أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسامة على عبد الحليم - مقتطف من روايتى( حكايا الغيبوبة)















المزيد.....



مقتطف من روايتى( حكايا الغيبوبة)


اسامة على عبد الحليم
الحوار المتمدن-العدد: 3737 - 2012 / 5 / 24 - 05:32
المحور: الادب والفن
    


سايمون
تلك المكالمة جاءتنى اخيرا, اربعة سنوات من الانتظار , كنت اشعر فيها كل يوم انى عصفور يغلى فى جحيم القاهرة , تلك المكالمة كانت كأنها مصير يتحقق , او اسطورة تتشكل
والدقائق التى مرت فى انتظار المقابلة كانت تذكرنى ايضا بعذاب السنوات الماضايات, غريب كيف قد تشبه لحظة سنة , او برهة عاما, دقائق معدودة بينك وبين حلم العبور الى حياة جديده, واناس وقيم ومجتمع وثقافة كل شىء فيها جديد ومختلف, غير ان اهم مافى القادم هو انك ستحقق حلمك فى ان تكون لك خيارات اخرى , القدرة على الاختيار يعنى قدرتك على ان تكون حرا, وانسانا مرة اخرى
ثم دخلت , حضر المسؤول عن ملفى ودار بين بين مجموعة من اللاجئين المنتظرين مثلى, ثم نظر قليلا الى الملف الذى يحمله قبل ان يخاطبنى بصوت خفيض
هل انت سالم ؟ رجاء تفضل معى اسمى اريك
كان هادئا , صغيرا فى السن وشديد الوسامة, فى عينيه نظرة متعاطفة تدل على طيبة ونبل مقيمين فى روحه, فوجئت بانه لم يسع خلف تفاصبل الحكاية, لعله لم يكن راغبا فى ارهاقى بها , هو يعرف كم رددناها طوال السنوات المضايات
هل مازلت تقيم فى مخزن الورق الذى تعمل به؟
والحقيقة انى لم اسكن ابدا فى مخزن, ولكن محمود الذى صاغ قضيتى تبرع باضفاء تفاصيل ماساوية عليها وجعل من قضيتى اشبه ماتكون بتراجيديا ملحمية من تراجيديات اليونان القديمة
نعم
قلتها بسرعة آملا ان يغير الموضوع , اذا طالما كنت سيئا فى الكذب, وخشيت ان يبدو على ملامحى مايفضحنى ان تماديت اذ سارتبك حتما ولكنى لاحظت كم حزن , بل وللحظة خيل لى كما لوانه يرغب فى معانقتى
قال :-, هل انت بخير؟ هل مرضت؟ هل تلقيت مساعدة من اى نوع خلال السنوات الماضية؟ اريدك ان تعتبرنى صديقا لك وان تخبرنى بكل شىء , كصديق فقط, انت بالطبع لست مجبرا على شىء
فى تلك اللحظة تدخلت المترجمة الافريقية التى ظلت صامتة طوال الوقت , وشعرت ان ثمة شىء فى عينيها, ابتسامة غريبة لم استطع تحديد معناها
واجبت , قلت له:- هناك مكان قريب استخدمه حين يخلو من المستأجرين, هو عباره عن غرفة صغيره يملكها صاحب المحل الذى اعمل به
استئذننى اريك ليدخل الى احد المكاتب فى مبنى المفوضية, حمل كل اوراقى معه , وجلست قرب المترجمة ذات النظرات المقلقة ,والصمت بدا لى كثقل على الاطراف,كانت هى مثل التمثال ,تخبرنى ابتسامتها الساخره انها تعرف انى اكذب
من اين انت؟ قلت لها
تثاءبت فى قرف, حتى انها لم تبذل جهدا لتغطى فمها على سبيل اللياقة
كادوقلى1,اجابتنى
-انا من....
-عارفة
قاطعتنى ,ثم اضافت
انا مترجمة فقط, ممنوع التواصل مع اى لاجىء بالنسبة لى, وفر اى شرح للخواجات , والاسئلة كتيره كما تعلم
لم يتسنى لى ان اسألها عن خطبها, وسر العداء البادى منها بغير مبرر!, فقد عاد اريك من المكتب, كانت ملامحه تنبىء بخير, بابتسامته الجميلة قال لى:-
لديك الخيار فى اوطنك فى الولايات المتحدة او كندا
لم افكر كثيرا حتى قلت امريكا
قال :-سيكون عليك اجراء مقابلة اخيره فى منظمة الهجره الدولية, سيتم الاتصال بك لتحديد موعد معهم, وهم سيحددون لك موعد السفر, اعرف انك متعب جدا, وانك انتظرت كتيرا
ثم مد لى يده ببطاقة صغيره قائلا:-
هنا ستجد رقمى الخاص وعنوانى, انا اعيش وحدى, بامكانك ان تمر على فى اى وقت , ان احتجت شيئا , مكانا للمبيت , طعام, او صديق , اتصل , او تعال , انت مرحب بك عندى دائما , وفى اى وقت
كان هذا القول مؤثرا جدا بالنسبة لى, حتى انى لم اتمالك نفسى , وارخيت العنان لدموعى, وماعرفت ان كان هذا البكاء يعبر عن حزن على نفسى , ام لانى تذكرت معاناة الايام المنصرمة, او لعلى كنت اختبر معنى جديدا فى العلاقات الانسانية, حين تمنحك فجأة ماتتوقعه من محبة او تعاطف ولكنك لاتحصل عليه ابدا
ثم ربت اريك بيده على كتفى بشكل حميميى, كنت اشعر بصداقته وكأنها مرسومة فى داخلى منذ الازل, وتمنيت لو انى كنت اكثر شجاعة, اذن لارتميت على صدره معانقا,ولكنى اكتفيت بمصافحته
وحين خرجت ندت منى التفاته الى وجه المترجمة , كانت متجهمة, وكأنها لم تتوقع هذه النتائج الباهره, وكأنها تكرهنى ,ثم ابتسمت لى بشكل غريب , ابتسامة غامضة لم استطع تفسيرها , ابتسامة توجست منها شرا, فاسرعت اغذ خطاى مبتعدا عنها
صرخت فى مدخل المفوضية فى وجه اللاجئين المنتظرين, كانت العادة ان تخبر الجميع بما حدث معك بالداخل, فالذين سيدخلون بعدك يرغبون حقا فى استنتاج ماسيحدث معهم بالداخل
-امريكااااااااا
صاح اللاجئون واندفعوا تجاهى مهنئين , واندمجت فى هذه اللحظة مستمتعا بكل اجزاءها, وفى المدخل الرئيسى وجدت سايمون لاول مرة
مبروك, لقد شاركت فى احتفال الباب قبل لحظات , هل رأيتنى؟ ثم اردف
المهم معروف عن اريك انه طيب, ماذا قلت له؟ هل تحرش بك , ثم انطلق يضحك مقهقها
توقفت فجأة عن السير , والتفت الى سايمون
ماذا تقصد؟
اه امزح فقط , شوف ياجلابى2, اريك شاذ جنسيا, وانت جلابى وسيم , لكن اريك محترف جدا ولم يسبق له ان خلط العمل بالمتعة, انا امزح معك فقط, لكنك جلابى وثقيل الظل ايضا؟
ثم اضاف سايمون . كيف استطعت اقناع الامم المتحدة بتوطينك فى امريكا, هم يعرفون انكم الجلابة اصل مصايب البلد
-انتم الدينكا من تقودون الحرب فى الجنوب, انتم تظنون انكم افضل السودانيين, انتم....
بالله عليك هل انت حقا راغب فى استمرار هذه الحوارية ؟ثم اكمل بالانجليزية
كن معقولا
لا شىء شخصى ياجلابى, نحن نتكلم ... يجب ان نتكلم فقد نفهم .. , وسياتى الوقت الذى نفهم فيه
نفهم؟ انا اسمى سالم
نظر لى سايمون وهو يتظاهر بالجدية, ثم قال
اوكى , سالم الجلابى, ثم ابتعد عنى قليلا وكأنه يتقى منى لكمة قد اوجهها له وهو يضحك بشكل جعلنى اشاركه الضحك
وضحكنا كثيرا انا وسايمون يومها, قضينا بقية اليوم سويا بعد ان تغدينا فى احد المطاعم سويا
ثم اتفقنا على ان نتلقى مرة اخرى بعد يومين
والتقينا بعدها كثيرا جدا, كان سايمون مثقفا كبيرا, تعرض لكثير من المعاناة قبل ان يحضر وبعد ان حضر الى مصر, لكن اموره اعتدلت مؤخرا حين سافر بعض اقاربه الى بريطانيا, واصبح يتلقى منهم اموالا مكنته من السكن مع اخيه الاصغر فى احدى شقق الزمالك الفاخره, ولان الاشياء الجيدة يمكنها ان تأتى مجتمعة فقد حصل ايضا على منحة من الجامعة الامريكية لمواصلة دراسته, قدمتها له الكنيسة بشكل مفاجىء ودون مقدمات سابقة
ثم تعرفت عن طريقه على جوليا الامريكية . كانت جميلة كسما تبتسم , وعرفت انها متطوعة فى الامم المتحدة, كانت قريبة من سايمون بشكل جعلنى ارتاب فى علاقة تجمعه بها , ثم علمت انهما صديقين فقط وقالت لى مرة
-لا افهم لماذا تحاربون بعضكم لاسباب عرقية, فجميعكم سود البشره, افارقة حاميون؟
-الامر معقد جدا ياعزيزتى, قلت لها
وللتاريخ حضور ايضا , هناك مفاهيم مغلوطة بشأن الهوية فى السودان, بعض مثقفينا يعتقدون ان السودان لم يتشكل بعد كأمة, والحقيقة اننا دولة متعددة الديانات والاعراق وواللغات , كأننا مجموعة من الشعوب فى شعب
-ونحن ايضا مثلكم, لكن قوتنا فى اننا جعلنا هذا التعدد مصدر ثراء
مع الوقت اصبحت معجبا بجوليا ,
تلقائيتها وحبها للحياة والناس , عرفت انها انها عملت فى بعض دول امريكا اللاتينية لفتره قصيره قبل ان تغادرها بفعل ارتفاع المد اليسارى المعادى للامريكان هناك, تعلمت منها ضرورة ان ادون اشيائى , واصبحت وسايمون من اصحاب الخبره فى المواقع الالكترونية بفضلها
وعندما قص لى سايمون جانبا من حكاية هروبه من الحرب لاحظت كم تأثرت وكيف اجهشت بالبكاء, كانت لحظة من التعاطف الانسانى غير المشروط, ولم اجد حرجا من مشاركتها ببعض الدموع
قال لى سايمون:-
فى المرة الاولى التى زرت فيها الخرطوم, كنت طفلا بصحبة واحدة من اقارب امى, كنت اسميها خالتى ولم تكن كذلك, كنا قبلها فى الجنوب نعيش احلى ايام العمر, كنت طفلا اخرج مع اصدقائى فنسبح ونرعى الابقار ,و كان قطيعنا يزيد على المئتى بقره, لقد كنا من الاعيان
مئتى بقره؟ قلت هذه ثروة
نعم هى ثروة, القيمة الاجتماعية يحددها مقدار ماتملك من ابقار فى القبيله, وصدقنى لقد تمتعنا بقدر وافر من هذه القيمة
-قلت ثم ماذا ؟ ما الذى حدث؟
-فوجئنا بقوات عسكرية تهجم على المنطقة , ارادو ان ياخذوا ابقارنا ولكن ابى وقف اماهم كأسد يزود عن عرينه, لقد رايته يذبح امامى, لقد استكثروا عليه حتى طلقة سريعة , كأنهم كانوا يستمتعون بمرأى تدفق الدم من عنقه, وقتها كانت نباتات الخريف قد انبتت كثيبا بالقرب من موقع الذبح, سحبتنى امى بهدو ء واختبئنا خلفه, كنا قريبين بحيث لم يخطر على بال العسكريين ان يبحثوا هناك, كانت امى تصدر نهنات مكتومة ومع ذلك فقد خشيت كثيرا ان يسمعها احد الجنود فبدأت اربت على كتفها, وكنت كلما ربت ازادت نهنهاتها , علمت فيما بعد ان تلك كانت قوات الحركة, وعندما ذهبوا كانوا قد صنعوا مذبحة حقيقية, اخذوا معهم كل من ظنوا ان بامكانه ان يقاتل معهم, وقتلوا الكثير , كان اغلبهم من الاباء
ظلت امى صامتة بشكل مقلق طوال الايام التى تلت هذه الحادثة, توقفت عن البكاء, وكأنما الحياة بالنسبة لها توقفت عند تلك الحادثة, كانت لاتغفو الا قليلا , وعندما تغفو سرعان ماكانت تقوم مفزوعة
لم تمض عدة ايام حتى هجمت علينا مرة اخرى قوات الحكومة, فى هذه المرة لم نختبىء, امسكت امى بيدى واختى وانطلقت بنا تلقاء الغابة, كانت وجهتنا هى كينيا, لانها الدولة الاقرب الينا, حيث هناك مجموعة كبيره من اللاجئين الذين نعرفهم, ولكن امى توغلت الى الشمال بدلا من ان تتجه جنوبا, ثلاث ايام اوشكنا فيها على الموت جوعا, ولحسن الحظ ان الحيوانات الوحشية كانت قد غادرت الى غابات الدول المجاورة بفعل الحرب , وإلا لاصبحنا صيدا سهلا لها
فى اليوم الرابع كنت قد اجبرت نفسى على تناول نبات بطعم غريب, ولكن امى لم تحتمله, لقد مرضت مرضا رهيبا, وعلمت فى نفسى انها على وشك ان تموت, فى تلك اللحظة بالذات حاصرتنا مجموعة مسلحة, لم نقاوم بالطبع فحتى لورغبنا لم تكن لدينا القوة لفعل ذلك , لقد استسلمنا ببساطة , لمجموعة من مقاتلى دارفور, وضعونا فى شاحنة ووجدنا انفسنا فى احد المعسكرات
عوملنا بشكل جيد وتعالجت والدتى, لكن مجموعة من العسكريين الجدد فى هذا المعسكر حضروا مرة الى خيمتنا واخذوا امى, لم اكن هناك وقتها, لكنهم اغتصبوها وطعنوا اختى فى صدرها, فى لحظاتها الاخيره قبل ان تقطع عنقها سمعت صوتها يصيح باعلى مايمكنه ان يرتفع, سايمون اهرب
وهربت, جريت بكل ما استطعت ان اجمع فى جسدى من القوة, كنت اجرى وكأن الوحش الذى الذى لم يستطع احد ان يتخيله يجرى خلفى, كنت اعرف انى اجرى تلقاء مصير سيكون القتل فيه هو اهون الاحتمالات
ويبدو انى قد فقدت وعي اذ استيقظت فوجدتنى فى احدى القرى بالقرب من الفاشر3, قضينا هناك بعض الوقت ثم اخذتنى تلك السيدة التى كنت ادعوها خالتى الى الخرطوم فى رحلة ضمت عددا كبيرا من النازحين
والغريب انه رغم كل هذه المعاناة كانت المفارقة الكبرى حين اشتبك معى احد العسكريين فى الخرطوم فى احدى حملات التجنيد الاجبارى, بصراحة كنت اظن انه يريد اختطافي لم تكن لدى ادنى فكرة عن هذه ألحملات حين رفضت ان اركب معه انهال على ضربا, وكان هناك صحفى التقط له صورة بالمصادفة,وفوجئت بأن مجتمع الجنوبيين الغاضب يتفاعل مع الحادثة بشكل كبير, لقد تحولت الى الى رمز بينهم, ثم ساعدونى على الخروج الى مصر, جئت هنا ولم يكن الامر يتطلب الا نسخة من صورتى على الجريدة وانا اتعرض للضرب لاحصل على حق التوطين
******
قال سالم :-
كانت الصباحات كلها متشابهة فى القاهرة, فى عملى الجديد مع الرجل صاحب المكتب التجارى السودانى بدأت حياتى تتغير تماما, صحيح ان العمل كان مرهقا جدا, ولكنى استطعت ان اتعلمه بسرعة جعلت الرجل القاس يعتمد على تماما , وسرعان مااصبحت الموظف الاول فى المكتب, ما اتاح لى بعض الوقت لافكر فى نفسى , وكنت اشعر ان حاجتى لامرأة فى حياتى اصبح امرا ملحا للغاية , لم اكن صاحب معرفة بالنساء , تصوراتي عن المرأة في الحياة لم تتجاوز تصوراتي عنها في مراهقتي، لم انتبه إلى اننى لم أتطور في هذا المنحى إلا بعد أن التقيت جوليا ، ,كانت جميلة ومرحة دائما، أحببت تلقائيتها الأنيقة، واحتفائها الباذخ بالحب الانسانى الكبير للدنيا والناس،لم تجد حرجا أن تقدم حبها لفقراء البيرو وأطفالها المعدمين، وعندما بدأت الماركسية تستعيد عافيتها في أمريكا اللاتينية أمرت أمريكا رعاياها بالخروج ، لم يبق هناك إلا أعضاء المخابرات الخائبين
كانت جولى تبعث فى نفسى مشاعر مختلفة , عندما كانت تلتصق بى , كنت اشعر باستثارة غريبة , استثارة لم تكن قد تجاوزت حدود القبلات السريعة حين نلتقى ، او حين اودعها ، قبلات ماكانت لتفكر فيها أبدا، لكنها كانت كافية لايقاظ الآخر الذي يسكن غورا بعيدا في اعماقى، هذا الذي ظننت أنى تخلصت منه منذ زمان، اخبرني بحضوره في كل لحظة أمسكت فيها بيدها، في كل سانحة اختلست فيها النظرات إلى صدرها البض، كان ذاك الآخر هناك دائما يرقب ارتباكات شفتيها، واختلاجات ذقنها الدقيق عند احمرار خديها كان يجعلها دائما تكتشف احتراقات جسدي كلما التصقت بى في مصادفات تعمدت إحداثها دائما في براءة ذئب صحراوي أصيل
هى ايضا لم تتورع عن تقبيل أكثر الأطفال اتساخا في أطراف المدينة، ، هذه الفتاة كانت تحرج مسلماتي كثيرا، إنها تحاصرني في الزاوية الضيقة حيث تقبع كل سخافاتى البرجوازية التى كنت استكشفها يوما بعد يوم ، وكأنها تقول لي انك لست صادقا ، وكأنها مرآة تنفذ عميقا إلى عقلي لتعيد ترتيب الأشياء هناك وفقا لكل ما لم يخطر على بالى أبدا
في المساء كنت دائما حاضرة فى سريرى الخالى الا من البرد والضجر, كانت هناك تسكننى ولاتفارق خيالى ابدا
• انتم الجلابة لاتفكرون الا بنصفكم الاسفل , قال لى سايمون
-هل تنكر انك فكرت فيها قلت
• هى صديقتى فقط, هل يمكن ان تتصور وجود صداقة بين رجل وامرأة؟ اعرف ان هذا صعب عليك, ولا اقول هذا على سبيل الذم, فانت لديك منظومة للقيم المختلفة التى تربيت عليها, لقد عشت حياتك واقرب امرأة بالنسبة لك هى امك او اختك, نحن مختلفون عنكم, هل تعرف اننا كنا نقضى اليوم كله مع فتيات القبيلة ونحن عراة فى المراعى الممتدة الخالية فى الجنوب؟ كنا نعيش حياة رائعة فى ظل الطبيعة , ورغم ذلك لايمكن وان بحثت ان تجد بيننا مغتصبا او شاذا , بينما فى مجتمعاتكم المحتشمة بكل انواع الملابس تنتشر كل المويقات المتعلقة بالجنس
قلت بسرعة:-
-الجريمة شىء طبيعى فى مجتمع متحضر, الانسان المتحضر يجب ان يرتدى ملابسه, لايمكنك التجول فى الشارع ملوحا بعضوك وانت تعتقد ان هذا شىء صائب, يجب ان نراعى مشاعر الآخرين , ثم ان العرى فى قبائل السودان غير المسلمة مرتبط بظروف موضوعية معروفة, لكن انخفاض المستوى الحضارى والتخلف يبقى اهم هذه الاسباب
اجاب سايمون:-
• ما الذى استفدتم منه بحضارتكم , لقد جلبت لكم الحرب والدمار والحرمان والجريمة, تخلفنا حقق لنا السلام , السلام مع انفسنا والآخرين, هل خطر لك مرة انكم ربما تخبئون قبحكم خلف تلال الملابس التى ترتدونها, نحن نواجه الدنيا عراة فخورين بجمالنا, الجمال الانسانى على طبيعته, ثم ان الجريمة هى الشذوذ بعينه, هى الخروج عن الحالة الطبيعية لمجتمع آمن , الجريمة ليست حالة طبيعية , بدليل انها تنخفض كلما زاد معدل الرفاه والتقدم فى مجتمع ما
-لانسان العارى كائن قبيح ياسايمون , عن اى جمال تتحدث, ان البقاء قرب فتاة عارية يبعث فى النفس الرغبة , هل نتحدث عن بشر حقيقين هنا؟ ام انك تحاول ارباكى, الناس لايخفون فقط اعضائهم الجنسية بالملابس, هل تصلون عراة مثلا, ولا اقصد فقط المسلمين, ماذا عن المسيحييين والوثنيين
• لانحتاج الى الملابس لنصلى صلاتنا الحقيقية, حتى بالنسبة لمن اعتنقوا ديانات سماوية يظل دين الدينكا هو الايمان الحقيقى,نعم بعض منا وبتأثير التواصل الذى حدث مع الشمال وتأثيرات المبشرين الاوربيين اصبحوا يرتدون الملابس الآن, وهذا تواصل حضارى كما تعلم, لكن دين الدينكا ظل موجودا فى اعماق الذين لبسوا والذين مازالوا عراة
- دين الدينكا؟
• تلك حكاية قديمة تقول انه فى زمن بعيد جدا تلبدت السماء بغيوم كثيفة ولمع برق , وقصف رعد , وعم ظلام دامس , فانهمرت أمطار غزيرة , وفي لحظة معينة , لمع برق مضيء بدد كل الظلمات مصحوبا بصوت وكلام مع انهمار الأمطار والغزيرة ,وانزلق من خلال المشهد فتاة ممشوقة القوام , فارعة وجميلة, كان اسم تلك الفتاة آلوت وتعنى بلغة القبيلة ابنة الغيم, وقد ولدت هذه الفتاة جد الدينكا دينج دين والتى تعنى بلغتنا ربنا الكبير, تقول الاسطورة ان ذلك الجد ولد باسنان تامة وان امه آلوت قالت للناس من حولها :
ان ابنها هذا قد جاء معها من السماء , وإنه سيتكلم ان أحضروا ثيرانا بيضاء لتذبح التماسا للكرامة
وعندما ذبحوا الذبائح , وأقيمت الشعائر انهمرت أمطار غزيرة ثانية صعدت عبرها ألوت إلي السموات العلي , وتركت ابنها المعجزة ( دينج دين ) يكلم الناس ويأمرهم بأن يجعل كل فرد منهم , ممن يملكون الأبقار عددا منها وقفا عليه تحمل اسمه يحرم التصرف فيها بالبيع والشراء , لكن يجوز الاستفادة من ألبانها ولحومها أو ذبحها في مواسم الأعياد , أو نزول المطر وجني محصول الذرة
*فيما بعد قالت جوليا ان قصة دين الدينكا تشبه الرواية الاسلامية عن قصة المسيح, ثم اشارت الى ان ولادة دينج الاعجازية تشبة ولادة المسيح من ام دون اب, وان الرواة ربما استفادوا من قصة المسيحية فى مجتمعات تقيم اعتبارا كبيرا للدين
لكن سايمون قال:-
• لاصبح هذا التصور مقبولا ان كانت القصة قد ظهرت بعد الميلاد, لكن التصورات العقدية لقبيلتنا اقدم من هذا بكثير,هذا التشابه موجود ايضا بين البوذية والمسيحية, رغم ان البوذية اقدم من المسيحية باكثر من خمسمئة عام
هذا صحيح ! قالت جوليا
-غر يب, كنت اعتقد انك مسيحية
الحقيقة انى اتبع المذهب الانسانى
-لاتؤمنين بشىء اذن؟
انت قلت هذا,قالت جوليا مبتسمة قبل ان تضيف....
فى الواقع انى حاولت , ولكنى لم استسغ ابدا فكرة ان بتجسد الله فى انسان, فكرة ان يتم صلبه وجلده والبصق عليه , مسالة الخطيئة الاصلية , هى مجرد ذنب , واعتبار الذنب المحدود شيئا شاملا يمتد ليورط البشرية كلها الى يوم يبعثون , هذا شىء لايتفق وتصوراتى عن عدالة القدير , ويبدو ان هناك مؤلفا اكتشف هذه الفكرة فعالجها بمسالة ارسال ابن الله لخلاص البشرية من ذنب لا علاقة لها به , ثم جاءت بعدها مسالة الاقانيم الثلاثة , هذه الاقانيم موجودة فى كل الديانات, وهى ديانات لاعلاقة لها بالله ابدا, فثالوث الفراعنة ((أوزوريس وحورس وإيزيس)) لا يختلف عن ثالوث الهندوسية((براهما وشيفا وفيشنو )) ولا يختلف عن ثالوث الزرادشتية (المجوسية) ((أهورامزدا وميثرا وأبام نبت))) هى نفس فكرة المسيحية عن الآب والابن والروح والقدس
*******
حينما ضاجعت جوليا للمرة الاولى لم اكن جيدا جدا, كنت اشعر بخجل شديد جعلنى اتجنب لقاء جديدا معها, لكن اكثر ما كنت احب ان اتحاشاه هو سخرية سايمون, وحين يئست جوليا من ارد على تليفوناتها ارسلت لى رسالة على المحمول
(يجب ان نتلقى, سايمون مقبوض عليه)
والتقينا, لم يكن هناك اى مجال لمراجعة ماحدث بيننا, كنا مضطربين , لم تكن الامم المتحدة راغبة فى ارسال احد للسؤال عن سايمون
-اخذته الشرطة الى القسم , ثم تم تحويله لاحقا الى السجن, هو متهم بانه احد قادة اعتصام اللاجئين قالت لى جوليا
اخبرت جوليا انى على موعد مع شقيقه الاصغر , لكنها اعتذرت عن الانتظار لانشغالها بعمل فى الجامعة الامريكية
جاءني شقيقه الأصغر، ولد صغير هو ، لكنه كان حزينا وخائفا، حاولت طمأنته، وعندما رأيت اغروراق عينيه بالدموع ، أخبرته أن لأبأس أن أراد أن يبكى قليلا، لكنه تمسك بأهداب ما ظنه رجولة حتى أخر اللقاء، استكملت منه بعض البيانات، وتفارقنا مسرعين
كنت قد انتهيت للتو من إرسال ايميلى الأول إلى احدى المنظمات عندما حضرت جوليا مساء لتصحبنى ، كنت متكدرا جدا، جولى بالغت في إظهار غضبها ، وقررت أن تستخدم صلاتها في تقديم مساعدتها،في الطريق عرجنا على مكتب المبادرة المصرية لحقوق الإنسان،قابلنا مديرها دون أن يضطرنا إلى تحديد موعد، فوجئت بأنه يعلم تفاصيل دقيقة حول ماجئنا من اجله، اخبرني أن سايمون قد تم تحويله إلى الحجز الانفرادي، وانه يتعرض للضرب بشكل منظم، وان الزيارة ممنوعة عنه لغير إفراد أسرته من الدرجة الأولى، وانه معتقل بلا تهمة ولا محام
عندما خرجت مع كاثى كان الصمت بيننا اكبر من كل الكلمات، وعندما وصلنا إلى ميدان المدينة الكبير ،وجدناه يضج في حركته الأبدية بمطاعمه المتسخة وباعته الذين لا يكفون عن الزعيق،وفى الشارع الضخم الذى يربط بين ميداني رمسيس وميدان العتبة،بالقرب من محطة الباصات الرئيسة،التف حولنا بعض المراهقين يحاولون بيعنا هدايا الخواجات السخيفة، كانوا يتحرشون بجولى في خبث، بينما تبتسم هى في براءة للصغار البائسين، انتهرتهم في حزم، ثم أشفقت عليهم عندما تطوع شرطي لإكمال هذه المهمة عنى، شكرت شرطة السياحة في نفسي وتأبطت جوليا في التصاق كنت واثقا أنى لم اتعمده
في الطريق انتحيت تلقاء النيل، ثم ضبطت نفسي ابكي في حرقة إمام جوليا ، احتضنتني في حنو وشاركتني البكاء قليلا، لم تسألني أبدا لماذا بكيت إمامها بهذه الأريحية
فى اليوم التالى فاجئتنى بانها حصلت لنا على تصريح لزيارة سايمون, قطعنا المسافة الى سجن القناطرفى سيارتها , والتقينا بسايمون, تخيلت قبل ان يخرج لنا سايمون ماسيقوله , بدا لى المأمور مضطربا ومتوجسا من هذه الامريكية , , وشعرت ان سايمون الساخر فى كل الطروف كان يشعر بشماته لموقف المأمور الجبان, سايمون كان قويا , قال انه تعرض للضرب عدة مرات, ولكن الاذى النفسى الذى يشعر به اكبر من كل الصفعات التى تلقاها, عزيته بكلمات بدت لى بلا معنى , لكنه ربت على كتفى وكأنه كان هو الذى يعزينى
فيما بعد قرأت المقال الذى شكل وثيقة لاتهام سايمون الذى كان قد كتب فى مدونته :-


((حزم عام 2005 حقائبه واستعد للرحيل, والبرد القارس فى ليلة 31 ديسمبر جعل معتصمى ميدان البؤساء فى متتصف القاهرة يتلفحون اجساد بعضهم , بعد ان افترشوا الارض وبعض الملاءات
فى العاشرة من مساء هذا اليوم كنت داخل منزلى بالقاهرة , ولكنى كنت اشعر ان البرد يخترق عظامى, طرق بابى بعض جيرانى المصريين , وقدموا لى سبعة بطانيات وكانت بينها واحدة مستعملة, طلبوا منى ايصالها نيابة عنهم الى ألمعتصمين لقد اثر بى كثيرا هذا الموقف النبيل فبعض المصريين طيبون جدا وينطون على كثير من النبل ,استلمت البطانيات , وقررت ان اذهب الى الميدان فورا لتقديمها لهم , فى الطريق هاتفنى ناشط من الجمعية المصرية الامريكية لحقوق الانسان , ان الشرطة قررت (تنظيف )الميدان فى اى لحظة خلال هذه الليلة, وطلب منى الا اذهب الى هناك
هونت عليه الامر وطمئنته فقد تسربت مثل هذه الاخبار خلال الايام التى تلت مفاوضات المعتصمين مع وزارة الخارجية والامن المصرى بحضور الناشط الحقوقى المعروف ميلاد حنان , لكنه شدد على صحة مايحمل من معلومات
( ستحدث مجزرة, الامن قالى ان عندهم تفويض من القيادة السياسية اوعى تروح هناك الليلة)
(انا شايل بطانيات ولازم اوديها , تقصد مين بالقيادة السياسية ؟ ) هو لم يجبنى بشكل واضح ولكنى توجست شرا كبيرا

قررت ان اتصل عليه لاستوضح الامر, اخبرنى ان الوضع كله بيد الامن المركزى الان وانه لا يعرف اى شىء عما حدثته به!!
وصلت الى الميدان , الجنود الذين كانوا يحيطون بالميدان احاطو بى ايضا , وبدأوا (بنكش )البطانيات, وقالو لى ان من المستحيل السماح لى بالدخول الى هناك الان., وان الميدان يجب ان يتم تفريغه ( احنا بنصلى العيد هنا يزووول )
كانت المسافة بينى وسور الحديقة حوالى ستة امتار, وكنت فى كل مرة اقوم بحركة تجعلنى اقترب من السور اكثر, وعندما اقتربت بشكل مناسب قمت بشكل مفاجىء بالقاء بطانيتين الى داخل السور ,التفت العساكر فى فزع, وعندما لاحظوا انه لايوجد احد من الضباط, طلبوا منى القاء بقية البطانيات بسرعة , على ان اغادر بنفس السرعة

كانت قناعتى وكثير من المتابعين فى هذا الوقت ان المفوضية، تعامل اللاجئين كعبء لابد من التخلص منه. يبدو أنها كانت، بغلقها لملفات اللاجئين السودانيين، تكافئ الأطراف المتصارعة في السودان على امتثالهم للراعي الأمريكي الذي أمر بإنهاء الحرب، ولكنه لم يأمر بإنهاء اضطهاد فقراء الجنوب والغرب والشرق، أو بإنهاء الذل والاستعباد والقمع!!
صورت المفوضية، ومعها النظام المصري المتواطئ، اللاجئين السودانيين على أنهم خارجين على القانون يتحايلون ليحصلوا على بضعة دولارات من الأمم المتحدة. تلك النظرة العنصرية الحقيرة كان هدفها ببساطة تأليب الرأي العام ضد اللاجئين
بعدها انتشرت الشائعات عن ممارسات اللاجئين داخل الميدان, قيل انهم يشربون الخمور علنا, ويمارسون الجنس علنا, قيل انهم يشوهون وجه المدينة بأشكالهم السوداء, وانهم ينشرون الايدز ايضا!!! فى مصر
المذبحة التى حصلت هى بكل المقاييس جريمة ضد الانسانية, جريمة تمت مع سبق الاصرار والترصد, جريمة بدأت يوم ردد اعلام النظام المصرى مقولات حول السودانيين فى مصر( انهم يسرقون وظائف المصريين) ( لماذا لايتم ردع الزناجوة دول )( يجب طردهم)
جريمة بدأت يوم سمحت المفوضية بتعيين كل طاقم المفوضية بالقاهرة من ضباط المخابرات المصرية, يوم قررت الحكومة المصرية ان تستقبل لاجىء العالم لتستولى على مخصصاتهم التى يلتزم بها المجتمع الدولى دون ان تكلف نفسها بانشاء هيئة وطنية تخطط لامورهم , ربما كان الاكثر اخلاقية ان ترفض مصر استقبال اللاجئين , حتى لا تصبح مضطرة لقتلهم
بدأ الهجوم على الحديقة وفجر الليلة المشئوم يستئذن اطراف المدينة فى الدخول, وبدأت زخات المياة الباردة المنهمرة من خراطيم الاطفاء تغرق المعتصمين , فى ذلك الصباح الشاتى, بعض المسنين توفى فور ان بدأ الهجوم نتيجة الصدمة , لم يحدث هرج كبير بين المعتصمين, فقد كان الاتفاق بينهم ان يموت البعض فى هذا الهجوم على ان يستكمل من سينجو المفاوضات على اساس ماسينتج عن المذبحة, فى الدور الثانى من الهجوم المركز زادت قوة القصف بالماء البارد, ايقن اللاجئون بالموت حينها فهرع الجميع للصلاة , كانت خراطيم الماء تغرق المصلين , المسيحيون كانوا يرددون صلواتهم واهازيجهم الدينية, وكانت اصواتهم تعلو شيئا فشيئا هلللويا هللويا

توقف سيل المياه, وبدا هجوم الامن المركزى بتشكيلات بدأت وكانها تخوض حربا , اربعة الاف عسكرى, كانوا يضربون الارض بارجلهم وهم يطلقون صيحات متوحشة قبل ان ينطلقوا لحصد ارواح السودانيين , لقد اظهر هئولا الجنود شجاعة كبيرة امام اللاجئين العزل كما عبر عن ذلك احد الكتاب الكبار فى مصر, كان العسكريون المصريين يضربون اللاجئين بشكل غريب, لم يفرقوا بين شيخ او طفل او امرأة, حتى الذين جعلوا من اجسادهم حواجزا لحماية الاطفال كانو يستمرون بضربهم حتى بعد مفارقة الحياة
عدد الضحايا فى تقديرى الخاص بما فى ذلك الذين ماتوا لاحقا لا يقل عن المائتى مغدور, يشمل ذلك الذين كانوا فى مشرحة زينهم والقصر العينى وبعض المستشفيات الأخرى سيما وقد حرصت القوات المصرية على تفريقهم فى مستشفيات ومعتقلات تبعد عن بعضها كثيرا
لا اريد ان اتحدث عن حكومتنا السودانية , سيكون حديثا بلا فائدة فى هذا المقام ,ولكنى اتمنى ان افهم يوما كيف ان هذه الحكومة كانت قد ابدت ( تفهمها )لدوافع النظام المصرى فى ارتكاب هذه المجزرة ؟ سيما وان هناك 18 اتفاقية امنية كانت موقعة بين الطرفين كما وجدنا فى بعض المصادر
***

لم تكد حملتنا من اجل سايمون وبقية السجناء تبدأ حتى افرج عن سايمون مع بعضهم , فقد استجابت السلطة لطلب منظمة الهجرة الدولية للافراج عن المعتقلين الذىين اقترب موعد مغادرتهم الى دولة التوطين , كانت فرصة للسلطات فى التخلص من بعض القلق وبشكل مجانى
فى اليوم الذى تحدد لموعد سفرنا كان المطار يعج بالسودانيين وبعدد من اللاجئين السمر من الصومال ودول اخرى, ملامح الوداع , تمازج الحزن بالفرح والدموع, كان وجه سايمون جميلا , هادئا وكأنه وجه طفل نائم يعالج حلما , كنت جالسا بينه وجوليا, وشعور عارم بالحنق على العالم يملأ كيانى
• خلاص, العالم فى انتظارنا, حياة جديده, لماذا لاتبدو مبسوطا قال لى سايمون
التفت اليه بهدوء ثم سالته :- هل انت مبسوط
وكما لو ان السؤال قد باغته, فقد صمت وبدا لى منخرطا فى تفكير عميق
-لماذا لا توجد هذه العلامات التى فى جبهة ابناء الدينكا علىك ياسايمون؟ قالت جوليا لتقطع مساحة الصمت الذى كان يتوسد غالب الحضور
كانت مجموعات اخرى من الجنوبيين يملاون صالة الانتظار, بشلوخهم الطاهرة على وجوههم
قال سايمون:- هذه الشلوخ تعتبر شهادة عبور من مرحلة الطفولة إلي مرحلة الرجولة, انا لم اكن فى القبيلة فى هذا الوقت
ثم اضاف:- هل تعلمين ان مرحلة الشلوخ هذه لاتتم إلا بعد أن نهاجم أفراد الطبقة العمرية السابقة لنا حتى يرموا بأنفسهم في مياه النهر , فإذا ما خرجوا منها أصبحوا متطهرين من وجهة النظر الشعائرية , حيث يزينون سواعدهم ورقابهم بالخرز الملون والأصداف , ويرتدون الثياب المزخرفة , ويزهون في كبرياء ويتنافسون في حلبات الرقص ويصبحون احرارا
نظرت الى سايمون قليلا قبل ان اقول:
- انا ارى انك نجوت من الم كبير ياصديقى لاتحتاج الى هذا لتشعر بانك حر
قال سايمون:- الحرية هناك, وراء البحار, متى تقلع هذه الطائرة اللعينة
عانقتنى جوليا وسايمون قبل ان تذهب, اخبرتنا انها ستعود مرة اخرى الى البيرو, ثم ستلتقى بنا فى امريكا بعد عدة اشهر بعد ان انصرفت بقليل حضر احد المصريين من منظمة الهجرة الدولية ليصحبنا الى سلم الطائرة, وزع علينا بعض الاوراق , ثم طلب منا ان نسلمها الى المندوب الذى سيقابلنا هناك
عندما بدأت المجموعة تتحرك باتجاه الطائرة الرابضة فى المطار, قررت انى لا اريد ان اسافر, لم يكن خوفا , كان ثمة شىء يمنعنى , رغبة قوية فى البقاء , فجأة لم اعد اظن ان حريتى ستتحقق بمجرد ذهابى الى ماوراء المحيط, تراجعت الى الخلف, وكان سايمون هناك منشغلا بالحديث مع المجموعة , لم اكن راغبا فى تعكير فرحته بقرارى الغريب, فقط توجهت الى خارج المطار , والقيت باوراق السفر من نافذه التاكسى الذى اقلنى الى داخل المدينة, المدينة التى لم يعد لى بها مكان





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الجدار
- ظل الطاغية
- حول الحرب فى السودان
- اليمين ملة واحدة
- مصباح ديوجين
- حول حوار الرفيق على الكنين بخصوص الطبقة العاملة
- تأملات فى الحالة السودانية1
- تعليقات حول الكتاب المقدس
- تعليقات حول قضايا الثورة فى السودان
- حول الاقتصاد السودانى
- ست سنوات على مذبحة المهندسين
- هل نحن بحاجة الى يسار جديد؟
- مقتطف آخرمن روايتى ( الغيبوبة)
- مقتطفات من روايتى ( الغيبوبة)2
- دولة المكاسين
- فصام / قصة قصيره
- منهجية الثقالة والشأن السودانى
- تأملات حول الانتخابات السودانية
- نظرات فى الشأن السودانى-قصة السلطة وقضية الثروة1
- حول مذبحة السودانيين فى مصر -دعوة لاطلاق سراح السجناء اللاجئ ...


المزيد.....




- تعرف على الأفلام والممثلين المرشحين للأوسكار
- -دفاعا عن برنامج مصر النووي- يكشف التاريخ النووي في بلاد الأ ...
- جاسوس كمي يكشف خفايا الاستخبارات الأميركية
- كوميدي مشهور يتعرض لهجوم في ولاية كارولينا الجنوبية
- أربع روايات فلسطينية في الجائزة العالمية للرواية العربية “ا ...
- المجموعة القصصية -المربوعة- في معرض القاهرة الدولي للكتاب
- فيلم عربي يفوز بأرفع جائزة سينمائية سويدية
- روسيا تمنع عرض الفيلم الكوميدي -موت ستالين-
- حاملو جوائز أوسكار باتوا نجوم الأفلام السيئة
- وزيرة الثقافة الإسرائيلية تشيد بفشل بلادها في الترشح للأوسكا ...


المزيد.....

- النقد فن أدبي!* / شاهر أحمد نصر
- ت. س. إليوت / رمضان الصباغ
- مجلة الخياط - العدد الاول / اياد الخياط
- السِّينما التونِسِيَّة: الذاكرة السياسيَّة مُقاربة واصِفة فِ ... / سناء ساسي
- مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة - ج 2 / امال الحسين
- الإفطار الأخير / هشام شعبان
- سجن العقرب / هشام شعبان
- رجل العباءة / هشام شعبان
- هوس اللذة.. رواية / سماح عادل
- قبل أن نرحل - قصص قصيرة / عبد الغني سلامه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسامة على عبد الحليم - مقتطف من روايتى( حكايا الغيبوبة)