أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - جلال خشيب - صدام التيّارات .. جوزيف ناي في مواجهة فريد زكريا : هل صارت أفضل أيّام أمريكا من الماضي ؟ ترجمة : جلال خشيب















المزيد.....



صدام التيّارات .. جوزيف ناي في مواجهة فريد زكريا : هل صارت أفضل أيّام أمريكا من الماضي ؟ ترجمة : جلال خشيب


جلال خشيب
الحوار المتمدن-العدد: 4221 - 2013 / 9 / 20 - 23:16
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


صدام التيّارات .. جوزيف ناي في مواجهة فريد زكريا : هل صارت أفضل أيّام أمريكا من الماضي ؟
ترجمة : جلال خشيب *

هذه الدراسة المُترجمة عبارة عن مقالين متضاربين كُتبا في ربيع سنة 2011 ، يُمثلان نموذجا عن ذلك الصراع القائم داخل الأوساط الأكاديمية الأمريكية بين العدوين الذوذين التقليديين في حقل التنظير في العلاقات الدولية ، التيار الواقعي الجديد والتيار اللبيرالي الجديد ... يعالج المقالين ذلك الجدل المتأزم بين الأكاديميين في الولايات المتحدة الأمريكية ، بين الواقعيين واللبيراليين بخصوص معضلة القوة الأمريكية في النظام الدولي المتشكل ، هل هي في حالة أفول كما يزعم الواقعيين أم أنّ التراجع لا يُعّد سوى خرافة في أذهان هؤلاء كما يدّعي اللبيراليين ... يمثّل كلّ تيار من التيارين باحثين أكاديميين مرموقين شهيرين ، فريد زكريا عن التيار الواقعي الجديد وجوزيف ناي عن التيار اللبيرالي الجديد .. حيث يكتب الأوّل مقالا على مجلة التايم يحمل عنوانا في صيغة تسائل : هل صارت أفضل أيام أمريكا خلفنا ؟ ليرد عليه الثاني بمقال مضاد على الفورين بوليسي تحت عنوان : عالم زكريا : هل صارت أفضل أيام أمريكا خلفنا حقا ؟ ... قطعتين مشوقتين لكل شغوف بمسألة الهيمنة في النظام الدولي نضعهما مترجمتين بين أيدي طلبتنا وباحثينا بقسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية ..

هل صارت أفضل أيّام أمريكا خلفنا ؟
فريد زكريا **
الخميس/03/مارس/2011
ترجمة : جلال خشيب .

أنا أمريكي لا بصدفة المولد ولكنّي أمريكي بالاختيار. لقد صوّتتُ بمحض إرادتي وصرت أمريكيا ، لهذا أحب هذه البلاد وأرى أنّها بلاد استثنائية ولكنّي حينما أنظر إلى العام اليوم وإلى موجات التغيّر التكنولوجية والتنافس الكوني فإنّ ذلك يجعلني عصبيا أشعر بالقلق . ربّما لأن أغلب الأشياء المثيرة للقلق هي حينما تجمع هذه القوى قدراتها فإنّ الأمريكيين يبدون غير قادرين على فهم وإدراك أهمية التحوّلات التي تواجهنا . وبالرغم من إدمان الحديث عن الصعود الصيني ، فإنّ معظم الأمريكيين يشتغلون افتراضا على أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تظّل في المرتبة الأولى . هل هذا صحيح حقا؟ أجل صحيح فقد بقيت الو.م.أ صاحبة الاقتصاد الأوسع في العالم ، ونحن نملك أضخم قوة عسكرية إلى حدّ بعيد وأكثر الشركات تكنولوجية وديناميكية وأعلى مناخ مقاولاتي مستوىً ، ولكن هذه لمحة عما نحن عليه الآن . إنّ القرارات التّي تؤدّي إلى خلق نمو اليوم - كتلك المتعلقة بالتعليم ، البنية التحتية وما مامثالهما- كانت قد أُعدّت منذ عقود سالفة وما نراه اليوم هو اقتصاد أمريكي قد ازدهر بسبب السياسات التنموية لسنوات الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم : نظام المواصلات البينية السريعة ، الاعتماد المالي الضخم المخصّص للعلم والتكنولوجيا ، النظام التعليمي العام ، و الذّي كان موضع حسد العالم بأكمله ، وكذا سياسات السخاء المتعلقة بالهجرة والمهاجرين فلتنظر إلى بعض المعايير الأساسية الأولوية اليوم وسوف تصاب بالذهول والإعجاب بخصوص المستقبل ، فالمراتب التالية جاءت من قوائم بيانية متعدّدة ولكن تروي كلّها ذات الحكاية . فوفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإنّنا نحتل لخمسة عشر سنة ماضية المرتبة 17 عالميا ، المرتبة 25 في الرياضيات ، نحتل المرتبة 12 في تدّرج الجامعات - سقطنا من المرتبة الأولى منذ عقود- ، نأتي في المرتبة ال79 في عمليات التسجيل الخاصة بالمدارس الابتدائية . تحتل بنيتنا التحتية المرتبة 23 في العالم ، تماما خلف كل الاقتصاديات المتقدمة الأخرى . الأرقام الخاصة بقطاع الصحة الأمريكي أرقام مذهلة بالنسبة لدولة غنية : اعتمادا على دراسات أُجرِيت من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الصّحة العالمية فإنّنا نحتل المرتبة ال27 في توقعات مدّة الحياة -بالنسبة للفرد عموما - المرتبة ال18 في مرض السُكري والأولى في مرض السُمنة . فقط ومنذ عقود ماضية قليلة وقفت الولايات المتحدة الأمريكية عاليا مُحتلة المواقع –الأولى- في مثل هذه المراتب ، لن نُبالغ إذا ما قُلنا أنّ هناك بعض من المجالات لازلنا نحتل فيها المرتبة الأولى بشكل واضح ، ولكن لا توجد واحد منها بإمكاننا أن نتبجّح بها عادة ، فلدينا أغلب الأسلحة وأغلب الجرائم بين الدول الغنية . ولدينا بالطبع و إلى حدّ بعيد المبلغ الأضخم للدَين في العالم .
صعود البقية :
إنّ كثيرا من هذه التغيرات أخذت مكانها لا بسبب الزّلات الأمريكية ولكن لأنّ دولا أخرى تلعب الآن نفس اللعبة التّي نلعبها ، إنّها تلعب لأجل الربح ، هناك إحجام مألوف عُرض حينما بدأت هذه المخاوف في الصعود لقد سمعنا مثل هذه الأشياء في سنوات الثمانينيات . كانت اليابان ستهمين على العالم . ولكنّ ذلك لم يحدث وعادت أمريكا من جديد إلى القمة . لم تخطط اليابان لتصير أغنى دولة في العالم - خلال ثلاث عقود كانت تملك ثاني أضخم اقتصاد في العالم وحتّى الآن فإن لديها ثاني أضخم اقتصاد ، إنّها أيضا بلد صغير نسبيا . ولتكون الاقتصاد الأضخم في العالم ، ينبغي أن يكون لديك معدل مُضاعف لدخل الفرد - بالنظر إلى الناتج المحلي الإجمالي- للمعدل الذي تملكه الو.م.أ ، تحتاج الصين لأن يكون لديها دخل متقدم ، فقط ربع ما بحوزة الو.م.أ لأجل تطوير اقتصاد بإمكانه أن يتجاوزنا ويتفوق علينا. لكن يغفل هذا الأمر نقطة واضحة ، لقد وضع المؤرخ نيل فرغيسون من جامعة هارفارد -والذّي كتب لتوّه كتاب حمل عنوان الحضارة ، الغرب والبقية - الأمور في سياقها التاريخي , كتب فرغيسون : خلال 500 سنة أوجد الغرب ستة تطبيقات حاسمة صنعت تميّزه و تفرّده . وكان اليابان أوّل من أخد عنه هذه التطبيقات ، بعد هذا البلد أخذت الدول الآسيوية الواحدة تلو الأخرى هذه التطبيقات الحاسمة ، التنافس ، العلم الحديث ، حكم القانون وحقوق الملكية الخاصة ، الطب الحديث ، المجتمع الاستهلاكي وخُُلق العمل , هذه الأشياء الستة هي الصلصة السرّية للحضارة الغربية . وانطلاقا من هذا التحدي التاريخي للأمم والذّي أبرز كيف ربح الغرب ، إضافة إلى الثورة التكنولوجية ، فإنّه من الممكن الآن أن ننتج عددا أكبر من السلع والخدمات مع عدد أقّل فأقّل من الناس ، لنحوّل العمل إلى أي مكان في العالم تقريبا ونقوم بكل هذه الأمور على قاعدة سريعة من النجاح ، هذا هو العالم الذي تواجهه الو.م.أ الآن . يبدو الآن أنّ البلد غير مستعد لمثل هذا النمط من التكيّف الراديكالي الذّي يحتاجه ، وإلى مثل هذه التغيرات التّي كنّا بصدد مناقشتها الآن لأجل إعادة تنظيم وترتيب المقاعد على سطح السفينة .
يبدو أنّه من المؤكد أنّ النظام السياسي دخل في نقاشات حول الموازنة ، معاشات التقاعد ومستقبل الأمة ، لكن غالبا ما تُعّد هذه مسألة مسألةً جانبية. إنّ المعارك في عواصم الدولة حول المعاشات العامة للعمال هي معارك حقيقية - تطالب الدولة بإحداث التوازن بين موازناتهم - إلا أنّ النقاش الأوسع في واشنطن يدور حول كل شيء باستثناء ما هو مهم ، الجدل بين الديمقراطيين والجمهوريين حول الموازنة يستبعد الاختلافات الواسعة بشأن العجز في الميزانية في المنظور البعيد -الأمن الاجتماعي والمساعدة الطبية والرعاية الصحية - حتى لا نقول شيئا عن التكاليف الضخمة غير المستحقة ، مثل انخفاض الضريبة لأجل الاهتمام بالرهانات العقارية . منذ أربعة أشهر فقط عرضت لجنة سيمبسون _ بوولز سلسلة من الحلول عالية الذكاء لمشكلاتنا المالية ، مقترحة مبلغ 4 تريلون لتحقيق النجاة ..غالبا يتّم ذلك من خلال الاقتطاع من البرامج ولكن أيضا من خلال الزيادات في بعض الضرائب . لقد تمّ نسيانها من طرف كلا الحزبية خصوصا الجمهوريين ما قاد المتحدث باسم الموازنة بول ريان إلى الإطراء على اللجنة نظريا حتّى وإن صوّت ضدّ توصياتها ، من جهتهم صار الديمقراطيون صامتين بخصوص اقتراح رفع سنّ التقاعد للأمن الاجتماعي بسنة واحدة في 2050. بدلا من ذلك فمن المرجّح أن تقوم واشنطن بإجراء تخفيضات شاملة في الإنفاق التقديري -بما تراه مناسبا- ، أين يوجد الحد الأدنى من المال والحد الأدنى من التبديد إلى حدّ بعيد . يبدو أن جهود الرئيس أوباما لحفظ و حتّى زيادة المصادر المتعلقة بالبرامج الأساسية لهي جهود آيلةٌ إلى الفشل مع عزم الكونغرس على إثبات نفوذه . ولكن تقليص الموارد المالية لأجل أشياء معينة كالتعليم ، البحث العلمي ، سيطرت الملاحة الجوية ، الناسا –وكالة الفضاء- ، البنية التحتية ، والطاقة البديلة لن يؤدي إلى إنتاج الكثير لأجل مهام الإنقاذ وسوف يُضّر بالنمو الاقتصادي على المدى البعيد. يحدث هذا في الوقت الذّي تجهّز فيه عدد من الدول ، من ألمانيا إلى كوريا الجنوبية إلى الصين استثمارات واسعة في التعليم ، العلوم ، التكنولوجيا والبنية التحتية . نحن نخفّض من الاستثمارات وندعم الاستهلاك بشكل مُخالف تماما لما من شأنه أن يكون العوامل الأساسية للنمو الاقتصادي . لماذا إذن نعالج مشكلاتنا الاقتصادية بشكل محدود الأفق وخطوات خاطئة ؟ لأنّ ذلك أمر سهل سياسيا . في أغلب الأحوال ، إن مفتاح فهم تحركات كلا الحزبين هو أنّهم يستهدفون البرامج التّي لا يملكون لها لا قاعدة دعم واسعة ولا جماعات مصالح مؤثرة تقف خلفها ( ولهذا بالضبط لا يتواجدون حيث يوجد المال . في الحقيقة فإنّ النظام السياسي الأمريكي نظام فعّال تماما ، إنّه يوزع الدولارات الكثيرة على البرامج الشعبية وعلى المصالح الخاصة القوية ) ولا حتّى في الجانب الذّي يتحدث فيه عن تزايد الضريبة ، بالرغم أنّه من المستحيل تحقيق إستقرار مالي بعيد الأمد من دونها . بعض الضرائب -كتلك المتعلقة بالفحم والغاز- تمنحنا فوائد ضخمة تفوق الإيرادات كفعالية إستخدام الطاقة. هذا لا يعني أنّ ديمقراطيتنا لا تعمل جيّدا ، إنّ هذا العمل هو عمل جيّد أيضا . للسياسة الأمريكية اليوم ردّت فعل زائدة لأجل المصالح التأسيسية ، كل هذه المصالح مخصصة للمحافظة على الماضي بدلا من الاستثمار في المستقبل ، لن يكون هناك جماعات مصالح بالنسبة لأجيال الصناعات القادمة . لا يوجد هناك جماعات مصالح خاصة لأجل الرفاهية الإقتصادية لأطفالنا ، توجد فقط بالنسبة لأولئك الذّين يحصلون على الفوائد الحكومية حتّى الآن . يتوجه النظام بأكمله إلى الحفاظ على الإعانات المالية ، الإعفاءات الضريبة وكذا الثغرات . لهذا تنفق الحكومة الفدرالية 4 دولار على الأشخاص المسنّين مُقابل 1 دولار يتم إنفاقه على أولئك الذين تقّل أعمارهم عن 18 سنة. وحينما يأتي وقت إرجاء التخفيضات فلنخمّن أي البرامج سيكون البرنامج الأول على لوحة التغيير الفجائي ، هذا مؤشر مخيف للأولويات المجتمعية وآفاق المستقبل . مخاطر النجاح : لما صارت أولوياتنا جد مهترئة ؟ منذ عقود ماضية عديدة كتب الإقتصادي مانكور أولسن كتابا اسمه صعود وسقوط الأمم . كان مدفوعا بما كان يرى عنه مفارقة غريبة بعد الحرب العالمية الثانية ، فبريطانيا التّي ربحت الحرب انزلقت إلى ركود عميق بينما ألمانيا الخاسر فيها عرفت نموا قويا عاما بعد عام . لقد كان الإنهيار البريطاني أكثر إرباكا نظرا لأنّ بريطانيا كانت صاحبة الثورة الصناعية والقوة العالمية الإقتصادية العظمى الأصلية . إستنتج أولسن بشكل مفارق أنّ النجاح أضّر ببريطانيا ، بينما ساعد الفشل ألمانيا . نمى المجتمع البريطاني بشكل مريح ، راض عن ذاته وصارم ، وصارت ترتيباته السياسية والإقتصادية أكثر توسعا _ إحكاما وإتقانا _ وأكثر كلفة ، مركّزة على التوزيع بدلا من النمو . النقابات العمالية ، الرفاهية ، الدولة ، السياسات الحمائية ، الاستعارة الضخمة أو الاستلاف ، كل هذه الأمور حمت بريطانيا من التنافس الدولي الجديد . صار النظام متصلبا ، ومع مرور الوقت صارت قاطرة الاقتصاد العالمي راكدةً تصدر أنينا . على النقيض من ذلك ، كانت ألمانيا مدمرة بشكل كامل تقريبا بسبب الحرب العالمية الثانية . الأمر الذي لم يمنحها فقط فرصة إعادة بناء بنيتها التحتية المادية ولكن إعادة النظر أيضا في ترتيباتها البالية ومؤسساتها _ النظام السياسي ، النقابات والجمعيات وكذا الاقتصاد - مع أطر حديثة من التفكير- ، لقد أتاحت الهزيمة إمكانية مسائلة كل شيء وإعادة البناء من نقطة الصفر .
لقد جعل النجاح من أمريكا متصلبة ، نحن نقف على قمة العالم طيلة قرن تقريبا ، وجعلنا اقتصادنا المتكرر ، انتصاراتنا السياسية والعسكرية متأكدين تماما أنّه من المُقدّر لنا أن نكون الرقم واحد إلى الأبد . لدينا بعض المزايا والأفضليات . إنّ الحجم مهّم : حينما تأتي الأزمات فإنّها لن تسحق وتقهر بلدا في حجم الو.م.أ . حينما ضربت الأزمات المالية أمما كاليونان وايرلندا، فقد قامت بتقزيمها . في الو.م.أ تقع المشاكل في نطاق ال15 تريليون دولار من الاقتصاد ، وفي البد الذّي لايزال يحظى بثقة العالم . خلال السنوات الثلاث الماضية ، وفي عزّ الأزمة المالية تراجعت تكاليف إقتراض الولايات المتحدة بدلا من أن ترتفع .
هذا تأكيد قوي على القدرات الأمريكية ، لكن الإشكال هو ضمان هذه القدرات بعدم مواجهة الو.م.أ حقا في المستقبل التحديات التّي تفرضها هذه القدرات . نحن نتكيف ونضبط أزمات اللحظة ونمضي قدما ، لكنّ السرطان الكامن يستمر في النمو آتيا في طريقه على النظام .
الجانب الحاسم في بداية تحوّل الأشياء عبر العالم ينبغي أن يجعل الو.م.أ تضع حسابات صادقة بشأن مواطئ أقدامها وما الذّي بإمكانها أن تتعلمه من الدول الأخرى . هذا النمط من المقارنة والقياس يدور عادة حول التجارة ، ولكنّه يقوم بتدنيس كل البلد بأكمله ، إن أي سياسي يجرأ على الاقتراح أنّ بإمكان الو.م.أ أن تتعلم من البلدان الأخرى ، فمن المحتمل أن يُندَّد به على الفور . إذا ما أشار أحدهم إلى أن أوروبا لديها رعاية صحية أفضل بنصف التكلفة ، فإنّ هذا تفكيرٌ -اجتماعي- إشتراكي خطير . إذا ما سجّل رجل أعمال ما أنّ معدّلات أسعار الضريبة في كثير من دول العالم الصناعي هي أسعار منخفضة ، وأنّه توجد ثغرات -نقاط ضعف- أقل بكثير من تلك التّي توجد في الو.م.أ فسيتّم تجاهله باعتباره محاولة لإفقار العمّال الأمريكيين . إذا ما قال معلق ما -بشكل صحيح- أنّ القابلية الإجتماعية للانتقال من جيل إلى آخر هي قابلية كبيرة في عدّة أمم أوروبية منها في الو.م.أ فسيتّم السخرية منه ، لقد وجدت عدة دراسات ، أكثرها حداثة كانت من المنظمة الإقتصادية للتعاون والتنمية في العام الماضي أنّ الأمريكي العادي يملك فرصة جدّ منخفضة في الخروج عن عباءة دخل الوالدين مقارنة بما تملكه شعوب أخرى من فرص في أماكن أخرى من العالم كالدانمرك ، السويد ، ألمانيا وكندا . لا يتعلق الأمر برجال السياسة وقادة الأعمال وحسب ، بل يتعلق بنا جميعا ، ببساطة لا يهتم الأمريكيون كثيرا ولا يرغبون في تعلم أشياء أخرى كثيرة عن العالم الخارجي ، نرى أمريكا باعتبارها مجتمعا مُعولما ، لأنّها وُجدت في مركز قوى العولمة . لكن حاليا ، فإنّ الإقتصاد الأمريكي ضيق الأفق تماما ، تُقدّر الصادرات فقط بحوالي 10 بالمائة منه ، فلتقارن ذلك بالعديد من الدول الأوروبية أين يكون نصف الإقتصاد عبارة عن أشياء متّصلة بالتجارة وسيكون بإمكاننا أن نفهم لما تبدو هذه المجتمعات أكثر توّجها للمعايير الدولية والتنافس الدولي . وهذا هو المفتاح في التنافس المستقبلي بالنسبة للو.م.أ إذا ما صدق أولسن حينما قال أنّ الحل بالنسبة للمجتمعات الناجحة التّي تصاب بالتصلب هو أن تبقى مرنة قابلة للتكيف ، ما يعني أن تكون لها قدرة على الشروع وإغلاق الشركات وكذا إستقدام وطرد العمال . ولكن يعني هذا أيضا أن تكون لك حكومة بإمكانها المساعدة في بناء تكنولوجيات جديدة وبنية تحتية تستمر في المستقبل ونتخلص من البرامج التي توقف العمل . حينما أطلق فراكلين روزفلت الصفقة الجديدة فقد تحدث عن الحاجة إلى الجرأة –حدّ الوقاحة- و التجريب المتواصل المستمر وقام بإغلاق البرامج حينما بدا واضحا أنها غير ناجعة لا تعمل . أمّا اليوم فإنّ أي إعانة أو برنامج حكومي يبدو وكأنّه شيء أبدي خالد . ماذا كان يعرف الآباء المؤسسون :
هل يُعد أيّا من هذا ، أمرًا ممكنا في بلد ديمقراطي غني ؟ في الحقيقة نعم. لقد خلقت بلدان أوروبا الشمالية كالدنمارك ، السويد ، النرويج ، فنلندا نماذج جذابة متنوعة للاقتصاد السياسي ، فاقتصادياتها منفتحة جدّا ومركزة على السوق ، يحرز معظمهم نقاطا عالية في مؤشر الميراث المؤسس للحرية الإقتصادية ، لكنّها تحظى أيضا بدول رفاهية سخيّة و تعُِّد لاستثمارات أساسية لأجل النمو المستقبلي . خلال العشرين سنة الماضية فقد نمت هذه البلدان بشكل سريع متقارب ، أو في بعض الحالات بشكل أسرع من تخطيط الو.م.أ و ألمانيا للاحتفاظ بمكانتهما كمحرك –وقاطرة- التصدير العالمي بالرغم من الأجور المرتفعة والفوائد السخيّة . الآن لا ينبغي ولا يمكن لأمريكا أن تستنسخ ببساطة النموذج النرويجي أو أي نموذج آخر. حريٌّ بالأمريكيين أن يثوروا على الضرائب المرتفعة مقارنة بما يتقاضاه الأوروبي والنرويجي _ وتثبت هذه الضرائب حالة اللاتنافس في عالم تحظى فيه بلدان أوروبية أخرى بأدنى المعدلات ، و تحظى سانغفورة بحدّ أقصى من المعدل الشخصي يصل إلى 20 بالمائة . إنّ النظام الأمريكي يُعّد أكثر دينامكية وريادة للأعمال كما أنّه غير متكافئ مقارنة بأوروبا ويبقى كذلك . لكن يظهر لنا مثال أوروبا الشمالية أنّه بإمكان البلدان الغنية أن تبقى متنافسة إذا ما حافظت على مرونتها وقابليتها للتكيف بمعايير صارمة ، معتنقة الفعالية .
بالطبع فإنّ للشركات الأمريكية فاعلية عالية خلافا للحكومة الأمريكية وبهذا فأنا لا أقصد تكرار التذّمر المعتاد بخصوص التبديد ، الاختلاس والإساءة . في الحقيقة فإنّ هناك ما هو أقل أهمية من هذه الأشياء بالنسبة لاعتقاد الأمريكيين ، باستثناء البانتاغون مع ميزانية تقدر ب 700 مليون دولار . يكمن مشكل الحكومة الأمريكية في أنّ توزيعها للموارد يعّد غير ذات فاعلية بشكل كبير ، نحن ننفق مبالغ مالية كبيرة على إعانات خاصة بالإسكان الزراعة والصحة ، وقد شوّه كثير منها الاقتصاد وعاد على التنمية بشكل يسير على المدى البعيد ، نحن نُنفق قليلا جدا على العلم ، التكنولوجيا ، الابتكار والتجديد والبنية التحتية والتّي من شأنها أن تنتج النماء و مناصب العمل في المستقبل . خلال عقود قليلة ماضية ، كان بإمكاننا أن نكون مسرفين مبذّرين ، مع ذلك كان بإمكاننا أن نتدبّر أمر ذلك ، لكن لن يكون بإمكاننا أن نفعل ذلك لمدة أطول . الأموال تنفذ ويجب علينا أن ننظم الموارد المالية و نوّجه الإنفاق بشكل استراتيجي أكثر على مدى البعيد . ليست المسألة متعلقة بحكومة وإنفاق أكثر أو أقل . نحن بحاجة إلى إدارة وإنفاق أكبر في مجالات معينة و إدارة وإنفاق أقل في مجالات أخرى . المأساة تكمن في أنّ واشنطن تعلم ذلك بالنسبة لكل الاستقطابات الحزبية هناك ، يدرك معظم الجمهوريين أنّه يجب عليا أن نستثمر في بعض المجالات الأساسية ويدرك معظم الديمقراطيين أنّه يجب علينا أن نُخفِّض الإنفاق المستحق ، إلا أنّ لدينا نظاما سياسيا صار حسّاسا للتسوية -الحلول الوسط- والحلول العملية . من الممكن أن تكون هذه النقطة هي نقطتنا العمياء . في أكثر لحظات نظامنا السياسي انهيارا يستمع المرء فقط للمدائح بشأنه وبشأن الدستور والجمهورية المثالية التي أنشأها . الآن وكمهاجر فأني أحب التمّيز ، أجل و أحبّ الطبيعية الاستثنائية للديمقراطية الأمريكية . أؤمن أنّ الدستور كان أحد أكثر الأشياء الرائعة في العالم خلال القرن 18 م ، لكن اليوم ، فإنّنا نواجه حقيقة النظام الذّي صار صدءًا ، لدينا هيئه انتخابية لا يفهمها أحد ومجلس شيوخ عاطل عن العمل مع قواعد وتقاليد تسمح لسيناتور واحد بأن يعرقل الديمقراطية حتّى دون الحاجة إلى تقديم تبرير بخصوص ذلك . لدينا خليط مجنون من المدن ، البلديات والولايات مع سلطات متداخلة فيما بينها ، بيروقراطيات ومحصلة هدر وتبديد ناتج عن ذلك . لدينا نظام سياسي موجه نحو جمع الأموال و الإعانات بشكل غير منقطع ويذعن لمصالح أشخاص لا يملكون القدرة على التخطيط ، الاستثمار أو البناء لأجل المستقبل وإذا ما أشار أحدهم إلى أي من ذلك وتساءل عن السبب لماذا ؟ ، فسيصير غير وطني لأنّ لدينا نظاما مثاليا للحكم انتقل إلينا عبر أنصافِ آلهةٍ مشت على الأرض في أواخر القرن الثالث عشر وتُعّد بالنسبة لنا بمثابة نماذج للحاضر وإلى الأبد . حري بآباء أمريكا المؤسسين بأن يكونوا الآن متضايقين بشكل عميق من هذا النمط من العبادة السيئة للأسلاف لقد كانوا كونيين ، شخصيات كوسموبوليتانية تعلمت نسخ أشياء كثيرة وعظيمة من الماضي من الدول الأخرى وقامت بتكييف رؤيتها بشكل مستمر . لقد كان الدستور الأول ، وثائق الكونفيدرالية قبل كل شيء إخفاقا شاملا وقد تعلّم المؤسسون من الفشل . لقد بقي قرار الحصول على محكمة عليا في صدد التقويم عبر أعمال المشرّع وقد كان آخر ابتكار . لقد كان مؤسسوا أمريكا رجالا عصريين ، أرادوا بلدا عصريا يخترق ماضيها ليُنشأ وحدةً أكثر مثالية . لقد كانوا يفكرون كثيرا في مسألة الانهيار . في الحقيقة لقد كان ذلك بعد سنوات قليلة بعد الثورة التّي كانت بداية مقلقة بشكل جاد . الرسائل التّي كانت بين توماس جيفرسون وجون آدامز كرجلين يريان أمريكا في مطلع القرن 19 م ، تبعث بالشعور على التشائم والظلام : من الممكن تقريبا أن تقول أنّهم بدأوا تقليدا أمريكيا عظيما ، ذلك المتعلق بالتأمل والتفكر في مسألة الانهيار . كان على الأمريكيين أن يكونوا قلقين بخصوص صحة بلدهم أكثر من وجودهم . في سنوات الخمسينيات والستينيات -من القرن ال20- كنّا قلقين من الاتحاد السوفيتي وتوّجهه نحو التحديث . في سنوات الثمانينيات كنّا قلقين من اليابان ، لم يسبب لنا ذلك أي ضرر ، بالعكس فقد ساعدتنا كل تلك المخاوف على إحداث تغييرات تسمح لنا بإعادة إحياء قوتنا و المضي قدما . لقد استفاد داويت إيزنهاور من المخاوف بخصوص الاتحاد السوفياتي ليبني نظام الطرق السريعة بين الولايات . لقد استخدم جون كينيدي التحدي السوفياتي في الفضاء ليضعنا على الطريق ، نحو هدف الوصول إلى القمر . ما هو محبط بالفعل هو نبرة نقاشاتنا . فعوض أن نولي اهتماما بالمخاوف المدروسة التي أبداها كل من جيفرسون وآدامز فإنّنا نأخذ الأمر بشيء من التفائل ، نبرةً ومزاجا –والسبب ، نزعة التفوق والانتصار الضحلة التي يزوّدنا بها السياسيون الآن -. لقد أحب المؤسسون أمريكا ولكنّهم فهموا أيضا أنّ العمل بتطور ، والمشاريع غير المنتهية هي ما سنحتاجه بشكل مستمر لأجل التغيير ، التسوية والإصلاح . في معظم تاريخنا صرنا أثرياء حينما بقينا قلقين . فبدلا من البقاء مستريحين على أمجادنا يجب علينا الخوف من أن نصاب بالسمنة والكسل . وهذا ما كان مكمن قوتنا العظمى . في الماضي ساعدنا كثيرا الخوف من الانهيار على تجنب هذه الحالة ، دعونا نأمل أن يساعدنا ذلك اليوم أيضا.

عالم زكريا .
هل صارت أفضل أيّام أمريكا خلفنا حقا ؟
جوزيف ناي ***
8ماي 2011
ترجمة : جلال خشيب .

فريد زكريا هو واحد من أكثر المحلّلين المتبصّرين بالدور الأمريكي في العالم ، و أنا أتفق معه على العموم . لكن في مقاله الجديد الخاص لمجلة التايم : هل صارت أفضل أيام أمريكا خلفنا ؟ أرى أنّه يرسم صورة كئيبة مظلمة للانحدار الأمريكي .
يتعرض الأمريكيون لدورات إيمانية في الانحدار ، ويُخلط المصطلح في حدّ ذاته بين عدة أبعاد لعلاقات القوة المتغيرة. يرى البعض مشكلة أمريكا باعتبارها توسعا إمبراطوريا إمبرياليا مفرطا (بالنظر إلى نسبة النتائج المحلي الاجمالي ، تنفق الو.م.أ ما يصل إلى النصف على الدفاع مثلما قامت بذلك زمن الحرب الباردة ) ، في حين يرى البعض الآخر المشكلة كانحدار نسبي جاء نتيجة لصعود الآخرين (بالنظر إلى أنّ هذا التقدّم بإمكانه أن يترك الو.م. أ أكثر قوة من أي بلد آخر) ، يبقى آخرون ينظرون إلى ذلك كتقدم للانحدار المطلق أو الاضمحلال مثلما حدث بالنسبة لسقوط روما القديمة (نظرا إلى أن روما كانت مجتمعا زراعيا مع نمو اقتصادي يعرف ركودا ونزاعا مهلكا ومميتا .
بعض التوقعات ليست بالجديدة ومثلما سجّل زكريا فقد قلق آباء أمريكا المؤسسين بخصوص مسألة المقارنة مع انهيار الجمهورية الرومانية . إن الثقافة التشائمية هي ثقافة أمريكية بامتياز يرجع تاريخها إلى الجذور البروتيستانتية للبلاد ، لقد كتب الروائي الانجليزي شتارلز ديكينز مُلاحِظا ذلك منذ قرن ونصف قائلا : " لقد ساد الاعتقاد بأنّ أمريكا دائما كانت تعيش الاكتئاب ، في حالة ركود دائمة ، و أزمة تُنذر بالخطر ، ولم تكن يوما في حالة مخالفة لذلك .
في النصف الثاني للقرن الأخير أظهرت الاستطلاعات اعتقاد الأمريكيين بانحدارهم وانهيارهم بعدما أطلق الاتحاد السوفياتي سبوتنيك سنة 1957 وبعد تخفيض الرئيس ريتشارد نيكسون لقيمة الدولار ، وكذا صدمات النفط في السبعينيات ، وبعد إغلاق الشركات الصدئة وعجز الموازنة في عهد إدارة رونالد ريغان في الثمانينيات . في نهاية هذا العقد ، اعتقد أغلبية الأمريكيين بأنّ بلدهم سائر نحو الانحدار والانهيار ، حاليا وفي غضون 10 سنوات قادمة سيعتقدون بأنّ أمريكا كانت القوة العظمى الخارقة والفريدة . والآن وبعد الأزمة المالية 2008 والكساد ، تظهر الاستطلاعات اعتقاد الغالبية بالانهيار مجددا . تخبرنا دورة نزعة الانحدار هذه عن النفسية الجمعية للأمريكيين أكثر ممّا تجعلنا نفهم التحوّلات في مصادر القوة ، ولكن مثلما حاجج الصحفي البريطاني جيدعون راشمان على هذه الصفحات مؤخرا ، بأنّ الانحدار ربّما سيكون حقيقيا هذه المرة ، قبل كل شيء فقد حذّر مكتب موازنة الكونغرس : في التوجهات الحالية فإن الدَين القومي للو.م.أ سيكون معادلا لنتاجها الإجمالي خلال عقد من الزمن ، وهذا ما سيُقوّض الثقة والإيمان في الدولار.
لقد سجّل زكريا بقية المؤشرات المقلقة في علاقتها بالتعليم والبنية التحتية . ووفقا للمنظمة الاقتصادية للتعاون والتنمية فقد احتل الأمريكي ذو ال 15 سنة المرتبة 17 عالميا في العلوم والمرتبة 25 في الرياضيات وتحتل الو.م.أ المرتبة 12 في معدلات التخرج في الجامعات والمرتبة ال25 في البنية التحتية والمرتبة 27 في مسألة توقع مدة الحياة - بالنسبة للشخص وفقا للشروط والظروف الصحية للحياة- ، وعلى الجانب الآخر من خشبة العرض تحتل أمريكا المرتبة الأولى بين الدول الثرية في الأسلحة والجريمة والدَيْن.
كل هذه الأمور هي مشكلات جدّ حقيقية وواقعية ، ولكن المرء بإمكانه أن يسجّل أيضا أنّ للو.م.أ تبقى في المرتبة الأولى فيما يخّص مجموع نفقات البحث والتطوير ، الأولى في تصنيف الجامعات ، الأولى في عدد جوائز نوبل ، الأولى في علاقات المقاولة وريادة الأعمال ، ووفقا للمنتدى للاقتصادي العالمي ، فإنّها رابع أكبر الاقتصاديات التنافسية في العالم (إلى جانب دولة سويسرا الصغيرة ، السويد وسنغافورة) . تبقى الو.م.أ أيضا في طليعة التكنولوجيات المستقبلية كالبيوتيكنولوجيا وتقنيات النانو. هذه بالكاد صورة عن الاضمحلال المطلق للاقتصاد ، نمط روما القديمة . في الحقيقة ، بإمكان المرء أن يرسم صورة الو.م.أ اليوم والتّي تؤكد أيّا من الألوان الداكنة أو المشرقة من دون أن يكون على خطأ ، لا يمكن لأحد أي يكون متأكدا بشأن أي طيف سيطوّر المستقبل بشكل أفضل. لأنّ عدد الاحتمالات التّي من الممكن أن تكون عليها دورة المستقبل لهي احتمالات واسعة ، وأيٌّ منها سوف يعتمد في جزء ما على قرارات لم تتخذ بعد.
بالاعتماد على ذكر مانكور أولسن ، آخر اقتصادي سياسي كبير ، فإنّ زكريا يؤمن أنّ نجاحات أمريكا الكبيرة جعلت عمليات صنع القرار بالنسبة لها عمليات متصلبة مثلما كان الأمر في بريطانيا الصناعية . لكن الثقافة الأمريكية لهي أكثر ريادة في الأعمال ولامركزية مثلما كانت عليه بريطانيا ، أين يسعى أبناء رجال الأعمال الصناعيين إلى السمعة الاستعراضية وإلى الشرف في لندن . إذا كان أولسن على حق فقد قال زكريا أنّ الحل يكمن في أن نبقى في حالة مرونة . وبالرغم من فترات القلق التاريخية المتكرّرة بخصوص ذلك فقد ساعدت الهجرة على جعل أمريكا تحافظ على مرونتها ، في سنة 2005 ووفقا لمجلة فوربيس فإنّ مواليد المهاجرين الخارجيين كانوا قد شاركوا في واحدة من كل التكنولوجيات الطلائعية الأربعة خلال العقد الماضي ، مثلما سجّل السنغافوري لي كيان يو مرة من المرات ، يمكن للصين أن تعتمد وتستفيد من مواهب 1.3 بليون نسمة ولكن الو.م.أ لا تعتمد وتستفيد من مواهب 7 بليون نسمة وحسب ولكن بإمكانها أن توّحدهم في ثقافة متنوعة تعزّز من الإبداع في حين لا تستطيع النزعة القومية لاثنية الهان أن تفعل ذلك . تخوّف زكريا أيضا من لافاعلية النظام السياسي الأمريكي. ولكن الآباء المؤسسين أوجدوا نظاما من الضوابط والتوازنات ليحمي الحريات على وجه التحديد كثمن للفاعلية ، علاوة على ذلك ، ولأنّنا فقط نمّر الآن عبر حقبة السياسة الحزبية المفرطة ، وارتياب الحكومة لا يعني أنّ النظام السياسي الأمريكي في طور الانهيار . من المحتمل أن تكون مشاهد المزاج الحالي مشاهد دورية –حلقية- وترتبط بالبطالة ، بينما تمثل الأوجه الأخرى مشهد الاستياء مع التشاحن و الجمود- المأزق – التي تعرفه العملية السياسية اليوم.
بالمقارنة مع الماضي القريب ، فقد صارت السياسات الحزبية أكثر استقطابا ولكن السياسات القذرة ليست شيئا جديدا ، وترجع على طول المسار إلى الاباء المؤسسين . أحد المؤيدين المحسوبين على جون أدامن قال بأنّ طوماس جيفرسون "قليل الحيوية" ، زميل يعيش حياة متدنية ، ابن هجين لامرأة من الهنود الحمر، أُنجب من والد فرجيني المولد . إن جزءً من مشكلة التقييم الدقيق يرتبط بمسألة أنّ الإيمان بالحكومة صار كبيرا على نحو شاذ بين الجيل الذي عايش الإحباط الكبير كما عايش انتصار الحرب العالمية الثانية. وعبر نظرة واسعة على التاريخ الامريكي ، فلم تكن الثقة المفرطة في الحكومة سنوات الخمسينيات وبداية الستينيات في مستويات منخفضة بعد ، لقد كان هذا هو الشذوذ.
لقد كان للحكومة والسياسة الأمريكية دوما مشكلات ، أسوء في بعض الأحيان ممّا هي عليه اليوم . تقييما للانهيار السياسي حريّ بالمرء أن يحترس من التوهج الذهبي للماضي. إنّه لمن السهل إظهارالانهيار إذا ما قارن أحدهم الأشياء الجيّدة في الماضي مع الأمور السيئة في الحاضر.
بالاضافة إلى ذلك ، فإنّنا وعلى نحو خاطئ في بعض الأحيان نجعل فاعلية العملية السياسية في الدول الاستبدادية كالصين أمرا مثاليا. فحينما نتحدث عن البنية التحتية على سبيل المثال ، فإنّ من السهل على نحو بعيد أن نشيّد خطوط سكك حديدية فائقة السرعة حينما يوجد هناك حقوق ملكية هشّة وقلّة من المحامين . لكن لو نظر أحدهم إلى السؤال الأهم حول كيفية كفاح قادة الصين لأجل تحقيق خطّة الخمسة سنوات الثانية عشر-التقليل من الاعتماد على الصادرات ، التحوّل إلى الطلب الداخلي وتقليل حجم اللاّعدالة الإقليمية من خلال تحريك الصناعة نحو غرب الصين- فإنّه سيرى أنّ الصين بعيدة عن الفاعلية والكفاءة . على الرغم من أنّ محافظي البنوك المركزية والمخططين الإقتصاديين يدركون أنّ إعادة تقييم اليّن بامكانها أن تعزّز هذه الأهداف وتساعد على تجنب التضخم المالي ، وعلى نشوء تحالف قوي للصناعات التصديرية الساحلية وكذا فإنّها تربط زعماء الحزب المحلي وتدفعهم للسعي إلى المحافظة على الستاتيكو –الوضع الراهن- . لقد سجل زكريا أنّ دول آسيا الواحدة تلو الأخرى قد أدركت وتعلمت أسرار النجاحات الغربية وأنّها على حق . لقد حاججتُ في كاتبي مستقبل القوة أنّ أكبر تحوّلين في القوة لهذا القرن هو أن استعادة آسيا لما كانت تمثله قبل الثورة الصناعية قد قاد إلى صعود نجم الغرب: أكثر من نصف سكان العالم وإنتاجه الاقتصادي. ينبغي أن نعلن الانتعاش الآسيوي- وقد اخرجت-الصين- الملايين من حالة الفقر المدقع- ، لكن هذه الأمور مع الخوف المفرط من الصين ينبغي أن تذكرنا أنّ آسيا ليست كيانا واحدا . يذكرنا بيل ايموت في كتابه المهم" المتنافسون " أنّ اليابان ، الهند وبقيتهم يشعرون بالقلق حيال صعود الصين ويرحّبون بالتواجد الأمريكي . هل بإمكان أحدكم أن يتصور سعي كل من كندا والمكسيك للتحالف مع الصين لموازنة القوة الأمريكية في جوارهما ؟ كما أنّه ليس من المحتمل أن تتجاوز الصين أمريكا ووتفوّق عليها في أي وقت قريب ، أجل باستثناء الشكوك السياسية فإنّ حجم الصين وكذا معدل نموها الاقتصادي العالي سوف يزيد بشكل مؤكد تقريبا من قوتها النسبية مقارنة بالو.م.أ . يبقى أنه ليس من الضروري أن تغدو الصين الدولة العالمية الأكثر قوة . كنتيجة لذلك ، حتى وإن لم تعاني الصين انتكاسة سياسية داخلية كبرى فإنّ عدد التوقعات الحالية التّي ارتكزت على نمو الناتج المحلي الإجمالي وحده هي توقعات ذات بعد واحد أيضا . إنّها تتجاهل ما الذّي من المحتمل أن يكون قوة عسكرية أمريكية دائمة وكذا مميزات القوة الناعمة كما هو الحال بالنسبة للعيوب والعوائق الجيوبوليتيكية للصين في توازن القوة الداخلية لأسيا. زكريا محّق في أنّ الو.م.أ تواجه مشكلات جدّية. ولكن القضايا التّي تشغلنا اليوم ، كمشكلة الديون على المدى البعيد ، هي قضايا ليس لها حل ، فلننظر مثلا إلى توصيات لجنة سيمبسون- باولز ، ولنتذكر أنّه منذ عقد مضى وحسب تخوّف بعض الناس من الفائض الحكومي ، بالطبع فإنّ بعض الحلول تبقى إلى الأبد بعيدة المنال. ولكنّها حالات جديرة بالتميّز حينما لا تكون هناك حلول بخصوص تلك الحالات التّي من الممكن أن تُحّل مبدئيا.
الخطر الأكبر الذّي يواجه الو.م.أ ليس هو الدَين أو العجز السياسي أو الصين ، إنّه ضيق أفق التفكير ، الابتعاد عن الانفتاح والمصارحة ، إنّ هذا الأمر لهو مصدر قوتها وهو الذّي يبقيها على مجدها ، مثلما قال زكريا ، لقد ساعد الخوف من الانهيار في الماضي على تفاديه ، دعونا نأمل أنّ الصورة المظلمة التّي رسمها فكره الذّكي سوف تطلق من جديد هذه العملية الصحّية الآن .

* جلال خشيب : مهتم بالدراسات الدولية والإستراتيجية ، التنظير في العلاقات الدولية ، الجيوبوليتيكا والفلسفة السياسية ، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة منتوري قسنطينة / الجزائر .

**فريد زكريا : مُنظّر وكاتب صحفي أمريكي ذو أصول هندية ، متخصص في العلاقات الدولية ، التجارة الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية ، ترأس صحيفة النيوزويك الأمريكية ، من أهّم مؤلفاته : "مستقبل الحرية" 2003 و "عالم مابعد أمريكا" 2008 وهو الكتاب الذّي أحدث ضجّة إعلامية بعدما إلتقطت الصحافة صورته بين يدي الرئيس الأمريكي باراك أوباما .

***جوزيف ناي : منّظر أمريكي شهير ، بروفيسور بجامعة هارفد ، باحث في الجيوبوليتيكا والعلاقات الدولية و مؤلف عدّة كتب أكثرها ذيوعا : "القوة والإعتماد المتبادل " كتبه رفقة الأستاذ روبرت كيوهان سنة 2000 ، كتاب "مفارقة القوة الأمريكية" سنة 2002 ، "القوة الناعمة" سنة 2004 و كتاب : "مستقبل القوة" سنة 2011 ، صدر له كتاب حديث سنة 2013 يحمل عنوان : "القيادة الرئاسة وخلق الحقبة الأمريكية" .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- هل يُعتبر الواقعيون كذئاب وحيدة ؟ ليندساي هاندلي في مواجهة س ...
- القوة الدولية
- إدوارد هاليت كار في مواجهة المثالية : وتحتدم المعركة
- الفرق بين الواقعيين واللبيراليين .
- عيد المرأة .. فلسفتي .
- صعود الصين و الثورة المعرفية الجديدة .
- صاموئيل هنثنغتون وحروب خط الصدع .
- الجزائر في مهّب التحوّلات الدولية والإقليمية .. ما الذي يمكن ...
- النظرية و الممارسة في العلاقات الدولية : بعض من التصورات الش ...
- تراجيديا المغرب العربي الجديد و الحلف المقدس الجديد .
- النقد الإحيائي و إعادة بعث مفهوم الخِلافة .. مجرد فكرة :
- -مغامرة- جديدة بحثا عن عمل في مملكة الإله .. و يتكلم زراديشت ...
- الغرب و البقية ، تحوّلات ميزان القوى العالمي في المنظور التا ...
- الواقعية : العالم الحقيقي و العالم الأكاديمي / جون ميرشايمر ...
- لماذا وُجدنا ؟ أسئلة الإستخلاف و رسالة المثقف المسلم في الحي ...
- إمبريالية مُصمّمة/ جون ميرشايمر
- نظرة خاصة لمفهوم الأمن / مجرد فكرة .
- زبيغنيو بريجانسكي و الماكيندرية الجديدة
- التوجهات الكبرى للإستراتيجية الأمريكية بعد الحرب الباردة
- سوريا في مهّب التحولات الدولية


المزيد.....




- سجناء ينقذون حياة سجَان
- الجيش الفرنسي يقتل عشرات الإرهابيين في مالي
- روسيا: لا يوجد اتفاق في مجلس الأمن بشأن الهدنة في سوريا
- مؤتمر بروكسل لدعم القوة العسكرية في الساحل الأفريقي يعقد الي ...
- هل سيتم تأجيل الانتخابات الرئاسية في فنزويلا
- محتجون يعترضون طريق الجبير للبرلمان الأوروبي
- محكمة فرنسية ترفض إطلاق سراح طارق رمضان
- تركيا ترد على قرار البرلمان الهولندي بشأن -إبادة- الأرمن
- ضابط يمني: مصرع وإصابة 50 من قوات التحالف في نجران
- هل أرسلت روسيا مقاتلات شبح إلى سورية؟


المزيد.....

- الاستراتيجيه الاسرائيله تجاه الامن الإقليمي (دراسة نظرية تحل ... / بشير النجاب
- ترامب ... الهيمنة و الحرب الاميركية المنسية / فارس آل سلمان
- مهددات الأمن المائي في دول حوض النيل قراءة في طبيعة الميزان ... / عمر يحي احمد
- دراسات (Derasat) .. أربع مقالات للدكتور خالد الرويحي / موسى راكان موسى
- مفهوم ( التكييف الهيكلي ) الامبريالي واضراره على الشعوب النا ... / مؤيد عليوي
- الحياة الفكرية في الولايات المتحدة / تاليف لويس بيري ترجمة الفرد عصفور
- الحرب السريه ضد روسيا السوفياتيه / ميشيل سايرس و البير كاهين
- أحزاب اليمين الأوربي والزعامة الأمريكية / لطفي حاتم
- الرأسمالية العالمية والنهاية المحتومة / علاء هاشم مناف
- مراحل انضمام دول الشمال الى الأتحاد الأوربي / شهاب وهاب رستم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - جلال خشيب - صدام التيّارات .. جوزيف ناي في مواجهة فريد زكريا : هل صارت أفضل أيّام أمريكا من الماضي ؟ ترجمة : جلال خشيب