها من دليل ٱلفعل "صَرَطَ" ٱلَّذى يضمُّ دليل كلٍّ مِّنَ ٱلأفعال (مرّ وبان وأَمِنَ). فهو ممرّ بيِّن أَمِن.
أمَّا دليل كلمة "مستقيم" فهو من دليل ٱلفعل "قام" ٱلَّذى يدل على ٱلأفعال (عَدَلَ وظَهَرَ وقَرَّ وبَقِىَ وحَدَّ ورَفَعَ وبان وقَدَرَ وحَفَظَ وسَيَدَ وعَمَدَ وعانَ). وكل هذه ٱلأفعال تشترك فى جعل ٱلصراط مستقيمًا لَّا عوج ولا ميل ولا حجب لِّلبصر فيه. وهو منهاج ومسلك قيِّم:
"قُل إنَّى هَدـٰنى رَبِّى إلى صِرٰطٍ مُّستقيمٍ دينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبرٰهيم حنيفًا وما كان من ٱلمشركين" 161 ٱلأنعام.
"ذلك ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ ولكنَّ أكثرَ ٱلنَّاسِ لا يعلمون" 30 ٱلروم.
"وذلك دِينُ ٱلقيِّمةِ" 5ٱلبينة).
إذن كيف تحقق الهداية ؟ لقد تبين، من خلال ما تقدم من فقرات الكتاب أن المؤلف يركز أساسا على البُعد المعرفي الذي ينقل الإنسان من مستوى البهيمية إلى مستوى الآدمية. إن هذا البعد المعرفي هو الذي يحقق للإنسان حريته التي يرتقي بها أطوارا.
يقول الكاتب (فٱلناس يتدافعون ويتسابقون على طريق ٱلاصطفآء. ولولا دفع ٱللّه لهم هذا لما تخطوا عتبة ٱلوحش ٱلبهيم مهما طال بهم ٱلعيش. ولقد وضع ٱللّه لهذا ٱلتدافع أشراطًا. ومن أدركها تقيد بها. ومن لا يدركها تبقى عليه مبهمة. وفى رأس هذه ٱلأشراط ٱلأمر "لاۤ إكراه فى ٱلدين". فأول أشراط ٱلقدرة على ٱلتنافس عند ٱلفرد هو حريته).
من هنا يقرر الكاتب أن (ٱلهداية إلى صراط ٱلرَّب هى ٱكتساب قدرة فى ٱلعلم وٱلمعرفة بسنَّة ٱللَّه فى تكوين ٱلمفاهيم لدى ٱلإنسان. وبهذا ٱلاكتساب يوصل إلى ٱلعلم أنَّ صراط ٱلرَّب هو سبيل ٱللَّه. وبعلمه هذا ينشأ موقفه من ٱلحياة وٱلتكوين ).
طبعا الهداية تتنافى مع الإكراه الذي يلغي الحرية والإرادة والمسؤولية. إن (ٱلهداية لا تحدث من دون متابعة للعلوم ٱلَّتى تبين سنّة ٱلتكوين وسنَّة ٱلتطور. وهى ٱلَّتى تجعل مفاهيم ٱلفرد قادرة على تأسيس موقف لَّه فى ٱلحياة بدراية وعلم ومسئولية. وهذا يبينه ٱلأمر ٱلعربى:
"قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلقَ"20 ٱلعنكبوت.
وفى طاعة هذا ٱلأمر يتكوَّن ٱلعلم ويدل علىۤ أنّ ٱلسلوك على ٱلسبيل قآئم.
فسبيل ٱللَّه هو ٱلممرّ إلى ٱلعلم وٱلمعرفة بكيف بدأ ٱلخلق. وهو ٱلسبيل ٱلَّذى يوصل ٱلسَّآئر عليه إلى معرفة ٱللَّه وٱلعلم بصراط ٱلرَّب ٱلمستقيم).
إن هذه المعرفة لا تتحقق إلا بالعلوم الدقيقة، مما يجعل الفقيه في حاجة إلى أهل الذكر الحقيقيين الذين هم العلماء القادرون على قراءة كتاب الكون وفهم رموزه. وهنا لا بد من التنويه بقضية أساسية جعلها الكاتب محور كتابه، وهي التحرر من سلطة "المحرفين" الذين يعوقون سبيل الله بممارسة الإكراه والتحريف للكلم. فالإيمان يشترط الحرية ويصونها. من هنا نفهم تركيز الكاتب على مفهوم "المدينة" الذي يستدعي التحرر من سلطة "مكة" التي كانت تكره الآخرين على الخضوع لمعتقدها الديني وتعتبر الخارج عنه "صابئا".
يقول الكاتب (ومَن يستطيع من ٱلصَّابئين ٱلهجرة عن ٱلديار يهاجر ويسعى للعيش فى مجتمع لا مكّ فيه. وهو بماۤ أصابه من مَّكٍّ وإكراه يهتدى إلىۤ أنَّ سبيل ٱللَّه يجب أن يبقى سالكًا لِّجميع ٱلناس من دون عوق فيه. فمن شآء منهم أن يهتدى فليهتدى. ومَن شآء منهم أن يكفر فليكفر طاعة لِّلأمر:
"وقُل ٱلحقُّ مِن رَّبِّكم فَمَن شآء فَليُؤمِن ومَن شآءَ فَليكفُر" 29 ٱلكهف.
لقد هاجر صابئوا مكَّة إلى يثرب. وفى جوٍّ مِّنَ ٱلتفاهم وٱلثقة أقاموا مع أهل يثرب دولة لها ميثاق يمنع ٱلحجب وٱلعوق فى سبيل ٱللَّه. وهذا ٱلميثاق حمل ٱسم ٱلصحيفة ليكون منشورًا ولا يغيب منه أمر علىۤ أحد مِّن أهل ٱلدولة ٱلجديدة ٱلَّتى حملت ٱسم ٱلمدينة بسبب هدايتها بميثاق ٱلدِّين "لاۤ إكراه فى ٱلدِّين").
إذن يقرر الكاتب أن في (رأس هذه ٱلأشراط ٱلأمر "لاۤ إكراه فى ٱلدين". فأول أشراط ٱلقدرة على ٱلتنافس عند ٱلفرد هو حريته. وهذا لا يحدث ما لم يُصلِّ عليه ٱلأخرون. فلا يتدخلون فى شأنه. ولا يكرهونه على موقف ولا على فعل أو عمل. ولا يغلقون سبيل ٱللَّه فى وجهه).
إنه هدم لسلطة الكهنوت التي يمارسها الفقهاء ورجال الدين باسم الدين. وهي قضية تزداد خطورتها في عالمنا الإسلامي، خاصة مع انتشار ما يعرف بـ "الإسلام السياسي" على يد الجماعات الإسلامية التي لا ترى بديلا عن استعمال العنف لإكراه الناس على اعتناق فهم خاص للدين، واتخاذ الدعاة والفقهاء وكلاء عن الله في الأرض. وبذلك يخلص الكاتب إلى التالي (فقد ظهر لي من أول عمل أنّ سبيل ٱللّه لا يُحقَّق في ٱلحياة ٱلإنسانية ما لم يكن كل فرد يملك خيرته فيما يرى ويقول ويعمل من دون عدوان على غيره من ٱلأفراد).
ومتى ساد الإكراه فإن الإنسان يفقد إنسانيته لأنه يُمنع من الارتقاء والاصطفاء عبر اكتساب المعرفة. (وفى بلاد يمنع أهلُها ٱلفردَ من ٱكتساب ٱلعلم وٱلمعرفة يقلُّ فيها عدد ٱلَّذين يتفكرون ويفقهون ويعلمون. ويبرز فيها كهنة جاهلون ينشرون ظنونهم وجهلهم بٱسم ٱلعلم وٱلعلمآء).
وهذا الانحدار المعرفي يترتب عنه انحدر الإنسان إلى مستوى البهيم، كما يقول الكاتب (بٱلعلم وبٱلمعرفة يتحول ٱلبشر ٱلبهيم إلىۤ إنسان. ومن دونهما يعود إلىۤ أصله ٱلوحش فلا يدرى ما هو سبيل ٱللَّه).
طبعا يبدو واضحا اعتماد الكاتب لنظرية التطور التي صاغها داروين، كما أن الكاتب أعلن تصديقه لعلميتها وتوافقها مع القرآن (وما رأيته في ٱلبلاغ ٱلعربى يبين لي تصديقًا مُّتبادلا بين مفهوم ٱلأصل ٱلمشترك وبين بلاغ ٱللَّه:
"هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنها زَوجَها لِيَسكُنَ إلَيها فلمَّا تَغَشَّـٰها حَمَلَت حَملاً خَفيفًا فَمَرَّت بِهِ فَلَمَّآ أَثقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُما لَئِن ءَاتيتنا صَـٰلِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكرينَ " 189 ٱلأعراف.
فٱلنفس ٱلواحدة هى ٱلأصل ٱلمشترك للمخاطَب وهو ٱلإنسان. وهذا يصدِّق نظرية "دارون" عن ٱلأصل ٱلمشترك. كماۤ أنَّ نظرية "دارون" تصدِّق بلاغ ٱللَّه ٱلعربى).
وبقدر ما انفتح الكاتب على النظريات العلمية الحديثة وتوظيفها في استيعاب مضامين النصوص القرآنية على نحو يخالف ما درج عليه الفقهاء، بقدر ما أعطى لمفهوم الإيمان دلالة أرحب تسع كل أهل الديانات السماوية. يقول الكاتب (لقد بيَّنَ ٱللَّه لرسوله محمد ماذا يتبع:
"ثمَّ أَوحينآ إليكَ أَنِ ٱتَّبِع ملَّةَ إبرٰهيمَ حنيفًا وما كان مِنَ ٱلمُشرِكينَ" 123 ٱلنَّحل.
وأَمَرَه لإعلان ذلك:
"قُل إنِّى هَدَـٰنى رَبِّى إلى صِرٰطٍ مُّستقيمٍ دينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إبرٰهيمَ حنيفًا وما كان من ٱلمشركين" 161 ٱلأنعام.
فهو ليس صاحب ملَّة بل يتبع صاحب ٱلملَّة إبرٰهيم ٱلَّذى حنف عن دين قومه بفعل ٱلنظر فىۤ ءايات ٱللَّه.
"وما أرسَلنَا من قَبلكَ إلاَّ رِجالاً نوحِىۤ إليهم فَسئَلُوۤاْ أهلَ ٱلذِّكرِ إن كُنتُم لا تَعلمونَ" 43ٱلنحل.
فٱلَّذين يذكرون هم ٱلَّذين يعلمون. وهؤلآء هم أهل ٱلذِّكر).
إن هذا الموقف يتكامل مع نظيره الذي يعتبر مفهوم "الإسلام" يشمل أهل الديانات السماوية ـ اليهود والمسيحيون والمسلمون ـ نسبة إلى النبي إبراهيم عليه السلام الذي هو أبو الأنبياء ومن سماهم "المسلمين" كما تشير الآية القرآنية الكريمة (ملة إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) المؤمنون : 78. ومن شأن هذا الفهم /الموقف أن يقرب بين أهل هذه الديانات ويشيع بينهم القيم المشتركة وبين أتباعها التعارف والتسامح.
إننا في العالم الإسلامي بحاجة إلى مثل هذه المقاربات والتفاسير التي تؤسس لقاعدة مشتركة بين جميع المواطنين على اختلاف دياناتهم، هي قاعدة الانتماء إلى الدين الشامل والوطن الواحد. بحيث لا يبقى من مجال للدعوة إلى تطبيق حكم الردة أو الجزية على المواطنين الذين اختاروا اليهودية أو النصرانية أو نشأوا عليهما.

مضموم ٱلكتاب

كلمات مهملة 5
ٱلتكوين مكّة وٱلمدينة 31
صَبِئَ 67
ٱلصَّلوٰة 75
ٱليهود - ٱلَّذين هادوا 117
ما هو سبيل ٱللَّه ؟ 137
رأى فى ٱلكتاب 157
































صدر للمؤلف

ٱلدين خرافة أم علم دار ٱلمنارة – ٱللاذقية 1999
ٱلاستنساخ دار ٱلمنارة – ٱللاذقية 2000
ٱلكلمة دار ٱلمنارة – ٱللاذقية 2000
ٱلحكم ٱلرَّسولى دار ٱلحوار – ٱللاذقية 2000
منهاج ٱلعلوم
ٱلكتاب ٱلأول ٱلدار ٱلوطنية ٱلجديدة - دمشق 2002
منهاج ٱلعلوم
ٱلكتاب ٱلثانى ٱلدار ٱلوطنية ٱلجديدة - دمشق 2002
أنبآء ٱلقرءان تستقرّ فى محراب ٱلفيزيآء
(منهاج ٱلعلوم ٱلكتاب ٱلثالث) دار ٱلمنارة/دار ٱلفرات - بيروت 2005
ٱلصحيفة دار ٱلمنارة/دار ٱلفرات - بيروت 2005
ٱلانقلاب لم يطبع


ما هو سبيل ٱللَّه ؟
سمير إبراهيم حسن
ٱلطبعة ٱلأولى /2005
جميع ٱلحقوق محفوظة للمؤلف
samirhasan2003@hotmail.com
http://islamdemocacy.friendsofdemocracy.net/
ٱلناشر دار ٱلمدينة للترجمة وٱلطباعة وٱلنشر
www.almadina.com

تأشيرة وزارة ٱلإعلام ٱلسورية رقم 79423 تاريخ 4/5/2005
"عدم السماح بالطباعة"!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,396,510,873
- الإرهاب الإسلامى كما يبينه كتاب اللَّه
- الدين خرافة أم علم ؟
- الديمقراطية دين المؤمنين
- من أجل عراق على سبيل المدينة المنورة
- شرع ٱللَّه ومسئولية الإنسان
- مسودة ٱلدستور ٱلعراقى
- التطرف
- كيف نعلم أنَّ اللَّه يعلم ؟
- الانقلاب
- إلى شيوخ شيوخ الأزهر وشيوخ الوهابية وشيوخ قم وجميع شيوخ السل ...
- هل يقبل المسلمون بدستور دولة المدينة المنورة
- دستور دولة المدينة المنورة


المزيد.....




- وزير الأوقاف السوري: الحركات الوهابية والإخوان لا تمت للإسلا ...
- ترامب: عقوبات مشددة تستهدف المرشد الأعلى الإيراني
- الحريات الدينية في خطاب الإسلامويين
- ما سر -ميغاليث.. أحجار الجنة- في منطقة بريتاني غرب فرنسا؟
- مهمة -بومبيو- في السعودية... وعلاقتها بقرار الحرب وجماعة الإ ...
- افتاء مصر: الحلف بالنبي محمد والكعبة لا حرج فيه.. ومغردون يس ...
- تشاد... مقتل 11 عسكريا في هجوم لـ-بوكو حرام-
- جماعة الإخوان: 60 ألف سجين معرضون لكارثة عقب وفاة مرسي
- #مختلف_عليه..الصراعات المذهبية.. جذورها وتحولاتها
- أرياف طرابزون بتركيا.. جمال الطبيعة وسكينة الروح


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير إبراهيم خليل حسن - ما هو سبيل اللّه ؟