أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عبد القادر لعميمي - المدرسة المغربية : الألم والأمل















المزيد.....

المدرسة المغربية : الألم والأمل


عبد القادر لعميمي

الحوار المتمدن-العدد: 4229 - 2013 / 9 / 28 - 15:25
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


"دافعوا عن عقولكم كما لو كنتم
تدافعون عن أسوار مدرستكم" هيروقليطس بتصرف

إن إحساسي بالمسؤولية وبالخطر الذي يحدق بالتلميذ، هو ما دفعني لصياغة وتوجيه هذه الورقة، ورقة أطمح من ورائها أن أضع بصماتي ولمساتي على بعض الحروف، وأن أجعل الحقيقة تنتقل من خفائها إلى لا خفاء كونها، أي إلى الانكشاف والظهور... لكن كي لا أمارس عنفا على الفكر، سأترك للسان مساحة التعبير عن الحقيقة، شرط أن تكون طريقة التعبير عنها إستراتيجية وهادفة، تؤسس للشرط الإنساني.
ولكي لا يكون خطابي خطابا عفويا، سأعمل على طرح مجموعة من الأمور، أرسم من خلالها خطوط وحدود موضوعي، حتى لا أترك لعقلي حرية فضح كل الأشياء المسكوت عنها.
لقد تحولت مدارسنا من مؤسسات تعليمية تربوية، تسعى إلى تنمية القدرات العقلية للتلاميذ إلى دور للحفظ والاستظهار، بل وأكثر من ذلك تعد أغلب مؤسساتنا من أكبر المؤسسات الدينية التي تبشر بالجنة، وتحذر من أهوال القبر و عذاب النار... وكل ذالك يعود إلى بعض أساتذتها الأجلاء الذين لم يبخلوا على الإنسان مفاتيح الجنة... فخطبهم المتوالية وموائدهم المستديرة دليل واضح على جهودهم الفعالة وشغفهم المتواصل في ترسيخ أفكارهم الأيديولوجية في أذهان التلاميذ. هؤلاء الذين أصبحوا يعيشون حالة ارتياب ورعب في وجودهم الواقعي، حالة خلقها عدو الإنسانية الأصولي عبر أفكاره الإرهابية المتحجرة التي باتت ترافق النفوس البريئة ليل نهار. ما لا يعرفه هؤلاء هو أن التربية التي تهدف إلى توصيل المعرفة تظل جاهلة بماهية المعرفة الإنسانية وبآلياتها وحدودها وصعوباتها ونزوعها الطبيعي إلى الخطأ والوهم. كما أنها لا تبذل أي مجهود لتعرف بماهية المعرفة.[1]
كنا نحصر أسباب الفشل المدرسي في المخططات السياسية فقط، لكن اتضح اليوم أن هناك سببا آخر أشد خطورة من سابقه، ويتعلق الأمر هنا بالمد الأصولي الذي يعمل بأفكاره الأيديولوجية على برمجة تصوراته وأزهاره الوهمية الخيالية في أذهان التلاميذ. وبالتالي فالمؤسسة ممزقة بين العوامل الخارجية والداخلية.
بصراحة إن الفكر القروسطي اخترق ولا يزال يخترق كياناتنا حتى النخاع، وكل ذلك على حساب الفكر. فإلى متى سيظل حالنا هكذا؟ إلى متى سيبقى الليل مخيما على وجودنا الفكري؟ متى سيستيقظ الوعي المغربي وينير فكر الحداثة في مؤسساتنا وثقافتنا؟
إننا نعيش اليوم الظلمة الأصولية وليس الصحوة، أو اليقظة أو الانبعاث. والصحوة العقلية لن تأتي و لن تجيء إلا بعد انجلاء هذه الظلمة، هذه الكربة، هذه العتمة الحالكة السواد، ولن تنجلي قبل أن تأخذ مداها وأبعادها، قبل أن ترتكب كل حماقاتها وتفجيراتها، قبل أن تفقد مصداقيتها. وهذا ما هو حاصل الآن أو ما سيحصل عما قريب، فما يجهله أو يتجاهله الأصوليون وأصحاب الوعي البسيط ، هو انسداد أفقهم التي لم تعد تملك سوى آليات الترهيب والتهديد حتى على مستوى العملية التربوية، فويل لكل التلاميذ الذين هم عن أفكار الأصولية ممتنعين، سيلقون عقاب القلم الأحمر جزاء لما كانوا فاعلين.
إن اليقظة الحقيقية لن تتم إلا عندما يستيقظ الوعي المغربي على ذاته ويستهلك كل مقوماته وإمكانياته. عندئذ سوف تنكشف تاريخية كل ما قدم نفسه حتى الآن وكأنه فوق التاريخ، أو فوق البشر، أو فوق الواقع، وعندئذ سوف تحصل تعرية رائعة لكل مقولات الأصوليين وأساطيرهم وعقائدهم التي يعتقدون أنها فوق النقد، وفوق التاريخ، وفوق الوجود. وسوف تصبح شروط انبثاق التنوير العقلي في عالمنا المغربي ممكنة ومتوافرة، عندئذ سوف تحل أزمة الوعي المغربي مع نفسه ومع الحداثة العلمية والفلسفية.
هذه الحالة الثورية الغضبية التي أشعر بها وأنا أكتب كلماتي وأفكاري، تعكس مدى تأسفي على حال بعض المدرسين المغاربة الدين يعيشون تناقضات صارخة مع ذواتهم ومع عالمهم الخارجي. كما تعكس مدى غيرتي على الملكات العقلية والقدرات الفكرية للتلاميذ، التي باتت تشهد القهقرى والتدهور، بسبب ثقافة الحفظ والاستظهار.
إن الأصولية داخل مؤسستنا التعليمية تمثل حاليا العدو الأكبر للحداثة وللعقل، إنها تمثل العدو المطلق للتلميذ بامتياز، وهي على أي حال لا تخفي ذلك، وإنما تعلنه على رؤوس الأشهاد في كل لحظة، فاحتقارها لقيم الحداثة العقلانية، دليل واضح على تزمتها، وعجزها عن مواجهة الحقيقة، وإذا كانت تأخذ من الحداثة الجانب التقني أو التكنولوجي المحض، فإنها تحرص أشد الحرص على ألا يكون ملوثا بالجانب الفكري أو الفلسفي أو الوثني الخ.. وهذا هو حال الأساتذة الأصوليون القروسطويين بثانوياتنا اليوم، يرفضون الحداثة ويستهلكون إنتاجاتها، يركبون السيارات، ويستخدمون الهاتف والحاسوب، ويستهلكون الإنترنيت والكهرباء،الخ... ويقولون: "إن هذا لمن فضل ربي"، ناسين بذلك أن الفضل يرجع إلى العقل الذي رفضوا الإيمان به. إنهم لايستطيعون حتى التمييز بين ما هو إنساني واقعي قائم على العقل، وبين ما هو إلهي سماوي قائم على النقل/الوحي. "وبما أنهم يجهلون قوى الطبيعة فإنهم يريدون أن ينضم الجميع إليهم في جهلهم هذا، إنهم يرفضون كل بحث أو تقص عن الحقائق و يريدوننا أن نؤمن بشكل ساذج على طريقة الفلاحين: أي دون أن نبحث عن أسباب الظواهر أو عللها. ونحن نقول بأنه ينبغي البحث عن كل شيء أو عن كل ظاهرة طبيعية، وإذا ما علموا بأن شخصا ما يقوم بالبحوث التجريبية، فإنهم يشتبهون به ويتهمونه بالزندقة.[2]
نعم إنهم يحاربون كل من ينتقدهم وكأن آرائهم وأقوالهم وحي مقدس لا ينبغي المساس به. وهذا ما يثير إشكالية تعليم الفهم في كوكبنا كإشكالية ذات أبعاد قيمية تتخطى الشرط الحيواني اللاموضوعي، لتؤسس لشرط جديد هو الشرط الإنساني بكل تجلياته الفلسفية العلمية. "* فالفهم يشكل في الوقت ذاته وسيلة التواصل الإنساني وغايته. والحال أن التربية على الفهم غائبة كليا عن مختلف أنواع تعليمنا. إن كوكبنا يتطلب أنواعا من الفهم المتبادل في جميع المستويات وعلى جميع الأصعدة. وبالنظر إلى أهمية التربية على الفهم على جميع المستويات التربوية وكل المراحل العمرية، يقتضي تطور الفهم إصلاحا للعقليات.
وهذا أحد الرهانات الكبرى للتربية في المستقبل.
*لقد أصبح التفاهم بين البشر، بغض النظر عن كونهم أقوياء أو غرباء عن بعضهم البعض، أمرا حيويا لكي تتحرر العلاقات الإنسانية من الوضعية الوحشية التي يسبب فيها اللاتفاهم.
من هنا ضرورة دراسة جذور وأنماط ونتائج اللاتفاهم (وليس فقط أعراضه) يجب، بالفعل، التوجه إلى جذور العنصريات وكره الأجانب والاحتقار. وبإمكان مثل هذه الدراسة أن تشكل في نفس الوقت الأسس الأكثر ضمانة للتربية على السلام.[3]
إذا تأملت جيدا الخطاب الأصولي، ونظرت إليه بعين فاحصة، لوجدت فيه، نوعا من العفوية، مما ينتج عنه اضطرابات وفراغات وتناقضات على مستويات عدة: على مستوى المعرفة، على مستوى المنهج، على مستوى اللغة، ثم على مستوى التنظيم، بل وعلى مستوى العناوين كذلك. وحتى نكون أكثر واقعية ، ينبغي علينا أن نقف وقفة المتأمل لذاته والناقد لها، قصد كشف الفراغ والخلل، ثم مجاوزتهما. فإلى أي منحدر انحطت هذه الأمة لكي تصل نخبتها المثقفة إلى مثل هذه المستويات؟
في تاريخ الغرب، كل المفكرين الذين ظهروا، كانوا يضيئون للأمة الطريق، كانوا يهدونها إلى درب الحقيقة. كانوا يرون الأشياء قبل أن ترى. كانوا يستشعرون المستقبل ويستكشفون آفاقه عن طريق الرادار الفلسفي، مما يبرز لنا أن المجتمع الغربي مجتمع يؤمن بالعلم، وبالتالي فهو منسجم مع الواقع. عكس مجتمعنا الذي يؤمن بالأسطورة والخرافة ولا يريد تبني الرؤية العلمية الحداثية، وهذا ما يتجلى في طبيعة التفكير(القروسطي) الذي لا يزال مهيمنا على مثقفينا. إن عصرنا الراهن كثر فيه الغوغائيون الذين لا يرون أبعد من أنفهم. فلنقل لهم سائلوا ذواتكم، لأنه بالسؤال ستخففون لا محالة عناء تناقضاتكم، وتفتحون أبواب الحداثة والتنوير في وجودكم.
________________________________________
[1] تربية المستقبل، ادغار موران، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، ط 1، 2002، ص:15.
- مدخل إلى التنوير الأوربي، هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، تشرين الأول 2008، ص:32[2]
- تربية المستقبل، إدغار موران، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال، الطبعة الأولى، 2002 ، ص:18.[3]
عبدالقادر لعميمي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,808,877
- من إرادة المتعالي إلى إرادة الأنا المفكرة


المزيد.....




- السعودية.. أمر ملكي بإعفاء إبراهيم العساف من منصبه كوزير للخ ...
- يخلف العساف بعد أقل من عام على تعيينه.. 8 نقاط بسيرة الأمير ...
- أول تصريح لوزير خارجية السعودية الجديد الأمير فيصل بن فرحان. ...
- تصريح -عالي السقف- للمطران اللبناني الياس عودة يثير تفاعلا
- لماذا تنقل اسبانيا رفاة الديكتاتور فرانكو؟
- بعد التحذير الإثيوبي.. هل تستخدم مصر القوة للدفاع عن -شريان ...
- -خناقة تغريدات-... إعلامية لبنانية تنتقد ساويرس والملياردير ...
- البنك الدولي: روسيا تتقدم إلى المركز 28 في ممارسة الأعمال
- تركي آل الشيخ يعلق على إصابة لاعب الأهلي المصري بالرباط الصل ...
- ثغرة خطيرة تحول المساعدات الذكية المنزلية إلى جواسيس!


المزيد.....

- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عبد القادر لعميمي - المدرسة المغربية : الألم والأمل