أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - دور محمد في تأليف القرآن















المزيد.....


دور محمد في تأليف القرآن


محمد علي عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 4322 - 2013 / 12 / 31 - 02:24
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا تُــقدِّم لنا المصادرُ التاريخيةُ معلوماتٍ صريحةً ومباشرة عن دَور محمَّد نبي الإسلام في تأليف القرآن. لا بدَّ إذاً، لِفهم دَور محمَّد، من قراءة ما بين السطور والبحث عن المؤشرات غير المباشرة. إنَّ تضارُبَ الرويات التاريخية يشكِّك في وجود محمَّد نفسه. فقد أشارَ المؤرِّخ محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري الربعي (ت. 734 هـ) في كتابه «عيون الأثر» وكذلك ابنُ كثير في «السيرة النبوية» (ج 1، ص 197) إلى عدة رجال حملوا اسمَ محمَّد في وقت ظهور ما يسمَّى بالنبي محمَّد وهم: (1) مُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنُ الجَلَّاحِ الأَوْسِيُّ، (2) ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنصارِيُّ، (3) ومُحَمَّدُ بْنُ بَراءٍ البَكْرِيُّ، (4) ومُحَمَّدُ بْنُ سُفْيانَ بْن مُجاشِعٍ، (5) ومُحَمَّدُ بْنُ حُمْرانَ الجُعْفِيُّ، (6) ومُحَمَّدُ بْنُ خُزاعِيِّ السُّلَمِيُّ.

فهل كان محمَّد الذي قدَّمه لنا المؤرِّخون والمحدِّثون والمفسِّرون والفقهاء شخصيةً تركيبيةً توفيقيةً لا تشير إلى شخص بذاته بل إلى عِدَّة أشخاص يحملِون طابعاً معيَّناً مميَّزاً؟ ألا يمكن أنْ تكون شخصيةُ محمَّد كشخصية "ليلى" وكشخصية "الذئب" في حكاية "ذات الرداء الأحمر" (Le Petit Chaperon rouge [ذات القبَّعة الحمراء])، من حيثُ أنها لا تدلُّ على شخص معيَّن؟ بل إنَّ شخصية "محمَّد" أقربُ إلى شخصية "الذئب" من حيث أنَّ الشخصيتين محمَّدٍ والذئبِ تَرمُزانِ إلى الذكورة والشهوة الغريزية. إنَّ شخصية "ليلى" لا تشيرُ إلى طفلةٍ بعينِها اسمُها "ليلى"، كما لا تشير شخصيةُ "الذئب" إلى حيوان بعينه اسمه "الذئب". بل تشير الشخصيتان إلى نموذج بدئي أو شخصية نموذجية معيارية. هذا فضلاً عن أنَّ شخصيتَيْ "ليلى" و"الذئبِ" ليستا محورَ الحكايةِ بل إحدى أدواتِها، لأنَّ قلب الحكاية وهدفها هو معالجة موضوع الجنس (بحسب تحليل إريك فروم وفرويد). وينبغي، لِفهمِ مغزى الحكاية، قراءةُ رموزها وفكُّها. (للتوسُّع: مراجعة مقال: "ذات القبَّعة الحمراء والخبرة الجنسية"، دارين أحمد، موقع "معابر"، http://www.maaber.org/issue_january10/depth_psychology1.htm، وموقع "ميس للثقافة العقلانية"، http://mace.cc/?p=194). كذلك تبدو شخصيةُ "محمَّد" تشير إلى نموذج بدئي (أركيتيب archétype) أو شخصية نموذجية معيارية.

مِن الضروريِّ إذاً التمييزُ في محمد بين شخصيتين: شخصية محمد التاريخية الحقيقية المجهولة وبين شخصية محمد الإيمانية الرمزية الأسطورية المركَّبة. وقد أشرتُ إلى ذلك في مقالَيْ "حقيقة النبي" و"كيف نقرأ قصص الأنبياء؟" حيث يأخذ الرواةُ والمؤرخون بعضَ عناصر من الشخصية الواقعية ليبنوا الشخصيةَ السردية الأسطورية، مثلما يفعل الروائي الواقعي حين ينطلق من شخص حقيقي واقعي ليبنيَ شخصيتَه الروائية التي تعكسُ ذاتَه وبيئتَه أكثرَ بكثيرٍ مما تعكسُ الشخصيةَ التي انطلقَ منها. ما فعلَه كُتَّابُ السيرة يشبه تماماً ما يفعله الروائي. إنَّ ما يربط شخصية محمَّد الخيالية المختلَقة المذكورة في كتب السيرة بالشخصية التاريخية الحقيقية هو خيط رفيع يشبه الخيط الذي يربط شخصيةَ بابا نويل الخيالية بالشخصية التاريخية الحقيقية للقديس نقولا أسقف ميرا الذي قيل عنه إنه كان يوزِّعُ المالَ على المحتاجين وهو مُــتَــخَـــفٍّ. وبالتالي فعندما يقوم أحدٌ بانتقاد محمَّد فإنما ينتقد في الواقع الصورةَ التي رسمَها الكُتَّابُ عن شخص محمَّد والتي لا تعكسُ شخصَ محمَّد بل تعكِسُ الوسط الثقافي والديني والاجتماعي لكاتب السيرة. عندما أنتقدَ محمَّداً فإنني أنتقدُ الوصفَ الذي قدَّمه لي واضعو السيرةِ عن محمَّد والذي يُعبِّر عن بيئتهم والذي لا يصلحُ بتاتاً لأنْ يكونَ نموذجاً يُقتدى به لإنسان هذا العصر، مع التحفُّظ أساساً على مبدأ القدوة (راجع مقال "صنم القدوة"، معابر، تشرين الثاني، 2012، http://www.maaber.org/issue_november12/editorial.htm).

إنَّ الوصف الذي تُقدِّمه كتبُ السيرة والتراث لمحمَّد أقرب إلى الخيال الأدبي منه إلى الوصف الواقعي. يقول حَسَّانُ بن ثابت (ت. 660 م/674 م):
- وأجملُ منكَ لم تَرَ قطُّ عينٌ / وأكملُ منكَ لم تلدِ النساءُ.
- خُلِقْتَ مبرَّءاً مِن كلِّ عيبٍ / كأنكَ قد خُلِقْتَ كما تشاءُ.

ويقول ابنُ قُتيبة (ت. 889 م) في محاولة لأسطرة الشخصية المحمدية: "من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم أنه لم يُــسَـــمَّ أحدٌ قَبْلَه بِاسمَ محمَّد صيانةً من الله تعالى لهذا الاسم كما فعل بيحيى إذْ لم يجعل له من قبل سَمِيّاً".

نحاول في هذا المقال أن نفهم دَورَ الشخصية التاريخية التي ساهمَت أكبرَ مساهمةٍ في إعداد القرآن وتقديمه للناس.

يَجِبُ التنويه أولاً أنه من البديهي أن القرآن من إنتاج بشر، كأي كتاب آخر، بحسب ما تقوله لنا التجربة والواقع والعِلْم. ففكرةُ أنْ يأتيَ ملاكٌ من السماء السابعة حاملاً وحياً أو متأبِّطاً كتاباً إلى شخص قائلاً له: "اقرأْ" هي فكرة روائية ميثولوجية تتناقض من الواقع والبديهة والعِلم (إلَّا إذا اعتبرنا التأليف وحياً) شأنُها كشأن فكرة ولادة المسيح من عذراء بلا أب (إلَّا إذا أخذْنا كلمة "عذراء" بمعنى "أم عازبة" وكلمة "بلا أب" بمعنى "بلا أب شرعي").

ففكرة الوحي الإلهي للأنبياء بحسب المنظور الإبراهيمي عامةً والإسلامي خاصةً وفكرةُ حمْلِ امرأةٍ من دون اتِّصال جنسي مع رجُلٍ هما فكرتان لا معنى لهما واقعياً. وينبغي قراءةُ "الوحي" و"الحبَل بلا دنَس" قراءةً رمزيةً. ربما تشير فكرةُ الوحي الإلهي إلى تعظيم الكتابة وقد تشير فكرةُ "الحبَل بدون رجُـلٍ" إلى تحقير الجنس في عصر ظهورهما.

يذكر الماتُريدي، أحدُ مفسِّري السُّــنَة، قولاً يُـلَــمِّح إلى فكرة أنَّ القرآن خضعَ لعملية ترجمة، إذْ يقول في تفسير سورة الكوثر: "وقيل: (الْكَوْثَرَ) هو حرفٌ أُخِذَ من الكتب المتقدمة." ومعنى قولِه هذا هو أنَّ هناك من يقول إنَّ كلمة "الكوثر" قد أخذوها من الكتب المقدَّسة السابقة. ولا ندري من هو فاعلُ الفعل (أُخذَ)، ولكنه يشير بالتأكيد إلى البشر لا إلى الله. وبما أنَّ هذه الكلمة لم تكنْ مستخدمةً لدى العرب ولم تُذكَر سوى مرةٍ واحدة في القرآن فهذا يعني أنَّ من أدخلَها هو ليس العرب بل واضعو القرآن من خلال الترجمة. إنَّ مجرَّد ذِكْر الماتُريدي لهذا القول يعني أنه لا يستبعده، ذلك لأنه أوردَه من دون نقد أو ردّ، أو يعني على الأقل أنه مشكِّك في قول المفسِّرين بأنَّ كلمة "الكوثر" تعني: نهراً في الجنة. ويؤكد ابن كيسان أن "الكوثر" هو كلمة من الكتب الأولى ومعناها الإيثار. وكأنه يريد أنْ يقولَ إنَّ هذه الكلمة أُخِذَتْ من الكتب المقدَّسة القديمة، أي العهد القديم. إنَّ عدمَ استبعاد بعضِ المفسِّرين لفكرةِ أنَّ هناكَ كلماتٍ في القرآن قد أُخِذَتْ من الكتب السابقة يعني منطقياً إمكانيةَ أنْ يكونَ القرآنُ كلُّه أو كثيرٌ منه قد أُخِذَ من الكتب السابقة. ولا يمكن الأخذُ من الكتب السابقة إلَّا بطريق النقل (الترجمة)، لأنَّ الكتب المقدَّسة السابقة لم تكنْ بالعربية. مما يفترِضُ وجود مترجمين قاموا بعملية النقل إلى العربية. فلنتقَصَّ دَورَ محمَّد في عملية النقل هذه وفي داخل فريق المترجمين هؤلاء.

وردَ عن أحد كُــتَّاب الوحي المقرَّبين من محمَّد وأحدِ جامعي القرآنِ، وهو زيد بن ثابت، أنه قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه يأتيني كُتبٌ من أُناسٍ لا أُحِبُّ أنْ يقرأَها أحدٌ، فهل تستطيع أنْ تَــعَــلَّـمَ كِتابَ العِبرانية، أو قال السريانية؟" فقلت: نعم! فتعلَّمْتُها في سبع عشرة ليلة." (الطبقات الكبرى لابن سعد). وهنا يبدو لنا دَور محمد الجامع للمعلومات، إذْ يشبه دَورُه دَورَ رئيس اللجنة العلمية في مؤتمر أو المنسِّق الذي تأتيه الكُتبُ والبحوثُ من أناس فيجمعها وربما يقيِّمها ويُعِدُّها للنشر. فرئيسُ اللجنة العلمية في المؤتمر لا يكتب البحوث المشارِكة، ومحمَّد لم يكتبْ أو يترجِم سوَرَ القرآن. إذْ ينحصر دَورُ رئيس اللجنة العلمية في تقييم البحوث المقترَحة والبتِّ في صلاحيتها للمشارَكة في المؤتمر. ويبدو أنَّ دَور محمد كان على ذلك النحو، يجمع الكتبَ وينتقي ما ينبغي ترجمتُه تلبيةً لحاجات محدَّدة وربما يقترح على كل مترجِم نصيبَه من الترجمة ثم يجمع النصوصَ المترجَمة إلى العربية ويضعها ضمن قالَب معيَّن (سُوَر وآيات) ويعطي للنصوص المبعثرة شكلَ كِتاب. ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ القرآن الذي بين أيدينا هو الكتابُ النهائي الذي أعلَنه محمَّد. بل إنَّ قرآن محمَّد خضعَ للتعديل على ما يبدو، بحسب ما تشير إليه بعضُ الروايات التاريخية وبحسب الجدل الذي دار حول إنكار ابن مسعود لأنْ تكونَ الفاتحةُ والمعوِّذتان سُوراً من القرآن. وربما لذلك قال عمر بن الخطاب: "لا يقولَنَّ أحدُكم قد أخذْتُ القرآنَ كلَّه. وما أدراكَ ما كلُّه؟ لقد ذهب منه قرآن كثير".

لقد بيَّنَ القرآنُ أنَّ محمَّداً لم تكُنْ له أيةُ علاقةٍ بمجال التأليف والكتابة والعمل الفكري أو الديني. فقد قال واضعوا القرآنِ في الآية 48 من سورة العنكبوت: "وما كُنتَ تَــــتْـــلُو مِن قَــــبْـــلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لارْتابَ المُبْطِلُون". يريد مؤلفو القرآنِ أنْ يقولوا لمحمَّد: "لا تخَفْ من أنْ يتَّهموكَ بتأليف القرآن فالذين يريدون أنْ يوجِّهوا لكَ تلك التهمةَ يعرِفون أنكَ لم تكُنْ تقرأ الكتبَ ولا تكتبها من قبلُ، وسيرتُكَ الذاتية تُبطِلُ زعمَهم وتجعلهم يشكُّون في احتمال تأليفكَ للقرآن. وهذا يعزِّزُ ادِّعاءك بأنَّ القرآنَ وحيٌ من عند الله". توضح هذه الآيةُ أنَّ دَورَ محمَّد أقربُ إلى دورِ المنسِّق الذي جمعَ آياتِ القرآن وسوَرَه أو إلى دَور الناطق الرسمي الذي أعلَنَ النصَّ على الملأ.

يقدِّم لنا القرآنُ نفسُه إشارةً إلى دَور محمد كمتلقٍّ وناقل فقط للنص: "وما ينطق عن الهوى" (النجم، 3). بل هناك تهديد له بالعقاب والانتقام إذا تجاوزَ دَورَه المنوطَ به: "ولو تَقَوَّلَ علينا بعضَ الأقاويل، لأَخَذْنا منه باليمين، ثم لقطَعْنا منه الوتينَ" (الحاقَّة 44، 45، 46). عِلماً أنه تجاوزَ دَوره عندما قرأ سورةَ النجم فزاد بضعَ آيات في مدح آلهة مكة (الغرانيق)، وذلك بحسب أحد تفسيرات أهل السُّـنَّة للآية التالية: "وما أرسلْنا مِن قبلِك من رسولٍ ولا نبي إلَّا إذا تمنَّى ألقى الشيطانُ في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطانُ ثم يُحكِم اللهُ آياتِه" (الحج، 52)؛ ولكنه لم يعاقَبْ بالقتل بل ربما بالتوبيخ وبإصدار الآية 52 من سورة الحج لإخراجه من هذا الموقف المحرِج، ربما لأنه لم يكنْ يقصد التقوُّلَ (تحريف ما يُملى عليه)، هذا إذا صحَّت حادثةُ الغرانيق.

ولكنَّ آية "وما ينطق عن الهوى" وآية "ولو تَقَوَّلَ علينا بعضَ الأقاويل" تشيران إلى أنَّ دَور محمَّد كان لا يتجاوزَ دَور الناطق الرسمي باسم فريق ترجمة القرآن. وربما ساهمَ في إعداد النص أو تنسيق بعض أجزائه.

لقد ذكرْتُ في مقال "الألفاظ الأعجمية في القرآن ودلالتها والتحدِّي ومعناه" أنَّ ما سُمِّيَ بـ"انقطاعَ الوحي" عن محمَّد عندما كان هذا الأخيرُ في أشد الحاجة إليه (في حادثة الإفك وعندما سُـــئِلَ عن الروح) يعني أولاً أنَّ القرآن نتجَ عن عملياتِ بحثٍ وتأليفٍ وترجمةٍ وتفصيلٍ وتصريفٍ وتصرُّفٍ أكثرَ مما نتج عن وحيٍ مِن المفروضِ أنْ يكونَ سريعاً خفياً بدون واسطة معلِّم خارجي. ويعني ثانياً أنَّ محمَّداً لم يكنْ قادراً على اتِّخاذ قرارٍ منفرداً، بل كان عليه أنْ يعودَ إلى شخص أو فريق ليستشيرَه. أيْ أنَّ دَورَ محمَّد كان محصوراً على ما يبدو بنقل ما كانت تُقرِّرُه لجنةُ تأليف القرآن المؤلَّفة من كِبار المتخصِّصين من أمثال: النصراني الأبيوني القس ورقة بن نوفل، والراهب بَحيرى، والحاخام عبد الله بن سلام (الذي أسلمَ قبل وفاة محمد)، والحاخام كعب الأحبار (الذي أسلم بعد وفاة محمد)، وسلمان الفارسي وغيرهم. وقد أشارت الآيةُ 103 من سورة النحل إلى أنَّ معلِّمِيْ محمَّدٍ كانوا يتقنون العربية: "ولقدْ نَـعْــلَمُ أنَّهمْ يَقولون إنَّما يُــعَــلِّــمُه بَشَرٌ لِسانُ الذي يُــلْحِدون [يميلون/يشيرون] إليهِ أعجَميٌّ وهذا لِسانٌ عربيٌّ مُبِين". فالآيةُ لا تنفي أنْ يكونَ معلِّمُ محمَّد بشراً، بل تنفي فقط أنَّ لغته أعجمية. تريد الآيةُ أنْ تقول: "نحن -(لا ندري من هم الأشخاصُ المشار إليهم هنا بالضمير "نحن"؟)- على اطِّلاعٍ بأنَّ خصومَ محمَّد يقولون بأنَّ معلِّمَه بشرٌ. ولكنَّ المعلِّم الذي يشيرون إليه يتكلَّم لغةً أعجمية في حين أنَّ مِن الواضح أنَّ القرآن عربي". فالآيةُ تستنكرُ كيف يكونُ معلِّمُ محمَّدٍ أعجمياً في حين أنَّ القرآن عربي. وهذا يعني أنَّ محمَّداً لم يكُنْ يعرِفُ لغةً أعجميةً. ولو عرفَ لغةً أعجميةً لَمَا استنكرَ القرآنُ إمكانيةَ أنْ يكونَ معلِّمُه أعجمياً لأنه عندئذٍ سيكون باستطاعة محمَّد ترجمةُ أفكار معلِّمه إلى العربية. ولذلك طلبَ محمَّدٌ من زيد بن ثابت تعلُّمَ العِبرية أو السريانية. وبما أنَّ محمَّداً لم يكنْ يعرفُ أيةَ لغةٍ أعجمية فإنَّ مساهمته في تأليف القرآن كانت قليلةً جداً وكانت تنحصرُ على ما يبدو في تنسيق القرآن وتسويقِه. فكان دَورُه أشبهُ بدَورِ دُور النشر التي غالباً ما تتحكَّمُ بالكُتَّاب والمترجمين. كانَ دَورُه إذاً سياسياً تنظيمياً تنسيقياً تسويقياً أكثر منه فكرياً.

تشير السُّـنَّـةُ إلى أنَّ محمداً لم يفسِّر القرآن إلَّا نادراً، ليس لأنَّ العربَ المتلَقِّين للقرآن لم يكونوا بحاجة إلى تفسيره لتمكُّنهم من العربية (إذْ إنَّ مِن الطبيعيِّ أنْ يحتاجَ أيُّ إنسانٍ لتفسير كلام كُتِبَ بلغته الأم ولكنْ في مجالٍ لم يألفْه؛ كما أنَّ هناكَ كلماتٍ لم يفهمْها بعضُ معاصري القرآن المقرَّبين من محمد، مثل عمر بن الخَطَّاب الذي لم يفهم معنى "الأبّ" (عبَسَ، 31) وابن عباس الذي لم يفهمْ معانيَ: "غسلين" (الحاقة، 36) و"حناناً" (مريم، 13) و"أَوَّاهٌ" (التوبة، 114) و"الرَّقيم" (الكهف، 9) فلماذا لم يسألا محمَّداً عن معناها؟). ولكنَّ سببَ عدمِ تفسيرِ محمَّد للقرآن هو على ما يبدو أنَّ مهمَّةَ محمَّدٍ لم تكُنْ تفسيرَ الرسالة بل نقلَها فقط للناس، أيْ تبيينها (إعلانها ونشرها) للناس بحسب تعبير القرآن ("وأَنزَلْنا إليكَ الذِّكْرَ لِـــتُــــبَـــيِّـــنَ لِلنَّاسِ ما نُـــزِّلَ إليهِم" (النحل، 44)؛ "وما أنزَلْنا عليكَ الكِتابَ إلاَّ لِـــتُــــبَـــيِّـــنَ لهم الذي اختلفوا فيه" (النحل، 64)). ومعنى الفعل "يبيِّن" هو "يُظهِر" و"يَكشِف"، أيْ "يُعلِن"، وليس "يفسِّر". وهو مزيد من الفعل "بانَ" بمعنى "ظهرَ"، أيْ "أصبحَ معلَناً" (ضد الفعل "خَفِيَ")، ومنه "البيان" بمعنى الإفصاح عما في داخل الإنسان. وبالتالي فأنَّ معنى "يبيِّــنُ" هو "يُعلِنُ". ومنه اشتُــقَّت "البيِّنة" بمعنى "الدليل" و"الحُجَّة" لأنها تُظهِر للناس ما خَفِيَ وكُـتِمَ عنهم. وقد أوضحَ الطبريُّ أنَّ معنى "لِــتُــبــيِّـــنَ للناس" هو : "لِتُــعرِّفَــهم ما أُنزِلَ إليهم"، أيْ "لِـتُــعلِنَ لهم". ولا يمكن أنْ يشيرَ الفعل "يبيِّين" إلى معنى "التفسير" لأنَّ الآية استخدَمت كلمة "للناس" فلا يمكن أنْ يكونَ محمَّداً قد فسَّر القرآنَ للناس وفيهم المؤمنُ برسالته والمكذِّب بها وأغلبُهم كان مكذِّباً بها. ونحن نعلم أنَّ القرآن استخدمَ كلمة "الناس" للإشارة إلى قوم أكثرهم مكذِّبون. يقول بدر الدين الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن": "وعليه يُحمَل قول ابن مسعود الآتي، لأن الغالب على أهل مكة الكفر فخوطبوا بـ "يا أيها الناس"." فمِن المستبعَد إذاً أنْ يفسِّرَ محمَّدٌ القرآنَ لقومِه الوثنيين إذا كانوا أساساً رافضين سماعَه. وكيفَ سيفسِّرُ لهم القرآنُ إذا لم يكنْ يجرؤْ هو في البدايةِ على الجهرِ به؟ فقد دفعَ بعبد الله بن مسعود ليجهرَ بالقرآن أمامَ قريش للمرة الأولى، بحسب ما أوردَ ابن حَجَر.

كما أنَّ هذه الآيةَ: "وإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الذين أُوتُوا الكِتابَ لَـــتُــــبَـــيِّـــنُــــنَّـــهُ لِلناسِ ولا تَكْتُمونه" (آل عمران، 187) تشير بوضوح إلى أنَّ الفعل "يبيِّين" قد استُخدِمَ في القرآن بمعنى "لا يَكتم"، أيْ: "يُعلِن"، وليس بمعنى "يُفسِّر".

إنَّ مهمةَ محمَّد تنحصر إذاً في تنسيق القرآن ونشره بصورة شفهية. ولا يُستبعَد أنْ يكونَ قد أضافَ تعديلاتٍ لا تُلحِقُ تغييراً في فحوى الرسالة.

تشير بوضوح هذه الآيةُ "ولا يَأْتونكَ بِمَثَـــلٍ إلاَّ جِئْناكَ بالحقِّ وأحسَنَ تفسيراً (الفرقان، 33) إلى أنَّ مَن كانت مهمَّتُه "تفسير" أمثال الكِتاب ليس محمَّداً بل الأشخاصُ المشار إليهم بضمير الفاعلين "ـــــنا" في الفعل "جِئْــنــاكَ" والذي يعود على ما يبدو على الشخصياتِ التي قامت بإعداد النص القرآني. فالآيةُ تريد أنْ تقول: "يا محمَّد كلَّما جاءك خصومُكَ بمَــثَــلٍ، أي بقصة رمزية [والأمثال موجودة في الكتب المقدَّسة السابقة]، جئناكَ نحنُ بحقيقةِ القصة وبترجمة لها أفضل من صياغتهم". إذْ إنَّ الفعل "فَسَّرَ تفسيراً" كان يُستخدَم حينئذٍ بمعنى "النقل" من لغة إلى أخرى، أيْ "الترجمة". ومن الأمثلة على ذلك:

يقول الواقدي إن العرب لم يفهموا ما يقوله أهل دمشق بلغتهم الرومية (اليونانية): "والذي فَـسَّـرَ لنا هذا الكلام هو روماس حاكم بصرى، وكان مع جيش شُرَحْبيل بن حَسَنة على باب توما ( دمشق) [...] وكلَّما قالَ الرومُ شيئاً بلغتهم فَــسَّــرَه لنا".

"الترْجُمان بالضم والفتح: هو الذي يُتَرجِم الكلام، أي يَنْقُله من لُغَة إلى لغة أخرى. وهو الذي يُـفَسِّر الكلام" (دلائل النبوة وشُعَب الإيمان للبيهقي ومُسْنَد الشاميين للطبراني).

"والتُّرْجُمَان مَنْ يُفَسِّر لُغَة بِلُغَةٍ" (فتح الباري لابن حَجَر).

ويشير ابن تيمية في فتاواه إلى أنه يجوز النقل (كانت كلمةُ "النقل" تُستخدَم قديماً بمعنى "الترجمة") عن المشركين وأهل الكتاب كنقل كتُب الطب لأنهم لم يكتبوها لمعيَّن من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانةُ. أما فيما يخصُّ النقل عن المشركين وأهل الكتاب فيما يتعلَّق بالدِّين فيقول ابنُ تيمية حرفياً: "فإنْ نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب وأسوأ حالاً وإنْ أحالوا معرفته على القياس العقلي فإنْ وافقَ ما في القرآن فهو حق وإن خالفه ففي القرآن بيان بطلانه بالأمثال المضروبة كما قال تعالى: "ولا يأتونك بمَثَل إلَّا جئناكَ بالحق وأحسن تفسيراً"." ويُفهَم من قول ابن تيمية أنه لا حاجةَ للمسلم في ترجمة قصص الأنبياء عن أهل الكتاب لأنَّ القرآن قد قدَّم أفضلَ ترجمةٍ.

ولا بدَّ من التنويه أنه عندما قلْنا أنَّ القرآن نصٌ مترجَم بتصرُّف إلى العربية من لغات أخرى فلا نعني بالترجمة المفهومَ الحالي. بل كانت ترجمة القرآن إلى العربية تقوم على أخْذِ كثير من أفكار الكتب الأبوكريفية غير القانونية (غير المعترَف بها من السلطة الكنسية والتي تمَّ إخفاؤها) وعلى إعادةِ صياغتها بالعربية. ولكنْ هناك آياتٌ في القرآن ليست ترجمةً على ما يبدو ولا صياغةً جديدةً لأية فكرة سابقة، بل فرضَتْها طبيعةُ الصراع الإيديولوجي، كالآيات التي وُضِعَتْ لمواجهة خصوم محمَّد الأشدَّاء ثقافةً وعِلماً كالنضر بن الحارث، مثل الآية: "ومِنَ النَّاسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شيطانٍ مَريد" (الحج، 3). ونعلمُ أنَّ محمَّداً بعد نصرِه عفا عن خصومه الأسرى ولكنه أمرَ بقتل النضر صبراً ( بحرمانه من الشرب والأكل) لشدة خوف محمَّد من قوة النضر الفكرية التي تهدِّد مشروعَه السياسي.

لقد أشار الأستاذُ والباحثُ الفرنسي الدومينيكاني كلود جيليو Claude GILLIOT (مولود عام 1940) إلى دَور محمد في إعداد القرآن عندما وصفَ محمَّداً بأنه "پـــارانغون" "parangon"، أيْ "نموذج مثالي" أو "شخصية نموذجية" خاصة بجماعةٍ ما أو "ممثِّـل" للجماعة. (الكلمة مشتقة من اليونانية parakonê، بمعنى "حَجَر الشحذ" أو "المِسَنّ"، وأصبحت تعني "الشخص الرمزي" الذي يُستخدَم كشعار والذي يُنسَب إليه عملٌ تكون له فيه مشارَكةٌ بسيطة أو جزئية). (لمراجعة مقال جيليو: « Muḥ-;-ammad, le Coran et les « contraintes de l’histoire » » ["محمد والقرآن و"قيود التاريخ""]، في كتاب: The Quʾ-;-ran as text ، ليدن، منشورات بريل Brill، 1996، ص 26). فمحمَّدٌ، بِحسبِ جيليو، هو أكثر من مجرَّد "ناطق رسمي".

يبدو أنَّ محمَّداً كان رئيسَ لجنة إعداد القرآن وقائدَ الأوركسترا القرآنية، لا بل كان أكثرَ من ذلك بكثير. كان قائداً عسكرياً أقرَّ القرآنَ دستوراً بِحدِّ السيف بعد أنْ عرضَتْه لجنةُ إعداد القرآن عليه. ويبدو أنَّ نجاحَ محمَّدٍ في فرضِ قرآنِه ونشرِ دِينِه وفي انتصارِه على خصومه لا يعودُ، كما يرى كلود جيليو، إلى كونه يمتلك إيديولوجيا عربيةً جامعةً تتجاوز حدودَ القبيلة، بل إلى نسبة العنف التي لَجأَ إليها مقارنةً بعنف خصومه. أولاً، لأنَّ ما يَــحسـمُ الصراعاتِ العسكريةَ عادةً ليس عالميةَ الإيديولوجيا ولا صحتها بل حجم القوة المادية، مِن دونِ الاستهانة بقوة الإيديولوجيا. فقوةُ محمَّدٍ الوحشيةُ كانت أكبرَ بكثيرٍ من قوَّتِه الإقناعية. بينما كانت على ما يبدو القوةُ الإقناعيةُ لخصمَيهِ النضرِ بنِ الحارث ومُسيلَمة بن حبيب مثلاً أكبرَ بكثير من قوَّتهما الوحشية. ثانياً لأننا لا نعرِفُ ما هي أيديولوجيا خصوم محمَّد لكي نقارِنَ بينها وبين أيديولوجيا محمَّد لنعرفَ أيهما كان أكثرَ تجاوزاً لقبيلته، لأنَّ محمَّداً وأتباعَه قد شوَّهوا إيديولوجيا خصومِهم وأتلفوا كلَّ أثر يشير إليها. ثالثاً، إنَّ حروبَ الرِّدَّةِ التي قادها أبو بكر ضد غالبية العرب الذين ارتدُّوا عن الإسلام عقِبَ وفاةِ محمَّد وشدةَ عنفِها تُظهِرُ لنا أنَّ رسالةَ محمَّد لم تكنْ مقنعةً لقبائل العرب ولا جامعةً لهم. فرسالةُ محمَّد ليست أقلَّ قبَليةً ومحلِّيةً من رسالة مَـسْـلَمة بن حبيب الذي لقَّبه المسلمون المحمَّديون بــ"مُسَيلَمة الكذَّاب". فالنصر العسكري هو الذي قرَّرَ من سيحمل اسم "الكذَّاب". ولو انتصر وقتئذٍ مَسْلَمةُ على محمَّد (الذي ربما كان اسمُه: قُثم بن عبد اللات) لأصبحَ اسمُه "النبيَّ الأعظم مَسْلَمة" ولأصبح محمَّدٌ "مُحَيمدةَ الكذَّاب".

الخلاصة، يبدو أنَّ علاقة محمَّد بالقرآن وبالحنيفية التي استفاد منها تشبه كثيراً علاقةَ حافظ الأسد بالدستور السوري وبحزب البعث. كلاهما لم يكتب الدستورَ ولكنَّ دستورَ كِـلَيهِما فُــصِّــلَ على قَـــدِّه. وكلاهما قادَ انقلاباً. وكلاهما ما كان ليُكتَبَ له ما يسمَّى بـــ"النجاح" لولا كثيرٌ من العنفِ وقليلٌ من الأفكار.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كيف نقرأ قصص الأنبياء؟
- في مفهوم الاتِّباع
- لنفكِّر في هذه الكلمات
- عقيدة الوحش المجنَّح
- كيف يحجب القرآن الرؤية؟
- المعنى الكوني للإسلام
- ما المقصود بالعلم في القرآن؟
- وأرسلَ لي...
- كيف ينبغي فهم القرآن؟
- تعقيب على مقال -بعض الآثار السلبية للقرآن-
- بعض الآثار السلبية للقرآن على حياة المسلمين
- لماذا نقد القرآن؟
- الألفاظ الأعجمية في القرآن ودلالتها والتحدِّي ومعناه
- قِطة شرودنغر وقسورة القرآن
- القرآن العربي نص مترجَم إلى العربية
- وظيفة القرآن
- حقيقة النبي


المزيد.....




- فندق سويسري يطلب من اليهود الاستحمام قبل نزول بركة السباحة
- اعتداء برشلونة: تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى الهجوم عبر وك ...
- بعد نجاتها من رصاص حركة طالبان.. ملالا يوسفزاي تُقبل في جامع ...
- بعد نجاتها من رصاص حركة طالبان.. ملالا يوسفزاي تُقبل في جامع ...
- مجموعة شركات بن لادن تستأنف قريبا أعمال توسعة الحرم المكي
- -الإفتاء- الفلسطيني يحذر من الاستيلاء على أملاك المقدسيين
- من داخل العوامية: البلدة الشيعية السعودية التي مزقها العنف
- بعد انتقاده الحريات الدينية في المملكة.. تيلرسون يهاتف ولي ا ...
- هل اعتذرت مديرة الفندق السويسري الذي طلب من نزلائه اليهود ال ...
- هل اعتذرت مديرة الفندق السويسري الذي طلب من نزلائه اليهود ال ...


المزيد.....

- مقدمة لنقد الدين في المجتمع العربي / العفيف الأخضر
- المحاكمة / محيى الدين غريب
- كتاب : لمحة تاريخية عن نشأة أديان المحمديين الأرضية : ج1 : م ... / أحمد صبحى منصور
- السلفية .. أيديولوجيا التشرنق في الماضي التعيس / محمد بن زكري
- الدين السياسي و نقد الفكر الديني / مولود مدي
- في نقد العقل الديني المُؤَسَّسي / فارس كمال نظمي
- الدولة الدّينية أم الدولة المدنيّة: صراعٌ على مداخل الإصلاح / يوسف هريمة
- عزيزي الله: رحلتي من الإيمان الى الشك / مواطن مجهول
- الإنسان والعَدَم: عن الإلحاد ورفض النص الديني / معاذ بني عامر
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ... / فرج الحطاب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - دور محمد في تأليف القرآن