أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة















المزيد.....



قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة


أحمد القبانجي
الحوار المتمدن-العدد: 3968 - 2013 / 1 / 10 - 00:37
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بقلم: عبد الكريم سروش
ترجمة: أحمد القبانجي

تعني اطروحة البلورالية: الاعتراف برسمية التعدد والتنوع في الثقافات والأديان واللغات والتجارب البشرية، والبلورالية، أي التعددية، بالشكل الموجود حالياً تعد من نتاجات الحضارة الجديدة وتبحث في مجالين مهمين : «أحدهما» في مجال الأديان والثقافات، والآخر في المجال الاجتماعي. فهناك بلورالية في المعرفة الدينية وبلورالية في المجتمع، أي الدين البلورالي والمجتمع البلورالي، كما أنه يوجد هناك ارتباط وثيق بينهما، بمعنى أنّ الأشخاص الذين يذهبون إلى القول بالتعددية على المستوى الثقافي والديني، لا يمكنهم التنكّر لمقولة التعددية الاجتماعية.
ويمكن الحديث عن التعددية من خلال بيان الأسباب والعلل، وكذلك من خلال بيان الأدلة والبراهين، بمعنى أننا بامكاننا توضيح السبب في اختيار بعض المجتمعات البشرية للمنهج البلورالي في تدبير وإدارة الاُمور الاجتماعية والسياسية، وكذلك يمكننا توضيح حقانية أو بطلان هذا الرأي من خلال الاستدلال العقلي.
وأجد من الضروري قبل البحث في البلورالية الاجتماعية بيان بعض الملاحظات في مورد البلورالية الثقافية والدينية ثمّ محاولة تطبيقها على الميدان الاجتماعي.
ورغم أن فكرة البلورالية أو التعددية تبدو جديدة من حيث اللفظ، إلاّأنها تمتد في أعماق تاريخ الفكر البشري، ليس على مستوى تاريخ الفكر الإسلامي فحسب بل تمتد جذورها في التاريخ الفكري للبشرية أيضاً، ومن الطبيعي أن يحظى الطابع الإسلامي في هذه الأطروحة بالنسبة لنا بجاذبية أكبر، ولذلك أسعى إلى تركيز الكلام على هذه الزاوية، واختار من الثقافة العامة عنصر الدين وأسلّط الضوء عليه بشكل خاص.
تعتمد اطروحة «التعددية الدينية» في الأصل على دعامتين : «إحداهما» التنوع في الأفهام بالنسبة للمتون الدينية، و«الاُخرى» التنوع في تفسيرنا للتجارب الدينية، «وهناك مرتكزات اُخرى للتعددية سنذكرها لاحقاً». إنّ الناس يحتاجون في مواجهتهم للكتب المقدسة وكذلك في مواجهتهم للأمر المتعالي والذات المقدسة إلى تفسير وبيان، وإزالة ستار الابهام عن المتن الصامت أو التجربة الدينية الخام واستنطاقها; هذا الاكتشاف والاستنطاق لا يكون على شكل واحد بل يتميز بالتنوع والتعدد، وهذا هو السبب في ولادة البلورالية والتعددية في داخل الدين وخارجه.

مباني التعددية الدينية:
المبنى الأول: لقد سعيت في كتابي «نظرية القبض والبسط» لتوضيح السرّ في تكثّر وتنوع الفهم الديني وبيان عملية هذا التنوع. اجمالاً كان حديثنا في نظرية القبض والبسط هو أنّ فهمنا للمتون والنصوص الدينية متنوع ومتعدد بالضرورة، وهذا التنوع والتعدد لا يقبل الاختزال إلى فهم واحد، وليس هذا الفهم متنوعاً ومتعدداً فحسب بل سيالاً أيضاً، والسرّ في ذلك أنّ النصّ صامت ونحن نسعى باستمرار لفهم النصوص الدينية وتفسيرها سواءً في الفقه أو الحديث أو القرآن من خلال الاستعانة بمسبوقاتنا الفكرية وتوقعاتنا من النصّ والأسئلة التي تدور في أذهاننا في مرحلة سابقة، وبما أنه لا يوجد تفسير من دون الاعتماد على التوقعات والأسئلة والفروضات المسبقة، وبما أنّ هذه التوقعات والفروضات المسبقة مستوحاة من خارج الدين، وبما أنّ الفضاء المعرفي خارج الدين متغير وسيّال، كما أنّ العلوم البشرية والفلسفة ومعطيات الحضارة الإنسانية تزداد وتتراكم وتتغير باستمرار، فلهذا كله كانت التفاسير المترتبة على هذه الأسئلة والتوقعات والفروضات المسبقة متنوعة ومتغيرة. هذا هو مجمل ما ورد في نظرية القبض والبسط( ).
وسواءً كنت تعتقد بهذه الآلية الخاصة أو لا تعتقد بها، فإنه لا يمكنك إنكار أن القرآن الكريم وأحاديث النبي تحتمل تفاسير متعددة، وكما ورد في الروايات أنّ الكلام الإلهي ذو بطون بحيث إننا إذا كشفنا الطبقة أو القشرة الاُولى في معنى النص لظهرت لنا طبقة اُخرى من المعنى، وأحد الأسباب الكامنة في هذه الظاهرة هو أنّ الواقع يتضمن التعدد في باطنه، وبما أنّ الكلام يحكي عن الواقع ويكشف الستار عنه فسيكون متعدداً بالتبع. وهذا المعنى لا يختصّ بالكلام الإلهي، فعندما نقرأ في مكتوبات عظماء الأدباء والشخصيات العلمية والأدبية فاننا سوف نصطدم بنفس هذه الظاهرة وسنجد أنّ كلامهم ذو بطون ويحتمل وجوهاً متعددة.
هذه الظاهرة هي التي تحفظ للنصّ طراوته وتضمن خلوده. إن رأسمال الأديان يتمثل في هذه العبارات النافذة إلى القلب والعميقة في المعنى والأبدية على مستوى الزمان بحيث إنها تمنح كلّ شخص يقرأها مضموناً جديداً، ولولا ذلك لفرغت من محتواها وتلاشت.
وهناك روايات عديدة تشير إلى أنّ للقرآن سبعاً أو سبعين بطناً، وهناك روايات تشير إلى أن بعض آيات القرآن نزلت لأقوام متعمقين سيأتون في آخر الزمان، إنّ تاريخ تفسير النصوص، سواءً في دائرة الفكر الإسلامي أو في دائره الأديان الاُخرى، يشير إلى التفاوت الكبير في استنتاج البشر من الكلام المقدس، وقد ورد في الروايات أنه «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» بمعنى أنّ الحامل للعلوم الدينية ربّما لا يعلم ما يحمله من جواهر في المعارف، فهو قد تعلّم بعض الكلمات وحفظ بعض الروايات وحملها إلى شخص آخر يفهمها بصورة أفضل من الأوّل، هذا كلّه يعني إمكانية وجود مراتب مختلفة للكلام الواحد، وبالتالي وجود بطون كثيرة لابدّ من الكشف عنها والتحقيق فيها. ولذلك نحن نعيش التعددية في عالم التفسير دائماً، أي أننا قبلنا بالتعددية في هذا المجال ولم نعترف لأيّ مفسّر أو شارح بأنه خاتم المفسرين أو خاتم الشارحين، وهذا يمثل عين حيوية الدين ووعينا العلمي له.
الملاحظة التي يمكن اضافتها إلى هذا الكلام، وقد أوردناها في كتاب القبض والبسط، هي أنه لا يوجد دين بدون تفسير، فالإسلام يعني تاريخ التفاسير والشروح التي صدرت عن الإسلام، والمسيحية تعني تاريخ التفاسير الذي تحدثت عن المسيحية وهكذا. وهذه التفاسير متعددة ومتنوعة دائماً وكلّ شخص لم يقبل بتفسير معين فإنّه يتركه ويتوجه إلى تفسير آخر ويأخذ به، لا أنه يقبض على التفسير الصحيح والوحيد للدين الخالص، ولا تعني المعرفة الدينية سوى مجموعة هذه التفاسير السقيمة والصحيحة، ونحن نسبح في بحر من التفاسير والأفهام للنصّ، هذا هو مقتضى ماهية الدين من جهة، ومقتضى بشريتنا وبناء أجهزتنا الادراكية من جهة اُخرى، فإنّ الإسلام السنّي يعتبر فهماً خاصّاً عن الإسلام، والإسلام الشيعي أيضاً فهم آخر عن الإسلام.
هذه الأفهام وتوابعها تعتبر كلّها طبيعية ورسمية، ولا يوجد أيّ دين طيلة تاريخه بدون هذه الكثرة والتنوع في افهام اتباعه، والشاهد على ذلك تاريخ العقائد وعلم الكلام للأديان والمذاهب، غاية الأمر أنّ أحداً لم يؤطر هذه الكثرة بإطار معرفي مدروس لأنه لم يشعر أحدٌ بجدية هذه الكثرة «إلاّنادراً»، فكلّ فرقة ترى لنفسها الحقّ والصواب دون غيرها وأنّ الفرق الاُخرى هي الباطل، بمعنى أنّ كلّ فرقة حينماترى بطلان التفاسير الاُخرى للدين فإنّ ذلك يعني أنها معدومة وليس لها حظّ من الوجود، فلم يتبادر إلى ذهن أحدهم أنّ لهذا التعدد والتنوع غير القابل للاجتناب في التفاسير والأفهام معنىً ومدلولاً آخر أيضاً (فلا يمكننا قبول مفهوم بأننا ولحسن الحظ على حقّ وأننا من أهل النجاة والجنّة، ومن سوء حظ الآخرين أنّهم على باطل ومن أهل الضلال وأنهم لم يفهموا الدين الحقّ وبذلك انحرفوا عن جادة الصواب فأعمالهم غير مقبولة وعاقبتهم إلى جهنم وبئس المصير). لعلّ معنى ذلك أنّ نفس هذه الكثرة مطلوبة، ولعلّ معنى الهداية أوسع ممّا نتصور، ولعلّ النجاة والسعادة الأخروية تكمن في شيء آخر وراء هذه الأفهام والانطباعات الذهنية عن الدين والمذهب، ولعلّ فهم الدين يعبّر عن حالة جماعية أيضاً كما هو الحال في الحضارة البشرية والتمدن الإنساني.
إنّ كلّ فرقة تتصور أنّ الآخرين ربّما لم يكونوا مقصرين في سوء فهمهم للدين الحقّ، فهم مستضعفون فكرياً ولا ينبغي لومهم وتوبيخهم، إلاّ أننا توصلنا إلى الفهم الصحيح للدين وأصبحنا من أهل النجاة (حسب ادعائهم) ولكن بمجرد أن تنجلي قشرة هذا التوهّم ونتخلّص من فكرة الاصطفاء الإلهي والتمايز عن الآخرين يرى هذا الإنسان نفسه كسائر أفراد البشر ويجلس معهم على مائدة واحدة، فهناك تتجلّى فكرة التعددية له ويحملها محمل الجد، وسيصل إلى فهم جديد لمعنى الهداية والنجاة والسعادة والحقّ والباطل، والفهم الصحيح والسقيم، فالبلورالية في العالم الجديد ناتجة من هذه التأملات وحصيلة هذه الأفكار.
أعرف أنّ البعض سيقول فوراً : ما هي النتيجة من هذا الكلام ؟ هل تريد أن نترك ما نحن عليه من الحقّ، أو نحسب أهل الضلالة والباطل من أهل الحقّ، أو نساوي بين الحقّ والباطل في معيار العقل والمنطق ؟
كلاّ، ليس مقصودنا هذا المعنى، إنّما القصد أننا لا ينبغي أن نسأل هذه الأسئلة بل ننظر إلى كثرة الآراء وتنوع العقائد لدى أفراد البشر بمنظار آخر لنكتشف فيها روحاً اُخرى ونقرأ فيها معنىً آخر، فالحقيقة أنّ معترك الفهم الديني بمثابة ميدان مسابقة، وفي هذا الميدان هناك لاعبون كثيرون، والمسابقة لا تقوم على مشاركة شخص واحد، بل تقوم على هذه الكثرة والتعدد، وأوّل شرط فيها أن نرى هذه الكثرة ولا نتصور أنّ تفسيرنا في هذا العالم هو الحقّ الوحيد وفهمنا هو الفهم المصيب ونتحرك من موقع اخراج سائر اللاعبين من ساحة اللعب.
ولا يخفى أنّ البلورالية في فهم النصّ لها مفهومٌ واضح ومدلولٌ جلي، وهو عدم وجود تفسير رسمي وواحد للدين أبداً، ولذلك لا يوجد مرجع ومفسر رسمي له بالتبع، ففي المعرفة الدينية كما هو الحال في سائر المعارف البشرية، لا يكون قول أحد حجة تعبدية على شخص آخر، ولا يوجد أيّ فهم مقدس وخارج حدود النقد، وهذا الكلام كما أنه صادق وصحيح في علم الكيمياء مثلاً، فكذلك هو في الفقه والتفسير، فكلّ إنسان يتحمل مسؤوليته على عاتقه ويحشر وحيداً أمام ربّه، فالوحدة مطلوبة مثلاً في الحاكم السياسي وليس كذلك في الحاكم الفكري والديني.
المبنى الثاني: نصل إلى النوع الثاني من البلورالية الناشئة من تنوع وتعدد تفاسير التجارب الدينية. التنوع الذي لا يقبل الوحدة في ذاته، فكما أننا لا نمتلك ديناً غير مفسر، فلذلك لا توجد تجربة غير مفسرة، سواء في دائرة الطبيعة أو ميدان الروح، فالتجربة الدينية عبارة عن مواجهة الأمر المطلق والمتعالي وهذه المواجهة تتجلّى باشكال عديدة وصور مختلفة، فتارةً بصورة رؤيا، واُخرى بسماع صوت معين، وثالثة برؤية ملامح وألوان، ورابعة على شكل احساس باتصال النفس بعظمة عالم الوجود.
وأحياناً تشعر النفس بانقباض وظلمة، وأحياناً اُخرى بانبساط ونورانية.
أحياناً يعيش العشق لمعشوق غير مرئي، واُخرى يشعر بحضور شخص روحاني...
أحياناً الاتحاد مع شخص أو شيء، واُخرى الانفصال عن الذات والبقاء معلقاً في فراغ...
أحياناً إدراك سرّ معين والكشف عن مجهول، واُخرى الشعور بالملل من التعلق بالاُمور الفانية والرغبة في الخلود والبقاء.
أحياناً يعيش الإنسان حالة الانجذاب والعطش والفراغ والجمال والبهجة... فكلّ هذه الحالات الروحية والمتغيرات النفسانية يمكنها أن تكون مصاديق التجربة الدينية مع ما بينها من تفاوت في الأبعاد، التجربة الدينية تجربة غير مألوفة وأحياناً تكون بدرجة من القوة والشدة والوضوح واليقين والبهجة بحيث إنّ الشخص لا يجد في مقابلها سوى الخضوع والخنوع والتصاغر والاعتراف بالمسكنة، ويذكر المتصوفة في تحليلهم لأسباب هذه التجارب الروحية أن السالك عندما يشرع في المجاهدة ورياضة النفس وتصفية القلب فإنّ ذلك من شأنه أن يعبر به على الملك والملكوت ويكشف له في كلّ مقام عن وقائع واُمور تتناسب مع حاله، فأحياناً يتمثل له هذا المقام بصورة رؤيا صالحة واُخرى يتجلّى له بشكل واقعة غيبية( ).
على أية حال فإنّ هذه الحقيقة، وهي أنّ التجربة الروحية المتولدة من عبور السالك على الملك والملكوت بنفسها نوع من التفسير لهذه التجارب. يقال عن «ياكوب بوهمه» الذي يعد من أعاظم عرفاء أهل الكشف الألمانيين أنه لم يكن سوى اسكافياً، وفجأة وجد نفسه في أحد الأيّام وقد غمرته حالة من الإشراق فرأى جميع الأشياء نورانية تزهر بالنور المتلأليء وشاهد كنه الأشياء وحقيقتها، ومنذ ذلك الوقت أخذ يتحدث بلطائف واشارات عرفانية دقيقة، وكذلك العارف الايراني «علاء الدولة السمناني» الذي عاش في القرن السابع والثامن للهجرة وكان من جنود المغول ويقاتل في صفوفهم، وفي أحد الأيّام وبينما كان راكباً على جواده وهو يخوض المعركة بين الجنود شعر فجأة بأنّ حجاباً قد زال عن عينيه فشاهد بنور غير مألوف عالم ما بعد الطبيعة والحياة بعد الموت، وعندما انتهت المعركة بقي راكباً على جواده مبهوتاً ومذهولاً مدّة يومين، ومنذ ذلك الوقت ترك عمله في الجيش وزال بريق الدنيا من قلبه وانخرط في مسلك العرفاء والمتصوفة.
ويتحدّث المولوي «جلال الدين الرومي» أيضاً بلغة «سورياليستية» عن لزوم تناول المكنسة وإزالة الغبار عن سطح البحر( )، وأمّا النبي محمد(صلى الله عليه وآله)فقد وضع بين أدينا تجربة قلبية أقوى وأشد من جميع التجارب، هي تجربة المعراج.
إنّ أدنى مرتبة لهذه التجارب، الرؤيا التي يعيشها الإنسان في منامه حيث ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّ الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وهذا الرقم «46» يبدو غريباً وغير متعارف، لذلك نرى أنّ بعض العرفاء فسّر هذا الحديث «بأنّ مدّة نبوة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كانت ثلاثة وعشرين سنة، وكان الوحي في بداية الأمر ولمدة ستة أشهر ينزل على شكل رؤيا صادقة، إذاً فالرؤيا الصادقة على هذا الأساس تعتبر جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة»( ).
وعلى أية حال فالاصرار على معرفة حقيقة الصوت الذي اسمعه وما هو مصدره أو على ماذا تدلّ حالة الكشف التي احسست بها في قلبي، ومن أين جاءت وبيان كلّ ذلك على شكل ألفاظ وفي قالب المفاهيم «والتي تكون متناقضة أحياناً» هو عين الورود إلى ميدان التفسير، بل إنّ نفس بيان التجارب المعنوية باللسان وصياغتها على شكل مفاهيم هو نحو من انحاء تفسيرها، وهذه التفاسير متفاوتة ومختلفة كثيراً. وعلى سبيل المثال ما نجده في مسألة وحدة الوجود، فقد كانت في البداية من كشوفات العرفاء ثمّ انعكست على شكل بيان فلسفي واثارت الكثير من السجال والشجار والنقد.
إنّ كافة الأديان بدورها مسبوقة بحالة الكشف والتجربة الغيبية والقدسية والوحدانية التي عاشها الأنبياء، الذين لم يدرسوا في مدرسة أو مكتب ولم يكونوا من الكهنة والسحرة أو المجانين والمعتوهين، بل كما يقول «اقبال اللاهوري» كانوا رجالاً من أهل الباطن والكشف. وليس الأنبياء فقط كانوا يعيشون هذه الحالة القلبية، بل إن اتباعهم من أرباب السلوك ورياضة النفس كان لهم حظ من الوحي والتجربة الباطنية أيضاً. ويشير المولوي في ديوانه لهذا المفهوم العرفاني من خلال ما يستوحيه من قوله تعالى : (وَأوحى رَبُّكَ إلى النّحلِ أَنِ اتّخِذي مِنَ الجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعرِشُونَ)( ). حيث قال:
لنفرض أنّ هذا الوحي ليس وحي الأنبياء
إلاّ أنّه ليس بأقل من الوحي للنحل
فعندما ورد «أوحى ربّك إلى النحل»
امتلأت خلية النحل من الشهد والعسل
وهكذا امتلأ العالم بنور وحي الحقّ بالشمع والعسل
فحين يقول: «كرّمنا بني آدم»
لا يكون وحيه هنا أقل من وحيه إلى النحل( ).
فقد أوحى الله تعالى إلى النحل لتبني بيوتها على سفوح الجبال وبين أغصان الشجر، وكانت معطيات هذا الوحي للنحل، كما يقول «مولوي» هي صناعة العسل والشمع. هذا بالنسبة إلى النحل، وامّا بالنسبة إلى الإنسان الذي وقع موقع التكريم الإلهي كما تقول الآية الشريفة في حقّه : (وَلَقَدْ كَرَّمنـا بَنِي آدمَ وَحَمَلنـاهُم فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقنـاهُم مِنَ الطَّيبـاتِ وَفَضَّلنـاهُم عَلى كَثِير مِمَّنْ خَلَقنـا تَفْضِيلاً)( ) فلا يعقل أن يكون الوحي الإلهي إلى هذا الإنسان أقل شأناً من الوحي إلى النحل.
أجل، فإنّ المتصوفة يرون التجربة القلبية التي يعيشها الإنسان هي عين الوحي الإلهي ولا تقلّ شيئاً عن الوحي، واطلقوا عليها عبارة «وحي القلب» من أجل تحاشي العوام، وإلاّ فكلّ التجارب عبارة عن الوحي، غاية الأمر أن الوحي ذو مراتب : فهناك مرتبة دانية ومرتبة عالية، وأحياناً يقترن مع العصمة واُخرى لا يقترن معها، وهناك ما يختصّ بالنحل وما يختصّ بالإنسان من العرفاء والأنبياء والشعراء. فكلّها تمثل تجارب دينية وباطنية وكلّها تحتاج، كما أسلفنا، إلى تفسير وفي الحقيقة أنه لا توجد لدينا تجربة خام أو تجربة محضة، ويرى الفيلسوف البريطاني «استيس» أنّ البوذائيين رغم كونهم يفتقدون نظريات في دائرة الألوهية ولا يعبدون الله ظاهراً بل يعبدون الأوثان، إلاّ أنّهم يعيشون التجربة الإلهية في قلوبهم، أي ليس لهم نظرية عن الله، إلاّ أنّهم يمتلكون تجربة عن الله( ) وهذه نقطة مهمة جداً، ولابدّ من الالتفات إليها في أجواء التجربة الدينية، ففي الكثير من الأحيان يعيش الإنسان حالة من الكشف ولكنه لا يعلم حقيقة ما وجده، وكما يقول الفيض الكاشاني مخاطباً المعشوق :
قلت : سأصل يوماً إلى وصالك وأحظى بقربك.
فقال : انظر جيداً فلعلك قد وصلت.
إنّ هذه الواقعة نفسها نجدها في تاريخ العلم وفي أجواء التجارب الطبيعية، فأحد الأبحاث الصعبة والمعقدة في تاريخ العلم هي تشخيص المكتشف للشيء، وعلى سبيل المثال من هو مكتشف الاوكسجين ؟ ومن هو مكتشف قانون الغازات ؟ ومن هو مكتشف الكوكب الفلاني ؟
يرى «توماس كوهين» وهو شخصية معروفة في هذا الميدان، أنّ المكتشف الحقيقي هو الذي يكتشف النظرية المتعلقة بالمكشوف، أي أن يعلم ماذا اكتشف، وفي غير هذه الصورة فانّ جميع الناس منذ بداية التاريخ البشري اكتشفوا الاوكسجين لانهم كانوا يتنفسون الاوكسجين دائماً، وهكذا الحال في اكتشاف النجم الفلاني الذي يراه جميع الناس ولكنهم لا يعلمون حقيقته، وهل أنّه كوكب أو من سيارات المنظومة الشمسية أو نجم سماوي يتعلق بمنظومة اُخرى ؟... إذن لا يكفي أن يخطر الشيء في ذهنك أو على قلبك، لتكون مكتشفاً له، بل يجب أن تكون لك نظرية في هذا الشأن وتفسير للحدث أو الظاهرة، ولهذا السبب نحتاج إلى الأنبياء، كما في القصة التي يذكرها جلال الدين الرومي عن النبي موسى والراعي حيث تنطوي على هذا المعنى، فأحد وظائف الأنبياء هي تعليمنا كيفية تفسير تجاربنا الباطنية، لأنّ هذه التجارب وإن كانت تحتوي على تفاسير متعددة ومتنوعة، إلاّ انّ هذا لا يعني أنّ جميع هذه التفاسير موافقة للحقّ. إذن فالطريق الآخر لوجود ظاهرة التعدد والتنوع في الفكر الديني، هو وجود تفاسير متعددة للتجربة الواحدة. سواء قلنا إنّ التجربة الدينية أمر واحد له تفاسير مختلفة ومتنوعة، أو قلنا إنّ التجارب الدينية متنوعة ومتعددة في الأصل، على أية حال نحن نواجه التنوع الذي لا يقبل الاختزال أبداً إلى أمر واحد فيجب الاعتراف بهذا التنوع وعدم التغافل عنه، ولابدّ أن تكون لنا نظرية ورؤية معيّنة لهذا التنوع في حدوث التجارب الدينية.
العلماء المعاصرون يتحركون غالباً للكشف عن سر تنوع هذه التفاسير من خلال استخدام النظريات العلمية في باب الذهن وعلم الألسنة وآراء علماء الاجتماع والانثربولوجيا وفلسفة اللغات; يقول هؤلاء العلماء: إنّه عندما يشرع الذهن في صياغة المفهوم وتحويل التجربة إلى مفاهيم ذهنية يتم تحويل حيرة التجربة إلى التأملات الذهنية الواعية، وعندما تعكس القوالب المفهومية بظلالها على التجربة القلبية وتحاول قولبة الكشوفات غير المحددة وغير المؤطرة بإطار معين، حينذاك تبدأ عملية التفسير، ولهذا نجد بعض المسلمين مثلاً يتحدث عن شفائه من المرض في عالم الرؤيا على يد نبي الإسلام، والمسيحي يتحدّث عن شفائه كذلك على يد عيسى، لأنّ ذهن كلّ واحد من هؤلاء يرى مسبقاً رؤية خاصة تجاه أحد الأنبياء، وهكذا بالنسبة لتجربة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)عن النعيم الأخروي والبهجة المعنوية حيث ظهرت في مقام البيان بقالب «الحور العين» فلا نجد آية في القرآن تتحدث عن نساء شقراوات وعيون زرق، ومن هنا نرى العرفاء المسلمين في تحليلهم لظاهرة التعدد في الكشوفات يقولون إنّه عندما تتفاوت الرؤية لدى أهل الكشف والتجربة فإنّ حصيلة تجاربهم هذه ستكون متفاوتة ومختلفة.
ويمثل كلام المولوي هنا حجة في المقام، وأنا بدوري اعتمد في هذا الباب على أعمال جلال الدين المولوي، لأنني أوّلاً: أرى أنه خاتم العرفاء، وثانياً : إنّ بيانه يمثل أحلى وأجمل بيان، وقد ذكر المولوي في ديوانه «المثنوي» مفردة «منظر» كثيراً، والمنظر هو ما نصطلح عليه بالرؤية والنظرية، ويتحدث المولوي في أحد المواضع من أشعاره عن اختلاف المنظر بشجاعة وبصراحة فائقة ويقول :
من خلال المنظر يا عقل الموجود.
يختلف المؤمن والمجوسي واليهود.( )
فهنا يذكر المولوي ثلاثة أديان عالمية : الإسلام والمجوسية واليهودية، ومقصوده من المؤمن هو المسلم. فيقول إنّ اختلاف هذه الأديان الثلاثة لا يعد اختلافاً في دائرة الحقّ والباطل بل اختلافاً في المنظر والرؤية فحسب، وليست هذه الرؤية تقتصر على الاتباع فقط بل تشمل رؤية الأنبياء، فالحقيقة واحدة ولكنّ هؤلاء الأنبياء الثلاثة ينظرون إليها من ثلاث زوايا، أو يقال بتجلّي الحقيقة لهؤلاء الأنبياء الثلاثة على ثلاثة أنحاء ومن خلال ثلاثة نوافذ، ولهذا قدّموا لنا ثلاثة أديان، وعلى هذا الأساس فانّ السرّ في اختلاف الأديان لا يكمن في اختلاف الظروف الاجتماعية أو التحريف الذي طرأ على الأديان واستلزم ظهور دين آخر، بل بسبب التجليات المختلفة لله تعالى في عالم الوجود، فكما أنّ عالم التكوين متنوع فكذلك عالم التشريع متنوع أيضاً.
وأورد المولوي قصة العاشق البخاري في الدفتر الثالث من ديوانه المثنوي وذكر فيها مفهوم المنظر أيضاً، وفي معرض حديثه عن أجواء القبض والبسط التي يعيشها السالكون في طريق السلوك المعنوي، قال :
إذا رأيت الغم فاعلم أنّ إلى جانبه العشق.
وعليك النظر إلى الحوادث من ربوة دمشق.
بمعنى أنه ينبغي عليك أن تنظر إلى الحوادث والحالات النفسانية من مرتفع فلو حصل لك غمّ فلا تبقى أسير هذا الغم، ولو وجدت في نفسك سروراً فلا تمكث في إطار هذا السرور، فلا تجعل نفسك أسيراً لهذه الأطر والقوالب بل عليك بالجلوس على مرتفع لترى أنّ هذا الغم يتبعه السرور وهذا القبض مقترن بالبسط، وبذلك يمكنك أن تعيش في مواجهة حالات القبض والبسط بأفضل صورة، ويمثل المولوي لذلك بالناظر من فوق ربوة دمشق، فعندما تدخل المدينة من بابها ربّما ترى النفايا والخرائب الكثيرة هناك لأنّ رؤيتك محدودة وتتصور أنّ هذه المناظر هي المدينة كلها، ولكن عندما تجلس على قُلّة أو مرتفع وترى جميع أرجاء المدينة بنظرة كلية حينئذ يمكنك أن تحكم بحكم صحيح عن هذه المدينة. إذاً فالشرط الأوّل في المنظر والرؤية هو تصحيح الناظر، والشرط اللازم لرؤية سليمة هو أن تكون للشخص عين سليمة ونظارات نظيفة. مضافاً إلى ذلك أنّ المناظر إذا اختلفت وتنوعت فانّ استنباطات الإنسان واستنتاجاته تتنوع بالتبع، فتنوع المنظر يستتبع تنوع المنظور، وهذا المنظر ليس شيئاً آخر سوى الإنسان نفسه، هنا يجتمع النظر والناظر والمنظر في شيء واحد، وهذا هو جوهر كلام العرفاء في هذه الظاهرة، وكما يقول أحد الشعراء المعاصرين : إنّ الإنسان ليس شيئاً سوى نظر.
وقد سمعتم عن قصة الفيل التي يذكرها المولوي في ديوانه، وكذلك أوردها الغزالي أيضاً في «إحياء العلوم» بأبلغ بيان حيث يخرج المولوي منها بنتيجة:
إنّ العين الحسيّة مثل اليد في حاسة اللمس فحسب.
واليد لا قدرة لها للوصول إلى الكل( ).
إنّ الرؤية الحسية والتجريبية قاصرة عن الاحاطة بتمام المعلوم، كما في قصة الفيل الموجود في غرفة مظلمة، فعندما جاء بعض الأشخاص ليتحققوا عن حقيقة هذا الشيء الموجود في الغرفة لم يتمكنوا من الاحاطة بجميع المعلوم وخرجوا بنتائج متفاوتة، وهذه الحالة لا تقتصر على الرؤيا الحسية، بل الرؤيا العقلية المحضة كذلك، فما دام الإنسان يعيش في قفص البشرية فحكمه هو هذا الحكم، وكلام المولوي في الحقيقة يتلخّص في أننا جميعاً نعيش في تلك الغرفة المظلمة ولهذا لا يدرك أيّ شخص مِمّا كلّ الحقيقة كما هي، فكلّ شخص يرى الحقيقة من خلال زاوية معينة ويستنتج أوصافاً معيّنة بذلك المقدار، ويمثل المولوي لذلك تمثيلاً رائعاً عندما يقول :
إنّ صوت الناي الذي ينفخ فيه العازف.
إنما يخرج الصوت بمقدار الناي لا بمقدار العازف( ).
فكلّ واحد منّا كالناي جالس على مشرعة الحقيقة، وهذه الحقيقة تروي قصتها من خلال ألستنا وأفواهنا، فلو كانت أفواهنا بمقدار عرض الفلك فانها مع ذلك تضيق عن بيان الحقيقة الكاملة.
وهكذا في قصة موسى والراعي التي هي في الحقيقة عبارة عن مواجهة متكلم مع شخص عامّي يعيش تجربة دينية غير مفسرة وكما نعلم أنّ المولوي لا يقصّ علينا حكاية لمجرد الترفيه بل يستوحي منها معارف بلورالية. فيقول إنّ الراعي كان من المشبِّهة في تجربته القلبية حيث ظنّ أنّ الله تعالى كالإنسان أو كالطفل وأمثال ذلك وتصور أن لله تعالى حاجات مادية كما للإنسان ولذلك فقد وصفه بصفات بشرية، بينما كان موسى عالماً منزهاً، ولذلك تحرك من موقع توبيخ الراعي وعاتبه بشدّة على اطلاق هذه الأوصاف البشرية على الله تعالى ونهاه عن تكرار هذه الكلمات. ولكنّ الله تعالى حكم بين هذا العالم المنزّه وذلك الراعي المشبِّه.
ثمّ إنّ المولوي يبيّن هذه الحقيقة وهي أننا كلما ارتفعنا في عالم التنزيه فمع ذلك نُبتلى بشوائب التشبيه، لأننا نستوحي من قوالبنا الذهنية لوصف الله تعالى وننظر إلى الذات المقدسة من خلال رؤية خاصة لا تنفك عن وجودنا. فلا يوجد إنسان متحرر من التشبيه بصورة كاملة ويدرك كنه الذات المقدسة كما هي بتجريد تام للذهن من جميع العوارض والصفات البشرية، نعم يمكن لهذه التشبيهات أن تشتد أو تضعف في الافراد، حيث كانت غليظة جداً بالنسبة إلى الراعي، ولكن المولوي يؤكّد أننا جميعاً متورطون في أجواء التشبيه بالنسبة للذات المقدسة وقد سمح لك الشرع بالذكر المشوب بالتشبيه، لأن الله يعلم أن الإنسان غير قادر على التخلص من التشبيه بصورة كاملة. فأمرنا بالتنزيه والحركة المستمرة في هذا الخط.
وبديهي أنّ كلّ مرتبة نصل إليها في مقام التنزيه لا تخلو من شائبة التشبيه، وهذا التشبيه معلول للمنظر الخاصّ والرؤية التي تؤطّر ذهن الإنسان، وكلّ إنسان هو ذلك الراعي من جهة، وموسى من جهة اُخرى، ويعتقد العرفاء أنّ هذه الحقيقة صادقة حتّى بالنسبة إلى الأنبياء الإلهيين أيضاً، فكيف بالأشخاص الذين لم يصلوا إلى مقام النبوة والعصمة ولم يحيطوا بجميع جوانب الحقيقة ولم يدركوا جميع أبعاد الواقع؟ فكلّ واحد من الأنبياء وبمقدار ما أدركه في وجدانه من حقيقة الالوهية عرضها لقومه بهذه الكيفية، فالاقتباس من هذه الحقيقة متفاوت لأنّ شخصية الأنبياء متفاوتة (تِلكَ الرُّسلُ فَضلنـا بَعْضَهُم عَلى بَعض)( ).
وإذا أردنا بيان هذه الحقيقة بصورة أوضح، فلابدّ من القول: إنّ الله تعالى يتجلّى لكلّ إنسان بشكل معين، وكلّ إنسان يفسّر تجلّي الحقّ له بصورة معينة، «لا يشترط في العشق وجود الخانقاه».
وأوّل شخص غرس بذور التعددية في العالم هو الله تعالى الذي أرسل رسلاً وأنبياء مختلفين وتجلّى لكلّ واحد منهم بمظهر خاصّ وبعث كلّ واحد منهم إلى مجتمع خاص ورسم تفسيراً للحقيقة المطلقة في ذهن كلّ واحد منهم يختلف عن الآخر. وبذلك تمّ تفعيل ظاهرة البلورالية. ورغم أنّ الأنبياء كانوا في قمّة التجربة والتفسير إلاّ أنهم كانوا يعيشون في مراتب مختلفة «وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم»( ).
أجل، إنّ تعدد التفاسير يمثل في الواقع وجوه متعددة للحقيقة «وبتعبير ديني معروف إن لله تعالى ألف اسم واسم» فالحقيقة لا تتمثل في مظهر واحد ولا أنها تتمتع بوجوه متعددة فحسب بل إنّ رؤية الناظرين لهذه الحقيقة بمناظر متعددة له دخل بتنوع التفاسير لها، ويشير المولوي إلى هذا المعنى بقوله :
أنت لست واحداً أيها الرفيق.
بل دوّامات وبحر عميق.
الإنسان بدوره كذلك يتضمن أسراراً عميقة، وأعلى من الجميع خالق الإنسان الذي يكتنفه الغموض والابهام من كلّ جهة.
ويستوحي الفيلسوف والمتكلم المسيحي المعاصر «جون هيك» الذي هو أحد حماة وأنصار البلورالية، هذه النقطة من تفكيك «كانت» بين الواقع «نومن» والظاهر «فلومن»، وكتب في مقالة رائعة له بعنوان «هل يعبد المسلمون والمسيحيون واليهود إلهاً واحداً ؟» حيث يشير في البداية إلى الوجه الواحد لله تعالى في هذه الشرائع السماوية، ولكنه يضيف بعد ذلك أنّ هذه الوحدة في الرؤية حصيلة النظر من بعيد، ولكن ما أن نقترب أكثر فسوف تتجلّى لنا الاختلافات بصورة أكبر وتلقى بالوحدة في عالم الظلمة.
إنّ جميع هذه الأديان تعترف وتؤمن بالله تعالى خالق العالم والإنسان وهو الذي يثيب ويعاقب الناس ويحبهم ويغضب عليهم. ولكنّ الله في المسيحية عبارة عن ثلاثة أقانيم وقد تجسد في أحدها وهو ابنه المسيح الذي اختاره ليحلّ فيه من بين مخلوقاته. هذا الاله يختلف عن إله الإسلام واليهودية اختلافاً كثيراً، والإلهين الأخرين : الله ويهوه بدورهما غير متماثلين في كلّ شيء، ففي نظر (هيك) أن إله اليهود يعيش الاهتمام الكبير ببني إسرائيل وكما يقول العهد القديم : «إنني لا أعرف من بين الأقوام والعوائل البشرية الساكنة في الأرض غيركم» هذا الإله الذي يأمر بني إسرائيل بالسكنى في بيوت ومنازل أهالي فلسطين «كنعان» وأن يحتلوا أرضهم، هذا الإله وإله المسلمين الذي يتصور (هيك) أنّه أقرب من إله اليهود بالنسبة إلى إله المسيحيين ومع ذلك فإنه يهتم بالمسلمين فقط وكأنه لا يعرف سواهم. حيث ينصرهم في حروبهم وغزواتهم ولا يفكر بفلسطين كما يفكر بأرض الجزيرة العربية.
إنّ أتباع كلّ واحد من هذه الأديان يرون لأنفسهم حظوة خاصة عند الله ليست لدى الآخرين، ولكن إذا كان أتباع كلّ واحد من هذه الأديان يرون دينهم الحقّ المطلق والحقيقة المحضة ويرون أن النجاة من نصيبهم فقط دون الآخرين، ألا يعني هذا أنّ العالم يتحوّل إلى جحيم لا يطاق ؟
ونظراً إلى هذه النتيجة المؤسفة، يتحرك (جون هيك) من موقع الرؤية البعدية والانحصارية إلى الأديان بدلاً من النظرة القبلية البلورالية، فيتساءل في نفسه : هل أنّ أصدقائي من المسلمين أو اليهود مثلاً بعيدون عن رحمة الله واقعاً ؟ وهل أنّ الله لا يقبل لهم عملاً كما يقبل منّي أنا المسيحي ؟ فماذا فعلت أنا ولم يفعلوه ؟ هل أنّ عامّة المسيحيين أصدق وأفضل وأكثر التزاماً بالدين من عامة المسلمين واليهود ؟هل أنّ الصدّيقين والقِدّيسين بين المسلمين واليهود أقل من المسيحيين ؟ وهل أنّ ارتكاب المعاصي الكبيرة بين اليهود والمسلمين أكثر من المسيحيين ؟ هل أنّ تلك الأديان أولدت حضارات وثقافات أقل شأناً ؟
الحقّ والانصاف أنه لا يمكن القول بأنّ الثقافة المسيحية أفضل وأكثر ثراءً على المستوى الروحي والاخلاقي بالنسبة إلى الثقافات الدينية الاُخرى، والحقّ أنّ العلاقات التاريخية والظروف الزمانية والمكانية لكلّ واحد من هذه الأديان لا تسمح بإجراء مقارنة بين ثقافة وتاريخ هذه الأديان الثلاثة لنخرج بنتيجة تفضيل أحدها على غيرها. نعم يمكن القول إنّ لكلّ واحد منها نقاط ضعف وقوة ومحاسن ومعايب، ففي النصوص الوحيانية المقدسة لكلّ واحد من هذه الأديان الثلاثة هناك عبارات تتضمن أنّ الإنسان ينبغي عليه أن يحب للآخرين ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها «انجيل لوقا : 31، 6، التلمود البابلي، شبث 319، وصحيح مسلم : باب الإيمان : 2، 71، وسنن الدارمي باب الرقاق، ومسند حنبل : ج 3 ومقدمة سنن ابن ماجة».
وتمتاز الديانة اليهودية بأنها كانت مولد التوحيد في الغرب وقد قدّمت للبشرية شخصيات كبيرة في جميع المجالات الثقافية والعلمية، وبالطبع فهذا لا يعني تبرئة اليهود من وصمة العار في ظلمهم للفلسطينيين حين اتيحت لهم القدرة والقوة.
وتمتاز المسيحية أيضاً أنها تمكنت من ترويض مشركي أوربا ونقلهم من أجواء التوحش إلى أجواء التمدن وساهمت بالتالي في ولادة الحضارة الجديدة، ولكنها أيضاً حملت على عاتقها هذه المظلمة، وهي أنها كرّست بواعث العدوان ضد اليهود وساعدت الاستعمار الغربي في بلدان العالم الثالث.
ويمتاز الإسلام أيضاً بتاريخ مشرق وتأثير ايجابي كبير على حياة ملايين البشر حيث كان منبعاً لثقافة إنسانية غنية في مساحات واسعة من العالم، وبالطبع لا يخلو الإسلام بدوره من شامة في خدّه، وهي معاقبته للمجرمين في الكثير من الدول الإسلامية بعقوبات بشعة وغير إنسانية.
إنّ الحضارات الإنسانية التي افرزتها هذه الأديان الثلاثة وصعوبة قبول الحكم بالبعد عن رحمة الله في حقّ اتباع الأديان الاُخرى، وكذلك ما توصّل إليه فلاسفة المعرفة والانثربولوجيا في تحقيقاتهم لكيفية تحصيل المعرفة البشرية وتأثير المسبوقات الذهنية وايحاءات المحيط الإجتماعي في صياغة ثقافة الفرد دفعت «جون هيك» لقبول هذه الحقيقة :
عباراتنا شتّى وحسنك واحد.... وكلّ إلى ذاك الجمال يشير.
وقد اعتمد (جون هيك) في اطروحته هذه على مذهب «كانت» في الفصل بين الواقع والظاهر، أو بين «نومن» و«فنومن» أو بين الشيء لذاته، والشيء كما يظهر لنا. فهناك فرق بين الذات المقدسة كما هي في الأصل وبين الذات المقدسة كما تظهر لنا، ومن ذلك ندرك أنّ ظهور الحقّ في مظاهر مختلفة وتجليات متنوعة هو السر في اختلاف الأديان وهو الدليل على حقانيتها بأجمعها، وعلى هذا الأساس يصل إلى كثرة أصيلة في دائرة الأديان. ويقول : إنّ هذه الأديان عبارة عن ظهورات وصور وتجليات لإله واحد، فلعلّ الله تعالى تجلّى لأفراد البشر بطرق متفاوتة وانحاء مختلفة. ويواصل «جون هيك» مقولته هذه ويقول : إنّ يهوه، والله، والأب السماوي للمسيحيين كلّ واحد منهم يمثل شخصية إلهية تاريخية، وفي الحقيقة إنها تمثل حصيلة مشتركة من الظهور الكلي للذات المقدسة مع تدخل القوة المصورة للإنسان في ظروف تاريخية خاصّة. ويشير جون هيك إلى صياغة المذكر في التعبير عن الله في هذه الأديان التوحيدية وعلاقة ذلك بالثقافة البشرية القديمة لدى الأقوام البدوية التي كانت تعيش ثقافة الذكورية وسيادة الرجل، وفي المقابل نجد الآلهة المؤنثة للأقوام الهندية ما قبل الآريائية حيث تتناغم هذه الرؤية مع ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.
ربّما تكون مثل هذه المدارك مفرطة في الوضعية والتعسف، إلاّ أن ذلك لا يقلل من صلابة ومعقولية موقف (جون هيك) من التعددية. فمقصوده من جميع هذه الاستدلالات اثبات هذه الحقيقة، وهي «أنه ما لم تتصالح الأديان فلا أمل بالتصالح بين أبناء البشر، ولا يمكن ايجاد صلح بين الأديان إلاّ بالتصديق بهذا المعنى والمفهوم، وهو أنّ الأديان المختلفة عبارة عن انعكاسات وتجليات لحقيقة الالوهية الواحدة».
وليس من الانصاف أن لا نضيف أنّ (جون هيك) فيلسوف موحّد ولا يقبل بمقولة التثليث وتجسد الله بالمسيح، حيث يرى أنّ هذه المفاهيم عبارة عن استعارة وكناية لا أكثر ولكنّ شورى «نيقيّة» في القرن الرابع الميلادي قد أضفت عليها طابع الواقعية والحقيقة. وهكذا نرى أنّ (جون هيك) باتخاذه هذا الموقف الشجاع قد التزم بعقلانيته من موقع الوفاء لها، ومن جهة اُخرى استجاب لنداء وجدانه في تقريره لمبدأ التعددية.
المبنى الثالث: إنّ «جون هيك» يستشهد في كلماته بأبيات شعرية من ديوان جلال الدين الرومي، ونجد مثل هذه المفاهيم في أماكن متفرقة من ديوان المثنوي ومن ذلك قوله :
عندما أصبح عديم الألوان أسير اللون
صار موسى في صراع مع موسى
وعندما تصل إلى مرتبة عديم الألوان
فسوف تجد أنّ موسى متصالحاً مع فرعون.
فالحرب الظاهرية يقصد منها ايجاد الحيرة للناظر.
فلابدّ من العثور على الكنز في هذه الخرائب( ).
واعلم يا سليم القلب أنّ صراع موسى مع فرعون
إنّما هو من قبيل النعلين المعكوستين.
إنّ هذه الأبيات تتضمن اشارة إلى ظهور المطلق في المقيّد واللامتعيّن في التعيّنات، وعديم اللون في ظواهر الألوان، ومن جهة اُخرى تكشف هذه الأبيات عن سرٍّ آخر وهذا السر بدوره يمثل دعامة اُخرى لتأييد التعددية وتصحيح مسيرة البلورالية. وهذا المفهوم عبارة عن طريقة ثالثة لفهم وهضم مقولة التعددية «إلى جانب التعدد في مقام فهم المتون الدينية وفي مقام تفسير التجارب الدينية» إنّ الحرب والنزاع بين موسى وفرعون نزاع حقيقي وجديّ من جهة، ولكن من جهة اُخرى فهو نحو من أنحاء اللعبة وبمثابة «حرب الديكة» ومن أجل ايهام أهل الظاهر، وفي النهاية إلقاء الحيرة وفسح المجال لأهل السر والباطن ليمرّوا على اشكال النزاع الدنيوي مرور الكرام وبذلك يتمكنون من العثور على الكنز في هذه الخربة التي غفل عنها أهل الظاهر المشغولون بتكريس النزاع الديني. وفي حين أنّ أهل الباطن يرون الكنز في مكان آخر، إلاّ أنّ كلّ واحد من الخصماء يتوهم أن الكنز يكمن في صراعه مع الآخر ويرى الحقّ معه وأنّ الطرف الآخر على باطل وبهذه الطريقة يبعد الله تعالى غير المحارم عن الوصول إلى الكنز لفرط غيرته على الحقيقة.
هذه الرؤية تأخذ بنظر الاعتبار الجدية في النزاع بين الفرق والأديان، ولكنها تستنتج المعنى والغاية من خارج هذا النزاع لا من خلال انتصار طرف على آخر، فنتعلم من ذلك درساً آخر من هذا التعدد والتفرق، وهو أنّ كلّ تزاحم وصراع يقع في هذا العالم فالغرض منه إخفاء سرٍّ مهم وجوهرة ثمينة، فالعارف الحافظ للسرّ لا ينبغي أن ينخدع بهذه الظواهر وعليه أن يترك الناس مشغولين بالنزاع والصراع، ليتحرك على مستوى استخراج الكنز واكتشاف الأسرار واستلام الجوهرة الثمينة :
إنّ بين أهل الجبر وأهل القدر صراع مستمر.
وهذا الصراع يستمر إلى المحشر يا أخي.
إنهم اضاعوا الذوق في هذي الغموم...
ونقلوا ماء الحياة إلى الظلمات...
غرّد كالبلبل على الأزهار والورود..
لينشغلوا بالصوت عن عطر الورود.
المبنى الرابع: وينطلق مولانا جلال الدين الرومي في مكان آخر من ديوان المثنوي من موقع تفصيل هذه الحقيقة بشكل أوضح ويتقدم خطوة إلى الأمام لإزالة ستار آخر عن مسلك التعددية ويبحث عن طريقة رابعة لتعليل الكثرة والتنوع في ظاهرة الفرق والمذاهب الدينية ويقول :
إنّ الصاحب يعلم بوجود الكنز في الخرائب.
فلا تظن سوءاً أنه وضع النعل معكوساً بلا غرض.
إنّ الحقيقة غارقة في دوامة حقيقة اُخرى.
وهذا هو السبب في التفرق سبعين بل مائة فرقة.
فيفترض المولوي أنّ السبب في تفرق المذاهب وتعدد الأديان لم ينشأ من عامل التحريف ولا المؤامرة ولا دسائس المغرضين أو جعل الجاعلين أو كفر الكافرين «وبالطبع فكلّ هذه المسالك لا تخلو من تأثير في صياغة هذه الظاهرة» وبدلاً من أن يتحدث مولانا عن تراكم الضلالة على الضلالة، ذهب إلى مقولة تراكم الحقيقة على الحقيقة. فتراكم الحقائق هو السبب في ايجاد سبعين فرقة ومذهب، فالإنسان عندما يرى تراكم الحقائق فسوف يعيش أجواء الحيرة في اختيار وانتخاب حقيقة معينة، فالتنوع لا يعني حالة طارئة على حقيقة الدين بل يمثل حالة اصيلة وغير قابلة للاجتناب. ولابدّ من التركيز على هذه الحقيقة واستبدال الصورة والمنظر للحقيقة، فبدلاً من النظر إلى عالم المعنى على أساس أنّه عبارة عن خطّ واحد مستقيم ويتفرع منه مئات الخطوط المنحرفة، يجب أن ننظر إلى مجموعة الخطوط أنها خطوط مستقيمة قد تتقاطع فيما بينها أو تتوافق، فهنا ميدان تراكم الحقائق. أليس هذا هو ما ذكره القرآن الكريم عن صراط الأنبياء بأنهم «على صراط مستقيم» بمعنى أن كلّ واحد منهم يتحرك في أحد هذه الطرق والخطوط المستقيمة لا أنّ المقصود صراط مستقيم واحد ؟
إنّ المشكلة في نظر المولوي ليست في أنّ فئات من الناس لم تدرك الحقيقة وبقيت في وادي الضلالة، بل في أنّ الحقائق المكشوفة لهم كثيرة جدّاً ولذلك بقوا متحيرين بين هذه الحقائق ويعيشون عالم الجذبة وأجواء الكثرة والتعدد في اختيار الحقائق.
هذا المعنى أشرنا إليه ببيان آخر في نظرية القبض والبسط وهو أنّ الموضوعية العينية أوسع من مقوله الحقّانية، فالشخص الذي يعلم بأن صاحبه يملك مليون تومان ولكنه يجهل بأنه استقرضها، فعلمه بهذه الحقيقة صحيح من جهة، ومن جهة اُخرى فإنّ تصوره عن ثروة صديقه وغناه غير موضوعي وغير واقعي. ومن أجل أن تبقى هندسة المعرفة وفية للواقعية والموضوعية يجب أن تتوفر على جميع الحقائق المتعلقة بها. وفي غير هذه الصورة ستخون الواقعية.
وبعبارة اُخرى إذا كان الواقع بسيطاً وإذا كان الحقّ واحداً أو بضع حقائق في عالم الوجود لا غير، ولو لم تكن للواقع طبقات وأبعاد متعددة، ولو أنّ عالم الوجود لم يكن زاخراً بالأسرار والرموز، ولو أنّ جميع الحقائق والأسرار كانت قابلة للفهم والبيان بسهولة، ولو أنّ لسان البيان كان قادراً على افشاء الأسرار وتبيين الحقائق، لكان من اليسير تمييز الهداية عن الضلالة، أو الحقّ عن الباطل ولا مجال حينئذ لتبرير وجود الفرق والمذاهب بشكل معقول ومقبول، ولكن كثرة الحقائق واختلاطها فسح المجال بالضرورة لايجاد هذه الكثرة في ظاهرة الفرق والمذاهب، والسبيل الوحيد لنفي الكثرة نفي وجود الأسرار والحقائق الخفية وتبسيط الاُمور وتسطيح الواقع، وهذا بدوره يمثل عين السذاجة والسطحية.
إنّ مقولة التعددية التي بحثناها لحدّ الآن يمكن تسميتها بالتعددية الأصيلة أو الايجابية لأنها تبتني على أساس الاقتدار الفكري لدى الإنسان، فنحن تعدديون لأننا نمتلك الشيء الكثير من المعارف، ولأنّ المتون والتجارب الدينية تحتمل تفاسير متعددة بالطبع، وبما أنّ الحقيقة ذات بطون ومليئة بالأسرار وكثيرة الأضلاع، وبما أنّ الغيره الإلهية والقضاء الإلهي يوجبان التعدد والتخاصم، فمن هنا رضينا بالكثرة وتعاملنا مع تنوع الأديان من موقع القبول وليس لنا طريق آخر سوى هذا الطريق، فلا نرى أصحاب الفكر المخالف مستضعفين ومعذورين بل مقتدرين ومشكورين، وبالطبع فنحن نمنح العقل حقّه في الحوار والنقد العقلاني والجدال المنطقي ونعتبر ذلك جزءً من قضاء الله وغيرته.
بيدَ أنّ البلورالية الايجابية هذه تمتد في جذورها إلى مفهوم آخر، وهو أنّ البدائل الموجودة تعد من الأنواع المتميَّزة وغير القابلة للتبديل والتحويل إلى الآخر فلا يندرج أحدها ضمن الآخر ولا تجتمع خصائص أحدها مع خصائص الآخر. فكلّ واحد منها له سمات وخصائص معينة كالأجوبة الكثيرة الصحيحة على سؤال واحد والتي لا تقبل الادغام في جواب واحد، فالتجارب الدينية كثيرة واقعاً كالأنواع والطبائع، يعني أنّ التباين فيما بينها ذاتي، وكذلك الحال في تفاسير المتون وغيرها.
أمّا البلورالية السلبية فهي معقولة ومقبوله بدورها وتشير إلى مكان فارغ من شيء معين، فامّا اليقين، أو الحقيقة، أو عدم التلائم والانسجام وأمثال ذلك، وفي الحقيقة أنّ هذه البلورالية لا تمثل الأصالة، ولكنها مهمة وغير قابلة للاجتناب.
المبنى الخامس: هنا ينطلق مولانا جلال الدين الرومي ليستوحي فكرته من الكنوز العظيمة للتصوف ويفتح لنا الطريق، فهو يوصي حسام الدين بالتزام الحذر في سلوك الطريق المعنوي والروحاني ولزوم الاستعانة بالمرشد والشيخ، ويؤكد له بأنّ سلوك هذا الطريق بدون الاستعانة بالمرشد والقطب غير ممكن، ويضيف أنه حتّى الأشخاص الذين سلكوا هذا الطريق بدون مرشد أو شيخ ووصلوا في حالات نادرة إلى مقامات معنوية فإنهم في أعماق وجودهم كانوا يسترفدون من هدى المرشد ويجلسون على مائدة الشيخ:
إنّ كل مَن سار لوحده في هذا الطريق
فقد سار بمعونة الشيخ والمرشد
إنّ يد الشيخ لا تقتصر عن معونه الغائبين
لأنّ يده ليست سوى يد الله..
وعندما يهب الغائبين كل هذه المنح..
فلا شك أنّ الحاضرين أحسن حالاً منهم..( )
هذه الطائفة من الصوفية يطلق عليهم «الأويسيين» فصحيح أن سلوك طريق الهداية لا يمكن بدون وجود هاد، إلاّ أنّ هذا الهادي ربّما يكون مستوراً أحياناً وظاهراً أحياناً اُخرى، وأحياناً يكون قريباً واُخرى بعيداً. وعلى أية حال فإنّ عملية ارشاد طلاب الحقيقة يجب النظر فيها إلى الغاية القصوى، أي «النجاة في الاُخرى» فليس لمبدأ المسير حكم مستقل عن الغاية.
ويمثل المولوي هذا المعنى في مكان آخر بهذا المثال، لو فرضنا أنك أضعت جملك وطفقت تبحث عنه في كلّ مكان وتسأل من تجده عن ضالتك، فأحياناً تشعر بالسرور عندما تجد علامة معيّنة، وأحياناً تعيش اليأس ويدبّ في نفسك الكسل لسماعك كلمة عنه، وهناك شخص آخر يتحرك من موقع التقليد لك بدون أن يضيع له جملٌ فأخذ يسأل من الناس عن الجمل مثلك، فأنت تطلب ضالتك من موقع الطلب الحقيقي وذاك يطلبها من موقع التقليد الكاذب إلى أن وجدت ضالتك وعثرت على جملك. ولكن اتفق وجود جمل آخر إلى جانب جملك يعود صدفةً إلى ذلك المقلّد. فما أن يراه ذلك الرجل يتذكر جمله الذي فقده قبل مدّة، فيقول المولوي :
عندما سار الكاذب مع الصادق في الطريق
أصبح كذبه فجأةً حقيقةً وصدقاً.
وفي نهاية الطريق يتضح أنّ كلّ واحد من هذين الرجلين كان يسير على جادة الصواب والهداية والنجاة، ولكن أحدهما يتحرك من موقع التحقيق والآخر من موقع التقليد بل السخرية، ولكنّ يد العناية الغيبية أوصلتهما إلى المقصود والمطلوب، فالعين التي تنظر إلى الأفق البعيد ترى سيئات هذا المقلّد الساخر، طاعات كلّها (فأُولئكَ يُبَدلُ اللهُ سَيِّئاتِهِم حَسنـات)( )، فحاله حال اللص الذي يتوجه نحو السرقة، إلاّ أنه لا يعلم أنّ يد الغيب تحركه في خط الهدى والصلاح حيث يجد نفسه فجأة في بيته ومنزله، أو كالذي ينثر البذر من دون قصد وإذا به يحصل على حديقة جميلة:
قصد اللص منزلاً لسرقته
وعندما دخله وجده منزله
تحمل الشّدة والصعوبة حتى تصل إلى اللّين
لم يكونا جملين بل جمل واحد..
إنّ اللفظ ضيق والمعاني كثيرة( ).
وهكذا يؤخذ بيد الطالبين الصادقين في طريق الحقّ تحت كلّ راية وإلى أي مذهب انتموا ولإيصالهم إلى المقصد «وهذا هو المبنى الخامس» وليس فقط الصادقين من طلاب الحقّ بل حتّى الكاذبين المقلدين لهم نصيب وحظّ من الهداية، وهكذا نرى أنّ الكثرات المتباعدة في الظاهر تتّجه نحو التقارب، والسالكون يتحركون في مسيرتهم المعنوية باتجاه هدف واحد ويطلبون شيئاً واحداً وحتّى أنّ طالب الجمل الصادق والكاذب سيحصلان على ضالتهما، فالشرط الوحيد في هذا الطريق التحرك بعزم وحرارة والانطلاق بقوة لا أن يرضى الطالب بالجلوس في زاوية ويقنع بدراسة التعاليم الكلامية والفقهية الجامدة ويتصور لنفسه الهداية وأنه من أهل النجاة والسعادة.
هنا يكون التأكيد على صدق الطالب في حركته لطلب النجاة أكثر من صدق التعاليم المذهبية للسالكين، ويجري الحديث هنا عن المرشد الباطني واللامرئي أكثر من الحديث عن المرشد الظاهري والمرئي. وكأن جميع السالكين وجميع المتدينين من أتباع طريقة واحدة ويستمدون العون من جهة واحدة، ولكنهم يضعون لأنفسهم أسماء متعددة ويدّعون أنهم يسلكون طرقاً مختلفة وبذلك يتحركون من موقع الوهم في خط العداوة والخصومة فيما بينهم.
إنّ اختلاف الناس جاء من ناحية الاسم..
ولكن عندما يصل الإنسان إلى المعنى يحصل الوئام...( )
إنّ مثل هذه الكثرة في طريق السلوك الشاق تستوعب في أجوائها التنوع في الأديان والمذاهب، من جهة، وكذلك لا تتنافى مع ادعاء اتباع كلّ فرقة بأنّ الحقّ من جانبهم وأنّ النجاة من نصيبهم ظاهراً وباطناً وأن الآخرين يتحركون في طريقنا رغم غفلتهم وجهلهم. فنحن نفيض عليهم من هدايتنا ونسلك بهم طريق الحقّ وإن كانوا لا يعلمون، وبالتالي فالجميع من أهل النجاة ويصلون إلى هدف واحد. فالمسلمون يرون أنّ جميع السالكين طريق الحقّ هم من المسلمين وإن كانوا لا يشعرون في تفسيرهم لقوله تعالى (إنّ الدين عند الله الإسلام)ويرى المسيحيون مثل «كارل رانر» أن جميع السالكين في خط الحقّ والإيمان هم من المسيحيين في نهاية الأمر أو يمكن اطلاق عنوان المسيحيين المجهولين عليهم.
ويطلق «جون هيك» الذي تحدثنا عنه فيما سبق على هذا المسلك «القول بالكثرة الظاهرية» ويجعله في مقابل البلورالية «القول بالكثرة الواقعية» وهو مختاره في هذه المقولة. وبالطبع فإنه يتحدث أيضاً عن مسلك شمولي ثالث أيضاً بعنوان «نفي الكثرة» وينقل عن البابا يوحنا بولص الثاني أنه كتب في سنة «1979» يقول : «إنّ كلّ إنسان بدون استثناء مشمول لرحمة عيسى المسيح، وأنّ المسيح يتّحد مع كلّ إنسان بلا استثناء بنحو من الأنحاء ولو أنّ ذلك الشخص يجهل ذلك»( ).
المبنى السادس: وهذا المعنى نفسه يمكننا بيانه من خلال الاستناد إلى اسم «الهادي» لله تعالى، وهو «المبنى السادس»، فهنا لو نتساءل : قلنا بأن الشيعة هم المهتدون فقط من بين جميع الطوائف والأقوام المتدينة «مع اخراج غير المتدينيين» الذين يبلغ عددهم مليارات الأفراد، واعتبرنا اتباع هذا المذهب (أي الشيعة) وهم الأقلون، قد نالوا الهداية الإلهية وسائر الناس سلكوا طريق الضلال والكفر «في نظر الشيعة» أو قلنا بأنّ الأقلية من اليهود، وهم اثنا عشر مليون يهودي، هم المهتدون، والآخرون ليس لهم حظ من الهداية «بنظر اليهود»، ففي هذه الصورة كيف نتصور معالم الهداية الإلهية متجسدة على أرض الواقع ؟ ومَن مِن الأشخاص الذين يحضون بهذه النعمة الإلهية العامة وينالون لطف الله تعالى «الذي يعتمد عليه المتكلمون في اثبات النبوة»، وأين يتجلّى اسم الهادي على مستوى الخارج ؟ وكيف يمكن أن نصدّق أنّ نبي الإسلام بمجرد أن وضع رأسه على وسادة الوفاة فإنّ العصاة والغاصبين نجحوا في سرقة دينه من الناس وحرموا عامة المسلمين من فيض الهداية الإلهية واهدروا بذلك جميع اتعاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ؟ وعلى فرض أنّ بعض الأشخاص المعدودين كانوا يتحركون بدوافع حبّ الجاه والمقام ويواجهون الحقّ من موقع الخصومة فكيف أصبح الملايين من المسلمين (إلى نهاية التاريخ) بحالة لا تقبل معها طاعاتهم ولا يثابون على اتعابهم ويقبعون بانتظار سوء العاقبة ؟ ألا يعني هذا، الاعتراف بفشل الخطة الإلهية وعدم نجاح النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)في مهمته ؟ هل أنّ ظهور عيسى روح الله ورسول الله وكلمة الله «بتعبير القرآن» من أجل أن تشرك جماعة عظيمة من الناس ويعتقدون بمقولة التثليث ويبتعدون عن جادة الهداية والصواب ويتحركون على مستوى تحريف كتاب الله وكلام نبيّه ؟ فهل أنّ عيسى بهذا الاعتبار مضل أم هاد ؟ هل أنّه رسول الشيطان أم رسول الله الرحمن الرحيم ؟
بهذا المنطق ستعيش الأغلبية من عالم البشرية تحت سيطرة إبليس وسلطانه، بينما تقف منطقة صغيرة وحقيرة جداً في أجواء الهداية الإلهية، فالضالون والمنحرفون أكثر بكثير كمّاً وكيفاً من المهتدين، والأخيار من الناس هم أقليّة محضة، والأديان التي أرسلها الله تعالى لهداية الخلق قد مسخت بسرعة وبأدنى جهد بواسطة الشياطين. فأكثر الناس في الدنيا يعيشون بأديان محرفة أو ليس لهم نصيب من الهداية والخير اطلاقاً وبالتالي ليس لهم نصيب في الآخرة من رحمة الله ! !
إنّ هذه الملاحظات البديهية تدفع بالإنسان إلى توسعة دائرة الهداية والسعادة ليرى كيد الشيطان ضعيفاً كما يقول القرآن ويعتقد بأنّ للآخرين نصيباً من النجاة والسعادة والحقّانية، وهذه هي روح التعددية( ).
إن ما يقف عقبة في هذا الطريق هو ما يذكر في الكتب الدينية من عناوين الكافر والمؤمن، وهي مجرد عناوين فقهية دنيوية، حيث توجد نظائرها في جميع الشرائع والفرق. ولكنها تحرمنا عن رؤية باطن الاُمور وتسدل على بصيرتنا ستار الغفلة عن رؤية الحقيقة( ).
إنّ إزالة هذه العناوين الظاهرية في مقام التحقيق والنظر إلى الأُمور من خلال نافذة اسم «الهادي» لله تعالى والاعتقاد بأنّ الهداية والنجاة والسعادة الأخروية تتلخص في سلوك خط العبودية للحقّ والطلب الصادق للحقّ لا من خلال الميول الشخصية لهذا الفرد أو ذلك العمل أو الالتزام بنمط معين من الآداب والشعائر أو التحنّط في دائرة الاعتقاد بالحوادث التاريخية، والالتزام بالقشور بعيداً عن اللباب، وأخيراً أن ينطلق الإنسان في مسيرته المعنوية في إطار معرفة الذاتي والعرضي من الدين والفصل بين الشريعة والحقيقة ورؤية الشيطان في الحاشية والقشرة لا في المتن (ولا يَحسَبَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أنَّهُم لا يُعجِزُونَ)( ).
هذه كلها تعتبر مفتاح حل المشكل، وهضم وقبول ظاهرة الكثرة يتلخص في هذا الاطار، وعلى هذا الأساس فإنّ البلورالية لا تعني سوى الاذعان برحمة الله الواسعة والاعتراف بنجاح الأنبياء في مهمتهم الرسالية وضعف كيد الشيطان ورؤية رحمة الله الواسعة منبسطة في جميع أرجاء عالم الوجود.
إنّ كلامنا لا يعني تخلي اتباع الأديان والمذاهب المختلفة عن العمل بمعتقداتهم وشعائرهم الدينية وفرض نمط واحد من الأعمال الدينية على الجميع بدون مبرر، بل في لزوم النظر إلى الكثرة واختلاف الشعائر والعقائد من زاوية اُخرى، فلا نحصر جوهر الهداية الإلهية في التعاليم الكلامية والأحكام الفقهية فقط، ولا ينبغي أن نتصوّر أنّ مجرّد امتلاك بعض المعتقدات الذهنية الخاصة «سواء لدى الشيعة أو السنّة أو البروتستانت أو الكاثوليك،...» بأنّ ذلك يكفي لصدق عنوان المهتدي ويكفي للنجاة في الآخرة وأنّ سائر الناس غارقون في وادي الضلالة والانحراف عن الحقّ، بل ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار العمل والطلب والتحرك في هذا الاتجاه. ولا نتصوّر أنّ الشيطان غالب والله مغلوب، بل لابدّ من مطالعة طرق الحقّ الخفية والمستورة في عملية هداية الخلق لا سيّما إذا اعتقدنا بأفضلية الفضائل الاخلاقية على العقائد الفكرية والأعمال الدينية.
هذا المعنى من التعددية يدخل في دائرة التعددية السلبية، لأنها (كما في قصة موسى والراعي) لا تأخذ بنظر الاعتبار الحقّ والصدق في التعاليم الكلامية، بل تؤكد بصورة على عنصر النجاة والسعادة والطلب الصادق في عملية الهداية الربانية للإنسان، وبذلك تقبل الكثرة والتنوع لا من موقع مجرد الكثرة بل من موقع ذوبانها في الوحدة.
المبنى السابع: ويمكن اضافة مبنى آخر لما نحن فيه، وهو أنّ عدم الخلوص في اُمور العالم لا يمكن انكاره، فلا شيء في هذا العالم يعكس حالة الخلوص في نفسه، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة بقوله : (أَنزَلَ مِنَ السَّمـاءِ مـاءً فَسَالَت أَودِيَةٌ بِقَدَرِهـا)( )، وهكذا بالنسبة إلى الحقّ والباطل، فلا يوجد لدينا حقّ خالص ولا باطل خالص وإلاّ فلا يتحرك أي إنسان باتجاه الباطل ويترك الحقّ ولكن كما يقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان»( ).
الكلام ليس في أصل الأديان الإلهية وأنها عين الحقّ، بل في فهم الناس وفي ظاهرة المذاهب الدينية المختلفة التي تحتوي دائماً على مقدار من الحقّ والباطل، الواقع أنه على فرض أنّ أحدى الفرق الدينية تمثل الحقّ الخالص وسائر الفرق الاُخرى هي الباطل المحض فلا يوجد عاقل يتردد في تمييز الحقّ من الباطل وفي انتخاب المذهب الحقّ، ولكنّ ما نراه من حالات النزاع الديني في العالم «سواء في داخل دائرة الدين أو خارجها» يحكي عن ثبات حالة الصراع والوصول إلى طريق مسدود في عملية الفرز والتمييز، فلا يوجد من يرضى بتغيير عقيدته إلى عقيدة اُخرى إلاّ نادراً، وذلك بسبب أنّ كلّ إنسان يرى في عقيدته جمالاً ورسوخاً وصدقاً وحقّاً بحيث تمنحه القدرة على تحمل بعض النواقص المحتملة في هذه العقيدة، وفي نفس الوقت يرى في عقيدة الطرف المقابل اشكال القبح والبطلان والزيغ بحيث تغطي تماماً على وجوه الجمال والكمال فيها. في هذا العالم لا نجد قومية خالصة ولا لغة خالصة ولا دين خالص. فعندما تسأل علماء الطبيعة عن هذا الموضوع فسيعترفون لك بصراحة أنه لا يوجد شيء خالص في جميع موارد الطبيعة، وبسبب هذا الازدحام والتزاحم الشديد والغليظ بين مختلف مساحات الطبيعة لا نجد لحدّ الآن قانوناً علمياً صادقاً ودقيقاً مائة بالمائة.
ليس التشيع هو الإسلام الخالص والحقّ المحض ولا التسنن (رغم أنّ اتباع هذين المذهبين يرى كلّ منهما الحقّ بجانبه) ولا المذهب الأشعري يمثل الحقّ المطلق ولا الاعتزالي، ولا الفقه المالكي ولا الفقه الجعفري، ولا تفسير الفخر الرازي ولا تفسير الطباطبائي، لا الزيدية ولا الوهابية، لا عقيدة المسلمين نقية من الشرك ولا عقيدة المسيحيين، إنّ العالم الدنيوي مليء بالهويات الملوثة وغير الخالصة فلا يوجد حقّ صريح وخالص من جهة، وباطل كثيف وخالص إلى جهة اُخرى. وعندما نذعن لهذه الحقيقة فستكون الكثرة أقرب إلى الهضم والمقبولية.
إنّ لأصحاب كلّ فرقة ومذهب الحقّ في البقاء والاستقامة على طريقتهم ومذهبهم. فليس المقصود من التعددية نفي المذهب الشخصي للفرد، بل المقصود تحقيق رؤية أفضل إلى المذهب وهضم هذه الحقيقة، وهي أنّ الكثرة أو التنوع أمر طبيعي وبشري وغير قابل للاجتناب، وليس المراد امضاء مقولة النسبية بين الحقّ والباطل، فنحن لا نرى أنّ الحقّ والباطل يفتقدان إلى معنى مستقل وأنّ كلّ فرقة لها الحقّ في كلّ ما تدّعي وتزعم، بل نقول إن هذا العالم هو عالم عدم الخلوص في كلّ شيء، سواء في عالم الطبيعة أو عالم الشريعة، وسواء في ذلك الفرد أو المجتمع. والسرّ في عدم الخلوص والنقاء هو بشرية الدين، فعندما ينزل مطر الدين الخالص من سماء الوحي على أرض الفهم البشري فسيتلوث بافرازات الذهن، وعندما تتحرك العقول لغرض فهم الدين الخالص فانها تقوم بخلطه بما لديها من أفكار وقيود وتعمل على تلويثه، ولذلك نرى أنّ التديّن يجري بين الناس كالماء الملوث إلى يوم القيامة، وهناك، أي في يوم القيامة، سيحكم الله بين عباده في ما يخصّ اختلافاتهم (وإنّ رَبَّكَ لَيَحكُمُ بَينَهُم يَومَ القِيـامَةِ فِيمـا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)( ).
يقول المولوي:
إنّ هذا الماء العذب وذلك الماء المالح
سيجريان في عروق الخلائق حتى نفخ الصور( ).
وليس الخلل في فهم الدين فحسب، بل يمتد إلى الدين نفسه حيث تمّ جعل الكثير من الأحاديث على لسان رسول الله وأولياء الدين ممّا جعل علماء الدين يواجهون صعوبة كبيرة في تمييز الصحيح من السقيم من هذه الأحاديث. فما وصل إلينا من النصوص الدينية «مجموع الكتاب والسنّة» لا يمثل الوحي بأجمعه ولا أنه خال من الوحي بأجمعه «أي أنه غير خالص» فما أكثر الروايات التي لم تصل إلينا، وما أكثر الروايات الموضوعة التي بقيت في أيدينا، وما أكثر الأسئلة والأجوبة التي بامكانها كشف الغبار عن حقائق مهمة لم يسألها الأصحاب من النبي (صلى الله عليه وآله)والأئمّة (عليهم السلام) أو سألوا عن مسائل معينة ولكنهم لم يجيبوا عنها بسبب التقية أو بسبب آخر.
أليس من العجيب أن فقهاء الشيعة ومن أجل اثبات الولاية المطلقة للفقيه واثبات هذا الأمر المهم والعظيم للحكومة الدينية يتمسكون برواية «عمر بن حنظلة» الذي يشك في وثاقته كثير من علماء الرجال؟! وبالنسبة إلى مضمون الرواية فهي تتحدث عن سؤال يتعلق بخصومة جزئية في دائرة الميراث، والكلمات الواردة في هذه الرواية تحتمل وجوهاً ومعان متعددة وخاصة في كلمة «حكم» أو «حاكم» ! وأيضاً فإنّ دلالة الرواية على المقصود غير واضحة وغير اجماعية، من هنا يحق للإنسان أن يتأمل كثيراً في كيفية استخراج الحقيقة الخالصة من النصوص، وكيف أنّ العلماء يأمرون أتباعهم بسلوك هذا الطريق على اعتبار أنه من الدين الخالص !! ونتساءل : لو لا حدوث نزاع بين شخصين حول الماء والعقار والميراث، ولولا أنهما سألا الإمام هذه المسألة، فهل يبقى بيان هذا الأمر المهم للحكومة الدينية معطلاً ومجهولاً ؟ وكيف توقف هذا الأمر الذاتي للدين على أمر عرضي وتاريخي ؟ وإذا كان الأمر كذلك (على فرض أننا قلنا إنّ بيان أمر الحكومة يعدّ من ذاتيات الدين ومن منظومة توقعاتنا من الدين).
فهناك روايات كثيرة اُخرى لم يبق لها أثر في هذا الباب بحيث جعلت العلماء الكبار يعيشون التشويش والترديد في مسائل مهمة، فبعض علماء الشيعة «مثل علي بن إبراهيم القمي، ثقة الإسلام الكليني، المحدّث النوري» يقولون بتحريف القرآن وقد ذهبوا إلى جواز ورود التغيير والنقص في القرآن، ألا يدلّ ذلك «من منظور ابستمولوجي ومن معارف الدرجة الثانية» أنّ مساحة تدخل البشر في ميدان التعاليم الدينية واسعة «وعلى الأقل بادعاء المحدّثين» وأنّ تلاوة قرآن محرّف يتقاطع مع التزام المسلمين الديني ؟ ألا يعني النجاح الذي حققه سلاطين الجور في عملية حصر أئمّة الشيعة وعدم السماح لهم بنشر آرائهم بحرية، حرمان الشيعة من تعاليم دينية كثيرة «بل باعتقاد الشيعة حرمان جميع المسلمين» ؟ وعلى فرض أن عمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد امتدّ لسنوات أكثر وحدثت وقائع تاريخية مهمة أكثر في حياته الشريفة، ألا يلزم من ذلك أن يكون حجم القرآن أكبر ممّا هو الموجود فعلاً ؟ ألم يتحرك القرآن في نزول الوحي تزامناً مع حوادث ذلك الزمان ؟
كلّ هذه الاُمور تشير إلى أنّ الدين عندما يدخل التاريخ البشري فإنّه يرتدي حلّة تاريخية وبشرية ويتعرض لتصرفات أذهان البشر وسلوكياتهم، وبالتالي ستغطي الحجب صفاء الحقائق القرآنية فينقص أو يزاد فيه. وما يتبقى من ذلك فهو الحدّ الأدنى من المعنوية والهداية المعروضة على الناس، وهذا هو ما أشار إليه القرآن الكريم من المعنى الدقيق لتنزيل الكتاب، وهذا هو مصير كلّ دين ومذهب، بل مصير كلّ موجود يتحرك باتجاه خرائب التاريخ والطبيعة ويرتدي لباس البشرية والمادية، وأوّل ما يطرأ على الدين هو خضوعه لعنصر اللغة التي يتحدث بها اُولئك الناس «العربية، العبرية، اليونانية» وخضوع النصّ لضرورات المفاهيم التي تحملها الألفاظ والكلمات في تلك اللغة، وبعد ذلك تثار أمواج كثيرة اُخرى تعمل على محاصرة الدين وتكشف عن هذه الحقيقة، وهي أنّ الدين «كان سهل المنال في البداية إلاّ أنه تعسّر في النهاية».
إنّ مثل هذا الدين لا يمكن ولا يصحّ تحميله أكثر من اللازم ولا يصحّ انتزاع وعود كثيرة من نصوصه، ولا يمكن خلق سلوكيات كثيرة بالاستناد عليه، وهذا المعنى من تواضع الدين يجعل كلماته وتعاليمه ميسورة ومقبولة ويفتح الباب أمام التعددية الإنسانية والدينية، إنّ ادعياء الحصر والمغرورين بمقولة الوحدة في حقانية الدين والمتدثرين برداء الأنانية والفردية الذين لا يمتلكون القدرة واللياقة على الجلوس مع الآخر في تفاعل ثقافي مشترك، يعيشون مرارة الحرمان من المحبّة دائماً في عرصات الحياة الاجتماعية.
المبنى الثامن: ولا تنتهي القضية عند هذا الحدّ، فالبلورالية السلبية لها مبنى آخر ودعامة اُخرى وهي «المبنى الثامن» الذي يتمثل في تعارف جميع الحقائق، فلا يوجد حقّ يتقاطع تماماً مع حق آخر، فجميع الحقائق تسكن في صالة واحدة وتمثل نجوماً وكواكب في مجرّة واحدة. وهذه الملاحظة البديهية المنطقية، أوّلاً : تنقذ الحقّ من التموضع والتلوّن بصبغة الغرب أو الشرق، الرجعية والتقدمية، وبذلك تفسح المجال لطلاب الحقّ ليطرقوا أبواباً عديدة ويسلكوا طرقاً مختلفة في عملية نيل الحقيقة.
وثانياً : تدعو العلماء وطلاب الحقّ لوزن حقانية ما لديهم باستمرار من خلال عرضها على حقائق الآخرين. ومضمون هذا الكلام هو لزوم اتباع هذه القاعدة: وهي أنّ الفكرة الحقّة ينبغي فهمها ودركها بالتزامن مع فهم الأفكار الحقّة الاُخرى، ولذلك كان من الواجب على كلّ محقق طالب للحقّ أن يستمر في حلّ جدوله من خلال النظر إلى الحقائق والموازين المتداولة في هندسة المعرفة لا أن يجلس قانعاً بما لديه من الحقّ «المزعوم» ومن دون اطلاع على ما لدى الآخرين. ومدلول هذا الكلام هو أنّ جميع الأفراد يشتركون في بناء صرح المعرفة الشامخ، بل يجب على الجميع أن يشتركوا في عملية البناء هذه ويتحملوا مسؤولية تشييد هذه العمارة، فلا ينبغي على الآخرين أن يلقوا بأقلامهم ويتصوروا أنهم مستغنون عن الآخرين في بناء المعرفة لأنّ رؤية الاستغناء هذه مخالفة لآداب الميسر في طلب الحقّ. إنّ الطالب للحقّ يرى نفسه دائماً في الطريق وفي حال السلوك وبناء هذه العمارة، فلو كنّا من طلاب هندسة الحقيقة فينبغي علينا أن نضع لبناتنا إلى جانب لبنات الآخرين، ولو أننا قنعنا بما لدينا من معايير ناقصة للحقيقة، فيجب علينا أن نحترم المعايير الناقصة لدى الآخرين، وعلى أية حال فلا طريق أمامنا سوى قبول الكثرة.
المبنى التاسع: ولكن إذا كانت الحقائق ترتبط فيما بينها بعلاقة القرابة ورابطة التناسب والانسجام، فإنّ القيم والفضائل والآداب ليست كذلك قطعاً كما يرى ذلك بعض المعاصرين، فالتقاطع والتعارض المستحكم موجود بينها «وهذا هو المبنى التاسع»، فالكثرة هنا عبارة عن كثرة واقعية ومتجذرة ولا يوجد أي برهان يقرر، على سبيل المثال، أنّه بالإمكان الجمع بين العدل والحرية بصورة تامّة، بل إنّ جميع التجارب البشرية شاهدة على التعارض فيما بينهما، ولذلك يصل الأفراد والمجتمعات البشرية في نهاية المطاف إلى مقولة التخيير فيختارون إحداها دون الاُخرى. وهذا الاختيار لا يقوم على برهان ودليل بل علّة وسبب، وما دامت الأسباب والعلل باقية وذلك التعارض مستمر فالتخيير بدوره باق أيضاً ومستمر. وعلى حدّ تعبير «آيزايا برلين» فإنّ بعض الأسئلة تتضمن عدّة أجوبة غير قابلة للجمع. وعليك اختيار الجواب( )، وكما يقول «عزيز الدين النسفي» : لا يعلم أيها الأفضل : الرضا والتسليم والتفرج، أم العزلة والقناعة والخمول فلا أعلم يقيناً أيّاً من هذه الحالات والصفات أفضل ولم اتمكن من ترجيح أحد الخيارين لحدّ الآن، ولا أتمكن من ذلك في المستقبل( ). ليس من المعلوم أنّ صفة الكرم أفضل من الشجاعة، وليس من المعلوم أنّ كون الإنسان مجاهداً أفضل من كونه عفيفاً، أو شاكراً وصابراً، أو قانعاً وزاهداً، أو حكيماً وغير ذلك، بل لا يعلم امكان جمع كلّ هذه الفضائل في شخص واحد «إلاّالنوادر احتمالاً»، فلا يمكننا طلب كلّ شيء، ولا يوجد في تاريخ الشخصيات الكبيرة من حوى كلّ هذه الصفات، فسماء التاريخ زاخرة بالنجوم والسماء جميلة بهذه الكثرة من النجوم المتلألئة، وهكذا بالنسبة إلى خلو أفراد البشر من جميع الرذائل حيث لم يثبت امكان ذلك أيضاً، بل إذا اعتبرنا السيئات الفردية حسنات جمعية «كما يقول ماندويل» فإنّ قصة الأخلاق والبشرية ستأخذ مجرىً آخر. وأكثر ذلك فإنّ الحكم على التعقيدات الأخلاقية الخاصة لا يكاد يأخذ طريقاً واُسلوباً واحداً بل يمتاز بالكثرة الواقعية والتعارض، فالشخص الفقير الأعمى الذي يرى أطفاله في معرض الهلاك من الجوع، هل يجوز له أن يسرق من شخص فقير آخر يعيش أطفاله الجوع وفي معرض التلف أيضاً ؟ لماذا نرجح أطفال الثاني على الأوّل ؟ هنا نرى أنفسنا أمام خيارين : فإما أن نقرر حسن السرقة والصبر معاً، أو نرفضها معاً، أو نرجح أحدهما على الآخر بلا دليل «وبدافع العلّة والسبب».
إنّ حياتنا اليومية حافلة بمثل هذه التناقضات، وأساساً فإنّ موارد الغلبة في مثل هذه الاُمور هو الحيرة، حيث يذوق الإنسان فيها طعم الترديد والاختيار الواقعي، إنّ النماذج البسيطة التي تتقبل وضوح الحكم الأخلاقي في موارد التزاحم قليلة جداً (لو لم نقل أنها معدومة) إنّ الكثرة في هذه الموارد كثرة غير قابلة للاجتناب حيث يعود ترجيح أحد الأطراف والعمل به لأسباب معينة (كالفقر التربية، الجرأة، الشخصية و...) إلى التعارض الذاتي بين القيم لا إلى المرجحات الأخلاقية. إنّ هذه البلورالية القيمية والعليّة الناشئة من فقدان الدليل والتعارض الذاتي بين القيم وإفساح المجال بالتالي للتخيير، هي في الحقيقة عين الحياة، حيث يعيش الناس بالفعل في قلب هذه الكثرة، والواقع أنّ كل إنسان يمثل عالماً قائماً بنفسه وأركان شخصيته وكمالاته الفردية، وهذا الاستقلال وكثرة العوالم يتجلّى أكثر فأكثر في نطاق تعددية القيم والثقافات.
هذا هو معنى عدم جواز المقارنة بين الثقافات حيث يقوم صرح التعددية الثقافية على هذا الأساس، وبعد قبولنا للتعددية الثقافية والأخلاقية فلا يوجد بون شاسع يفصلنا عن التعددية الدينية، وهذا المعنى من التعددية يجب أخذه بنظر الاعتبار بجدية ودقّة، فرغم أنه يمثل التعددية السلبية من جهة اعتماده على فقدان الدليل، ولكن من حيث استناده إلى مقولة التباين والتعارض والتساوي الذاتي بين القيم «في صورة القبول» يتحصل لدينا تعددية إيجابية وأصيلة، ومفادها في الأصل هو أننا نعيش التنوع في الحياة والتنوع في النماذج المقترحة للحياة «بعد طرد الأنواع الذميمة»، حيث تقف هذه النماذج والأنواع على قدم المساواة وعدم امكان اختزالها إلى نوع واحد كما في مقولة التعددية في تفسير التجارب الروحية والطبيعية بالضبط حيث توجد دائماً عدة نظريات متنافسة ولا يمكن ادغامها واختزالها إلى نظرية واحدة «بعد طرد النظريات الباطلة».
وهكذا الحال في الإنسان حيث يرى الحكماء أنّ كلّ فرد من الإنسان نوع خاص ولا يمكن لكمال أيّ إنسان أن يكون كمالاً لآخر، ولذلك لا يكون إنسان مثالاً وقدوة لشخص آخر بشكل تام، وحينئذ يتحصل لدينا أكثر من إنسان كامل (خلافاً للفهم السائد لدى المتصوفة عن الإنسان الكامل)، ولهذا السبب لا يمكن أن نطلب من الناس أن يكونوا على شاكلة واحدة ويمتلكوا فضائل وملكات متكافئة ويتحركوا في صراط واحد، إنّ مثل هذه البلورالية أصيلة وواقعية أيضاً وتقوم على أساس التباين الجوهري.
وكذلك فإنّ الظروف الروحية والشخصية والوجودية لكلّ فرد تنبع من ذات الفرد تماماً ولا تماثل ظروف شخص آخر، فاشكال الترديد والاضطراب والعشق والإيمان في أفراد البشر متفاوتة ومتباينة بالذات، ولذلك فانّ كلّ إنسان يعيش في الواقع وحيداً ويحضر عند بارئه لوحده، وكلّ إنسان يولد وحيداً ويعيش وحيداً لوحده ويموت وحيداً ويحشر أيضاً وحيداً (لَقَدْ جِئتُمُونـا فُرادى كَمـا خَلَقْنـاكُم أَوَّلَ مَرّة)( ).
إنّ الكشف عن هذا التوحّد وهذه الفردانية يمثل نقطة البداية في اكتشاف حريات جديدة، الحرية من الذوبان في الكلّ والكلّي، والعثور على الذات الأصيلة للإنسان وعالمه الخاصّ ودينه الخاصّ وأخلاقه الخاصّة وتعقيداته الخاصة في حياته واُسلوبه الخاص لمعالجة هذه التعقيدات، إنّ العثور على الذات في كلّ لحظة بمنزلة محور التقاء عناصر الامكان وأشكال الاختيار اللامتناهية، وهذه هي الحرية الواقعية المبتنية على التعددية الواقعية، إنّ «الفردانية» في اوربا القائمة على نفي الكليات تعد رائدة للتعددية. فهنا نرى أنّ أصالة الوجود بنفيها الماهيات «التي لا يكون الكلّي الطبيعي شيئاً آخر سواها» بمقدورها أن تكون مبشرة بهذه التعددية.
المبنى العاشر: إنّ التعددية السببية تتضمن مدلولات اُخرى أيضاً، فإنّ أكثر المتدينين يقوم تديّنهم على العلّة لا الدليل. فليس جميع المسيحيين على سبيل المثال اعتنقوا المسيحية من خلال المقارنة بين الأديان والمذاهب وأذعنوا لحقانية المسيحية من موقع الدليل، فالغالب في ايمانهم هو إيمان وراثي وتقليدي، وهذا الحكم يستوي فيه الزرادشتيون والمسلمون واليهود وغيرهم، فالمسيحي لو ولد في مجتمع إسلامي لصار مسلماً وبالعكس، ولسان حال جميع المتدينين «بل جميع الناس في العالم» هو : (إِنّا وَجَدنـا آبـاءَنـا عَلى أُمَّة وَإِنّـا عَلى آثـارِهِم مُهتَدُونَ)( ).
وليس عوام الناس فحسب، بل رجال الدين أيضاً. إنّ رجال الدين في كلّ مذهب بصورة عامّة هم خدمة ذلك المذهب ويتحركون على مستوى درس وتدريس تعاليم ذلك المذهب الذي ولدوا فيه وعاشوا في أجوائه ويسمون هذا علم الدين. هؤلاء في الواقع مقلدون، والنوادر من المحققين من يتحرر من عنصر التحسين والتقبيح والتقليد في مجال الدين ولا يهتم بالآداب والعادات الفكرية والعملية لمحيطه الاجتماعي وزمانه الذي يعيش فيه ويتحرك بحرية حقيقية في مجال المعتقد ويذعن للحقيقة والحكمة من موقع الدليل. هؤلاء فرسان بوادي التحقيق وحيتان بحار المعرفة لا تستوعبهم الأحواض الصغيرة للمذاهب والمسالك المتعارفة، بل إنّ كلّ واحد منهم مذهب برأسه، هؤلاء أصحاب مقولة «حدثني قلبي عن ربّي» ولا يعلم بسّرهم ومكنوناتهم سوى الله تعالى. فإذا كان هناك يقين وسكينة بين البشر فتوجد عند هؤلاء فقط، وسائر الناس يعيشون الجزمية والتعصب والسذاجة والجمود والدوغمائية.
أجل، إنّ حكم المتوسطين هو أنهم يتحركون من موقع العلّة ويعيشون في أسر الأسباب أكثر من التزامهم بالدليل، والمجتمع البشري مليء بهؤلاء المتوسطين الذين يخضعون لحكم العرف والتقليد والماضي والبيئة والمعيشة والغضب والشهوة أكثر من حكومة الدليل والقرينة والبرهان والحجة. فهم محكومون بعنصر الجبر لا بعنصر الاختيار، وأكثرهم معذورون لا مسؤولون، فنراهم يعيشون رسوخ الجزمية أكثر من اليقين، وتغلب عليهم الخصومة أكثر من المداراة، فأنّى لهؤلاء المتوسطين والمجبورين والمقلدين والمسجونين «وهم نحن» أن يفتخروا على الآخرين في حين أنّ أحدهم يلعن الآخر ؟ إننا أجدر بالمواساة والرحمة والتواضع من أن نعيش التكبر والعداوة والخشونة. ما للأسير ومزاعم الأمير، ولا توجد حرب أكثر وهمية من حرب الأسرى الذين يدّعون لأنفسهم الامارة.
نصل إلى ختام هذا البحث، وأجد من اللازم اضافة نقطة مهمة، وهي أنه بالرغم من أنّ علم الكلام يخوض أحياناً في مواضيع فارغة ويتضمن سجالات غير مثمرة، إلاّ أنه استطاع ابقاء بصيص التعقّل مشتعلاً باستمرار وجعل من العقلانية متاعاً يجب شراؤه بأية ذريعة وحجّة. أجل فإنّ الدين التعقلي والكلامي لا يمثل الغاية القصوى للتديّن. ونعتقد بأنّ الدين الذي يقوم على التجربة والكشف القدسي في مرتبة أعلى وأسمى منه، ولكن هذا المعنى من الدين إنما يكون للخواص والنوادر، وهكذا نرى أنّ المتكلمين باشعالهم نار الاستدلال في مسائل العقيدة استطاعوا التقليل من صقيع الجزمية المدمّر للعقلانية وتمكنوا من تزويد تنور التعقل بالوقود. إنّ الدين الكلامي أفضل وألطف مائة مرّة من دين العوام والمقلدين فهو يربي في بطنه كثرة لا يوجد أثر لها في صحراء دين العوام. هذه الكثرة والتعددية قائمة على الظنّ لا اليقين وتمثل البلورالية السلبية لا الايجابية. بخلاف كثرة انماط الإيمان والتجارب والمكاشفات الدينية التي تعتبر كثرة مقترنة مع السكينة واليقين والاطمئنان «البلورالية الايجابية» فالعقلانية تولّد الظنّ، وبالتالي فالعقلانية تفضي إلى نوع من التشكيك السالم والمفيد.
إنّ حالة التعقل، كما يشهد بذلك تاريخ علم االكلام والفلسفة والفنون المعقولة الاُخرى، تولّد الظنّ والمشاجرة والجدل أكثر ممّا تولّد اليقين والسكينة والسلام، وهذا المعنى رغم كونه يمثل متاعاً قليلاً لمن يتحرك في خطّ العشق والعرفان، إلاّ أنه يمثل خيراً كثيراً لمن يتحرك في خطّ العقل والتعقّل. وأيضاً بشهادة التاريخ عندما جرى علم الكلام الديني بقوة ارباب الشريعة أو بوسوسة أصحاب العشق والعرفان فإنّ التعصبات المهلكة والمدمرة ابتلعت التديّن المظلوم بشكل مؤسف.
إنّ الحوار الكلامي والسجال الفكري بين المذاهب وعدم «انعقاد» العقائد الدينية وبقاء سيولتها وقبولها للتساؤل وعلامات الاستفهام كانت دائماً موهبة لا ينبغي التفريط بها، إنّ الدين يتضمن شريعة ولا يمكن التحدّث عن التقارن بين الشرائع، فكلّ طائفة من المقلدين يجب عليهم العمل بالآداب والأحكام التي يأمر بها المفتي، ولا يوجد أي فقيه لحدّ الآن رفع لواء البلورالية ونادى بقبول التعددية. فهذه المقولة جاءت من جانب المحقّقين إمّا من أصحاب العقول أو أرباب العشق، إمّا بالكسب أو بالكشف، ولذلك فالدين الكلامي والدين الكشفي يفتحان الباب على نوعين من البلورالية : بلورالية مؤسسة على الظنّ، وبلورالية مؤسسة على اليقين. فعلم الكلام مع كلّ قدرته الذهنية والعقلية لا يخلق في الإنسان سوى الظن. وأفضل شاهد على ذلك ما نجده لدى فلاسفتنا الذين ينظرون دائماً إلى المتكلمين بعين التحقير ويرون في مقدمات أدلتهم أنها خطابية وجدلية وقائمة على المشهورات وليست أولية وذاتية وضرورية. وبالطبع فإنّ المتكلمين بدورهم ينظرون إلى الفلاسفة بهذا المنظار أيضاً.
أجل فإنّ الاستدلال هو عين دعوة المخاطب إلى النقد وقبول النقد، ففي ميدان الكلام يعترف برسمية المخالف والمنافس فيما يمثل أدب المقام ويعد طرح آراء المخالفين شرطاً ضرورياً للدخول إلى هذا الميدان. فتنوع طرق الاستدلال وتنوع الشبهات وتنوع الفرق الكلامية في هذا الميدان يمثل مادّة وحصيلة للتفاعل الكلامي بين المتكلمين، إنّ هذا التنوع وهذه الكثرة ورواج هذه المشاجرات والسجالات الكلامية لا تسمح للذهن بالهدوء ولا تمنح القلب يقيناً، ولذلك يقول المتصوفة بأنّ أرجل الاستدلال الخشبية لا تستطيع فتح قلعة اليقين والوصول إلى قمّة الشهود، ولكنّ نفس الاعتراف بالتنوّع والاعتراف بالظنّ العقلاني والعقائدي له قيمة خاصّة في تقليل حدّة الجزمية والتعصب المذهبي للمقلدين والقشريين والجهلاء الذين يتنطعون بالعلم، فبما أننا لا نعلم يقيناً لمن الحقّ ومن يكون رأيه مصيباً فاننا نحترم الجميع ولا نعمل على الغاء الآخر واخراجه من حلبة السباق «البلورالية الابستمولوجية».
عندما نرى مجتمعنا يتقبّل مقولة البلورالية ببطء ولا يتفاعل معها بسرعة فانّ ذلك بسبب ضعف التيار الفلسفي وخاصة الكلامي بين المسلمين، لأنّ البعض يرى أنّ رواج البحوث الكلامية يؤدي إلى ضعف عقيدة العامّة ولا يتصور أنّ عقائد العامّة لم تؤخذ من هذه البحوث الكلامية لتؤدي إلى ضعفها وذبولها، وفي هذا الحال فانّ المسؤولية الكاملة تقع على عاتق العلماء وأولياء الدين لا العوام والمقلدين، فيجب عليهم فتح باب الصراطات المستقيمة في الدين والسياسة والاعتراف بحقّ السالكين والطالبين في مسيرتهم واستقامتهم، ولا شك في أنّ أصحاب الانحصارية والقائلين بالوحدة وعدم التعدد والكثرة هم أبعد الخلق عن التحمّل وسعة الصدر.
إنّ المجتمع التعددي، أي المجتمع غير الايديولوجي، هو المجتمع الذي يعيش دون وجود تفسير أو مفسرين رسميين، فالأساس هو العقل التعددي لا العاطفة الموحدة في إطار معيّن، إنّ مثل هذا المجتمع يعيش المروّة والمداراة بين افراده، ويملك الوفرة والحرية في كسب المعلومات والمنافسة الحرّة في حلبة السباق، أي كثرة المتسابقين واللاعبين، ويتصف بكونه موافقاً لطبيعة الإنسان، أي أنه يعيش أجواء الطبيعة المتنوعة من الخريف والربيع والمطر وتفتّح الزهور والبراعم، وينطلق من موقع اعتراف الحاكمين والرعايا بأنّ الأصل في عالم الطبيعة والمجتمع البشري هو الكثرة والتنوع لا الوحدة والحصر، والتباين لا التشابه، ومن هنا فإنّ محاولة توحيد الآراء في إطار واحد وخلق نموذج واحد للحياة والدين واللغة والثقافة والأخلاق والعادات والآداب الاجتماعية هو بمثابة من يرقم على الماء أو ينفخ في حديد بارد، فالعمل على إزالة الكثرة غير ممكن ولا مطلوب، وإذا كانت الكثرة الدينية مطلوبة ومقبولة استناداً لعشرة براهين، فانّ الكثرة الثقافية والسياسية مقبولة ومطلوبة بمائة برهان وبيان.
إنّ التجربة السوفياتية تكفي لفضح مقولة الوحدة الثقافية والسياسية بين أفراد الشعب وعلينا أن نأخذ العبرة من هذه التجربة التي افضت إلى هزيمة مذلّة بينما نرى أنّ تجربة المجتمع الصناعي الرأسمالي بالرغم من قول ماركس في حقّه «أنه جعل العالم على صورته» ولكنه لم يتمكن ادغام الثقافات وتوحيد الافكار والمذاهب في سائر نقاط العالم، بل إنّ أصحاب الثقافات القومية والمحليّة والتاريخية أصبحوا أكثر حسياسية تجاه هذا الوافد الجديد، ولم يسمع نداء التاريخ بأشد وأمضى من هذا البيان، وهو : إنّ الكثرة أمرٌ واقع، فافسحوا لها مكاناً في بيوتكم لتحتفظوا بملكية البيت وإلاّ فإنّ المكان سوف يضيق بكم.
إنّ إله العالم عندما خلق البشر وقذف به في أجواء الفكر فإنه خلق له لغات وعوالم مختلفة وجعل العلل والأدلة متنوعة وأقام في طريق العقل مئات العقد والمنعطفات الفكرية، وبعث الكثير من الرسل واصدر نداءات ذات ألوان متعددة ومختلفة للبشرية وجعل الناس شعوباً وقبائل ليتحركوا لا من موقع التكبر والتنازع بل من موقع التعارف والتواضع، فالذين يطالبون بتسوية التعرجات الفكرية والمذهبية بين الناس عليهم أن ينتبهوا لئلاّ يقودهم هذا المسلك إلى السقوط في منزلقات التعارض مع المشيئة الإلهية ومواجهة الارادة الربانية في هذا الشأن.
* * *





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,844,823,455
- الايمان, السياسة, الحكومة
- العلم الالهي وحرية الانسان
- في نقد برهان النظم
- تحقيق في اخر اللحظات التي عاشها المسيح
- التقليد والتحقيق في سلوك طلاب الجامعة - د. عبد الكريم سروش
- نظرة عامة في براهين وجود الله
- دوافع جعل الحديث عند الشيعة
- مدرسة الجشتلت ... علم نفس الشكل
- المجتمع المدني مجتمع تحت سلطة القانون
- القرآن والتحدي بمجموع الآيات
- منهج العقل الديني في التعامل مع المعارف والمطالب الدينية
- التفسير السيكولوجي لظاهرة الايمان بالله
- التفسير السسيولوجي لظاهرة الايمان بالله
- ابراهيم الخليل وإشكالية ذبح الابن
- هل الدين معيار للعدالة أو العدالة معيار للدين؟
- المنهج الجديد في تفسير النص
- التجربة الدينية للنبي
- القراءة السطحية للنصوص
- -لا للديمقراطية- هو الشعار الحقيقي للإسلام السياسي
- من انجازات النبي ... توحيد القبائل والشعوب


المزيد.....




- مسلمون يخمدون حريقا داخل كنيسة في مصر
- محمد إقبال.. فيلسوف الإسلام وشاعره في الهند
- تنامي التيار السلفي المتشدد جنوب ألمانيا بشكل كبير
- فحوص جديدة تشير إلى زيف ثوب دفن به المسيح
- فحوص جديدة تشير إلى زيف ثوب دفن به المسيح
- ساعات عصيبة يعيشها المسجد الأقصى ومحيطه
- نيابة البحرين تأمر بحبس رجل دين احتياطيا بسبب تغريدات
- مستوطنون يتوافدون على المسجد الأقصى وسط انتشار كثيف للشرطة ا ...
- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى
- سفير فلسطين في القاهرة يكشف خطة مواجهة قانون -القومية اليهو ...


المزيد.....

- ( العذاب والتعذيب : رؤية قرآنية )، الكتاب كاملا. / أحمد صبحى منصور
- التجربة الدينية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / إسلام سعد
- الحزب الإسلامي العراقي الإرث التاريخي ، صدام الهويات الأصول ... / يوسف محسن
- المرأة المتكلمة بالإنجيل : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- (سياسات السيستاني (أو الصراع على تأويل الدولة الوطنية العرا ... / يوسف محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس / ياسين المصري
- حول تجربتي الدينية – جون رولز / مريم علي السيد
- المؤسسات الدينية في إسرائيل جدل الدين والسياسة / محمد عمارة تقي الدين
- الهرمنيوطيقا .. ومحاولة فهم النص الديني / حارث رسمي الهيتي
- كتاب(ما هو الدين؟ / حيدر حسين سويري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة