أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود جابر - الوهابية فى مصر من محمد على إلى مبارك ..... الجزء العاشر















المزيد.....


الوهابية فى مصر من محمد على إلى مبارك ..... الجزء العاشر


محمود جابر

الحوار المتمدن-العدد: 4081 - 2013 / 5 / 3 - 07:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


".... ومن قبح كفرياته أنه كان ينتقص النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرًا بعبارات مختلفة ويزعم أن قصده المحافظة على التوحيد!!فمنها قوله: إنه صلى الله عليه وآله وسلم (طارش) ! والطارش في لغة أهل الشرق المرسل من قوم إلى آخرين، فمراده أنه صلى الله عليه ولآله وسلم حامل كتب، أي غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسله الأمير أو غيره في أمرٍ لأناسٍ ليبلغهم إياه ثم ينصرف.
وكان أتباعه يقولون ذلك بحضرته وهو يظهر لهم الرضا، وقال واحد منهم: عصاي هذه خير من محمد لأنها يُنتفعُ بها في قتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلاً وإنما هو طارش وقد مضى!! ولا شك أن هذا كفر بالإجماع، وكان يقول نظرت في قصة الحديبية فوجدت بها كذا وكذا كذبة إلى غير ذلك من أقبح المفتريات.
وإنما أطلت الكلام في مذهب الوهابية ليُعْلَم أن الطائفة الموجودة الآن بمصر القائلة بنبذ المذاهب والعمل بالكتاب والسنة هم ضمن الطائفة الوهابية الذين لا دين لهم، ومرادهم بالكتاب ما يفسرونه به ويفهمونه بإفهامهم الكاسدة حسب أهوائهم، ومرادهم بالسنة ما يوافق منها هواهم بحسب افهامهم، وأما ما يرد عليهم نصًا ولا يقدرون على تأويله فيطعنون فيه ويدَّعون أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم" اهـ.





المرحلة الثانيـة : حرث الأرض وغرس البذرة 1906- 1928م
مع مطلع القرن العشرين كانت الأوضاع العامة في مصر من احتلال والصراع السياسي مع المحتل، وسوء الأوضاع الاجتماعية والثقافية جعلت العلماء غير مكترثين بقضية الوهابية، ولم تكن قضية ملحة على أجندة الثقافة المصرية أو علماء الأزهر، بل ربما ونتيجة الخلط الذي ساد زمن عباس حلمي الأول، وقرب البعض من الإنجليز في مصر فوجدنا من يمتدح محمد بن عبد الوهاب والوهابية، كمحمد عبده( 1849- 1905م) وأحمد أمين (1878- 1954م)... وغيرهم .
بيد أنه مع مطلع العقد الثاني للقرن العشرين ظهر في مصر رجل كان يحسبه كثير من رجالات الأزهر والمشتغلين بالثقافة والشأن العام بأنه تلميذ الإمام المصلح محمد عبده ولهذا جرى تقديمه في العديد من المحافل ووسائل الإعلام المكتوب ( الصحف)، وبعد وفاة الإمام محمد عبده بعدة سنوات، فإذا بهذا التلميذ يقوم بنشر تخرصات وإفك ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب على الساحة المصرية وهذا الرجل هو محمد رشيد رضا، وكان يقف معه في نفس خندق الدين السلفية الوهابية محب الدين الخطيب والشيخ السبكى وهؤلاء الثلاثة هم من قاموا بحرث الأرض وغرس البذرة.

محمد رشيــد رضا1865- 1935م:
جاء الشيخ رضا إلى مصر حاملا بين جوانحه الفكر السلفي على الرغم من تظاهره بأنه صوفي، وبعد موت الإمام محمد عبده لم يكن رشيد رضا مؤهلاً للسير في طريق شيخه في معارضته لشيوخ الأزهر، إذا كان الإمام بفكره ومصريته وأزهريته وتاريخه ومكانته وشخصيته أقدر على الصدام مع شيوخ الأزهر، فهو منهم وهم منه، وهو أعلاهم قدراً وأرجحهم عقلاً وأكثرهم علما وشهرة، ومع ذلك فقد عانى منهم ما عانى في جهاده الإصلاحي، فكيف بتلميذه الوافد من الشام إذا كان فعلاً يريد السير في طريق شيخه الإمام؟
على أن رشيد رضا قد يوافق فكر أستاذه الإمام في الهجوم على التصوف وأوليائه، إلا أنه لا يوافقه في انتقاد الأحاديث وفي انتقاده لتحجُّر الفكر الوهابي. وعندما مات شيخه وجد فرصته في الزعامة ميسورة إذا هو تحالف مع ابن سعود، خصوصا وقد جرت مياه كثيرة في النهر، إذ علا نفوذ ابن سعود في شبه الجزيرة العربية وبدأت الأحلام تتجمع حوله خصوصا مع استقلاليته وشبابه ومقدرته، ثم بدأ تيار الشيوخ يميل إلى التعصب بعد إلغاء الخلافة وشدة التيار العلماني في تركيا ثم في مصر والشام، وارتفع صوت الإلحاد متشجعا بالليبرالية الفكرية والنفوذ الاستعماري، وكل ذلك أثار حفيظة الشيوخ العاديين والصوفيين والسلفيين وقرّب المسافة بينهم.
خصوصا، وقد كان أئمة العلمانيين في مصر من مثقفي الشوام المسيحيين الذين هاجروا إليها بعد المذابح الطائفية في لبنان، وكان لابد من أن تشتعل المعركة بين رشيد رضا وبينهم. وفي هذا الجو أتيح لرشيد رضا أن يثمر تحالفه مع ابن سعود في نشر الفكر الوهابي بعد أن سيطر عبد العزيز على الحجاز وجعل من مناسبة الحج منبراً لنشر دعوته وتجميع الأمصار وإعداد الكوادر والخطط وتنفيذها. ودليلنا على ذلك أن عام 1926 الذي شهد أول موسم للحج بعد سقوط الحجاز، كان أنشط الأعوام في نشر الفكر السلفي في مصر وخارجها.
قام رشيد رضا بتأسيس مجلة المنار و دار (الوعظ والإرشاد) التي اعتمدت عليها العربية السعودية في نشر كتب السلفية الوهابية بدعم مباشر من عبد العزيز بن سعود ، وليس هناك دليل أوضح على عمالة رشيد رضا للوهابية من أن تفرد له صفحات وأبحاث في الندوة التي نظمتها وزارة (الدعوة والإرشاد) – لاحظ التطابق بين اسم الوزارة واسم دار النشر التي أقامها "رضا" في مصر – فقد جاء بالنص :"كما اهتم الملك عبد العزيز - رحمه الله - بإرسال الدعاة إلى خارج البلاد - كما سبقت الإشارة لذلك - للتعريف بالمنهج السلفي ودحض الشبه المثارة حوله. ووجه اهتمامه - رحمه الله - إلى دعم العلماء السلفيين في البلاد الإسلامية الذين أخذت أقلامهم تصول وتجول في مناصرة الدعوة السلفية والذب عنها كأمثال الشيخ محمد رشيد رضا، ومحمد حامد الفقي، ومحمد خليل الهراس، وعبد الرحمن الوكيل وغيرهم.
فقد كان للشيخ محمد رشيد رضا جهود كبيرة في مناصرة الدعوة السلفية وأتباعها، فكتب مقالات عديدة في صحف مصر ومجلاتها كصحيفة الأهرام ومجلة المنار يشرح فيها حركة (ابن عبد الوهاب) ومبادئها وأهدافها، وحالة أتباعها في عصره وأنهم الأمل الوحيد في إعادة ما للمسلمين من عز ومجد لأن عقيدتهم تقوم على مبادئ الإسلام الصحيح كما أنزله الله على رسوله محمد (ص) ( ).
وقد ساعد الملك عبد العزيز محمد رشيد رضا وغيره في تمويل وطبع الكتب السلفية التي تقوم بطباعتها مطبعة المنار، كما دعم محمد حامد الفقي لطباعة عدد كبير من الكتب على نفقته الخاصة.
وفي الشام قام محمد بهجت البيطار بدعم من الملك عبد العزيز( ) بنشر الدعوة السلفية من خلال نشاطاته الدعوية المتنوعة.
وممن كان له جهد كبير في نشر الدعوة السلفية في سوريا وعبد القادر بدران الذي قام بتحرير العديد من المؤلفات في نصرة الدعوة السلفية، وأغلبها طبع على نفقة الملك عبد العزيز، وغير هؤلاء كثير.
وهذه ولاشك جهود عظيمة إذا قورنت بقلة الإمكانات وصعوبة الظروف وبدائية الاتصالات والمواصلات". راجع أعمال ندوة وزارة الإرشاد والدعوة ( الدعوة في زمن الملك عبد العزيز ) الرياض 23/2/ 1420هـ.
وقد انبرى له غير واحد من علماء الأزهر الأجلاء ومنهم على سبيل المثال فضيلة الشيخ العلامة يوسف الدجوى، وبدأت المعركة تستعر أوارها حتى بدأ محمد رشيد رضا يسفر عن وجهة القبيح بإنشاء دار خاصة لطباعة كتب ابن تيمية وابن القيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب والدفاع عن الوهابية مستغلا بعض ما كتبه الإمام محمد عبده في التلبيس على الناس والعوام.
كما قام بالرد عليه العديد من العلماء يقول العلامة المحدث النسابة محمد العربي بن التباني المكي الحسني في كتابه (براءة الأشعريين(: "... وحامل راية سلخ كلام العلماء من تأليفهم وتحريفه في هذا العصر صاحب مجلة المنار فمن ذلك أن شيخ مشايخنا المحدث فالحا الظاهري نقل في كتابه أنجح المساعي في صفتي السامع والواعي في أحكام المساجد عن ابن قدامة الحنبلي قبل أن يطبع بدهر اتفاق المذاهب الأربعة على إباحة التوسل بالأولياء والصالحين أحياء وأمواتا فلما طبعه صاحب المنار سلخ منه هذا الكلام، وأما تحريفه لكلام العلماء وتقوله عليهم وطعنه فيهم وفي الأحاديث الصحيحة التي لا توافق هواه أو هوى التيميين[يقصد أتباع ابن عبد الوهاب التيمى] في مجلته وفي تعاليقه فشيء لا يحصر).

أما الدكتور موفق بني المرجة في كتابه:صحوة الرجل المريض:
"ورغم هذه المواقف المشهودة لرشيد رضا إلا أننا لا نملك إلا أن نذكر الواقعة التالية التي تلقي بعض الظلال حول شخصيته الفكرية وانتماءاته السياسية فقد وقف رشيد رضا يقول في خطبة مرتجلة في احتفال الأرمن في القاهرة بشهداء الحرية .قال :" يعلم كثير من الأرمن الحاضرين أنني من مؤسسي إحدى جمعيات الأحرار الماسونيين التي سبقت غيره إلى التأليف بين جميع العثمانيين بالفعل قبل أن تفكر في ذلك جمعياتنا في أوروبا ،بل إن هذا الفقير هو رئيس اللجنة المؤسسة لهذه الجمعية الماسونية التي من بعض أعضاء إدارتها أحد خطباء الأرمن في هذا الاحتفال " وعلق فارس نمر على هذا الكلام بقوله :" إن تأثير هذه الوقفة أعظم من تأثير المنار في عشر سنين.
محمد رشيد رضا ومجلته المنار كانت معولاً لهدم المذاهب الفقهية وسار في ذلك مسيرة على منهج ( ابن تيمية ) و(محمد بن عبد الوهاب ) والسبب في ذلك هو أنه كان يحب منهم خروجهم عن جادة العلماءوعدم التقييد بأقوالهم بل يأخذون ما يترجح لديهم من دليل مع عدم تأهلهم لذلك وهى نقطة التقائهم جميعا.
كما قام أحد تلاميذ الشيخ الدجوى بالرد عليه في كتاب (صواعق من نار في الرد على صاحب المنار)، وممن قاموا بالرد على رشيد رضا أيضا كل من العلامة الكوثرى(*) والشيخ مصطفى صبري (**).
وفى هذا السياق أحب أن أنبه إلى أمر بالغ الخطورة إلا وهو صناعة الايدولوجيا الوهابية فقد مرت هذه الإيديولجى بمراحل كثيرة من التصنيع والتحوير وساهم في هذه الصناعة أشخاص كثر قد يظن البعض أنهم ليسوا سلفيين وهابيين بيد أن المتابع لمنهجهم وخصوصا في تقديم رشيد رضا باعتباره رائدا من رواد الفكر الحديث والمعاصر وأنه مثل حلقة وسطي بين جيل الكبار من الأفغاني وعبده ومن أتى بعدهم ولم يشيروا لمن أتى بعدهم إلا بعبارات ملغزة وتحليلات مركبة اللفظ والمعنى تحدث صدمة للقارىء من ضخامة اللفظ ورنين العبارات فيقع في أثر هذا الكاتب أو المؤلف ويكون صريعا بين دفة هذا الكتاب أو ذلك حتى يصل إلى نتيجة هي إن رشيد رضا واحد من أهم شخصيات القرن العشرين وأنه حلقة الوصل بين الحديث والمعاصر ومن هؤلاء: زكي بدوي" يرى بأنه:" إذا كان الأفغاني ملهم المدرسة التجديدية السلفية, ومحمد عبده هو العقل المفكر لها, فإن رشيد رضا هو المتحدث باسمها" .
وكذلك أحمد عبد الرازق الذي اعتبر رشيد رضا "تتميم ما بدأه الإمام "عبده" وتفصيل ما أجمل, وحمل رسالة التيار إلى العالم الإسلامي أربعين عاماً, وتوثيق الرؤية العقلانية للإمام بالمأثورات, وتوسيع دائرة الاهتمامات, مواكبة لما استجد من المشكلات" .
أما محمد محمد حسين فيرى أن رشيد رضا قد كرس حياته واعتبر نفسه تلميذاً وفياً, ومتعصباً‏ لأستاذه. وسخر المنار من أجل "تمهيد السبيل لجعل الأستاذ زعيم الإصلاح في جميع بلاد الإسلام" ، وحاول أن يثبت ذلك باستشهاده بنص للإمام محمد عبده : "إن في نفسي أموراً ‏كثيرة أريد أن أقولها أو أكتبها للأمة, وقد ابتليت بما شغلني عنها,‏وهو يقوم ببيانها الآن كما أعتقد وأريد, وإذا ذكرت له موضوعاً‏ ليكتب فيه,‏فإنه يكتبه كما أحب, ويقول ما كنت أريد أن أقول, وإذا قلت له شيئاً‏ مجملاً بسطه بما أرتضيه من البيان والتفصيل, فهو يتم ما بدأت ويفصل ما أجملت" .
ولم يفسر لنا أحد من هؤلاء الذين أطربونا بإصلاحات الشيخ وسلفيته صباح مساء ما هو سر تحول رضا من صديق ومتعاون مع العلمانيين واللادينيين والماسون إلى واحد من أكبر دعاة السلفية الوهابية، فقد تعاون مع "رفيق العظم" و"اسكندر عمون" و"داود بركات" رئيس تحرير الأهرام, و"حقي العظم" و"شبلي شميل" في تأسيس حزب "اللامركزية العثماني" في مصر سنة 1332هـ/1913م, والذي كان يؤيد جماعة "الاتحاد والترقي" ذات المنحى العلماني والتي كانت تهدف إلى إلغاء الخلافة الإسلامية .
كما أسس رشيد نفسه حزبا سريا سمى" الجامعة العربية" وكان دوره هو التنسيق بين أطراف متعددة لدعم نشاط الاتحاديين ضد الخلافة العثمانية، في تلك الفترة كان انقسام المواقف بين قادة العرب على أشده بين من ينحو منحاً إسلاميا ويرى ضرورة الالتحام مع تركيا في مواجهة بريطانيا وبين من يرى الوقوف ضد الأتراك وعلى رأس هؤلاء (الشيخ رشيد رضا وتلميذه محب الدين الخطيب).
في تلك الأثناء أرسل رشيد رضا عدة رسائل يحملها مبعوثون موقعة باسمه الحركي (الناموس) إلى بعض الشخصيات العربية ملخصا فيها موقف حزبه - حزب بريطانيا- من الحرب.
يقول رشيد (الناموس) في وثيقته (علمنا من ثقة (؟!) أن إنجلترا أقنعت حلفاءها بعدم التعدي على بلاد العرب إلا بقدر الضرورة القاضية بمقاومة الترك المحاربين وتعترف مع حلفائها باستقلالهم إن هم أعلنوه من تلقاء أنفسهم وحينئذ تحمي جميع سواحلهم من كل من يتعدى عليهم من الترك أو غيرهم وأنها تساعدهم بقدر ما يقتضيه الحال ولا تطلب أن يكون لها في بلادهم رأي ولا قوة عسكرية ولا غير عسكرية وهي لا تطلب منهم أن يساعدوها على حرب ولا غيره(!!).
ويمضي موضحا: (أن غرض بريطانيا من سياستها الجديدة مع العرب هو إقناع مسلمي الهند أنهم حماة الإسلام والسلطة الإسلامية المستقلة وتكثير أصدقائها من المسلمين بدلا من تكثير أعدائها، كما يرى المركز العام للجامعة العربية أن العرب قد سنحت لهم الآن الفرصة لجمع كلمتهم إن هم اغتنموها بل هي عناية إلهية (بريطانية) بالدين والحرم وقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقووا أنفسهم فإن سقطت حكومة الترك "لا قدر الله!" يكون للإسلام دولة كبرى مستقلة. أما إذا فرضنا أن الإنجليز مخادعون فيما يقولون أو فرضنا أن الله لم يسخرهم غيرة على دينه وحرمه أليس من الواجب أن نكون أشد اجتهادا في جمع كلمتنا ؟!!
وفى خصوص الحض على خذلان العثمانيين يقول: لقد قام أنور باشا ناظر الحربية العثمانية أخيرا بدعوة دينية وقد ثبت لدى الجامعة العربية – الحزب البريطاني السري- أن الغرض من ذلك سياسي لا ديني وهو إغراء دولة ألمانيا وخداع العرب حتى لا يعملوا لأنفسهم شيئا وحتى يتمكن أنور باشا من استخدام ما لديهم من الرجال والمال عند الحاجة إليه ومن الدلائل أيضا أنه لم يعتمد في بث هذه الدعوة الدينية على أحد من المؤمنين الصادقين والعرب المخلصين وإنما اعتمد على مثل شكيب أرسلان الدرزي وعبد العزيز جاويش المنافق الذي كان يجاهر بعداوة العرب قبل أن يذهب إلى الأستانة ويكون آلة للاتحاديين ومع ذلك بقيت الجامعة العربية مخلصة للأمة التركية والدولة العثمانية.......).
يقول الدكتور (برج): (من الواضح أن هذا الاتحاد الذي دعت إليه الوثيقة يخدم في النهاية المصالح البريطانية... لقد رجعت في دراسةِ المهمةِ التي كلف بها الخطيب إلى ما كتبه هو بخط يده عنها...)
ثم يرجع الدكتور برج إلى الوثائق البريطانية التي تتحدث عن مهمة الخطيب إلى منطقة الخليج ويترجمها كالآتي (لقد أرسلوا مندوبين يعتمد عليهم واختاروهم بأنفسهم إلى الجزيرة العربية وفلسطين لكي يبلغوا الرسالة شفويا إلى الزعماء العرب في تلك الأقطار ووضعت تحت تصرف قادة الحركة مبالغ ضخمة).
ووفق ما يوضحه أحمد راسم النفيس فى جريدة القاهرة:كانت هذه هي ترجمة المؤلف المهلهلة في حين تتحدث وثائق المخابرات البريطانية التي نشرها والمرسلة من شيتهام إلى مقر قيادته (أن قادة الجامعة العربية أرسلوا عملاء يمكن الوثوق بهم reliable agents لتبليغ الرسالة المشار إليها كما حدد شيتهام مناطق انتشارهم طالبا من عناصر الإدارة البريطانية تسهيل مهمتهم وتم تسليم مشغليهم promoters كميات كافية من الأموال تمكينا لهم من أداء مهمتهم)....
ولا يفوتنا أن ننوه إلى العناية الخاصة التي حظي بها (محب الإنجليز الخطيب) من خلال رسالة موجهة إلى السير هنري مكماهون أورد المؤلف صورتها في كتابه تطلب منه التدخل للإفراج عنه بعد اعتقاله في البصرة وتؤكد أن الرجل كان مكلفا بمهمة رسمية من قبل الإدارة البريطانية.لماذا؟!
يبدو واضحا من خلال العرض الموثق الذي قدمه الدكتور عبد الرحمن برج في كتابه السبب الحقيقي الذي دفع المخابرات البريطانية وما زال يدفع الأجهزة الشبيهة والوريثة والتابعة لتوظيف هؤلاء في خدمة الأهداف الاستعمارية .
وبينما يتحدث الناموس بثقة عن سياسة بريطانية جديدة تجاه العرب دفعته لاتخاذ هذا الموقف والسعي لتعميمه مثلما يتحدث البعض الآن عن سياسة أوباما الجديدة نراه يعتمد مبدأ التشكيك في عقيدة خصوم بريطانيا العظمى ويتساءل عن صدق إيمانهم!!.
أما عن الدور الخطير الذي قام به (محب الإنجليز الخطيب) في بث الفتنة بين الشيعة والسنة من خلال كتبه وخاصة كتاب (الخطوط العريضة) فيشير إلى أن خيوط مؤامرة بث الفرقة بين المسلمين قد انطلقت قديما من لندن.
وهذه نقطة في غاية الخطورة وهى تفجير قضية الطائفية في مصر، ومما يثبت ضلوع رضا في العمالة الإنجليزية أول من فجر هذه القضية في الوقت الحديث و المعاصر من خلال مقالاته ومن خلال كتابه " السنة والشيعة ".
إن هذا النهج السلفي الوهابي الذي اتبعه رشيد رضا استتبع معه قطيعة بين أهم منظومتين إسلاميتين, السنة والشيعية. حيث برزت مع هذا التحول الفروقات المذهبية والخصومات الفكرية التي أعادت معها السجالات الاحتجاجية حول بعض المفاهيم والظواهر والقضايا, التي يفهمها كل طرف بشكل مختلف, وقام بشن حملة استباقية على الشيعة وابرز هذا الاختلاف على انه تناقض مركزي في الاعتقاد، وأمام هذه القضية نرى شذوذ رضا حين ابرز القضايا التي أهملت وتجنب الخوض فيها مع الإصلاحيين البارزين أمثال الأفغاني وعبده والكواكبي ومحمد إقبال الذين تعاملوا مع هذا الشأن بوعي كبير وبأفق واسع وتغليب المصلحة العامة والمقاصد العليا. فالأفغاني هو أفضل من تمثل تكوين الثقافتين وكان بمثابة جسر العلاقة بينهما. ومع "رشيد رضا" ظهرت بعض الخصومات المذهبية وحصلت معه قطيعة جديدة بين المنظومتين السنية والشيعية, الذي غير من موقفه الإصلاحي في هذا الشأن بعد " أن كان يعتقد أن الوحدة بين السنة والشيعة ضرورة ماسة, وأن من الممكن تحقيقها على قاعدتين: الأولى أن تتعاون الطائفتان على ما يتفقان عليه, وأن تعذر إحداهما الأخرى في ما يختلفان فيه. والثانية أنه إذا تهجم أحد من إحدى الطائفتين على الطائفة الأخرى فالواجب أن يتولى الرد عليه من هم من طائفته" .
ولعل نمط التزييف والالتباس الذي أحدثه كل من ألبرت حوراني وفهمي جدعان ورضوان السيد حين وصفوا سلوك رشيد رضا في هجومه على الشيعة بأنه نابع من "... عواطف نبيلة ولاريب. لكن ما كان أسرع رشيد رضا, عند وقوع الخلاف, أو إدراكه تعذر تحقيق الوحدة, إلى إلقاء اللوم على الشيعيين واتهام زعمائهم بالبواعث الدنيئة. فزعم أن أكثر البدع والخرافات إنما جاءت من غلاة الشيعة..." .
فهذا الخلط والتعميم يطمس فروقاً أساسية وهامة بين هذه التيارات, ومن مخاطره أنه يلبس المتخلف ثوب المتقدم, ويزين بعباءة العقلانية والاستنارة قوماً وقفوا فقط, أو وقفت بهم قدراتهم عند ظواهر النصوص.
رابط الجزء التاسع :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=354445





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,363,197,421
- رسالة إلى أخى السلفى ....2/2
- رسالة إلى أخى السلفى ....( الجزء الثانى)
- رسالة إلى أخى السلفى ....( الجزء الاول)
- أمسك شيعى
- حتى لا ننخدع .... بإيران أم طالبان 2/2
- حتى لا ننخدع .... بإيران أم طالبان
- الشيعة الحالة الفردية 2/2
- الشيعة الحالة الفردية 1/1
- المنتظرون على ناصية تاء التأنيث
- الوهابية فى مصر من محمد على إلى مبارك ..... الجزء التاسع
- عفوا .... لا تخلعوا ثيابكم فإنكم عراة
- طبق السلطة السياسى
- شيعى فى تايلاند....
- مشروع النهضة ..... - أخضر وبأستك من فوق -
- الفاطميون... ودورهم فى جهاد البيزنطيين والصلييبين ( الجزء ال ...
- الفاطميون... ودورهم فى جهاد البيزنطيين والصلييبين ( الجزء ال ...
- الوهابية فى مصر من محمد على إلى مبارك....... الجزء الثامن
- إلى شيخ الأزهر الشريف وآخرين .... - اللى خدته القرعة تخده أم ...
- المقاومة والمقاومين ... والخطأ الاستراتيجى الايرانى
- الوهابية فى مصر من محمد على إلى مبارك....... الجزء السابع


المزيد.....




- يهودية غادرت تونس تلتقي بصديقة طفولتها المسلمة بعد طول غياب ...
- مصدر سوري : لا صحة لأخبار اعتقال خطيب الجامع الأموي السابق
- الفساد السياسي هو الاب والراعي لكل انواع الفساد.اداري . مالي ...
- مهرجان كان.. -لا بد أن تكون الجنة- لإيليا سليمان يروي قصة ال ...
- وزارة التضامن تغلق أتيليه القاهرة لتعيد المبني للوريث اليهود ...
- التزوير والسرقة وغسل الاموال والاختلاس والرشوة وبيع الذمم وغ ...
- -المحيا- العثمانية.. زينة المساجد التركية في رمضان
- مشروع إعداد خارطة بمواقع انتشار الميليشيات الشيعية
- دراسة وتحليل حول الفساد وانوعه ومنابعه واسبابه وكيفية محاربت ...
- لا محال كشف الزمر المجرمة والفساد وافشال الاجندات الخارجية


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود جابر - الوهابية فى مصر من محمد على إلى مبارك ..... الجزء العاشر