أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - سورية تحت احتلالين، وهناك حاجة لحركة تحرر وطني جديدة/ حوار















المزيد.....


سورية تحت احتلالين، وهناك حاجة لحركة تحرر وطني جديدة/ حوار


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 4454 - 2014 / 5 / 15 - 17:30
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


أسئلة محمد الشوادفي

لماذا فشلت الثورة السورية حتى الآن في الإطاحة بالأسد؟
من حيث الأساس لأن النظام واجه احتجاجات محكوميه بالحرب مدعوما من حلفاء أقوياء، ومع حظوته بالحصانة رغم كل جرائمه. في مواجهة الحرب طلب سوريون عون العالم أو حمايته، دون جدوى. ثم حملوا السلاح، لكن سلاحهم ظل أضعف بما لا يقاس من سلاح النظام.
هل كان يمكن التصرف بطريقة أخرى، تؤدي إلى انتصار الثورة؟ أشك في ذلك إن إخذنا بالاعتبار نوعية العدو الذي يواجه الثائرين السوريين من جهة، ونوعية استعدادات الثائرين السوريين أنفسهم وكفاءاتهم من جهة ثانية. ثورتنا تشبهنا، ونحن نشبه الأوضاع العسيرة التي عشنا في ظلها طوال جيلين، وهي سنوات حرب باردة مستمرة، ومنها سنوات من الفظاعة والجنون في الحربين الأسديتين الأولى (1980-1982) وعقد ثمانينات القرن الماضي كله، والثانية (2011-...).
لا تستطيع ثورة أن تنتصر على قوة متفوقة، موغلة في الإجرام. وحتى الأن، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الثورة، لا يستطيع النظام أن يسحق التمرد عليه، لذلك يمضي في تدمير البلد. هذا وضع لا سابقة له في تاريخ سورية، وأظن أن مثاله نادر في العالم. نظام يتوسل الجيش النظامي، ويقتل محكوميه بأسلحة راكمها خلال عقود، وبدعم من قوتين متوحشتين هما روسيا وإيران، ويحدثك كل العالم عن حرب أهلية!

ما هو الفارق بين الثورة السورية والثورتين المصرية والتونسية؟
الفوراق كثيرة، لكن فلنبدأ بالتشابهات. أولها أنه حرك الثورة السورية ما حرك الثورتين التونسية والمصرية من تطلع إلى تغيير النظام السياسي، وهو ما عبر عنه الشعار الأساسي: الشعب يريد إسقاط النظام؛ وثانيها الأداة الكفاحية الرئيسية المتمثلة في محاولة تملك الفضاء العام عبر تجمعات احتجاجية تحاول أن تحشد أكبر عدد ممكن وتدوم لأطول وقت ممكن، وتشغل حيزات مركزية من المدن؛ وثالثها الطابع السلمي للاحتجاجات وتوسل الناس كثرتهم وأجسادهم العزلاء سلاح مقاومة.
ثم يختلف كل شيء آخر بين سورية وكل من تونس ومصر. ووجهت محاولات السوريين تملك الفضاء العام بالحرب منذ البداية. في مطلع نيسان 2011 حاول المتظاهرون السورين احتلال ساحة العباسيين في دمشق، وكنت شاهدا على ردهم عنها بالرصاص، وسقوط شهداء من بينهم. وفي 18 نيسان من العام نفسه سقط فوق 200 في حمص حين أطلق قوات النظام النار على حشد بالألوف في ساحة الساحة بحمص. دفعت الاجتجاجات في سورية إلى الأحياء الطرفية والضواحي والأرياف، بعيد عن مراكز المدن. ربما لو قامت الأجهزة المصرية ولتونسية بما قامت به الأجهزة السورية لأنقذت النظامين، ولكن بثمن تدمير البلدين. أريد القول إن الفارق الجوهري ليس بين ثورتي مصر وتونس وبين ثورة سورية، بل بين نظامي مصر وتونس والنظام الأسدي في سورية. لدينا نظام سلالة مالكة، دستورها الباطن هو البقاء في الحكم وتوريثه ضمن العائلة، ويؤسس هذا الدستور الباطن غير المعلن، لكن المعلوم للجميع، لدولة باطنة مكونة من الأسرة الأسدية، ومن أجهزة المخابرات، ومن البراجوازية الجديدة التي تكونت في ظل نظام حافظ الأسد ووريثه. النظام السوري ليس نظاما دكتاتوريا قمعيا مثل نظامي تونس ومصر، إنه نظام عبودية سياسية، يعتبر حكامه سورية ملكا لهم قابلا للتوريث، ويسمونها فعلا "سورية الأسد"، ويدون شبيحته على الجدران شعارت مثل: الأسد أو لا أحد! أو: الأسد أو نحرق البلد! أو: ألأسد أو بلاها هالبلد! هذا مؤشر على أنه ليس للنظام مضمون أو "رسالة" غير "الأسد"، أي حكم السلالة القاتلة من جهة، وعلى أن هناك نزعة عدمية عميقة في تكوين هذا النظام من جهة ثانية، نزعة تمثلت بالفعل في "حرق البلد": فوق 40% من السكان مهجرون من ديارهم، ونحو 12% في شتات خارجي غير ودود، وفوق 150 ألف ضحية، وصناعة قتل مزدهرة في المقرات الأمنية (11 الف ضحية تحت التعذيب منذ بداية الثورة حتى أغسطس من العام الماضي، أي 12 شهيدا كل يوم، وهذا في دمشق وحدها)، وقصف السكان بالطيران الحربي وصواريخ سكود والسلاح الكيماوي.

كيف نجح الأسد في تحويل النزاع في سوريا إلى نزاع طائفي؟
نحن في الأصل حيال نظام طائفي متمرس بصنع الطوائف وتغذية الوعي الذاتي الطائفي وتأليب السكان ضد بعضهم، وفي تقريب بعضهم وإبعاد بعضهم. تقول نكتة فظة متداولة في سورية إن السوريين في حالة تعايش رائع لا مثيل لها، فأنت ترى في كل مكان مسجدا للمسلمين وكنيسة للمسيحيين وجهاز مخابرات للعلويين! النكتة تقول شيئين مهمين. أولهما إن هناك تمثيلا غير متناسب للعلويين في الأجهز الأمنية، وهذا صحيح قطعا، مع ما هو معلوم من أن أجهزة المخابرات هي ركيزة أساسية للدولة الأسدية وعماد الدولة الباطنة؛ وثانيها أن أجهزة المخابرات هي معابد العلويين، هذا غير صحيح، لكنه دال على أن الهوية الجمعية للعلويين لا تتحقق في مؤسسة مذهبية أو في ممارسة دينية عامة، الأمر الذي يبقي الارتباط الخاص بالنظام هو الركيزة الأساسية في الهوية العلوية. ويعتقد بعض الناشطين السوريين أن إضعاف المؤسسة الدينية العلوية أمر متعمد من قبل النظام بهدف أن يبقى الولاء له مناط الرابطة الجمعية بين العلويين (10- 12% من السكان). ويقال الشيء نفسه عن ضعف تنمية منطقة الساحل التي ينحدر أكثر العلويين منها، وأن الغرض من ذلك أن يبقوا خزانا بشريا لرفد المخابرات والجيش بالبروليتاريا القمعية التي لا يستغي عنها نظام السلالة. لا أستطيع التقرير في شأن ما إذا كانت هذه سياسات متعمدة، لكنها محققة للغرض المنسوب لها فعلا.
وخلافا للحكم الطائفي المتعجل، ليس النظام بيد العلويين، بل العلويون في يد النظام، قوة قمع رخيصة الثمن، لا يهتم بحياة أفرادها أو كرامتها الجمعية. وعلى سبيل المثال جرى لمرتين تبادل أسرى بين النظام ومجموعات معارضة، أطلق في إحداها إيرانيون مقابل سوريين معتقلين عند النظام، وفي المرة الثانية راهبات مختطفات من منطق القلمون مقابل معتقلات سوريات أيضا. ولا مرة ارتضى النظام أن يبادل أسرى من طرفه، بمعتقلين من طرف الثورة. هذا أثار همهمات غاضبة في البيئة العلوية، قد تكون مرشحة لإسماع صوتها أكثر.
في سنوات ما قبل الثورة تدهورت بتسارع أجهزة التعبئة الاجتماعية التي اعتمدها نظام الأب للحد من مظاهر التمييز الطائفي: حزب البعث، والمنظمات الشعبية (منظمة طلائع البعث للاتميذ المدارس الابتدائية، اتحاد شبيبة الثورة، اتحاد طلبة سورية)، والنقابات (التابعة كليا للنظام)، وصعد بالمقابل دور المال بفعل لبرلة فوقية للاقتصاد، وصعد دور المحسوبيات أو "الواسطة" بفعل غياب العدالة القانونية ومؤسسة قضائية فعالة، وظل دور الأحزاب والمنظمات والجمعيات التطوعية هزيلا جدا بفعل حظر النظام كل أشكال الانتظام االاجتماعي المستقلة، وهو ما انعكس قوة فورية على الطوائف والوعي الطائفي. الطوائف في النهاية شبكات محسوبية، موجهة نحو تيسير مصالح النافذين فيها ومن حولهم. وكلما كانت أكثف شبكات المحسوبية التي تربط المجموعات السكانية بمراكز السلطة الفعالة كان النسيج الطائفي أكثر تماسكا، وأشد ولاء للنظام. السنيون السوريون (فوق 70% من السكان)، في الأرياف والضواحي بخاصة، شعروا بالتهميش لافتقارهم إلى شبكة محسوبية فعالة تيسر مصالحهم. وتنامى في أوساطهم سخط متراكم، قلما أتيح له أن يتوجه نحو منابع الامتياز والتمييز في البلد، أي تكوين النظام ونمط ممارسة السلطة وآليات النفاذ إلى الموارد العامة، واشتغل عليه أيضا طائفيون سنيون، طامحون إلى السلطة بقدر ما هم ضيقو الأفق، بغرض تحويل الصراع إلى صراع طائفي. يلقون في ذلك دعم جهات متحجرة التفكير في بلدان الخليج، لا تعرف شيئا عن سورية ومجتمعها وتاريخها، لكن لها نفاذ إلى موارد مالية كبيرة.

مصير الثورة السورية بعد انتشار الجماعات الجهادية المسلحة، وأرجو أن نفرد مساحة للحديث عن داعش تكوينها وأهدافها وتحالفها مع النظام؟
أرى أن الرهان على تحول ديمقراطي أو على نقلة دالة نحو أوضاع سياسية جديدة قد وئدت بفعل الدمار الرهيب الذي تعرض له العمران المعنوي والمادي للمجتمع السوري، فوق العمران السياسي الذي كان في انهيار تام بفعل نصف قرن من الطغيان. الجماعات الجهادية هي في آن نتاج هذا الخراب العميم، ومنبع لدمار إضافي. القوم ليسا غرباء على المبدأ الوطني فقط (هذا أمر يمكن فهمه على أرضية نظامهم العقدي)، بل هم مفتقرون بالكلية إلى الحس الإنساني والأخلاقي، قيم العدالة والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية ليست من قاموسهم، ونماذج سلطتهم بالغة الوحشية إلى درجة أنه يجري اليوم الكلام على ردة عن الأسلمة أحيانا، أو حتى عن الإسلام. لسان الحال يقول إن كان هذا هو عدل الإسلاميين، فاذا يكون ظلمهم؟ وإن كان هذا نورهم، فما هو الشيء السيء في الظلام؟ وإن كانت هذه حال "الدولة الإسلامية..."، فمم تشكو عصابة من اللصوص وقطاع الطرق؟
أعتقد أن داعش بالذات هي الوباء الأسوأ الذي أصاب المجتمع السوري منذ زمن طويل، وأكثر مما هي إهانة لسورية والسوريين، وشكل من الاستعمار الأجنبي البشع فعلا، وإن مع وفرة من العملاء المحليين، فإنها إهانة للإسلام، على الأقل للمعنى الذي تطور في بلاد الشام لإسلام لا تعارض فيه مع العيش في هذا العالم المعاصر، جنبا إلى جنب مع مختلفين ومغايرين وغير متدينين. ما كان لهذه الإهانة أن تمر بهذه السهولة لولا لأن الإسلاميين في عمومهم استخدموا الإسلام أداة في الصراع السياسي، أداة لا شخصية ذاتية لها، يوجهها كل في الوجهة التي يريد ويؤولها كل كيفما يشاء. يصح فيهم قول شاعر قديم: نُرقِّع دنيانا بتمزيق ديننا/ فلا ديننا يبقى ولا ما نُرقِّع! فلماذا يتعذر على أفّاق غامض ومهووس بالسلطة، مثل أبو بكر البغدادي، وأتباع له منبتّين عن أي بيئة حية، أن يؤولوا هذا الأداة المعدومة الشخصية على هواهم، ويحولونها إلى آلة لطحن البشر وتعليبهم، واستئصال روح الحرية والحس الإنساني من صدورهم؟
هناك الكثير من الغوامض بخصوص داعش، منشأ وروابط وموارد...، لكنها تبدو مصممة بغرض أن يقول السوريون إن هناك ما هو أسوأ من النظام، أو أن النظام أقل سوءا من شيء ما في هذا العالم. ولا شك عندي أن النظام سعيد بظهورها. فهي أعطته قضية بعد أن لم تكن له قضية: قضية "محاربة الإرهاب" و"حماية الأقليات"؛ وهي ترفع عتبة التضامن الدولي مع السوريين من حيث أنها تدفع نحو تصوره كصراع بين سيئين؛ وهي أخيرا تقول للسوريين وللعالم إنه لا بديل عن هذا النظام. ماذا يريد مهووس بالسلطة مثل بشار الأسد وسلالته أكثر من ذلك؟


كيف يمكن الخروج من نفق تحويل الثورة إلى صراع سني شيعي الذي نجح فيه الأسد؟
قبل كل شيء لا بد من إخراج إيران وأداتها اللبنانية "حالش" ("حزب الله في لبنان والشام") من سورية. هذه قوات احتلال أجنبي، وليس هناك أي وجه وطني لقبول وجودها أو التساهل في شأنه. ولا فرصة لتحرر البلد وإخراجها منه مع بقاء النظام العميل لها، الذي "عزمها" على قتل محكوميه. هذا حكم طغموي دعا أجانب معادين لاحتلال البلد حماية لكرسي حكمه، فهل هناك اعتبار وطني أو إنساني للقبول ببقاء هذه الطغمة وحكمها؟
في المقام الثاني لا بد من طرد لاستعمار الداعشي من مناطق البلد التي يحتلها، والضرب أيضا على أيدي عملائه المحليين. ليس هناك أيضا وجه وطني أو إنساني لقبول هذا الاستعمار او التساهل في شأنه. وهو ما ينطبق على أي أجانب يقاتلون على الأرض السورية، بذريعة الجهاد أو أية ذريعة أخرى.
يبقى بعد ذلك تسويات صعبة عمليا بين السوريين. يزيدها صعوبة وجود قوى استئصالية متطرفة من جهة قاعدة النظام الاجتماعية، ومن جهة طيف أعداء النظام. لكن التسوية الصعبة بين السوريين، هي أصعب بما لا يقاس بوجود محتلين أجانب مثل داعش وحالش ونظام الملالي في طهران وأتباع عراقيين له.
يحتاج الأمر في تقديري إلى بناء حركة تحرر وطني حقيقية، تستقطب القوى القادرة من جهة الثورة على منازعة الدواعش وأشباههم، وتحرير المناطق المحتلة منهم، ومن جهة على استقطاب قوى أقرب اليوم إلى النظام إلى هذه الحركة، بحيث تسهم في نزع الشرعية عن النظام من جهة قاعدته نفسها. فالكلام على تحرر وطني لا يعني فقط العمل على طرد المستعمرين المختلفين، بل التركيز على الجوامع الوطنية وتعزيز روح الاعتدال والتسامح بين السوريين المختلفين. هذا جهد سنوات، مع ذلك ليس متأخرا في تصوري البدء فيه الآن. المسألة السورية طولة الأمد، والمهم أن نبدأ.

تحليكم لوضع المعارضة السورية وأسباب تفتتها وأثر ذلك على الثورة السورية؟
كانت المعارضة السورية مفتتة ومحدودة الفاعلية قبل الثورة. كانت أكثر من ذلك فاقدة للشجاعة والروح الثورية خلا استثناءات نادرة. من معارضة بهذا التكوين لا يجوز أن تتشكل الأطر السياسة للثورة. لكنها تشكلت منهم لأسباب لا يغيب عنها العامل الإقليمي والدولي. والعيوب التي كانت خفية أو غير ظاهرة حين كنا "في جرة"، تحولت إلى فضائح حين "طلعنا لبرا". هناك تهافت على المناصب والظهور والمال، وهناك صَغار فكري وسياسي وأخلاقي، وهناك عجز مطبق عن ابتكار أساليب وأدوات عمل جديدة، وهناك ارتهان لقوى أقليمية ودولية متعددة، وهناك دوران مخز في مدارات المال ومن يملكونه. هذا يراه عموم السوريين، وهم مصدر سحب ثقة واسع من هذه التشكيلات المعارضة. وهو للأسف أيضا أحد مصادر قوة المجموعات العدمية المتطرفة. فهي تزدهر في شروط سحب الثقة من العالم، النظام والمعارضة والمؤسسات الدولية والقوى الدولية النافذة. وفكرها يقوم على أن العالم شرير وخطر ومتآمر، وكافر، لذلك تدميره واجب.
مشكلة المعارضة أنها عاشت خارج الثورة بكل معنى الكلمة، فظلت على ضعفها الموروث، ووجدت نفسها بفعل ضعفها تدور في مدارات ليس بينها الثورة السورية. هذا حرم الثورة من قوى منظمة كان يمكن أن تسهم في الحد من احتمالات التشظي والفوضى التي نرى كثيرا منها اليوم.

هل تعتقد أن المعارضة أخطأت في الذهاب إلى جنيف 2؟
لا، لا أعتقد ذلك. الذهاب إلى جنيف ساعد على امتصاص ضغوط إقليمية ودولية، وأزعج النظام الذي كان يفضل ألا يعقد المؤتمر، وأن ترفضه المعارضة.
كان الذهاب إلى مؤتمر جنيف، لكن دون التعويل عليه، خيار صحيح في رأيي. المشكلة في المعارضة، فوق ما سبق قوله، أنها تفتقر إلى خطة بديلة، وأنها لا تملك وزنا ذاتيا ما كان لها أن تستمده إلا من الثورة، والارتباط بقوى حية فيها على الأرض السورية. لم تفعل، لذلك لا ينعكس صواب أفعالها، حين يحصل أن تصيب، إيجابا على الثورة.

تقييمك للدعم العربي لتطلعات الشعب السوري المشروعة ودور بعض الدول العربية التي تدعم الأسد؟
الأمر بعيد عن وصفه بدعم عربي. دول كثيرة تقف إلى جانب النظام، بمن فيها مصر بعد الانقلاب العسكري على حكم الإخوان، ومنها العراق ونصف لبنان، والجزائر والسودان. وأخشى أن دعم دول خليجية أهدرته من جهة المنازعة السعودية القطرية المزمنة، ومن جهة ثانية توجه قسم غير قليل منه لجماعات عدمية، لا محتوى تحرريا أو إنسانيا لعملها، فضلا عن مساهمته في إفساد مجموعات من المقاتلين الأوادم بالمال.
الدعم الإعلامي والدبلوماسي مفيد غالبا.

هل تعتقد أن الغرب والأمم المتحدة خذلوا السوريين، أم ليس في الإمكان أفضل مما قدموا؟
الأميركان تصرفوا بمنطق السياسة الواقعية، ريال بوليتيك، دون أي بعد إنساني أو حقوقي. أظن أن دورهم كان إجراميا في مطلع العام الماضي، وقت كان زخم انتزاع مناطق من سيطرة النظام في ذروته، حين ضغطوا على تركيا ودول عربية لمنع وصول أسلحة فعالة للجيش الحر، وضغطوا أيضا كي لا يجري دخول الثائرين إلى دمشق. بهذا أسهموا في استنقاع الوضع في البلد بلا مقابل من أي نوع، وتسببوا في تطاول الصراع والدمار الواسع، وكانت اعتبارات إسرائيلية لها الأولوية في تفكيرهم برأيي.
كان مسلكهم إجراميا أيضا بعد المذبحة الكيماوية في الغوطة حين، مقابل صفقة انتزاع السلاح الكيماوي، أعطوا عمليا حصانة للنظام بأن يقتل بكل أسلحته الأخرى.
الأمم المتحدة معطلة بالفيتو الرسي الصيني، وبرغبة الأميركيين في التواري خلفه.
الموقف الأكثر إيجابية حيال كفاح السوريين هو موقف فرنسا، لكنها لا تستطيع التصرف منفردة.

الدور الإيراني ودور حزب الله في مساندة الأسد وكيف يمكن كسر هذه الحلقة؟
لا أرى كسرا لهذه الحلقة غير كسر هذا التحالف الشرير وطرد المحتلين الأجانب، الإيرانيين وأتباعهم اللبنانيين والعراقيين، من بلدنا. لا يجوز من أي وجه مكافأة المحتلين المعتدين على عدوانهم بأن يكون لهم دور في صنع أو تحديد مستقبل سورية السياسي. هذا هو المبدأ، ولا أرى أن سياسة تلتف عليه هي سياسة جديرة بالاحترام. ربما يتحطم بلدنا على يد هذا التحالف العدواني، لكن إن سلمنا لهم، فسيتحطم بلدنا أيضا، ونخسر كرامتنا ومستقبلنا فوق ذلك.

بعض قوى المعارضة تطالب بالتدخل العسكري للاطاحة بالأسد هل تؤيد ذلك؟
حال بعضنا في ذلك مثل حال جحا وبنت السلطان: جحا وأمه وأبوه موافقون على خطبة البنت، لم يبق إلا أن يوافق السلطان وابنته! و"السلطان" ليس فقط غير موافق، بل هو يتدخل في الحقيقة لمصلحة النظام. هذا نقاش فاسد، يحاول جر الوضع الواقعي المعقد باتجاه أسئلة شكلية يفترض أن الإجابة عليها سهلة: التدخل الأجنبي سيء، فلنحل مشكلاتنا بأنفسنا! كأننا لم نحاول القيام بذلك بكل السبل منذ 3 سنوات، كأن النظام لم يعامل محكوميه بأسوأ مما كان يمكن أن تعاملهم إسرائيل لو كانت محتلة للبلد، كأن إيران وحالش من أهل البيت السوريين، وأخيرا كأن تدخل الأميركيين أو غيرهم توقف على رضانا به أو عدم رضانا!
لكن إن كنت تسألني عن الرأي في تدخل دولي متعدد الأطراف، يجري إعداده فعلا لإسقاط النظام الأسدي بسبب جرائمه، فأنا معه. تخليص شعبنا وبلدنا من القاتل العام واجب وطني وإساني لا يتقدم عليه شيء. لكني لا أرى أفقا لتدخل كهذا.

ماهو مصير المنطقة إن نجح الأسد في القضاء على الثورة؟
ستكون سورية تحت الاحتلال الإيراني، وبشار حاكم عميل لنظام الملالي في طهران. لبنان سيدور في هذا الفلك. والعراق كذلك. هيمنة إيرانية واسعة في المشرق وتوترات طائفية سنية شيعية. وفي مثل هذا الوضع ستروق القاعدة لطيف متسع من السنيين في المنطقة. دول الخليج ستكون مرتبكة بين سطوة إيرانية تنال ما يشبه مباركة أميركية، وبين تهديد مصالحها وحتى وجودها. البلدان العريية ستكون عموما بلا وجهة.
الفائز لأكبر إيران. الخاسر الأكبر أكثرية السوريين، وعموم البلدان العربية. ربما يتحقق تفاهم أميركي وإسرائيلي إيراني يقايض المشروع النووي الإيراني باحتلال سورية.

ما هو السيناريو الذي لا تتمناه لسوريا بعد 3 سنوات من الصراع؟
استمرار النظام، وتمادي الوضع الحالي والسلبية الدولية حيال المحنة السورية. هذا هو الأسوأ. لكنه الاحتمال الأرجح للأسف.
هناك ما يدعو للأمل بالمقابل، وهو محاولات لا تزال خافتة الصوت ومحدودة التاثير من السوريين للإمساك بقضيتهم مجددا، في مواجهة المحتلين الأجانب، من إيران إلى حالش إلى داعش، وعملائهم المحليين، وأولهم النظام الأسدي. أقدر أن يكون العام الرابع من الصراع السوري عام استعادة القضية السورية كواحدة من كبريات القضايا التحررية في العالم. هذا ما يستحق أن نعمل عليه على كل حال.

الأسد ماض في تحديه للمجتمع الدولي والشعب السوري بإعلانه الترشح للرئاسة. كيف ترى مستقبل الثورة السورية بعد هذا الموقف؟ وما هي الخيارات المتاحة الآن أمام الشعب السوري والمعارضة السورية في ضوء أكذوبة الانتخابات؟
كان النظام مستعدا دوما لفعل أي شيء من أجل أن يبقى كل شيء كما هو. في عام 2011 ألغى حالة الطوارئ المفروضة منذ 1963، لكنه أبدلها بقانون لمحاربة الإرهاب أسوأ منها؛ وفي عام 2012 غير دستور 1972 الذي قصله الوالد على قياسه، لكن الدستور الجديد مصنوع من القذارة نفسها التي صنع منها سابقه؛ وبعد أن كان حافظ ثم سليله يتنافسان مع لا أحد ويفوزان عليه بنسب تسعة وتسعينية، يتنافس بشار الآن مع لا أحدين من صغار الكومبارس في حواشي حواشي نظامه، حسان النوري وماهر حجار، لكن سيكون الفائز هو من يخطط له ويلهمه وينقذه: إيران، التي يقول بعض رجالها إن حدودها اليوم تمتد إلى البحر المتوسط. بشار عروس لإيران، لا تملك حق العصمة.
لكن "إصلاحات" بشار تلك هي بمثابة تكريم موارب للثورة من قبل عدوها، واعتراف بمنابع اعتراض السوريين وثورتهم: حياة قانونية عادية بدل أحوال استثاء مؤبدة، ودستور حقيقي يضبط سلطة الحكم ويحمي حريات السكان وحقوقهم، وانتخابات حرة. شوهها النظام لأنه مشوه التكون، لكن من وراء التشويه هذه مطالب أصيلة للشعب السوري.
السوريون بمجموعهم لا يستطيعون فعل شيء بعد أن وضع بشار مصير نظامه، وسورية كلها، بيد إيران وأذرعها اللبنانية والعراقية. هذا دون قول شيء عن أن السوريين لا مجموع لهم أصلا بفعل سياسة التقسيم الطائفي العريقة، وبعد تعزيزها بدعوة إيران وأتباعها، وبدخول مجموعات جهادية عدمية، أكثرها ليس فوق مستوى الشبهات.
لا أرى خيارا جديا غير التخلص من نظام يبقى هو نفسه باستفتاءات "تجديد البيعة" أو بـ"انتخابات" يتنافس فيه العميل الصغير مع نكرتين عميلين له. بل إن التخلص من النظام ليس حتى خيارا، إنه شرط بقاء سورية وشرط كل خيار فيها. لدينا مشكلة وطنية اسمها حكم السلالة الأسدية. إن لم نتمكن من حل هذه المشكلة، فإن وطننا السوري سيتحلل.
وهذا ما يجري الآن.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,686,347,826
- -القاعدة-... امبراطوريتنا البديلة
- تطور لا متكافئ مركب للأوضاع السورية
- مقاومة بالتذكر: جانب من سيرة دعوة -المصالحة الوطنية-
- الكتابة بالعين والكتابة بالعينين
- نظرة إلى اقتصاديات السياسة والحرب والعمل العام
- بصدد تحركات بشرية مرافقة للصراع السوري
- ثلاث ملاحظات على مقاربات سيمورهيرش وروبرت فيسك
- أربعة أبطال واضحين في أسطورة...
- فرصة لثقافة تحررية، ولسياسة مغايرة
- الثورة والسياسة: ميادين عمل
- سورية والعالم/ سورية في العالم
- عام رابع: من ال-مو معقول- إلى المقاومة
- نهاية جيل من التفكير السياسي السوري، وبداية جيل
- الثورة والسياسة: والنقاش السياسي
- صناعة القتل الأسدية ودور المثقفين
- الثورة والسياسة: سياسيون وغير سياسيين
- الثورة والسياسة: سياسة بلا أفكار
- أين الأخلاق في مشاريع الإسلاميين؟
- رزان...
- ما وراء أنماط الحياة وصراعها


المزيد.....




- كورونا الجديد.. كيف بدأت رحلة هذا القاتل سريع التطور؟
- عشيقة جيف بيزوس تعود للواجهة بعد تقرير WSJ عن -أدلة- بتحقيق ...
- 20 قتيلا على الأقل ومئات المصابين في زلزال يهز شرق تركيا
- لكزس تكشف عن وحش جديد للطرق الوعرة
- المرصد السوري: قوات الأسد تتقدم باتجاه مدينة معرة النعمان
- سعد المجرد: فرنسا ستحاكم المغني المغربي مجددا
- ذكرى ثورة 25 يناير.. حلم بالتغيير ينكسر على صخرة الواقع؟
- رئيسة بوليفيا المؤقتة تتحضر لترشيح نفسها للانتخابات المقبلة ...
- شمخاني: الشعب العراقي حامل لواء إخراج أمريكا من المنطقة
- ليست أمريكا وروسيا.. من قد يشعل الحرب النووية


المزيد.....

- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - سورية تحت احتلالين، وهناك حاجة لحركة تحرر وطني جديدة/ حوار