أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - رقصة في بيت العنكبوت















المزيد.....

رقصة في بيت العنكبوت


علي أحماد

الحوار المتمدن-العدد: 4130 - 2013 / 6 / 21 - 19:49
المحور: الادب والفن
    


لم تنجبه القرية..لم يتنفس هواءها صغيرا ولم يترع بين حقولها ووهادها،لم تشغفه حبا بل جاءها طلبا للقمة عيش يسد بها الرمق وبحثا عن رزق يعينه على قهر الزمان ودوائره. طويل القامة أبيض البشرة جميل المحيا تخبىء نظراته ذكاء متقدا أخمدت جذوته قلة ذات اليد..اشتعل رأسه شيبا ولما يبلغ بعد من الكبر عتيا. انتدبه الأهالي راعيا لقطيع القرية،فهم يتعففون عن هذه المهنة الدنيئة بل يرون أن محترفها لابد وأن يكون معتوها أوبه لوثة ومس.يقضي العرف أن يتناوب السكان على استضافته ويتكفلون بمبيته وأكله ومؤونة يومه بحسب عدد رؤوس الأنعام فلذ له المقام وطاب. .يجول بين أزقة القرية معلنا وقت خروج القطيع، يعلو صوته الجهوري يجلجل يرتد صداه فترتعد له الفرائص..يحدث نساء تأخرن عن الموعد معاتبا وناهيا وهن يتذرعن بالنوم والعياء وبرودة الطقس.ينادونه سيدي موح وهو يحب هذا الإسم ويبالغ في اضفاء القدسية عليه.لايخشى في قول الحق لومة لائم ولايسمح لأحد ان ينال من كرامته وان كان ولي نعمته! ذو انفة،نخوة وعزة نفس رغم بؤسه وشقائه.يحمل على كتفه جرابا به سكر وشاي وكسرة خبز يابسة وآنية ماء..يغادر متكئا على عصا يهش بها على الدواب..يتيه بين الشعاب الى أن تغيب الشمس في كبد السماء مقابل أجر زهيد..
كأنثى مشتهاة لاعيب فيها وكأرملة لاتمانع في الخلوة أن تمتد الأيدي الى نهديها البارزين عابثة وهي تنال حظها من رجال القرية وهم اعتادوا تغيير لباسهم،تمنحهم جسدها وتكفيهم تكاليف بغايا الماخور.وتجد لديهم فحولة تشعرها بدفء الأنوثة وتضمن بعطاياهم السخية ، أحيانا ، عيشها ورزق عيالها. باهية.. امرأة قمحية اللون.. ممشوقة القد وفارعة الطول. مات عنها زوجان وتركا لها بيتا من الطين متواضعا آيلا للسقوط وسقفه أعواد وقصب وقش وحمارا وبقرة عجفاء! وخلفت منهما طفلتين صغيرتين. منذ ذلك الإبان لاكت الألسنة سيرتها وأساءت اليها لكنها دأبت على مقابلة الهمكس واللمز ببرودة الصقيع والقرية وإن كانت تفضح عيوبها وتنبش في عرضها فهي تفتح لها الأحضان ولاتعاديها. ترعى طفلتيها وتعيش على الكفاف تشقى من أجلهما خادمة في الحقول تمر أيامها رتيبة ولكنها مرتاحة لقدرها.
بين الأزقة والدروب يحلو للأطفال والصبيان أن يعكروا صفو خلوته و يزعجوا خلوده للراحة..يدعونه بأبشع الأسماء وينعتونه بأذل الصفات ، يستشيط غضبا يزمجر يرغي ويزبد كجمل هائج ويعمد الى ما التقطت يداه من احجار فيرشقهم بها فتعلوا قهقهاتهم وضحكاتهم يتوارون ثم يظهرون ثانية فيواصلون التحرش به في متعة سادية الى أن ينهرهم أحد المارة من كبار القرية وشيوخها معيبا عليهم هذا الصنيع فيخلون سبيله ويتفرقون الى لعبهم المعتاد. اما هو فينعتهم بأولاد الليل وآخره بصوت متلعثم كأن به عيا.استطاع ان ينحت في الصخر مكانة رفيعة مرموقة إذ اعتبره البعض من أهل الله وله كرامات وأنه مجذوب..إنه يحمي نصل خنجر حاد حتى يبيض فيلحسه ويبخ ما في فمه من رضاب على المريض فيبرأ ويشفى! لايساوم الناس على أجر ثمنا لهذا البلسم الشافي. فقدره السكان وتيقنوا أن الأولياء اصطفوه لهذه المهمة النبيلة.
امتدت يد المنون الى بعليها وبقيت وحيدة والزواج ذكرى مرة كالحنظل! أما هو فلايعلم أحد شيئا عن ماضيه، فهو كتوم يعرف كيف يداري ويواري ذكرياته وكل مايتعلق بسالف أيامه والناس لايهمهم من أمره سوى حاضره. شاع بين الأهالي خبر زواج باهية والراعي كالنار في الهشيم وباركوه. سر به الرجل أشد مايكون السرور ورضيت هي به بالغ الرضا وإن بدا منها تردد وفي نفسها قلق ولكنها في أمس الحاجة الى رجل يعوض طفلتيها حنان الأب ووجوده.تم الإتفاق وحصل المراد وجمعت بين امراة ورجل أقدارهما العنيفة ووافق شن طبقة. تطوع مقدم القرية واشترى لها ثياب "العروس" وأهداهما ذبيحة ودفع البعض لها مهرا. تزين العريس بجلباب ناصع البياض وانتعل بلغة صفراء فاقع لونها وبدا حليق الوجه وعليه آثار الماء والصابون وسيما نزع عنه أدران الرعاة. الآن يملك بيتا يأوي اليه يكفيه عنت التنقل بين بيوت الآخرين وزوجة يسكن اليها تدفىء لياليه وتهبه مودة ورحمة ووجدت فيه لباسا وسندا وإزرا وزوجا يخرس ألسنة السوء وأصبح للطفلة أب يسبغ عليهما حناناوعطفا.
توالت الأيام وظهرت باهية متعبة ممتقعة اللون شاحبة الوجه. لم تكن له أحلام تراود خياله أوتغذيه ولاأمال تعشش في باله فقد عرف قدره وارتاح. إنها حامل فبطنها أمامها كبالون هواء منتفخ أعوزها الحركة . هنأتها النساء. تهلل وجهه وانفرجت أساريره وغمره فرح طفولي. نذر على نفسه إن رزق بغلام ذكر أن يقيم ليلة الحضرة ويرقص حتى يتنفس الصبح ، وهو يجيد الرقص بل يشهد له بالتفوق والمهارة والبراعة. يرقص في ثياب النساء،يضع على رأسه "صينية" عليها كؤوس تتمايل مع ميلان حركات الجسد ، بمهارة بهلوان على سلك حديدي رفيع في مشهد يخلب الألباب ويدر الإعجاب..! جلس يدخن سيجارة من التبغ الأسود الرخيص استجداها في الصباح واحتفظ بها الى الليل . دمغ التبغ شفتيه وسوس أسنانه وبدأت تتساقط تباعا حتى بدا أدرد كفم ضفدعة ، بينما تغط الطفلتان في نوم عميق على فراش مهلهل وحصير قديم تفوح منه رائحة البول تزكم الأنف.غارق في التفكير على ضوء شمعة ترسم على حائط سوده السخم ظلالا وأشباحا..يطبق على الغرفة صمت عنيف يكسره بين الفينة والأخرى أنين باهية وهي تكابد أوجاع وآلام المخاض وهو ينتظر الموعد على أحر من الجمر. أزف الأوان..نادته بصوتمتقطع وفيه حشرجة تطلب القابلة. مرق من البيت مروق السهم،مهرولا يطوي الأرض، يلهث،يكابد شدة السعال المتواصل، يتضرع الى الله أن يهبه على الكبر غلاما وأن لايبشر بالسوء ويفي بالنذر..جاءته القابلة امرأة ربعة القوام يشين قدها المتناسق صدر ضخم ومعها نسوة أخريات باسمات الثغر وزغاريدهن تملأ أرجاء المنزل المتواضع..إنها بشر خير فالزغاريد لاتعلو شفاه النساء إلا لقدوم مولود ذكر... بعد أسبوع من المرض مات الوليد متأثرا بالكزاز ،انهمرت من مقلتيه دموع حارة لم يستطع حبسها. هل يعرف مالكزاز وماسببه ، وأمه قد تكون قطعت حبل سرته بحجر صقيل أوسكين حادة وستر الله؟؟عض على النواجد متحسرا لم تدم فرحته طويلا واستكثر القدر عليه ان يفرح تقبل التعازي وجثم على صدره هم يكتم انفاسه بعد أن وارى فلذة كبده التراب وانزوى في ركن من البيت لايكلم الناس الا همسا أو إشارة...شحب وجهه وكساه اصفرار وأضحى دائم الشرود وأدمن سيجائره الرخيصة ينفث عبر دخانها همومه..تخلف عن عمله واستغنى الناس عن خدماته ولم يندم عن عمل مذل أساء الى إنسانيته وورث منه لقب الراعي.
كيف له الوفاء بنذره؟؟وهو عالة على باهية. ذات صباح ، كما يحكي هو وردد الحكاية أهل القرية ،قصد دار مقدم القرية وقص عليه الحلم كما رآه :" رجل في جبة بيضاء ناصعة عليه نور كأنه البدرأمرني أن أقول لكم عليكم أن تذبحوا شاة قربانا عند ضريح الولي على ضفة الواد وأن تقيموا الحضرة والولائم لتمطر السماء وتحيي الأرض بعد موتها وتسقي البهائم". على الفور والعجل جمع المقدم أعيان القرية ليشاورهم في الأمر.أيد البعض الرؤيا والعام جذب وسخر البعض منها واعتبرها هلوسات رجل مجذوب ذهب موت ابنه بعقله..ولكن الكل يحن الى ماسلف وحسم الخلاف. كانت الليلة باردة وقارسة والجبل على ضوء القمر يبدو في هالة بيضاء وقد تكلف رجل بإقامة الحضرة في بيته وهو ماكان معروفا من زمان فرقص الراعي وأجاد..وبعد أيام ظهرت باهية في ثوب الحداد كأنثى العنكبوت...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,218,466,684
- النقابة بعد رحيل كيكيش
- هشام المطال وتقبيل أرجل نائب الوكيل
- ميدلت أون لاين في حوار مع السيد أحمد كيكيش نائب وزارة التربي ...
- حوار مع عبد القادر موعلي الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للت ...
- حوار بوابة ميدلت مع عبد القادر موعلي الكاتب الإقليمي للنقابة ...
- حوار دفاتر مع السيد أحمد كيكيش / منقول الى المكتوب
- نص قصصي : طلسم الفحولة
- النبش في تعيين أحمد كيكيش
- خطاب الى السيد النائب


المزيد.....




- تقارير: الممثل جيسي سموليت لفق واقعة الاعتداء العنصري
- ابراهيم غالي لعائلة الخليل: إنه حي !!!
- فيلم "سينونمس" يفوز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان ب ...
- فيلم "سينونمس" يفوز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان ب ...
- لافروف: واضح أن -الهجمات الكيميائية- في سوريا مسرحية
- كاتب شيشاني: سرقوا مني -أفاتار-!
- عشر دقائق
- -الجوبي-.. رقصة العراقيين الفلوكلورية
- بعد سرقة لوحة ثمينة.. تزويد -غاليري تريتياكوف- بأنظمة أمان ف ...
- رحيل الممثل السويسري برونو غانز صاحب دور هتلر في فيلم -السقو ...


المزيد.....

- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - رقصة في بيت العنكبوت