أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - فلاح علوان - الاساس الاجتماعي للتشيع في العراق والناسيونالستية العراقية















المزيد.....


الاساس الاجتماعي للتشيع في العراق والناسيونالستية العراقية


فلاح علوان

الحوار المتمدن-العدد: 4173 - 2013 / 8 / 3 - 02:25
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


السنوات العشر الاخيرة التي اعقبت الاحتلال، تسيد الصراع الطائفي الدموي خلالها المشهد، بصورة اشد حتى من مشهد الاحتلال والمقاومة بوجهه، او مواجهة تحديات مرحلة جديدة من تاريخ العراق، تبدأ مع الاحتلال.
ان العديد من الابحاث تناولت الموضوع من ناحية الاختلاف المذهبي او العقائدي، او دور الاقطاب الخارجية وخاصة الاقليمية، ان هذه العوامل هي واقعية وفعالة وحاسمة ايظا، ولكنها لا تجيب على موضوع الجذر الاجتماعي والاس الذي يمكن بواسطته اعادة انتاج هذه الطائفية وابقائها سيده المشهد.
ان النزاع الطائفي اليوم هو ليس نزاعا مذهبيا حول العقائد والاحكام الفقهية، كما ان الارهاب اليوم هو ليس مجموعة متطرفين او مخالفين او انتحاريين يقومون باستهداف المدنيين وقتل الابرياء، انه الية لادامة سلطة البرجوازية وسد الطريق على التطور السياسي في المجتمع، انه يتخذ شكل التفجيرات الدموية والقتل والخطف والذبح والتهجير واحتجاز مدن كاملة كرهائن اي الارهاب باوسع صوره. وهذه الالية تتسع عالميا امام انظارنا لتصبح ستراتيجية عالمية بيد البرجوازية، لتمرير سياساتها والوقوف بوجه التطور السياسي امام الجماهير وبالاخص الطبقة العاملة، وهذه المسألة بحاجة الى برهان وبحث. ان اعتماد المؤسسات القائمة والجاهزة وخاصة المؤسسة الدينية والعشيرة والعرق والتمترس فيها هو ستراتيجية البرجوازية في العراق اليوم.
ان هذا البحث هو سعي لتقصي الجذور الاجتماعية التاريخية للتشيع، لغرض نزع الصفة الصنمية والصوفية وتحليل الظاهرة الى عناصرها الاساس، وهي مسألة يستحيل تحقيقها في بحث منفرد مختصر، ولكنها محاولة لعرض الخطوط العامة لنقد تاريخي. ان العمق التاريخي للصراع الطائفي ما زال شاخصا يحمل اثار الماضي البعيد بوضوح، وهذا راجع بالدرجة الاساس الى عدم وقوع ثورات اجتماعية تغير البناء الفوقي والبناء الاجتماعي في المجتمع، بحيث اصبح بامكان البرجوازية اعادة انتاج سياسات وعقائد تفصلنا عنها اكثر من الف عام. وحتى التحولات والنزاعات الرئيسية في تاريخنا قد كان الدين حاضنتها. وما يزيد من تعقيد الموضوع؛ هو صعوبة تتبع المسار التاريخي الذي مر بعشرات الزلازل والاعاصير التاريخية، التي ادخلت عوامل جانبية وتفصيلية كثيرة جدا ومعقدة ايظا.
وقبل الخوض في الحوادث التاريخية البعيدة، يمكن الاشارة الى ان تشكيل الدولة العراقية " الحديثة" اي المملكة قد جرى على اساس طائفي واضح، وكانت الصراعات السياسية الطائفية المبكرة خلال العشرينيات والثلاثينيات قد عكست بوضوح التوجه لبناء دولة طائفية تقودها النخبة السنية. لقد كانت دولة فيصل الاول والمملكة عموما تشبه نوعا من الاستعمار الداخلي من قبل الصفوة الحاكمة السنية لسكان البلاد العاملين بالزراعة بالدرجة الاولى،وخاصة في الحنوب وبمعاونة شيوخ القبائل، وهم من الشيعة، الذين سلمهم الانكليز ارض البلاد، ليقوموا باستغلال الفلاحين – شبه الاقنان- باشد اشكال الاستغلال التي عرفها البشر. لقد كان شيوخ القبائل اشبه بمصاصي دماء منهم بمستغلي او مستثمري ارض.
ان بناء الدولة الطائفي هذا استمر خلال الحقب اللاحقة وبدرجات متفاوتة. وكان الدافع والمحرك لانخراط سكان الجنوب الشيعة في غالبيتهم في الحركة الشيوعية والحزب الشيوعي العراقي، والقمع السياسي الذي واجهوه والذي عمق الهوة مع السلطة. ثم تاسيس الاحزاب الاسلامية الشيعية التي بنيت على اساس مذهبي طائفي وكانت سندا اخر لتعميق الهوة بين الشيعة والسلطة. ان وجود فقراء ومعدمين من السنة ومن الكرد ايظا وانخراطهم في الحركة الشيوعية، وخاصة خلال السنوات الاولى من قيام الجمهورية قد قلص بدرجة ما وبشكل ما فقط الفوارق العرقية، واصبح التمايز الطبقي الاجتماعي هو الاساس. ولكن هذا الوضع لم يصمد امام هجمة البرجوازية الفاشية وخاصة انقلاب 1963. فما هو السر الذي يتمحور حوله الانتماء للمذهب ويقف بوجه تطور الصراع الاجتماعي والطبقي! ان تحري بعض هذه الجذور في التاريخ البعيد، ربما سيوفر امكانية متابعة الاتجاه التاريخي لتطور المذهبية ويساهم في حل لغز الطائفية والـ "انتماء" للطائفية او اعتناقها، من منظور تباين المصالح وتناقضها وليس من خلال الفروق الفقهية والعقائدية.

حين فتح العرب العراق على يد الخليفة عمر بن الخطاب، وجد اهل العراق انفسهم تحت حكم قبائل جزيرة العرب مباشرة، وتحت راية الدين الجديد الذي فرضه الفاتحون. بعد ان كانوا تحت نفوذ الامبراطورية الفارسية ( الساسانية) المتهالكة يومذاك، والتي سقطت في نفس الحملة.
وحيث ان العراق ليس جزءا من الجزيرة العربية رغم وجود العديد من القبائل العربية فيه الى جانب العديد من الاعراق. وان له خصائص تميز انماط الحياة فيه عن حياة مجتمع الجزيرة. وحيث ان المتضررين من الفتح يرون في الفاتحين تهديدا لكيانهم وذاتهم المهزومة امام الفاتحين، وحيث ان الفاتحين جاءوا بتقاليد وبدين جديد، يعلن صراحة قسر السكان على اعتناقه، فان السكان الاصليين الذين اصبحوا تحت الحكم الجديد هم بحاجة الى ما يمايزهم عن الاقوام الجديدة القادمة، ويبقي على مسافة مع الثقافة والتقاليد الجديدة، وما يحفظ كيانهم او ذاتهم من الزوال النهائي، اي باختصار ما يحفظهم من الانحلال التام والذوبان في الكيان الجديد.

وفي نفس الوقت فان وقوع العراق على تخوم جزيرة العرب والطابع العربي لاقسام عديدة منه، يجعله غير منفصل بصورة تامة عن الروابط مع جزيرة العرب. وهذا ما يضفي تعقيدا اخر على الشكل الذي اتخذه الصراع مع الفاتحين.
وحيث ان الدين كان الاطار الذي الذي وحد قبائل العرب وجعل منهم قوة تنشر نفوذها وسلطتها، والوسيلة التي من خلال نشرها تجري الغزوات، فان انتصار العرب والاسلام سد الطريق على امكانية بروز ايديولوجيا مواجهة في العراق من خارج الدين، لحفظ كيانه امام الذوبان في المحيط العربي.

ان الحاجة الى التمايز عن الجزيرة وسلطتها في العراق وحفظ خصوصيته في مواجهة الثقافة التي تم فرضها خلال الفتح العربي الاسلامي، وبالتالي محاولة حفظ ثقافة وتقاليد بعينها في العراق من الانحلال النهائي في تقاليد الجزيرة الي جاءت عبر الاحتلال، كل هذه العوامل تشكل منطلق التشيع. ان الطبقات الاجتماعية لم تكن تعاني بنفس الدرجة ولا نفس شكل المعاناة من الغزو، ولكن هذه المسألة يمكن الرجوع في مناسبة اخرى لبحثها بالتفصيل لغرض اشباع واغناء الموضوع عموما، ولكن تسليط الضوء الان على الاتجاه العام بوجه الغزو والفتح هو محرك هذا المقال.
ان تكامل مذهب او تيار فكري يمر بسلسلة حلقات معقدة ومتنوعة وطويلة ايظا، ويجري نحته وصقله عبر عشرات الحوادث والوقائع التي يجري ربطها وتفسيرها لتساهم في استكمال البناء او الاتجاه. ولا يمكن باي حال ان يولد كاملا تاما مفصلا ومتشعبا.
ان الخلاف داخل المؤسسة الحاكمة الاسلامية، وبالاخص بين سادة قريش والجزيرة السابقين الذين اصبحوا قادة الدولة الناشئة، والتيار الذي وقف بوجه توسيع الفتوحات والذي تزعمه الخليفة علي بن ابي طالب، كان من اشكال الصراع الداخلي التي غذت الاتجاه الى التشيع، اي تشكيل جناح رئيس داخل الاسلام.
كما ان نقل مقر الخلافة الاسلامية اي العاصمة من الجزيرة الى الكوفة، قد رفع المكانة المعنوية والاعتبار السياسي والاجتماعي لاهل العراق، والذين فقدوا هذه المكانة خلال الفتح، تحول الى رافعة جبارة للتشيع، كل هذه العوامل قد اصبحت المقدمات لتنامي وتطور اتجاه التشيع في العراق.
ومن جانب اخر فان نقل العاصمة الى العراق كان دافعا جوهريا وراء الالتفاف حول خلافة الخليفة الرابع علي بن ابي طالب الذي وجدوا في حكمه ممثلا لمناهضة الفتح العربي المباشر والالحاق المباشر الذي جاء على يد الخليفة عمر بن الخطاب. ووجد اهل العراق في سياسة علي بن ابي طالب ضد الفتوحات، اتجاها يتماهى مع اتجاههم، المناهض لحكم اهل الجزيرة المباشر. والملاحظ ان الالتفاف حول خلافة علي بن ابي طالب من قبل جمهور اهل العراق، لم ينطلق من البحث عن الفروق العقائدية والتباين في الاحكام الفقهية بينه وبين عمر بن الخطاب وباقي الخلفاء، بل كان كما لاحظنا قد انطلق وتمحور حول سياسة بعينها، وجدوا فيها حاضنة لتطلعات سياسية وحياتية، ومنطلق لترسيخ انفسهم بوجه سياسة الفتح. ان التاريخي والديني والاجتماعي يتداخل هنا بصورة شائكة، ولكن الاتجاه الاساس القائم على تباين المصالح يمكن تعقبه او على الاقل ملاحظة تأثيره.
والحقيقة ان عشرات بل مئات الابحاث التاريخية قد تناولت هذه الموضوعة من العديد من الجوانب، وانا لا اقصد هنا القيام ببحث تاريخي او القيام بمقارنات تاريخية او البحث في اصول المذاهب وتباينها. كل ما اقصده في هذا البحث هو محاولة لفهم الجذر الاجتماعي لظاهرة مازالت تحتفظ بكل جديتها وتاثيرها السياسي في المجتمع، بل ان تاثيرها وامتدادها يتجاوز بكثير العديد من التيارات السياسية والطبقية المعاصرة، ان تأثيره على الطبقة العاملة واضح لا لبس فيه على الرغم من تمسك العمال بمصالحهم وحقوقهم، غير ان المذهبية التي يعاد انتاجها بين الجماهير تساهم الى حد بعيد في التاثير بفكر المجتمع وفكر العمال كجزء اساس من المجتمع.
ان ما اسعى للوصول اليه هو الجذر والاس الاجتماعي وليس العقائدي اوالقدري للظاهرة، باعتبار انها نتاج لصراع تاريخي اكتسب الشكل المذهبي والديني، ولا اقصد الغوص في المفاهيم والسير التاريخية.
ان البحث عن التمايز مع القوم الذين اقترن حضورهم التاريخي بالاحتلال ومصادرة حضارة وثقافة قوم اخرين قاد السكان الى البحث عن عناصر من الحياة مالوفة وتجميعها وتكثيفها كايديولوجية ورفعا بوجه الثقافة القادمة.
ان الاعتقاد بان التشيع مصدره ايران وانه امتد الى العراق وهو نفس المذهب ونفس العقائد، هو تصور لا يمكنه تفسير وظيفة التشيع في ايران، وتمييزها عن وظيفة وعناصر ووسائل التشيع في العراق. ان وظيفة التشيع في ايران ووسائله وسياساته وبعده التاريخي يختلف عن التشيع في العراق.
غير ان الفوارق مع التشيع الايراني يخفيها التهديد الذي يحسه زعماء التشيع في العراق من التحدي العروبي السني، وعدم تكامل جهاز ونظام سياسي محسوم وراسخ، لا في الماضي ولا اليوم حيث الحكم هو حكم الاحزاب الشيعية، وهو على ما يبدو لن يترسخ بالطريقة التي يريدها الحكام والزعماء الدينيين. كما ان خبرة ايران في تدعيم وترسيخ المذهب وتحويله الى وسيلة بيدها لنشر نفوذها تجعل المحاولات الاستقلالية للتشيع العربي محدودة ومحلية الطابع.
ان التطور التاريخي لا يجري بالعناصر المحلية في المجتمع معزولة عن روابطها مع العالم وكذلك عن تاريخها. كما ان التطور الداخلي في العراق لم تعد له استقلالية بعد الفتح العربي، وبالتالي يصبح من المستحيل تتبع تاريخ التشيع وعناصره من خلال التطور المحلي الداخلي. مثلما ان التطور الداخلي لمجتمع الجزيرة توقف مع ظهور الاسلام ليتخذ الشكل الامبراطوري ولتختفي العديد من الظواهر والاشكال الحياتية والثقافية التي كانت جزءا من حياة المجتمع العربي ما قبل الفتوحات. وتصبح المراقية التاريخية لاي ظاهرة تجري بدراسة التاثير المتبادل بين تاريح الفاتحين والمغلوبين.
لم يكن بامكان الثقافات الموجودة في بلاد النهرين ما قبل الفتح العربي الاسلامي ان تكون عناصر ايديولوجيا كيان سياسي مستقل، لا في ذلك العصر ولا في يومنا الراهن، كما ان مبادرات انشاء ممالك مستقلة في العراق قبل الاسلام لم تنجح او تعمر.
ان العراق كان نصف محتل نصف ملحق ببلاد فارس قبل الفتح العربي، ولا يسعني التوسع في هذه النقطة، لان هذا بحث تاريخي له ابعاد اخرى غير التي نسعى للبرهنة عليها، غير ان الاشارة العمومية للاحداث العامة يفيد في تسليط الضوء على بؤر ونقاط تاريخية مهمة ويسهم في فهم الخلفية التاريخية للاحداث.

ان المتسلطين الجدد على العراق، اي خلال الفتح، نظروا الى السكان القدامى المهزومين نظرة ازدراء، وهو ما يفعله كل المحتلين من النظر بدونية الى الاقوام التي تصبح تحت حكمهم او سيطرتهم. لقد تطورت وتعقدت النظرة الدونية، وامتدت اشكال منها الى يومنا هذا، لتوجه الازدراء والاحتقار الى فئات عديدة من السكان حسب مهنهم او اصلهم او تقاليدهم او سلوكهم او حتى لهجتهم. ان الاقوام المغلوبة على امرها كانت تلجأ الى للاهوار وعدم الاختلاط بالعالم. ⃰-;-⃰-;-⃰-;- سكان الاهوار او المعدان. الفريد
والحال، فالقبائل الغازية والقبائل المستفيدة من "الوضع الجديد" اي الفتح الاسلامي، قد حافظت على روابط شديدة مع التقاليد القبلية في الجزيرة اي خارج العراق، بحيث اصبح عمقها الاجتماعي والتاريخي مع ما هو عربي وليس ما هو محلي، حتى ولو كان من اصل عربي. ومع هذا التعصب ينمو ويترسخ تعصب موازي ومواجه يعبر عن نفسه في التشيع والتمايز عن الجزيرة.
تريد القبائل المستفيدة من الغزو والنازحة والمهيمنة ترسيخ سلطتها في العراق وتقوية روابطها مع العالم العربي ويصبح اساس فلسفتها هو عروبة العراق لا محليته، ويشكل العمق العربي المتعالي على ما هو محلي او عراقي، هو الخصيصة الاساس لها، بالتناقض مع ميل ونزعة السكان المتطلعين لاقامة كيانهم المستقل المتمايز مع الكيان العروبي وخاصة الجزيرة. ويتجلى ارتباط العروبية السنية في تاكيد استقلال العراق عن غير العرب وخاصة ايران، اكثر مما في كيان مستقل بالمعنى الذي يجعل منه بلادا او دولة قومية عراقية. في حين يشكل هذا تهديدا للشيعية التي تحقق ذاتها بالتمايز عن العروبية السنية كامتداد وعمق للجزيرة وللحكم العربي، ولكن نقطة ضعفها، اي الشيعية، هي في عدم استقلاليتها وتبعية قرارها السياسي لايران، الامر الذي يجعل قدرتها وقوتها تتجلى بالتواصل مع ايران وليس في اقامة كيان محلي عراقي. وهذا نابع بالدرجة الاساس من قوة ونفوذ التيار العروبي وارتباطه بالعمق العرب، وقوة وتأثير ايران في المنطقة وعلى العراق.
ويسعى من يرى نفسه اخضع للحكم العربي الى اعتبار العراق مميزا عن الجزيرة وان فلسفته هي في تكريس محليته او الحفاظ عليها بالتمايز مع الجزيرة، التهديد المباشر والاول، والتي لعب التشيع دور الوسيلة للتمايز والانفصال عن الهيمنة النهائية للجزيرة مع المحافظة على روابط مع العروبة كون الطابع العام لسكان العراق وخاصة القسم الجنوبي هو عربي.
هذه الاشكال من الاستقطاب قد استمرت خلال مراحل متعددة وما زالت تاخذ منحى مشابه بصورة مذهلة، الى الحد الذي يشجع البرجوازية التي تريد ادامة هذه الاوضاع، التصريح بانها فوارق خالدة وعرقية تستمد شرعيتها وجذرها من الدين، وتعبر عن نفسها في المذاهب.

هل يشكل التشيع بهذا المعنى عنصرا من عناصر الناسيونالستية العراقية؟
ليس المقصود بالشيعة او التشيع في هذا البحث، هو مجموعة عقائد او احكام فقهية، او الانتماء او الاعتناق للمذهب بعينه. فحتى الملحدين وغير المتدينين واللادينيين بالفطرة والغجر في الجنوب يعتبرون شيعة، وبالتالي نجد ان الخصائص التاريخية والعرقية هي الفاصل في هذا الجانب، ان المقصود هو صبغة للانسان جرى تعميمها او اكتسابها او فرضها خلال قرون، تستخدم للدلالة على مجموعة سكانية، اصبح المذهب شاخصها، وحيث انه لا يوجد حزب شيعي غير اسلامي او غير ديني، يصبح المذهب هو شكل التعبير عن التوجه السياسي للقوى السياسية.
لقد عبر التشيع عن نفسه عبر سلسلة من الصراعات طويلة وعسيرة ورسخ تمايزا عن الجزيرة وثقافتها، ولم يعد لديه تاريخيا ما يقوم به كاطار للـ "ناسيونالستية" العراقية التي تعاني عدم تكامل عناصرها تاريخيا. بل العكس فان تناقضات التشيع مع المذهب السني تمنع تماما قيام كيان مشترك عراقي على اساس الدين. ويصبح معها وجود عراق واحد امرا مستحيلا. ومن جانب اخر لم تعبر الاحزاب الشيعية والمؤسسة الدينية الشيعية عن حركة تقدمية وعن المصالح الحيوية لسكان الجنوب او عموم الشيعة. بل كانت مظلومية الشيعة التي يتحدثون بها باستمرار، سببا في صعود العديد من الزعامات الرجعية وبصورة متواصلة.
لم يكن سكان الجنوب العراقي المسمى بالشيعي، ولغاية عقود مضت يطلقون على انفسهم اسم شيعة بالدرجة الاساس، كما لا يطلق عليهم الاخرون شيعة فقط، ان الاسم المتعارف عليه ولغاية اليوم هو" شروكي" وهو تعبير يختلف المؤرخون في جذره اللغوي. ولكنه عموما يشير الى مجموعة صفات وانماط تشبه العرق. وما زالت تستخدم الى اليوم وان اصبحت تاتي بالدرجة الثانية بعد الصفة الشيعية للسكان. لقد انتصر التصنيف المذهبي لسكان الجنوب كشيعة بصورة نهائية وبالشكل الحالي، مع قيام الجمهورية الاسلامية وصعود الاحزاب الاسلامية، في وجه سائر التصنيفات، مثل شروكية، المعدان، اهل الجنوب .. الخ. وبالمناسبة فان عددا لا يستهان به من المثقفين في الجنوب يسمون اهل الجنوب بالسومريين، وما زالوا يبحثون بجدية حول المفردات المشتركة مع اللغات العراقية القديمة، والالات المستخدمة وبعض الطباع والعادات، ولكن هذا لا يشكل ثقلا سياسيا او حركة سياسية لها افاقها، ومن غير المؤكد تطورها بهذا الشكل.
ان سكان الجنوب لم يطوروا ايديولوجية سياسية خاصة وهو امر لم يكن ممكنا موضوعيا، ويصعب بدقة تحديد اسس التمايز عن باقي سكان العراق من العرب السنة.
كما ان مجرى التاريخ قد طمس بصورة كبيرة آثار الفتح العربي ونشر الاسلام، واصبحت الاثار التاريخية تلمس بصورة جد معقدة ومتداخلة ويصعب جدا ارجاعها الى عناصرها الاساسية.
لقد تشيعت العديد من القبائل في العراق او سعت الى تعميق الارتباط بالجذر العربي او البحث عن روابط مع ما هو عربي،وهناك قبائل مشطورة الى شيعة وسنة، وهذا ليس بالامر الحاسم في الموضوع، ان القانون الاساسي هو التناقض بين المحلي الخاص امام الامتداد المحيطي، في حين تتناوب وتتنوع الادوار التي يقوم بها هذا الطرف او ذاك، وحسب الظروف السياسية والحياتية. ان القوى الاقليمية التقليدية وتصارعها قد ترك تأثيراَ مباشرا على هذا المسار في العراق وخاصة الامبراطورية العثمانية وبلاد فارس.
ان التاريخي والديني والاجتماعي متداخلان هنا بصورة معقدة، والاستناد الى الوقائع والحوادث بصورة كسرد او ادلة سيقود الى التضليل، ما لم تخضع الظواهرر للاساس المادي العلمي في التحليل والاستنتاج.
لا يمتلك التشيع نظرية للمجتمع خارج الدين، اي خارج الاسلام وبالتالي لا يستطيع ان يشكل اساسا لاقامة دولة او كيان وطني. من جانب اخر فان العرب السنة يشاطرون الشيعة البلاد، ولا يمكن تاليف كيان مشترك على اساس الاختلاف او التناقض معهم. مثلما كان مستحيلا استمرار الدولة السنية المتناقضة مع اغلبية السكان. هذا التناقض واضح ومعه سيكون مستحيلا اقامة كيان وطني واحد على اساس الدين، مهما تحدث الطرفان عن الزهد والتضحية والتاريخ المشترك والامجاد ... الخ. ان الامر لا يتعلق باستبدال الحكام باخرين عقلاء او مدركين او معتدلين وما شاكل، ان المسألة تكمن في جوهر فلسفة اقامة الدولة على الاسس المذهبية او الدينية.
ان التمايز عن الجزيرة وعن كيانات اخرى يمكن ان يكون عنصراَ من عناصر تشكيل كيان خاص غير ملحق او تابع، اي عنصر من عناصر الناسيونالستية العراقية، ولكنه عبر عن نفسه سياسيا من خلال التشيع، اي الدين، او من خلال السنة في مناهضة النفوذ الايراني، وكلاهما ادخل المجتمع في تناقض.
وبهذا الصدد، فان قسما واسعا من سكان العراق، اي كردستان، ليس طرفا مباشرا بهذا الصراع، ان التوجه القومي وفلسفته لا ترتبط بالناسيونالستية العراقية كحركة. على الرغم من تضحيات العديد من ابناء كردستان في النضال من اجل تحرر العراق من الحكم البريطاني والنضال ضد الملكية وضد الفاشية، تلك التضحيات التي كانت شاخص حركة تحررية متجذرة في كردستان. وبالرغم من ان مرحلة 1958-1959شهدت اندماجا شعبيا واسعا في العراق وتطلعا مشتركا للتحديث والتطور وبناء مجتمع عصري، الا ان التجربة تلك اجهضت مبكرا، ولم تسفر عن حركة ناسيونالستية عراقية عامة. ان نفوذ القومية الكردية طاغ بصورة واسعة في كردستان، ليس بين اوساط السياسيين والبرجوازية الكردية، بل حتى بين اليسار، وله ما يبرره تاريخيا، وخاصة النزعة الفاشية والشوفينية لدى البرجوازية العربية، ولكن هذا ليس مبحثنا الان. ولكن المقصود ان هذا ما سيعمق الفوارق والهوة في اقامة دولة عراقية تشمل كل هذه الاطراف على اساس سيادة القوى البرجوازية الحالية. ان الشباب في كردستان والذي لم يعاصر الحكم الفاشي، ويعارض الحكم البرجوازي الكردي الحالي يمكن ان يطور او يندمج بحركات على اساس طبقي، ويمكن ضمن شروط وظروف تاريخية معينة ان يندمج بحركة طبقية في كردستان وعموم العراق.
الخلاصة: ان القوى البرجوازية في العراق لايمكنها ان تكون اداة لبناء حركة ناسيونالستية تشمل العراق بمجمله، وتقيم كيانا واحدا قابلا للحياة بقيادتها، ليكون اطارا للصراع وتوازن القوى، لقد كانت النزعة الفاشية للبرجوازية العراقية واضحة منذ انقلاب 1936اي منذ بواكير قيام الدولة، بل منذ 1933 اي بعد الاستقلال بسنة واحدة. وكان استناد الدولة للجيش والعسكرية ونزعة عسكرة المجتمع متأصلة فيها، وكانت وما زالت تزج الجيش مباشرة ضد اي حركة محلية. وهذا ناجم عن ضعفها وعدم وجود اساس لفسفتها في ادارة البلاد، وبالتالي فالنزعة الوطنية البرجوازية في العراق هي فاشية في جوهرها وليس لها اساس موضوعي. ان الحديث عن بلاد موحدة ديمقراطية في ظل القوى البرجوازية الراهنة هو امر طوباوي.
ووفقا لهذا التصور ستكون الطبقة العاملة هي المسؤولة تاريخيا عن المهمة المزدوجة وهي اقامة كيان موحد وانجاز الديمقراطية بالمعنى الواسع، وسد الطريق بصورة نهائية على الفاشية، اي باقامة الاشتراكية. وباعتقادي ان التحول الديمقراطي والحرية السياسية لايمكن تحقيقها الا عبرالبديل الاشتراكي.
1-8-2013
المصادر:
1- المعدان او سكان الاهوار. ولفرد ثيسكر. ترجمة باقر السهيلي. مطبعة الرابطة – بغداد 1956.
2- الطائفية والسياسة في العالم العربي. د. فرهاد ابراهيم. مكتبة مدبولي- القاهرة الطبعة الاولى 1996.
4- A people s history of Iraq Ilario Salucci. Haymarket Book. Chicago. 2005
5- خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية. لينين. دار التقدم موسكو





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,227,925
- حول موجة التظاهرات الراهنة في العراق – فلاح علوان اجرى الحوا ...
- خصخصة الكهرباء سياسة مقصودة ونهب علني للمجتمع
- من الجذور ام من الذروة ..... ستون عاماً على انتفاضة فلاحي آل ...
- اين اسامة انور عكاشة من الزواج الجديد للبرجوازية المصرية
- ..... رحيل الرفيق زيدان حيدر - ابو حيدر-
- حول قرار محكمة استئناف البصرة
- بصدد تصريح رئيس الوزراء نوري المالكي في الاول من ايار
- حول الموقف من الانتخابات النقابية الحكومية - قراءة لبيان الا ...
- دور اليسار والنقابات العمالية في الثورات العربية
- الانسحاب وحده ليس كافيا بعد تخريب البلاد وتدميرها... الى الر ...
- عمال يتصدون لتظاهرة جماهيرية عمالية بالحجارة
- الالاف في الوول ستريت بعد اسابيع من احداث لندن العنيفة
- فلاح علوان في حوار استثنائي مفتوح حول: الاحتجاج والحراك الجم ...
- بصدد ثورة جماهير مصر -- مواجهة الاستبداد والفقر والفساد
- بصدد ثورة جماهير مصر -3- قاهرة الطغيان
- بصدد ثورة جماهير مصر- من يوميات الثورة
- حثالة البروليتاريا تلعب دورها التاريخي
- بصدد انتفاضة جماهير مصر
- ليس لدى العاطلين ما يخسرونه سوى جوعهم
- الهجوم ليس على النوادي والبارات، انه الوجه الجانبي للمعركة


المزيد.....




- جريزمان يخشى عودة نيمار لبرشلونة
- الجزائر.. إخلاء سبيل محافظ -سعيدة- السابق المتهم في قضية -طح ...
- خطف أربعة أتراك في نيجيريا والشرطة تبدأ عملية إنقاذ
- اجتماع ثالث للجنة -كوبرا- البريطانية بحضور ماي بشأن احتجاز ا ...
- السعودية تدعو المجتمع الدولي لردع إيران
-  التشكيلة المثالية لكأس الأمم الإفريقية 2019
- تمديد حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر جديدة
- الخارجية الإسرائيلية: وصول صحفيين سعوديين وعراقيين.. وسيلتقو ...
- ماذا قال ظريف لـCNN حول المفاوضات مع أمريكا؟
- ساويرس يهاجم الخطوط الجوية البريطانية والألمانية.. ويقحم الع ...


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - فلاح علوان - الاساس الاجتماعي للتشيع في العراق والناسيونالستية العراقية