أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - عَالَمية الثورة الإشتراكية وعِلم الثورة















المزيد.....


عَالَمية الثورة الإشتراكية وعِلم الثورة


فؤاد النمري

الحوار المتمدن-العدد: 3802 - 2012 / 7 / 28 - 12:44
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


قبل أيام أرسل إلي الرفيق البولشفي " حفار التاريخ " عبد المطلب العلمي رسالة يتوقف فيها حول ما كتبت في مقالاتي المعنونة " ماركسيون شيوعيون لم يعودوا ماركسيين شيوعيين " في الحوار المتمدن قبل ثلاثة شهور تتطرق إلى وظيفة أحزاب الأممية الشيوعية (الثالثة) التي لم تعد شيوعية بعد انهيار المشروع اللينيني النهائي في العام 1991. كتب الرفيق مطلب في رسالته ما يلي ..
" تقول في المقال ما معناه (تشكلت الأحزاب الشيوعية في العالم بناء على نداء وجهه لينين لكافة الشيوعيين في العالم ليشكلوا أحزاباً تساعد في استكمال مشروعه في الثورة الاشتراكية العالمية وبعد تفكيك مشروع لينين يترتب على هذه الأحزاب أن تتلاشى بعد أن لم يبق لها أية وظيفة شيوعية ) اليسالقول بأن مهمة الأحزاب الشيوعيه في "الأطراف" تقتصر على دعم وانتظار الثورات في "المركز" هو إحياء لـ "نظرية قوى الانتاج" الانتهازية للأممية الثانية التي كانت تنظر للثورة على أساس مستوى تطور قوى الإنتاج في بلد بعينه والنسبة العددية للبرولتاريا الخ دون النظر في نضج الظروف الثوريه ، حيث يمكن أن تنضج الثورة وتحتد التناقضات الامبريالية في بلد "متخلف" وقد أعطى ستالين أمثلة الهند والصين وغيرها في العشرينات باعتبارها الأنضج لقيام ثورة برولتارية فيها ، ثم فاني اعتقد ان الثوره العالمية لا تعني الثورة في بلدان المركز بل تعني مسارا طويلا ومعقدا من الثورات ومن انقطاع السلسلة الامبريالية طورا في "المركز" وطورا آخر في الاطراف ".

القول الذي أشار إليه الرفيق مطلب هو تقرير لواقعة تاريخية لا مجال لإنكارها أو لتفسيرها بغير معناها الواضح والجليّ. لكن الرفيق مطلب أحب أن يستند إليها للبحث في مشروعية الثورة الاشتراكية بين ركام العوالم الثلاث التي ولدتها الحرب العالمية الثانية وله كل الحق في ذلك، بل ويستحق شكرنا عليه وخاصة أن مصائر الثورة الاشتراكية غدت همّاً لازباً لمختلف التقدميين وأنصار الاشتراكية في العالم.
طبعاً الرفيق مطلب لا يجادل في النظرية العلمية للمادية التاريخية التي تقول أن الثورة الاجتماعية لا تقوم إلا بعد أن تضيق علاقات الإنتاج عن أن تتسع لقوى الإنتاج النامية، وهو ما يعني أن استبدال علاقات الإنتاج القديمة بعلاقات إنتاج جديدة إنما هو المحصلة الطبيعية لنمو قوى الإنتاج. وهكذا فإن الثورة الاشتراكية لن تكون إلا كمحصلة لتنامي قوى البروليتاريا وهو ما لا يتحقق إلا في البلدان الرأسمالية الأكثر تطوراً بالطبع. الرفيق "حفار التاريخ" لا يجادل في هذا لكنه يتوقف وقفة كان قد وقفها كل من لينين وستالين أمام موقف أحزاب الأممية الثانية المعترض على قيام الثورة الاشتراكية في روسيا القيصرية حين لم تكن من البلدان الرأسمالية الأكثر تقدماً. رائدا البروليتاريا العالمية، لينين وستالين، لم يعترضا على ميكانزمات الثورة الاشتراكية التي تقوم بها البروليتاريا المتقدمة بل أيداها بمزيد من الوعي الطبقي. فكان رد لينين على موقف الأممية الثانية الخياني في 6 مارس آذار عندما أكد في خطابه مفتتحاً المؤتمر التأسيسي الأول للأممية الشيوعية (الثالثة)، أكد على أن البروليتاريا الروسية قد برهنت على أنها أقوى من البروليتاريا في ألمانيا ـ وكانت قد انهزمت ثورتها قبلئذٍ بشهرين ـ ومن البروليتاريا في بريطانيا.

لكن من أين تأتّى للينين مثل ذلك التأكيد ؟
يفوت على الكثيرين أن انتفاضة أكتوبر 1917 لم تكن ثورة اشتراكية، بل جاءت استكمالاً للثورة البورجوازية في فبراير شباط 1917 التي قادها حزب الاشتراكيين الثوريين، وهو حزب بورجوازي، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أي هدف من أهداف الثورة الثلاث الكبرى وهي الانسحاب من الحرب والاصلاح الزراعي والدعوة لانتخاب الجمعية التأسيسية (Constitutional Assembly) ، بل إن حكومة كيرانسكي زادت من مشاركتها في الحرب حتى باتت جيوش الامبراطورية الألمانية على أبواب موسكو وبتروغراد بعد احتلالها لأوكرانيا وبيلاروسيا. في سبتمبر ايلول 1917 ناشدت جميع الأحزب في روسيا بما في ذلك جناح كبير من حزب الاشتراكيين الثوريين الحاكم، ناشدت البلاشفة لأن يقوموا بإسقاط حكومة كيرانسكي واستلام السلطة كونهم الحزب الوحيد القادر على ذلك خاصة وقد راجت إشاعات في بتروغراد وموسكو تقول بأن الألمان والانكليز يتفاوضون سراً على اقتسام أكبر امبراطورية في العالم وهي امبراطورية القيصر. ذلك ما دفع بلينين إلى توجيه مذكرة إنذار لكيرانسكي تقول إما تنفيذ شروط ثورة فبراير شباط وأولها الإنسحاب من الحرب مضافاً إليها محاكمة الضباط من أنصار القيصر الذين خططوا لانقلاب عسكري لاستعادة القيصرية، وإلا قام البلاشفة بإسقاط الحكومة. وهكذا قام البلاشفة بانتفاضة أكتوبر واستولوا على السلطة من أجل استكمال الثورة البورجوازية بعد أن تنكر لها حزب الاشتراكيين الثوريين برئاسة كيرانسكي. وعليه وقع لينين كرئيس لأول حكومة صبيحة الثورة أول مرسومين يصدرهما وهما مرسوم السلام ومرسوم الأرض ودعا في الشهر التالي لانتخاب الجمعية التأسيسية وهذه جميعها هي أهداف الثورة البورجوازية في فبراير شباط. أضف إلى ذلك أن دعا لينين كل الأحزاب العاملة في روسيا للآشتراك في الحكومة. الثورة الاشتراكية كما هو معروف لا تقيم حكومة اتحاد وطني كالتي دعا إلى تشكيلها لينين صبيحة الثورة بل تقيم حكومة دولة دكتاتورية البروليتاريا ولينين وهو رائد البروليتاريا خير من يعرف ذلك. اعتبار انتفاضة أكتوبر استكمالاً للثورة البورجوازية في فبراير شباط لا يحط من قيمتها التاريخية بل هو دليل قاطع على أمانة البلاشفة للنهج الماركسي وللتاريخ ويذكر في هذا السياق قرار المؤتمر العام للأممية الثانية في بازل/سويسرا 1912 والذي طلب من الاشتراكيين الروس القيام بالثورة البورجوازية عوضاً عن البورجوازية الروسية الهشّة.

في مارس آذار 1918 اضطر لينين إلى توقيع معاهدة صلح جائرة مع الألمان في برست-لوتوفسك حين لم يكن من خيار آخر من أجل الانسحاب من الحرب خاصة وقد باتت أحوال الجيوش الروسية في الحضيض. إذّاك وجدت البورجوازية الروسية فرصتها للإنقضاض على الشيوعيين وتحطيمهم لانتزاع السلطة من قبضتهم الحديدية. تآلفت كل أطياف البورجوازية مع مختلف فلول الرجعية والقيصرية في جبهة واحدة ضمت المنشفيك والاشتراكيين الثوريين رفعت السلاح بوجه البلاشفة. التحالف البلشفي بين البروليتاريا وفقراء الفلاحين استطاع أن يقضي على الثورة المضادة ويصفي الشرائح الرئيسة من البورجوازية وحلفائها من الرجعية وفلول الإقطاع خلال إثني عشر شهراً. ففي مارس آذار 1919 بات هيكل المجتمع الروسي الجديد يتشكل فقط من الفلاحين الفقراء كأعرض طبقة، ثم الطبقة العاملة القابضة على السلطة، والبورجوازية الوضيعة التي هي بطبيعتها طبقة ستاتيكية ساكنة لا تمتلك مشروعاً تنموياً مثلها مثل الفلاحين. إزاء مثل هذه التشكيلة الاجتماعية تنتفي كل خيارات التنمية باستثناء التنمية الاشتراكية. ولذلك دعا لينين كل الاشتراكيين الشيوعيين في العالم المتقدم إلى مؤتمر عقد في موسكو في الثاني من مارس آذار 1919 حيث خطب لينين في المؤتمر في السادس من مارس آذار معلناً انطلاق الثورة الاشتراكية في العالم مؤكداً أن مصائر البروليتاريا العالمية بات يتقرر في روسيا حيث برهنت البروليتاريا الروسية على أنها أقوى بروليتاريا في العالم، أقوى منها في ألمانيا وفي بريطانيا. ودعا المؤتمر بتوجيه من لينين بقيام أحزاب شيوعية في كل بلدان العالم لتأخذ نصيبها في النجاح التام والكامل للثورة الاشتراكية في العالم. واشترط على الأحزاب الشيوعية في البلدان المستعمرة والتابعة أن تساند بكل قواها ثورة التحرر الوطني بقيادة البورجوازية وإلا فلن تقبل عضويتها في الأممية الشيوعية. اللينينية أضافت للماركسية مفهوم الوحدة العضوية بين الثورة الاشتراكية من جهة وثورة التحرر الوطني من جهة أخرى، وهذا أهم ما أضافه لينين للماركسية.

لسنا نحن هو أول من اعتبر ستالين اللينيني الأبرز بين قادة الحزب الشيوعي إثر رحيل لينين في يناير 1924 والأولى أن يحلً محل لينين في قيادة الحزب الشيوعي، بل هو اللجنة المركزية للحزب التي كانت قد صوتت بالاجماع، بما في ذلك تروتسكي عدو ستالين نفسه، لاختيار ستالين أميناً عاماً للحزب كونه اللينيني الأبرز والأولى لأن يحل محل لينين في قيادة الحزب، وكان ذلك قبل أسابيع فقط من إلقاء محاضراته في جامعة سفردلوف عن " أسس اللينينية " (Foundations of Leninism) ليبرهن هذا القائد الفذ أنه المحيط الواسع للينينية رغم تأكيده المتكرر أنه ليس أكثر من نقطة في محيط اللينينية وأنه لا يستطيع الإحاطة بكل مناحي اللينينية. ستالين هو من قال .. إذا كان ماركس هو أبو الماركسية في عصر الرأسمالية، فإن لينين هو أبو الماركسية في عصر الإمبريالية؛ وفي هذا القول إشارة ضمنية إلى الوحدة العضوية بين الثورة الاشتراكية وثورة التحرر الوطني. نحن عندما نقول أن هناك لينينية (Leninism) مكملة للماركسية فذلك يعني فيما يعني أن لينين كان قد قرأ ماركس قراءة محيطية شاملة بما يتجاوب مع انحلال الرأسمالية في طورها الإمبريالي، وعندما نقول أن هناك ستالينية (Stalinism) فذلك يعني فيما يعني أن ستالين كان قد قرأ لينين قراءة محيطية شاملة تتفق مع مرحلة عبور مرحلة الاشتراكية أثناء مرحلة انهيار الرأسمالية الامبريالية. رب بعض المتثاقفين المستخفين بحركة التاريخ ينكرون جدوى قراءة اللينينية والستالينية كأفكار مضى عليها التقادم، لكن هؤلاء المتثاقفين المستخفين بحركة التاريخ ليس لديهم أي علم عن الحركة التاريخ المستقبلية وكأنما التاريخ سيتوقف عن الحركة. وطالما أن هؤلاء القوم لا يعلمون إلى أي جهة سيتحرك التاريخ وعلى أي جهة سيستقر النظام العالمي أو فيما إذا هو مستقر اليوم وقوى الإنتاج ليست معنية بتغييره، طالما أنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فليس لديهم أدنى تأهيل لإنكار القراءات اللينينية الستالينية. نحن بالمقابل لدينا علم مؤكد بأن اللينينية ما زالت علم التغيير الاجتماعي في مختلف المجتمعات ولن يتم أي تغيير اجتماعي بتجاهل مبادئ اللينينية كما شرحها تلميذه النجيب الفذ يوسف ستالين.

مبدأ عالمية الثورة الاشتراكية فرضته عالمية النظام الرأسمالي حيث وجد ماركس أن النظام الرأسمالي هو أول نظام عالمي تعرفه البشرية وستكون كل الأنظمة التي ستعقبه عالمية أيضاً. يقوم ويتطور النظام الرأسمالي في المركز ثم يتمدد بحكم فائض الانتاج إلى البلدان الأطراف من حوله. ولما كان النظام الرأسمالي يحتضن العالم بفعل قوى الانتاج في المركز فإن الثورة الاشتراكية التي تقوم بها بروليتاريا المركز الرأسمالي ستنتشر دون أية عوائق طارئة في الأطراف.
لينين، وفي أسس اللينينية التي علمها ستالين، شرح عالمية الثورة الاشتراكية التي قال بها ماركس، وهي العالمية التي تفرضها الرأسمالية في طورها الامبريالي، فعزاها إلى تناقضات حادة ثلاث تتناوب العمل في تعرية وتآكل النظام الرأسمالي العالمي حتى الانهيار التام. التناقض الأساس هو التناقض بين قوى الانتاج (البروليتاريا) وعلاقات الانتاج (ملكية الرأسماليين). التناقض الثاني هو التناقض بين المتروبول، المركز الرأسمالي، والشعوب في البلدان الأطراف المستعمرة. والتناقض الثالث هو التناقض بين مراكز الرأسمالية نفسها حيث عدم التكافوء في تطور قوى الانتاج يسوقها إلى حروب كونية لإعادة تقسيم المستعمرات. لقد فعلت فعلها هذه التناقضات الثلاث خلال القرن العشرين فكان انهيار النظام الرأسمالي في السبعينيات. إن ثورة التحرر الوطني 1946 – 1972 التي جاءت امتداداً لانتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب هي التي وجهت الضربة القاضية للنظام الرأسمالي. وكان الرفيق ستالين قد أشار مبكراً في العام 1924 إلى أهمية حركة التحرر الوطني في انتصار الثورة الاشتراكية على صعيد العالم كما رآها لينين حين قال في محاضراته عن أسس اللينينية التالي ...
" النضال الذي يخوضه التجار والمثقفون المصريون لأجل استقلال مصر هو بصورة موضوعية نضال ثوري بغض النظر عن الأصول البورجوازية لقادة الحركة الوطنية وبغض النظر عن كونهم معادين للاشتراكية؛ بينما جهود حكومة حزب العمال البريطاني للاحتفاظ بتبعية مصر هي جهود رجعية رغم الأصول العمالية للحكومة وادعاءاتها بالاشتراكية. ليس ثمة حاجة لنا لنتطرق لبلدان تابعة كبرى كالهند والصين. كل خطوة على طريق التحرر الوطني حتى وإن تمت بصورة غير ديموقراطية فهي تشكل دون شك ضربة ثورية هائلة للإمبريالية. لينين كان على حق عندما قال أن حركة التحرر الوطني في البلدان التابعة يجب أن تكون موضع ترحيب ليس لاتفاقها مع الديموقراطية الظاهرية بل بسبب نتائجها على الأرض حيث تصب في طاحون النضال ضد الإمبريالية على الصعيد العالمي وليس المحلي ".
تقوم البورجوازية الوطنية، وهي المعادية بطبيعتها للاشتراكية، بثورتها ضد مراكز الرأسمالية وهي لا تعلم أنها بذلك إنما ترفد الثورة الاشتراكية في العالم. وما يستحق التنويه هنا هو أن البورجوازية الوطنية تقوم بثورتها ضد المتروبول للحلول محله في استغلال العمال أبناء جلدتها، غير أن تغوّل المراكز الرأسمالية لم يسمح قطعياً ببناء رأسماليات محلية في الأطراف وهو ما سماه بحق الدكتور سمير أمين "القطيعة الرأسمالية". لم يكن من خيار أمام هذه الدول المستقلة غير الاتجاه للإنضمام إلى معسكر الاشتراكية فكان أن أعلن العديد من هذه الدول تبني الاشتراكية في ستينيات القرن الماضي. ما أكده ستالين عن مبدأ لينين في عالمية الثورة الاشتراكية هو أن ثورة التحرر الوطني بقيادة البورجوازية هي أصلاً معادية للإشاراكية كما كانت في الصين والهند ومصر لكنها تصب في طاحون الاشتراكية شرط أن يكون هناك طاحون للإشتراكية مثلما كان الاتحاد السوفياتي في العشرينات وما بعد قبل إنكفاء الاشتراكية.

نعود الآن إلى معتقدات الرفيق مطلب المفاجئة والجديدة، إذ يقول .. " اعتقد ان الثوره العالمية لا تعني الثورة في بلدان المركز بل تعني مسارا طويلا ومعقدا من الثورات ومن انقطاع السلسلة الامبريالية طورا في المركز وطورا آخر في الاطراف "
يفجؤني الرفيق مطلب بأنه ما زال يعتقد بالتواجد الخلوي للرأسمالية، بوجود النواة أو المركز محاطاً بالمحيط أو الأطراف، وكأنما الرفيق مطلب لم يسمع بالعولمة وهي هجرة شركات الانتاج الكبيرة من المركز الرأسمالي إلى الأطراف حتى أن المركز لم يعد مركزاً للإنتاج الرأسمالي وهو ما أدى إلى تسطيح الخلية الرأسمالية وموتها بالتالي حتى انتهى العلم كله إلى مسطح واحد تذوي فيه شعلة الحياة تدريجياً حتى الانطفاء. ليس في العالم اليوم مركز وأطراف أللهمّ إلا إذا اعتبرنا الصين الشعبية مركزاً والولايات المتحدة دولة طرفية تابعة. ماذا يعني تسطيح الخلية الرأسمالية، يعني أول ما يعني الهبوط الكبير لقوى الإنتاج. وعلى افتراض أن الحجم الكلي لقوى الانتاج في المركز كما في الأطراف بقي ذات الحجم ـ وهو ليس كذلك ـ أو حتى لو زاد زيادة مسطحة فلن يؤدي ذلك إلى ثورة اشتراكية حيث يغيب التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الإنتاج وصولاً إلى النقطة الحرجة وهو الشرط الوحيد الذي يفجر الثورة.
الثورة هي عمل طبقي تقوم به طبقة بعينها ضد طبقة أخرى، طبقة نامية ذات وسيلة إنتاج غنية تطرد من على مسرح المجتمع وسيادته طبقة أخرى بدأ يأخذ بها الهزال وتنحط وسيلة إنتاجها. الثورة الاشتراكية هي الثورة التي تقوم بها البروليتاريا كقوى إنتاج لم تعد علاقات الإنتاج الرأسمالية قادرة على احتوائها. نحن اليوم لسنا في مثل هذا الحال. فطبقة البروليتاريا اعتراها انكماش فظيع في ظل الاقتصاد الاستهلاكي المعارض تماماً للاقتصاد الرأسمالي، حتى بتنا نرى اليوم طبقة البروليتاريا في الولايات المتحدة، قلعة الرأسمالية فيما بعد الحرب العالمية الثانية قد انكمشت انكماشاً حديّاً فقد كانت تعد في الخمسينيات حوالي 75 مليوناً وهي اليوم لا تتجاوز 33 مليوناً، كما أن إنتاجها لا يعادل أكثر من 17% من مجمل الانتاج في الولايات المتحدة. وانكمشت في بريطانيا من 32 مليوناً إلى 12 مليوناً. فكيف لأهل المادية التاريخية أن يتوقعوا ثورة اشتراكية في أقوى مركزين للرأسمالية حتى وقت قريب !!؟

الرفيق ستالين لم يقل أن تناقضات الامبريالية في الهند والصين تؤدي إلى ثورة بروليتارية بل أكد العكس تماماً فقال أن البورجوازية الوطنية المعادية للاشتراكية تقود ثورة وطنية تصب في نهاية الأمر في طاحون الثورة الاشتراكية. فسعد زغلول وهو القائد الوطني التاريخي للبورجوازية المصرية قام بحل الحزب الشيوعي لدى استلامه السلطة وسجن الشيوعيين ومثله فعل عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات وأعدم القائد الشيوعي البارز شهدي عطيه وعبد الناصر كان القائد التاريخي لحركة التحرر الوطني في العالم كله والتي أنزلت بالامبريالية العالمية الضربة القاضية مباشرة.
الرفيق مطلب يقفز عن مبدأ ماركسي راسخ وهو وحدة الثورة الاشتراكية في العالم. النظام الرأسمالي نظام عالمي وهو ما يقتضي ثورة اشتراكية عالمية واحدة. لقد علمنا التاريخ أن ثورة التحرر الوطني لم تكن لتحقق أي إنجاز قبل قيام الثورة الاشتراكية وتوطيد أركانها في دولة عظمى هي الاتحاد السوفياتي. مائة ثورة في الهند فشلت قبل انتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية. الثورة في الصين بقيادة صن يات سن وقد استعانت بالامبريالية اليابانية كي تشيد الاستقلال الوطني في العقد الثاني من القرن العشرين فباءت بالفشل مما دعا صن يات سن إلى الإنضمام إلى الأممية الشيوعية. وكذلك فشلت الثورة العربية بقيادة الشريف حسين الذي انتهى إلى النفي والتشريد في المستعمرات البريطانية. جميع الدول المستعمرة والتابعة في العالم تحررت من ربقة الامبريالية فيما بين 1946 و 1972 وما كانت لتتحرر لو لم يبرز الاتحاد السوفياتي كأقوى دولة في الأرض ومركزا حصيناً للثورة الاشتراكية العالمية. كان عبد الناصر وهو يوقع أمر إعدام شهدي عطيه جزءاً عضوياً من الثورة الاشتراكية العالمية.

القول بأن ظروف الثورة تنضج في هذا البلد أو ذاك للقيام بثورة بروليتارية يتضمن إنكاراً للوحدة العضوية للثورة الاشتراكية والتي تكون في مركزها اشتراكية بروليتارية وفي أطرافها وطنية بورجوازية، وطبعاً لن يكون هناك ثورة طيلة غياب المركز. فأي مركز للثورة يقترح علينا الرفيق مطلب اليوم بعد انهيار مركزها في روسيا ؟ حبذا لو أن رفيقنا، وهو حفار التاريخ الأمضى بين البلاشفة، أن يشرح أكثر موقفه من الثورة الاشتراكية المستقبلية التي هي اليوم محط اهتمام عموم الشيوعيين والاشتراكيين والتقدميين والموصوفين باليساريين، موقفه الذي ربما غابت عنا بعض تفاصيله.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,473,017,508
- لا حرية مع العمل المأجور - بشرى الحرية لنساء العالم -
- الشيوعيون المرتدون
- ونستون تشيرتشل يفضح مجندي البورجوازية الوضيعة
- الأميّة في السياسة
- المتغيرات في تركيبة الطبقة العاملة ودورها
- ماذا علّمنا ستالين ؟
- ماركسيون شيوعيون لم يعودوا ماركسيين شيوعيين (3)
- ماركسيون شيوعيون لم يعودوا ماركسيين شيوعيين (2)
- ماركسيون شيوعيون لم يعودوا ماركسيين شيوعيين (1)
- محطتان رئيسيتان لمشروع لينين في الثورة الاشتراكية
- الوحدة العضوية للثورة الاشتراكية العالمية
- شهادة الشيوعيين
- الجمود العقائدي
- لماذا يغير المثقفون قناعتهم
- الساقطون الهاربون من انهيار مشروع لينين
- لينين باقٍ في التاريخ
- الإسلام كما القومية لا يمتلكان فكراً
- رسالة إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني
- شبح الشيوعية لم يعد يحوم في السماء
- عن أي يسار يكتب كتبة اليسار !؟


المزيد.....




- النّضال من أجل الثّورة الاشتراكية يفقدُ أحد جُنوده الأوفياء: ...
- تأجيل مؤتمر أممي تستضيفه مصر حول «التعذيب» يثير موجة انتقادا ...
- موسكو وكاراكاس تؤكدان الاستعداد لمواصلة التعاون العسكري التق ...
- فنزويلا تقلص ديونها أمام -روس نفط- إلى 1.1 مليار دولار
- رابطة التعليم الرسمي في النبطية بحثت في مخاطر تهدد إنطلاقة ...
- هكذا تكلَّم هشام فؤاد
- اتفاق السودان: هزيمة أم انتصار؟
- مشرعون إسرائيليون يساريون ينتقدون تصريحات ترامب حول الناخبين ...
- ليون تروتسكي: سيرة للأمل
- زعيم البوليساريو: الانفصال أو الحرب


المزيد.....

- الأسس الفكرية للانتهازية الثورية والإصلاحية الوسطية / هيفاء أحمد الجندي
- ليون تروتسكي: سيرة للأمل / أشرف عمر
- التوسع الراسمالي وبناء الدولة الوطنية / لطفي حاتم
- الحلقة الأخيرة: -الصراعات الطبقية بالمغرب و حركة 20 فبراير : ... / موقع 30 عشت
- الأسس الأيديولوجية والسياسية لبناء الحزب البروليتاري الثوري / امال الحسين
- اليسار الاشتراكي والتحالفات الوطنية / لطفي حاتم
- إرنست ماندل؛ حياة من أجل الثورة / مايكل لوي
- ماركس والشرق الأوسط ٢/٢ / جلبير الأشقر
- عرض موجز لتاريخ الرابطة الأمميّة للعمال _ الأمميّة الرابعة / الرابطة الأممية للعمال
- مقدمة “النبي المسلح” لاسحق دويتشر:سوف ينصفنا التاريخ(*) / كميل داغر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - عَالَمية الثورة الإشتراكية وعِلم الثورة