أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - لاعب الشطرنج














المزيد.....

لاعب الشطرنج


خيري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 4489 - 2014 / 6 / 21 - 21:11
المحور: الادب والفن
    


لاعب الشطرنج
خيري حمدان
لمحته بطرف عيني يجلس في ركن صغير وأمامه طاولة صفّت فوقها أحجار شطرنج بيضاء أنيقة. احتلّ مكانًا يشرف على دفق المارة في الطريق الطويل المخصص للمشاة وحيث تكثر المقاهي والمطاعم والاستراحات. سواد عينيه ملفت للنظر ولحيته خفيفة مشذّبة، أعتقد بأنّه قد تجاوز الخمسين ببضعة أعوام لكنّه مفعم بحيوية تتعذر لدى الكثيرين.

كان قد وضع لافتة صغيرة كتب عليها "للمتميزين فقط". لاعب الشطرنج هذا لم يتوقف عن الابتسام طوال الوقت، يحسن المجاملة ويتفرّس في وجوه الراغبين بالجلوس قبالته للعب الشطرنج. كان شديد الحذر في اختيار منافسيه، مع أنّه لا يمانع بمنازلة الراغبين من كافة الأعمار. أشار إلى شاب في نهاية العشرينيات وبرفقته حسناء للتقدم، الرقعة جذّابة ولئيمة ويدرك مدمنو الشطرنج ذلك جيدًا، وتكاد الرقعة تحتلّ دور الرجل الغريب في دعوة الراغبين بالجلوس قبالته.

- هذه خطيبتك، أليس كذلك؟
- نعم، هذه حبيبتي، هذه نصف دنياي، لكن دعك من حياتي الخاصة ولنلعب، ولتعلم بأنّني محترف ولم يغلبني لاعب شطرنج حتى اللحظة.
- هذا جيد، لكن عليك أن تعلم أنت أيضًا وقبل أن نبدأ، بأن لديّ شروطًا غير تقليدية، غير مألوفة يا فتى، ولا يمكننا البدء قبل القبول بها والتوقيع على إقرار بالالتزام المطلق بكافة بنود الاتفاقية.
نظر الغريب إلى عينيّ لاعب الشطرنج، لم يجد فيهما علامات حياة ودلائل ثقة، وجد عينين مليئتين بالتحدّي، أدرك بأنّه يجلس أمام عملاق لا يرحم، وحش قادر على سلخ جلده وسحله أمام ملايين البشر دون تردد، ولن يستجيب لدعاء أو استجداء من كبير أو صغير. بان التردّد على تقاطيع وجهه، شعر بمعدته تتقلب وهو الذي نازل كبار لاعبي الشطرنج دون وجل، كان بحاجة لمن يشجّعه ويدفعه لخوض هذه المغامرة، لكنّ خطيبته أشاحت برأسها بعيدًا عنهما وكانت قلقة.
- يمكنك التراجع وإفساح المجال لغيرك. قال صاحب الرقعة بأنفة.
- بل ألعب وسأهزمك. وقّع على الإقرار ووافق على شروط اللعبة. أخرج الخمسيني عدّادًا يحسب بطريقة عجيبة قيمة المال الذي يجب أن يدفعه الخاسر بعد انتهاء اللعبة، العداد يأخذ بالحسبان وقت اللعب وحجم الخسارة وكافة التفاصيل الممكنة بما في ذلك تردد اللاعب وتغريمه مضاعفة إذا أقدم على خطوات غبية وساذجة خلال اللعب.

الغريب محترف ويعدّ من كبار لاعبي الشطرنج على المستوى العالمي، لكنّه واجه استراتيجيّ من طراز غير بشريّ، وضع خططًا بدت للوهلة الأولى في منتهى البساطة، لكنّها قاتلة وملأى بالكمائن، وسرعان ما وجد نفسه قد خسر الملك بعد قفزات الحصان وضربات القلاع وصولات الوزير فوق رقعة الشطرنج اللعينة.

ارتفع صوت العدّاد وبدأت الأرقام تنقلب، العشرات والمئات والآلاف ليتوقف عند الرقم 9999 دينارًا. ابتلع الغريب ريقه ولم ينجح فقد كان جافًا، كيف يمكنه التخلص من هذا اللعين ذي اللحية الخفيفة والعينين الغائرتين والابتسامة الكاسحة للثقة دون دفع المطلوب؟
- أنت قادر على دفع هذا المبلغ يا عزيزي، يوجد في حسابك عشرة آلاف دينار، وكن على ثقة بأنّني كريم للغاية معك، تركت في حسابك دينارًا كاملا وفي العادة أحصد كلّ شيء.
- ولكن، لا يمكنني دفع كلّ هذا المال مقابل جولة شطرنج، هذا كثير!
نظر لاعبُ الشطرنج مجددًا في وجه المغامر، كأنّه قد قرر إصدار حكم الإعدام للتوّ.
- نعم، أستطيع إعفاءك من هذا الدين، الخيار يعود لك. لكن، عليك أن تتركها لديّ.
- ندى!
- ندى مقابل دينك يا فتى. نظرت المرأة تجاه خطيبها، الرجل الذي ناداها بالحبيبة ونصف الدنيا قبل أقل من ساعة، لكن، ما بال حدقات عينيه تهرب في كلّ الاتجاهات رافضة التعرف على نداءات الاستجداء القادمة من كيانها الأنثويّ.
- أتريدين المضيّ برفقته يا ندى؟ وجّه لاعب الشطرنج سؤاله لندى، هزّت الأخيرة رأسها بالنفي، وسرعان ما أطلق الحبيبُ العنان لقدميه هاربًا بعيدًا عن المكان.

ذهلت مما رأيت، لكنها الحياة بكلّ تناقضاتها تضعنا في لحظات غير متوقعة تحت المحك لتختبر ولاءاتنا وتكشف عن طبيعة معدننا، ثمين كان أو من "التَنَك" الرخيص. حين قررت النظر إليها لمعرفة وقع خيار صاحبها عليها، كانت ندى في تلك اللحظة تستجديني وتدعوني للجلوس أمام لاعب الشطرنج لتخليصها من تلك الورطة، وصاحب الرقعة يشير لي بإصبعه دون غيري من الحضور، يدعوني لمواجهته لخوض معركة من أجل شرف وكرامة امرأة كسيرة الخاطر، وربّما يرتفع ثمن الرهان لأكثر من ذلك بكثير.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,421,338,320
- حديث القطط
- أعراس في الحيّ العتيق
- ذكريات خارجة عن القانون
- الرياحُ وحدها تربطني بالمتاهة
- لا خيانة بعد اليوم
- موناليزا
- إمبراطورية الرعب
- حجرةٌ للحياةِ والموت
- عشاءٌ برفقة الأنبياء
- الحلزون الحكيم
- مجنون حتّى إشعار آخر.
- الزمن المفقود
- أنا أبله - هي تملك ثديين كبيرين
- أزمة الإنتماء لدى المثقف العربي
- ذاكرة متلبّسة بالدهشة
- الكيلومتر الثلاثون
- سارقو الحيوات
- لا مبرّر
- قطارٌ آبق
- المطارُ المغدور


المزيد.....




- الأصول الشعبية للسينما الطليعية
- كلاكيت: مهرجانات السينما ما لها وما عليها
- نبوءة الدم.. وخرافة اليقين في مسرحية (مكبث)
- تقــريــر...عباس العبودي: مهرجان واسط السينمائي تشارك به 30 ...
- كاريكاتير العدد 4472
- مسرح الحكايات للأطفال يفتح كواليسه ويكشف أسراره
- حزب الكتاب يطالب بالاسراع باخراج القانون الاطار للتربية والت ...
- للمسافرين.. ميزات جديدة لتطبيق الترجمة من غوغل
- بالفيديو.. في الذكرى الثالثة لانضمامها للتراث العالمي الأهوا ...
- الهتك.. فيلم مصري عن معاناة الشعب في ظل العسكر


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - لاعب الشطرنج