أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فالح عبد الجبار - الأكثريات والأقليات: كعب أخيل الثورات















المزيد.....

الأكثريات والأقليات: كعب أخيل الثورات


فالح عبد الجبار
الحوار المتمدن-العدد: 4097 - 2013 / 5 / 19 - 10:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


رشح مؤخراً عن ثلة من المفكرين والمثقفين السوريين بينهم قامات كبرى كصادق جلال العظم، نقاش وجيز عن الأكثريات والأقليات في سورية. ويراد بالأكثريات والأقليات هنا في هذا السياق الجماعات المذهبية (ولا أقول الطائفية)، وهي بالتحديد السنة والعلويون، في نوع من ثنائية مغلقة. هذا القفص يقصي الجماعات الدينية (المسيحيين)، والجماعات الإثنية (الأكراد)، لكن بالوسع تجاوز هذا الإقصاء موقتاً للتركيز على فكرة الأكثريات والأقليات.

مفهوم الأكثرية والأقلية (بالمفرد لا الجمع)، هو الأساس الكلاسيكي للديموقراطية التمثيلية الحديثة، أداتها الانتخابات، وعمادها حرية الاختيار والمعلومات، منذ أن وضع جون لوك، أبو الديموقراطية الحديثة، كتابه «أطروحتان في الحكم»، وهو مترجم للعربية منذ عقود. شاع المفهوم وساد حتى تحول إلى ما يشبه التعبير الحسابي البسيط: اكثر أو اقل. ولهذا الحساب دالته الأبسط: عدد الأصوات في انتخابات مفتوحة. وعليه فالمفهوم العددي أو الحسابي هو مفهوم سياسي- انتخابي.

النقاش السوري، وغير السوري، ينقل هذا المفهوم إلى الحقل الديموغرافي. فالأكثرية السياسية- الانتخابية تتحول، بهذا الإبدال والإحلال، أكثرية مذهبية، أو دينية، أو قومية.

هنا يختفي الجوهر الحديث لمفهوم الأكثرية والأقلية السياسي- الانتخابي، ليحل محله مفهوم آخر هو مفهوم الأكثريات والأقليات الدينية والقومية في الدول غير المتجانسة قومياً.

وهذا الأخير، بعد زحفه، يتعلق بمشكلات بناء الأمة nation- building في المجتمعات المبرقشة قومياً ودينياً، والمنضوية في دولة. إذ هي تفتقر إلى التجانس الثقافي المفترض في أساس نشأة وتكوين الدولة الحديثة.

والدول التي نقلت مفهوم ألأكثرية والأقلية، من الحقل السياسي- الانتخابي إلى الحقل الإثني- القومي، وترجمت الأكثريات والأقليات السياسية إلى أكثريات وأقليات ثقافية (دينية أو إثنية، الخ)، انتهت إلى نوع مريع من الاستبداد، لحمته الدكتاتورية، وسداه التطهير العرقي.

الأكثرية والأقلية السياسية أساسها الأفراد والأحزاب، لا الجماعات الدينية أو المذهبية وتقوم على قواعد دستورية محددة: حرية التجمع، حرية الرأي وحرية الانتخابات الخ، أما الأكثريات والأقليات المذهبية والدينية والإثنية، فوجودها وتسييسها ينبعان من اختلال بناء الأمة، اختلال آليات وأطر المشاركة السياسية، والمشاركة الإدارية (في أجهزة الدولة- المدنية منها والأمنية) والمشاركة الاقتصادية (حصص في الاقتصاد الريعي، أو حرية الدخول للسوق المفتوح) والمشاركة الثقافية (حرية استخدام اللغة القومية، الإعلام، الإنتاج الثقافي)، والحريات الدينية (حرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر والطقوس).

النقاشات السورية، وغير السورية، لا تميز بين الحقلين المختلفين لمفهوم الأقلية والأكثرية، ولا تشي بوعي الترابط بينهما أيضاً.

أما كيف يزحف الماضي على الحاضر، كيف تزحف الملل والنحل على الأساس الديموقراطي فتلك مسألة جديرة بالنقاش. ذلك أن زحف الأقلية والأكثرية من الميدان السياسي- الانتخابي إلى حقل المذاهب والأديان، يعني تحويل الأكثريات الديموغرافية الدينية - المذهبية إلى أكثريات سياسية دائمة، وتزكية وتبرير وشرعنة هذا النوع من التحويل السياسي الذي يعود بنا القهقرى إلى عصر الملل والنحل، إلى عصر الدولة السلالية، الأسرية، الأبوية، المقدسة.

يعلم المشتغلون في ميدان السوسيولوجيا إن عصر نشوء الدولة القومية لم يمر من دون توترات واحترابات. وإننا لا نزال في عتبة هذا العصر، رغم مرور ما يقارب القرن على دخولنا إياه.

ويعرف أيضاً المشتغلون في هذه القضايا وعليها، أن الفشل في بناء الأمم يهدم الديموقراطية، وأن فشل بناء الديموقراطية يمزق الأمم.

والفشل المقصود هنا هو اختلال توزيع موارد السلطة والثروة، أياً كان شكله. فإذا اختل توزيع السلطة والثروة بين الشرائح الاجتماعية نشبت حرب طبقية ضروس، تهدم كل ما حولها. ولنا في التجربة السوفيتية أسوة حسنة. وإذا اختلت بين المناطق نشأت نزعات انفصالية. ولنا في بنغلادش وكوردستان اقرب مثالين للقارئ.

وإذا اختل توزيع السلطة والثروة بين القوميات نشبت حروب الاستقلال، انفصالاً أو دمجاً وتوسعاً.

وأخيراً إذا نشب اختلال توزيع السلطة والثروة بين الجماعات المذهبية والدينية داخل الدولة الواحدة، انزلقنا محترقين في جحيم الطائفية. فالمذهبية أي الفروق بين المدارس الدينية، تتحول إلى طائفية، أي تسييس هذه الفروق، على قاعدة التعصب والإقصاء.

لسنا في عصر الدولة السلالية المقدسة، حين كانت السلطة مقدسة لا يمسها إلا مقدس معاكس، وحين كانت التفاوتات في توزيع الموارد تجد حلها بالحسنات والإحسان، على إيقاع أدعية المتسولين: المال مال الله، والسخي حبيب الله. لم تعد جباية الزكاة والأضاحي والنذور أداة نظامية ومضمونة للحد من التفاوت. ولعل فشل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفشل حزب جماعتي إسلامي الباكستاني (خلال عقود من حكم الاثنين) في تنظيم جمع الزكاة كأداة لإعادة توزيع الثروة خير دليل. إذ بقي اليتامى يتامى، والمساكين مساكين، وأبناء السبيل بقوا أبناء سبيل.

الدولة السلالية القديمة لم تكن لها من وظائف سوى حماية الثغور (أي حدود الدولة باللغة الحديثة) وحماية العقيدة، وحماية أهل الذمة بأجور. أما اليوم فوظائف الدولة رعاية الصحة والتعليم، العاطلين وغير العاطلين. وهي مسؤول قانوني- أخلاقي عن تأمين إنتاج الثروة، ومنع الاختلال المفرط في توزيعها، مثلما هي مسؤول حقوقي عن توزيع السلطة الخ.

إن الأغلبيات والأكثريات لا معنى لها غير المعنى السياسي - الانتخابي في الدول المتجانسة ثقافياً، حيث لا يوجد أي تسييس للفروق في الدين والمذهب والعرق، أي حيث يوجد اندراج متوازن في بنية الأمة. لكن الأغلبيات والأكثريات لها كل المعاني السيئة، الهادمة لبناء الديموقراطية وبناء الأمة في البلدان المبرقشة، وبخاصة المشرقية. فهذه الفروق مسيسة بدرجات مريعة أحياناً.

لعل الإسلام السياسي، أي الأحزاب الدينية (سنية وشيعية) هي الأكثر حرصاً على خلط مفهوم الأكثريات الديموغرافي بمفهوم الأكثرية الانتخابي، لأنه أداتها للاستبداد. أما أن يقوم ممثلو التيار العقلاني النقدي بمثل هذا الخلط، فهو كارثة كبرى لجهة الفكر وجهة الممارسة.

قضية الأقليات والأكثريات الدينية تجد حلها اليوم في نظام الإدارة اللامركزية، وفي الحكم الذاتي المحلي، وأيضاً في الحكم التوافقي (مشاركة كل الجماعات في حكومة موسعة). وهي ترتيبات مؤسساتية ودستورية أضافتها البلدان الديموقراطية كي تفتح الدولة كجهاز للحكم على سائر المنتمين إلى حقلها الجغرافي- الحقوقي.

وهذا بالضبط ما يتعين التفكير فيه وبلورته في مفاهيم وتصورات للآتي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- فضائل العلمانية المستحبة
- أوطان الربيع العربي المفخخة
- التفكير في العراق: فوضاه ونظامه
- أحمد قبانجي: كلام النقد العقلاني المشاكس
- وجها الوطنية المتداخلان
- رأس المال والمجتمع الحديث
- الربيع العربي بحسب العلوم الاجتماعية
- العراق والتوتاليتارية
- الأمن قضية سياسية أولاً
- العراق والجيران وأوروبا
- أكتوبر البلاشفة، أو الثورة المنسية
- كتاب جديد:ما العولمة
- نهاية ديكتاتور
- تأملات في الصلب: الرئيس العراقي شانقاً ومشنوقاً
- أفكار في جولة: آلام الجنوب اللبناني غير المعلنة
- المستبد وحقيقته بين جيلين
- الولادة العسيرة للفيديرالية في العراق
- الهورلا: اوراق الجنون- الام ذاكرتي اللبنانية
- في الحرب والتفكير و في الحرب والسياسة
- مفهوم العنف، مفهوم الإرهاب


المزيد.....




- حكومة كردستان: نرحب بمبادرة العبادي للحوار.. ولا يمكن كسر إر ...
- تيلرسون يزور قطر والسعودية
- طائرة ركاب صغيرة تتسبب بكارثة في إحدى شوارع فلوريدا! (صور+في ...
- نساء قوات سوريا الديمقراطية يحتفلن بتحرير الرقة
- الجيش الإسرائيلي يقصف موقعا للجيش السوري في ريف القنيطرة
- موقف محرج في لقاء بين سيباستيان كورتز وجان كلود يونكر
- غابت عنه الشامبانيا وحضر النبيذ، فرفع دعوى قضائية
- وزير للذكاء الاصطناعي في الإمارات
- قاسم سليماني سر وحدة العراق!
- جولة خارجية لتيلرسون تشمل السعودية وقطر


المزيد.....

- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- مثلث الخطر اسرائيل - تركيا ايران / جمال ابو لاشين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فالح عبد الجبار - الأكثريات والأقليات: كعب أخيل الثورات