أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - أسامة الخوّاض - ميدان التحرير: الميدان الافتراضي: الفضاء الحضري و الميديا و الانتفاضة المصرية















المزيد.....



ميدان التحرير: الميدان الافتراضي: الفضاء الحضري و الميديا و الانتفاضة المصرية


أسامة الخوّاض
الحوار المتمدن-العدد: 3997 - 2013 / 2 / 8 - 09:41
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


عن المقال و الترجمة:

1-عن الترجمة:

استعنت بالمورد لمنير البعلبكي، و ساعدني قاموس ميريام ويبستر الانجليزي في التعرف على ظلال الكلمات و التعابير. و أبقيت على كلمات انجليزية مثل ميديا و كرونولوجيا لشيوعها.و لأن الترجمة موجهة في الأساس إلى القارئ السوداني،ترجمت بعامية سودانية هي صينية الحركة كلمة roundabout “".كما بدت لي ترجمة كلمة Pan-Arabismمحيِّرة،و هي بالفعل كذلك (1).و قد وقع اختياري -من الكلمات التي تستدعيها تلك الكلمة الانجليزية- على "القومية العربية".تتميَّز لغة المقال بجمعها بين اللغة التي تستند على الحقائق ،و اللغة التي تنحو منحى مجازيا،و كانت الأخيرة هي الأصعب في الترجمة.

حاولت في المراحل الأولى أن أكون أمينا قدر الإمكان للنص الإنجليزي،ثم بعد نهاية الترجمة كنت أحاول أن أفصل نفسي عن النص الأصلي،و من ثمَّ أعدت صياغة الترجمات التي بدت لي بعيدة عن إيقاع اللغة العربية دون إخلال بمحتوى النص الأصلي.

في زعمي المتواضع أنه لا توجد "ترجمة مثالية"، و إنما هنالك ترجمات متفاوتة في درجة اقترابها من الجودة و السوء.و آمل أن تكون ترجمتي سعيدة الحظ عندما يطالعها القارئ الجيِّد.

2-عن المقال:

صادفتُ المقال المترجَم خلال بحثي عن "حزب الكنبة السوداني" و علاقته بالربيع العربي في مكتبتي الإسفيرية الانجليزية "Questia".
عنوان المقال هو The Virtual Square: Urban Space, Media, and the Egyptian Uprising
نشر المقال في .Harvard International Review, Volume34,Issue 1,Summer 2012

و المقال مكتوب بتداخل مناهجي “Interdisciplinary” تتداخل فيه العمارة مع الجغرافيا و الميديا و التاريخ و دراسة الحركات الاحتجاجية.
يكتسب المقال أهميته من اندراجه ضمن المقالات القلائل المكتوبة بالانجليزية -حسب علمي المتواضع- التي كتبها باحث ينحدر من المنطقة التي شهدت الحدث أو الأحداث المُقارَبة في الدراسة.فكاتبها مصري ينتمي إلى الأكاديميا الأمريكية.و قد بدا لي أيضا،أن المقال يستدعي ضمنا جغرافيا مصريا آخر هو جمال حمدان في مشروعه البحثي الضخم "شخصية مصر-دراسة في عبقرية المكان".

يقول جمال حمدان في "مقدمة في الشخصية الإقليمية" (2)، إنّ قمة الجغرافيا هي التعرّف على شخصيات الأقاليم regional personality ص 11 .ثم يمضي إلى القول بأن الشخصية الإقليمية "تتساءل عما يعطي منطقة تفردها و تميزها بين سائر المناطق،محاولة أن تنفذ إلى "روح المكان" لتستشفّ عبقريته الذاتية،التي تحدّد شخصيته الكامنة.و هذا هو فكرة الهيكل المركب compageعند بعض الجغرافيين الأمريكيين أو ما يعرف كاصطلاح عام "بعبقرية المكان genius loci".و يرى في ص 12 أن "روح المكان" هو "أكثر من أي شيئ آخر روح الجغرافيا".

ثم يتحدث في ص 12 عن الحاجة إلى سوبر-جغرافيا "لا تقف عند حدود وصف المكان بل تتعداه إلى فلسفة المكان".ثم يربط في ص 13 بين "الجغرافيا " و "التاريخ" قائلا "إن دراسة الشخصية الإقليمية لا تقتصر على الحاضر و إنما هي تترامى بعيدا عبر الماضي و خلال التاريخ".
*************************
كاتب المقال أكاديمي مصري هو نزار السيَّد،و هو بروفيسور في التخطيط والعمارة و التاريخ الحضري،و هو رئيس مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة كاليفورنيا،بركلي.

**هامشان:

(1)يقول Adeed Dawisha في كتابه:
Arab Nationalism in the Twentieth Century:
From Triumph to Despair, Princeton University Press , Princeton, NJ, 2005,p 11

“What is rather baffling about all this is the glaring paucity in the use of the term pan-Arabism in Arabic texts. There are authentic Arabic equivalents for a number of terms that are of significance for our subject: al-qawmiya al- Arabiya (Arab nationalism), al- Uruba (Arabism), al-Wuhda al- Arabiya (Arab unity), al-Ittihad al- Arabi (Arab union), al-Iqlimiya (regionalism), and al-Wataniya (state patriotism). These terms appear constantly in Arabic texts as speeches of leaders, radio and newspaper editorials, and political books and pamphlets. But one is hard put to find the literal Arabic translation of pan-Arabism (presumably, al- Uruba al-Shamila) in any of these texts”.

(2) جمال حمدان "شخصية مصر-دراسة في عبقرية المكان"،الجزء الأول،دار الهلال،بدون تاريخ.

***********************************************************************************************************************************************

الميدان الافتراضي: الفضاء الحضري، و الميديا و الانتفاضة المصرية

بقلم : نزار السيد

ترجمة: أسامة الخوَّاض

ربما لم يكن بوسع أحد أن يتكهّن بأن انتفاضة وحيدة، بدأتْ في مدينة صغيرة في تونس،يمكن أن تنتشر في مدن رئيسة في مصر واليمن و ليبيا و البحرين و سوريا في مدى ثلاثة أشهر فقط.و ما كان يمكن أن يكون واضحا أن تضحية محمد بوعزيزي بنفسه أمام مكتب بلدي محلي في سيدي بوزيد، ستشعل الثورة التونسية،و التي أطاحت بالرئيس بن علي في مدى أسبوعين فقط.

الثوران في تونس، بالإضافة إلى الصورة اليائسة لتضحية محمد بوعزيزي بنفسه، كانت لهما أصداء في مصر.كثير من المصريين شعروا بالحرج لأن تونس بالغة الصغر قد تصرّفت بشجاعة فائقة،بينما هم ما زالوا غير قادرين على تحدي نظامهم القمعي.في 25 يناير 2011 ،عشرة أيام بعد الإطاحة ببن علي،شهد العالم بداية انتفاضة ضخمة في مصر.لكي يحتجوا على وحشية الشرطة المصرية،تمّت الدعوة إلى تظاهرة بواسطة قلة من الناشطين الإسفيريين الذين نظموا تظاهرات صغيرة في السنوات الماضية.تمّ تحديد موعد التظاهرة لتتزامن مع اليوم الوطني للشرطة،25 يناير،و هو عيد حكومي رسمي.و كما وضّح الصحافي أحمد زكي عثمان قبل يوم من الانتفاضات،فإنّ 25 يناير،و الذي هو مكرّس للاحتفال بدور الشرطة في تأميم قناة السويس قبل حوالي خمسين سنة،تمَّ إحياؤه،للمفارقة، كيوم وطني في 2009 بواسطة حكومة الرئيس مبارك لتقدير الجهود الحالية للشرطة المصرية في المحافظة على استتباب الأمن و الاستقرار في مصر.و استجابة للدعوات إلى الديمقراطية و العدالة،سار آلاف من المحتجَّين إلى ميدان التحرير في القاهرة،بينما نزل آخرون إلى الشوارع في الاسكندرية و أسوان و الإسماعيلية و السويس.

*ميدان التحرير و الانتفاضة

ميدان التحرير الذي يقع في وسط مدينة بها أكثر من خمسة عشر مليونا من السكان،هو واحد من أقدم الميادين في القاهرة الحديثة.ظهر إلى الوجود قبل 140 عاما في حكم الخديوي اسماعيل،مؤسِّس مصر الحديثة،و سُمِّي به، "ميدان الاسماعيلية"،لما يقارب القرن.الدارسون لتاريخ مصر ،لا يستطيعون مقاومة مقارنة الانتفاضة الراهنة، بحدث آخر حصل قبل ستين عاما و تقريبا في نفس اليوم.في موازاة غريبة،أحدث الاستياء الشعبي من حكومة الملك فاروق، سلسلة أخرى من الاحتجاجات التي تمخضَّت عن حريق القاهرة الكبير في 1952.و في الحقيقة فإنَّ حريق القاهرة كان نذيرا بالانقلاب العسكري بقيادة جمال عبدالناصر في 23 يوليو و الذي حوَّل مصر من مملكة هادئة إلى جمهورية ثورية.في العقد التالي،أصدرت حكومة الرئيس ناصر مرسوما بتغيير اسم الميدان إلى "ميدان التحرير"،في إشارة قُصِد منها إحياء ذكرى رحيل القوات البريطانية من مصر.اكتسب الاسم الجديد رواجا سريعا،لكن دلالته عند القاهريين لم تكن تعني الكثير.و ذلك بالطبع،حتى أحداث العام الماضي.

و بالمناسبة،فإن الشباب الذين بدأوا انتفاضة 2011 باحتلال صينية الحركة في وسط الميدان،ربما لم يكونوا واعين بتاريخه.منذ أواخر الأربعينيات من القرن العشرين،كانت قاعدة التمثال تجلس في مركز صينية الحركة في انتظار تمثال اسماعيل.لم يتم أبدا وضع التمثال هناك بعد أن وضع انقلاب 1952 نهاية للملكية.ربما أن عبد الناصر ترك قاعدة التمثال خالية، للتذكير بإخفاق النظام المصري السابق.الآن،في ميدان التحرير،فإن الخيام التي نُصِبتْ بواسطة المحتجَّين في صينية الحركة،في المحل الذي جلست فيه قاعدة التمثال،ما زالت قائمة بعد سنة من الانتفاضة.ذلك الفعل يدلُّ ،بالتأكيد، على مرحلة أخرى في التاريخ الطويل للميدان،و التي أصبحت فيها دلالة هذا الفضاء المديني متشكِّلة بأفعال الشعب المصري.
إنّ فكَّ شفرة قصة الاحتجاجات في القاهرة مهم هنا،ليس فقط لفهم ما يُسمَّى بالربيع العربي،و لكن أيضا لكي نفسِّر التحولات التي حدثت في المدن العربية كنتيجة لهذه الانتفاضات.و على سبيل المثال،بعض المجموعات الصغيرة في القاهرة و في ميدان التحرير نفسه، كانت تحتج لسنوات قبل الانتفاضة،و لكن بتأثير قليل.و لكنْ في 25 يناير 2011 و تقريبا بعدها مباشرة،أصبح واضحا أن الناشطين الإسفيريين قد قرّروا أن يجمِّعوا بعض المحتجَّين من جماعات سياسية متعددة للانضمام إلى الاحتجاج في الميدان.تلك الجماعات ضمّت حركة 6 ابريل و الحركة المصرية للتغيير "كفاية" و الأخوان المسلمين و أحزاب معارضة قليلة و شخصيات بارزة من رجال الأعمال و الفنون و الدوائر الأكاديمية.عندما بقيت الاحتجاجات في الشوارع و أصرَّت على احتلال ميدان التحرير،أصبحت المطالبة باستقالة مبارك النقطة الأساسية للوحدة.

*الميادين و الشوارع:فضاءات الاحتجاج

لتبرير الانتفاضات،التي انتشرت من ميدان إلى آخر في القاهرة،من الضروري أن نفكِّك الدلالة الرمزية لتلك الفضاءات،حيث ظهرت للعيان فعلا تلك الانتفاضات،و أن نرسم كرونولوجيا الاحتجاجات في الفضاءات الحضرية للمدينة.تتضمن تلك الفضاءات كلها،تاريخا حضريا معينا أو جغرافيا اجتماعية، تسمح لنا أن نفهم بشكل أفضل المدينة، و الأحداث التي وقعت فيها خلال العام الماضي.

القاهرة مدينة قديمة حيّرت الناس و سحرتهم على مرِّ القرون.في محادثة مع عدد قليل من أصدقاء قاهريين قبل سنوات قليلة،وصف واحد منهم،ربما كان محبطا ممّا كان يرى أنه رضا ذاتي مصري نموذجي ،وصف المدينة كقبر مملوء برفات غابرة ،لا تتغير بمرور الزمن إلا قليلا.صديق آخر اعتبر المدينة بالغة الهشاشة، و ربطها بقنبلة موقوتة.صديق ثالث،كان يسترقّ السمع إلى النقاش،تدخّل مع ضحكة مكتومة، و شبّه القاهرة بقنبلة داخل قبر، ستنفجر في النهاية كاشفةً طبقاتٍ من التاريخ المصري غير معروفة لنا جميعا.الأمر الذي لم يقلق أحدا لكي يتطرق إليه ، كان هو متى ستنفجر القنبلة.انفجرت المدينة بأسرع مما كان يتوقع أي أحد،بانتفاضة جعلت من ميدان التحرير اسما ذائع الصيت. لقد بدا أخيرا أن ميدان التحرير قد استحق اسمه.

بروز ميدان التحرير كموقع مركزي للثورة الأخيرة، هو دليل على كيف أن المكان و التاريخ يجتمعان بطرق غير متوقعة.بُثّْتْ صور ميدان التحرير خلال التغطية الإعلامية للانتفاضة الأخيرة، و قد نُقِشت تلك الصور إلى الأبد في عقول البشر حول العالم.تلك الصور التقطت عددا من المباني التي لم تسرد فقط تاريخ القاهرة الحديثة،و لكن أيضا قدَّمتْ استبصارات حول تناقضات التاريخ المصري الحديث عندما قابل الاستعمار و الحداثة و القومية العربية و الاشتراكية و الليبرالية الجديدة.

المُجمَّع،و هو مبنى حكومي مقوّس و ضخم بمظهر سوفيتي،و الواقع في النهاية الجنوبية للميدان، ظلَّ لفترة طويلة رمزا للبيروقراطية المصرية الهائلة ،و التي حكمت في العقود الستة الماضية.ليس مدهشا انه في الحقيقة بُني بدعم من الاتحاد السوفيتي السابق،و يقف شاهدا على تاريخ مصر الاشتراكي.ليس من قاهري بإمكانه تجنب مشوار إلى ذلك المبنى خلال حيواتهم ، لأنّ الوحدات الحكومية التي يأويها، كانت تُصْدر كل شيئ من شهادة الميلاد إلى جوازات السفر.في شرق الميدان يوجد مقر الجامعة العربية المبني في أوج القومية العربية، عندما قادت مصر العالم العربي سياسيا و ثقافيا.مجاور له يوجد فندق هيلتون السابق،و المبني عندما باشرتْ مصر مرحلتها الصناعية الحديثة، و حاولت أن تموضع نفسها في المجال العالمي، و تجذب السياح.لزمن طويل اُستعمِل بمثابة مكان يأوي كبار الشخصيات الغربية و السياسيين و الصحافيين و الشخصيات الفنية،و هنا تمَّت كبرى الصفقات الاقليمية والدولية.كان الفندق تحت التجديد ليصبح ريتزكارلتون،عندما تسبّبت أحداث التحرير في التوقف التام لكل المشاريع.شمال الفندق يوجد المتحف المصري بلون سمك السلْمون الأحمر،المبُني في مطلع القرن العشرين،عندما كانت مصر ما تزال تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية. هو يأوي واحدة من أغنى مجموعات الآثار في العالم.في الزاوية يقع مبنىً هو الآن هيكل عظمي بعد أن تم حرقه بواسطة المحتجَّين خلال الانتفاضة.مبنىً حديث صُمِّم أساسا ليستعمل كبلدية للقاهرة،خُصِّص في البداية بواسطة نظام ناصر في أوائل الستينيات،كمقر للحزب الوحيد في مصر في ذلك الوقت،الاتحاد الاشتراكي العربي.حزب مبارك الوطني الديمقراطي سيحلُّ لاحقا محل الاتحاد الاشتراكي العربي ،و قد أُستولي على المبنى ببساطة ليخدم أسياده الجدد.كل مَعْلمٍ من تلك المعالم،لعب دورا في صُنع مصر الحديثة.المباني المحيطة بميدان التحرير سمحت لنا بقراءة أفضل لكيف نُظِر إلى ميدان التحرير بواسطة المحتجَّين،و بعضهم بدون شك واعٍ بتاريخه.

بعد أن بدأت الاحتجاجات في أرجاء البلاد ، شجِّع نجاحها المنظمين على الدعوة إلى مسيرة مليونية في 28 يناير،اليوم الذي لُقِّب ب"يوم الغضب".تلك المسيرة كانت التظاهرة الرئيسة التي طرح فيها المحتجَّون بشكل واضح مطلبهم بنهاية النظام.في الحقيقة ،فإن الخيام المنصوبة في ميدان التحرير بعد المعارك الكبرى مع الشرطة، وسمت المرونة الرمزية للمحتجَّين.ستساهم التغطية المكثفة من قِبل الميديا العالمية لاحقا، في إلهام تظاهرات مماثلة ليس في الشرق الأوسط فقط،و لكن حول العالم في ما أصبح يعرف بحركة الاحتلال.

في 28 يناير 2011،خلال يوم الغضب،شهِد كوبري قصر النيل الذي يربط مناطق الدقي و الزمالك بوسط القاهرة و يقود مباشرة إلى ميدان التحرير،صداما دمويا بين المحتجَّين و جهاز الأمن المركزي للنظام.دفع آلاف المحتجَّين قوات الشرطة التي حاولت صدَّ المحتجَّين مستخدمة مدافع الماء و الغاز المسيل للدموع.و من سخرية القدر، أن الاحتجاجات في مكان آخر في ذلك اليوم، بدأت أيضا على بعد أميال من الكوبرى حوالي الظهر،بخطبة الجمعة المُثْنية على المحتجَّين في مسجد مصطفى محمود في المهندسين،المسجد الذي سيستخدمه لاحقا أنصار مبارك.يبدو أن خطة المحتجَّين في كوبري قصر النيل كانت السير إلى ميدان التحرير و الالتحام بمجموعات المحتجَّين الأخرى،خاصة أولئك القادمين من كوبري 6 أكتوبر،الطريق السريع المرتفع الذي يقود إلى الجزء الشمالي من ميدان التحرير.بينما كان كوبري 6 أكتوبر محتلّا بواسطة المحتجَّين،كان المتظاهرون في كوبري قصر النيل قد نجحوا في الاندفاع نحو ميدان التحرير.بعض المحتجَّين تسللوا خلال الحواجز المعدنية التي نصبت على عجل قاذفين لها في النيل مع علب الغاز التي ألقتها الشرطة،بينما شقّ محتجَّون آخرون طريقهم عبر عربات الشرطة المعترضة لهم.حوالي وقت متأخر من العصر،تم الاستيلاء على كوبري قصر النيل بواسطة المحتجَّين الذين عبروا إلى ميدان التحرير لينضموا إلى المحتجَّين الآخرين الذين كانوا هنالك.خلال احتلال ميدان التحرير من قِبل المحتجَّين،كانت السيطرة على الفضاء الحضري الضخم و الحفاظ على الوضع، حاسمَين في تغيير علاقات القوة خلال المراحل الأولى للانتفاضة.

بعد صدامات كوبري قصر النيل،احتشدت المجموعات المناصرة لمبارك في مسجد مصطفى محمود.وكما أبانت رشاد صادق في 2012،أطلقت تلك المجموعات المؤيِّدة لمبارك و المناوئة للثوَّار على نفسها اسم أبناء مبارك، و ساروا في الثاني من فبراير تجاه ميدان التحرير على الجمال و الخيول،مهاجمين للثوار في ما أصبح لاحقا يُسمّى ب "معركة الجمل".عند الظهر،صُدم متظاهرو التحرير بأن المتظاهرين المؤيدين لمبارك دخلوا الميدان من جهة كوبري 6 أكتوبر المجاورة للمتحف المصري.وقعت المعركة الحضرية الرئيسة في ميدان ثانوي مرتبط بميدان التحرير،بينما استعرت صدامات صغيرة عبر الفضاء.نجح المحتجَّون في آخر الأمر، في دفع المهاجمين إلى حافة الميدان.شهد العاشر من فبراير واحدا من أكثر الأيام درامية في الانتفاضة، عندما كان المحتجَّون منتظرين خطابا من مبارك يُتوقّع أنْ يعلن فيه أنه قد تنحّى.و لكن يا للحسرة،فهو لم يفعل،و أخذ المحتجَّون أحذيتهم و لوّحوا بها نحو الكاميرات التلفزيونية، في إشارة مخصَّصة للذين يكنّون لهم اشمئزازا مطلقا.

أخيرا،بعد 18 يوما من الاحتجاج الجماهيري،في الحادي عشر من فبراير،أَعلن عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية المعيَّن حديثا-بعد ما يزيد قليلا عن ثلاثين ثانية-أنّ الرئيس مبارك سلّم كل سلطاته إلى المجلس العسكري،مُنهيا بذلك ثلاثين عاما من الحكم الاستبدادي.

في الوقت الذي أُجبر فيه مبارك على التنحي و تسليم السلطة لعسكرييه،بقيادة المجلس الأعلي للقوات المسلحة،انخفضت بشكل هائل أعداد المحتجَّين من مؤيدي مبارك أو اختفت جميعا،و كذلك الصيحات العالية لمعارضيه الآتية من ميدان التحرير.و تم استبدالها سريعا بمجموعيتن أُخرين:أولئك الذين لم تسعدهم وتيرة الإصلاحات و الأداء الضعيف للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة البلاد،و أولئك المؤيدين للعسكريين و قيادتهم في المجلس الأعلى للقوات المسلحة.في صيف 2011 ،ابتدأت المجموعة الأخيرة في الاستيلاء على ميادين أخرى في مناطق هليوبوليس و العباسية.طبقا لصادق،في مناسبة في 25 نوفمبر 2011،اشتهرت العباسية بواسطة قناة الفراعين الخاصة الموالية لمبارك ،كفضاء يمكن للمصريين الناشدين للاستقرار أن يتظاهروا فيه.عشرات الآلاف تحوَّلوا لترديد شعارات مؤيدة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، قبل أن يُحْمَل توفيق عكاشة مالك القناة الذي ظهر وسط الحشود،على الأكتاف.بعد شهر جرت تظاهرة ثانية استجابة لمطالب جاءت من التحرير بتنحي المجلس العسكري الحاكم.و أعقبتْ ذلك صدامات دموية بين المحتجَّين المعارضين للمجلس الأعلى للقوات المسلحة من جهة، و قوات الجيش و الأمن من جهة أخرى.منطقة العباسية،التي كانت مقرا للقوات المسلحة المصرية في مطلع القرن العشرين،ظهرتْ كبديل لميدان التحرير لأولئك الذين إما أنهم لا يؤيدون سقوط مبارك، أو تكبَّدوا خسارات نتيجةً للانهيار الأمني و الاقتصادي الذي أعقبه.و لكن لا يجب استدعاء تلك الأمور، للتقليل من انجازات الانتفاضة المصرية أو أهمية ميدان التحرير.

الدورة
الميديا الاجتماعية و الفضاء الحضري و تغطية الميديا التقليدية

خلال الأحداث الخطيرة للانتفاضة،لعبت شبكات الميديا و الاتصالات المتعددة دورا رئيسا في تسهيل و بثّ الانتفاضات إلى بقية العالم.الميديا التقليدية مثل التلفزيون و الكيبل و مواقع الأخبار و مواقع التواصل الاجتماعي ممثَّلة في الفيسبوك و تويتر و يوتيوب،و وسائل أخرى للاتصالات الاساسية مثل الهواتف المحمولة و الهواتف الأرضية ،كلها لعبت أدوارا متبادلة في نجاح حركة الاحتجاج.

استخدام الميديا الاجتماعية للتعبئة الجماعية لم يكن جديدا تماما في مصر.خلال العشر سنوات الماضية،شهدت مصر عديدا من احتجاجات و تظاهرات الشارع المنادية بالديمقراطية و العدالة بواسطة مجموعات مثل كفاية و حركة 6 أبريل.و كما كتبت كاثرين سميث في فبراير 2011،كانت الشرارة الأولى التي عبأت الانتفاضة المصرية في 25 يناير 2011 هي صفحة الفيسبوك المشهورة "كلنا خالد سعيد" التي أدراها الناشط وائل غنيم في يونيو 2010 و التي يبلغ عدد مشتركيها اليوم مليوني مشترك.كُرِّست الصفحة لذي السبعة و عشرين عاما خالد محمود سعيد،و الذي قبضت عليه قوات جهاز مباحث أمن الدولة و ضُرب حتى الموت عندما كان في مقهى للانترنت في الاسكندرية في 6 يونيو 2010.صفحة الفيسبوك،المخصصة لموت خالد سعيد،قدَّمت للمصريين منبرا تفاعليا لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان،طارحة مطالب ضد الحكومة ،و حاشدة للدعم.عندما تكاثرت أعداد المشتركين و تواصلت مع مجموعات معارضة أخرى على الانترنت،تحوّلت صفحة "كلنا خالد سعيد" في الفيسبوك إلى محور منظِّم للانتفاضة المصرية،ناشرة الدعوة إلى الاحتجاج في اليوم الوطني للشرطة في الخامس والعشرين من يناير.أعلنت صفحة الفيسبوك "سنأخذ كل حقوقنا،و لن نسكت بعد اليوم " و "احتجاجنا في 25 يناير سيكون بداية النهاية،نهاية الصمت و الاستياء و الخنوع و بداية لصفحة جديدة".

بالإضافة إلى ذلك،كان تويتر محورا تنظيميا آخر على الانترنت،حيث استخدم الناشطون ميزة الوسم #Jan25 لدعوة الآخرين لينضموا إلى الحديث،و كذلك لتنظيم أنفسهم.ناقش كثير من الناشطين في تويتر و خطّطوا ليوم الخامس و العشرين من يناير باستعمال الدالة @reply.في الحقيقة،لاحظ ايدل و نن أنَّ كثيرا من مغرِّدي تويتر يعتبرون أنفسهم "مواطنين صحافيين" ،و جعلوا الجهر بالكلمة مهمتهم من خلال فيضان من الفيديوهات و الصور،و التي خلقت نمطا جديدا من الفعالية العصرية التي تحقَّقت عن طريق وسائل الانترنت و الاتصال الجماهيري.ببثِّهم لمطالبهم السياسية،لا يتحدث الناشطون إلى مواطنيهم فقط،و إنما إلى المجتمع الدولي و العالم.حين كان المغرِّدون يراوحون بين الفضائين الافتراضي و الفيزيائي،أدامت التحديثات المستمرة من المحتجَّين في مصر، الانتفاضة في مصر.

في يوم الجمعة الثامن و العشرين من فبراير،كان يمكن لإغلاق الحكومة للانترنت أن يُنهي الاحتجاجات أو يقلِّل أعداد الحشود،لكنه لم يؤدي إلى ذلك.و ذلك لأن أعدادا كافية من الناس قد انتقلت إلى الميدان،و باستعمال وسائل أكثر تقليدية للاتصال و التشبيك مثل التحدُّث إلى الاصدقاء و العائلة،تمكّن المحتجَّون من الصمود في الميدان.حتى تعليق كل خدمات الهاتف المحمول لم يوقف الاحتجاج،فكثير من القاهريين ما زالوا يعتمدون على موضة الخطوط الأرضية القديمة.أخيرا سقط النظام، و المصريون بعد الهتاف لأيام "الشعب يريد إسقاط النظام"، احتفلوا بهتافات "ارفع رأسك فوق،أنت مصري" بطريقة لم تشهدها أبدا شوارع القاهرة.بعد ذلك تحوَّل ميدان التحرير إلى أكبر حفلة شهدتها القاهرة،و تمَّ التقاط الاحتفالات و تقديمها إلى الجمهور في منتديات الانترنت حيث بدأت الاحتجاجات أولا.عندما انتهى الاحتفال،نزل جيش من المتطوعين،أكثرهم نساء،إلى الميدان.متسلحات بالمكانس و أكياس القمامة، نزلن من البيوت لينظفن حطام 18 يوما من الاحتجاج و المعارك الحضرية.

أشكال جديدة من التشبيك الاجتماعي

حتى اليوم هنالك قلة من الدراسات ذات العمق، التي تستكشف العلاقة الدورية و المتبادلة بين الميديا الاجتماعية و الميديا التقليدية و الفضاءات الحضرية،و التي ظهرت من خلالها الانتفاضات إلى الوجود.في الحقيقة، إن من الضروري، لكي نفهم تلك الانتفاضات، أنْ نحلِّل الطرق التي تشكلت بها الشبكات المتمردة في الميديا الاجتماعية و في المدن معا،و كذلك دور تغطية الميديا للأحداث المتعاقبة ،حيث تتجلّى للعيان العلاقة التأسيسية التبادلية بين تلك المكونات الثلاثة.

إن الانتفاضات في مصر و في أمكنة أخرى من العالم العربي، قد تقود المرء ليقول أن الحركات الاجتماعية قد مرَّت بتغيير مميَّز، إذ أنها الآن تحتوي "ذخيرة" جديدة ظهرت إلى الوجود و غيَّرتْ بطريقة جذرية، طرق العروض المتنازعة كما بيّن أخيرا تشارلز تيلي،واحد من المنظرين الأساسيين للحركات الاجتماعية.إن أحداث 2011 قد غيَّرتْ و أضافت معا، أنماطا جديدة من الفعاليات إلى الذخيرة القديمة للحركات الاجتماعية، و التي تأسَّست على تظاهرات الشوارع و الوقفات الاحتجاجية و المسيرات و اللقاءات الجماهيرية.هذه الذخيرة متعددة الأوجه يمكن ملاحظتها بشكل أفضل، خلال العلاقات بين الميديا الاجتماعية و الفضاء الحضري و تغطية الميديا للاحتجاجات، و التي كانت رسائلها تأسيسية بشكل متبادل.

المثال الأخير المثير للاهتمام و الذي يرسم العلاقة الدورية و المتبادلة بين الميديا الاجتماعية و الفضاء الحضري،جاء إلينا من أحداث الرابع من فبراير 2012 ،سنة كاملة بعد الانتفاضة في مصر.في الثالث من فبراير اندلع شغب كروي كبير في مدينة بورسعيد على قناة السويس بعد أن هزم الفريق المحلي فريقا زائرا كبيرا من القاهرة.أكثر من 70 شخصا،وكثير منهم من مشجعي فريق القاهرة،قُتِلوا في الشجارات التي أعقبت المباراة.سرت سريعا إشاعة بأنّ المهاجمين اُستؤجروا بواسطة رجل أعمال ثري من بورسعيد، و الذي كان وثيق الصلة بالنظام السابق.بالرغم أنه لم يتم الكشف عن دليل،فإن حزب الحرية و العدالة للاخوان المسلمين،الذي هو الآن القوة المهيمنة في البرلمان المنتخب الجديد،نشر الإشاعة على موقعه الالكتروني كأنها حقيقة.في اليوم التالي،مدفوعةً بالنشر،قالت النيويورك تايمز، أن مزيدا من التظاهرات العنيفة أعقبت ذلك في شوارع القاهرة و استمرت لعدة أيام.هذه الحادثة توضِّح كيف أن الأحداث في فضاء حضري واحد، تتم تغطيتها بواسطة أكثر الميديا تقليدية مثل التلفزيون القومي، و بعد ذلك تُفسَّر ثم تُنشر بواسطة مواقع الميديا الاجتماعية، مولدِّةً بدورها، احتجاجات جديدة في فضاءات حضرية أخرى.في الحقيقة،فإن و احدة من النتائج المهمة للانتفاضات ليس فقط التقاء أدوار الميديا التقليدية و الاجتماعية،و لكن أيضا بروز ذخيرة جديدة من الحركات الجماهيرية في الفضاء الحضري.

حقا، كما جادل جيفري جيريس في 2005 ،فإن منطق شبكة الناشط ميسَّرا بواسطة تكنلوجيات رقمية جديدة، لا يوفِّر فقط طريقة فعّالة لتنظيم الحركة الاجتماعية،بل أيضا يمثِّل نموذجا عريضا لخلق أشكال بديلة للتنظيم الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي.يبدو أنّ استخدام الميديا الاجتماعية يفعل أكثر من مجرد أنه يسمح لأصوات الناشطين بأن تُسمع،و هو أيضا يستلزم رابطة بمجال الفضاء الفيزيائي حيث طالبت هذه الأصوات بالتغيير.

في 2009 اقترح مانويل كاستيلس السوسيولوجي البارز منظِّر كلٍّ من الحركات الاجتماعية و تكنلوجيا الاتصالات،في كتابه قوة الاتصالات، أن "شبكات الأفراد أصبحت مجتمعات متمردة"، و أن "الانفجارات الاجتماعية للمقاومة ليست في حاجة إلى قادة و استراتيجيات لأن أي واحد يمكان أن يصل كل شخص لتقاسم غضبهم".بينما يمكن أن يكون صحيحا أنّ الحركة المصرية و الأخرى حول العالم العربي بدون قادة، فأيضا صحيح أنّ مثل هذه الحركات يمكن أحيانا الاستحواذ عليها، بواسطة مجموعات سياسية أو اجتماعية على الأرض، حسنة التنظيم و تملك مصداقية من خلال ارتباطاتها بقواعد الجماهير على المستوى الحضري. مجموعات مثل هذي،كما الاخوان المسلمين في مصر أو أحزاب مماثلة في شعوب عربية أخرى،كانت سلفا قد استثمرت مجهوداتها في توفير خدمات اجتماعية لمجتمعات حضرية فقيرة مختلفة.طالما أن هذه المجموعات،بحكم التعريف لها قادة،فإن هؤلاء القادة يميلون للظهور أولا كناطقين باسم حركات الاحتجاج على المستوى العريض ،حتى و لو لم يتقاسموا الأهداف الأولية أو مطالب الاحتجاجات.أخيرا،و كما توضِّح الحالة المصرية،فإن حركات الاحتجاج هذي،يمكن أن تُقرصَن بواسطة المجموعات السياسية الموجودة لتحقِّق غايات أخرى،مما يُفرز سياسات تتناقض مع مطالب المحتجَّين الأصليين.و مع ذلك، فمن الضروري الانتباه إلى السيروة التي أعطت وحدة و تماسكا لهذه المجتمعات المتمردة،قائدةً لها للاستيلاء على الميادين و الشوارع بطريقة جدّدت أخيرا نشاط الفضاء الحضري الهاجع طويلا،من خلال انتفاضات الربيع العربي.

في هذا السياق،فإن استخدام الميديا الاجتماعية خلال الاحتجاجات حوَّل الأفراد و الجماعات إلى مجتمعات متمردة، و في نفس الوقت ربط منطق الاحتجاجات مفصليا بمستخدمي تويتر و الفيسبوك.و لكن سيكون من الخطأ و البساطة أن نُسمِّي هذه الانتفاضات ثورات للفيسبوك، كما حاول البعض أن يفعل من قبل.في الحقيقة،إن ما حدث في ميدان التحرير أثناء الانتفاضة، يُظهر أنه حتى في القرن الواحد و العشرين، يظل الفضاء الحضري أكثر المجالات أهمية لتغيير اجتماعي معارض.إن الترتيبات الفضائية الجديدة المتمفصلة في مدن العالم العربي خلال الانتفاضات الأخيرة، قد أعادت "المسألة الحضرية"،كما تصورها كاستيلس قبل ثلاثين عاما،مشددا على الحاجة لدراسة النوعيات الحضرية الجديدة التي تؤثر على مظالم المواطنين المتمردين و أشكالهم التنظيمية و وعيهم.إننا نحتاج لأن ننظر إلى الديناميات الحضرية الجديدة التي تنتج عن مُركَّب من العلاقات الاجتماعية و السياسية، حيث ،على سبيل المثال،أصبحت الميديا الاجتماعية الجديدة جهازا مخرِّبا في تمفصل السياسة و استعادة الفضاء الحضري.

اليوم يتأمل المنظِّرون السياسيون نهوض مصر الإسلامية عقب الانتفاضة،فالمتفائلون يزعمون أنها يمكن أن تتبع النموذج التركي،و المتشائمون يرون تطورا لثيوقراطية معتدلة مقتفية خطى إيران.لكن الواقع أكثر تعقيدا و لا يمكن التنبؤء به، إذ أن الميديا الاجتماعية و الفضاء الحضري هي الآن بشكل تام،خارج سيطرة الحكومة المصرية و شرطتها و البرلمان المنتخب و القوّات المسلحة القوية،و التي تدير جزءا مهما من الاقتصاد.الزمن وحده هو من ينبئ إذا ما كان أن أشكالا جديدة ستنشأ للحدِّ من قوة الميديا الاجتماعية التي انطلقت في الانتفاضة، و الحدِّ من إمكانية الوصول إلى الفضاء الحضري،تاركة مصر ليس مثل تركيا أو إيران،و إنما مثل الباكستان بكل مشاكلها المتلازمة التي تأتي من عسكري مختبئ في الخلفية، و باستراتيجيات تحاول أن تحدَّ من قوة كل من المسؤولين المنتخبين و الناشطين الحضريين.

بينما استشرت ذخيرة هذه الاحتجاجات دوليا بشكل درامي،فإن أكثر النتائج أهمية،ليس تحوُّل الميديا التقليدية للنظام فقط،و لكن أيضا بروز ذخيرة جديدة من الحركات الجماهيرية في الفضاء الحضري.قبل عشرين عاما جادل الجغرافي و منظِّر الميديا مكنزي وارك،في كتابة المُعنْون على نحو ملائم بالجغرافيا الافتراضية، بأنَّ تغطية الميديا لأحداث معيَّنة، يعرِّف غالبا الأحداث نفسها و يعيدها إلى الوجود.مستخدما أمثلة من سقوط حائط برلين و الاحتجاجات في ميدان تيانانمين في الصين في أوائل التسعينيات،اقترح وارك أنّ تغطية الميديا لهذه الأحداث الحضرية،مبثوثةً إلى العالم من خلال ميديا الكيبل على مدار 24 ساعة ، الحديثة حينها،جعلتْ محطات إخبارية تلفزيونية مثل سي ان ان،تحرِّك الأحدث نفسها و أخيرا تحدِّد مصيرها.لقد فعلت أحداث ميدان التحرير بعد عشرين سنة لاحقا،باستخدام ميديا اجتماعية جديدة في هذا الزمن، الشيئ نفسه تماما،دافعةً العلاقة بين الميديا و الفضاء الحضري إلى قمة جديدة.

في الختام،فإن الثورات –ببساطة- لا تحدث في الإسفير، حتى و لو استمدت بداياتها من هناك.و ما خَبِرته القاهرة يُظْهر بوضوح أنّ ميدان التحرير الحقيقي،بكل العرق و الدم الذي سال عليه، و نظيره الافتراضي الفوضوي غير المنظَّم و المتغير أبدا،هما وجهان لعملة واحدة.في الحقيقة سأقترح أن ميدان التحرير اليوم لا يمكن أن يستمر في أن يمتلك وجودا ذا معنى، بدون آخره الافتراضي،الذي يمكن شرعيا أن يُسمَّى التحرير2.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,051,929,132
- حزب الكنبة السوداني: من البيتوتية إلى الشارع-الجزء الثالث
- حزب الكنبة السوداني: من البيتوتية إلى الشارع-الجزء الثاني
- حزب الكنبة السوداني: من البيتوتية إلى الشارع-الجزء الأول
- إغراء ما بعد الحداثة:النصان المكتوب و الملتيميدي
- كوب سلوى
- الحضور الفذ للمفردة الأنفوميدياية-عن -وحشة اسفيرية-*
- وحشة اسفيرية
- أعمى فيلاديلفيا:النص الملتيميدي و النص المكتوب
- النص الملتيميدي و النص المكتوب ل-عمرو المرويِّ قبل الاكتئاب-
- النص الملتيميدي و النص المكتوب لوحشة شتوية
- النص الملتيميدي و النص المكتوب لخطوبة
- النص الملتيميدي و النص المكتوب لخسوف القمر الأتبراوي
- النص الشعري المكتوب و النص الشعري الملتيميدي في رثاء عبد الخ ...
- ليست سماؤك من فانيليا مع فيديو في يوتيوب
- ذات 2 في يوتيوب
- -شبح الرجل القبرصي- في يوتيوب
- -حصافة الفرسة- في -يوتيوب-
- حصافة الفرسة
- وحشة شتوية
- خطوبة


المزيد.....




- ما هي أفضل 10 وجهات سياحية للرحلات البحرية لعام 2018؟
- قرقاش: الجولة الجديدة من استهداف قيادة السعودية عبر قضية خاش ...
- -الجيش الحر- يبدأ استعداداته لعملية عسكرية مشتركة مع تركيا ش ...
- انتحارية تفجر نفسها قرب نقطة تفتيش في غروزني بجمهورية الشيشا ...
- شاهد: ميكي ماوس يحتفل بـ "عيد ميلاده" الـ90
- تيريزا ماي مازالت في عين العاصفة
- ببغاء يقلد الأصوات يتسبب باستدعاء رجال الإطفاء
- شاهد: ميكي ماوس يحتفل بـ "عيد ميلاده" الـ90
- كيف يمكننا مواجهة الأرق؟
- خمسة وزراء بريطانيين يهددون بالإستقالة


المزيد.....

- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - أسامة الخوّاض - ميدان التحرير: الميدان الافتراضي: الفضاء الحضري و الميديا و الانتفاضة المصرية