أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - حقيقة وعظمة الإسلام والرسول 1-6






















المزيد.....

حقيقة وعظمة الإسلام والرسول 1-6



راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 3851 - 2012 / 9 / 15 - 22:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


محمد (الرسول النبي)

يقول البيولوجيون بأنّنا مخلوقات بشرية غارقون حتى الآذان في عادات وتقاليد عصرنا الذي نعيش فيه، نشبه في ذلك الغدّد الصمّاء المغمورة في السائل المحيط بها. وأنّنا نعتبر -إلى حَدٍّ بعيد- نتاج البيئة التي تحيط بنا. ولكن هناك كائن بشري ليس من نتاج بيئته. إنّه شخصية مقدّسة تظهر من وسطنا كمظهر إلهي. فهو هيكل إنساني لا ينتمي إلى بيئتنا، متحرّر تماما من عاداتنا وتقاليدنا، ونحن لا سبيل لنا إلى التحرّر من عادات وتقاليد أسلافنا والشروع في اتّخاذ سبيل جديد إلّا باتّباعه ... وباتّباعه فقط. إنّه الحقيقة ... إنّه الحق ... ذلك الحق الذي يجعل منّا أحرارا، ولا شيء سواه.
أمّا المادّيون فيقولون إنّ الإنسان هو نتاج العصر الذي يعيش فيه. لذا فهم بمقاييسهم المادّية لا يستطيعون أن يتعرّفوا على نَبِيِّ الله، وبالتالي يخفقون تماما في إدراك مقامه وإطاعته. فمثلا، من أغرب المفاجآت في الجزيرة العربية أن يظهر من وسط أهلها رجل لا يتّصف بصفات العرب، ويدعو الناس إلى خرق العادات السائدة. لقد أطاح بأصنامهم وهي رموز عباداتهم. تخيّلوا كيف يكون تأثير ذلك عليهم. أمر قد تعلّموا التعبّد له لأجيال ... ينكفئ على وجهه فجأة أمام أعينهم ويتحطّم إلى قطع وأشلاء. واليوم – نحن البهائّيون – قد أُمرنا أيضا لنحطّم الأصنام ... أصنام الأوهام التي تسلّطت على عقول البشر. يتفضل حضرة عبدالبهاء بأنّ تلك الأصنام الأُخرى كان لها - على الأقل - وجود مادّي، بينما أصنام البشرية الحالية ليست سوى أوهام لم ترقَ حتى إلى مقام الحجر أو المعدن. (1)
إنّ معيار تقييمنا لنبيّ الله محمد ينبع أساسا من تعاليمنا البهائية نفسها. والكثير مما كُتِبَ عن سيدنا محمد كتبه إمّا مسلمون أخذوه عن أحاديث غير موثّقة تناقلوها خلال الأجيال، أو كُتّاب غربيّون مغرضون يناصبونه العداء. ونحن لا نزال منذ قرون وحتى يومنا هذا ضحايا تلك الافتراءات والدعايات المغرضة نحو شخصه الكريم. دانتي – على سبيل المثال- صنّف حضرة محمد والإمام عليّ - كدورة من دورات تاريخ العالم الأدنى الثامن، وحقبة من تاريخ الخُبث الشيطاني. وفي العصور الوسطى لقّبوا حضرته بالـ "Mahound" وهو اشتقاق من اسم كلب الصيد السلوقي بالإنجليزية "hound". وأمّا اليوم فنحن نقرأ أنّ الكنيسة البروتستانتية لشمال أمريكا تنصح أتباعها أن يدرسوا الإسلام وأديان أُخرى. جاء ذلك في مقالة نشرت في مجلة كولير (Collier’s Magazine ) وهي مجلّة تصل إلى ملايين القُرَّاء. وتحكي المقالة عن قسّيس يعظ أحد المتدرّبين، يقول له بأنّ جميع الديانات واحدة في جوهرها وأنّ على المتدرّب أن يدرسها جميعا، وعلى الأخص الإسلام – كما جاء في المقالة. (2) وأنا اليوم أقول – وكلّي ثقة – بأنّ ذلك يرجع حتما إلى الجهود الحثيثة التي بُذلت خلال الـ 55 سنة الماضية في تبليغ ونشر الأمر المبارك. على أية حال، لقد شعرت بالأسى والحزن الشديدين نحو هذا المتدرّب المسكين، لأنّه بدون أنوار التعاليم البهائية، سوف يجد أن دراسة الإسلام وتفهّمه – أو أي ديانة سابقة – أمر مُربك للغاية بل ومضلّل أيضا.
وحتى ندرس الإسلام، نحن بحاجة إلى كتب ومؤلّفات جديدة ..... نحن بحاجة إلى كل ما يتوفر من معلومات في المستقبل لتوظيفها في عملية إعادة تقييم شاملة للإسلام يقوم بها باحثون ودارسون بهائيّون على ضوء مبادئ وتعاليم حضرة بهاءالله. تفضل ولي أمر الله شوقي أفندي لأحد الزائرين لأرض الأقدس بهذا الخصوص: "على البهائيين أن يدافعوا عن الإسلام في الغرب، يجب أن نغيّر نظرة الناس ليس فقط إلى مؤسساته التي سبق وأبطلها حضرة الباب وحضرة بهاءالله، بل إلى الإسلام كخطوة متقدّمة لظهور إلهي يلي النصرانيّة. كما أنّنا نستطيع أن نتفهّم ديننا بشكل أفضل إذا ما أصبحنا على اطّلاع أكثر بالإسلام" وإلى هذا يشير ولي أمر الله بأنّ الإسلام هو "المصدر والخلفية لديننا". (3) كما يتفضّل حضرته بأنّنا بحاجة إلى "معرفة صحيحة ودقيقة لتاريخ الإسلام وعقائده"، وأن نُكرّس اهتماما خاصا للتحرّي عن تِلْكُم المؤسّسات والأحوال التي ترتبط مباشرة بأصل الدين البهائي ومولده، والمقام الذي ادّعاه كل من مبشّره ومؤسس شريعته. (4) هناك ثمة تشابه ملفت للنظر بين ديننا وبين الإسلام في أنّ الكتابات المقدّسة عندنا ومثيلاتها في التنزيل العزيز في القرآن الكريم أصلية وموثوق بها، في الوقت الذي لم يتقبّل العلماء والباحثون فكرة صحّة موثوقيّة كل ما جاء في الإنجيل. كما يلاحظ أنّ العهد الجديد يأتي على ذكر القدّيس بطرس كَخَلَف للسيد المسيح بعد صعوده، ولكنه – أي الإنجيل - لم يُشَرِّع أحكاما محدّدة تتعلّق بالزواج والحج والصوم وما شابه، بينما القرآن من هذه الناحية، تضمّن كَمًّا هائلا من الأحكام والحدود، إلّا أنّه – من جهة أُخرى - لاذ بالصمت - في موضوع الوَلاية ولم يفصح صراحة عمّن سيخلف سيدنا محمد، بينما في التعاليم البهائية، لدينا أساس واضح ومحدّد لكلٍّ من الأحكام والحدود التي يعبّر عنها بـ "الشريعة" والّتي بموجبها عَيَّنَ مؤسس الدين مَنْ سيخلفه بعد صعوده وذلك بخطّ يده ومهره بخاتمه، وهو ما يُعرف لدينا، نحن البهائيون بـ "كتاب عهدي" أو بـ "العهد والميثاق".

كلمة " إسلام " ليست في الحقيقة اشتقاقا من اسم سيدنا محمد (ص)، بل هي عربية الأصل وجذرها "سَلِمَ". والكلمة بجميع أشكالها واشتقاقاتها تُرجمت على أنها استسلام لإرادة الله، وهي كلمة طاعة وسلام وعبودية لله وحده، وأنّ المسلم مَن اتّبع الإسلام واستسلمت نفسه لله، وقام على طاعته وفاز بعبوديته وحده.
الإسلام في البدء هو حكاية مدينتين في الجزيرة العربية، مكة ويثرب، التي سمّيت فيما بعد بـ "المدينة". كانت المدينة واحة غنيّة يعمل أهلها في الزراعة، والعديد من عشائرها من اليهود، وقد زرعوا أشجار النخيل بكثافة في بساتينها. عانت المدينة لمدة من حُمَّى الملاريا، حتى إنّ مياه البرك والآبار في بعض الأحيان كانت تصطبغ بلون الحنّاء من كثرة سقوط الرعيان ؟ حتى إنّ الإبل كانت تمرض من شرب تلك المياه. أمّا مكة، فكان يحيط بها تلال جرداء، فيها طرق منظّمة وممهّدة ومنازل محصّنة في وسطها قاعة اجتماعات البلدة. في تلك الأيام كتب شاعر أسود يصف قساوة حالها بأنّه لا يوجد في مكة ولو ورقة عشب واحدة ترتاح لها العين ... ولا حتى صيد ... وبدلا من ذلك، لم يكن سوى التجارة فقط ... ويصفها تعالى في قرآنه المجيد " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ " (14/37). لم يكن في مكة وما حولها شجر ولا حدائق، بل بضع شجيرات شوكاء فقط مبعثرة هنا وهناك. وكانت مكة شديدة الحرارة، وإذا ما أراد أهلها تعذيب أحد الرجال ما عليهم سوى أن يلقوه أرضا على الرمال ويقيّدوه تحت أشعّة الشمس المحرقة. وعندما كانوا يطوفون حول الكعبة حفاة الأقدام، كان يتقدّمهم من يرش الماء على الأحجار السوداء لتلطيف حرارتها تحت أقدامهم، فكان الماء يجف على الفور. حتى مياه البئر القديمة – زمزم – التي تقول عنها الأحاديث قد نبعت مياهه من وسط الرمال تحت قدميّ إسماعيل عندما وضعته والدته هَاجَر في البرية – كانت مياهه في بعض الأحيان مُرَّة. كان هناك بالطبع أبار أُخرى ولكن على مسافة، والطريق إليها غير آمن. كانت الحرارة في مكة خانقة وهواؤها مميت تكتنفه سحب من الذباب. (5) وفي الشتاء كانت تُغمر البلدة بمياه السيول والفيضانات، وأحيانا تدفن تحت الطين، فتتهدّم البيوت، وتشاهد جثث الأموات طافية حولها، وتنتشر الأوبئة. ويقال ... إن المعبد غُمِرَ مرة بمياه الفيضان حتى إنّ أحد الرجال الورعين طاف حوله سبع مرّات سباحة. (6)
كان أهل مكة تُجَّارًا، يُسَيِّرُونَ قافلتين كل عام، واحدة إلى اليمن وأُخرى إلى الشام. يقول لنا النبي حزقيال في الفصل 27 في كتاب العهد القديم كيف أنّ العرب في قديم الزمان (حوالي 600 سنة قبل الميلاد) روّجوا التجارة عن طريق مضيق جبل طارق. ويعلّق أحد الكتّاب: "كانت آثار سير القوافل في وسط آسيا ووسط الجزيرة العربية في ذلك الزمان بمثابة الخطوط البحرية في المحيط، وقوافل الجِمال هي أساطيلهم التي تمخر عبابه". (7) كانت القوافل الكبيرة تضم حوالي 3000 جمل و 200 رجل. ومعظم الأهالي كانوا يستثمرون أموالهم في تلك القوافل، وكان ليوم مغادرتها أو ليوم عودتها من رحلتها حَدَث هام تهيج له مشاعر أهالي البلدة فيخرج الجميع تحت أصوات قرع الطبول ويعمّ الهَرج والمَرج معلنين عن مغادرة القافلة أو عن عودتها.
قال أحد الكُتَّاب إنّ العرب هم أول من استأثروا بالتجارة الدولية. وكانت مكة حينذاك حلقة الوصل بين أهل الشرق وعالم البحر الأبيض المتوسّط. كما تَبَيَّنَ للبيزنطيين مدى أهمية قوافل العرب لجلب المجوهرات والتوابل من الهند، والحرير من الصين، وكذلك الجلود والمعادن والعطور واللّبان والتمور. (8) كان الدخل القومي للعرب قبل الإسلام ينحصر في التجارة والرعي أمّا بعد الإسلام فكان بالإضافة إلى ما سبق جمع الجزية من غير المسلمين. (9) وكان النبي قد وضع نظاما دقيا وصارما لجمع الجزية، وكانت تصرف معظمها في الصدقات والإحسان والمحافظة على استعداد الجيش وتجهيزه.
كان العرب، بعد عودتهم من رحلتهم يقضون أوقاتهم في لعب الميسر وشرب الخمر وفي أعمال المضاربة والرهانات. وكانت الخمر في بيوت الأثرياء وَعَلِيَّةِ القوم منهم تجري كسيل من المياه. هناك قصّة تروى عن رجل يملك جاريتين مشهورتين بصوتهما، كان يسمّيهما بحشرتيّ الزير، كان يوما سكرانا فاقد الوعي فضرب رجلا في عينه ففقأها، ولمّا أفاق فيما بعد نَدِمَ على فعلته، فأهدى الجاريتين المغنيتين إلى الرجل تكفيرا عن ذنبه. (10) وعربيّ آخر قامر يوما بنفسه أمام صديق فخسر وأصبح عبدا لهذا الصديق. كانت الحروب مستمرّة بين القبائل، قتال ونزاعات ودماء ثأر مسفوكة بينهم. وكان الشعراء حينذاك ينعمون بالشهرة والتميّز عن الآخرين كما هو الحال مع رجال الصحافة والمؤرّخين في كل زمان. وكانت تقام مسابقات شعرية سنوية، كان أوسعها شهرة بين العرب تلك المعروفة عندهم بالمعلّقات السبعة الذهبية، وهي مكتوبة بماء الذهب على قطعة حرير مصري. هناك مَثَلٌ يقول بأنّ "الحكمة تسطع أنوار إبداعاتها على ثلاثة أشياء: يد الصيني، وعقل الفرنجي، ولسان العربي". ولقد تفوّق العرب على غيرهم بفصاحة اللسان. يقول العربي في دعائه: "يا ربّ، حلّ عقدة لساني حتى لا يخذلني عند المباهلة". وبالإضافة إلى فصاحة اللسان، كان العرب على درجة عالية من المهارة في استعمال السلاح وركوب الخيل. كانوا كرماء إلى درجة الإسراف، وفي هذا المجال يعلّق أحد الشعراء العرب: "يأتي المال في الصباح ويذهب قبل أن يأتي المساء".
وفي مكة–وتسمّى أيضا بِكَّة – كان المُوسرون وعليّة القوم يسكنون حول الكعبة في وسط المدينة، وهو الجزء الوحيد المنبسط منها ويعرف بـ "بالبطحاء". أمّا العامة من أهل مكة فكانوا يعيشون في محيط تلك البقعة وفي الطرقات المنحدرة إليها. وكان هناك الأغراب والعبيد وجموع من الرِّعَاع كانوا يعيشون حول حدود مكة الخارجية، أمّا أبعد من ذلك فكانت الصحراء ... يعيش فيها البدو الرحّل، كان منهم من يسكن الخيام، ومنهم الهائم على وجهه. (13)
كان أهم ما في مكة "الكعبة"، وهو بناء مكعّب الشكل يشكّل حجر الأساس للبيت الحرام ... مركز الحج وقلب الجزيرة العربية الذي يأمّه الكلّ. عرب الجزيرة ينحدرون من عدد كبير من عشائر منعزلة يعبدون أصناما مختلفة. وهم جميعا يحضرون إلى الكعبة ويتجمّعون فيها. أمّا الكعبة فهي بناء من الحجر بطول 55 قدما وبعرض 45 قدما وبارتفاع 55 قدما أو أكثر.

ويغطي البناء كساء من القماش يجري تجديده كل عام، وهذا التجديد كان يجري حتى أيام سيدنا محمد (ص). والمعتقد السائد أنّ سيدنا إبراهيم (ع) قام ببناء الكعبة، وأمّا الموقع فقد اختاره الله له ولولده إسماعيل ليكون مكانا آمنا يأمّه العالم بأسره لعبادة الله وتوحيده، في قوله تعالى: "وَإِذْ بَوَّأْنَا ِلأَبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ... وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (22/26-27). ويقول تعالى في تنزيله العزيز أيضا: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ... "(3/96-97).
وهناك الحجر الأسود – وهو أقدس ما في الكعبة – تجده قائما في الركن الجنوبي الشرقي لحائط الكعبة. وهو شبه دائري ارتفاعه ست بوصات بعرض ثماني بوصات ولونه أسود ضارب إلى الحمرة. نحن نقرأ في كتاب "مطالع الأنوار" كيف أنّ حضرة الباب في أول طواف له حول الكعبة يؤدي شعائر الحج، توقّف أمام الحجر الأسود وأعلن دعوته. كانت الأراضي المحيطة بمكة حتى ذلك الوقت لها حرمتها وقدسيّتها (منطقة الحَرَمْ). وكان هناك أربعة أشهر في السنة هي أشهر العفو العام والهدنة (الأَشْهُرُ الحُرُمِ). وفي تلك الأشهر كان الحُجَّاج ينعمون بالطمأنينة والأمان في رحلاتهم إلى مكة والتجوال في أسواقها.

في أيام الجاهلية التي سبقت ظهور الإسلام، كان في داخل الكعبة وحولها 360 صنما – أي ما يعادل عدد أيام السنة. وكان رئيسهم الصنم "هُبَلْ"، وهو يمثّل رأس رجل ملتحٍ مصنوع من العقيق الأحمر وبيد واحدة من الذهب، يكسوه لباس بألوان متعددة زاهية. كان الناس يتوجّهون إليهم يستشيرونهم ويسألونهم النُّصح والهداية في أُمور تهمّهم كالزواج أو حفر بئر ... ومسائل أُخرى شخصية، ويستعملون في ذلك سهاما سحرية. قرأنا لأحد الشعراء الذي كانت نفسه تتحرّق شوقا للثأر من قاتل أبيه، يشاور أحد الأصنام بثلاثة سهام سحرية مرموزة بـ " تَقَدَّمْ" ، "تَنَازَلْ" ، أَجِّلْ". وفي المرّات الثلاث التي رماها حصل على "تَنَازَلْ" فثارث ثائرته وكسر السهام ورماها في وجه الصنم صارخا: "لو كان المقتول والدك، لما كنت منعتني من الأخذ بثأره". (14)

وكانوا أحيانا يخدعون الصنم فينحرون له غزالا بدلا من الكبش الذي كانوا قد وعدوا به. كانوا في الواقع يعترفون بِإِلَهٍ غامض في غاية السمو، يسمّونه "الله" ولكنهم جعلوا معه شركاء بدرجة أقل، يسمّونهم بــ "الألاهات"... وهو جمع إِلَه. ثمّ جاء سيدنا محمد (ص) ليعلّمهم "لَا إِلَهَ إِلَّا الله". هذا يذكّرنا بما جاء في إِعْمَال الرسل في العهد الجديد (الإنجيل): "فَبَيْنَمَا كُنْتُ أَتَجَوَّلُ فِي مَدِينَتِكُمْ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعَابِدِكُمْ وَجَدْتُ مَعْبَدًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ «إِلَى الإِلهِ الْمَجْهُولِ». فَبِهَذَا الإِلَهِ الَّذِي تَعْبُدُونَهُ وَلَا تَعْرِفُونَهُ، أَنَا أُبَشِّرُكُمْ" (17/23). ويحكي جورج سيل (George Sale) في كتابه "مقالة تمهيدية"، فيقول "أنّ واحدة من القبائل عبدت قطعة الخبز، ثمّ أردف قائلا: ومع هذا فهم يتعاملون معها بمنتهى الاحترام، باحترام أكثر من بعض المسيحيين، لأنّهم لا يأكلونها إلّا إذا عضّهم الجوع بنابه".

كانت مكة ومسؤولية الكعبة في يد قريش، وهي قبيلة عربية قوية النفوذ وتشكّل في مكانتها نوعا من الزعامة الدينية في أنحاء الجزيرة العربية، وكان أهلها ينعمون بشرف خدمة الحجّاج، يزوّدونهم بالمياه والطعام، كما يتولّون رعاية قاعة الاجتماعات في وسط البلدة، بالإضافة إلى شرف حمل الراية في الحرب ... وكان نظام الحكم فيها يشبه حكم الأقلّية إلى حَدٍّ بعيد. كان سيدنا محمد (ص) أحد أفراد هذه القبيلة، وكان جَدَّهُ عبدالمطّلب- الزعيم الأسبق لمكة – وكان القائم على رعايته وهو صبي– عمّه أبو طالب- الذي خلف عبدالمطّلب في الزعامة فيما بعد. لذا كان سيدنا محمد (ص) في نظرهم، لا يدعو إلى تحطيم آلهة الكعبة فحسب، بل إلى تدمير عائلته بالذات.

اعتادت البشرية أن تحيط مولد مخلّصها (رسولها) بهالة من القصص الجميلة المشوّقة. فنحن نتذكّر ما قيل عن الرعاة والملائكة ليلة ميلاد السيد المسيح. كما يقول الزردشتيّون أنّ يوم مولد النبي زرادشت شاهدوا نورا سماويا يحيط بالمنزل، حتى إن الأشجار والأنهار في ذلك اليوم ظهرت في غاية الفرح والسعادة، كما أنّ في ليلة مولد سيدنا محمد (ص) شاهدت أُمّه (أمينة) نورا يشع منه عاليا حتى يصل النجوم، وأنّ أصنام الكعبة تداعت وانكفأت على وجهها. أمّا في الجانب الآخر من العالم، فكانت تُشاهد النار المشتعلة في معابد المجوس (الزردشتيين) يخبو نورها وتنطفيء - كان ذلك سنة 570 بعد الميلاد. (15) ولد حضرة الرسول (ص) في عام الفيل، وبالتحديد بعد غزو الجزيرة العربية بـ 55 يوما، وطبقاً لحسابات كوسين دي بيرسيقال (Caussin de Perceval) كان ذلك في 20 آب سنة 570م. (16)

وُلِدَ سيدنا محمد (ص) يتيما، أو أصبح كذلك بعد وفاة والده بوقت قصير. وقامت على رعايته زوجة أحد الرعاة في الجبال، كما جرت التقاليد في ذلك الوقت، حتى أصبح عمره خمس سنوات. عمل سيدنا محمد (ص) في رعي الأغنام، وفي سن السادسة توفّت والدته فاعتنى به جدّه عبدالمطّلب. وقد اعتاد الصبي أن يجلس بجانب جدّه شيخ القبيلة على بساط يُفْرَشُ في ظلّ الكعبة. وفي سن الثامنة توفّى جدّه فاعتنى به عمّه أبو طالب. كان سيدنا محمد (ص) فقيرا، امتهن الرعي في طفولته وصباه، ثمّ اشتغل في التجارة، وفتح دكّانا، ورافق قوافل التجارة في رحلاتها، وكان حضرته في ذلك كلّه على درجة عالية من الأمانة والصدق والنزاهة، حتى إنّه اشتهر بطهارة حياته فلقّبوه بـ "الأمين" أي "الجدير بالثقة".

كان في مكة امرأة مشهورة وجميلة اسمها خديجة، تزوّجت وترمّلت مرتين وهي الآن في حوالي الأربعين من العمر. كانت تعمل في التجارة، وكان سيدنا محمد (ص) يعمل كوكيل لها في تجارتها. وقد أدار بنجاح تجارة لها في إحدى القوافل إلى الشام. ومع أنّها كانت قد رفضت الزواج من كبار رجالات وزعماء مكة، إلّا أنّها أحبّت هذا الشاب الفقير من أهل قومها مع أنّها تكبره بحوالي 16 سنة، ومع هذا كان زواجهما واحدة من قصص الحب الصادق في التاريخ، وبقيت زوجته الوحيدة خلال الـ 23 سنة التالية، بالرغم من أنّ تعدّد الزوجات كانت عادة تمارسها معظم شعوب العالم آنذاك. ونقرأ عن ذلك الزواج: ... كان هناك حفل زواج عظيم، قُدِّمَت فيه بعض قوارير من الجلد مملوءة بالنبيذ الغالي، وفي وسط الساحة الداخلية، وتحت أضواء المشاعل، رقصت جاريات العروس وغنّت على وقع أصوات الدفوف، كما ذُبِحَ جَمَلٌ على عتبات البيت ووزّع لحمه على الفقراء ... كان لسيدنا محمد (ص) وخديجة عدة أطفال، توفّى جميع الذكور، ثم أصبحت أم فاطمة الزهراء، أقدس امرأة في الإسلام على الإطلاق.

الآن، أصبح سيدنا محمد (ص) رجلا له مكانته بين الناس، ولكنه لم يندمج في الحياة العامة، إلّا اللّهمّ مراعاته للفقراء والمساكين الذين كان شخصيّا حريصا على مساعدتهم. كان زمان حضرته زمان الفوضى واللاقانون. وكان غالبا ما يطلب العزلة لنفسه إلى جبل عال مخروطي الشكل شمال مكة، يعتكف وحده في كهف هناك عُرِفَ فيما بعد بـ "غار حِرَاء". ومن جبل حراء كان حضرته ينظر على مد البصر شرقا وجنوبا إلى جبال أُخرى وإلى مواقع أُخرى في الفضاء الفسيح الممتد أمامه، وإلى التلال السوداء والرمادية وإلى الوديان الرملية البيضاء. (17) وكان حضرته على هذا الجبل عندما التقى برئيس الملائكة – جبريل - لأول مرّة، حيث ظهر له كنور على عرش من نار، فاضطربت أركان محمد (ص) اضطرابا عظيما حتى أعماق نفسه. ذهب بعدها إلى خديجة يرتجف وهو في غاية التعب والإرهاق، فقامت على تهدئته وسهرت على راحته، ومنذ ذلك الوقت أصبح جبل حراء يسمّى بـ "جبل النور".

كان هناك رجل اسمه سَلْمَان الفارسي، قد أمضى سنوات عديدة من حياته في الأسفار والتجوال يبحث عن نبي. ولد سلمان في قرية إيرانية، وكان وهو صبي يعمل في معابد الزردشتيين في إشعال النار المقدّسة. ثم ترك إيران قاصدا دمشق، وفي طريقه تنقّل من خدمة رجل دين إلى آخر ... كانوا في مجملهم أربعة رهبان. وكان كلّما حضر أحدهم الموت أوصاه إلى رجل دين بعده، وعندما حضر الرجل الرابع الموت قال لسلمان "هذا هو زمن الأنبياء الذي سيرسل فيه نبي، قم وتوجّه إلى بلاد الحجاز وستجد ضالتك هناك".

في تلك الأيام لم يكن السفر آمنا. لأنّهم إذا أمسكوا بك باعوك كعبد من العبيد. وهكذا أمسكوا بسلمان وهو مسافر إلى الجزيرة العربية وباعوه ليهودي من المدينة. عمل سلمان في بساتين النخيل فيها، وكان يتولّى أمر الجمل الذي يدير الساقية التي ترفع المياه لقنوات الري. وفي يوم كان سلمان على قمة شجرة نخيل سمع سيده يتكلّم لأحد ... يقول بأنّ هناك رجل في مكة ادّعى بأنّه نبي. ولدى سماعه هذه الكلمة بدأ سلمان يرتعش، وارتجف جسمه بشدّة حتى إنّه فقد تماسكه وانزلق إلى أسفل النخلة وسقط على رأس سيده الذي غضب وضربه وأنّبه متسائلا "ماذا بك؟".

يَحْكِي لنا حضرة بهاءالله في كتاب الإيقان: " ... إذ عند ظهور فلك سماوات العدل، وجريان فلك الهداية على بحر العظمة، يظهر في السماء نجم بحسب الظاهر يكون مبشّرا لخلق السموات بظهور ذلك النيّر الأعظم، كما يظهر في سماء المعاني نجم يكون مبشّرا لأهل الأرض بذلك الفجر الأقوم الأكرم" (الإيقان 49) ... "كذلك كان قبل ظهور الجمال المحمدي، قد ظهرت آثار في السماء الظاهرة، وأمّا الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال، واحدا بعد الآخر يبشّرون الناس على الأرض بظهور شمس الهداية. وقد تشرّف بشرف خدمتهم "روزبه" الذي سمّى بسلمان، وكان كلّما حضرت الوفاة أحدا منهم يرسل روزبه إلى الشخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرابع الذي قال له في وفاته يا روزبه، إذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشمس المحمدية، ويا بشراك بلقاء حضرته (الإيقان 51-52)" ... وقبل التبشير بظهور سيدنا محمد (ص) بوقت قصير، كان هناك شعور عام في الجزيرة العربية بأنّ تغييرا ما على وشك الحدوث؛ كانوا يتوقّعون ظهور نبي، حتى إن النساء كُنَّ قلقات ويتلهّفنّ دوما لإنجاب أطفال ذكور، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ أنّ إحداهن ستكون أمّ رسول الله، أمّا العقول الأوسع إدراكا والأكثر اهتماما فكانوا متأثّرين بأحاديث يهودية، وكانوا يبحثون عمّن يسمّونه (ملّة إبراهيم) وكان أتباعه حنفاء لله أو غير مشركين" (18) أي تركوا عبادة الأصنام. (مرضية جيل-مترجم)

ونتابع حقيقة وعظمة الإسلام والرسول في المقالات المتتالية القادمة....................


المراجع

1. Some Answered Questions, Abdu’l-Baha, 171

2. Collier’s Magazine, Dec 1947

3. The Advent of Divine Justice, Shoghi Effendi

4. Ibid

5. Life of Mohomet, Dermenghem, 23

6. Ibid, 22

7. The Life of Mohammad, Muir, xc

8. Life of Mohomet, Dermenghem, 24-25

9. Ibid, 175

10. Ibid, 30

11. Spanish Islam, Dozy, Rinhart, 1913, 6

12. Ibid, 5

13. Life of Mohomet, Dermenghem, 31

14. Spanish Islam, Dozy, Rinhart, 14 – also – Speeches and Table Talks of the Prophet Mohammad, Lane-Poole, cxiii

15. Chronique de Abou Djafar Muhhammad-ben-Jarir Tabari, tr. by M.H. Zotenberg, 1871, II, 234-235

16. The Life of Mohammad, Muir, 5

17. Ibid, 38

18. Speeches and Table Talks of the Prophet Mohammad, Lane-Poole, xxiv-xxv






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,580,019,892
- البهائية واللاعنف ورؤية إنسانية موحّدة
- أمراض البشرية بحاجة إلى طبيب حاذق
- نظرة البهائيّة للجنس
- يا أيها الإنسان في كل مكان
- يا أهل العالم
- ليلة القدر-ليلة حارت فيها العقول والقلوب2-2
- ليلة حارت فيها العقول والقلوب 1-2
- التعصّبات هادمة لبنيان العالم الإنساني
- الحرية في الاعتقاد
- التعصُّب نار تحرق العالم
- العدل الإلهي
- الإسراء والمعراج من منطلق العقيدة البهائية
- السلام يا أهل الأديان
- إنقاذ العالم بالعرض الإلهي لا بالنهج السياسي
- الوحدة البشرية هى حجر الزاوية في النظم البديع لحضرة بهاءالله ...
- الخدمة والتضحية من أجل وحدة العالم الإنساني
- البعد الروحاني للوحدة الإنسانية من منظور روحاني
- الوحدة والتكامُل الإنساني
- تأملاتنا الروحانية
- نبذ التعصبات الجاهلية


المزيد.....


- هل يصح اعادة تقييم الشخصيات التأريخيه؟ / ابوذر ياسر
- إنْحَر..إنْحَر..إنحَر بِِأمْر مِن الرّحْمن / فرياد إبراهيم
- نداء عاجل للأقباط:لا ترحلوا... / أشرف عبد القادر
- مرسي أم السفارة ؟؟ / نيسان سمو الهوزي
- عمر بن الخطاب : تفكيك شفرة العدالة..؟ / طلال شاكر
- الجهل المقدّس وراء الاعتداء على السفارات الأمريكية / أحمد صبحى منصور
- هل لحرية التعبير حدود؟ / بلعمري اسماعيل
- قراءة في إساءة إلي رسول.. / عدلي جندي
- برقية سادسة من صديق على عتبة الإلحاد / يونس بنمورو
- محمد يهان و الغريب السفاحون رجال الدين الإسلامي في السعودية ... / علي مهدي الاعرجي


المزيد.....

- السيسي يرحب بالتحالف ضد -الإرهاب- وعودة الإخوان للسياسة
- «داعش» يهدد رئيسة الأرجنتين لدعمها «بابا الفاتيكان»
- بالصور.. «دومينيك» تنتهى من تصوير «اه منك».. وتحيى حفلين في ...
- -كوطا- العلماء .. لسنا دولة علمانية، والاقتراح يعزز صلاحيات ...
- إعلامية كويتية: مصر حظرت «الإخوان» لأنها جماعة إرهابية
- «العرب»: «السيسي» يعرض جرائم «الإخوان» خلال خطابه بالأمم الم ...
- معلومات استخباراتية: «داعش» تستهدف بابا الفاتيكان خلال زيارت ...
- ?تيارات إسلامية في جبهة معارضة للتحالف الدولي لمحاربة «داعش» ...
- «التجمع القبطي»: الإخوان أنفقت ملايين الدولارات للحشد ضد «ال ...
- بالفيديو.. متصلة لـ «على جمعة»: «رأيتك في الجنة مع رسول الله ...


المزيد.....

- ق2 / ف2 جهيمان العتيبى واحتلال الحرم عام 1979 فى تقرير تاريخ ... / أحمد صبحى منصور
- الشياطين تربح في تحدي القرآن / مالك بارودي
- الرد على أشهر الحجج ضد نظرية التطور : التعقيد غير القابل للإ ... / هادي بن رمضان
- كتاب نقد البوذية اسلاميا / رضا البطاوى
- كتاب نقد الرامايانا الهندية اسلاميا / رضا البطاوى
- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي / عزالدين عناية
- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - حقيقة وعظمة الإسلام والرسول 1-6