أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كامل عبد ألرحيم ألسعداوي - رواية : أبني أليهودي ألفصل ألأول :جواد يدفع ألثمن ألأهداء ألى جعفر و جوناثان















المزيد.....



رواية : أبني أليهودي ألفصل ألأول :جواد يدفع ألثمن ألأهداء ألى جعفر و جوناثان


كامل عبد ألرحيم ألسعداوي

الحوار المتمدن-العدد: 4305 - 2013 / 12 / 14 - 14:35
المحور: الادب والفن
    


لاأدري كيف صار جابر صائغا , وقد كنت طوال حياتي كارها للذهب ولسيرته ولم أكن أفهم ، ولازلت، ضعف ألنساء أمامه وولعهن بتكديسه وأقتنائه ،وعلى كل حال فلقد كان جابر مختلفا في كل شيء عني ،أنا ألمبتلى بتضخم ألغرائز وكرة من ألطيش لا تنفك تكبر بلا رادع ،لقد بدأت موهبته مبكرا فلقد كان مهتما باصلاح لعبه ولعب أخوته وأخواته ,حيث كان وهو في عمر ألخمس سنوات يمتلك عدة من أدوات ألتصليح خاصة به وكانت تكبر معه ،ثم دأب على جمع ما تخرب من حلي كاذبة ورخيصة تعود لأخواته ويقوم بأعادة تأهيلها ووضعها في حافظات أنيقة يصنعها بنفسه أيضا ويعيد أهدائها لأخواته ويبيع بعضها ليشتري من جديد عددا جديدة وأدوات أخرى ،وفي أحد ألأيام أصلح سلسلة ذهبية تعود لأمه بعد أن أسقطتها أمه سهوا وقمت بدهسها بسيارتي في ألكراج (عمدا ) كما أتهمتني أمه آنذاك ،كان عمره سبع سنوات وفيما كنا نتشاجر أنا وأمه بسبب ألحادث ،هي تتهمني وأنا أدفع ألتهمة عني كالعادة،جاء جابر وهو يحمل ألسلسلة ألذهبية وقد أعادها أفضل مما كانت ،فتحت أمه عيونها وأشداقها متعجبة ،أما أنا فلقد أدركت لأول مرة معنى نصف ألجملة ألغامضة ألتي كنت أسمعها بين ألفينة وألاخرى (جابر عثرات ألكرام ) ،وهكذا بدأت ألأمور حيث تعودت على رؤيته وهو يصلح مصوغات أمه وصديقاتها وخالاته وألجيران ،ورغم عداوتي للذهب فلقد كان لي صديق صائغ ، أحب جابر قبل أن يعرف ولعه بالصياغة ولما علم بذلك ألح علي بأن يقضي جابر عطلته ألصيفية في محله ألكائن في منطقة ألكاظمية وهنا بدأت حياة جابر ألمهنية أو فصل منها على ألأقل ، كنت وعلي (وهذا هو أسم صديقي ألصائغ ) نلتقي مرارا في بيتي وأحيانا في محله مع مجموعة من ألأصدقاء ،وفي ألحالتين تعود جابر على أن يكون قريبا من تواجدنا بحجة خدمتنا ولكنه في ألحقيقة ينتبه لأحاديثنا وبسبب أنشعالاتي فهو يلح بالسؤال على علي ألصائغ مستفسرا عن ألمعاني وألأفكار وألشخصيات ألتي نتداولها في نقاشاتنا ،وفي يوم من ألأيام تم أعتقال علي من قبل ألجهات ألأمنية ،وكونه بدون أقارب تقريبا ماعدا أمه ألمسنة ،فطلبت مني وأثنى على ذلك أصدقائي ،أن يقوم جابر بأدارة محل علي مؤقتا وهذا ما حصل فأنتقل خطوة أخرى في عالمه ألمهني ثم تم أستدعائي من قبل مديرية ألأمن للتحقيق معي حول طبيعة ألعلاقة مع علي ألصائغ وخرجت في نفس أليوم بسبب شبكة علاقاتي ألتي تحركت على ألفور لنجدتي وفي ذات أليوم توفيت أم علي ،علي أيضا لم ينجو تماما ،ففي حين أن ألجهات ألأمنية لم تجد حقا ما يدينه فهي أكتفت بتسفيره
كونه من ألتبعية ألأيرانية ولم يتسنى لي ولأصدقائي سوى ساعات لتوديعه، طلب مني خلالها شراء ألمحل بما فيه ألذهب ألذي يحتويه وتحويل مبلغ ألشراء ألى قبرص حيث سيستقر هناك مؤقتا ،أتفقنا على ألسعر وودعنا عليا وأصبح جابر تاجرا .
كانت تلك فترة ألسبعينات ألذهبية (بالنسبة لي على ألأقل ) ولم ندخل بعد في دوامة ألحروب ألكبرى وشبكة عملي تتوزع على عواصم عديدة ،بيروت ولارنكا وليماسول والدار البيضاء والقاهرة وكنت أمتلك بناية في منطقة ألشياح في بيروت نهاية شارع أسعد ألأسعد وقرب مطعم يدعى (for you ) على ألخط ألفاصل بين منطقتي ألشياح وعين ألرمانة وبدأ ألحظ يدير ظهره لي عندما أندلعت ألحرب ألأهلية في لبنان ،فأصبحت بنايتي في ألمنطقة ألحرام ألتي بين ألمتقاتلين ثم صادرتها أحدى ألمنظمات ألفلسطينية ،وفي تلك ألأيام أيضا تعكرت ألعلاقة بيني وبين أم جابر وأنتهينا ألى ألأنفصال ،كان جابر في ذلك ألحين قد دخل ألأعدادية وعلى ألعكس من أخوته وأخواته فلقد أختار ألفرع ألأدبي ليفاجئني مرة أخرى كونه يهوى ألشعر بل وينظمه،لم أكن أتدخل في عمله وعند أنفصالي عن أمه ،أصبح ألمحل وأرباحه ومداخيله لأمه ولأخواته ولم تكن لدي أية فكرة عن قيمة ألمحل ورأسماله ،وهل يعنيني ذلك وكنت أذا ما فكرت بجابر أرى ألجانب ألمشرق من ألحياة .
كان بيتنا قبل أنفصالي عن خديجة (أم جابر أو أم جواد نسبة ألى أبننا ألكبير جواد ) في منطقة حي ألعدل غربي بغداد في جانب ألكرخ وكان بيتا كبيرا مشيدا على ألف متر مربع ويشتمل على حديقة مساحتها مائتان وخمسون مترا مربعا وبنائه متداخل بغرف كثيرة وديوان للضيوف وحمامات ملحقة بكل ذلك ومطبخين ومكان مخصص لشواء اللحوم والأسماك وكذلك ستة عشر غرفة نوم موزعة على طابقين ،كان ألبيت عبارة عن خلية نحل تديرها خديجة بمهارة بمعونة طباخة ومنظفة وحارس يقوم بمهام متعددة وكنت أذا مادخلت ألبيت فأن خديجة تهييء ألجو ألمناسب فبعد ألظهيرة بعد وجبة ألغداء ،يسود ألصمت لكي أهنأ بقيلولتي بعدها يهم فارس أبني ألثاني بعدجواد بأحضار أركيلتي أما زينب فتسارع لأحضار صينية بعد ألظهر وهي مكونة من أبريق للقهوة وكذلك قدح عصير برتقال وآخر للزبيب (نسيت أن أقول أن زينب هي كبرى بناتي بل وأكبر أبنائي جميعا فهي أكبر من جواد أيضا ) ، أكون حينها قد أسترخيت مقابل خديجة وهي تجلس على أريكتها تدخن بشراهة بأبتسامة نصف ألرضا ألغائمة وصعبة ألتأويل دائما،كنت قد أستسلمت لنزعتها بقيادة كل شيء ،حتى نزواتي ،لكنها كانت تؤمن بي بشكل مطلق وقد ظلت تقول لأولادنا حتى بعد أنفصالنا (أبوكم فدشي مو طبيعي ) ولم أفهم أبدا رغبتها ألصارمة بألأنفصال عني ألامتأخرا ، ولكن مالذي كان يدور بيننا فلقد كانت ألثقة بيننا مطلقة ولم أكن أختلف معها سوى بحبها للذهب وأقتنائه وكنزه ،وحتى هذا لم يكن مهما جدا وكانت ملكيتنا مشتركة فعلا ولم نختلف حتى عند ألأنفصال ،كانت معركتنا تستعر بالشفرات ألحادة حول ألمشاعر وألأمتلاك ألعاطفي وأكثر من ذلك حول ألجنس ،كنت أقول لأصدقائي أن ألزواج مؤسسة بالية وماهي ألا ملف جنسي تتبعثر أوراقه بعد برهة قصيرة من ألبداية ،كانت هي ،كأية أمرأة تتعبد ناسكة لتقديس هذه ألمؤسسة ، أما أنا فجبلت على كراهيتها وألسخرية منها وخيانتها ،كنت لطالما أندهش وأتسائل ،لماذا تلجأ أمرأة قوية منظمة مثل خديجة للأحتماء بهكذا مؤسسة عقيمة بينما أنا أليتيم ومنعدم ألجذور تقريبا ،لم أجد يوما نفسي ألا بالتضاد مع تلك ألمؤسسة ،كنت أحتمي بها (بخديجة ) ولكن بعيدا عن ذلك ألقيد وهكذا فأنا أفعل ما أجيده حقا وهو هدم كل شيء مهم أبنيه .
كانت سنوات نهاية ألسبعينات تبعث بأشارات سيئة وسماؤهاتتلبد بغيوم سوداء فلقد خسرت عددا من أصدقائي حيث هرب بعضهم وأعتقل آخرون وتم قتل أحدهم في ألمجزرة ألتي قام بها صدام في قاعة ألخلد ولكنني على صعيد ألعمل بدأت بتعويض ماخسرته في لبنان وكذلك ما تداعى جراء أنفصالي عن خديجة وكنت أراقب جابرا من بعيد بأرتياح فعمله يزدهر وواجهة محله تكبر وتتثاقل بعناقيد ألذهب وهوقد أكمل ألأعدادية ودخل ألى كلية ألآداب فرع أللغة ألعربية ،كان كل شيء يسير على مرامي مرة أخرى رغم ألخسارات ،جواد أفتتح فرعا لنا في ألكويت وحصل على ألأقامة فيها بل وتزوج (شيخة )كما يقول وفارس حقق حلمه وأصبح طيارا مدنيا بعد أن أكمل دورة تأهيلية في بريطانيا وتزوج أبنة خالته وأشترى بيتا ملاصقا لبيت خديجة ،حتى زارني أحد أصدقائي وهو ضابط أمن في ألكاظميةليقول لي ما هدني وقلب حياتي، أنه أتلف تقريرا أمنيا يفيد بعلاقة جابر بالحزب ألشيوعي وهناك من أدلى بأعتراف عنه وهو تحت ألمراقبة حاليا ولايدري ماذا سيحصل ،كانت مقدمات ألحرب مع أيران تتضح وتتكون مثل كرة ألثلج ، أتصلت بخديجة ثم ذهبت لبيتها وقلت ماعندي فأنهارت ،أنهار هذا ألجبل ألشامخ فجأة ، وتراخت وأمسكت بيدي ثم بقدمي وهي تتوسل وتبكي (خلصه أبو جواد أبوس رجلك ) ،كنت قد أعددت خطة ،طلبت من فارس أدارة محل جابر مؤقتا وأخذته بالقطار ألى ألبصرة ،لدي بعض ألأصدقاء ألنافذين هناك ومقابل مبلغ كبير تم تهريبه ألى ألكويت حيث أستقبله أخوه جواد ،عدت لبغداد فوجدت ألأمن أعتقلوا فارسا ، أما خديجة فتعرضت لنوبة قلبية ،وأنا ماكانت ألأزمات الا لتزيد من قوتي ولم يستغرق أطلاق سراح فارس مني سوى أربعة أيام ،ولكن معبدي وعريني أخذ بالتداعي ،بعت محل جابر بما فيه ووضعت ألفلوس في حساب خديجة وحساب زينب وبدأت أعد ألعدة لسفر فارس ،تمت أعادته لعمله مقابل مبلغ كبير أيضا ولقاء مبلغ مقارب رتبت له أيفادا له مع عائلته الى مكتب ألخطوط ألجوية ألعراقية في تونس ،وصل ألى تونس فغادرها بعد أيام ألى ألمغرب مثلما أتفقت معه ،حيث أستقبله أحد أصدقائي حيث أفتتح مكتبا سياحيا ووكالة سفريات في أغادير .
أثناء سفرنا في ألقطار ألى ألبصرة أنا وجابر ،قلت له :لا أراك شيوعيا يا جابر (شنو ألقصة ) ،فأجاب بعد صمت : أنني أجرب يا أبي أجرب لأتقرب من ألمعذبين أن ألعذاب في عالم غير عادل هو ألحياة ألحقيقية وهذا ما تعلمته منك يا أبي ،ان لا أحيا ألاحياة حقيقية وهذه لاتوجد على ألسطوح وأنما في ألأعماق ،وألأعماق يا أبي وأيضا كما تعلمت منك ،باردة ومليئة بالقاذورات . وأين ألذهب يا جابر أين ولعك بالجمال بل وأين مولانا وألنفري وأبن عربي وبعدين يا جابر كيف تعلمت كل ذلك مني وأنا ألمتمسك بتلابيب ألحياة وأحبو مثل ألزواحف متهالكا على متعها ، نسائها وخمرها وطعامها كيف يا جابر ،أنا أيضا ألعب كما تلعب وكما علمتني أيضا ،ان نلعب بالمعاني وألمعاني يا أبي لانجدها ألافي ألوحول ،ألم تقل لي ذلك مرة ، ربما قلتها ألى علي ألصائغ (ألله يذكره بالخير ) عندما ودعته ،ولكن لم تكن معنا ساعتها يا جابروألوحل ألوحيد في هذا ألعالم هو ألحاجة ياجابر ألفاقة وألتي أقسمت أن لاتتذوقوها ياولدي .
كنت في تلك ألأيام قد تزوجت سميه ،بعد أنفصالي عن خديجة بعام ،وسمية هي أبنة عم خديجة ،وقد كانت خديجة تقول لي سابقا (لو جنت أريد أزوجك آخذلك سمية ،تفيدك جسم متطور وبلا قلب) ،وعندما فاتحت سمية برغبتي ردت بسرعة (وخديجة تقبل ) فذهبت ألى خديجة مطأطأ رأسي لأبلغها قراري فقالت (ألآ هيه ؟ ) أجبتها (أي آني أختصاصي آل فتلة ) أشارة ألى قبيلتها ألكريمة وألقوية (روح آني أحجي وياهه ) ،وهكذا تزوجت سمية وبهذا ألزواج حافظت ألسلطة ألخفية لخديجة على أستمرارها وهيمنتها ،وكنت مستمتعا بذلك في ألحقيقة فأنا على وشك نسج ألقماشة ألمبتغاة للعلاقة ألتي أتمناها مع خديجة ،كانت سمية تتصل وتستشير خديجة بكل شيء ،ماذا تطبخ لي وكيف تتصرف أذا ماكنت على ما لايرام وماذا تلبس ،بل وكانت خديجة هي من تشتري لها ملابسها ،حتى ألداخلية منها ،وعندما تلبسها فتثير أعجابي ،تقول لي وهي تدفع رأسها للوراء بغنج (هاي خديجة أشترتها أليه ) ،كنت أفكر أحيانا من أنتصر في ألنهاية ،من يقود من ومن فرض عل ألآخر طريقة حبه وأستحواذه للآخر ،كنت جذلانا بهزيمتي أمام خديجة وكم كنت أخشى هزيمتها وكأنها تحمل شفرة وجودي في نظراتها غير ألقابلة للتفسير ،في هذه ألأثناء سمحت خديجة لأركان أصغر أبنائي وكذلك لزهورة أبنتي ألاخرى للعيش معي في بيتي مع سمية ،طبعا كنا نتقاسم جابر معا فهو معي ومعها قبل أن تحصل قضية هروبه ،وبعودة أركان وزهورة ألى ألبيت وأطمئناني على سمية ،عدت مرة ثانية ألى حياتي ألطبيعية ،حياة ألليل ،ليلي ألخاص وألذي يتضمن سهرة بريئة مع أصدقائي في أحد ألبارات ،كانت ألبارات في ألستينات وألسبعينات في بغداد حاضنة أجتماعية وسياسية وثقافية وبيئه صحية وكنت متطرفا في تقريظها وأظنني محق بذلك ،حيث كانت تلك ألبارات هوية لروادها وكذلك كان روادها يضيفون أليها شخصية وبصمة وقد كانت فرصة لاتعوض لتعارفات وعلاقات ما كنا سنحظى بها في حياة تقليدية ،وكنت تعرفت حتى بصدام في أحدها وكان أسمه (مطعم فاروق ) ،ويقع بالقرب من معرض بغداد وهو بار ومطعم صغير راق بمأكله ومشروباته وزبائنه ومنهم صدام حيث يأتي مرة في ألأسبوع تقريبا وبمواعيد وأيام مختلفة وقد كان أسمه أبتدأ بألأنتشار وألذيوع كرجل قوي في ألسلطة ألجديدة ،ربما كان ألعام 1969 أو 1970 ،فيهم فاروق (صاحب ألمطعم ) لأستقباله وتخصيص مائدة تليق به وكان لايصطحب معه ألا شخص واحد يغيره بين ألحين وألآخر،وهو يرتدي قاط (سراوين )ويدخن ألسيكار ألكوبي ويحتسي ألويسكي (black label) ،وفي أحدى ألمرات أنضم لمائدتنا ليسلم على أحد معارفه من أصدقائي وأسترسل في ألحديث كونه منتشيا بنصف قنينية من ألسكوتش وكنت على سجيتي ومنتشيا مثله فقارعته بالحديث وكأني نسيت من هو وكان يضحك من قفشاتي وفجأة بادرني بالسؤال ( أنتة شيوعي ) فأجبته على ألفور (لا والله ما يقبلوني لأن أغش باللعب ) فأطلق ضحكة عالية وهو يهز كتفيه وكأنه يرقص (جوبي ) ، بعدها أذا ماحضر ورأى رهطنا يسأل بتعالي أجوف (وين هذا ألغشاش ) ،أما مؤيد ألبد ري فعلى ألعكس من صدام فله مائدة محددة ويوم محدد لمجيئه ،هو غير يوم ألثلاثاء في كل ألأحوال موعد بث برنامجه ألشعبي ( ألرياضة في أسبوع ) ،ولكن هذه ألمرة في مطعم آخر أسمه ( فوانيس ) يقع مقابل سينما بابل في ألفرع ألمؤدي لشارع أبي نؤاس ،وهو مطعم يديره أربعة (بويات ) متجهمون بالنيابة عن صاحب ألبار أللآهي وألمدمن على ألقمار ،وكنا نتردد في طلب مانبتغيه من (عصابة ألأربعة ) لسلوكهم ألأرستقراطي ولكن لا يخل بحرفيتهم ألعالية ومعرفتهم بزبائنهم وأمتناعهم عن أستقبال من لايعرفونه وهم يرددون ( ألمطعم مقبط ) رغم فراغ موائده ،وليس بعيدا عن فوانيس وفي مطعم وفندق (كهرمانة ) تعرفنا على ألشاعر عبد ألوهاب ألبياتي وألكاتب عزيز ألسيد جاسم حيث كانوا يحضرون بصحبة شاعر ثالث لاأتذكر أسمه ،كان ألبياتي أنيقا ببدلة من ثلاث قطع وهويلتمع مثل قطعه نقدية فضية ملكية بشعره ألمصفف بمفرق طويل ، أما عزيز فيرتدي على ألأغلب (سفاريا ) بعثيا ويطقطق بسبحة كهرب طويلة وكنت أذا ما دخل أقول لصحبي (دخل ألرجل ألأكثر كآبة في ألعالم ) .
لم أكمل ألدراسة ألأعدادية ألآ (بألشافعات ) ولكنني أحتفظت بأغلب زمالاتي في ألدراسة وفي كافة ألمراحل ،أطباء ومهندسون ،معلمون وضباط ،مثقفون وصعاليك ،وكان عملي ألرئيسي في تجارة ألجلود وتصديرها وبالمقابل أستيراد ما يحتاجه ألبلد ويوفر لي ربحا وفيرا ,وكذلك كنت أدس أنفي في مجالات أخرى للعمل ،كانت لدي موهبة حفظ ألشعر وتذوق أجوده ،ولطالما كنت اجد ألقليل من ألوقت للقراءة وكذلك لزيارة بعض ألمكتبات وشراء بعض ألكتب ما شكل عندي مايشبه ثقافة فجة سطحية تجاهد نحوألتجذر دون جدوى ،ولكنني كنت أعرف مصدر قوتي فهو يكمن في سلوكي ألفطري ذي ألحضور ألطاغي وتمكني من أستخدام تلك ( ألثقافة ألفجة ) أفضل من أي محترف ،وكنت أخاف ألسياسة ولكنني شديد ألأهتمام بصداقة ألسياسين وكان هؤلاء يجدون شيئا ضائعا في ،فهمته بغموض متأخرا ،هو مايمكن أن أمثله كملاذ آمن لهم يوم تتدهور أحوالهم ،وربما لهذا أصبحت مستودعا لأمانات ألكثيرين مثل بنك متنقل متعدد ألأغراض ،رغم أن دواخلي تمور بالخيانة وهذا ما أكتشفته سريعا خديجة وعرفت كيف يعمل هذا ألبنك .
تأتي ألأشياء بدون تخطيط فتستعبدنا وتتملكنا وتوجه مصائرنا ألى وجهة لانعرفها ولكننا نبقى هناك ،ونحن لاندري أمعذبون نحن أم سعداء ،فهكذا دخلت خديجة دون مقدمات حياتي ،اوقل دخلت حياتها ،حيث لم أكن أفكر بالزواج حينها ،وحتى لو فكرت ماكنت أجرؤ لأفكر بخديجة ولكنها هي من قالت لي ( أريد أكسب بيك أجر ) فظللت أدور في فلكها ،جرما ضئيلا سعيدا بدفئ شمسه ألعظيمة ، وكنت يتيما لم أحلم بتلك ألعائلة والأبناء ألرائعين ألأصحاء فنصبت لي خديجة عرشا أو فخا (لا أدري ) وما شبعت عيني ولاروحي من رؤية زينب وجواد وفارس أوجابر وأركان وزهراء،فأصحو كل يوم غير مصدق ما وهبت به , ثم جاء مرض جابر فصرخت وبكيت بوجه ألأقدار (سأسقط عمري يوما فيوما وساعة بساعة وبكل فلس أملكه أوطابوقة بأسمي تحت قدميك أيتها ألفاجرة ،فقط أعيدي لي جابرا معافا ،ثم كان جلعاد وقصته ألغريبة وتهت وحرت، كيف أرد ألدين يا جلعاد وأنت ألبعيد ألنائي فأحتضنت ألقريب ألحبيب فأصبحت حبيبا وأقلقت قيعاني فهيجت فيها كل نبيل .


بعد عودتي من ألبصرة ،قالت لي خديجة ماكنت أفكر فيه بالضبط دون ألقدرة على ألبوح به ،قالت لي أننا سوف لن نستطيع ألعيش كما كنا سابقا مرة أخرى بعد ما حدث لجابر ،كنت أقاوم هذا أليقين ألقاسي ولكنني أتفقت معها بصمت ،كنت قد أوصيت جواد ابترتيب جواز لجابر بأية طريقة وتسفيره ألى ألمغرب ليكون قريبا من فارس فيهتم أحدهما بالآخر ،حتى نرتب أمورنا ، ولكن كان لجابر رأيا آخر ،فلقد سكن في بداية وصوله للكويت ألعاصمة في شقة مفروشة أستأجرها له جواد في منطقة ألسالمية ألمطلة على ألخليج وبينما كان يمشي في أحد ألأيام على ألشاطيء عصرا أحس بسيارة تقف ألى جانبه ويترجل منها رجل مسن ويفتح ذراعيه ليحتضن جابر (جابر شجابك هني ) ( اوه عمي ألحاج باقر ) ،كان ألحاج باقرصائغا بحرينيا يتردد أحيانا ألى ألكاظمية لغرض ألزيارة فتعرف على جابر وأحبه وكانت بينهم بعض ألمصالح وألكثير من ألود ،وبعد أن أخبر جابر ألحاج باقر عن أزمته قال له ألحاج أتيت بالوقت ألمناسب فمحله في ألكويت لايجد من يديره بعد سفر أبنه ألى سويسرا لتدشين محلهم ألجديد هناك (تعلم مني ياجابر مثل ما تعلمت من أستادي ألأنكليزي : لاتخلي بيضاتك كلها في سلة واحدة ) ضحك جابر وقال للحاج (لقد تركت بيضي ودجاجي عند أبن آوى هناك ) ضحكا وأبتدأ جابر مرحلة جديدة ،حيث كان ألحظ ألسعيد هو من يسير مركبه أللاهي ،أعانه ألحاج باقر بترتيب أوضاعه وشرعنة وضعه فبعلاقاته أصدر جواز جديد من السفارة ألعراقية دون ألحاجة لحضوره بل وسافر ألى دمشق ليسجل في كلية ألآداب بالمراسلة ليكمل دراسته ومرة أخرى تكاثرت عناقيد ألذهب وأبتدأ جابر بأرسال مايفيض من ماله ألى خديجة ،وبدورها قالت لي (صارت عندي فلوس هواية وأنته هواية صرفت أخذ نصهن وخلي نصهن )، رفضت فقد كنت في أفضل أحوالي رغم كل شيء ثم طلبت مني ترتيب أمورها لكي تسافر ألى ألكويت وألمغرب ( أريد أشوف ولدي ) .سافرت خديجة وأبتدأت ألحرب .
(با با تعرفني أنتة ، آني أعالج كلشي بالرقص ) آه يا زينب يا زينب ياسلوتي وبكري وسعدي ودريئتي ،كم أحبك يا بابا وكم أسعدتيني برقصك وتمايلك وفرحك ،كنت أذا ماوجدتيني مهموما قلتي لي ( خلي أركصلك بابا ) فتجذبيني وتخطفيني لدروبك ألمبتهجة وألمضاءة بقوس قزح روحك ،ظلمناك مبكرا فزوجناك (أو زوجتك خديجة ) من أبن خالتك رشيد ،ضابط ألشرطة ولم تستطيعي ألعيش معه سوى أشهر معدوددات ،ورغم ذلك أنجبتي (عمر ) أبنك ،حفيدنا ألذي لم نهنأ به حيث أختطفه أبوه ألمجروح من رفضك ألعنيف له ودعمي لك ألفريد (حيث كان بالضد من خديجة ) فكنت تضعين صورته أمامك وتبكين وترقصين ،فأبكي لبكائك وتحترق روحي لخذلانك ،لطالما قلت لأمك يازينب ،لاتورثيها مرضك ألعضال (ألقرف من ألجنس ) ياخديجة فزينب تختلف فجسدها وأحشاءها يتحرقان للحب ودمها يشتعل للعناق وألذوبان ،وكنت أقول لك يا زينب أحبي يا حبيبتي ولاتخشي شيئا ، احبي حمالا في ألشورجة أوعاملا في مسطر أوحتي جنديا ( أفراريا ) فسأجعله هارون ألجديد أو ألرشيد ،فقط أحبي لكي أتخلص على ألأقل من هذا ألوحل وهويغطيني ،شعوري بالذنب ،ألذنب يا زينب .
فقط معك يا خديجة لاأشعر بالذنب ،عندما يخترق سيفي قلعتك ألحصينة ،أتأملك ،بوجه ألقطة ألشبعانة وأنت عصية على ألنشوة ،فكنت أداعبك (يمكن خديجة وآني فوكاج تحضرين قائمة ألمسواك ؟) فتجيبيني بدلع ( لا لك جانت حلوة ) ، وكنت تعودت على ألبقاء في ألبيت يوما أويومين أسبوعيا في ألمساء لكي أبقى بالقرب منك ، أنا أحتسى شرابي وأنت تدخنين سكائرك أو أركيلتك وكنت لاتسمحين لأولادنا ألأ بالتحية وألأنصراف فحسب وزينب تروح وتجيء لخدمتنا ،فنتبادل أطراف ألحديث ،طرفا أبعد من ألآخر وندور ونبث همومنا وأنت متعالية بمعرفتك كل شيء عني وأنا أكافح لأخفاء خسائري وخياناتي عنك لأنهما مؤقتتان أما ربحي لك وبتجارتي فهما مطلقان ، تقولين لي ،سوف لن تخسرني مهما فعلت ، فأنا عندما أنظر أليك أرى خارطتك ومنذ زمن بعيد لم تعد زوجا أوحبيبا بل أبنا وربما وجها .لكنك تؤمنين بي وتقولين أن لي حاسة شم تجارية لاتخطئ (لاتعقد ألموضوع ،أمشي وراها ) ولكنني مشيت ورائك يا خديجة فأنت سلاحي ألحقيقي ،هل كنت أنت من دفعني للأبتعاد عنك بعض ألوقت وتذوق بعض (ثمار ألسوق ) بدلا من (أكل ألبيت ) ؟ لكي تستمتعي بنوع غريب من ألأستمناء ، ألأكتفاء وتحييده ومن ثم ألقرف منه ،حتى أنت قلت لي مرة ، أحب ألجنس مادام بعيدا عني ،لست راهبة كما تظن ، ثم كانت لعبتك ألكبرى مع سمية لكي أغرق أكثر فاكثر بالذنب .
نعم أحببت سمية ،حبا تعالى موجة فموجة ومثلما تنمو وتستفحل ألأعاصير تصاعد حبها ،نعم هي رغبة جارفة أكثر منه حبا ،كانت سمية متزوجة من رجل أسمه (جبار ) ،ولازالت عيون جبار ونظراته ألمخاتلة وألمستكينة بل وألمتعاونة تطاردني ،وفي أحد ألأيام (فزيت )بالليل ،كما يحصل لي بين فترة وأخرى وأنا أمسك باكتشاف فاتني في زحمة عملي وأنشغالي فأستيقظ على كشف كأن يكون حاجة تخصني أضعتها فأعرف مكانها فورا أوخطأ حسابي في قائمة بعتها أو أشتريتها أو كلمة ضائعة في ألطريق وربما وجه مر بي سريعا فأ تعرف علية بين ركام ألسنين ،هو أشبه بالملاك ألخفي ألذي يسجل ليقدم لي كشفا في ساعات ألليل ألحالك ، استيقظت هذه ألمرة على فكرة مرعبة ،هل يمكن أن تكون سمية وجبار متفقين ومتواطئين على تقديم (وليمة سمية ) لي مجانا ،وهل هذا فخ أم مكيدة أم مكافأة من خديجة ،لم يتسنى لي أن أعرف ذلك فلقد كان جبار( نائب ضابط ) في ألجيش ألعراقي وهوكذلك (حزبيا )متحمسا وفي تلك ألأعوام (نهاية ألسبعينات ) أرسل صدام لواءا من ألمتطوعين ألحزبين ( ألجيش ألشعبي ) ألى لبنان لدعم حزب ألكتائب أللبناني وقد تدهورت أحواله بعض ألشيء في ألحرب ألأهلية أللبنانية ،اندفع جبار كالعادة متطوعا لتحقيق ألوحدة ألعربية عن طريق حزب ألكتائب ألمتحالف مع أسرائيل ،وربما كانت خديجة هي من دفعته للذهاب لأحقق أنا هذه ألوحدة ولكن مع سمية ،قتل جبار في ألمتن ألشمالي وتركت جثته هناك وكوفئت سمية بمبلغ كبير من قبل ألحزب أستولى عليه أخوان جبار ،وبقيت عيناه تطاردني ،عيناه ألمتواطئتان ألمتعاونتان وهو يقول لي (هذا بيتك أبو جواد أني أروح عندي أجتماع ) ليتركني مع سمية ألتي تتعرى على ألفور ،وكأننا جميعا نقوم بأدوار محددة (أنا وجبار وسمية )لنقدم (show ) لمتفرج وحيد يستمتع في ألظلام ، خديجة .
صوت (عبد ألوهاب ) ينساب من جهاز ألتسجيل في ألسيارة وأنا أخترق شوارع بغداد (ياما بنيت قصر ألأماني وكنت أقول سعدي وافاني ) ،عندما أسمع عبد ألوهاب بصوته ألقادم من عالم هندسي مكون من معادلات رياضية ولكنه على وشك ألأنهيار بسبب دمعة أو آهة ، عالم عبد ألوهاب نسكنه ،نستوطنه لكننا نبكي لفقدانه ،صوت يكثف ويقبض ويجسد تلك أللحظات ألميتافيزيقية ألخاطفة ، ألتي نعيشها ونحن نعلم أن هذه أللحظة سوف لن نستطيع أن نعيش بعدها كما كنا في ألسابق ،ماذا تمثل لحظة أنزالنا أبنا ميتا في حفرة قبر ،هل يمكن أن تقاس بأخرى ونحن نجلس في باص أو مقهى ، تلك أللحظات ألعصية على ألقياس ،هي من ينقلنا أليها صوته وهكذا ختم عطاءه بأغنية (توراتية )، (من غير ليه ) ،كنت أقضي أيامي وكأنني أستعرض جيوش ألحظ ألسعيد فوق سجادة حمراء لاتنتهي ،أحببت بغداد وكنت أجتاز شوارعها بسيارتي عصرا مثل عاشق يتفحص عري حبيبته للمرة ألأولى ،أخرج من بيتي في حي ألعدل نزولا ألى حي ألمنصور بشوارعه وواجهات محلاته ألملتمعة ثم ألى منطقة ألحارثية وكأنني رأيتها في فيلم أمريكي لا أتذكر عنوانه،وأعود ألى حدائق ألزوراء لأتجه يمينا صوب ألجسر ألمعلق ،أعبره نازلا نحو أليمين ملتهما شارع أبي نؤاس رواحا ومجيئا وكأني أعبأ رئتي بهوائه ألممزوج من شهيق ألطين وزفير أسماك حية،ثم ألجادرية وعرصات ألهندية فالكرادة (عالبرة ) ثم (عالجوة ) فأدور حول كهرمانة بأتجاه شارع ألسعدون وصولا لنصب ألحرية وعندما أستدير بأتجاه ساحة ألنصر أخطط لجلسة ألمساء ،يكون شريط عبد ألوهاب قد أنتهى لتبدأ (نجاة ألصغيرة ) شكواها من حبيب لاتستطيع ألأمساك به (طول عمري أحبك وأشكيلك وأشكي للعمة وألخالة ) .
كل شيء موجود في أغانيهم وكأنها ألكتاب ألجامع لسيرتنا جميعا فردا فردا وألتأريخ ألشامل لعشقنا وهزائمنا وخياناتنا ومكائدهم ، وكم كانت مثل مرآة أرى بها أشباح مستقبلي ووجوه سترحل وأخرى تتشوه ، أنها حياة أخرى ،لكنها أكثرشمولا وصفاءا وصدقا ،سيأتي يوم أتحرر فيه من كل أحمالي وأتفرغ فقط للتماهي فيه مع هذا ألعالم ،ألعالم ألسري لرغباتنا ولكل مانخاف منه وذاك ألذي نخاف من ألبوح به ،وألى ذلك ألحين سأبقى أدافع عن شركاء رحلتي ألأجبارية بكل ما أوتيت من أسلحة للبقاء وألفناء تختزنها روحي وأنيابي .
أندلعت ألحرب اذن وتغيرت أقدارنا جميعا ،كنا نظن أنها حرب شبيهة بالحروب ألتقليدية بين ألدول أسبوع ،شهران وينتهي كل شيء وتعود ألحياة لدورتها ألقديمة ،لكننا على ما يبدو دخلنا في نفق مظلم سوف لن نخرج منه أبدا ،وبعد كر ألأيام وتساقطها من ألتقويم ألدموي ألمعلق فوق جباهنا ،أيقنت بشكل غامض ما ينتظرنا وأدركت أنني ومن أحب ،لن نكون بمنجى أو بمنأى هذه ألمرة ،وبدأت أعد نفسي لتقبل وتذوق ألخسارات وفي ساعات ألأحباط ، أتمنى أن أكون أول هذه ألخسائر ،ولكنني سيفهم ودرعهم ،فأمتشق أسلحتي من سراديبي ،وكأن هذه ألحرب ،هي حروب كل ألعالم ضدي وقد كان خطاب ألحرب مقززا من قبل صدام فتصاعدت مشاعر كراهيتي ألمدفونة له مع تعمق خوفي منه ،خوف من حيوان كاسر وجائع وقد غدا طليقا ،وكحال ألكثيرين كنت قد أستبشرت خيرا بالثورة ألأيرانية كتحقيق غامض ومتأخر للعدالة ،لكن بطش ألخميني برفاقه وتعليقهم فوق ألمشانق ودفاعه ألشرس لتعميم عالم معتم وتسربله بالكراهية جعلاني غير مدرك، أيهما ألأسوء ، رغم ذاك كنت أدركت بأن فنطازيا ألرعب وألدمار وألدم وجدت مسرحها وأن ألعرض سيطول .
ومع ألحرب تغير مزاجي بعض ألشيء ،فغيرت بعض عاداتي ،ودأبت على تغيير علاقاتي وكذلك ألأماكن ألتي أرتادها مغيرا ملاذاتي ألليلية ،خديجة وزينب سافرتا ألى ألكويت ومن هناك ألى ألمغرب للقاء جابر وفارس ،سمية أرعبتها ألحرب وقصف ألطائرات فتوسلتني للذهاب ألى ألمشخا ب،حيث أخواتها وأخوتها ،فاصطحبت أركان وزهورة ،حيث كانت ألعطلة ألصيفية لم تنتهي بعد ،كنت أتجول بسيارتي منتقلا من مكان لآخر وكأنني أبحث عن شيء لاأعرفه ،وفي أحدى ألليالي ألقيت مرساتي في (بلقيس )وهوبار يقع في بداية شارع أبي نؤاس ، بناء كبير بطابقين ، أرضي (شتوي ) وآخر صيفي ،على ألسطح ،كنت أعرف ألمكان ولكنني لم أدخل فيه ،ربما لشعبيته ،فدخلت الى بهوه ألكبير بموائده ألمتعددة وضجيجه ألعالي ألمحبب وجلست على مائدة منعزلة جهة أليسار تقودني رائحة وبخار أللبلبي وصينية ألمزات ألباذخة من بطيخ وجاجيك وباقلاء وآلوبالو وغيرها ،لم يكن وحش ألحرب ألضاري موجودا ألا بأشباحه وهواجسه وبدأت بأرتشاف ألعرق ألمستكي ،كنت مشوشا بسبب وحدتي وأستشرافي ألمبهم لما ينتظرنا جميعا وقد أخذت بطمس يقين ، أخذ يتصاعد مع ألمذاق ألمتفرد للمستكي ،وهو أنني جئت أستنجد ببلاهة ألآخرين وعفويتهم بل وتقبلهم لما يعد لهم لشحذ عزيمتي ،كنت دائما أقول لنفسي في ألأزمات ألكبيرة (خلي نفسك بدال صدام هسة شلون يفكر ) ،وجدت ألمكان أليفا وكأنني في حمام سوق وبدأت عضلاتي وأعصابي تسترخي ، فنسيت حروب ألدنيا وأشتاقت روحي لخديجة وسمية معا ، كانت ألمائدة ألقريبة مني مزدحمة بخمسة شباب يتحدثون هامسين وقد كلكل ألهم عليهم ،وفي وقت ما ،قفز أثنان منهم فزعين ، أحدهم ألى فوق ( ألصيفي ) وألآخر للحمام ،فيما أخذ ألباقون بالصراخ على بعضهم ألبعض ،كانوا خائفين ،وقد زاد خوفهم كون أحد ألأثنين ألهاربين ،وقد بدأت أنصت لحديثهم ألخافت ، هو من سيدفع حساب ألمائدة ،ربما ماشدني أليهم أيضا ،واحد منهم أسترسل شعره ألأسود ألمجعد ألى ألوراء ،حتي يكاد يصل كتفيه ،كان يشبه جابرا ألى حد بعيد ويحرك كتفيه بنفس ألطريقة ،فأزداد أهتمامي بهم ،ناديت ألنادل وأعطيته مبلغا كبيرا من ألمال ،هذا حسابي وحساب ألمائدة ألمجاورة ،تنفس ألنادل ألصعداء ،وطلبت منه ان يرسل لي صبي مطعم ألسمك ألمسكوف ألمقابل للبار ,وأخذت كأسي وأنتقلت لمائدتهم (ألسلام عليكم أسمي أبو جواد تسمحون أنضم ألكم ) ، أحدهم قال أوووه وألآخر (ألذي يشبه جابر )لم يلتفت لي وألثالث وهوأسمر ألبشرة بكتفين عريضين ووجه أكثر هدوءا من رفيقيه قال وكأنه ينتظرني (تفضل )،لا يوجد في ملامحي ما يشير ألى رجل أمن أومتحرش جنسي ،وبهذا لم أخيفهم ،ولكنهم كانوا مشتتين وخائفين (لدي ولد يشبه صديقكم وهو بعيد عني ألآن ) ،هكذا بررت تطفلي عليهم ،ويبدو أنه نجح فأنتبهوا لما أقوله وقد تغيرت ملامحهم ،وزدت فقلت أليوم عيد ميلاده وبهذه ألمناسبة (وبعد أذنكم ) فلقد دفعت حسابكم وأرجو أن تشاركوني ألعشاء ،أخذت مكاني بينهم ورفعت كأسي( بصحتكم ) ،كان شرابهم نافذا وجاء ألنادل مع صبي ألسمك فأوصيت بالمزيد من ألشراب ثم جاء ألسمك ألمسكوف تسبقة رائحته ألمدوخة ،وهكذا تعرفت على سامر ومحمد ومحمد .
طبقت نصيحة ( ألحاج باقر ) ألى جابر قبل أن أسمعها فوضعت بيضاتي في أكثر من سلة فتعددت خطوط دفاعاتي ،بألأضافة ألى عمارة بيروت وألتي أصبحت حينها بلا ثمن ،كنت أمتلك بناية أخرى في قبرص وتحديدا في ليماسول ،وهي عبارة عن شقتين ومطعم وسوبرماركيت ،يديركل ذلك ويشاركني فيها أيضا (أسحق ) وهو نصف فلسطيني ونصف لبناني ،وكذلك فندق في ألبصرة وبعض ألبساتين وألأراضي ألزراعية في ألمشخاب وأليوسفية وكذلك حقل دواجن في منطقة ألتاجي ومعمل للحلويات وألبسكويت في جميلة وكذلك طبعا محلاتي ومدبغتي ومعملي ألخاص بعملي ألرئيسي في مجال تجارة ألجلود وأحتفظت ببعض ألحسابات ألمصرفية في ألكويت ولبنان وقبرص وألمغرب ولندن وغيرها ،وفي أحد ألأيام وأنا أشرب ألشاي في مكتبي ألكائن في ساحة ألغريري ،دخلت مجموعة من ألرجال وتأكدوا من هويتي ثم أمروني بالحضور في نفس أليوم ألى غرفة تجارة بغداد ألقريبة من مكتبي ،ذهبت على ألفور ألى هناك ودخلت ألى قاعة ألأجتماعات في ألغرفة وقد كانت مكتظة بالحضور من ألتجار وألصناعيين ورجال ألأعمال ، ألذين أعرف ألكثيرين منهم ،وبعد خطبة وطنية ألقاها رجل يرتدي (ألزيتوني )ومحاط بمجموعة من ( ألزيتونيين )كذلك ،متسلحين بمسدسات فضية تتراقص تحت كروشهم ،كان ألهدف واضحا ،اجبارنا على ألتبرع بمبالغ كبيرة للمجهود ألحربي ،وبحاسة شمي ألسياسية ألمتواضعة ،قلت في نفسي هذا كمين ،فبادرت، بعد أن سبقني غيري، فتبرعت بكيلوين من ألذهب ،كان يجلس قربي تاجر أعرفه (ألحاج أمين ) ،وكنا نعرف بعضنا بحيث كنا نسرق بعض ألأوقات لنحتسي ألبيرة( ألمجرشة ) ظهرا في بار في حافظ ألقاضي يدعى( رونق ) ، همس ألحاج بأذني (ك عراضهم ناقصين فلوس ) فقلت له (حجي هاي حفرة لتوكع بيها ) فخرج ألحاج أمين دون أن يتبرع ،قلت في نفسي (فلوسه عزيزة )بعد أيام سمعت بأن ألأمن أقتادوا ألحاج من محله ،ولم يره أحد أو يسمع به من ذلك أليوم وتمت مصادرة أمواله ،ولم يكن وحيدا بتلقي هذا ألمصير ، خسرت بعضا من بيضي ،فنشرت أجنحتي للحفاظ على ما تبقى .
لكنني ام أكن كدجاجة ذلك أليوم وأنما مثل فأر وقع في مصيدة فأستمد من يأسه تهورا ،وهذا ألتهور هو من جعلني أصطحب تلك ألليلة سامرا وألمحمدين ،محمد صادق ومحمد عليوي ، كانوا (جميعهم ) مثلما خمنت هاربين من ألعسكرية ويتنقلون من فندق رخيص لآخر أو غرفة في ألميدان وربما صديق يعطف عليهم وهكذا ،وتركتهم في ديوان ألضيوف فناموا مثل أحجار ثقيلة وأستيقظوا صباحا ودخلوا حماما دافئا واحدا واحدا ثم أعطيتهم ملابس نظيفة من خزانتي وخزانات أولادي ،كنت في تلك ألأوقات وحيدا في ألبيت بألأضافة ألى ألحارس ،خرجنا بعد ذلك وتناولنا فطورا شهيا وأعطيت كل واحد منهم مبلغا من ألمال وأنزلتهم في ألكرادة بعد أن أتفقت على لقائهم بعد أسبوع ، أقنعتهم بتغيير أماكن لقائاتهم ، لا(بلقيس )بعد أليوم ،سنلتقي ألأسبوع ألقادم في ( ألشاطيء ألجميل ) في ( ألسرداب ) ،لم يكن محمد عليوي (وهوألذي يشبه جابر ) هو من شدني للتورط معهم ولكن سامر وهو طالب في أكاديمية ألفنون ،صف منتهي هارب بسبب أتهامه بألشيوعية وهو ألآن متخلف عن ألعسكرية بسبب (زوال أعذاره ) كما يقولون حينها ،أما محمد صادق فهو جندي عاد للتمتع بأجازة فوجد أهله (مسفرين ) ألى أيران ، ولا خبر عنهم وهو لايدري ما يفعل ،بعد أسابيع رتبت حلا لمشكلته ،فعن طريق جواد عرفت بأن أهله وصلوا طهران وعرفنا مكانهم ،ثم هيئت له خروجا آمنا عن طريق مهربين عبر ألشمال ألى أيران ،يومها أحتفلنا في سرداب ألشاطي ء ألجميل وبكوا جميعا وكذلك فعلت وأعطيته مبلغا من ألمال ،وهكذا ألتحق محمد صادق بعائلته ، عندها قلت في سري (واحد صفر لصالحي يا صدام ) .
في شبابي ألمبكر ،كنت أبحث عن ما أومن به ،فكر أومعتقد أوقائد ،شيء أذود عنه وأمنحه فائض طاقتي وعزيمتي ،لكن يتمي وعوزي يحول بيني وبين ذاك ،بعدها آمنت بالحياة ذاتها كقيمة وأمتياز وهبت للأنسان ، فعليه ألحفاظ عليها وألتمتع بها وأستنزاف مكنوناتها من متع وأصوات ودقائق ودهور وهي كالكهرباء لا تدركها ألا بالتواصل ،فأدركت أن ألشر غباء وألخير جمال وذكاء وعطاء وذهبت بعيدا أحيانا فجعلت ألمتعة غاية ومحركا للوجود ،لكن ألمتعة لاتتحقق ألا مع وعبر ألآخرين ، وهؤلاء بيني وبينهم عادات ومحرمات وموروثات ،وأنا أريد أن أغترف كل شيء من أي شيء ومع أي كان ، وكم كنت واثقا من قدرتي على أقناع أكثر ألأدمغة جمودا بجمال ألأشياء ، فالجمال يستوطن هناك ،في ألخلف ،يتوارى
ويموّه وكأنه (يتدلل ) ،وعندما كان جابر معلقا بين ألحياة وألموت ،ونحن (أنا وجلعاد )نبكي دمعا ساخنا فأقول له (ما ألذي جذبك في جابر يا جلعاد فتركت أهلك وعملك ودينك لتتفرغ لرعايته ) (وكأنني أعرفه منذ قرون ياعماه ،وسوف لن أعرف شيئا بدونه ،يبدو لي أحيانا أنه مقذوف من عالم قديم مزقته حروب غير مسبوقة ،ولابد للحروب يا عماه أن تورث حكمة،فيبدو لي جابر ،حكمة حروب كل ما مضى ،وقد حلت عبثا على أجيال وشعوب تستعد لحروب تفوق ألخيال ) ،حينها أدركت أنني أومن بك يا جابر نعم أنت يا جابر وقد أخذت عجينتي ألمشوهة وصنعت منها قلما فكتبت شعرا لأناس مسرعين ،أغلقوا حواسهم فتنبه أليك صديقك أليهودي جلعاد وقد صادفك وأنت في تيه صحرائك عليلا وعطشانا وقد شارفك ألموت ،وبكل حروف ألحب ألتي ذرفتها عيون محرومة ومهزومة رعاك ومنحك ألحياة ،بل وهبني أنا ألحياة وألأمل .
شيوعيون وبعثيون وقوميون ، أينما ذهبت وجدت هذه ألتصنيفات،أصدقاء ، جيران ، تجارو أصهار ،معلمون وطلبة
(نعم على راسي )ولكن قبل ذلك ،هل هم شيوعيون أم بعثيون ،ومنذ ألبداية قاومت ألأغراء بأن أكون شيوعيا ،وساعدني على ذلك (حميد أبن ألمختار ) صديقي ألبعثي ،ألذي كان صديقا حقيقيا ورجلا وقف ألى جانبي في كل مراحل حياتي ،وكان رفيق صولاتي ونديمي وبهذا خفف من حذري من ألبعثيين ونفوري منهم ،ومع ألأيام كانت لي صداقات كثيرة مع ألشيوعيين ،وكنت أستمع أليهم كثيرا وأساندهم في محنهم ألعديدة ،ولكن كل صداقاتي معهم أنتهت بالفشل ،فعلقت أستنتاجي (كونهم بلا وفاء ) ألى حين ،ومضيت في شأني يقودني حدسي ،وقلما أخطأ هذا .
حميد رجل ألمتناقضات وألمتعاكسات ،يحب عبد ألكريم قاسم وصدام معا ، ألقتيل وألقاتل ، (شلون دبرتهه حميد ) فيقول لي بأن ألشعب لم يفهم صدام ،من عليه أن يفهم ألاخر يا أبا جمال، أعطوه فرصة يا كاظم ، سيأخذ فرصته رغم أنف ألجميع ، أما عبد ألكريم قاسم فهو يسميه ( ألخليفة ألخامس ) وهذا ليس وقته وهنا ليس مكانه ، في ليالينا عندما أتصل به لنخرج يستأذنني ليصلي أولا ثم يلحق بي ،حسنا يا أبا جمال تقبل ألله ألطاعات ، أنا ذاهب قبلك ،وحميد يلتقي في مقهى زناد ،على ألشط نهاية شارع ألنهر ليومين أو أكثر في ألأسبوع ،يلعب ألدومينو أوألطاولي مع مجموعة كبيرة من ألأصدقاء وله كذلك عدد من ألخيول تشترك في ألسباق في حي ألمنصور ،حيث يقتني نسخة من جريدة ( ألمضمار ) أو (الهينديكب ) كما يسمونها ليتابع جدول ألسباقات وأسماءألخيول ألمتسابقة وهناك يشتري (جوانص ) ويراهن عبر وسطاء غير شرعيين يسمونهم (كوميشن ) وأشهرهم هوصاحب ألمقهى نفسه ألذي يشبه رئيس مصر حسني مبارك ألى حد كبير وألذي تروى عنه قصص كثيرة فهو كريم ولكن قاسي في أللعب ويقال أنه راهن بسيارته ألفارهة وسعرها بسعر بيت في ألكرادة برمية نرد واحدة فخسرهاوذهب ألى بيته مشيا على ألأقدام ،كنت أكره ألمقاهي فهي ألخطوة ألأخيرة قبل ألمقبرة ،فالملامح ألمتعبة وألأنفاس تتصاعدبتثاقل،ووجوه ألناس وهيئاتهم ومشيتهم أنما تذكرني دائما بحيوان ما ،فهذا فأر وألآخر بوجه حصان يكاد يصهل وهناك ثيران منهكة كثيرة كأنها في مستنقع وهناك فرس ألبحر وألكركدن وألسنجاب وجرذ ألنخل ، أكره ألمقاهي وأعشق ألبارات حيث ألأجراس ألحقيقيةللحياة ،ما أن أدخل بارا تتصاعد ألدماء وألرغبة في عروقي وكأنني ألتهمت شريطا كاملا من ألفياغرا ،وهناك حتى فرس ألبحر يتحول ألى أنسان مرهف .
أستقر سامر ومحمد عليوي في معمل ألحلويات في جميلة ،فكانوا يديرون ألمعمل مع عمال من معارفهم وأخذوا يبيتون هناك أيضا ،أبتدأت ألشوارع تمتلئ ب (زنابير ألأنضباط) ومفارز ألجيش ألشعبي بحثا عن ألهاربين من جبهات ألحرب ،وقد أبلغني سامربأنه فقد أرتباطه بتنظيمه بعد أعتقال آخر حلقة وصل معهم فتفرغ للعمل وألقراءة وأخذت بألأنشداد أكثر لسامر، لخصاله ودقته في ألعمل
ألبقاء في حياتك ،(من عمري على عمرك ) ،كيف أحول تلك ألتمنيات ألشعبية ألى حقيقة ياجابر ،كيف يكون موتك موتي ومرضك سقمي وصحتك عافيتي ،كيف أكون دائما معك بل فيك وجواك وداخلك ،أحارب ألفيروسات وألجراثيم في دمك ،تحت جلدك وفي ألهواء ألذي تتنفسه أدرأ عنك ألمخاطر،بل وأمنع عن مسامعك مايكدرصفوك وعن محياك ما يخدش حيائك ، أردتك أن تكون ألورقة ألبيضاء ألصقيلة في كتابي ألمحترق ،من محنتك تعلمت بأن ألموت ليس هو أصعب ألتجارب ،على ألعكس ، فأن ألحياة وألعيش فقط لحمايتك وألتخفيف عنك هو أثقل ألأشياء ياجابر .
سفر وفراق دموع وعناق ،لماذا يا ربي وأنا قد أكتفيت ببغداد عالما مكتملا ووحيدا فعشقت شوارعها ودفعت زوارقها سعيدا نشوانا ،كما ألعشاق وشربت ترابها بعيوني زقاقا فزقاق ،وأقسمت ، لايبعدني عنها طاغية أو أفاق ،وكنت سعيدابعالمي ألصغير كراحة يدك ياخديجة ،قبل أن تسقيني طموحك وتلبسيني روح ألمقتحم فكانت واسعة وفضفاضة على قلب أليتيم ألخائف وقد جائوا به من ألمشخاب طفلا عمره لم يبلغ ألخمس سنوات ،فتنقلت من ألفناهرة ألى ألتسابيل فقنبرعلي وأخيرا ألدشتي وكلها محلات في رصافة بغداد وفي ألدشتي عملت مع أبيك وكان قريبا لي من بعيد ومثلما عشقتك يا خديجة ، أحببت بغداد ، وكدت ،لولا لجامك يا حباه ، أن أجن ببغداد مثل متصوفيها وقد صلبوا على أبوابها فتناثرت دماؤهم على وجهها ألذي لايشيخ ،كم كنت أفهم عشاق بغداد ،هؤلاء ألذين ماتوا وهم يحتضنونها على ضفاف دجلتها ،عبد ألأمير ألحصيري وغني ألطويل ومحمدحسين طويريج وفهمت أصرارهم على ألرحيل وأظفارهم تتشبث بطين دجلة ، عندما قلت لي أخيرا يا خديجة (كاظم تعبت كافي ، أريد أحبك على طريقتي ) ،فأبتعدت ولازلت قريبة ،ولم أتوهم بحرية حصلت عليها وأنا ألجذلان بعبوديتي لك
طعام ونبيذ وفن ،هذا عنوان أحدى مغامراتي ،لم أبع كتبا في حياتي ولا أفتتحت مطعما ،كان هذا بالنسبة لي خيانة ،رغم أنني لآ أتورع من ألتجارة في كل شيء،وكنت أتمنى أن أمتلك بارا ولتذهب ألأعراف ألى ألجحيم فلطالما تأملت بدور ألبارات في ألعراق حصرا،فهي ليست أماكن تسقي ألشراب فحسب ولكنها أيضا مساحات كثيفة لتوليد وأخصاب ألوعي ألسياسي وألثقافي وألأجتماعي ولا أدري مالفرق بينها وبين نظيراتها في ما يجاورنا من بلاد ,لكنني أعرف أن ألبار ألعراقي مختلف وسينتبه ألحكام بعد ذلك لهذا وسيحاربونه بكل قوة وخبث ،وفي أول ألثمانينات كانت حمى ألخمور في أوجها وكان عليك أن تذهب مبكرا لتحجزمائدة في بار ما وتوسعت هذه ألبارات لتكون في كل منطقة وداخل ألأزقة ألضيقة وكلها تمتلئ بالزبائن وكأن ألناس أحسوا بغريزة مبهمة ،أن جفافا وعطشا وكربا على ألأبواب وأستمعوا لنصيحة مظفر (ياهذا ألبدوي ألممعن في ألهجرات ، تزود قبل ألربع ألخالي بقطرة ماء ) وألحق يقال فأن ألمستوى ألمعيشي للناس قد تحسن ،وأسعارألخمر رخيصة وأوروزدي باك يجهز ألزبائن ألمتكاثرين بأفضل أنواع ألخمور وبأرخص ألأسعار ،فأنتابتني ألحمى ولكن أردت أن تكون بصمتي موجودة كالعا دة ،فأتخذت مكانا في منطقة عرصات ألهندية وأنشأته على شكل محارة فضية تستقر وكأنها على وشك ألأنزلاق من كفة يد ألى لجة بحر أزرق ،حيث ألمدخل وألباب وألممر يتموج بلون أزرق يفضي ألى عتمة شفيفة ،ألبار مع ستولات على أليمين وبيانو مع عازف يرتدي سموكينغ أسود في ألنهاية وهو يعزف ألحانا هادئة ،ممكن تنويعها بطلبات لزبائن مهتاجين ليسمعوا أغنية لأم كلثوم أو فيروزوكل ألجدران تزينها لوحات لرسوم من مدارس مختلفة ،ساهم سامر بأختيارها ، وألموائد صقيلة من خشب فاخر وبين مائدة واخرى حواجز مخرمة بزخرف أندلسي ،تكشف أكثر مما تخفي ،ثم تركت أدارته لصديقي عوني ،مديرا وشريكا ثم أسميته ،طعام ونبيذ وفن ، بعدها تنفست ألصعداء .
من ألمغرب عادت خديجة بصحبة زينب ألى ألكويت بعد أن قضت أكثر من أربعين يوما مع فارس وكانتا قد تمتعتا بصحبة جابر في ألكويت لشهر كامل ،توقفت حركة ألطائرات ألى بغداد بسبب ألحرب ،فعادتا ألى ألكويت وبعد قضاء أسبوعين آخرين مع جابر وجواد ،عادتا عبر ألطريق ألبري عن طريق صفوان الى ألبصرة ليكملا ألطريق ألى بغداد وفضل جواد أن يصطحبهما ألى ألبصرة ثم يعود ،وكان ذلك خطئا كبيرا دفعنا مقابله ألكثير ،كانت مواليد جواد ليست في ألخدمة ،بألأضافة ألى كونه مقيما في ألكويت ،وهذا بحد ذاته يعتبر عذرا من ألألتحاق( بخدمة ألعلم ) ،ولكن ماحصل هو أعتقال جواد لدى عودته في صفوان ،بأعتباره متخلفا من ألخدمة ألعسكرية ،وهذا ماكان يحدث كثيرا تلك ألأيام فأخذوه مخفورا ألى معتقل للأنضباط ألعسكري بالقرب من ساحة سعد في ألبصرة ،علمت في أليوم ألثاني عن طريق أحد ألجنود ألذي تطوع لنقل ألخبر لي ،صعقني ألخبر ،هذا لم يكن في ألحسبان ، أتصلت بحيمد وذهبنا على ألفور ألى ألبصرة مصطحبين معنا ضابطا برتبة لواء من أصدقاء حميد ،وفي ذات أليوم عصرا كنا عائدين ألى بغداد وجواد معنا ،بعد أن تركنا سيارته في بيت أحد ألأ صدقاء في منطقة ألطويسة ،وبدأت معركة أعادته ألى ألكويت أو أخراجه من ألجحيم بأية طريقة كانت ،ومن كل هذه ( ألخبصة ) حصلت على فائدة غير متوقعة ،خديجة أختارت أن تبقى في بيتي طوال أزمة جواد ، لتحثني على ألعمل لخلاصه كما تقول هي ، كان شخص آخر أكثر سعادة مني لهذا ألقرار ، سمية ! .
رغم وفاة ألحاج باقر فأن جابرا أستمر في أدائه ألجيد ،فجاء (هادي ) أبن ألحاج باقر ألى ألكويت ومعه توصية من أبيه بأن لايخسر جابر وأوصاه كذلك بأستمرار شراكتهم في ألمحل ،وبعد أيام من ألحسابات وتبادل ألآراء حول ألتوسع وكذلك ألمزيد من ألتعارف ، أعجب هادي بجابر وأعترف له بأنه جاء ألى ألكويت لتصفية ألمحل رغم وصية أبيه ولكنه بعد معرفته بجابر ،فهم سر تعلق أبيه بجابر ،كان هادي في ألأربعينيات من عمره بملامح وسلوك أرستقراطي ورغم ذلك فهو ينطوي على ثغرة في روحه ،تجعله يبدو ضائعا ورغم فارق ألعمر بينه وبين جابر ترك لجابر ألقياد في أمور كثيرة ،كان جابر في هذه ألأيام يذهب ويجيء ألى دمشق لأكمال دراسته ويوسع من علاقاته ومعارفه ،قطع علاقته بالحزب ألشيوعي بعد أن تعرف على مفكر عراقي هناك يدعى ( ألعلوي ) ووقع تحت تأثيره ووجد عنده أجوبة لأسئلته وكانت توليفته عن ألمشاعية وألتصوف وألزهد وجدت صدى في نفس جابر ألتواقة للتضحية وألحساسة لآلام ألآخرين ،وحينما يذهب ألى بيت (ألعلوي ) ألبسيط يجد لديه شبابا ثائرين على كل شيء ورجال دين منفتحين ويسخرون من أنفسهم وشعراء وصعاليك ،وبعد أن تحدث جابر لهادي أبن ألحاج باقر عن ألعلوي ، أبدى هادي رغبة في رؤيته ،فذهبا معا ألى دمشق وبعد ألأستئذان ،حلاّ ضيفين على ألعلوي فأزداد أعجاب هادي به وكذلك بجابر، وأقترب هادي من جابر جدا ،وربما أكثر من ألطبيعي ، فهادي كانت له آراء غريبة وهي تخصه في كل ألأحوال ،وخلال علاقتهم ألعاصفة وألتي لم تستمر أكثر من شهرين ،كانت ألتجارة وراء ظهورهم ،رغم أن جابرا لم يكن ليهمل عمله في كل ألظروف ،وهذه أحدى علامات تفرده وقوته ،في تلك ألفترة باح هادي لجابر بخليط أفكاره ألمتنافرة مقارنة بالمنظومة ألفكرية لجابر وألتي لاتتوقف عن ألتطور وألتنظيم ،يقول هادي أن شاه أيران كان مثله ألأعلى بألأضافة لستالين وهتلر وهذا موضوع آخر ،لكنه توقف عن ألأعجاب بالشاه عندم أستسلم أمام ( ألرعاع )كما يسميهم هادي وأكتفى بقتل ثمانين ألف منهم فقط !!! وتخلى عن ألسلطة ،ثم أنتقل أعجابه للخميني عندما أعدم صادق قطب زادة ورفاقه ألآخرين وهو بهذا فهم ألسلطة وتقمصها ،ثم تلاشت هالة ألخميني بعد أن قام بالتنكيل بفدائيي ومجاهدي خلق ،وكان هؤلاء بالنسبة لهادي هم ألقادرين على رسم ملامح ألمنطقة ،وبشكل عام كانت لهادي مزيج من أفكار فاشية وماركسية وغير ذلك ،(لكنك ألان مثلي ألأعلى ياجابر وسأتبنى رؤيتك للعالم وحلولك ) ،لم يتحدث لي جابر كيف أنتهت علاقته بهادي ،من فعل ذلك كان جلعاد ، فقال لي ،لقد كانت تجربته مع هادي هي من عكرت صداقته لي حيث ترسب أثرها ألسلبي في نفسه ألسوية وغدا متشككا ألى ألحد ألذي جعله يحتفظ بمسافة ما تبعده من أية حميمة في علاقاته مع ألناس ،ماذا حصل يا جلعاد ،لقد آمن هادي فعلا بجابر يا عماه وقد كان يؤمن أنهما فعلا قادران على تغيير ألعالم وأقترح عليه ألذهاب الى سويسرا وألأعتكاف للقراءة وألشعر وأجتراح ألحلول ،لكنه ذهب بعيدا عندما قال لجابر مامعناه بأن روحيهما يجب أن تتحدا ويكونا مقدامين ومتقدمين عبرألأكتفاء ألجنسي ودعاها مباشرة للمثلية ألجنسية كذروة للتجاوز وألريادة ،لقد طعن هادي جابرا في عرين ذاته ألشفيف وألذي أحتفظ به مثل جوهرة مخبوءة في أعماقه ، وبقدر ما كان حزينا ،كان حاسما ،لقد أيقن جابر أستحالة أستمرار هلاقته ألسريعة وألعميقة مع هادي ،ولقد ترافق ذلك مع نفور بدأ يزداد من ألكويت بذاتها فهو كان يقول (ألكويت ليست مدينة ، أنها كاراج كبير للسيارات فحسب ) ومع عشقه ألمتنامي للشام وأهلها وما حصل مع هادي ،قام بتصفية أعماله في ألكويت وأنتقل ألى دمشق ليفتتح هناك محلا جديدا للصياغة ولم ير أو يسمع بهادي مرة أخرى ، كان جابر يتخذ ألقرارات لوحده ويضعها أمامنا (أنا وخديجة وجواد ) على ألطاولة ،وسوف لن يعترض أي منا أبدا ( سلامة راسك جابر ) نعم يا حبيبي ألمهم أن تحيا ، اتوسل أليك ياجابر أن تحيا وتنهض بحق جيفارا وألمسيح وسبارتاكوس .
ألموت ليس قضاءا ولاقدرا ياجابر ولاهو أجل أوكتاب كذلك ، أنما هو فكرة ، ما أن تصدقها أو تجعلها تخترقك وتهيمن عليك فسيأتيك ألموت مهرولا ويأخذك ويأخذمن تحب بعربته ألمرعبة ، وفي تلك ألأيام ، أيام ألحرب وألجنون ،حيث كان ألموت يتجول في ألآحياء وألبيوت وكأنه أستوطن ألعراق وطاب له ألمقام حتى قال صدام (يا حوم أتبع لو جرينه ) ،في تلك ألأيام يا جابر لم أكن أخشاه ،لاعلي ولاعليكم ،فلقد كنت ممسكا بقرني ألحياة وكان ثورها ألهائج يراقصني ،وقد كنت أسخر في سري من رغبة صدام ألدموية بأرسال ألشباب أليه بألآلاف فبدا حاله حال من أفتتح مرآبا خرافيا وتعهد بأحتكار ألنقليات حصرا ألى ألضفة ألآخرى ، سمعت عنه في ما بعد قوله ( سآكل آخر سمكة في دجلة ) يالغروره ، وألآن كم أسخر منه وأنا آكل سمكة مسكوفة مع قوطية بيرة ،بينما جسده أصبح حفلا لدود ألأرض في قبره في ألعوجة ، وأنت في محنتك يا جابر تمسك بالحياة ولاتفكر بالموت فتجعله يحوم حولك ، أطرده بغناء ألحنجرة ألعليلة ورقصة ألأقدام ألمتعبة وأعلم أنه خبيث وجشع فأهزمه عند ألأبواب وأوصدها يابابي ألمرصعة بدموعنا ودعواتنا ،قاوم ياقوتي ،أخوك جلعاد يقودني ألان بعيدا عن ألأبواب
أنت لا تنظر ألي يا جلعاد ،تتكلم وعيناك في ألأرض ، أتخجل مني يا بني ؟ (ياعماه لفرط ما تحدث لي جابر عنك فأنا أحترمك جدا و عفوا يا عماه أحبك مثل أبي ، حتى تمنيت أن تكون أبي ،فأحتضنك بقوة فأشم رائحة رجولة نظيفة وأنسانية تتنفس وكأنها حاضنة تجاهد لتمنح ألحياة لطفل خديج ،يا ألله لقد رمتني تلك ألرائحة مثل طائر رخ عملاق ألى ضفة أخرى ،الى ماقبل أكثر من أربعين عاما ،ألى قنبر علي في بيت عمي وجارتهم أليهودية أم عزيز وأختها كرجية وألرجل ألغامض ( ألياهو ) ألذي كان يزورهم بين ألحين وألآخر (وألذي سمعنا أنه ذهب ألى أسرائيل فيما بعد ) ويعقوب ، ألرجل ألأنيق أللطيف وهويحمل علب (ألسعوط) في جيب جاكيته ،حيث يضع بعضا منها في منخريه ليسعل بقوة ،جيبه هذا يحتوي على أشياء كثيرة ،قطع جكليت يعطيني واحدة كلما رآني وكذلك بطاقات لدخول سينما علاء ألدين في شارع ألرشيد قرب ألمقهى ألبرازيلي ،فهو على مايبدو يمتلك أسهما فيها أو شيء من هذا ألقبيل ،شممت رائحة قوية ونفاذة ومحببة لجبن يخرج من بستوكة كبيرة خضراء قاتمة أللون وصمون أسمر يختلف عن رغيف تنور بيت عمي ،تذكرت وجه كرجية ألأسمر ألعربي ألجاد وألمختلف عن أحمرار وجه أم عزيز وبدانتها وروح دعابتها ألتي لم تنتكس أبدا،و حتى بعد أن تمرضت أم عزيز بداء ألخرف ونقلت ألى بيت كرجية في ألبتاويين ،لم تنقطع زوجة عمي ألطيبة عن زيارتها بين ألحين والآخر حتى وفاتها فلبست عليها ألأسود لأربعين يوما وبكيت لبكائها ،يرحمك ألله يا أم عزيز وأهلا بك يا ولدي جلعاد .
أحببت جابر عندما رأيته لأول مرة ،يقول جلعاد ،وهو ينزل من شقته بوسامته ونحوله وشعره ألطويل ألفاحم وأناقته ألفطرية ويمر من أمام متجرنا ألكبير وهو مطرق ألرأس ،ثم أستهوتني أللهجة ألعراقية عندما سمعتها من بعض ألعراقيين وهم يستوقفون جابرا لينضم أليهم فيجاملهم لبعض دقائق ثم يمضي لحال سبيله فجذبتني جملهم ومفرداتهم ألرجولية وأكثر ما أنتبهت أليه شتائمهم لبعضهم وهم يمزحون فيما بينهم (أبو أل..... )( وأخ أل .... ) ، ولفرط تركيزي عليه ، أحسست أنه ليس على ما يرام ألى ان حانت فرصتي بالتقرب أليه عندما سقط مغشيا عليه في ألشارع ليس بعيدا عن محلنا ،فهممت بحمله مع أخي وأدخاله في سيارتي وألذهاب به ألى ألمشفى ،وهناك صدمت عندما عرفت بمرضه،ولم أفارقه بعد ذلك ،وكلما عرفته أكثر أزداد تمسكي به وتورط أهلي كلهم بتعلقي بجابر وصار هو قضيتنا ومحبوبنا .
كان جحيم ألحرب يتسع بشكل جنوني وصار مشهد ألتوابيت ألمغطاة بالعلم ألعراقي مشهدا مألوفا في ألطرق وألحارات ودولاب ألنار وألدم يدور بسرعة وتكاد لاتسلم أية عائلة منه ،وكان يمكن لجواد أذا ما ألتحق بدائرة تجنيده ، أن يزج فورا في أحد ألجبهات ،وبعد أيام يعود لي ملفوفا بعلم ،لاوقت للمناورة ووعود حميد أبن ألمختار بتثبيته في ( ألقلم ) ، أي بعيدا عن ألجبهة ، لاتقنعني ، وكلمات خديجة وتوسلاتها ألأستثنائية ( لاتدزه كاظم فدوة أروحلك ) ،ففاتحت سامرا ومحمد عليوي ،وقد استقرت أمورهما جيدا في معمل جميلة ورتبوا أوضاعهم، قال سامر نستطيع أن نضمن له طريق ألى ايران عن طريق ألشمال ومن هناك يوجد من يساعده ويوصله ألى ألبحرين أو ألأمارات ،وبأنتظار ذلك وحتى أتخذ ألقرار ألنهائي في ألموضوع ، أبقيت جواد مع سامر ومحمد في جميلة بعد أن أجريت بعض ألتحسينات على ألمكان ليكون أكثر أمنا وراحة وتوثقت ألعلاقة بين جواد وسامر ،رغم أن جواد لايحتسي ألخمور ويواظب على صلاته ، في هذه ألأثناء كنت أعود يوميا ألى ألبيت مبكرا لأكون قريبا من خديجة ألتي أستبد بها ألقلق ،كانت خديجة وسمية وزينب وزهراء وأركان يبيتون جميعهم في ألديوان ،وأنا أتسلل ليلا ألى غرفتي لأنام بعد أن أقضي ألليل وسطهم بينما سمية وزينب تتنافسان لخدمتي وخدمة خديجة ، أنا أحتسي شرابي وهي تدخن أركيلتها وأركان ينفخ بأحجارها ،فيما هي تنظر ألي وألى سمية وتبتسم ,ولولا تشتت بالي بسبب جواد ، لكنت سعيدا جدا .
(يا أبي أنت تخترق حصون جابر عبرألألتفاف وألتسلل من خلالي ) وأبتسم جلعاد بعد ذلك ،وعندما يبتسم ،تظهر ثغرة محببة بين أسنانه ،هي بمثابة بوابة تغور منها ألى دواخله، (رغم صدمة جابر من تجربته مع هادي أبن ألحاج باقر وربما بسببها )يضيف جلعاد (وبسبب ألمد ألعالي لأندفاعات تقاربنا ولهفتنا ودهشتنا بتعارفنا وصداقتنا ألعاصفة ،فكنا لانفترق ونسينا مرضه لبرهة من ألزمن وتوغل كل منا في روح ألآخر بحرص ومتعة وكأننا علماء أحفوريات ،نخلص مومياءا من تحت تراب ألقرون ، ومنذ ألبداية فكرنا في ألنهايات وبصوت واضح وواحد ، قلنا أن حبنا لبعضنا بحر متلاطم وشاطئه ألجسد ،فبسبب طبيعيتنا ونفورنا من (شذوذ ) ،يمكن أن يقصف حبنا ،فتطامنا أن لانسقط في هذه ألغواية،حتى صار عري صداقتنا حليبيا صحيا ،لايشعر بالذنب ويطيش كذلك ،غير مبال بالعواقب ) لم يدهشني ما قاله جلعاد ،حتى كأنني أعرفه بالتفاصيل ،ولكن يا جلعاد ماذا عنه ،هل كان طبيعيا ،هل كانت له حبيبة هل مارس ألجنس مع صديقة ،هل ذهبتما ألى ماخور أو هل ذهب هو قبل ذلك في ألكويت أوبغداد أو أدمشق ،لاتخفي عني شيئا ياولدي ،سكت جلعاد وطال سكوته وعيناه تخترق أرضية ألفندق ،( لايشبه جابر أحدا رغم طبيعيته ، فهو كان يمارس ألجنس مع جثة مقدسة أن صح هذا ألقول ،فهو كما تعلم يا والدي لديه أبنة خالة ، زينة ،وهي بعمره تقريبا ،وكما تعلم يا أبي فلقد أعدمتها حكومتكم لأنها شيوعية في ألعام 1981 كما أظن ، وعندما كانا في عمر ألثانية عشر ،سافر جابر مع أمه في ألعطلة ألصيفية ألى ألمشخاب ،وكانت زينه هناك وكان يتخاصمان ويتناقران طوال ألنهار ،وفي ألليل ينام ألجميع وتنام زينة قرب جابر ،وهذه بداية تفتحهما ألجنسي فيتعانقان طوال ألليل وتمتد ألأيادي وألأذرع لأكتشاف تضاريس ألآخر ألمبهرة، ماهذا يا زينه أنه ،جميل بزغبه ألنامي توا ،ولكن( مالتك أحلى جابر ،يخبل أريد آخذه وياية ) وفي نهاية ألصيف عاد جابر ألى بغداد ولكن ضراوة هذا ألحب ونار تلك ألرغبة لم تخمد ،وكانا ينتظران ألصيف ألآخر أو ألأعياد أوألمناسبات ،بل حتى ألجنازات ليرويا ظمئهما ،حتى قبول زينه في كلية ألآداب في بغداد ومكوثها في ألقسم ألداخلي للطالبات وترددها على بيت أمه في ألكاظمية،فوجد ذلك ألتأجج أكثر من متنفس له ، في ألبيت وحتى في ألقسم ألداخلي بتواطىء من ألطالبات ألضاحكات وكذلك من ألحارس ألمتجهم وهو يدندن ( يا طابخ ألفاس ترجه من ألحديدة مرق ) ،ماحصل بيني وبين زينة ،قال لي جابر ، يكفيني لألف عام فطعم جسدها ومذاق ريقها وفرجها ألذي أراه كل يوم وبشكل آخر كأنه فرج جديد يختلف عن ألبارحة،وبعد أن أعتقلوها وغيبوها ،ببساطة ماحصل لي ليس وفاءا ،كل مافي ألأمر ، فأن زينه تركت لي مجلدات من ألحب وألجنس وأشغلتني بفتنتها وهي هناك ، لقد زودتني لرحلة ألمائة عام بطعم لايفنى ،تعرق ما تحت أبطها ألحامض كليمونة بعقوبية ونصف سؤال غامض على ألشفاه ألممتلئة لفرجها ، هذا يكفيني يا جلعاد ، يكفيني لألف عام ولقد أعدت جيدا زينه لرحلتها ، مثل فرعون يخطو نحو ألخلود )
(ولماذا لاتسافر أنت يا سامر ) سألت سامر بعد أن تحدث لي بمرارة ،عن هروب قيادات حزبه وبقائهم وحيدين بدون توجيهات ولا أمكانيات ولامخابىء وبدون وسائل للدفاع عن ألنفس ،(عمو أبوجواد ،أنا أصبحت شيوعيا بعد تفكير عميق وقراءة معمقة للفكر ،فلايوجد أحد في عائلتي شيوعي واحد ،والدي رجل دين وأخوالي ضباط مسلكيون وأخوتي بعثيون ،وهم قاطعوني منذ زمن بعيد وهم على أستعداد لتسليمي للجلاد ، أذا ما عرفوا مكاني ، على كل حال هم بعيدون في حديثة وأقاربي في بغداد معدودون ولكن ألأمن يبحث عني ولديهم معلومات وفيرة عني وهناك أعترافات لرفاق أنهاروا تحت ألتعذيب ،عمو أنا مؤمن بقضيتي وأعلم أن أنتصارها بعيد ولكنني سأنتظر وسأقدم قصارى ما أمتلك من طاقة وأمكانيات وجهد حتى عودة ألحزب وأعادة ربطنا بالتنظيم ،هذه ألحرب ستنهي صدام وسيثور ألشعب وسيحصل فراغ ويجب أن يتواجد من يوجه ألتمرد ويستثمر ذلك ألفراغ ، بعدين عمو لاتتصور أنا وحدي هناك خلايا وأفراد منقطعين في بغداد وفي ألمحافظات ونحن نعمل على ألتواصل وألتنسيق . ) ،لقد بدأت بألأعجاب بسامر وأصبحت أحبه كواحد من أولادي ،وحملت همه وأفكر كثيرا بخلاصه ولا أتحمل فكرة خسارته وسقوطه بيد ألجلادين ، غير أنه لايسمح لي أبدا بالتدخل في عمله ألسياسي وأعلم جيدا ، انه سيترك كل شيء ويمضي للجحيم أذا ما وضعت شروطا أوقيودا لحركته وعلاقاته ،فأمتدت بيننا مساحة رمادية من عدم ألتدخل وألحياد ،غيرذاك كان سامر يتحول بسرعة ألى أخ وصديق ،وتضاعفت مسؤوليتي عندما قال لي جواد ( بابا أحترمتك وأحببتك أكثر عندما تحدث لي سامرعن ما فعلت لهم ، أصبحت أعرف جيدا لماذا أحبك هواية .
يالغبائي ويا لخديجة ، كيف أفلحتي يا خديجة بأخفاء علاقة جابر بزينة ،وكيف لم أشعربذلك ،اين ذكائك ودقة ملاحظتك ألتي تفتخر بها يا كويظم ، وماذا تخفين عني غير ذلك يا خديجة ،وماهذا ألذي لا أراه خلف (فلترك ) وألذي من خلاله توصلين وتمنعين ما يجب أن أعرف أو لاأعرف ،لطالما قلت لك بأنني سعيد بتسليمي لقيادي لك وأستسلامي لمارشك ألعسكري ،وماهو لعبة بالنسبة أليك ،هوحياتي كلها يا خديجة ، نعم هذا ما أقصده ،لعبة ألأختفاء وألتخفي وألأقنعة وألظهور ألمفاجىء ،أنا من أختار ألركض عاريا في دروبك ألمعتمة ،وكنت أعلم أن عينا لك في كل منعطف وفوق كل باب ،وأنا أعلم ألي أين تريدين أن أنتهي ، ألى ألشعور بالخزي من غرائزي ، لكن ألأمور بالنسبة لي تختلف يا خديجة وهذا ولايمكن أن تفهميه ،فغرائزي هي أرقامي ألسرية لمقارعة ألعالم ، فهو ثور هائج ، أما أن تمسكه من قرنيه وأما أن ( ينطحك ) فيصرعك ، ومثلما قال بعدئذ (أبو فلاح) شريكي في زنزانة سجن أبو غريب ،(لو تنيجه لو ينيجك ) .
مثل ألأفاعي وهي تغادر جحورها أذا ما أحست بقرب حصول ألزلازل وكالكلاب عندما لاتنقطع عن ألنباح مستشعرة عبر قوى خفية بدوي ألهزات ألأرضية قبل وقوعها بأيام ، كنت وقبل أسابيع من نزول ألكارثة قد أستشرفت رعبا لضربة قاصمة على رأسي ، لا أدري من أين وكيف ،فكنت أدور على نفسي وألف ألشوارع وحيدا قائدا سيارتي بأتجاه لاهدف وأنا أنوء تحت حمل هم ثقيل لا أستطيع ألبوح به لأحد ،خصوصا خديجة ،حاولت أن أجعل سامر يشاطرني برفع هذا ألثقل (سافروا عمو ،صدام لم يجعل ألعراق في مثلث برمودا فحسب بل صار كل عراقي يخوض وحيدا أعزلا في أرخبيل مظلم ، أنا أستطيع أن أهيء لكم (كوستر ) جاهز ،ولن يترككم ألا في طهران ،ومن هناك يستقبلكم من سيوصلكم ألى أية وجهة تريدون ،بيروت ، ألشام، قبرص أو تركيا فإوربا ، قبل ذلك نحول مايكفيكم من أموال لجهة أمينة ، سأجعل نسبة ألمجازفة صفر ،فكر بالموضوع عمو وأنا رهن أشارتك . ) قلت لأحصن نفسي أولا ، فنقطة ضعفي ألوحيدة موضوع جواد وسامر ، قمت بشراء حقل دواجن جديد في أليوسفية وجهزته كفندق خمسة نجوم ، وأقنعت سامر وجوادومحمد بألأنتقال مؤقتا أليه وألمكوث به وعدم ألخروج ورغم عناد سامر فلقد رضخ بالنهاية (فقط لكي ترتاح عمو )وأستصحب معه عدته من مستلزمات تزوير ألهويات وطبع نماذج ألنزول للعسكريين ألمجازين وغيرذلك من عدة ،شعرت ببعض ألراحة وأخبرت خديجة بألأ مر(عاشت أيدك ) ،ولكن على مايبدو ،ثمه عين كبيرة تراقبني وترصد خطواتي ، كنت أحس بنار تلك ألنظرات تحرق رقبتي فألعن ألشيطان ،وفي ذلك اليوم ألمشؤوم أستيقظت مبكرا فنزلت ووجدت خديجة مستيقظةومنتفخة ألعينين ،لم تستطع ألنوم على ما يبدو ، وما أن سمعت سمية سعالي حتى هبت من فراشها ألقريب من فراش خديجة ، قالت لها خديجة (نامي سمية )وقامت على غير عادتها لأعداد ألفطور لي ،حاولت سمية أن تعترض فنهرتها خديجة (نامي ) سمعت وقع خطوات غير واضحة على سطح ألدار وأخرى أوضح وأقوى من جهة ألحديقة رافقتها دقات قوية على ألباب ألخارجي وصوت ألجرس عصبيا وطويلا ثم دقات مرعبة على ألباب ألخشبي بعدها تم كسر ألباب وتدفق رجال مسلحون من فوق ومن ألباب ألخشبي وحتى من باب ألمطبخ ،كانوا خليطا من مدنيين مسلحين ببنادق كلاشينكوف وآخرين يرتدون ألزيتوني بأستثناء شخصين يرتديان طقم مع ربطة عنق ويحملان مسدسين ، هجموا علي وقاموا بركلي وضربي ومع صراخ خديجة وسمية وزينب أنهالوا عليهن بالضرب،بعد ساعات ،في ألمعتقل ألؤقت ، فهمت أنهم أقتحموا حقل ألدواجن في أليوسفية ، حاول سامر ألهرب فقتلوه وأعتقلوا محمد وجواد ،لم أر جواد بعد ذلك أبدا حتى فهمت بعد سنوات أنه مات تحت ألتعذيب ، أما محمد عليوي فقد تم أعدامه بعد سنتين ،خديجة أيضا لم تنجو فماتت بالسكته ألقلبية بعد أيام ،سميه أنهارت وأصيبت بأنهيار عصبي فقدت بعدها ألنطق لتصاب بسرطان ألكلى وألرحم وأيضا ماتت بعدثمانية أشهر ، أما أنا فلقد بدأت برحلة جديدة .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,271,911
- وهم ألليبرالية في ألعراق
- درس في ألعدمية ألسياسية
- ألأثمان ألباهظة قراءة في رواية (سيدات سيبيريا ) للكاتب هنري ...
- ثلج للكاتب ألتركي الحاصل على جائزة نوبل أورهان باموك
- ألبنية ألخفية للأرهاب في ألعراق
- في وداع شارع ألمتنبي
- أمريكا وألعراق وجه مثخن بالكدمات
- ألسفير كروكر وأثيل ألنجيفي وعبد ألكريم قاسم


المزيد.....




- وزارة الثقافة تتحرك ضد واقعة جلوس أحد العازفين فوق بيانو يعد ...
- بفيلم استقصائي.. الجزيرة تكشف علاقة متطرفي -هوية الجيل- بالج ...
- ظنوا أنها مزحة.. ممثل كوميدي هندي يتوفى على خشبة المسرح في د ...
- -سيدة البحر- للمخرجة السعودية -شهد أمين- للعرض في مهرجان فين ...
- بعد استقالة الأزمي.. العثماني يجتمع ببرلمانيي المصباح
- علامات الممثل عند دينس ديدرو
- ثروة الفنون التشكيلية الجميلة
- فيلم يجمع بين أنجيلينا جولي وسلمى حايك
- الموسيقى تضيء شارع المتنبي
- كاريكاتير العدد 4474


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كامل عبد ألرحيم ألسعداوي - رواية : أبني أليهودي ألفصل ألأول :جواد يدفع ألثمن ألأهداء ألى جعفر و جوناثان