أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - الفيلسوف أفلوطين الشيخ اليوناني وفلسفة الفيض 3 من 4















المزيد.....


الفيلسوف أفلوطين الشيخ اليوناني وفلسفة الفيض 3 من 4


احسان طالب

الحوار المتمدن-العدد: 4389 - 2014 / 3 / 10 - 19:07
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقاربات:
جدلية تاريخية استمرت في الظهور في أزمنة وأمكنة مختلفة متوالية، الأصولية – سنية كانت أم غير ذلك – ستقف على الدوام في مواجهة الإصلاحية وستناهض المدرسة العقلية بدعاوى الحفاظ على الدين من البدع والتحريف والتأويل، والنتيجة هزيمة لمنزلة للعقل وتراجع لمسيرة التقدم وانتصار للانغلاق. يحق لنا التساؤل عن سبب مضي الرشدية في أوربا رغم المعوقات الأرثوذكسية وهزيمتها في مواجه الراديكالية الإسلامية، هل الإشكال متمحور حول طبيعة البنية الداخلية للمسيحية والإسلام، أم أنه مرتبط بطبيعة الشخصية المسيحية والإسلامية، وإلى أي حد تأثر السرد الإصلاحي بمصالح السياسة ومنافع أساطينها ؟ من الواضح اختلاف بنية النص الإسلامي عن نظيره المسيحي من حيث اللغة – المنهج الفيلولوجي –
(راجع الملحق : الفيلولوجيا ) في المقام الأول ومن حيث البيئة الطبيعية كما من وجهة النظر الأنثربوبوجية.
ويحق لنا البحث عن أسباب ومغزى محاربة الأصولية المسيحية ـ الأرثوزكسية للفلسفة ومعاداة التجديد خاصة بعد سيطرة المسيحية السياسية على الدولة والمجتمع في أوربا والمشرق قبل ظهور الإسلام
المقاربة السياسية تظهر تباينا مغريا بالبحث؛ فالإسلام دولة أقيمت على دين، والنبي الكريم هو الرمز الأعلى من البشر وهو القائد الأعلى للسلطة السياسية كما هو الممثل الرسمي للسلطة الروحية، فالكيان السياسي لم يكن قائما قبل الدين وكانت الصيغة القبلية والعشائرية تحكم الناس، ونفوذها محدود بالرقعة المسيطِرة عليها، اختلف الوضع بعد قيام الكيان السياسي الديني الذي فرض سلطته على كل الأمكنة الممكنة، وأخضع المجتمعات لسلطتة العلوية بتأييد من سند نصي أحكمت الوصاية عليه ، وحكمت الدولة الفتية التي لم يسبق لها معرفة قوانين مكتوبة، بل أعراف محفوظة كانت ترعى مصالح الفرد والجماعات، حكمت بتفاسير وتأويلات بشرع علوي مكتوب. المسيحية ألحقت بالدولة بعد أربعة قرون من ولادة السيد المسيح، والدولة صارت مسيحية بانتمائها للدين، ولم تكن كذلك من قبل ولم يكن ذات الدين منخرطا في الحكم، شرعية الحاكم في الإسلام مبعثها إقامته لدين الله بدون النظر مبدئيا إلى أي مذهب أو تفسير مرجعي يستند إليه، فيما يختلف الأمر بالقياس المسيحي فالحاكم الروماني عندما أعلن المسيحية دين دولة، كانت مشروعيته أرضية دستورية وقانونية واستعان بالسلطة الدينية لتثبيت مكانته، تلك السلطة تحولت تدريجا إلى متحكم بالدين والسياسة والمجتمع ومرجعا لشرعية الملوك. بعد مرورها بظروف تاريخية دموية واستمرارا للسرد المعرفي والعلمي لتاريخ المسيحية، والطبيعة الجغرافية والتنظير الأنثروبولوجي المرافق لأمكنة وجودها والمجتمعات المنتمية إليها، تمكنت المجتمعات المسيحية من استيعاب التطور والتقدم العلمي والمعرفي وتحللت من سيطرة الكنيسة وقانونها الديني. كما مر معنا بالسرد التاريخي كيف رعت السلطة الدينية الإسلامية – السياسية – الفلسفة والفلاسفة في القرن الثالث الهجري وتحقق انجاز حضاري ومعرفي رغم تباين الموقف الرسمي من المسيرة الإصلاحية وتكرر النموذج الأندلسي، وآل الأمر في نهاية المطاف لانتصار السلفية الاتباعية بمقاييسها التقليدية والنقلية، وأحرزت المسيرة الإصلاحية نجاحات نظرية كبرى، إلى جانب استقرار القراءة التقليدية للإسلام وهيمنتها التاريخية على الحدث وعناصره.
جملة التباينات المرصودة أفصحت عن الأسرار الكامنة وراء التنافر المتجدد بين الإصلاح وطرائق التفكير ومناهج انتاج الثقافة في المجتمعات الإسلامية، المشهد ذاته مازال صالحا للعرض، منذ نهايات القرن الثاني الهجري إلى عصرنا الراهن رواد الإصلاح يطلقون مشروعا يسير خطى معدودة ثم يتعثر ، ينتصر للتقدم والتطور والعلوم ثم يتوقف، بيدي مقاومة نظرية تفسح المجال لإنجاز معرفي لا ينال الرواج والانتشار المطلوب لكنة يستمر حيا متواريا ، معاندا الاندثار ومقاوما الانزواء محدود الفعل ضيق التأثير لذات العناصر التي قابلته قرونا طويلة. إن ما تشهده الأصقاع العربية والإسلامية اليوم من حروب وصراعات واضطرابات ترفع رايات التشدد والتعصب الديني والمذهبي يؤكد الضرورة القصوى لإعادة الروح لمفاعيل الإصلاح والتجديد العقلاني الفلسفي.
واجهت الفلسفة العربية مؤثرات عدة كان لها اليد الطولى في تشكيل النظرية الفلسفية الإسلامية، وحافظ الفلاسفة الإسلاميون على نسقين رئيسين في مجمل ما قدموه من معارف النسق الأول تأثير الفلسفة اليونانية وبالخصوص أرسطو والأفلاطونية المحدثة،( أفلوطين 205 – 270 م) أما النسق الثاني فكان الروح الدينية القرآنية المبثوثة في ثنايا الرؤية الفلسفة. كتب كل من الفارابي وابن رشد مؤلفا في السعي للتوفيق بين أرسطو وافلاطون، بمحاولة منهما للخروج بنظرية اسلامية تتجنب ما يتعارض من تصورات الفلسفة اليونانية مع الرؤية الكلية لمفهوم الإيمان في الإسلام وبناء ميتافريقية إسلامية ، بهدف صناعة نظرية فلسفية إسلامية لا يرفضها علماء الدين وترعى المحافظة على الروح الإسلامية الجديدة باعتبارها عاصمة ورابطة كلية للدولة والمجتمع ، تجمع بين علوم الحكمة وعلوم الدين، وهذه النقطة أيضا جمعت كل من الفارابي وابن رشد وألفا في ذات الموضوع كتبا ورسائل في التوفيق بين الشريعة والحكمة. استعان الفلاسفة الاسلاميون على الدوام بالسلطة السياسية لحماية فكرهم من هجمة الفقهاء وعلماء الكلام ونجحوا احيانا وفشلوا أحيانا أخرى، كانت الغلبة للفقهاء ولعلماء الكلام في نهاية المطاف، وركن العقل الإسلامي الغوغائي لمقولاتهم ورضي بحدودهم وأسوارهم وباتت مهمة العقل ـ الذي أولاه الفلاسفة مكانة عليا وإرادة رفيعة لبلوغ المعرفة ـ تحقيق حقيقة الدين كما نقلها الأولون، والذب عنها بما أوتي من قوة موهوبة من الله تعالى في الأساس لمعرفة الحقيقة المطلقة ، حقيقة ممتلكةٍ بالتعَلّم والتبحر في العلوم الدينية دون سواها كونها الأساس والمقياس الأول والأخير، لا مناص من عرض المنتج العقلي عليها لتصويبه أو إنكاره، ولم يعد له ـ أي للعقل ـ من حاجة او سبل للبحث والنبش والكشف فيما خلف الظاهر ومقولاته المنقولة رغم قصورها عن تفسير الظواهر وتحليل نشأتها وتطورها، فلزم العقل المدرسي ـ السكولائي الإسلامي ـ نسق الدوران خلف الحقيقة المقررة سلفا بحدودها المقدرة يدور خلفها ما دارت، ولا يغادرها ولا يبحث خارجها، فما هنالك ـ أي خارجها ـ إلا الضلال والزندقة والإلحاد كما قرر علماء الكلام والفقهاء.
تميز الفلاسفة العرب ـ نسبة إلى اللغة التي كتبوا فيها باعتبارها لغة القرآن والدين ـ بقدرتهم الفذة على الانتقال بين العلوم الوضعية والشرعية واستيعابهم لعلوم الرياضيات والطب والهندسة قبل انتقالهم للاستغراق في ترجمة الفلسفة اليونانية من السريانية إلى العربية وتحديدا تلك التي ترجمت في أديرة سوريا، وفي مدرسة الرها التي سيكون لها دور بارز في حماية وحفظ الفلسفة الدينية عموما ( 15)
( ويقال أن جستنيان بعد أن تنصر أمر بإغلاق مدارس الفلسفة اليونانية الوثنية في الربع الأول من القرن السادس الميلادي ـ عام 529 م أمر بإغلاق مدرسة الإسكندرية ـ ، فهاجر من بقي من الفلاسفة إلى شمال العراق حيث استضافهم كسرى، ولكن السريان المسيحيين الذين تتلمذوا على هؤلاء الفلاسفة ظلوا يتدارسون مذاهب اليونان في نطاق العقيدة المسيحية وعنهم انتقلت الفسقة اليونانية إلى المسلمين ) ( 16 )
الأقانيم هي الأصول وهي كلمة رومانية
النُّسْطُورِيَّةُ: جماعة من المسيحيين ، تُخالِفُ بَقِيَّتَهُمْ، وهم أصحابُ نُسْطُورٍ الحكيمِ، الذي ظَهَرَ في زَمَنِ المأمون، وتَصَرَّفَ في الإِنْجِيلِ بِحُكْمِ رَأيِهِ، إِنَّ اللّهَ واحِدٌ ذو أقَانِيمَ ثلاثةٍ، وهو بالرُّومِيَّةِ نَسْطُورِسْ. 17
الفيلسوف اليوناني أفلوطين، ولد في العام 204 م، في مدينة ـ لايكو ـ ليقوبوليس أسيوط الحالية ـ في مصر، وتوفي في العام 270 م، في بلدة كامبانيا قرب روما؛ يعد المؤلف الرئيس للمدرسة الأفلاطونية الجديدة. نشأ في وسط متأثر بالفلسفة والعقائد الشرقية، وتتلمذ لمدة أحد عشر عامًا تقريبًا ( ما بين 232 م، و243 م) في الاسكندرية ما يشير إلى تأثره البالغ بالفلسفة الشرقية كما يفسر كثير من التشابه بين الفلسفة الفرعونية والإغريقية وربما بين الفرعونية والمسيحية ذاتها وعقيدة التثلث وكثير من اللاهوتية المسيحية ، على يد أمونيوس ساكاس الذي يمكن اعتباره المؤسس الفعلي للأفلاطونية الجديدة. عن هذه المرحلة من حياته، كتب تلميذه ومؤرخ سيرته بورفيريوس. جميع المعلومات المتوفرة عن الفيلسوف أفلوطين أتت من تلميذه فرفريوس ودونها في مقدمة كتاب التاسوعات لأفلوطين . أما كتابات أفلوطين في الميتافيزيقيا كان لها تأثير كبير على العديد من الفلسفات، والأديان : الوثنية، اليهودية، المسيحية، الإسلام، الصوفية.ـ 18
(ذكر أفلوطين في الثقافة العربية الإسلامية باسم الشيخ اليوناني فقد ذكره " السجستاني " المتوفى سنة 371 هـ في كتابه " صوان الحكمة " وأيضاً " الشهرستاني " المتوفى سنة 548 هـ في كتابه " الملل والنحل " وسبب تسميته بالشيخ اليوناني هو أنّ بعض تاسوعاته ترجمت إلى العربية منحولة على أرسطو لأن أفلوطين لم يخلف أثراً مكتوباً سوى " تاسوعاته " وكان تعليمه شفوياً وقد لعبت فلسفة أفلوطين دوراً بارزاً في التأثير في الفلسفة الإسلامية فقد ذكره الرازي في كتابه " مقالة فيما وراء الطبيعة " تحت اسم " فلوطينوس " وابن النديم في كتابه الفهرست ) 19 ـ .
لقد كان أفلوطين ومدرسته حاضرةً ومؤثرةً فيم مناخ الفلسفة الإسلامية .
تعتبر الأفلوطينية الحديثة المدرسة الأولى لفلسفة الأديان السماوية وخصوصا المسيحية (يقول (دين انج) ايضاً : " ان توما الاكويني هو اقرب الى فلسفة افلوطين من ارسطو" . وفي مكان اخر يقول " ان اهمية افلوطين ليست منحصرة في وضعه تركيب ثابت للفلسفة الميتافيزيقية لمدة 1500 سنة وإنما في فلسفته عن موضوع الجمال ايضاً. يقول الفيلسوف الانكليزي روسل: " ان افلوطين كان اكثر واضحاً من افلاطون وتلميذه ارسطو في وصفه للعلاقة الموجودة بين الجسد والروح او النفس")ـ 20 ـ
هذا المذهب الفلسفي الذ ي تشكل في القرن الثالث للميلاد متخذا من تعاليم أفلاطون والأفلاطونيين مبادئ أساسية له، إلا أنه بني مذهبا خاصا بها قام على الجمع بين مدرستين يونانيتين أصيلتين – الأرسطية والأفلاطونية – ويعد واضع أساس المذهب أفلوطين من أعلام القرن الثالث الميلادي ويعتبره البعض رابع أربعة من عظماء الفلاسفة اليونان وواحد من أهم أعلام مدرسة الإسكندرية التي تتلمذ فيها على يد أستاذه أمونيوس ساكس وتتلمذ عليه فور فوريوس حيث لم يكتب أفلوطين أي من كتبة وجمعها تلميذه وصنفها كرسائل وقدمها للعالم بستة أقسام وجعل في كل منها تسعة رسائل فسميت بالتاسوعات.
( يرى أفلوطين أنه على قمة الوجود يوجد " الواحد" – أي الله - وهو الخير بالذات الذي تصدر عنه الموجودات صدورا ضروريا عن طريق الفيض أو الإشعاع النوراني، ولذلك سميت هذه المدرسة بمدرسة الفيض، وسميت الأقانيم الصادرة عن الواحد بالفيوضات أو التجليات، وقد تأثر المسلمون بهذا المذهب سواء في فلسفتهم أو في تصوفهم، وسلسلة الفيوضات تبدأ بالعقل الكلي، حيث أن الواحد حينما يتجه إلى ذاته يصدر عنه هذا العقل، واتجاه الواحد إلى ذاته لا يفسر على انه اتجاه عارف إلى موضوع المعرفة بحيث تكون هناك إثنية بين الواحد والعقل الكلي، بل إن عملية التعقل أنما هي تعبير عن اتحاد العارف بموضوع معرفته)( 21)
لقد كان لهذه الرؤية التوحيدية تأثير كبير لدى مترجميها من علماء المسلمين ووجدوها قريبة من التصور الإسلامي للوجود، وهي ما سماها ابروقلس بالخير المحض وشرحها بعبارة "الخير الأول الذي يفيض الخيرات على الأشياء كلها فيضا واحدا، إلا أن كل واحد من الأشياء يقبل ذلك الفيضان على نحو كونه وأنيته. والخير الأول إنما صار يفيض الخيرات على الأشياء كلها بنوع واحد" تصورات وتأملات عقلية تبحث في كنه الوجود وماهية الرابطة بين العلة الأولى؛ العقل الفعال كما يدعوها الفارابي والعقول المنفعلة بها كما يدعوها ابن رشد، تحقق في طبيعة المعرفة بأُس الوجود، الواحد الأزلي الذي لا يصدر عنه سوى موجود واحد وازلي وهو عقل فياض ( وبما أنه مشتق فهو مركب وبما أنه بحد ذاته إمكان يتعين إذن أن نميز فيه معرفته بالمبدأ بوصفه أس وجوده ومعرفته بوجوده بوصفة إمكان، أي بمادته " فما المادة إلا الوجود بالقوة" ) ـ 22 ـ لم تكن رؤية الإسلاميين في القرننين الرابع والخامس للهجرة موحدة حيال ما نقلوه وما شرحوه عن سابقيهم اليونانيين، بل كانت المدارس الصوفية الإشراقية والمذاهب الفلسفية تتباين وتختلف فيما بينها بتفصيلات المسائل وتخريجات الإشكالات الناجمة عن رؤية أرسطية للكون، تتنافى مع صورة الكون التي تفرضها العقيدة الإسلامية، وبلغ كل من أعلام الفلسفة مكانا منفردا عمن سواه، إلا أن الجميع كانوا في المحصلة في دائرة واحدة، همها الأكبر التوفيق وتحقيق المكانة الضرورية لأعمال العقل ومعارف الحكمة والإشراق.
وجد علماء الحكمة الإسلاميون ضالتهم في تفسيرات الأفلوطونية المحدثة للعلة الأولى وصفاتها، وكانت طروحات ابروقلس ملائمة تماما لرؤية دينية مؤمنة تحتوي عناصر العقل والدين، وتقدم تعليلا للوجود ونشأته وسر استمراره ودوامه بتصورات شديدة القرب والتجلي من مشهد رباني إسلامي يحقق العلم والطمأنينة. لما وقف المسلمون على تلك العلوم كان واجبهم الأول بعد فهمها ونقلها استخلاص حقائق من جوه الدين ومن بواطن الآيات القرآنية، ولقد برعوا في ذلك بل وبزوا أقرانه في تجاوز أبحاث الماورائيات وإعطاء فسحة من الأمل في دين إنساني يقبل الجميع ويعالج إشكالات العبادة واختلاف المسميات.
قال ابروقلس: ( إن الخيرات إنما صارت إلى جميع الموجودات من العلة الأولى، فإذا اعتقدنا في هذه العلة أنها معدن الخيرات ومعطيتها ووصفناها بذلك، فقد أصبنا الحق بحسب ما يمكن في أنفسنا تصوره وذكرناها بما قدرنا من العبارة؛ فأما بحسب ما تستحقه فإن الأولى بنا أن نقول: إن هذا الوصف في غاية النقصان عن استحقاقه، وذلك مثل ما أورده أفلاطون فإنه قال إن المبدأ الأول وهو الإله الأول، أعلى وأشرف وأشد تعريفا من المعقولات ومن كل جوهر وأنه حق قائم بذاته فوق جميع الأشياء الموجودة، وشبه مثاله الذي لا تدركه الأوهام ولا تحيط به الأوصاف بأنه كما تكون الشمس في الأشياء المحسوسة كذلك الباري في الأشياء المعقولة. وقال أولى الأشياء التي يظن أنها لائقة بأوصافه هو أن يقال أنه لا يدرك ولا يعلم، لا الحواس تدركه ولا العقول تحيط به. ليس في الأسماء ما يليق به، ولا في الأوصاف ما ينبئ عن حقيقته، متفرد بذاته متعال بجوهره عن خلائقه، حق ثابت فوق كل علم عالم وقولنا فيه أنه الخير والوجود وتصيرنا ذلك في أسمائه؛ إنه لما كان أشرف الأشياء أسميناه بأشرف ما وجدنا عندنا من الأسماء لآن الذي هو لائق بجوهره يقصر عن كل وصف)ـ 23ـ لو تأملنا ذلك النص دون معرفة لقائله لما شككنا ولو لبرهة بأن قائلة واحد من علماء الحكمة في الأندلس أو من أقوال علمٍ من أعلام الفلسفة الإسلامية في القرن الثالث الهجري.
للنظر في الآيات (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الشورى الآية 11
(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)
سورة الأنعام الآية 103
( وفوق كل ذي علم عليم ) سورة يوسف الآية 76
( سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا) سورة الإسراء الآية 43
هل ياترى يمكننا ربط التعالي والعلو في القرآن بالترنستندالية الفلسفية للـ ـ الواحد ـ المنصوص عليها في الأفلوطونية الجديدة ؟
( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) سورة الأنبياء الآية 22
قراءة تلك الأيات توحي بكثير مما جاء في تحليلات فلسفية تطرقت لحققية الله وعلوه وسموه عن مخلوقاته عجز الخلائق عن الإحاطة به أو بعلمه، الواسع الكامل المحيط بكل شيء. وكما هو الحال بعلمه كذلك هو في صفاته واسمائه، فصفاته أشرف وأعز مما يستطيع البشر وصفة أو إدراكه، في حين أن علمه ومعرفته تدرك ما دونها وتعرف ماهية المخلوقات وصفاتها وعلمها.
ولعلنا نتلمس وحدة في التصور ورؤية متوافقة ترسمها الفلسفة اليونانية المتمثلة بمدرسة أو مذهب أفلوطين عن الله والكون والوجود والإنسان تعبر ضمن نسق ربوبي إلهي تعرفة الديانات السماوية، حتى أننا لنجد لدى الفلسفة اليهودية العربية – من العرب اليهود الذين كتبوا بالعبرية - ذات التأثر بالأفلا طونية المحدثة، فاسحاق الإسرائيلي يهودي من مصر ( من 845 – 940 م ) كان أفلاطونيا محدثا، كما هو حال اليهودي الأخر سعديا المصري الذي عاش جنوبي العراق، كما تطورت في اسبانيا زمن الحكم العربي الفلسفة اليهودية، حيث كتب سليمان بن جبرول ( 1020 – 1070 ) كتابه ينبوع الحياة واعتبر في القرن الثالث عشر واحدا من المصادر الرئيسة للأفلاطونية المحدثة. ذلك النسق متوفر في الفلسفة الاهوتية المسيحية أيضا بتاثرها بالفلاسفة العرب وبشروجهم وترجماتهم للنصوص اليونانية. لقد أصبحت في ذات السياق الموضوعات الرئيسة التي تهم الفلسفة هي (الله والخلق ورجوع النفس إلى الله عن طريق المعرفة والإشراق، أو بتعبير آخر إذا شئنا: الله العلة النموذجية والله العلة الغائية، وإن وجود الله هو بحد ذاته بداهة: بداهة بالنسبة للنفس التي إذا ما عرفت نفسها تعرفت فيها صورة الله والتي إذا ما عرفت الأشياء الناقصة، المركبة، المتحركة، وصلت من هنا بالذات إلى الوجود الكامل البسيط الثابت الذي لا تعدو أن تكون تلك الأشياء من معلولاته فالله كعلة نموذجية هو موضوع الميتافيزيقيا بحصر المعنى) ـ 24 ـ ( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) سورة فصلت الآية 53. لنتأمل المقاربة القرآنية المحازية لموضوع الفلسفة، في الاستدلال على الحق من خلال الإنسان والأكوان، وللنظر كيف عادت العلوم والمعارف كلها إلى الرب العلوي الشهيد على كل شيء. إلى هنا تتفق الديانات الثلاث والفلسفة، وتأبى الفلسفة الوقوف أو القيود وتنبذ الموت المعرفي وتستمر بنسق حداثية لا يقطع الصلة بالماضي تبقي الأبواب مشرعة لخوض غمار تجارب جديدة وفتح آفاق لعلوم غير معروفة. ويستمر كذلك فلاسفة معاصرون وحداثيون بخوض غمار البحث المتجدد ويبدعون في كسر عصى الوصاية على الله والدين.
نهاية الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع بعنوان : الأفلاطونية المحدثة نظرية الفيض:





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,468,020,410
- ابن رشد العقل المنفعل 2 من 4
- فلسفة الدين العقل الفعال 1 من 4
- في الإشراق الصوفي فلسفة وحدة الوجود
- في مسائل المعتزلة ، القانون الكلي ،الدلائل العقلية والأصول ا ...
- العبد ومولاه
- تعريف الثقافة وعلاقتها باللغة والهوية القومية، ملاحظات للنهض ...
- كأس ملطخة
- عالم بلا رأس أفضل للقاعدة، العصر الأوبامي الهزيل
- في وداع 2013
- أرحام تحترق
- بناء نظرية معرفة للإصلاح والتجديد
- مآلات السياسة الدولية في سوريا جرس الإنذار
- ملاحظات عن المعارضة السورية ، شروط وقواعد التفاوض
- استعراض الأحجية الروسية في سوريا
- قبل أن يسرقكِ العمر
- الهوس الجنسي والاستغلال السياسي بين جهاد المتعة وجهاد النكاح
- لا تستسلم !
- على ناصية أحزاني
- الموقف الروسي حجر الزاوية في الحدث السوري
- صراع الهوية وإشكالية الانتماء الكوردي العربي


المزيد.....




- سفير طهران في بريطانيا: ناقلة النفط الإيرانية تغادر جبل طارق ...
- تحالف المعارضة السوداني يحدد أعضاءه الخمسة في مجلس السيادة
- خطأ في نظام السلامة يتسبب في إغلاق وحدة محطة نووية روسية
- رجل يقتل نادلاً بمطعم في باريس لتأخره في تقديم شطيرة
- تحالف المعارضة السوداني يحدد أعضاءه الخمسة في مجلس السيادة
- خطأ في نظام السلامة يتسبب في إغلاق وحدة محطة نووية روسية
- في مصر.. الطائرات الورقية رزق للكبار وفرحة للصغار
- ردا على انتهاكات الأقصى.. الأردن يستدعي سفير إسرائيل
- بعد تصريح باكستاني... أفغانستان تتهم -إسلام آباد- بـ-سوء الن ...
- نتنياهو يهدد بشن حملة عسكرية واسعة على غزة


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - الفيلسوف أفلوطين الشيخ اليوناني وفلسفة الفيض 3 من 4