أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سيهانوك ديبو - في فلسفة العقد الاجتماعي ....الماهية والنشوء و التكون















المزيد.....



في فلسفة العقد الاجتماعي ....الماهية والنشوء و التكون


سيهانوك ديبو

الحوار المتمدن-العدد: 4373 - 2014 / 2 / 22 - 00:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في فلسفة العقد الاجتماعي ....الماهية والنشوء و التكون
سيهانوك ديبو

ليس من السهولة إعطاء معنى جامع مانع لمفهوم نظري كالعقد الاجتماعي ، لكن يبدو من الممكن و نظرا للضرورة المعرفية أن نعطي معنى أساس للظاهرة أي ما يخص جانب المعنى اللغوي و المدلول الكلامي و تعريفها و تلخيصها على النحو : الرغبة المجتمعية في الاتفاق على شيء معين أو أشياء معينة ينتج عنها و بالضرورة الرضى كنتيجة للاتفاق الصائر إليه طوعا بين العناصر المتعاقدة أو بين الأطراف الراغبة في التعاقد .
و لعل العقد الاجتماعي كمصطلح فلسفي متجذر في الفكر الإنساني قديم في تموجدات الفعل البشري المتنوع ، و إن لم يكن متبلورا بموضعية متخصصة أو مخصوصة ، فنلحظه قائم بآثاره في الفكر الفلسفي القديم أي حوالي 400 سنة قبل الميلاد ، و يُعتقد أن سقراط و في فلسفة الحق و الخير و الجمال قد نحى إلى عقد اجتماعي كي يتحقق الجمال و الخير و الحق ، و كذلك أن النتوءات المبزوغة في جمهورية أفلاطون الفاضلة ربما حملت البذور الأولى للعقد الاجتماعي ، كما أن له دلالات في مربع أرسطو في التقابل و التضاد بين المفاهيم و الكليات كنتيجة متفاعلة للأضلاع المربعة الأربعة .
و على المدى اللاحق للفلسفات المتحققة لم تتعدى دراساتها إلى العقد الاجتماعي الشكل السابق و الآنف كدلالات و إشارات كما أشار إليها معلمي الفلسفة الأولى .
لقد تمت دراسة مصطلح العقد الاجتماعي بشكل أكثر إسهابا متناولا كنه اللب المجتمعي للعقد الاجتماعي كنظرية علمية حتى مجيء ثلة من علماء الاجتماع أمثال توماس هوبز و جون لوك و جان جاك روسو ، ليغدو موضوعا أكثر خصوصية و من ثم كمفهوم أيديولوجي قائم بذاته و دافع من دوافع النظرية الثورية التي بدلت مجرى التاريخ و اندلاع الثورة الفرنسية في العام 1789
أولا- مفهوم الحق الطبيعي باعتباره أساسا للعقد الاجتماعي
الظلم و التوزيع غير العادل للثروة والتقسيم الطبقي و تفتيت المجتمع إلى طبقات أعلى و أدنى ، جعل الإنسان يفتش دوما عن الحق الضائع المسمى بالعدل ، و فكرة الخير أو العدل لا بد أن تكون متمرسة بمفاهيم كثيرة تحميها و تمنع الشرور و الآثام المتنشئة ، فكانت لفكرة الحق الطبيعي أو لفكرة القانون الطبيعي أن تظهر بفحوى أن الإنسان يخلق حرا و من ثم يُستعبَد و يتم تنظيم عملية أو عمليات الاستعباد و فق السلطة الممارسة بحق المجتمع . الإنسان كائن حر وفق القانون الطبيعي ، و هاجر الطبيعة لأنها كانت غير مؤدية لطموحاته الحرة ، مما دعاه أن ينتظم بشكل أكثر اجتماعا ، و لكن الانتظام و الاصطفاف و العيش ضمن الجماعة خلقت عنها شيئين : أولاهما الثروة و ثانيهما السلطة .
منذ الاجتماع البشري المنظم و الأول في المجتمع الزراعي الأول و حتى يومنا هذا ، شغلت فكرة الحق الطبيعي ضمن المجتمع اهتمام الباحثين و الفلاسفة و المفكرين ، و تعدى أن يكون مجرد اهتمام فرسموا ما أمكنوا لصورة مجتمع قائم على الفضيلة و العدل و الخير .
و لقد أسهمت هذه الفكرة بإحلال انتقال سلس منظم لفكرة الإنسان المتمسك بحقه الطبيعي ضمن المجتمع الموحش الأول إلى مجتمع أكثر تجددا و أكثر منتظما يحمي هذا الحق و يصونه وفق قواعد ثابتة و رؤى متشبعة بالمفهوم الطبيعي للحق ، ما يدفع العقل البشري المركون إلى أفق باهت وفقه إلى أنماط متجددة من العقل البشري سمته العامة أكثر استقرار . و التوازن الحاصل يشير باستمرار إلى إمكانية نتاج اجتماعي أكثر تنظيما و أكثر محافظة على الحق كضرورة .
الإنسان الأول الذي صارع قوى الطبيعة وفق حقه الطبيعي في العيش بعد مسايرة المجهول و الغامض منها ، هاجر مجتمعه المشاعي لاحتياج إلى مجتمع أكثر انتظاما ، و بعد أن أكد سيطرته إجمالا على تلك القوى واجه صراعا أكثر قساوة و أكثر ضراوة و هو الصراع مع الحكام و الملوك و الأباطرة في ظل نشوء مفهوم الدولة و السلطة و الثروة و الملكية الخاصة .
وفق السلطة المتكونة انقسم الإنسان مع أقرانه الداعون إلى انتظام ، انقسموا إلى طبقات متناقضة من السادة و العبيد ، الأحرار في الطبقة العليا و المقيدين في الطبقات السفلى ، نَحَتْ هذه المعادلة إلى المزيد من التمييز بفعل خاصية الدين ، و بالأخص عندما افترى الحكام للعبيد أن سلطتهم مستمدة من الإرادة الإلهية .
التناقض الصافي بين الطبقات أفرغت بدورها مساحات شاسعة من التصحر الفكري و المزيد من استلاب الإرادة ، لكن بقيت جينة الحق الطبيعي تتماشى و تنتقل في الفكر البشري أملا في الارتقاء و التخلص من المآسي . وفي هذه الفترة بالتحديد يؤكد الكثير من المفكرين و الباحثين أن الحق الطبيعي قد نال نصيبا واسعا و شرحا مستفيضا و لأول مرة على يد المفكر الهولندي ( غروسيوم 1583- 1645 ) : (....أن القانون الطبيعي هو قرار عقل سليم ينير في أمر من الأمور فحكم عليه بحسب مناسبته أو مخالفته للطبيعة العاقلة ، هل هو فاسد أخلاقيا أم غير فاسد ، و بالتالي هل هذا العمل هو واجب أم مخلوق من قبل الله خالق هذه الطبيعة ....)
خلافا لغروسيوم ، هناك رهط من المفكرين ادعوا أن مفهوم الحق الطبيعي ظهرت قبله بزمن ، بل أتت كنتيجة للتفسير الاقتصادي كعامل حاسم في تغيير مراحل التاريخ و العامل الاقتصادي الملتزم من قبل الفكر العلماني الذي يفصل بين الطبيعة و الحقوق و الدين ، نتيجة أن المعرفة الجديدة للطبيعة و تسخيرها كعائد اقتصادي مُراكِم للثروة و فيما بعد للسلطة ، مما أوجب عد الاقتصاد كبعد جديد للحق الطبيعي و مفسر له في الآن الواحد ، و من وجهة النظرة الاقتصادية هذه في تفسير و إعداد الحق الطبيعي و المتمثل بالثروة و الملكية الخاصة كحق طبيعي ، أن الإنسان في العهود الغابرة القديمة ، لم يحتاج إلى التملك كونه لم يعيش بشكل اجتماعي ، الاقتصاد أبرز اصطفافا و أحوج العمليات المجتمعية للانتظام ، كونه يخلق منفعة . الفهم الصائر إليه عُدّ الحق الطبيعي به كحق واجب و مكتسب بحالتها الطبيعية .
و التجمعات البشرية الأكثر تعقيدا و المنتظمة بشكل أكبر و بشكل أكثر فاعلية من حالة الفرد الطبيعي إلى حالة المجتمع المنتظم ، تلك التجمعات البشرية أرادات أن تتقلص مرة أخرى و بشكل مجتمعات مغلقة إلى حالة أقل كثافة و هي ما سميت فيما بعد بالحالة القومية و وفقها تبررت الطموحات القومية و بررت معها حروبها و عدائها إلى المجتمعات التي انقسمت منها .
أما السويدي ( بوفندورف 1632 – 1694) فقد رأى أن الحق الطبيعي أو القانون الطبيعي يستمد شرعيته من السلطة الممارسة بها ، و هذه السلطة الموحاة من قبل الله لإجبار الناس على قبول الاستبداد و التسلط الممارس بحقهم ، لقد كان مؤرخا للملكية السويدية و تبريرا بارعا لسلطة الملكية المطلقة آنذاك ، قائلا : ( .....إن الحق الطبيعي هو شرع ضروري لا يتغير استمده العقل من طبيعة الأشياء ، و أن دور السلطة هو وضع القوانين التي تهدف إلى التقييد بالحق ...)
و فرانسيس باكون أيضا من ناصر الامتياز الملكي دون أن يكون من أنصار الحكم المطلق .
لم يختلف توماس سميث ما قاله باكون ، فحاول تشريع السلطة و الحكم المطلق وفق كتابه ( الجمهورية الانكليزية الذي صدر عام 1583 ) فقد أشار في كتابه إلى وجوب توزيع السلطة إلى ثلاثة مناحي : بقاء الملك كرأس النظام السياسي ، و وجود البرلمان الذي يحكم . و لا شك أن تصورات توماس سميث تعد من الأسس الدستورية المبكرة استمد علماء القانون من رؤاه دساتيرهم و بالأخص الرؤية المتعلقة بفصل السلطات .
مما تقدم ذكره نلحظ أن القانون الطبيعي لا يمكن حصره أو رصده في بوتقة فكرية اجتماعية واحدة ، بل نلحظ أن هناك تعارضا في المفهوم لشرحه و الوصول إليه مجددا ، إلا أنه و برغم التعارضات و الاختلافات السابقة للرؤى و المناهج الفلسفية و الاجتماعية و القانونية التي تناولت نظرية الحق الطبيعي يمكن شمل أهم النقاط الأساسية و المرتكزات الفكرية للمفهوم وفق ما يلي : إن الحق و الصواب أمران طبيعيان و ليسا من اختراع الإنسان و ابتداعاته ، فهما موجودان و ليسا مموجدين ، و عليه فإن الحق العام و الذي يمارسه و يحافظ عليه المختصون في القضاء العام قد يمارسون التفصيلات المؤدية إلى القانون العام بشكل خاطئ من خلال حكم جائر و غير عادل ، وهذه النتيجة تخرج من بطون العقد الاجتماعي و تتشكل خارجه و على هامشه ، أي أن السلطة المتكونة لا تستطيع أن تفرض قانونا يُعَدُّ فيما بعد قانونا طبيعيا لسبب بسيط أن الحق الطبيعي أو القانون الطبيعي يخالف القانون الوضعي مخالفة بائنة فالأخير مستَمد من السلطة و ليس من الضرورة من الحق .
و بالرغم من الآراء السابقة و المختلفة في تفسير الحق الطبيعي ، لا يمنع هذا الاختلاف أن يكون للقانون الطبيعي ثوابت يرتكز إليها و تتعكز عليها في الجانب الممارساتي ، و لعله و من أبرز هذه الثوابت :
1- إن الأساس الفكري للقانون الطبيعي كمصدر من مصادر القوة و كمفهوم ثابت يعلو القانون الوضعي البشري و تشريعاته اللاحقة .
2- الحق الطبيعي يعلو الحق الوضعي و يسبقه، و يكون الملهم للإنسان للتخلص من السلطة الجائرة و من شر تقسيم الطبقات التي تنشأ إثره، و الثورة الواجبة هنا كمفهوم انقلابي يمجد الحق الطبيعي الثابت للإنساب و تعيده إلى مراكزه الأولى التي تسلط عليها الوضعي بفعل الرغائب السلطوية .
3- إن كافة التبريرات الحاصلة و المتكونة بفعل القانون الوضعي قد أربكت الإنسانية و خلقت أنفاقا مظلمة و جورا بحق الإنسان الطبيعي المكتسب من الطبيعة ، و التطورات الاقتصادية و الثقافية و السياسية و حتى الحضارية تأتت على حساب فقر و تجويع طبقات كثيرة ، فكان لا بد للإنسان و فق حقه الطبيعي أن يثور و يطالب بالثائر لظلّامه .
4- الهروب من المجتمعات الأولية الفردية والاجتماع اللاحق طوعا في مجتمعات أكثر تعقيدا و استفادة ، كان الهدف منه أساسا حمل الحق الطبيعي لرسم نظام اجتماعي عالمي يمجد الحقوق الثابتة للفرد ضمن المنظومة المجتمعية العليا .


ثانيا – رؤية توماس هوبز إلى العقد الاجتماعي :
اتضحت معالم فلسفة هوبز عام 1640 خلال كتاب نشره ( مبادىء القانون الطبيعي السياسي ) تأثر فيها بالثورة البرجوازية في القرن السابع عشر ، و بعدها بعشر سنوات نشر كتابا آخر ( لاوثيان ) و هو التنين الهائل المذكور في سِفر أيوب ، و يريد هوبز وفق فلسفته الحكم المطلق و النظر إليها كأساس متأسس للنظام الاجتماعي فدافع عن السلطة الملكية في بريطانيا .
تتلخص فلسفة هوبز في العقد الاجتماعي من خلال كتابه " لاوثيان- التنين " و كانت نظرته متمثلة في أن الإنسان في بداية نشوئه كان يعيش حياة بائسة تسودها الفوضى و الاحتراب و الاقتتال و البطش شأنه شأن الحيوانات المفترسة ، و نتيجة للبؤس المستشري فقد رأى الإنسان أنه حتى يحافظ على حياته لا بد من العيش مع أقرانه وفق تنظيم اجتماعي يسميه العقد الاجتماعي و من خلال هذا العقد يتنازل الإنسان عن كافة حقوقه الطبيعية للسلطة الناشئة وفق حاجة التنظيم ، ويسميها القوة المجتمعية المتمثلة بفرد أو ملك أو سلطان ، و هذا القوي ( التنين ) يسن القانون وفق مشيئته و يتمتع بصلاحيات غير مقيدة ، و هذه السمات التنينية متحصلة لأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان و أن الكل في لحظة غير مقوننة و في لحظة فوضى لا حكم لحكومة فيها يخوض حربا ضد الجميع .
هذه الرؤية تأسست عند هوبز لأنه عايش الحرب الأهلية الانكليزية و استنتج من خلال رؤيته أن الإنسان لا يمكن أن يحكم نفسه ذاتيا ، و الحالة الطبيعية التي عاشها الإنسان استوجبت الحروب و الكوارث و الويلات ، و مع انتفاء سلطة قوية لا يمكن أن تعتدل حياة الإنسان الطبيعي ، فرغبة الإنسان نفسه بالأمان و التمتع بمزايا القانون أجبره أن يتنازل عن حقوقه الطبيعية وفق عقد أو اتفاق للتنين ( السلطة ) الذي يمنع من حصول الفوضى التي تمتع بها الإنسان الطبيعي ، و التنظيم الذي يلحقه إثر هذا العقد الاجتماعي .
الحق الطبيعي وفق فلسفة هوبز هو حق موجود ، وللإنسان وفق هذا الحق يكون متساو مع قرينه فيخلق حالة الحذر و حالة الحذر القلقة تؤدي إلى الحروب و بالتالي الحياة القصيرة و الكريهة ، و بالتالي ليس هنالك متسع من الوقت و المكان للعمل الكادح لأن ثمرة ذلك غير محققة .
و الحق الطبيعي بالنسبة لهوبز هو مجرد صلة موصولة بغريزة البقاء ، و حرية الفرد لا بد أن تكون مصانة من أجل حفظ طبقته الخاصة أو الطبيعة الذاتية للفرد ، و ليس للبشر أفضل من إقامة عقد فيما بينهم يسلمون حقوقهم الاجتماعية إلى السلطة مقابل الأمان و الحفاظ على النوع البشري . و المجتمع السياسي هنا ثمرة اصطناعية وفق العقد الناشئ و ليس واقعة طبيعية ، و العقد الاجتماعي أو المجتمعي ليس بين الناس و التنين " الملك " و إنما بين الناس أنفسهم لتنصيب ملكا " تنينا " عليهم يجلب لهم سيادة القانون و طمأنينة الناس وفق القوة التي يتمتع بها الملك . أي أن السلطة المطلقة ناشئة عن عقد اختياري عقلي وفق مصلحة و غائية تجلب الخير للطرفين الملك من جهة و الشعب من جهة أخرى .
و يعتقد هنا أن الدولة الأكثر تسلطا يعرف فيها الفرد أكمل تطوره ، أنه يجد فيها مصلحته و سعادته و لذته و رفاهيته .
وفق فلسفة هوبز العقلية رفض الفلسفات الميتافيزيقية " كل شيء غير عقلي اعتبره ميتافيزيقي " بشكلها العام و بالأخص الفلسفة الأرسطية التي تعتمد الإيمان بالفكرة الطبيعية الفطرية ، و رفض هوبز أيضا الطبيعة الحرة و أسماها الفوضى ، و رفض فيما بعد كل ما هو غير طبيعي ، فكان يؤكد إلى ضرورة أهمية التعاريف و الحدود و الإشارات و اللغة ، و أراد بها كل ناشئ عن احتكام عقلي محاربة القوى الخفية و الأشباح و التي عرفها البشر في عهودهم الموحشة نتيجة قلق بشري فكانت الحاجة إلى الدين و ظهوره كفكرة للتخلص من الألم المتكاثر على البشر .
و لعلنا نلحظ أن المبتغى الأساس من فلسفة هوبز و رؤاه إلى التعاقد الاجتماعي ليتوصل إلى نتيجة مفادها أن الإنسان الكلي يحمل في شخصيته جانبان متناقضان العقل و الطبيعة " الهوى " ، و سيادة الهوى جعل الإنسان يغرق في الحياة الطبيعية و مع تنامي العقل في شخصيته ينحى باتجاه آخر و هو ضرورة العقد الاجتماعي لصالح الملك ( السلطة المطلقة ) مقابل ضمان السلم و الطمأنينة البشرية و ألاّ يعود البشر إلى الخصام و التنابذ .
دفاع هوبز المبالغ به جدا عن السلطة حدا به أن يتجنب الصراع مع الدين بل استخدمه كي يرسخ السلطة المطلقة ، فيرى أن دين الدولة واجب محتوم على كل إنسان يعيش في هذه الدولة ، و الدين وفقه ظاهرة طبيعية و هي ليست فلسفة و لكن شريعة لا تتحمل المناقشة بل تقضي الطاعة ، و إلى هذا الحد من الاستبداد يذهب هوبز حتى يدعم الحكم المطلق الوضعي و يجعل منه حكم القانون الطبيعي المتطور .
يعتقد هوبز وفق رؤيته أن العقد الاجتماعي عقد طبيعي خاصة بطبيعة الإنسان مع أقرانه البشر ، يتم الاتفاق بينهم لجمع قوتهم و التنازل للملك الخارج عن العقد .
ثالثا – رؤية جون لوك في العقد الاجتماعي
تتركز فلسفة جون لوك على الجانب العقلي في تفسير كل ما يفعله الإنسان فيؤكد خلالها أن الإنسان يخلق دون مورثات عقلية ، و أن مصدر المعرفة الإنسية هي الفطرة التي تكتسب و تتصقل بالخبرات العقلية ، و الجانب التربوي التعليمي عنده حاسمة و نوع التربية و التعليم المتلقى تجعل التمايزات بين الإنسان .
يختلف لوك مع هوبز في كينونة النظرة السوداوية المتوحشة إلى الطبيعة ، فللإنسان حسبه حقوق مطلقة طبيعية تخلق معه و لا يخلقها له المجتمع ، و يتمثل الحق الطبيعي عند لوك إن حق الإنسان أن يكون حرا و هذا مبدأ طبيعي لا يتخلى عنه الإنسان طواعية و بالسهولة ، و بالتالي أن الإنسان الحر يتعامل مع آخر حر و مثله مما يخلق حالة متقدمة من المساواة ، و هذه العلاقات الطبيعية سابقة للقانون الوضعي ، و تبقى حتى في زوال القانون الوضعي ، و المجتمع الطبيعي يسبق المجتمع المدني و يؤسس له على الدوام ، و علة هذه الأسبقية وعلة الدوام وفق لوك تتمثل في الملكية الخاصة التي اكتسبها الإنسان الحر و من خلال كدحه و عقله الذي استوجب هذه الملكية . فحق الملكية حق طبيعي يؤسس المالك على أساس العمل ، و مقدار الكدح المنجز ، فلا تستمد الملكية الخاصة وفق القانون الوضعي أو حيازة رسمية و من أجل ضمان الملكية التي تتناسب مع خصائص الإنسان الطبيعية خرج الإنسان طواعية و ليس قهرا من المجتمع الطبيعي إلى المجتمع المدني ، غاية الإنسان القصوى الحفاظ على الملكية الخاصة ، فيتعاقد البشر وفق ذلك بل و يحتاجون إلى عقد اجتماعي خاصته الإرادة و التشريع و القانون و ليس الحكم وحده ، فالحكام وفق لوك هم مجرد إداريون في خدمة الجماعة ، و الانتقال الإنسي من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية الوضعية تُفسر حسب لوك لعدم وجود قوانين ناظمة في الحياة الطبيعية و عدم وجود سلطة لهذه القوانين تتناسب مع الإنسان ( الحاذق العاقل )بمواجهة الإنسان ( اللاحاذق اللاعاقل ) كنتيجة مستوجبة و أساسية تُظْهِر القانون الوضعي الذي يؤسس للدولة العادلة و للحكومة الصالحة ، فالدولة هنا و وفق لوك و خلافا لهوبز تقوم على أساس عقد أو اتفاق واع و عقلاني بين الحاكم و المحكوم ، و أن البرلمان المنتخب و المتشكل و الذي يناسب إرادة " الإنسان الحاذق العاقل " ، هذا البرلمان قد يختلف مع الملك في أمور سياسية معينة حينها لا بد الالتزام للبرلمان لا للملك . و خلاف هوبز أيضا يرى لوك أن الإنسان الطبيعي عاقل غير متوحش و دليل ذلك الالتجاء إلى العقد الاجتماعي من أجل سلطة قوية تضمن حقوق الأفراد و حقوق ملكيته الخاصة بشرط أن لا تكون الحكومة تعسفية و متسلطة ، و لكي لا تكون كذلك لا بد من تقسيم الحكومة الناشئة إلى تشريعية و تنفيذية و اتحادية .
وعدم استطاعة الناس إلى حماية مجتمعهم الطبيعي جعلهم وفق قناعة لوك بالتعاقد فيما بينهم و تشكيلهم لحكومة تمثلهم و تدافع عن حقوقهم . أي وفق عقد اجتماعي مشروط ، طرفيه مخلوقات عاقلة مدركة تستحق الحرية الطبيعية و الحرية الاجتماعية و الحرية السياسية .
رابعا – رأي جان جاك روسو بالعقد الاجتماعي
يُجمع الكثير من الفلاسفة و الكثير من علماء الاجتماع أن الفكر الاجتماعي السياسي الحديث و الذي يؤثث على أسس فلسفية و اجتماعية و سياسية سابقة لها ، و عند مسائلة الفكر الحداثي المتشكل في الفكر الحديث لا بد وقوفا في محطة التمدد و التوسع و التطور الحادثة بالجديد الذي أدخله جان جاك روسو في هذا المجال من خلال النظرية التي استحدثها و بيّنها في البحث السياسي .
يعتبر روسو من أبرز فلاسفة عصر الأنوار و الاتجاه المساواتي ، و أفكاره التي انتقدت الحياة السياسية في كل أوربا و بالتحديد في فرنسا وَسَمِتْ هذه الأفكار الحداثة الفكرية ، و جُمّلت أنها أفكار راهنية تحضر الروح الفكرية المتقدة في التحليل السياسي للفلسفة المعاصرة
وإيمانويل كانط الذي أكد فضل جون جاك روسو على تفكيره السياسي بحيث يقول:" مضى زمن كنت أعتبر البحث عن الحقيقة وحده كاف لأن يكون شرف الإنسانية ؛ وكنت أحتقر الإنسان العادي الذي لا يعرف شيئا؛ وقد دفعني روسو على الطريق المستقيم؛ لقد تلاشى هذا الحكم الأعمى وتعلمت احترام الطبيعة الإنسانية، ولقد اعتبرت نفسي أقل فائدة بكثير من العامل البسيط ، إذ لم أعتبر أن فلسفتي من الممكن أن تساعد البشر على إثبات حقوقه الإنسانية" .

إن رأي روسو حول العقد الإجتماعي الذي يشكل الصيغة الأُنسية المثلى لبناء المجتمع الحديث المتمتع بالحرية و المساواة و العدل . و الملاحظ أن فلسفته ومواقفه السياسية تعتبر بمثابة الرفض لسلطة الحكم المطلق و سلطة الوصاية التي فرضتها الكنيسة على كل مفاصل الحياة الاجتماعية و السياسية و الفكرية آنذاك ، فنلحظ أن الاهتمام الأقصى الذي بذله روسو مع كل مفكري عصر الأنوار هو التنظير للفكر البرجوازي و قد وضعوا صوب اهتماماتهم نقد وتقويض دعائم النظام الفيودالي و ما هو مرتبط بها من أحزاب سياسية و تنظيمات دينية مروجة للفكر الفيودالي الذي سيطر على الحياة العامة في جميع المستويات الاقتصادية والسياسية .فأكدوا البراديغما الذي تحكم في أفكار فلسفاتهم و أدبياتهم و مقالاتهم .

و الحالة الوضعية التي تميز بها المجتمع الفرنسي الراكد و بكل مناحيها السياسية و الفكرية و الاجتماعية و الثقافية ، و سيطرة الفكر و السلطة الكنسية دفع روسو إلى الرفض و النقد الجذري لتلك الحالة الوضعية المزرية و اعتبار الحالة الطبيعية هي مرحلة ذهبية في حياة الإنسان بما تمثله من رغبة في الحياة، والحرية وبساطة العيش .

تكمن أهمية النظرية السياسية عند روسو و خاصة في أطروحته " العقد الاجتماعي " كونها نظرية فلسفية أسست و أكد خلالها على ديناميكية المجتمع من خلال ديمقراطيته ، و يجمع العديد من الباحثين أن نظرية روسو في العقد الاجتماعي شكلت الأساس النظري في حقوق الإنسان لاحقا عقب اندلاع الثورة الفرنسية في العام 1789

يقول جون جاك روسو" إن البشر في حالة ليسوا لا صالحين ولا أشرارا، إذ لا تجمع بينهم أية علاقة أخلاقية أو واجبات مشتركة"، وهنا يتعارض مع هوبز الذي يعتقد بأن الإنسان الطبيعي شرير بطبعه لأنه لا يمتلك أي فكرة عن الخير والشر مفطور على تحقيق رغباته وتلبية شهواته .و الشرور التي حدثت فيما بعد أي عند انتقال الإنسان من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية ،و التقدم و التطور الذي أحدثته الملكية الخاصة نمت المفاسد و كبرت مع الملكية كل الشرور ، حيث يؤكد روسو في كتابه أصل التفاوت بين البشر على " أن أفراد المجتمع قد عاشوا أحرارا وصالحين طالما قنعوا بكوخهم البسيط، واكتفوا بلباس الجلود ثيابا وبالريش زينة ؛ أي طالما لم ينشغلوا إلا بالأعمال التي في مقدور فرد واحد القيام بها، لكن ما أن راودت الإنسان حاجة إلى أن يؤازره أخر حتى اختفت المساواة وظهرت الملكية وغدا العمل ضروريا".
و الملكية الخاصة الناتجة عن المصلحة الشخصية الفردية و التي انقلبت على حالة الفرد الطبيعي كانت سبب التدهور البشري الحاصل ، فالاجتماع حسب روسو تأسس على المصلحة الخاصة و ليست العامة ، و نزوع البشر إلى الحالة المدنية لحفاظ مصالحهم الخاصة ، يقول روسو: " إن أول من سيج أرضا وقال هذا ملك لي، ووجد أناسا يصدقونه كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني" لكن ليس المجتمع المدني بالمعنى الذي نداوله حاليا لكن التجمع الإنساني.
يذهب روسو إلى اعتبارا الملكية عامل سلبي في تاريخ الإنسانية إذ أن ملكية الأرض تولد اللامساواة ويؤدي إلى صراع المصالح والاستغلال والعبودية .
والحقيقة أن كتاب روسو في " أصل التفاوت بين البشر" يدعو و لو بشكل ضمني إلى التملك العام للأرض و بشكل جماعي و ليس بشكل فردي ، فالحالة المدنية أو الحق الوضعي المكتسب عن الحالة الطبيعية لا تتعارض بالتملك العام للملكية ، و المفكرين و الفلاسفة الماركسيين قد اقتربت أفكارهم بفلسفة روسو ما يخص أصل الملكية و في التفاوت و الصراع الطبقي ، و تحديد العامل الاقتصادي ( الملكية الخاصة نموذجا ) كعامل مؤثر للحياة و العلاقات الاجتماعية.

ولقد تمت الإشارة إلى أن روسو قد وجه انتقادات لاذعة للعلاقات الاجتماعية القائمة في كتابه (في اللامساواة ),لكن يمكن القول إن موقفه السياسي بقي في النهاية واحدا,فهو يقول في مطلع كتابه (في اللامساواة) :"لقد ولد الإنسان حرا,لكنه كبل بالأصفاد في كل مكان "وينهي هذا الكتاب بإقامة معارضة بين العقد الاجتماعي وقوانين اللامساواة القائمة فعلا.
تتمحور فلسفة روسو الأساسية في كتابه العقد الاجتماعي و يرى أن الحرية هي أساس الحق و أن أي تجمع بشري مدني أو أية سلطة ناشئة عن هذا التجمع يمكن أن تكون شرعية بقدر محافظتها على الحرية الفردية و الحرية المجتمعية و ضمان السلم و الأمن إلى جانب الحرية ، فالإنسان في الحالة الطبيعية يكون حر بشكل لا محدود بسبب عدم وجود المسؤوليات و الالتزامات في الحالة الطبيعية ، و ما أن انتقل الإنسان من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية أو الاجتماعية أو الوضعية يخسر تلك الحرية و يربح الحرية المدنية ، و يضمن هذه الحرية من خلال ميثاق عام و اتفاق عام ينشأ من خلاله المجتمع و ينتظم وفق الميثاق المعهود اللاحق للاجتماع ، و فحوى العقد الاجتماعي الناشئ تجعل السلطة وفق روسو شرعية .

يقول روسو في العقد الاجتماعي " يضع كل واحد منا شخصه وكامل طاقاته تحت الإمرة العليا للإرادة العامة، ويعامل كل عضو على أنه جزء لا يتجزأ من الكلام و أن كل قانون لم يصادق عليه الشعب شخصيا هو بحكم اللاغي وما هو بقانون"
بيّن روسو في أكثر من موقع له أن الاقتراع العام شكل متقدم لكن ليس وحيد عن الإرادة العامة ، و أن القانون هو تعبير مكثف عن الإرادة العامة و التي تشكل نوعا مسئولا عن الحرية العامة في المجتمع المدني و من خلال الحرية التشاركية يصون المجتمع وفقه و يتحصن ، و السلطة الناجمة وفق القانون لا تتجزأ عن الحرية المجتمعية التي اتفقت على هذه السلطة الإدارية للمجتمع ذاته

وفي هذا الإطار ينتقد روسو نظرية مونتسكيو في الفصل بين السلطات,فالإرادة العامة هي التي تتخذ القرارات ذات الأثر العام,أي القوانين.ويتجلى عمل السلطة التنفيذية في كونها المتصرفة بالقوة العامة ,وهي التي تتكفل بتنفيذ القوانين,إذ أن كل عقد يحد من سلطة الشعب المطلقة يقوض أساس الميثاق الاجتماعي.فروسو يضع ثقته الكاملة في الأفراد الذين لا تحركهم سوى المصلحة المشتركة و الرؤية المجتمعية المتحددة و المتفاعلة مع الإرادة العامة للمجتمع الذي اختاره بنفسه
وتبرز قيمة وراهنيه العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو في كونها فتحت أفقا جديدا للتفكير في الشؤون السياسية للمجتمعات، فنلاحظ أن روسو يحدد في كتابه " أسس ميتافيزيقا الأخلاق " مجموعة من القواعد الأخلاقية المجتمعية المؤسسة للفعل السياسي والقانوني ، يركز فيها أن الفرد الذاتي و الحر و المثالي و المسئول و المنتمي إلى قضايا مجتمعه يستطيع أن يكوِّن مجتمعا كاملا ، و يمكن تجميلها في ثلاثة صيغ:
- " اعمل دائما بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانونا كليا للطبيعة"
- " اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص الآخرين كغاية لا كمجرد وسيلة"
- " اعمل دائما بحيث تكون إرادتك باعتبارك كائنا ناطقا هي الإرادة المشرعة الكلية"
الإنسان الكلي الذي يحاول إيجاده وفق هذه القواعد ( قوانين ثابتة ) يعتبر بمثابة الاستدلال على مبدأ العدالة الاجتماعية في العقد الاجتماعي ، و العدالة تتكون عندما تكون لاحقة للفعل المجتمعي المنعقد عليه و من أجله تم و اجتمع و اتفق و عقد " مبدأ أو قانون الحرية "
" طاعة القانون الذي يعينه الإنسان لنفسه" .

خامساً- رؤية أوجلان في العقد الاجتماعي
يعتقد أوجلان و في كل مرافعاته و خاصة في الجزأين الأول و الثاني من مجلد: من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية، أن ذهنية الإنسان الثائر، قد كانت وراء تطوره و ليس فقط من المجتمع الطبيعي إلى المجتمع النوعي positive" "، و إنما كان السبب وراء تشكل أولى نويّات الحضارة في الميزوبوتاميا و التي سماها أوجلان( مجتمع الكلان) و الذي تطور إلى القبيلة و العشيرة و حتى ظهور المجتمعات البسيطة و المعقدة الحالية.
إن تقسيم المجتمع بشكل عام و المجتمع الطبقي بشكل خاص( الملكية كانت السبب و الشاهد في الوقت نفسه على ظهور المجتمع الطبقي)إلى مراحل تتضمن تكاملا منتظما داخل المجتمع، رغم كونه ضروريا لما يقتضيه الجوهر، فأنه يجلب معه محذورات هامة، و هناك جدل يتعلق بالنهج الذي يتم فيه تناول هذه الظواهر، و جدل حول المعايير الأساسية الواجب الاعتماد عليها أثناء اجراء هذا التقسيم، إذ من الممكن أن يؤدي الاعتماد على العوامل المختلفة إلى اجراء تقسيمات متنوعة بل و متناقضة فيما بينها.
الذهنية الثائرة التي لم ترتضى عن حالتها الموجودة تمكنت و بعد سلسلة اخفاقات، و هذه الاخفاقات ظهرت في الحروب التي عاشها الإنسان في المجتمع الطبيعي، و أدت إلى وجود احتراب بين المجتمعات المسيّرة الذاتية، و لكن دون وجود نظام دفاع ذاتي يضمن لها الدوام، و هذا بدوره يعود إلى عدم اختمار و تشريب الذهنية بالتجربة المطلوبة، الانتقال نحو المجتمع الوضعي، سببته عدمية الموجودات النفعية و المتعلقة بتأمين الحاجات الأنسية و المتعلقة ذاتها إلى علة عدم وجود " ضامن الاستقرار الجمعي" و المقصود منه بالعقد الاجتماعي، فنشوء و الوصول إلى العقد الاجتماعي سبّبتها الذهنية العضوية أو الثائرة من حالة عدم استقرار إلى استقرار جزئي يتبعه كلي، آلية الانتقال يكمن في الأمة الديمقراطية، و التي يعتبرها أوجلان بمثابة العقد الاجتماعي الكبير للشرق الأوسط المختل توازنه، و بحثه الدؤوب عن الحل الديمقراطي و(..... الحل الديمقراطي في صُلبِه يُدَلِّلُ على كينونة الأمة الديمقراطية، وعلى ظاهرةِ إنشاءِ المجتمعِ لذاتِه كمجتمعٍ وطنيٍّ ديمقراطيّ. أي إنه لا يعني التحولَ إلى أمةٍ أو الخروجَ منها على يدِ الدولة. بل يعني انتفاعَ المجتمعِ بذاتِ نفسِه من حقِّه في إنشاءِ نفسِه كأمةٍ ديمقراطية. والحالُ هذه، يتعينُ إعادةُ تعريفِ الأمة. يتوجبُ أولاً الإشارةُ إلى عدمِ وجودِ تعريفٍ واحدٍ فقط للأمة. فلدى إنشائِها بِيَدِ الدولةِ القومية، فإنّ أعمَّ تعريفٍ للأمةِ هو أنها أمةُ الدولة. وإذا كان الاقتصادُ هو العاملُ المُوَحِّدُ لصفوفِها، فبالمقدورِ تسميتُها بأمةِ السوق. في حين إنّ الأمةَ التي يَسُودُ فيها القانون هي أمةُ القانون. كما وبالمستطاعِ إطلاقُ تسمياتِ الأمةِ السياسيةِ والأمةِ الثقافيةِ أيضاً. أما المجتمعُ الذي يُوحِّدُه الدين، فيُسمى بالأساسِ مِلّة. والأمةُ هي مجموعُ المِلَلُ المنضويةُ تحت شمسيةِ الدينِ عينِه الذي يُوَحِّدُها. أما الأمةُ الديمقراطية، فهي المجتمعُ المشتركُ الذي يُكَوِّنُه الأفرادُ الأحرارُ والمجموعاتُ الحرةُ بإرادتِهم الذاتية. والقوةُ اللاحمةُ والمُوَحِّدةُ في الأمةِ الديمقراطية، هي الإرادةُ الحرةُ لأفرادِ ومجموعاتِ المجتمعِ الذي قرَّرَ الانتماءَ إلى نفسِ الأمة. بينما المفهومُ الذي يربطُ بين الأمةِ والاشتراكِ في اللغةِ والثقافةِ والسوقِ والتاريخِ، فهو يُعَرِّفُ أمةَ الدولة، والتي لا يُمكنُ تعميمُها، أي طرحُها كمفهومٍ وحيدٍ ومطلقٍ للأمة. ومفهومُ الأمةِ هذا، والذي يتبنى الاشتراكيةَ المشيدة؛ هو مضادٌّ للأمةِ الديمقراطية. ونخصُّ بالذِّكرِ أنّ هذا التعريفَ الذي صاغَه ستالين بشأنِ روسيا السوفييتية، هو أحدُ أهمِّ الأسبابِ الكامنةِ وراء انهيارِ الاتحادِ السوفييتيّ. وإذ ما لَم يتحققْ تخطي تعريفِ الأمةِ هذا الذي صبغَته الحداثةُ الرأسماليةُ بالطابعِ المطلق، فإنّ حلَّ القضايا الوطنيةِ سيستمرُّ في المعاناةِ من حالةِ تأزمٍ لا مخرجَ منها بكلِّ معنى الكلمة. وكونُ القضايا الوطنيةِ لا تنفكُّ مستمرةً حتى الآن وبكلِّ وطأتِها طيلةَ سياقٍ يمتدُّ لأكثر من ثلاثةِ قرونٍ بأكملِها، إنما هو على علاقةٍ كثيبةٍ بهذا التعريفِ الناقصِ والمطلق.
وهذا النمطُ من المجتمعاتِ الوطنيةِ التي قُدِّرَ لها الخضوعُ لحدودِ الدولةِ القوميةِ الصارمة، والتي تغلغلَت السلطةُ حتى أدقِّ خلاياها؛ كادت تصبحُ ساذجةً ومغفلةً بقصفِها بالأيديولوجياتِ القومويةِ والدينويةِ والجنسويةِ والوضعية. أي إنّ موديلَ الدولةِ القوميةِ بالنسبةِ إلى المجتمعات، هو مصيدةٌ أو شبكةُ قمعٍ واستغلالٍ بكلِّ معنى الكلمة. في حين إنّ مصطلحَ الأمةِ الديمقراطيةِ يَقلبُ هذ التعريفَ رأساً على عقب. فتعريفُ الأمةِ الديمقراطيةِ غيرِ المرسومةِ بحدودٍ سياسيةٍ قاطعة، وغيرِ المنحصرةِ بمنظورٍ واحدٍ فقط للُّغةِ أو الثقافةِ أو الدينِ أو التاريخ؛ إنما يعَبِّرُ عن شراكةِ الحياةِ التي يَسُودُها التعاضدُ والتعاونُ فيما بين المواطنين والمجموعاتِ على خلفيةِ التعدديةِ والحريةِ والمساواة. هذا ويستحيلُ تحقيقُ المجتمعِ الديمقراطيّ، إلا من خلالِ هكذا نموذجٍ للأمة. في حين إنّ مجتمعَ الدولةِ القوميةِ منغلقٌ على الديمقراطيةِ بِحُكمِ طبيعتِه. حيث إنّ الدولةَ القوميةَ لا تُعبِّرُ عن واقعٍ مناطقيٍّ ولا كونيّ. بل على النقيض، فهي تعني إنكارَ كلِّ ما هو كونيٌّ أو مناطقيٌّ محليّ. ذلك أنّ مواطَنةَ المجتمعِ النمطيِّ دليلٌ على موتِ الإنسان. ومقابل ذلك، فالأمةُ الديمقراطيةُ تُمَكِّنُ من إعادةِ إنشاءِ المناطقيِّ والكونيّ، وتُؤَمِّنُ للواقعِ الاجتماعيِّ فرصةَ التعبيرِ عن نفسِه)*


خامسا – هل يمكن اعتبار الدستور عقدا اجتماعيا ؟
في تعريف كلمة الدستور و هي كلمة مشتقة من اللغات الآرية و تتألف من مفردتين : (ده ست ) و تعني القاعدة ، و (وار) و تعني الحيز أو المكان ، وتعني اصطلاحا الحيز الاجتماعي الفاضل و المستند على قاعدة تبنى عليه الحيز و تنتظم وفقه ، و لقد استخدمها الأوائل في العصر الميتاني الأول و الذي أثّر في الحضارة البشرية ، و كانت دلالات استخدام الدستور في ميتان الإمبراطورية متداولا عند مجلس الحكماء في الإمبراطورية الميتانية ، و كان مجلساً مكونا من عدد من رجال الدين الميثرائي و ممثلين عن طبقة المحاربين ونوابا عن طبقة التجار إضافة إلى الإمبراطور نفسه ، فكان يلجأ الإمبراطور لهم خاصة عند اتخاذ قرارات تهم مصيرالأمة الميتانية، و قد كانت موجودة أيضا في الأمة الميدية، و أخصها الجانب المتعلق بالحروب .و يعتقد في هذا المجال أن الفراعنة الذين واكبوا الحضارة الميتانية وتأثروا بها و خاصة في استبدال عبادتهم إلى عبادة الشمس فقط ، و زواج فرعونهم " اخناتون " الأميرة الميتانية " نفرتيتي " قد أثر في التبدل في حيواتهم الدينية و السياسات الحاكمة وقتها فأقاموا بالتأسيس لمجلس يشابه المجلس الميتاني الأعلى .
و بالرجوع إلى الفلاسفة و علماء الاجتماع الذين أسهبوا في الفهم و المفهوم لنظرية العقد الاجتماعي كما بينا سابقا ، و أن نظرية الاجتماع و بشكلها الأساس من أجل ترسيخ فكرة الحرية و التأكيد على الإنسان الكلي و الديمقراطية الشاملة في المجتمع الذي ينعقد من أجلها . و على إثره يمكن اعتبار الدستور عقد اجتماعي بين كل المكونات الاجتماعية من أجل انتظام أمورها و توضيح أفعالها و ممارساتها بشكل غير مؤذ إنما إيجابي ضمن اجتماع بشري معين و محدد .
و عد الدستور عقدا اجتماعيا تتفرع عنه نتائج إيجابية و مهمة تؤكد الحق الطبيعي للفرد المضمونة في الحياة الاجتماعية الوضعية و المتعلقة بجوانب الديناميكا الاجتماعية هذه من ناحية و من ناحية أخرى أن السلطة الناشئة وفق رغبة و حاجة الاجتماع و بالتالي وفق عقد اجتماعي يُعَبِّر عنها المفوض الاجتماعي لتلك السلطة في اعتبار موصوف بدقة متناهية ، أي أن شخصا ما ضمن مجتمعا ما ينوب عن أعداد غفيرة و يكون ممثلا عن الشعب الذي اختاره مما ينتج حالة توافق ناجمة عن التعاقد الاجتماعي " الحالة الأسمى " و هي عدم اعتبار التمثيل المتوافق له ، امتيازا شخصيا له و لعائلته و لعشيرته أو مدرج ضمن الفئة المناطقية العليا . و هنا يحق للطبقات و الفئات المجتمعية التي اختارته دوام المراقبة للحاكم و ضمان مسائلته و عزله إنْ دعي الأمر أو إن خالف العقد الاجتماعي و الاتفاق المبرم بينه و بين الشعب ، و عليه فإن العقد الاجتماعي أو الدستور من حيث القيمة الاجتماعية و الطبيعية أسبق و أرفع شأنا من الحاكم الذي تأتى وفق العقد ، و بالنتيجة يكون الدستور ( العقد الاجتماعي ) أرفع شأنا من الحكم أو الحاكم ، فلا سلطان على العقد الاجتماعي سوى العقد نفسه .
و وفقا لمقترحات نظرية العقد الاجتماعي ، فالعلاقة بين الحاكم أو الممثل للشعب أو النائب عن الشعب و الشعب تكون علاقة ذات طابع تعاقدي ناشئ على هامش العقد الاجتماعي ( الدستور ) و لا ينشىء من أن الحكم أو الحاكم يتمثل أو يمثل الدستور نفسه ، من المهم أن ندرك أنه ينشىء من العقد مجموعة قوانين ناظمة للعلاقة بين المجتمع و من كل نواحيه و بين المجتمع نفسه و الإداريين الذين حازوا الإدارة كنتيجة انتخابات نزيهة و تنافس نزيه يحده عقد بمنتهى النزاهة .
إلا أنه من المهم أيضا الانتباه إلى ممارسات قد تنشئ عن عملية التفويض و الاتفاق المبرم ، خرقا يعمده الحاكم أو الإداري أو النائب عن طريق تصرفات فردية خاطئة و تطبيقات تنتج بالأخذ الخاص للناحية التطبيقية ، و هذا لا ينفي تأكيد الدستور عقدا اجتماعيا ، و التحصل السلبي الحادث ما هو إلا خرق للعقد و تجاوز مشين بحق الدستور نفسه ، و لعل مثال الرئيس المصري المنقلب عليه بعد انقلابه على الدستور أو العقد الاجتماعي المصري ، و الذي انتخب بشكل نزيه أوصلته الانتخابات إلى سدة الرئاسة ، ولكن الممارسة التي فوضها لنفسه و لم يفوضه أحد بها ، كانت محاولة فئوية منه كي يرضي جهوية متوحدة مع أفكارها و أيديولوجيتها فحاول تقويض إرادة المجتمع المصري إلى تلك الجهة و تلك الفئة ، ما فعله الرئيس مرسي يعتبر خرقا و نكثا بالعهد الاجتماعي و العقد الذي أوصله كي يكون حاكما انقلب بنفسه على الدستور و يعتبر تجاوزا للتأسيس الطبيعي للعقد الاجتماعي المصري الذي يسبقه و يعلو عليه ، محاولته لسن و تمرير قوانين إلى الدستور المصري أوقعه و طرحه عند أقدام الدستور مرة أخرى .
فلا يجوز لحاكم أن يستبدل محله بمحل إحدى الثابتين ؛ الثابت الأول : الحق الطبيعي ( حرية الشعب ) و الثابت الثاني : الحق الوضعي ( العقد الاجتماعي أو الدستور ) ، تفاعل الثابتين الطبيعي و الوضعي ينشأ بالضرورة متحرك هو الحاكم ، في الدول التوليتارية يحاول الحاكم إيجاد محل ثابت له ، و إن لم يكن فبتغيير الثابتين الأساسيين ، من محل ناشىء على هامش العقد إلى نص مقدس ثابت مستمد حاكميته من الإرادة الإلهية .






لائحة المراجع
1- إبراهيم أبراش؛ تاريخ الفكر السياسي من حكم ملوك الألهة إلى نهاية عصر النهضة؛ شركة بابل للطباعة والنشر الطبعة الثانية 1998.
2- محمد عبد الله عنان؛ المذاهب الاجتماعية الحديثة، عناصرها السياسية والاقتصادية والدستورية، مطبعة لجنة التأليف للترجمة والنشر القاهرة1959 الطبعة الرابعة
3- مصطفى حنفي؛ النزعة الإنسانية وإرث الأنوار .
4- كرين برينتون؛ تشكيل العقل الحديث، ترجمة شوقي جلال مراجعة صدقي حطاب، عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون الكويت1984
5- يوسف كرم؛ تاريخ الفلسفة الحديثة، دار العلم بيروت،لبنان.
6- عبدالله أوجلان؛ من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية، منشورات صوت كردستان، السلسلة العربية الخامسة، الطبعة الأولى نيسان 2002.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,422,423,890
- القضية الكردية في الأمة الديمقراطية
- جنيفا2 التسوية الكبرى بدلاً من المبادرة الكبرى؟
- ركن الزاوية في روج آفا: الادارة الانتقالية المشتركة
- الخواصر الرخوة– سورياً؛ كردياً لقاء قرطبة ومؤتمر جنيفا2
- الموانع و الضرورات في مسألة المشاركة الكردية المستقلة في جني ...
- استحقاق جنيف2 بين واقع النظرة الدولية والمتوقع المحلي والإقل ...
- الكرد بين اتفاقية لوزان 2 و جنيف 2
- الحرب و السلام .....سورياً
- لماذا نتبنى مفهوم الإدارة الديمقراطية ؟
- لماذا قتل الشيخ معشوق الخزنوي ؟
- في التناحر و التنافر الكردي - الكردي أسباب التناحر وعلتها
- كيف نفهم انتفاضة قامشلو 2004 ؟


المزيد.....




- تطبيق فيس آب.. انتشار جنوني ومخاوف من اختراق البيانات الشخصي ...
- وزيرة الدفاع البريطانية تدعو إيران لخفض التصعيد في الخليج: س ...
- بشار جرار يكتب عن دخول تركيا -حلبة الخصوم-: هل تطيح S400 إرد ...
- الهند تطلق ثاني مهمة للقمر يوم 22 يوليو
- إجلاء ركاب طائرة لوفتهانزا بعد بلاغ من مجهول عن وجود قنبلة ...
- مجلس النواب الأمريكي يصادق على إجراء تحقيق في تجارب عسكرية ع ...
- الهند تطلق ثاني مهمة للقمر يوم 22 يوليو
- إجلاء ركاب طائرة لوفتهانزا بعد بلاغ من مجهول عن وجود قنبلة ...
- مجلس النواب الأمريكي يصادق على إجراء تحقيق في تجارب عسكرية ع ...
- ترشيحات إيمي 2019.. أرقام قياسية جديدة ومفاجآت صادمة


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سيهانوك ديبو - في فلسفة العقد الاجتماعي ....الماهية والنشوء و التكون