أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - كيف نقرأ قصص الأنبياء؟















المزيد.....

كيف نقرأ قصص الأنبياء؟


محمد علي عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 4295 - 2013 / 12 / 4 - 01:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يعرِف أكثرُنا أغنيةَ فيروز الشهيرة "حنَّا السكران". ما أجملَها لحناً وقصةً وحكايةً! ولكنْ كم ستكون قبيحةً إذا اعتبرْنا كلماتِها حقيقةً مُلزِمة للإيمان كأي نص مقدَّس. ستفقد هذه الأغنيةُ كلَّ جمالِها فيما لو اعتبرْنا أنَّ هناك شخصاً حقيقياً اسمه حنَّا وأنه نبيُّ أو مخَلِّصٌ جاء ليهديَنا إلى دين الحق أو جاء ليخلِّصَنا ويُنجِّـيَـنا من الشِّرِّير الشيطان وأنَّ علينا أنْ نؤمنَ به. كم ستكون قبيحةً إذا قَتلَ أو أهان المؤمنون بحرفيتها كلَّ من يرفض الإيمانَ بوجود حنَّا وبِنُبوَّتِه أو كلَّ من يلعنُ حنَّا ودِينَ حنَّا.

بالمقابل، كم ستكون جميلةً تلك القصصُ الخرافيةُ كقصص آدمَ ونوح ويوسف ويونس وهود وعيسى ومحمد وحتى ذي القرنين ويأجوج ومأجوج لو أننا اعتبرناها جميعاً كأغنية حنَّا السكران تماماً. إنَّ جَمالَ هذه القصص يكمن في خُرافيتها، في أَسْطَرتِها، في مغزاها.

عندما يسمع أحدُنا أغنيةَ "حنَّا السكران" لا يخطرُ في باله ولا يهمُّه أيضاً أنْ يسألَ إنْ كانت شخصيةُ حنّا موجودةً فعلاً أو إنْ كان الأَخَوانِ رحباني قد استلهماها من إنسان حقيقي من لحم ودم اسمُه الحقيقي "حنّا" أو أنهما أعطوه اسمَ "حنَّا". ما يهمُّ سامعَ الأغنيةِ هو الاستمتاع بجَمال لحنِ الأغنيةِ وكلماتِها.

ولو أننا قرأنا حكاياتِ جان دو لافونتين Jean de LA FONTAINE (1621 - 1695) أو كَلِيلة ودِمْنة قراءةً حَرْفيةً لفقدَتْ معناها وجمالَها. كذلك فإنَّ قصصَ الأديان هي حكاياتٌ رمزيةٌ وأساطيرُ ينبغي قراءةُ رموزها وفكُّها للوصول إلى مغزاها والهدف من كتابتها. وبالتالي فإذا فهِمناها فهماً حَرْفياً أعطت معنىً عكسياً مخالفاً تماماً لِما وُضِعَت له. إنَّ القراءة الحَرْفية للقصة الرمزية تحريفٌ لها، لا بل إنَّ القراءة الحَرْفية تَقتلُ المعنى. فـ"الحَرْفُ يقتل ولكنَّ الروحَ يحيي" (2 كورنثوس، 3، 6). ما نحتاجُ إليه إذاً هو قراءةٌ حِــرَفِيَّة لا حَرْفِيَّة.

ولذلك أصبحَت قصصُ الأنبياء قصصاً للأغبياء بسبب القراءة الحَرْفِية التي انتشرَت واستشرت في المجتمعات المُتديِّنة أو المُتدنِّــية لا فَـرْقَ. وربَّما بلغَ الجهلُ ببعضهم أنْ فكَّرَ بالقيام بالتنقيب في الأرض بحثاً عن بقايا سفينة نوح وهيكل سليمان وعصا موسى وكَفَنِ المسيح...

لقد أوضحتُ وجهةَ نظري في النبي في مقال سابق بعنوان "حقيقة النبي"، وهي أنه ربما كان هناك أشخاص مستنيرون ولكنْ لا نعرِف عنهم شيئاً. أمَّا ما يسمَّى بقصص الأنبياء فهي حكايات أسطورية من صنع الخيال الجَمعيّ للمجتمع تدور حول هؤلاء الأشخاص. أيْ أنَّ القصص التي تُقدِّمها لنا كتُبُ الأديان على أنها قصص الأنبياء لا علاقة لها بأشخاص "الأنبياء" الذين رُبَّما كان لهم وجود حقيقي.

فرُبَّما كان هناك شخص حقيقي فُكاهي، اسمُه نصر الدين خُوجه أو غيرُه، هو أساسُ شخصيةِ "جُحا". لكننا لا نعرِفُ شيئاً عن سيرة هذا الشخص الحقيقي. وكلُّ ما وردَنا عنه من قصص وأخبار ونُكات هو بُناء أدبي وفني يدور حول اسمِ هذا الشخصِ أو بعضِ صفاته، ولكنْ لا علاقة لهذه القصص بالشخص الحقيقي. وبالتالي فإنَّ قصص الأنبياء جميعاً لا تعطينا معلوماتٍ عن الأشخاص الحقيقيين الذين تتكلَّم عنهم القصصُ، هذا إنْ وُجِدوا، بل عن الوعي الأدبي والفني والديني للمجتمع الذي أنتجَ مِثلَ هذه القصص. كذلك فإنَّ سيرة المسيح لا علاقة لها بشخص المسيح، هذا إنْ وُجِدَ فعلاً مثلُ هذا الشخص؛ وسيرةُ محمد لا علاقة لها بشخص محمد (قُثَم بن عبد اللات أو غيره)، إنْ وُجِدَ فعلاً. بل إنَّ سِيَرَ آدم ونوح وإبراهيم ويونس ويوسف وداوود وموسى والمسيح ومحمد كُلَّ سيرةٍ منها مُركَّبةٌ من عدة شخصيات أو مستوحاةٌ من بعض صفاتٍ لعدة أشخاص حقيقيين وتعكس ثقافةَ المجتمع ومصالحَ الطبقة الحاكمة.

يوضح أنتوني دو مِــلُّو Anthony DE MELLO (1931 – 1987) في كتابه « أغنية الطائر » (Comme un chant d’oiseau) مستوياتِ قراءة النص من خلال حكاية رمزية بعنوان "البيضة الذهبية" (« L’œuf d’or ») (ص 90 – 91 في النسخة الفرنسية، بترجمة اليسوعي إرنست ريشيه [ريشير] Ernest RICHER عن الإنكليزية، 1994). تقول الحكاية إنَّ الكتب المقدَّسة تروي القصة التالية:

يقول الربُّ: "كانت هناك إِوَزَّةٌ تبيضُ بيضةً ذهبيةً كلَّ يوم. وكانت صاحبةُ الإوزة سعيدةً بالأرباح التي تجنيها من بيع ذلك البيض الذهبي. ولشدَّة بُخلِها وجَزَعِها، لم تنتظر للحصول على البيض بالتقسيط. فقرَّرَتْ أنْ تذبحَ الإِوزَّةَ لتحصلَ على جميع البيض دفعةً واحدة.

عندما سمِعَ المُلحِدُ بهذه القصةِ سخِرَ منها وقال: "هل هذا هو كلام الله؟! إوزَّةٌ تبيض بيضاً ذهبياً؟؟! إنَّ هذا يدلُّ على سخافة كتبكم المقدَّسة." وعندما قرأ رجلُ الدِّين هذه القصة آمنَ بحَرْفيتها فقال: "يخبرنا الربُّ بوضوح أنه كانت هناك إوزَّةٌ تبيض بيضاً ذهبياً. فإذا كان الربُّ يقول هذا فلابد أنه صحيح، مهما بدا غيرَ معقول لعقولنا البشرية المسكينة." وحاولَتْ مختلَفُ مدارسِ الفكر الديني تقديمَ تفسيراتٍ مختلفةٍ للقصة. وخرجَ دُعاةٌ ومبشِّرون يطلبونَ من الناس الإيمانَ بأنَّ اللهَ قد خَلَقَ بيضاً ذهبياً في وقت ما من التاريخ. ولكنْ لم يفهمْ أحدٌ من المؤمنين وكذلك كثيرٌ من الملحدين أنَّ المقصود من القصة هو التحذير من البخل وأنْ لا علاقةَ للحكاية لا بالبيض الذهبي ولا بالإِوَزّ.

إنَّ شخصياتِ الأنبياء لا تختلف كثيراً عن شخصية الإوزَّة التي تبيض ذهباً. فحتَّى هؤلاءِ الأنبياءُ يبيضون ذهباً أيضاً لبعض المروِّجين لقصصهم من الساسة ورجال الدين والتُّجَّار. في الواقع، إنَّ قصة الإوزَّة التي تبيض بيضاً ذهبياً ليست أغربَ من قِصصِ سفينةِ نوح وناقةِ صالح ونارِ إبراهيمَ وحُوتِ يونس وقيامةِ المسيح ونومِ أهل الكهف ومعراجِ محمد، إلخ.

ينبغي علينا إذاً أنْ نقرأَ قصصَ الأنبياء كما نقرأُ أيةَ حكايةٍ رمزية وأنْ نستمتعَ بها كما نستمتعُ بأغاني وحكايات "حَنَّا السكران" و"أنا وشادي" و"ميس الريم" و"بَيَّاع الخواتِم" وغيرها...

ربما كان على محرِّري الكتب المقدَّسة، حتى يزيلوا أيَّ لَبْسٍ في القراءة، أنْ يقولوا صراحةً في بداية كل قصة إنها حكايةٌ رمزية، كما فعلَ الرحابنةُ في مَطْلَع مسرحية "بيَّاع الخواتم": "رَحْ نَحْكِي قِصِّةْ ضَيعَـة / لا القِصـَّــة صَحيحـة / وْلا الضَّيعة موجُودِة. / بَسْ بِلَيـلِــة هُـوِّيْ وْضِجـْـــرانْ / خـرْتَـــشْ إنســانْ / عَ وَرْقَة. / صارِتْ القِصَّة / وْعِمْرِتِ الضَّيعَة."

عندما نقرأ ونسمع قصصَ الأنبياء كما نقرأ ونسمع الحكاياتِ والأساطيرَ والأغاني التي نحبُّها، عندئذٍ نرى ما أجملَ تراثَنا الديني.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في مفهوم الاتِّباع
- لنفكِّر في هذه الكلمات
- عقيدة الوحش المجنَّح
- كيف يحجب القرآن الرؤية؟
- المعنى الكوني للإسلام
- ما المقصود بالعلم في القرآن؟
- وأرسلَ لي...
- كيف ينبغي فهم القرآن؟
- تعقيب على مقال -بعض الآثار السلبية للقرآن-
- بعض الآثار السلبية للقرآن على حياة المسلمين
- لماذا نقد القرآن؟
- الألفاظ الأعجمية في القرآن ودلالتها والتحدِّي ومعناه
- قِطة شرودنغر وقسورة القرآن
- القرآن العربي نص مترجَم إلى العربية
- وظيفة القرآن
- حقيقة النبي


المزيد.....




- تركيا تستعد لرئاسة مجموعة الدول الإسلامية النامية
- مسلمون ويهود يجوبون واشنطن لنشر رسالة سلام
- قطر تقول الأزمة في الخليج أضرت بالحرب على تنظيم الدولة الإسل ...
- نازي بريطاني جديد يعترف بأنه يهودي ومن المثليين
- خامنئي: الأمريكيون غاضبون من الجمهورية الإسلامية لأنها أفسدت ...
- إيران تسقط عقوبة الإعدام في قضية إساءة للنبي محمد
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- محام: سيف الإسلام القذافي يمارس النشاط السياسي في ليبيا
- اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ويهود متشددين


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - كيف نقرأ قصص الأنبياء؟