أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - بطلان الدعوة الدينية















المزيد.....

بطلان الدعوة الدينية


محمد علي عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 4334 - 2014 / 1 / 14 - 01:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لِنفترضْ أنَّ في داخل كلِّ واحدٍ مِنَّا مصباحاً وبِــيدِه وحدَه القدرةَ على إشعاله وإطفائه. ولكن إشعاله ليس بالأمر السهل. فالضغط على زر التشغيل والمحافظة على المصباح مضيئاً أمرٌ يتطلَّب الكثير من الفعل والانتباه.

إنَّ رغبتنا في "هِداية" الآخرين تُـشبِه رغبتَنا في إنارة ما حولنا من دون أنْ نشعلَ مصباحَنا. فلنتأمَّلْ في رغبتنا تلك من أين جاءت؟ لماذا نريد إنارة محيطنا؟ ولنتأمَّــلْ في معنى "الهِداية". ولِـــمَ "الهِدايةُ"؟ وإلامَ "الهدايةُ"؟ أليستِ "الهِدايةُ" كِذبةً كبيرةً واحتيالاً لفظياً خادعاً من أجل التأثير على الآخرين والسيطرة عليهم؟ أليست "الهدايةُ" هي "الضلال" بعينِه. لأنها تعني اتِّباعَ طريقٍ، ولا طريقَ بَــيْـــنَـنا وبَـــيْـــنَـنا.

إذا كنا نرى أنَّ ما حَوْلَنا ظَلامٌ وأنَّ علينا إزالةَ هذا الظلام فلنعلمْ أنَّ مصباحنا مطفَـــأ. أليست إرادتُنا في إنارة غيرنا دليل على ضعف وعينا؟ لأنه لو كنا واعين بما يكفي لعرفْنا أنه يكفي أنْ ننيرَ مصباحَنا حتى ينتشرَ النورُ تَلقائياً حولنا فيتلقَّاه من يريد. أمَّا سعيُنا لأنْ ننيرَ الظلامَ مِن حَوْلِنا بالكلام والدعوة والتبشير والدعاية فهو ثرثرة لا تهدف إلَّا إلى إلهائنا عن إنارة أنفسنا. وإنارتُنا لمصباحنا لا تتمُّ عبر الكلمات، بل عبر الصمت والانتباه. إنها مسألة واعية نتحكَّم نحن بها لا أحد غيرنا؛ ولكنَّ انتشار نُورِ مصباحِنا هو مسألة تلقائية لا علاقة لنا بها. لنُـنِرْ أنفسَنا يَــنتشرِ النورُ مِن حَوْلِنا. لننزعْ عن وعينا حُجُبَ رغباتِنا وطموحاتِنا وانفعالاتِنا ومَخاوفِنا. لننزعْ مِن قلوبِنا ورؤوسِنا قلوبَنا ورؤوسَنا، أيْ معتقداتِنا وأفكارَنا، لأنَّ معتقداتِنا وأفكارَنا ليست سوى بناتِ خوفِنا وجهلِنا. ولا ينزعُ خوفَنا وجهلَنا غيرُ وعْيِنا. فوَعْــيُنا هو السماءُ ولا سماءَ مِنْ فوقِنا. وعْيُنا هو "الله" "النور" المتربِّع في قلبنا.

إنارةُ المصباح الداخلي هو فِعْلٌ سهلٌ صعبٌ لا يحقِّـــقُـــه إلَّا الأبطالُ الحقيقيون العظماء. إنارةُ المصباح الداخلي هي المعجزة ولا معجزةَ سواها. وتحصل عندما نتخلَّص من كل رغبةٍ حتى من رغبتنا في الإنارة والاستنارة. فلا نسألْ عن الطريق القويم ولا عن الصراط المستقيم، لأنه لا طريقَ يفصل بيننا وبين الوعي ولا مُعلِّمَ يهدينا إليه. هو نحنُ. هو الإلهُ فينا ولا إلهَ إلَّا الوعي. وكلُّ من ادَّعى أنه الطريق إلى الوعي أو رسولُه هو ميّت ذو مصباحٍ مطفَــأ. والميتُ لا يوقِظُ ميتاً، والمظلمُ لا ينيرُ مظلماً . ما مِن أحدٍ يمكنُه أنْ يعلِّمَنا كيف نستنير، لأنه لا أحدَ يمكنه أنْ يعلِّمَنا كيف نمشي، كيف نشبع، كيف نسمع، كيف نرى، كيف نلمس، كيف نذوق، كيف نُحِسّ، كيف ننتبه، كيف نعي... العالَم أمامَنا وإمامُنا. والطريق والمعلِّم هما أكبر الاحتيالات في تاريخ البشرية.

إنَّ سعيَنا لهداية غيرِنا هو دليلٌ على عمانا النفسيِّ والروحيِّ، وهو مَصْدر ألمنا الأكبر إذْ يُضيعُ طاقاتِنا في محاولات عقيمة تزيد من جهلِنا ووهمِنا.

لنتوقَّف عن إصدار الأوامر وإسداء النصائح والصراخِ والثرثرة. فما قوةُ أصواتِنا وكثرةُ كلماتِنا وصلواتِنا إلَّا من فراغ قلوبنا واتِّساع ثغراتِنا. لنفعلْ لأنفسنا ما نطلبُ من غيرِنا أنْ يفعلوه لنا. يروي البخاريُّ قِصَّةً رمزيةً تشير إلى أهمية الفعل، ولكنْ لا بدَّ هنا مِن التشديدِ على الأهمية القُصوى لقراءة القِصَّةِ قراءةً رمزيةً لا حَـــرْفيةً (أيْ اعتبارها مَـثَـلاً أو حكايةً خُرافيةً ذات مغزى، فلا القصة صحيحة ولا أبطالها كانوا موجودين) مع التحفُّظ الشديد على مسألة الاتِّباع الأعمى وطقوس الأضاحي التي تشير إليها الحكاية. تقول الحكاية: في يوم الحُدَيبية أمرَ محمَّدٌ أصحابَه أنْ ينحَروا الهَدْيَ [ما يُهدى إلى الحَرَم من الأضاحي] ثم يَحْلِقوا، فلم يفعلْ ذلك منهم أَحدٌ، وردَّد ذلك محمَّدٌ ثلاثَ مرَّاتٍ دُوْنَ أنْ يستجيبَ أَحدٌ إلى أمره. ولمَّا لم يستجِبْ أَحدٌ إلى أمرِه، دخلَ محمَّدٌ على زوجته أُمِّ سَلَمة فذكَرَ لها ما لقِيَ من الناس. فكانت أذكى من زوجها فنصحَـــتْـــه أنْ يخرُجَ وألَّا يكلِّمَ أحداً منهم كلمةً حتى يذبحَ أُضحيتَه ويدعوَ الحلَّاقَ فيحلِقَ له. فخرجَ محمَّدٌ فلم يكلِّمْ أحداً منهم حتى فَعلَ ذلك، أيْ: نَحَرَ أُضحيتَه وحلَقَ شعره. فلمَّا رأى أتباعُه ذلك قاموا فنحروا وجعلَ بعضُهم يحلِق بعضاً.

لكي نُنيرَ ما حَوْلَنا علينا فقطْ وفقطْ أنْ نُنيرَ مصباحَنا، أنْ نكونَ حاضرين منتبهين، مِن دونِ أنْ نهتمَّ بمصابيحِ مَن حَوْلَنا، والأهمُّ من كل ذلك هو ألَّا نكترثَ إنِ التمَّ حول نورِ مصباحِنا الناسُ أو الفَراشُ أو الذبابُ أم لم يهتمَّ به أحد. إذْ ليس بمقدورنا ولا من مهمتنا أنْ ننيرَ مصباحَ أحد غيرِنا، فـ"ليس عليكَ هُداهم" (البقرة، 272) بحسب تعبير القرآن الذي يحتوي على القليل جداً من الحقائق العامة الموجودة أصلاً في الأديان والحضارات والثقافات الأخرى التي سبقَـــتْه. بالمقابل، يجب الحذرُ مِن أغلبِ الآياتِ التي تُدخِلُ في نفس المؤمن فيروساتٍ نفسيةً يصعبُ الشفاءُ منها، مِثلِ آيةِ "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (غافر، 60) لأنها تَبعث على التكاسل فتتوانى النفسُ عن إشعال مصباحِها الذي تتطلَّبُ إضاءتُه أقصى جِهادٍ داخلي نفسي وتُـــلقي النفسُ بمسؤولية إنارة مصباحها على ما يسمَّى "الله"، وآيةِ "اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكم ورَسولُهُ والمُؤْمِنون" (التوبة، 105) لأنها تبعث على الرياء والنفاق. كذلك يجب الحذرُ من جميع الآيات التي تحضُّ على الدعوة الدينية سواء بما يسمَّى وهماً بـــ"الحكمة والموعظة الحسنة" أم بما يسمَّى بـــ"الجِهاد". ومِن هذه الآيات المليئة بالفيروسات والتي فرضَتْها ظروفٌ نِزاعية وتاريخية خاصة: "ادْعُ إلى سبيلِ رَبِّكَ بالحِكْمةِ والمَوعِظةِ الحَسَنة" (النحل، 125)، "ومَنْ أَحْسَنُ قولاً مِمَّن دَعا إلى اللهِ" (فُصِّلَت، 33)، "قاتِلوا الَّذين لا يُؤْمِنون باللهِ ولا باليوم الآخِر" (التوبة، 29)، إلخ. إنَّ مِثلَ هذه الكلماتِ المسمَّاةِ "آياتٍ" تخدعُ النفسَ الضعيفةَ فتُـــلهيها عن إضاءة مصباحها من خلال إقناعها بمحاولة إضاءة مصابيحِ الآخرين بالكلام (عن طريق الدعوة الدينية) أو بالتكسير (عن طريق الجهاد).

إنَّ الدعوةَ الدينية من أخطرِ الفيروسات التي تُهاجِمُ النفوسَ والمجتمعات. وقد شُرِحَتْ هذه الفكرةُ بإسهاب في مقال: "إنفلونزا الدعوة" (موقع معابر، شباط 2010، http://www.maaber.org/issue_february10/spotlights1.htm).

فطوبى لمن شغلَه مِصباحُه عن مصابيح الآخرين فأشعَلَه فأنار نفسَه والآخرين. ولنتوقَّفْ قليلاً عن الثرثرةِ وَلْنشعِلْ مصباحَنا ونَــمْــشِ حذِرين.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- دور محمد في تأليف القرآن
- كيف نقرأ قصص الأنبياء؟
- في مفهوم الاتِّباع
- لنفكِّر في هذه الكلمات
- عقيدة الوحش المجنَّح
- كيف يحجب القرآن الرؤية؟
- المعنى الكوني للإسلام
- ما المقصود بالعلم في القرآن؟
- وأرسلَ لي...
- كيف ينبغي فهم القرآن؟
- تعقيب على مقال -بعض الآثار السلبية للقرآن-
- بعض الآثار السلبية للقرآن على حياة المسلمين
- لماذا نقد القرآن؟
- الألفاظ الأعجمية في القرآن ودلالتها والتحدِّي ومعناه
- قِطة شرودنغر وقسورة القرآن
- القرآن العربي نص مترجَم إلى العربية
- وظيفة القرآن
- حقيقة النبي


المزيد.....




- تركيا تستعد لرئاسة مجموعة الدول الإسلامية النامية
- مسلمون ويهود يجوبون واشنطن لنشر رسالة سلام
- قطر تقول الأزمة في الخليج أضرت بالحرب على تنظيم الدولة الإسل ...
- نازي بريطاني جديد يعترف بأنه يهودي ومن المثليين
- خامنئي: الأمريكيون غاضبون من الجمهورية الإسلامية لأنها أفسدت ...
- إيران تسقط عقوبة الإعدام في قضية إساءة للنبي محمد
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- محام: سيف الإسلام القذافي يمارس النشاط السياسي في ليبيا
- اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ويهود متشددين


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - بطلان الدعوة الدينية