أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كمال يلدو - تحت اعواد المشنقة - يوميات مناضل في سجن الغستابو -






















المزيد.....

تحت اعواد المشنقة - يوميات مناضل في سجن الغستابو -



كمال يلدو
الحوار المتمدن-العدد: 3669 - 2012 / 3 / 16 - 08:14
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


يوليوس فوتشيك

تـــحــــت اعــواد الـمـشـنـقـة
( يـومـيـات مـنـاضـــل فـي سـجــن الـغـسـتـابـو )
ترجمــة تقديــم
مصطفـى عبود فخـري كريـم

الاهــــــــداء
الـــى شــهـداء
ح . ش . ع
فخري
تقديـــــم
الـمـفـهـوم الـبـطـولـي لـلـحـيـاة

في غمرة حياة عادية مشدودة الى تطلعات الشباب الرومانتيكية ، توقفت لاول مرة في حياتي اتطلع من حولي بحيرة غامضة
بحـثـــا عن مغزى حياة تستغرقنا فيها الهموم العابرة .. ويومها وجدت طريقي الى صفوف الحزب الشيوعي .
واحتضـنتني المعاني الجديدة لحياة مناضل شيوعي ، بما تنطوي عليه من امال مشرقه ، وما تنذر به من حرمانات واهوال ...
ولـم يكـن الانتماء انذاك سوى اختيار الطريق ..
وظل التعميد الثوري
وظل الايمان العميق
ظــل الثبات ، سر الاستمرار ، والبطولة ، سر الانبهار بالحياة حد الشهادة ...
وتتواصـل التطلعات الرومانتيكية الاولى مع الفعل الجديد الواعد ، وتختلط المفاهيم ، ومن بين ركام تقاليد الحياة الماضية
وعاداتها ، وقيمها وهمومها تنمو وتنفتح تقاليد وعادات وقيم وهموم جديدة ، تنمو وتنفتح حياة شيوعية ...
ومع التفتح والنمو ، تنمو التساؤلات وتكبر ...ومن بين كل الاسئلة الكبيرة ، تظـــل البطولة الثورية ، البطولـــة حد التضحية
بالحياة ، اكبر الاسئلة ...
واقرأ يوليوس فوجيك اول مرة فاهتز من الاعماق ، وتختـلــــط تطلعاتي الرومانتيكية باختياري الجديد ، وتستقر ( همهماتي)
عـلـــى معنى جديد ، انني مدين لفوجيك بأثمن الاسرار ، سر الاعماق البعيدة للثوري الانسان ، التي سبرها بكل المحبة التي
تليق بانسان حقيقي ، بثوري اصيل .. ببطل شيوعي حتى حينما يبحث في اعماق خائن عن اسباب سقوطه ...!
وها انذا اسمح لنفسي بقراءة جديدة ، لمأثرة فوجيك الاخيرة التي ودع بيها الحياة ، الاوراق الاخير التي كتبها في زنزانة
الموت بسجن بانكراك النازي ، الاوراق التي كتب لها ان تعيش وترى النور لترسم لأجيال من الشيوعيين الثوريين طريق
النضال والبطولة .
ان قراءاتي هذه ، انما هي محاولــة للتعبير عن الوفاء والواجب ، للمعنى الذي انطوت عليه اوراق فوجيك الاخيرة
( تحت اعواد المشنقة ) ..
الاختيار..
في عام 1921 انضم يوليوس فوجيك الى الحزب الشيوعي ، ولم يكن هذا الاختيار نقله مفاجئه في حياة فوجيك ، فقد بدأ
التفكير كمكافح ديمقراطي ثوري ، يدفعه الادراك الى ان العالم ( ليس ظماَنا للجمال والحقيقة فحسب ، بل ان هناك في العالم
اطفالا يتضورون جوعا وتطلق عليهم النيران وتقتل فيه النساء في الحوادث في المصانع . ) وكان الصبي ( يولا ) ابن
عامل المخرطة والعضو المحترف في مسرح سميخوف ، وهو المصنع الذي يعمل فيه ، مسرحيا ( معجزة ) أثار تمثيله وهو
في التاسعه من عمره ، مشاعر عميقة وهــو يندمج في دور ( طفل عادل ) وقد اكتسب يوليوس فوجيك من نشاطه المسرحي
الذي مثل فيه طيلة عشر سنوات ، ادوار الاطفال ، طلاقة لغته وطبيعتها وهي التي ميزت كتاباته ، بالاضافه الى خبرة
( المناخ المسرحي ) التي اعانته على ادراك انه ( لكي يكون لأي فكر حقيقي الاثر الضروري ، لكي يمكن ادراكه ، يجب ان
يقدم بلا شلكيات وكلمات جوفاء ولا ضرورة لها ) ومكنته خبرته المسرحية من اتقان فن العمل الثوري السري ، فن التنكر
والتخفي ، وايهام العدو وتضليله . ويترعرع الصبي الموهــــوب في محيط ابيـــه البروليتاري ، ويتطلع بعين مفكرة ، ملتقطا
خيوط الالم التي تضيق الخناق على الاسرة البروليتارية الكبيرة المتزاحمة في مصانع شكودا . وتستيقظ في اعماقه مكامن
الغضب الاولى .
ومع نحيب النساء وغضب العمال وبؤس اطفالهم ، تتشكل ملامع وعيه ، احساسه بالعـــدل ، وشجاعته ، صدقه ، حبه
اللامحدود للعمل ، جوهر انسانيته وبطولته . ان الصبي الواعي المفكر يبدأ البحث عن مصادر تشكيل اتجاهاته الاخلاقية ،
والابداعية فينكب على التراث الانساني والبطولي لشعبه ، ويقرأ مابين العام السادس عشر والعشرين من عمره اكثر من
مائتي مؤلف مولـيــــا اهتمامــــا خـاصـــا للكـتــــاب الكلاسيكيين في الادب التشيكوسلوفاكي والادب العالمي . كان هو يقرأ
بـأمعان يعي ان قراءاته ، انما هي مصدر عمله اللاحق ، واداة فهم العالم المحيط به .
يقرأ فوجيك اعمال تولستوي ورولان وفرانس وزولا وديكنز وتشرينشفسكي وماركس ولينين ، انه يقرأ ويفكر ، ويدون
مقتطفات مما يقرأ ويؤشر ملاحظاته الشخصية ، فهو شديد الحرص على التفكير المستقل . ولكن فوجيك لا تستهويه القراءة
المتأملة ، الحالمة ، معزولا عما يدور حوله . وانما يتواصل وعي القراءة فيه ، بوعي الفعل ، وعي العمل الثوري . فينغمر
في العمل ، يشترك في المظاهرات ، يحرض الطلبة على المشاركة في تظاهرات الاول من ايار المجيد ، يلتقي بالعمال
ويستمع اليهم بانبتاه وتعاطف ومحبـــة .. ويكتب .. لقـــد اختار فوجيك الصحافة ، اداة عمله الثوري .
ويفكر ..
ويتجاوز فكره ، بفعله الثوري
فيصبح شيوعيا
ومحرضا من طراز بطولي
ويصبح قائدا
يصبح شهيدا
ذلك انه كان ، منذ البدء ، انسانا ...
" نحن الشيوعيين نكون جيش الستراتيجي البروليتاري العظيم – جيش الرفيق لينين . وما من شيء اعلى شرفا من ان
يكون المرء عضوا في هذا الجيش ، وليس هناك ما هو اعلى رتبة من عضوية الحزب الذي كان مؤسسه وزعيمه لينين "
" اننا نحن الشيوعيين نحب الحياة ، ولذلك فانا لا نتردد في المخاطرة بحياتنا لكي نشعـــل ونمهد الطريق نحو حياة حقيقية
حرة كاملة وفرحه تستحق هذا الاسم . فليست الحياة الدليلة – في القيود والخضوع والاستعلال – حياة ، انما هي وجود
بائس لا يليق بالانسان . فهل يقبل الانسان الجدير بهذا الاسم - ، هل يرضى الشيوعي بمثل هذا الوجود ! هل ينحني
للمستغلين وسائقي العبيد .. ابدا لمن يضن الشيوعيون بأية جهود او تضحيات في كفاحهم من اجــــل حياة حقيقية وانسانية
حقا "
" اننا نحن الشيوعيين نحب الانسان – فكل ما هو انساني ليس غريبا عنا واننا لنعرف قيمة اقل المسرات الانسانية ونعرف
كيف نقدرها – ولذلك فاننا لا نتردد مطلقا في التضحية بمصالحنا الشخصية لكي نفوز بمكان لائق تحت الشمس من اجل
انسان حر سليم مرح لا يتعرض لارهاب نظام الفوضى والاستغلال ،سواء كان ذلك بسبب فضائع الحرب او بسبب البطالة "
" اننا نحن الشيوعيين نحب الحرية ، ولذلك فاننا لا نتردد لحظة واحدة في اخضاع انفسنا طوعا لنظام الحزب الدقيق .
للنظام العسكري لجيش الرفيق لينين ، وذلك لكي نحقق الحرية الوحيدة الجديرة بهذا الاسم : حريــة البشرية كلها ، فحرية
قليل من الافراد – حريــة السرقة لفريق من الناس ، وحرية الموت جوعا للاخرين ليست حرية بل انها على العكس اذلال
للجميع . فهل يرضى الشيوعي بمثل هذه الحالة ، هل يكتفي بجانب شخصي من هذه الحرية ؟ ابدا ، ولذلك فاننــا نحن
الشيوعيين لا نضن بأيـــة جهود او تضحيات في الصراع من اجـــل حرية حقيقية ، حرية تتزايد دائما ، حرية للجميع "
" اننا نحن الشيوعيين نحب العمل الخلاق ونحب النمو البناء الذي يشكل مستقبل البشرية ولذلك فاننا لا نتردد لحظـة واحدة
في تدمير العقبات – والعقبات فقط – التي تعترض طريق لقوى الخلاقة العظيمة للانسان ... ان هناك لالوف ، بل مئـــات
الالوف من الموهوبين الذين يستطيعون مضاعفة الحضارة الانسانية وتحسين لتنظيم الانساني ودفع التكنولوجيا الانسانية
الوف ، بل مئات الالوف من امثال هؤلاء الموهوبين تضيع مواهبهم هباء . لذلك فأن الشيوعي لا يضن بجهد او تضحية في
النضال من اجل تحقيق نظام تجد فيه كافة القوى الخلاقة في البشرية وكل فرد فيها مجالا وتطويرا كاملا " .
" اننا نحن الشيوعيين نحب السلام ولذلك فنحن نكافح " .
ان فوجيك تشكيل رائع للمناضل الذي اراده في " وصاياه العشر الشيوعية " التي صاغها قبل ثلاثة اشهر من اعتقاله .
انه من معـــدن خالص ، معدن انساني !! المعدن الذي صيغ منه كل الابطال والشهداء منذ فجر التاريخ الانساني ، انه
شقيق سبارتاكوس ، وعمار بن ياسر ، وليبكنخت ، وروزا لوكسمبورغ ، فهد ، وشهدي عطية ، وخسرو روزبه ، واليندي
وزويا ، وديمتروف . وتتجلى في حياة فوجيك مثلمــا في موتــــه ، بطولة الاستشهاد ، فالفعل الانساني ، مهما كان صغيرا ،
مهما كان جزئيا ، ما دام يصب في مجرى التغيير التأريخي ، ويتناسب مع التكوين الاخلاقي . مع وعي الانسان الفاعل ، انما
هو شكل للبطولة . وفي وقت ما ، تزحف الافعال ، الصغيرة في مد جارف يغسل الارض والزمن من عفونة القديم البالي .
تتجاوز هذه الافعـــــال حد البطولة الى الشهادة . هكذا كان ادولف كولينسكي ، سجان " بانكراك " الذي وفر لفوجيك القلم
والورق وهرب اوراقه الاخيرة ! بزة سجان ، قلم ، قبضة من الاوراق تتسلل الى زنزانة مسيجة بموت يومي على مدى
شهور ، انه فعل صغير الى الدرجة التي يخشى فيها فوجيك عليه من النسيان ! فيذكر ببطولته ، مثلما يذكر ببطولة الاخرين
في السجن ، وفي غرفة 400 ، حريصا على الايحاء بحد الشهادة في افعالهم الثانوية . وهنا تتجلى بطولـــة الاستـشـهــــاد في
حياة فوجيك .
ان الحياة عند فوجيك تكتسب ملامحها من اصالتها ، فالانسان يولد باكيا ، ولكنه سرعان ما ينساب مع خاطر الطفولة الازلي
، الفــــرح ، فيبتسم ويضحك ، ثم يتعلم اصطناع الابتسامة والضحك فيتشوه !! ولكن فوجيــك يبتسم داميا ، يبتسم بأيماءة
مشعة ، وهو يودع زوجته امام الجلادين في غرفة الموت وهي تنفي معرفتها بزوجها المدمى المسور بالموت ، وفاء لعهد
نضالي ... هاكم الفرح الانساني الاصيل . هاكـــم الغزل الاسر . خذوه من قلب فوجيك وهـــو يحتضن حبيبته ، زوجته ، التي
لم تخن قضيتهما المشتركة لم تضعف ، لم تبع سعادة نضالهما بحياة ذليلة .
" الحبيبة .. الحبيبة .. لقد برت بوعدها بأنها لن تعترف ابدا بانها تعرفني .. )) ..
" اقتادوها بعيدا لقد ودعتها بالطف نظرة تمكنت عليها . وكلن لعلها لــم تكن نظرة لطيفة ابدا . انى لي ان اعلم " ! .
ان هذه الاصالة في ممارسة خاطر الطفولة الازلي ، الفرح ، عند البطــــل وهو امام الجلاد ، هي ما ميزت شخصية يوليوس
فوجيك منذ درج في ازقة احياء العمال . ومع انها كانت اصالة عفوية في عمر الطفولة والصبا ، الا انها تبلورت وتماسكت
مع تبلور وتماسك وعيه . ان عشرات الدراسات عن حياة فوجيك ، كرست ذاكره كثوري اصيل ، يؤشر لانسان المستقبل ،
طفـــل موهوب ، صبي واع مفكر ، صادق ، شجاع ، جريء . وفي . عـاشق . محب للعمل . وقبل كـــل شيء محب للناس .
وهو في هذا الحب يتجلى انسانيا الى ابعد الحدود . ويتبدى ذلــــك في وصفه لجلاديه وسجانيه . فهو حريص على كشف
القوى التي قادتهم الى مصائرهم ، كشف الفوارق الجزئية في سلوك كــل واحد منهم . ولم يكن فوجيك هذا فحسب . ان
انسانيته لم تكن لتكتمل لو لم يكن متفائلا ، ضاحكـا ، . " ان الضحك ينطوي على قوة " . كان فوجيك " يضحك في اسوأ
ظروف الحياة لانه كان يؤمن بصدق الشيوعية ، ولم يكن يشك في اقتناعه بها . " وقد كان هذا الايمان مصدر فرحه الدائم،
مصدر بطولته .
" ليس هناك عذر للذين ادركوا الفكرة وتخلوا عنها بعد ذلك . ان من يعرف أين هو الشر لا يحق له ان يخطىء . لا يجوز
له ان يخون نفسه ، لانه سوف يخون الاخرين . " وعندما يقرر المرء موقفه مع او ضد ، ومتى تقرر ذلك فعليه ان يقف
وراء يقينه حتى النهايى " .
لقد تذكرت وانا اقرأ يوليس فوجيك ، وابحث في حياته عن سر البطولة ومغزاها العميق ، تذكرت حديثا شجيا ناجاني به ،
هامسا ، احد قادة حزبنا ، عن حياة الثوري ، عن معاناته وحرماناته وانه يصعب علي ان انسى كلماته عن البطولة :
" ان البطولة بالنسبة للثوري لا تتجسد فيما يستطيع التحدث به ، التعبير عنه ، وانما تكمن البطولة في عشرات الاشياء
الصغيرة ، في المعاناة المطمورة في ضمير الثوري ، في تلك الاشياء التي لا يسمح لها ان تفصح عن نفسها ، في تلك
الاشياء التي ، حتى ، فد تبـــدو سخيفة بالنسبة لحياة عادية . " !!
وكم هي مثل هذه الاشياء في حياة الثوري ، كــم هي التفاصيل العادية الصغيرة التي تلهب حياة الثوري وتعذبه بصمت ؟ ..
وهنا تنطلق فكرة ، او ربما شرارة محرقة ، ترى متى يسقط البطل .. ؟؟
هل السقوط الثوري مثـــل ارتطام بجدار ، هكذا مرة واحدة ؟ ! ...
الـتـأكـل ...
ان الثوري ، مثل اي كائن انساني ينمو ، وهو لا ينمو في الفراغ ولا يبدأ من اللاشيء ، بــل يتفاعل في المجتمع ويتحول فيه،
يفقد ولاءه للقيم القديمة . وهــذه هي بدايات التحول كلها . ولكنه لا يفقد جذورها الكامنة ، ولا يفقد قوة العادة ، يظل في مكان
ما من اعماقه اسير بقاياها التي يظل يتعامل ، في " المجتمع " ، مع رموزها ومؤسساتها . وتبدأ المرحلة الحاسمة ، مرحلة
التعميد الثوري فيتحول الانتماء الى وظيفة تبلور الوعي ، تكامل تشكله وتبدأ عملية الوعي بالنفاذ الى الاعماق البعيدة ، تتحول
الى ايمان ، والايمان حد للبطولة والشهادة .. " واذا كان هناك ما يمكن التضحية به للقضية فانه الحياة وليس الشرف . "
ولكن العمل الثوري يمكن ان يتحول في مجرى الصراع بين القديم ، برموزه ومؤسســاته ، وبيـــن الجـديــــد النامي ، لدى
هذا المناضل او ذاك ، الى مجرد عادة ، و " العادة " لا تصمد امام الموت ، وربما لا تصمد بحكم التاكل حتى امام حكه !
لـقـــد سقط في ظروف تأريخية متباينة في قسوتها ، مناضلون مجربون ، خبرتهم الحركة الثورية في محن قاسية ، ولكنهم
انهاروا اما " فزاعة " نظام ! لان بعضهم كانوا مجرد منتمين والبعض الاخر لم يتعمد ، تاكل داخلـيــا في مجرى الصراع
الضاري ، لم يقاوم اغراءات القديم البالي ، بحكم احتفاظ هذا القديم ، على سطح المجتمـــع ، بمظاهر السيادة ، محميا بسيف
الجلاد .
الانهيار .. الخيانة
ان الانهيار كظاهرة ، تقترن بالهجمــات الارهابية المباغتة ، بالارهاب الفاشي الذي ، يلجـــأ الى اسلوب التصفية الجسدية
كأداة لتصفية الفكر ، تصفية العقيدة ، وادواتها الثورية ، احزابها السياسية . وقد شهد التأريخ الانساني اساليب واشكال فظيعة
في التصفيات الجسديـة ، وفي الحـرب النفسية لخلق اجواء الانهيار العام امام قوى التقدم الانساني . وتتوجه مثل هذه الهجمات
الى قاعــدة جماهيرية عريضة ، وتستهدف خلق اوسع بلبلة فكرية ، سياسية ، مستخدمة جو الرعب العام ، جو الانكماش
والانحسار المؤقت بين صفوف اولئك الذين لم يتعمدوا بعد . لم يكتمل ايمانهم ووعيهم ، لأيهامهم بان " قضيتهم " ليست
سوى سراب ، سوى يقين زائف ، زائل ، ولكن حتى هذه الهجمات على كثافتها وبطشها لا يمكن ان تضعف ايمان الثوري ،
بل انها سرعان ما تفقد قدرتها الشمولية بحكم الاستمرار وبحكم استيقاظ مكامــن الغضب الجماهيري ، استيقاظ الوعي العام ،
فتتكيف الجماهير لمقاومتها . واخطر ما يواجه المناضـــل الثوري في مثل هذه الظروف ظروف الانكسار العام ، الاحساس
بالعزلة ، الانسحاب الى داخــل وغياب الشعور بالتواصل مع الجماعة ، مع الحزب . ان التاكل الداخلي في مثل هذه الحالة ،
يكتسب بعد اخر . انه يتكثف بفعل الاغتراب وينخر في اعماق المناضل فيحوله الى مجرد " ذات فردية " تنشد الخلاص ،
ولكن اي خلاص . !! لقد ظللت اتساءل مرات عديدة ازاء كل حالة من حالات السقوط الكبيرة التي واجهت مناضلين اشداء .
ترى اية محنة هذه التي تدفع انسانا مناضلا اختار شرف النضال بمحض ارادته ووعيه واكتنز رصيدا من شرف هذا النضال
زين عقودا من عمره بل كل عمره . ولم يخلف في هذا العمر مكانا صالحها للمتعــة سوى الاكل واحلام اليقظة ! اية محنة
تدفع به الى الخيانة ؟ ؟ ؟
والتقي بفوجيك في سجن بانكراك ، زنزانــة ، او كما يرغب هو ان يسميها ( غرفة 400 ) فينزع مني حيرتي الى الابد ،
ويكشف لي ولك سر هذه المحنة ، متمثلا في سقوط " ميريك " المناضل الذي لم يرهب الرصاص وهو يقاتل على الجبهة
الاسبانية ، والذي لم تثنــه التجربة " القاسية " في معسكر اعتقال بفرنسا ، كيف وهن امام عصى الجستابو وانهــار لكي
"ينقذ جلده " ؟ ؟ .. " اي شجاعة مزيفة هذه التي تكفي حفنة عصي لتمحوها . . ! شجاعة مزيفة كأيمانه " .
ولكن كيف ينهار مثل هذا المناضل ، كيف تحولت شجاعته " المجربة " في ظروف الموت ايضا الى شجاعة " زائفة"؟؟
" لقد كان وهو وسط الاخرين ، حين كان محاطا بالرفاق الذين يفكرون مثله كان قويا لانه كان يفكر بهم . اما الان وهو
معــزول ، وحيد ، يضغط عليه العدو بشدة فقد انهارت كل مقاومة لديه . لقد اضاع كل شيء لانه اخذ يفكر بنفسه وضحى
برفاقه لينقذ جلده " .
" لقد تحول الى جبان ومن جبـــان الى .. خائن .." .
والخائن كائن متفسخ ، يشم رائحة عفونته مـــن الداخل حتى ، حينما يبدو للاخرين انه يشعر بالنظافة لانه يكون قد تعلم
المقارنة . ولانه يتوهم الخلاص وهو يخون ، واحيانا يتوهم انه يستطيع توظيف رصيد تطهره القديم ، ولربما يذهب الى
ابعد من ذلك ، انــه يوظف مصادر معرفته فيفلسف خيانته ! ولكنه يسقط مثل اية جثة متعفنة فوق ركام من الخيبة ، قبل ان
يتلمس طاقة لسانه على استعادة النطق بابجديته الجديدة ، اذ عليه ان يتعلم الولاء من جديد ، فيرتطم باول جدار ، يرتطم
بجلاده ! لقد تحول الى كم مهمل ، فيثير اشمئزاز جلاده ، بعد ان كان يثير في نفسه الخوف !! والجلاد لا يعبث ، ولكنه ينتقم
من ضحيته ، يكتشف فيه نفســه ، مجــــرد جبان ! ويكون الاوان قد فات .
لقد تسنى لي ان استمع الى شهادات عدد ممـــن سقطوا ، ولا بد لي ان المح الى ان بعض حالات السقوط تبحث لنفسها عن
الرحمــة . ولست ادري كيف يمكن تمييزها بدقة ، ربما تشبه بعض هذه الحالات القتل في لحظة لوثة ، او القتل الخطأ او
القتل بلا سابق تخطيط . القتل مع الندم !
ان بعضا من هؤلاء تمرد عن سقوطه ، وتحدى جلاديه ، وفي لحظة اكتشاف الهاوية ، ولكنه كان قد تحول في نظر هؤلاء
الجلادين الى كيس للرماية ! الجبان لا يكتفي بسقوطه ، بل يتحول الى معسكر العدو ، يتحول الى اداة لتخريب الحزب ، اداة
لتخريب الحركة الثورية .
مات اغلبهم ، وان ظلوا احياء باجسادهـم ... اذ تحولوا الى " مجرد اشكال " .
" الجبان يخسر اكثر من حياته نفسها . فها هو قد ضاع وتخــلى عــن الجيش المجيد وكسب احتقار اقذر الاعداء . وحتى
وان كان حيا ، فانه ما عاد حيا ، لانه قد طرد نفسه من الجماعة ، لقد حاول ان يصلح شيئا مما اقترفه ولكنه لم يحقق اي
شيء بعد ذلك ابدا " .
ان بعض المناضلين ، وغالبا اولئك الذين يفتقرون الى التجربة وكذلك الحالمون بالمدينة الفاضلة ، يتعرضون الى نوبات من
الجزع واليأس حينما تلتبس عليهم بعض قضايا النضال ، او يواجهون مواقف وتسلكات ومظاهر لا تنسجم مع تصوراتهم
للعمل الثوري .
واتذكر هذا الحوار ...
الزمان : 1960
المكان : مبنى جريدة اتحاد الشعب
يدخل شاب بلغ سن الرشد توا ، عيناه متورمتان من البكاء .. يغالب خجله ، ويبدو عليه انه حالم ، يتعثر ويقف امام الرفيق
" القديـــم " وبعد ان يجلس يستسلم لنوبة بكاء .
ــ انك تغسل ذنوب الاخرين ببكائك !
ــ . . . . . . . . . .
ــ لماذا اصبحت شيوعيا ؟
لانه المستقبل
ــ اذا استيقظت يوما فوجدت نفسك في بلد بلا حزب ، ماذا تفعل ؟
ــ ابدأ
ــ مع من ؟
ــ مع العمال ، مع الفلاحين ، مع المثقفين . . . . .
ــ وماذا تجد فيهم ؟
ــ كل ما في المتجمع ..
ــ واذا لم تجد حولك احدا ؟
اواصل ..
ــ اذن ، لا تبك .. وواصل ، لكن تذكر باستمرار انك انت الحزب ، وانك سلكت الطريق باختيارك وبوعيك ، وان الحزب
كائن حي .
والتقيت هذا الرفيق مرات كثيرة فيما بعد .. وقال انه كان يبكي احيانا ولكنــه كان بـكــاء الحالم وليس اليائس ... !

ملامح البطل ..
بعد تعقد الوضع السياسي في البلاد ، وازدياد الخطر على مناضلي الحزب ، حمل رفيق من اللجنة المركزية عرضا لفوجيك
بالرحيل عن البلاد ، تجنبا لخطر الوقوع في ايدي العدو ولكن فوجيك فضل ان يبقى في البلاد ، ما دام مخيرا بين البقاء
والرحـيـــل . وفي هذا تجسيد لفكرته ان :
" البطل هو الرجل الذي يكون على استعداد في اللحظة الحاسمة للقيام بكل مــا يجب عليه ان يفعله لمصلحة المجتمع " .
ولكم يكن فوجيك يفكر بالبطولة وهو يؤدي واجباته من موقع مسؤوليته ، وانما كان يتصــرف كأنسان احب الحياة ، فاكتشـف
سرها :
العمل !
والـعـمـــل خالق الانسان ، واداة تغييره ، وتغيير العالم من حوله ، والحياة دون عمل لا مغزى لها .
وقد عمل يوليوس فوجيك منذ صغره . عمل ممثلا وربما اكتشف وهو يمثـــل كيف يمكن ان يتغير انسان بقناع ! ولكـنــه تغير
في الشكل ، في السطح . ولكنه يكتشف فيما بعد ، كيف يتغير الانسان من الداخل . وباكتشافه هذا تتأصل فيه الرغبة في الحياة
بشكل خلاق . وينطلق في رحاب الحياة مناضلا من اجل التغيير الكبير ، تغيير العالم من حوله ، لكي يصبـــح في فرح
الطفولة الازلي : الضحك .. فرحا دائما للانسان .
" ان النظام القائــم يمارس الضغط على كل عضو في هذا العـالــــم القاتم ويعتصر كل ما هو انساني فيه " .
ولانــه شديد الايمــان بضرورة هذا التغييــر ، وبالمستقبل الذي يبشر به ، يتفتح على الـحـيـــاة بابتهاج كامل ، وتفاؤل عميق ،
ويتشوق فرحا لـكـــل فجر جديد ، لانه كان بشيرا بالاقتراب من المستقبل ولانه كان ينطوي على مسرة الاستمتاع بدفء
الحياة ، بـالـعـمــل فيها يوما جديدا اخر ...
" قد يكون البطل هو من يستطيع تركيز ابرز سمات امــــة معينة في نفسه وبحيث تكون لديه الشجاعة للتعبير عن هذه
السمات تعبيرا صحيحا في اللحظة التي تتطلب ذلك " .
وليس للبطل الا ان يكون شجاعا ، جريئا ، متحديا حتى الموت في سبيل " مصلحة المجتمع " ، في سبيل تقدم البشرية .
ولكن ما يجعــل الانسان عظيما هو " الشيء الطبيعي العادي " الشيء الذي يميزه كانسان . وهكذا كان فوجيك
اذكر ان بطلا مــن زماننا هذا طلب من جلاده ان يخرج معاونيه ، ليسره بشيء على انفراد . وحينما انفرد به طلب منه
ان يتلف الملف الخاص بقضيته " وكان يحوي اسرار تتعلق بحياة اخرين " وهمس في اذنه ، " انني اعدك بشرفي الثوري
انــك ان فعلت ذلك فسوف ننقذك في المستقبل ! "
وقد اتلف الجلاد الملف . وعندما سأله رفاقه فيما بعد ، كيف وعد وهو في قبضة الموت ! ضحك بمرح وقال :
" حسنا . كنت ساوصي به الحزب ! "
ان فوجيك يفعل ذلك ايضا مع جلاديه ! انه يبعث الخوف فوي نفوسهم .
ــ " اذن فانت تعتقد ..... ؟
ــ " انت على حق . لن نستطيع الانتصار الان .. "
هكذا قال بيأس السجـــــان الالماني وهو يخرج من زنزانة فوجيك !
لقد ظل فوجيك يعمل بتفـــان حتى اخر لحظة في حياته . وحينما كان يكتب اخر اوراقه في زنزانته ، " لم يكن يكتب لنفسه"
بل كان منشغلا في تزويد الحزب بكل ما يتعلق بالضربة التي وجهت الى قيادته ومن الذي كان يتحمل المسؤولية في ذلك .
كان يعرض موقف رفاقه ، وسجانيه ، ويستخلص من كل ذلك دروسا للعمل اللاحق للحزب .
ان اخلاصه لواجبه الحزبي ، لمهمته الثورية ، وهو يواجه الموت ، يخلص ابرز فضائله ، كبطل ثوري كـأنسان .....
انه يولي اكبر اهتمام لاصغر التفاصيل ، ما دام ذلك يخدم قضيته .
ان الاعمال البطولية لا تكمن فقط على الاستشهاد ، لا تكمن فقط في الاعمـــال الكبيرة ، وانـــمـــا تكمن في الفضائل الصغيرة
ايضا ، الصغيرة بحجمها ، الجليلة بنتائجها . تلك الاعمال التي تجسد البطولة الكامنة ، البطولة غير المرئية التي ينهض
بشرف انجازها الاف الابطال المجهولين . . . هذا هـــو الدرس الذي يقدمــه يوليوس فوجيك للمناضلين الثوريين ، وهو يكتب
شهادته الاخيرة . اية عظمة ابلغ دلالــة من موقف فوجيك ومعاناته وهو يحلل نتائج خيانة " ميريك " ويتعقب اثارها ؟
انه لا يفكر بمحنته وعذاباته اليومية على ايدي الجستابو ، بل يتمزق المــا للضربة التي اصابت الحزب على يد الخائن . انه
يفكر بالحزب .
" ان هذه الضربة كانت اعنف ضربة تلقيتها هناك ( في قصر بيتشيك ) لقــد انتظرت الموت ، لا الخيانة " .
" لقد سلم ميريك كل شيء يتعلق بالعمل بين المثقفين " ... اعترف حتى " على ليدا تلــك الفتاة الشجاعة الوفية التي كانت
تحبه " !
وليس اكثر اشراقا في حيـــاة المناضل الثوري ، في حياة البطل ، من التواضع ، ان التواضع الثوري ، التواضع في اداء
الواجب مهما كان صغيرا ، بعيدا عن الاضواء ، انما هو معبر للعطاء الكبير ..
اذ " ينبغي للثوري الحقيقي ( كما يؤكد لينين ) ان يؤدي واجبه كذلك في العمل اليومي ، العادي ، الممل ، غير الملـحـوظ
بين الجماهير ، مهما بلغ من الصعوبة والمشقة ، فان هذا العمل لا يذهب عبثا ابدا " .
وكان فوجيك مثالا للتواضع الثوري . كان يزهو بعمل رفاقه ، يبتهج بتفتح مواهبهــــم ، يضع نفسه في المؤخرة حينما يتعلق
الامر بمن عمــــل افضل للحزب ! ان الاشياء الثمينة لا تلمع ، وانما تبهر !
تأملوا فوجيك ! كيف يقدم تقريره للحزب عن عمل اللجنة المركزية الاخيرة ، كيف يصف رفـيـقـيـــه الاخرين ويقيم نشـاطهما
كيف يؤشر لبطولتهما . . . وكيف يصف اخوتهم ! اية اخوة هي اكثر عمقا ، واكثر فخرا ومدعاة للبهجة ، من اخــوة النضال
والعمل الثوري المشترك !
ان فوجيك تمـثــــل بعمـــق مغزى تـأكيـــد لينين التحريضي ، على تمجيد عمل الاف الثوريين المجهولين ، على تمجيد عمــل
المناضل حينمــا يجبره العدو على الاختفاء :
" نعــم نحن تحت الارض ، ولكننــا لسنا مدفونين كالموتى ، وانمــا نحن كالتقاوى النابتة التي تطرح محصولا اشتراكيا
سوف ينتشر في ارجاء العالم تحت شمس الربيع . . . ! "
كان فوجيك ، المحرض الباسل ، وهو يتمثل وصية لينين ، يتذكر هؤلاء الابطـــال المجهولين ، فيكتب في اوراقه الاخيرة :
" .. سيأتي وقت يكون فيه هذا الحاضر ذكرى ، وسيتحدث الناس عن عصر عظيم ، وعن ابطال مجهولين صنعوا التاريخ
وليكــن معلوما انهم ما كانوا ابطالا مجهولين ، وانهم بشر لهم اسماء وقسمات وتطلعات وامال . وان عذابات اصغر هؤلاء
شأنـا ما كانت اقل من عذابات اول من خلدت اسماؤهم ... "
ويتداعى مع عاطفته الانسانية العميقة ، مع اخوته النضالية ، ومع زهوه بالاخرين ، فيوصي باخوته هؤلاء .. " وليكن كل
اولئك اعزاء عليكم دوما ، مثل اناس تعرفهونهم عن قرب ، اناس من صلبكم ، مثلكم " !
لقد تمرد فوجيك على الواقــع منذ وعى . رفض ، وفكر دائما ، " لانه كان يحب التفكير دائما " لكنـــه حتى حينما كان شابا ،
لم يكن مثل الشباب الاخرين ، يعبر عن تمرده ورفضه بالنقد فحسب ، بل كان يجد في التفكير طريقا لايجاد :
" افكــــار جديدة ، وحل المشاكل ، واحلال الجديد مكــان الاشياء القديمـــة . التفكير معناه العمل "
لم يكن فوجيك يتلمس بانامله اطراف لحيته لادعاء التفكير ، لانه كان واثقا ان ملامسة اطراف اللحي يمكن ان تولد شيئا من
المتعة ، لكنها لا يمكن ان تولد مفكرا او فيلسوفا ! ان التفكير معناه العمل . وكان يمجد العمل ، ويرى في تعلق اي رفيق
بعمله ، بواجـبــه الحزبي ، مظهرا لجوهر اصيـــل . ان اعجابه ببطولة ليدا " الفتاة الجذلــه ، الخلية القلب ، اللعوب لحد
ما .. " كان يشع من كل كلمة كتبها وهو يرسم مجد صمودها ، ولكنه كان يهيم بموقفها من العمل ، من اداء واجبها
الحزبي :
" كانت تعرف الكثير ولـــم تقل شيئا . لكن الاهم من ذلك ، انها لم تتوقف عن العمل ابدا . وبتغير الوسط ، بدلت اساليب
عملهــا وتبدلت مهماتها . الا ان واجبها كعضو في الحزب ما تبدل قط ، ان لا تطوي ذراعيها ، مهما كان القطاع الذي
وجدت فيه " .
وفي مجرى الكفاح البطولي ، لا بــد ان يتغذى الثوري من معينه الذي لا ينضب ، مــــن ايمانه ، وثقته المطلقه بالنصر ،
وان يبــدد اي وهـــم يعترض طريق نضاله . وان الايمان المطلق هو جدار فولاذي يتهشم عليه كل انواع الاعــــداء ، يثير
في نفوسهم العرب ، ويشل حركـتـهـم :
" ان التفاؤل لا يجوز له ولا ينبغي ان يتغذى على الاكاذيب ، بــــل على الحقيقة ، على رؤية واضحة للنصر لا تتزعزع " .
وكلي ينمو الثوري ويصبح جديرا بموقعه ، كمعول لهدم القديم المهترىء ، وعين ذكية لاستشراف المستقبل . لا بد ان يعزز
ويعمق ايمانه بالمعرفة اذا " لا يكفي ان يريد الانسان ، بل يجب ان يعرف كيف يكافح " . وان يعرف في كل لحظه ، موقع
قدمه ، واين يضع الخطوة القادمة .
كـيـف .. ؟
ان الحزب ليس كما مجردا معلقا في مكان ما ، بل هو كـــائــن حي يتنفس ويعيش وينمو بمناضليه ، بايمانهم وشجاعتهم
وصمودهم ، بفكرهم وعملهم المتفاني من اجل فرحهم الدائم ... حدثني احد قادة حزبنا عن واحدة من هذه اللحظات التي ينبغي
فيها على المناضل ان يفكر ويتصرف ، لكي يوقف وحشية العدو ، ويربك استهتاره .
سألته بقدر ما استطعت عليه من هدوء ، وهو ينفرد بي ، في جو وحشي : لمصلحة من تضربني ؟ انا لا احمل لك عداوة
شخصية ، بل اضحي بكل ما يعز على انسان من اجلك ايضا ، من اجل ان لا يـظـــل حفنة من مستغلي شعبنا قادرين على
تشويهك وتخريب اولادك من بعدك .. ! "
يذكر الرفيق انه همس بهذا الكلام وهو يرتجف ! يرتجف من البرد ، ويرتجف ، ربما ، من الخوف ايضا !
ان فوجيك يدرك خوف المناضل ويوظفه ضد جلاده !
" في كل انسان هناك ضعف وقوة ، شجاعة وجبن ، صمود واستسلام ، نقاء وقذارة " .
" فالمخلص يقـــاوم ، والغــــادر يخون ، والضعيف يتهاوى تحت اليأس ، والبطل يقاتل " .
ان خوف المناضل ليس خوف الضعيف المتهاوي ، بل احساس بالحياة ! ولهذا لا يوحي الثوري امام الجلاد بالخوف ، بل
بالحياة ! انه لا يخاف من الموت وانما يتسامى في حبه للحياة ، فيقوى ويكبر بامتداده في الحياة يكبر باستشرافه المستقبل ،
فيعلو على جلاديه .. !
لأنهم ( عاجزون عن التظاهر حتى بمصالح كاذبة لامتهم او الرايــخ ، انهم يعذبون ويقتلون لمجرد التلذذ ) .
ان الجلاد لا يمكن ان يمتلك المستقبل ابدا ، انك لايمكن ان تعذب انسانا حتى الموت دون ان تحطم شيئا ما في اعماقك ، شيئا
عزيــزا ، .. انسانيتك . ولهذا فالجلاد في نظر فوجيــــك اسير يومه ، انه يخـــاف المستقبل . وحينمــا يشعر الانسان بانسانيته
يرفض ان يكون قاتلا ! لان الانسان يستطيع تطويع المستقبل بفكره وعمله ، يستطيع ان يدرك اداة امتلاك المستقبل. ولم يكن
الجلاد يوما ، عبر كــل تاريخ البشرية ، اداة لامتلاك المستقبل . وفوجيك يستمد اعمق الأيمان من معرفته هذه ، فيبشر رفاقه
ان هتلر لا يمكن ان ينتصر ، لانه يناطح قانون الحياة ، التطور . ولا بــد لكم ان تقاموا ، وتصدموا .. وان تنذروا جلاديكم :
و " لا يعينك على ذلك الا ايمانك الراسخ بانهم لن يفلتوا من القصاص العادل حتى ولو اجهزوا على كل الشهود على
جرائمهم " . انك انت وتفعل ذلك لــن تخشى على قلبك . لن تـخشى على الانسان فيك ! لان :
" بوسعهم ان يسلبوا الحياة مــنـا . اليس كذلك ؟ ولكنهم لن ينتزعوا منــا شرفنـــا وحبنا ابدا ..... "
الـنـشـيـد
اشرف على النهاية
في منعطف منها ، يقف في " الربذة "
ابو ذر الغفاري
يوميء بعينين مشرقتين ، ضاحكتين ، مخلصتين
ــ قتلوك يا ابا ذر !
فيضحك ..
ــ ..وحاولوا ان يقتلوا فيك حبك لعصرك وللناس
ويضحك ...
وتسـألني يا سيدي : الى أين ؟
اليك يا سيدي ، الى العصر ، والى فوجيك .
ــ : ولكنك حزين وقد قتلوني وانا اضحك ..
وقتلوا فوجيك وهو يغني ..
لــ " انه لا يرى الحياة بدون اغنية "
" ونحن احوج ما نكون هنا الى الاغنية "
وداعا ، ابا ذر
وداعا ايها الصحابي الجليل !
واجتاز محفات تحمل طغاة العصر ..
ها هنا سجن بانكراك ، زنزانة 267
وهـا هو حــارسه كولينسكي ، وارى الناس حول فوجيك يغنون بصوت واعد
انه بابلو نيرودا يغني لفوجيك !
فوجيك يسمع مبتسما ، ولكنه خجل ، يمص الدم لكي لا نراه
ولكن ذلك ضرب من الجنون ، فالدم يسيل منه ، حتى من اطراف انامله ؟
ويرتفع الغناء ...
" هناك الكثيرون امثال فوجيك اعلوا وشادوا وفي كل حال اجادوا وانت كذلك انجزت كل الذي في يديك ضئيلا .... جليلا
وما عرف المستحيل الطريق اليك لانك تؤمن ان الخطئ ان تلاقت قليلا ستصبح جيشا وصبحا نبيلا وانت ككل الذين ارادوا
لوجه الحياة رداء جميلا تمنيت ان يطلع الصباح من قبضتك فعلت الذي كان حتما عليك وما كان حتما على الناس جيلا
فجيلا .. "
يتوقف الغناء لبرهة . عفوا لتطفلي ايها الرفيق فوجيك . اقدم لك بعضاء من اصدقائي ، جيلا اخر من الشهداء ، ربما تعرفهم
ومن هذه الارض المعطاء ...
لـكـن لـماذا يا سيدي انت حزين ؟
ــ : " لقد عشت للفـــرح ، .. وفي سبيل الفرح اموت ، ولسوف تسيئون الي ، لو وضعتم ملاك الحزن على قبري "
لكن الحزن ما زال يعتصـــــر قلوب الكثير من النسوه والاطفال ، ايها الرفيق فوجيك ، انهم راسخو الايمان ، ولكنهم يريدون
نـهـايـــــة احزان البشرية ايها الرفيق .
ـــ : " اذا كنتم تعتقدون ان بوسع الدموع ان تغسل تراب الاسى ، فلتبكوا اذن ، ولكن لبرهة لا غير " !!
ان البطل لا يريد البكاء ، لا يريــد الحزن ، وانما العمل ، ومواصلة النضال ... الثقه الكامله بالمستقبل ، انه لم يمنح حياته
عبثا ولهذا عرف كيف يواجه جلاديه حتى اخر لحظه :
" انكم ستقرأون حكمكم علي الان واعرف انه الموت للانسان ... اما حكمي عليكم فقد نطقت به منذ امد بعيد لقد كتب فيـــه
بدم جميع الناس الشرفاء في العالم .
الـمـوت لـلـفاشـيـة والـحـيـاة للانـسـان
الـمـسـتـقـبـل لـلـشـيـوعـيـة .. ! "
ان البطل لا يرتخي في لحظاتــــه الاخيرة ، بل يصبح اكثر تماسكا ، اكثر هدوءا ، وقد كتب فوجيك في اخر رسالة لاسرته :
" ان الانسان لا يصغر حتى ولو قطعوا راسه ! "
حياة ..!
في 23 شباط من كل عام يولد يوليوس فوجيك ، انه يوم ميلاده ! ولانه عشق الحياة ، واحب جمـالهــــا ، احبكم ايها الناس
الشرفاء ، وكان سعيدا معكم ! ولا شك انكم تحبونه .. فاحتفلوا به ، غنوا له وازرعوا في البستان الذي تعهده الورد من كل
الالوان ! ان عنوانه معكم ، انه قريب منكم ، انه فيكم . في قلوبكم ، في ضمائركم .. في ضمائركم !
فـعـانـقـوه دائما .. حافظوا عليه ! حـافـظــوا عـلـيـــه ايهـــا الناس الشرفاء ، ايها الرفاق ...!
فخـري كريـــم
1/1/ 1978

يوليوس فوتشـــيك
تـــــحـــــت اعـــواد الـمــشــنــقــة
تــنــويــه مــن جوســتــا فـوتشـيـكوفــا

علمت من رفاق السـجــــن ، في معسكر اعتقال رافنسبروك ، ان زوجي يوليوس فوتشيك ، رئيس تحرير ( رودي برافو )
و ( تفوربا ) ، قد حكم بالاعدام من قبل احدى المحاكم النازية في برلين بتاريخ 25 اب 1943 .
اما التسأولات بشـأن مصيره اللاحــق فقد عادت اصداؤها تتردد من فـــوق الاسوار العـالـيـــة المحيطة بالـمـعـسـكـر .
واثر الهزيمة التي لحقت بالمانيا النازية في ايار 1945 ، تم تحرير السجنــــاء الذي لم يسمح الوقت للفاشيين بتعذيبهم او قتلهم
وكنت انا من بين هؤلاء . لقد عدت الى وطني المحرر وبدأت البحث عن زوجي . وكنت مثل الوف مؤلفه غيري ، ممن
كانت وما برحت تفتش عــــن ازواجهـــا وزوجاتها واطفالهــا وابائها وامهاتها ، ممن القى بهم المحتلون الالمان في مكان ما
من اماكن تعذيبهم التي لا حصر لها . ان حكم الاعدام قد نفــــذ بيولبوس فوتشيك في برلين بتاريخ 8 ايلول 1943 ، اي بعد
اربعة عشر يوما من صدور حكم الموت عليه . كما اصبحت على علم بأن فرصــة للكتابة قد ليوليوس فوتشيك اثناء فترة
مكوثة في سجن بانكراك . وقد تم ذلك بفضل احد السجانيـــن ويدعى ادولف كولينسكي الذي وفر له في الزنزانة القلم والورق
وبات يهرب الصفحات المكتوبة ، واحدة اثر اخرى ، الى خارج السجن سرا .
لـقد التقيت بهذا السجان وبدأت بجمع المادة التي كبتها يوليوس فوتشيك وهو في سجن بانكراك ، خطوة خطوة . ومن ثم
عكفت عــــلى ترتيب هذه الصفحات المرقمة ، التي تم اخفاؤها في اماكن مختلفة ، عند اناس مختلفين . وها انا ذا اقدمها الان
انها اخر ما كتبه يوليوس فوتشيك

جــوســتــا فـوتـشـيـكـوفـا


مــا كــتـب فــي ســجــن الــجــســتــابــو بـبـانكرك ، ربــيــع 1943

ان تجلس متأهبا ، جسدك متيبس باستقامــــة ، يداك مضغوطتان بشدة الى ركبتيـــك وعيناك تعشيان تقريبا وانت تحدق
بالجدار المصفر لــ ( بيت السجن ) في قصر بيتشيك ــ ليس هــــذا بالتأكيد افضل وضع للتأمـل . اذ من بوسعه ان يجبر فكره
لكي تجلس مـتـأهـبـة ؟
مرة اطلق احد الاشخاص ــ الذي لن نعرف نحن ابدا متى كان ذلك ومن هو ــ على ( بيت السجن ) في قصر بيتشيك اسم
( السينما ) . لقد كانت ومضة تجل . غرفة رهيبة ، ست مصطبات طويـلـــة الواحدة خلف الاخرى ، تحتلها اجساد المعتقليــن
المتصلبة الذين سيواجهون التحقيق ، امامهم جدار عار اشبه بشاشة سينما . ان ستوديوهات الدنيا كلها ما عرضت ابدا قدرا
كهذا من الافلام مثل التي عرضت فوق هذا الجدار من خلال عيون المعتقلين الذي كانوا ومــا يزالون مرغمين على مواجهة
تحقيق اخر ، للتعذيـــب او الموت ــ افلام تصور حيوات باكملها او تصور اكثر من المشاهد تفصيلا من حياة ما ، افلام عن
امهات ، نسوة ، اطفال ، بيت مهدم ، حياة ضائعهة ، افلام عن رفاق صامدين وعن خيانة ، عن الرجل الذي تلك المنشورات
عن دم يسيل ثانية عن كف ثابتة الجنان تعاهــد بالوفــاء ، افلام تكتظ بالاهوال والاصرار ، بالكراهيـــة والمحبة ، بالمخاوف
والامل ،كان كل انسان هنا ، وهـــو يدير ظهره الى الحياة ، يموت يوميا امام مرأي نفسه ولكن ما كان كل واحد يولد من
جديد .
لقد شاهدت انا فيلمي الخاص مئات المرات ، تعاد تفاصيله الاف المرات . انني احاول الان ، لمرة واحدة لا غير ، سرد قصة
هذا الفيلم .واذا كان حبل المشنقة سيلتف حول عنقي قبل ان انتهي ، فان هناك ملايين ستبقى بعدي لتكتب له ( النهاية السعيدة)

__________________________________________________

الـــفـــصل الاول
اربــع وعــشرون ســاعــة
بعد خمس دقائق ، تدق الساعة العاشرة . انه مساء ربيعي ، عبــق ، جميـــــل ، مـسـاء 24 نيسان 1942 .
انني اسرع ــ قدر ما تسعفني عليه هيئتي المتنكرة بزي عجوز يعرج ــ اسرع الى دار اسرة جيلينك ، قبل غلق البوابة
ان ميريك ( مساعدي ) يجلس هنا بانتظاري . اعـــرف ان ماعنـــده لي هذه المرة لا اهمية له ، كما اني ايضا لا املك
مـــا يستحق الذكر ولكن حين يكون كل شيء قد اعد لعقد اجتماع ما ، فان النكوص عنه لا يعني الا اثارة الهلـــع ــ ولم اكن
انا على الاخص ارغب باثارة مخاوف لا داعي لها في هذين الانسانين الطيبين ، اللذين يستضيفوننا ؟
رحبا بي بقدح شاي . كان ميريك هناك بانتظاري
ـــ بالاضافة الى اسرة فريد . هـــذا طيش منكم . ايها الرفاق ، احب ان التقي بكم ، لكن لا على هذا النحو ، كلكم . فهذا هو
الطريق المؤكد للسجن او الموت . اما ان تلتزموا بقواعد العمل السري ، او تتركوا العمل ، لانكم بهذا تجلبـــون المخاطر
لانفسكـــــم والاخرين . مفــهــوم ؟
" نعم ، مفهوم " .
" مـا عندكم لي ؟ "
" عدد اول ايار من ( رودي برافو ) . "
" رائع . وانت يا ميريك ؟ "
" لا جديد . لا يوجد هناك مايستحق الذكر . فالعمل يسير بانتظام . "
" طيب . سنلتقي ثانية بعد اول ايار . وسأعلمكم بذلك . الى اللقاء اذن ! "
" هيا ، خذ قدحا اخر من الشاي ! "
" لا ، شكرا يا سيـــدة جيلينكوفا ، فالدار تغض بنــــا . "
" ولكنه مجرد قدح اخر من الشاي ، تفضل . "
البخار يتصاعد من الشاي الذي خدر لتوه .
ثمة من يقرع الجرس .
افي هذا الوقت من الليل ؟ من يمكن ان يكون ؟
تبدو اللهفه على الزوار . وينهمر الـــقـــرع عـلى الباب .
" افتحوا ، شرطة ! "
اسرعوا الى النافذة ! اهربوا لـــــدي مسدس . سأبقى لتغطية انسحابكم .
فات الاوان ! الجستابو تحت النافـــذة ، يصوبون مسدساتهم الى داخل الغرفة . و تتدفق شرطة بلامبس مدنية من الممر ، عبر
الباب المحطم ، الى المطبخ ثم الى الغرفة . واحد ، اثنان ، ثلاثة ، تسـعـــة رجــال . انهم لا يستطيعون رؤيتي لانني كنت
اقفز خلفهـــم مباشرة ، خلف الباب المشرع . يمكنني اطلاق النار دون عائق . لكن تسعة مسدسات مصوبة الى امرأتين
وثلاثة رجال عزل . لو اني اطلقت النار ، فسيكونون اول من يقتل وحتى لــو ادرت ان لا اقـتـــل الا نفسي . فسـوف يبدأ
الرصاص يتطاير ويكونون هم الضحــــايا . ولكنني اذا امتنعت عن اطلاق النار ، فربمــا قضوا في السجن نصف عام او عام
واحد عندهــا ستحــررهــم الثورة وهــم على قيد الحياة . ميريك وانا فقط لــن نستطيــع الافــلات من هــذا ، سنتعـــرض الى
التعذيب على ايــديــهــم ــ لكنهم لن ينتزعـــوا مني اي شيء ، وماذا عـــن ميريك ؟ رجل حــارب في اسبانيا ، وبعد سنتين
في احد معسكرات الاعتقال بفرنسا ، وجاء براغ بعد ان ترك فرنسا سرا ، والحرب في ذروتها ــ كلا ، انه لن يخون ابدا .
امـــامي ثانيتان لاحسم امري . او ربما كانت ثلاثا ؟
لو اني اطلقت النار ، فلن انقذ شيئا ، لن انقذ الا نفسي من التعذيب ، لكن اربعة رفاق سيفقدون حياتهم دون مبرر .
اليس كذلك ؟ اجل !
هيا !
اخرج من مخبأي .
" هاه ! واحد اخر ! "
اول ضربة على الوجه . ربما كان القصد منها القائي ارضا .
" ارفع يديك ! "
ثانية . ثالثة .
هو ذا ما كنت اتوقعه
وانقلبت شقة كانت محط رعاية جميلة الى مجرد كومة اثاث مبعثرة وزجاج محطم .
مزيد من الضرب والركل .
" امش ! "
حشروني بسيارة وكانت مسدساتهم مصوبة الي طول الوقت في الطريق . بدأ التحقيق .
" من انت ؟ "
" البروفسور هوراك . "
" كذاب ! "
هززت كتفي .
" لا تتحرك ، والا اطلقت النار ! "
" اطلق ! "
وبدلا من اطلاق النار علي ، ضربوني لا غير . نمر بحافلة . تبـــدو مزينة بالورود البيضاء . حافلة عرس ، في هــــذا الوقت
من الليل ؟ لا بد اني محموم .
قصر بيتشيك . لم احسب ابدا اني سأدخله وانا على قيد الحياة . وها انا اصعد الان حتى الدور الرابع بسرعة مضاعفــة . اه :
القسم 2 -1-1 الشهير ، قسم مكافحة الشيوعية . ويبـــدو لي ان الفضول قد اخذني لمعرفة ما سيحصل . ضابط شرطة نحيل
، طويل ، امر فصيل المداهمة ، يدفع بالمسدس في جيبه ويأخذني الى مكتبه . يشعل لي سيجارة .

" من انت ؟ "
" البروفيسور هوراك . "
" كذاب ! "
الساعة التي على رسغه تشير الى الحادية عشر .
" فتشوه ! "
بدأ التفتيش يجردوني من ملابسي .
" لديه هوية . "
" بأي اسم ؟ "
" دققوها ! "
تلفون .
" غير مسجلة ، انها مزورة ، تلك الهوية . "
" من اعطاها لك ؟ "
" دائرة الشرطة . "
اول ضربة بعصا . ثانية . ثالثة . هل لي ان اعدها ؟ انك لن تستطيع ان تبـعــث بتقرير بهذه الارقام الى أي مكان ، يا بني .
" اسمك ؟ تكلم ! العنوان ؟ تكلم ! مع من كانت صلتك ؟ تكلم ! اية شقق استخدمت ؟ تكلم ! تكلم ! والا ضربناك حتى تزهق
روحك ! "
كم عدد الضربات التي يسع رجـــــل معافى ان يتحملها ؟
المذياع يعلــــن منتصف الليل . المقاهي توصد ابوابها . اخر الضيوف يأوون الى منازلهم ، العشاق يتوانون امام البيوت ،
غير قادرين عـــلى الافتراق . الضابط النحيل ، الطويل يلج الغرفة بابتسامة جذلة . " كل شيء في مكانه ــ يا صديقي رئيس
التحرير ؟ " من اخبرهم ؟ ال جيلينيك ؟ ال فريـــد ؟ انهم لا يعرفون حتى اسمي
" الا تــــرى اننا نعرف كل شيء . تكلم وكن عاقلا . "
مفردات غريبة ! ان تكون عاقلا ــ ان تخون . لست عاقلا .
" اوثقوه ! واضربوه بشدة ! "
الساعة الواحدة . اخر الحافــــلات تعود الى محطاتها ، الشوارع تكــاد ان تكون خالية ، المذياع متمني لـمستمعـيـه الاوفياء
ليلة سعيدة .
" من هم اعضاء اللجنة المركزية الاخرون ؟ اين هي معدات البث ؟ ايــن هي المطابــع ؟ تكلم ! تكلم ! تكلم ! "
الان استطيع ان احصي عدد الضربــات بيسر اكبر . الالم الوحيد الذي يمكن لي ان اشعر به هو في شفتي التي سلخت من
جراء الضرب .
" انزعوا حذائه ! " صحيح تماما ، ان باطن قدمي لم يخدر بعد . بوسعي ان احس به . خمسة . ستـة . سبــعــة . كان العصي
الان تشق طريقها الى دمــــاغي مباشرة .
ــ الســاعــة الثانية . براغ مستسلمة للرقاد . في مكان ما ، ربما كان هناك طفل يتقلب في رقاده . ورجل ما يلاطف زوجته
من ردفيها .
" تكلم ! تكلم ! "
ادور بلساني في فمي واجــــرب ان اعد الاسنان التي سقطت . لا استطيـــــع ان اعدها جميعا . اثنتا عشر . خمسة عشر
سبعة عشر ؟ لا . هـــذا عدد ضباط الشرطة الذي هم الان هنا لـــ ( استجوابي ) . بعضهم يبدو عليهم التعب واضحها الان .
مع ذلك ، فأن الموت يـأبى القدوم .
الساعة الثالثة . الفجر يزحف من حافة المدينة ، باعـة الخضر في طريقهــــم الى الاسواق ، الكناسون ينتشرون في الشوارع
. ربما سأعيش لكي اشهد فجرا اخر .
انهم يأتون بزوجتي .
امص الدم حتى لا تـــراه ، ان ذلك ضرب من الجنون فالدم يسيل من كل شبر في وجهي ، وحتى من اطراف اناملي .
" هل تعرفينه ؟ "
" كلا ! " لا اعرفه .
قالت ذلك دون ان تندعنها حتى نظرة فزع واحدة . الحبيبة لقد برت بوعدها من انها لن تعترف ابدا بأنها تعرفني ، رغم ان
ذلك لم يعد مجديا الان . من يمكن ان يكون قد اخبرهم باسمي ؟
اقتادوها بعيدا . لقد وعدتها بالطف نظرة تمكنت عليها . ولكن لعلها لم تكن نظرة لطيفة ابدا . انى لي ان اعلم .
الساعة الرابعة . هل انتشر النــور الان ؟ ام ما زالت الظلمة جاثمة ؟ لم تكـــن النوافذ الموصدة لتجيب ابدا . والموت يأبى
القدوم حتى الان . اينبغي علي ان اذهب لملاقاتك ؟ وكيف ؟
ضربت ، ارتطمــت بشـخـــص ما و سقطت على الارض . انهم يرفسونني ويدوسون علي . نعم هذا هو الامر وسوف تأتي
النهاية سريعا . الضابط الاسمر يرفعني من لحيتي وهو يضحك باناقة ويريني قبضته ممتلمئة بالشعر المنزوع عنوة . انه
لامر مضحك حقا . فانا لم اعد اشعر بأي الم .
السـاعـــة الـخـامـسـة ، الـسـادسـة ، الـسـابعــــة ، الـعـاشـرة ، منتصف الليل ، العمال يتوجهون الى العمل ويؤوبون ، الاطفال
يؤمون المدرسة يعودون منها ، في الحوانيت يبيعون ، في البيت يطبخون ، ربما تذكرني امي في هذه اللحظة بالذات ، ربما
عرف الرفاق بأني قد اعتقلت فيتخذون تدابير الحيطة ... ماذا سيحدث لو تكلمت .. لا ، لا تقلقوا ، لن اتكلم ، صدقوني .
وعلى اية حال ، فالنهاية ما عادت بعيدة الان . كل شيء ان هو الاحلم الان ، حلم شرير ، محموم ، ومرة اخــــــرى تنهال
الضربات ثم يرشونني بالماء والضرب ثانية وثانية . " تكلم ! تكلم ! تكلم ! " وانا مـــا زلت عاجز عن الموت . يا امي ، يا
ابتي لماذا جعلتمــاني على هذا القدر من التحمل ؟
بعـد الظهر . الساعة الخامسة . لقد تعب الجميع الان . الضربات تسقط الان متقطعة ، ما بين فترات طويلة . ما عاد الامر
الان الا مسألة روتين . وفجأة من بعيد ، من بعد سحيق ، يأتي صوت هادىء ، رقيق كأن ثمة من يلاطفني .
" لقد نال ما يكفي "
ومن ثم كنت اجلس ، الطاولة امامي تنهار لتظهر ثانية ، وشخص ما يعطيني شيئا ما لاشربه واخر يقدم لي سيجارة لا
استطيع ان امسك بها وشخص ثالث يحاول ان يلبسني حذائي ويقول انه لا يدخل وبعدها ها هم يخرجونني نصف مقتاد
ونصف محمول اسفل السلم ، الى سيارة ، وهـا نحن ننطلق بالسيارة ، واحــدهــم يصوب مسدسه نحوي ثانية . يبدو لي ذلك
مضحكا . نحن نمر بحافلة مزينة بزهور بيضاء ، حافلة عرس . ولكن ربما كان الامر كله لا يعدو عن حلم ، ربما كان الامر
مجرد حمى ، او احتضار او انــــه الموت ذاته اخيرا . مع هذا فالموت صعب ، اما هذا فهو يسير ، هذا لا شيء على
الاطلاق ، انه عبث اطفـــال لا غير ، لعاب شمس ، نفس اخر وينتهي كل شيء .
ينتهي كل شيء ؟ ليس الان ، لم يحن الاوان بعد . ها انا ذا اقف ثانية . اجل ، حقا ، اني اقف لوحي ، دون مساعدة احد .
وامامي مباشرة جدار اصفر قذر ، ملوث بــــ .... بماذا ؟ يبدو كالدم .. اجل انـه دم . ارفع اصبعي واحاول ان احكه قليلا...
وافلح . ما زال طريا ، انه دمي ... وعندها يضربني احدهم على رأسي من الخلف ويأمرني ان ارفع يدي واقــوم ببعض
التمارين . في الحركة الثالثة اسقط ...
احد رجال الاس اس طويل منتصب فوقي ويرفسني ليرغمني على النهوض . ما اسخف كل ذلك ! مرة اخرى ، يرشني
احدهم بالماء ، مرة اخرى اجلس . امرأة تعطيني دواء وتسألني عن مكان الالم في ، كأن ألمي قد تجمـــع الان في قلبي .
" انت لا قلب لك ! " يقول رجل الاس اس الطويل . " اوه بلى ، ان لي قلبا " . اجــيـبـــه على الفور واشعر بالفخر لاني
ما زلت املك ما يكفي من القوة لكي ادافع عن قلبي .
وعندها اخذ كل شيء بالتلاشي ثانية ، الجدار ، المرأة مع الدواء ورجل الاس اس الطويل .. امامي الباب المشرع للزنزانة .
رجل اس اس بدين يجرني للداخل يرفع مزق قميصي ويسجيني على فراش من قش ، يتحسس جسدي المتورم ويأمر بجلب
الكمادات لي . يخاطب الاخر ويهز رأسه " انظر الى مـا هـــم قادرون ان يفعلوه ! "
وثانية من بعيد ، من بعد سحيق ، اسمع صوتا ، هادئا ، ناعما ، رؤوما كأنما ثمة من يلاطفني .
" لن يستطيع البقاء حيا حتى الصباح " .
بعد خمس دقائق تدق الساعة العاشرة . انـــه مسـاء عبق . جميل مساء 25 نيسان 1942 .




الـفـصـل الــثــــــانـــي
احــتــضــار

(حين نحلق نحو الانجم
نطبق اعيوننا
فما نبصر بعد وهج الشمس : ))
رجلان ، اذرعهما مطويــة للاسفل امامهما ، يتمشيان حول سرداب ابيض ، احدهما خلف الاخر ، بخطى ثقيلة ، بطيئة ،
ينشدان ترتيلة كنسية ، حزينة بصوتين متنافرين ، ممطوطين ،
(( : ما اعذب ان تصعد للسماء ارواحنا ، وتبلغ غايتها رحلتنا ، ))
لقد مات احد ما : من يكون ؟ احاول ان ادير رائسي . علني المح نعشـــا ، فيه ميت والشمعتين المشرئبتين للاعلى فوق الرأس
(( ... وحيث ظلمة الليل تنتهي ، وحيث النور الابدي يتوهج )) . لقد رفعت بصري اخيراً ، لم يكن بامكاني رؤية احد .
لا يوجد احد – هذان الاثنان وانا فقط . لمن اذن ينشدان ترانيهما الجنائزية ؟
" وهذا النجم الساطع ابدا ، يسوع هو ، ابن الله الحق " .
هذه جنازة . اجل جنازة لا ريبه فيها . ومن ترى يدفنون ؟ من هناك ؟ هما الاثنين فقط – وانا . انا نفسي !! يمكن ان تكون
جنازتي ؟ ولكن اصغيا الي يا صديقي ، لا بد ان يكون هناك سوء فهم ! فما انا بميت ابدا، بل حي مثلكما تمام . الا تريان
بنفسيكما اني انظر اليكما واتحدث اليكما . قفا ! واياكما ان تدفناني !
" حين الراحل الغالي الحبيب . يوعنا الوداع الابدي الحزين : "
لكنهما لا يسمعاني وكان بهما وقر ! الا اتحدث بصوت مرتفع ؟ ام اني قد مت حقاً ولم يعد بامكانهما ان يسمعا صوتاً لا جسد
له ؟ ام ان جسدي هو المسجى هناك على بطنه واني احدق في نعش ؟ شيء غريب !
" تتطلع العيون الحرى الى السماء – ها قد بلغت نهايتها رحلته ، ها قد بلغت نهايتها رحلته : "
اتذكر الان : لقد رفعني احدهم بصعوبة والبسني ثيابي ، ثم انهم حملوني على نقالة ورنت في الرواق خطى معدنية وعندها..
هذا كل ما اذكره . ولا اعرف اكثر من ذلك . لا اذكر شيء اخر . ( .. هناك حيث النور الابدي يتوهج .. )
لكن كل هذا لا معنى له فأنا حي .. وبامكاني الشعور بوجع ما بعيد وبالظمأ . والموتى لا يعطشون . اجمع كل مابقي لدي
من قوة لاحـــرك يــــدي . فينسلخ عني صوت غريب ، غير طبيعي :
"" ماء ! ""
اخيراً توقف الرجلان عن الدوران . وها هما ينحنيان علي ، احدهما يرفع رائسي ويسكب الماء في فمي .
"" اسمع يا فتى ، عليك ان تاكل شيئا . يومان وان تكرع الماء وتكرع ليس الا .. "" ما الذي يقصده بقوله ؟ منذ يومين؟
وفي اي يوم نحن اذن ؟ ( الاثنين ! )
الاثنين . لقد اعتقلت منذ يوم الجمعه ما اثقل رائسي ! وما الذ برودة السماء ! النوم ! دعوني انام ! لقد مزقت قطرة ماء واحدة
السطح الزجاجي للبئر . هذا هو نبع الماء في المرج وسط الجبال ، هذا النبع الذي اعرفه قرب كوخ الحطاب ، عند قاعدة جبل
روكلان ، وحفيف المطر الناعم بين اشجار الصنوبر .. بالعذوبة النوم ...
... ومرة اخرى حين استيقظ ، يكون مساء الثلاثاء وفوقي كلب منتصب . كلب الزاسي ، يتطلع الي متسائلا بعينيه الذكيتيــــن
الجميلتيـــن ويبادرني بالقول :
" اين كنت تعيش ؟ "
اوه ، كلا ، ليس هو الكلب . فهذا صوت مخلوق اخر يقف هناك يمكنني ان ارى جزمته الضخمة وزوج اخر من الجزمات
الضخمة وسراويل عسكرية . ولكني غير قادر على رؤية ما هو اعلى ، فما ان احاول ان ارفع بصري حتى يبدأ رأسي يدور
ويدور اوه ، وما اهمية ذلك ، دعوني انام ...
الاربعاء .
الرجلان اللذان كانا ينشدان التراتيل يجلسان الى طاولة الان ، يتناولان الطعام في انية من الفخار . يمكنني ان اميزهما الان .
احدهما اصغر سناً من الاخر ، لكن مظهر الرهبان لا يبدو على اي منهما . والسرداب لم يعد سرداباً بل زنزانة سجن مثل
غيرها وارضيتها تبعد عن نظري وهي تتقارب لتنتهي الى باب اسود ثقيل ...
يصر مفتاح في القفل ، فيقفز الرجلان ويقفان على اهبة الاستعداد ثم يلج المكان شخصان اخران بملابس الاس اس ، يصدران
امرهما بوضع ملابسي علي . لم تكن عندي ادنى فكرة كم من الاوجاع كانت مختبئة لي في كل ساق من ساقي السروال وفي
كل كم من قميصي – ثم وضعت على نقالة وحملاني ونزلا السلم بي والخطوات المعدنية ترن على طول الرواق ... اذن هذا
هو الطريق نفسه الذي اقتادني عبره في المرة السابقة وانا فاقد الوعي . الى اين يؤدي هذا الطريق ؟ وفي اي جحيم ينتهي ؟
القوني على ارضية الاستقبال البشع ، الكئيب لقلم محكمة الشرطة الالمانية في بانكراك وارتفع صوت تشيكي ، بطيبة مدعية ،
يترجم لي سؤالاً بصقه صوت الماني غاضب :
( هل تعرفها ؟ )
رفعت ذقني بيدي . امام النقالة تقف فتاة يافعة ذات وجه عريض . كانت تقف باعتزاز ، منتصبة القامة ، مرفوعة الجبين
بسمو بدون تحد ، فقط عيناها منخفضتان قليلاً بالقدر الكافي لرؤيتي والقاء التحية بهما علي . انا لا اعرفها . اذكر لم اراها
الا للحظه خاطفة ، في تلك الليلة الوحشية بقصر بيتشيك . وها اني اراها المرة الثانية . ومع الاسف ، لم اراها مرة ثالثة
لاتمكن من ان اشد على يدها معبراً على اعتزازي بموقفها السامي في هذا المكان . كانت زوجة ارنوست لورينز . وقد تم
اعدامها بالايام الاولى من اعلان الاحكام العرفية عام 1942 .
( وهذه ، لا بد انك تعرفها جيداً . )
انا جيراسكوفا ! رباه ، انيكا . ما الذي جاء بيكي الى هنا انا لم انطق باسمكي بتاتاً ، وليس لكي ادنى علاقة بيه ، انا لا
اعرفك ، هل تفهمين ، لا اعرفك ..
" كلا ، لا اعرفها "
" هيا يا رجل ، كن عاقلاً ! "
" لا اعرفها . "
" فات الاوان يا يوليوس ! تقول انيكا ، ووحدها حركة غير محسوسة من اناملها التي كانت تتشبث بمنديلها هي التي فضحت
اضطرابها فات الاوان . لقد وشى احدهم بي .
" من؟ "
" اخرسي ! " – قاطعها احدهم بحدة ودفعها بعنف الى الوراء عندما انحنت لتصافحني .
انيكا !
لا يمكنني ان اسمع المزيد من الاسئلة . ومن بعيد ، ومن دون الم ، كانني كنت مجرد متفرج ، شعرت برجلي الاس اس
يعودان بي الى الزنزانة ، يرميان النقالة بوحشية ويسالاني وهما يقهقهان ان كنت افضل ان اتمرجح معلقاً من عنقي .
الخميس
بدأت باسترجاع وعي . احد رفاق السجن وهو الاصغر سناً ، يدعى كارليك ، وينادي الاكبر سناً " ابتي " انهما يحدثاني
بشيء ما عنهما ، لكن كل شيء يختلط في رأسي ، هناك شيء ما عن منجم واطفال يجلسون على مصطبات . اسمع جرساً
يرن . لا بد ان النيران قد اندلعت في مكان ما . ويزعم ان طبيباً واحد ممرضي الاس اس ياتيان لمعاينتي يومياً ويزعم انني لم
اكن على تلك الدرجة من السوء واني ساتعافى ثانية . هذا مايقوله ( ابتي ) وهو يقول ذلك باصرار متناه ويؤكد كارلك على
كلامه بحماس ، حتى اني برغم ما انا عليه ما برحت قادراً على الشعور بانهما كانا يمرران عليه
كذبة بلقاء . ما اطيب قلبيهما ! ولكم اشعر بالاسف لاني عاجز عن تصديقهما .
بعد الظهر
ينفتح باب الزنزانة ويندفع اليها كلب ، دون ضوضاء ، بخفة . يقف على رأسي ويتطلع الي بفضول ثانية . ومرة اخرى
جزمتان ضخمتان – اعرف الان : احدهما تعود الى صاحب الكلب ، مدير سجن بانكراك . اما الاخرى فالرئيس قسم مكافحة
الشيوعية في الجستابو ، وهو نفسه الذي اشرف على التحقيق معي تلك الليلة – ثم زوج سراويل مدنية – تابعتهما عيناي
الى اعلى – اجل ، اعرفه ، انه ذلك الضابط النحيل ، الطويل الذي كان يقود فصيل المداهمة . انه يجلس على كرسي وياخذ
بالتحقيق معي .
" لقد خسرت لعبتك . انقذ راسك على الاقل وتكلم ! علامة تعجب " .
يقدم لي سجارة . ارفضها ، فانا عاجز عن تحملها .
" كم بقيت تسكن لدى عائلة باكس ؟ "
لدى عائلة باكس ! هذا ايضاً ! من ترى اخبرهم بذلك ؟
" اننا نعرف كل شيء . هيا تكلم ! "
اذا كنتم تعرفون كل شيء ، فما نفع كلامي ؟ انا ما عشت حياتي سدى – ولن افسد نهايتي . ويستمر التحقيق ساعة واحدة.
ولم يكنا يصرخان بل بعيدان اسئلتهما بصبر وحين لا يظفــــرا بجواب ، يوجهان الثاني ، والثالث والعاشر .
" الا يمكنك ان تفهم ؟ لقد انتهى الامر ، هل تفهم ، وضاع منك كل شيء " .
" انا الذي ضعت فقط " .
" ما زلت تؤمن بانتصار الكومونة ؟ "
" طبعا "
" ما زال يؤمن " يتساءل الرئيس بالالمانية ويترجم الضابط الطويل ( مازال يؤمن بانتصار روسيا ؟ )
" طبعاً . لا يمكن للامر ان ينتهي الى على هذا النحو " .
عندها راودني التعب . لقد جمعت ما تبقى عندي من قوة لاظل يقظا ، فالان قد بدا ذهني ينضب بسرعة مثل دم يتدفق من
جرح عميق وما زال بامكاني ان اشعر بهم وهم يمدون اياديهم لي ، ربما كانوا يقرأون شارة الموت على جبيني . هذا
صحيح ، ففي بعض البلدان ، جرت العادة ان يقوم حتى الجلاد بتقبيل المحكوم بالاعدام قبل تنفيذ الحكم فيه .
مساءً .
رجلان باذرع مطوية يتمشيان بدائرة ، الواحد خلف الاخر ، ينشدان مرثية حزينة ، باصوات متنافرة ممطوطة :
" حين نحلق نحو الانجم "
" نطبق اعيننا ، فما نبصر ... "
كفى ! ايها الناس : ربما كنتم تنشدون تراتيل جميلة ، لكن اليوم ، هذا اليوم هو عشية الاول من ايار ، اجمل وابهج اعياد
الانسان . احاول ان انشد شيئا جذلاً ، ولكن قد يبدو ذلك اشد حزناً . فها هو كارليك يستدير مبتعداً و ( الاب ) يمسح دموعه.
مع هذا فاني لا اريد ان استسلم واواصل الغناء وشيئا فشيئا ينضم الاثنان الي . اخذتني سنة النوم وانا سعيد .
يطلع صباح الاول من ايار .
تدق ساعة برج السجن الثالثة . لاول مرة اسمعها تدق بوضوح . انا الان بكامل وعيي ، لاول مرة منذ اعتقالي احس بطراوة
النسيم تنهمر علي من النافذة المفتوحة ، تمدد فراشي على الارض واعواد القش تضغط على صدري وبطني وكل شبر من
جسدي يتوجع بالف وجع واجد صعوبة في التنفس . وفجاة ، ارى كل شيء بوضوح ، كما لو ان نافذة فتحت : هذ هي
النهاية ، انني احتضر .
لقد استغرقت وقتاً طويلاً ، ايها الموت ، حتى تأتي . ومع هذا فقد كنت ما ازال عامــــرا بالامل لا التقي بك الا بعد سنين
طوال ، ما زال الامل يراودني ان اعيش حياة رجل حر ثانيـــة ، ان اعمل كثيراً ، احب كثيراً اغني كثيراً واجوب الدنيا،
والحق اني لم انضج الا الان وحسب ، وكان عندي الكثير من القوة . اما الان ، فلم تعد عندي اية قوة . لقد نضبت وها هي
توشك على الانتهاء .
لقد عشقت الحياة ومن اجل جمالها دخلت ساحة النضال . ولقد احببتكم، ايها الناس ، وكنت سعيداً حين بادلتموني نفس الحب .
كان الالم يعتصرني يوم لم تكونوا تفهموني وانتم يا من اسأت اليكم ، سامحوني ، ومن منحته الفرح فلينسه ، فلا شكر على
واجب !
اريد ان لا يرتبط الحزن باسمي ابداً . هذه وصيتي لكم يا ابتي ويا امي ويا اخواتي وانت يا حبيبتي جوستا وانتم ايها الرفاق
ولكل من كان عزيزاً عليه .
واذا كنتم تعتقدون ان بوسع الدمـــــوع ان تغسل تراب الاسى ، فلتبكوا اذن ، ولكن لبرهة لا غير . لا تتأسوا عليه . لقد عشت
للفرح وفي سبيل الفرح اموت ولسوف تسيئون الي لو وضعتم ملاك الحزن على قبري .
اول ايار ! انها الساعة التي اعتدنا فيها ان ننهض في الضواحي ونهيئ راياتنا . هذه هي الساعة التي تنطلق فيها اولى
الكراديس في شوارع موسكو لتشارك في مسيرة اول ايار . وفي هذه الساعة تخوض الان ملايين الناس اخر المعارك من
اجل حرية الانسان ويتساقط الوف الشهداء في ساحات النضال . انا واحد من هؤلاء . وان يكون المرء واحد منهم ، واحداً
من المناضلين في هذه المعركة الاخيرة له امر رائع .
لكن اي يكابد المرء سكرة المــــــوت ، فهو امر لا روعة فيه .. انني اختنق ويستحيل عليه التنفس اسمع حشرجة في حنجرتي
. ما زال بامكاني ان اوقض رفاق السجن . قد يكون عليه ان ارطب بلعومي بقطرة ماء .. لكن الماء نفذ كله من الوعاء .
هناك على مسافة ستة خطوات لا غير ، في التواليت عند ركن الزنزانة ، ما يكفي من الماء . ولكن ترى اعنــــدي من القوة
ما تكفي للوصول اليه ؟
ازحف على بطني ، بهدوء ، بمنتهى الهدوء ، كان مجد الموت قائم في عدم ايقاظ احد . لقد زحفت المسافة كلها وها انا اعب
الماء بنهم في قاع التواليت . لا ادري كم استغرق ولا ادري كم من الوقت اقتضاني لكي اعود زاحفاً . وها اني اغيب عن
الوعي ثانية . واتحسس النبض في معصمي اشعر بخدر تام لقد صعد قلبي الى حنجرتي وها هو يهوى بعنف حالق وانا معه
اهوي في مكان سحيق . وكنت وانا اهوى ، اسمع صوت كارليك وهو يقول :
" ابتي ابتي هل تسمع ؟ ها هو المسكين يشرف على نهايته ."
في الصباح ، جاء الطبيب. لكني لم اعرف ذلك الا بعد وقت طويل . جاء وفحصني وهز راسه . ثم عاد الى غرفة العيادة ،
مزق شهادة الوفاة التي ملئها باسمي في اليوم السابق واصدر حكمه كاختصاصي :
" أن له لبنية حصان ! "




الـــفـــصـــل الـــثـــالـــث
زنزانة 267
سبع خطوات مـــن الباب حتى النافذة ، سبع خطوات من النافذة حتى الباب . اعرف هذا .
كم مرة قطعة هذه المسافة على ارضية الواح الصنوبر من زنزانة بانكراك هذه ! ربما في هذه الزنزانة بالذات ، سجنت مرة
من قبل فقـــد رأيت بجلاء نتائج السياسية المشؤومة التي انزلتها البورجوازية التشيكية بالشعب التشيكي . وها هم الان
يصلبون شعبي والحرس الالمان يتمشون في نوبة الحراسة امام باب الزنزانة . وثمة في مكان ما خارج السـجـــن ، اقدار
سياسية عمياء تحوك كرة اخرى خيوط الخيانة . كم من القرون ينبغي ان تمر على الانسان قبل ان يفتح عينيه ؟ وعبر كم من
الوف الزنزانات ينبغي على الانسانية ان تشق طريقها الى امام ؟ وكـــــم منها ما زال المستقبل يدخرها ؟ ايه يسوع الطفل
يا ابن نيرودا رحلة الانسان صوب النور ما زالت بعيدة عن نهاية نضاله . ولكن : لا تنم بعد الان ، لا تنم بعد الان !
سبع خطوات هناك ، سبع خطوات هناك الى الوراء . سرير مطوي عند احد الجدران . اما عند الجدار الاخر فرف ذو لون
داكن موحش صفت عليه انية من الفخار اجل ، اني اعرف هذا . الان فقط تمت ممكنة الاشياء لحد ما . فهناك تدفئة مركزية
واسـتـبـــــدل الدلو بحنفية ماء . ولكن ما تم مكننته قبل كل شيء هو الناس ، الناس في المقام الاول . وكالة مؤتمنة ، ما ان
يضغط على زر ، او يصر بالمفتاح في بـــاب الزنــزانــة او يفتح ثقب التجسس ، حتى يقفز السجناء من اماكنهم ، مهما كان
الشيء الذي ينشغلون به ، ليقفوا على اهبة الاستعداد ، احدهم خلف الاخر . او يفتح الباب ، فيصرخ مسؤول الزنزانة بنفس
واحد :
" انتباه ! زنزنانمأتا مــــو سبعتوستون التعداد ثلاثة سجناء بالتمام . "
اذن : 267 ، هي زنزانتنا ولكن في هذه الزنزانة لا تعمل الاتمتة بدقة متناهية . اثنان يقفزان فقط . اما انا فاستلقي على
فراشي القشي تحت النافذة ، انبطح على بطني اسبوعاً ، اسبوعين ، شهـــراً ، ستة اسابيع – وها اني اولد ثانية ، اللحظة
يمكنني ان احرك رأسي . اللحظة يمكنني ان ارفع ذراعي . اللحظــــة يمكنني ان انهض بجسدي على مرفقي واحاول حتى
ان انقلب على ظهري ... وما من ريب فالكتابة عن هذا لهي اسرع من مكابدته .
والزنزانة تتعرض للتغيير . فـعنـــد باب الزنزانة وضعوا اثنين ، لا ثلاثة . هناك الان اثنان منا لا غير . لقد رحل كارليك ،
اصغر الرجلين سناً ، الرجلين اللذين شيعاني الى القبر بتراتيل الحداد ، وما خلف بعده الا ذكرى انسان طيب القلب . لست
اراه في الواقع الا فيما يشبه الحلم ، خلال اليومين الاخيرين التي سبقت رحيله . ها هو يقص علي بأناة قصته مرة بعد اخـرى
ولا يلبث النعاس ان يداهمني منتصف القصة ذاتها .
اسمه كاريل ماليك . ميكانيكي اعتاد ان يشتغل عامل مصعد في منجم للحديد في مكان ما قرب هولديك . من هناك كان يقوم
بتهريب المتفجرات التي كانت المقاومة بحاجة اليها على الجبهة الداخلية . منذ سنتين اعتقلوه وعليه الان ان يمثل اما احدى
المحاكـــم ، ربما في برلين ، مع عدد كبير اخر ممن اتهموا في القضية ذاتها. من يدري كيف سينتهي الامر ، لكاريل وزوجة
وطفلان ، يهيم بحبهم – كان علي ان افعل ذلك في النهاية ، انت تعرف ، لم يكن امامي سبيل اخر. ساعات طويلة يجلس الى
جانبي ويرغمني على الاكــــل . لا استطيع ، يوم السبت – احقا مضت علي ثمانية ايام وانا هنا ؟ -- ثم ما لبث ان قام بمجهود
كبير : قـــال للحارس الممرض بأني لم اتناول شيئا منذ ان جيء بي الى هنا . وها ان الحارس الممرض ، الحاجب الصحي
لبانكراك ، الدائم القلق وهو ببزة الاس أس والــــذي من دون اذنه لا يستطيع الطبيب التشيكي ان يكتب اية وصفة ولا حتى
بحبة اسبرين واحدة ، وها هــو يأتيني بنفسة باناء من الحساء المغذي ، وينتظرني الى ان اكون قد انتهيت منه كله . ويراود
كارليك شعــور بالرضى عن النفس لهذا التوفيق وما ان يكون اليوم التالي قد حان ، حتى يصب لي بنفسه حصته من حساء
يوم الاحد ويقدمها الي . لكن الوضع لا يستمر طويلاً ، ذلـــك ان لثتي التي سحقت تماماً لا تمكنني حتى من مضغ البطاطا
المهروسة في هريس يوم الاحد ويرفض بلعومي المتقلص ابتلاع اية لقمة مهما كانت لينة .
" انه يرفض ان يأكل حتى الهريس ! " ينوح كارليك ويهز رأسه بأسى وهو يراقبني .
ومن ثم يأتي عـــــــلى حصتي بنهم ، ويتقاسمها مناصفة مع ( ابتي ) .
ايه انتم ، انتم يا من لم تعرفوا ابدا طعم الحياة عام 1942 في بانكراك ، هيهات ان تعرفـــــوا ، ولن تعرفوا اي شيء هـــو
الهريس ! حين تقرقر المعدة مـــن الجوع عــادة ، حتى في اسوأ وضــع ، وحين تذهب للحمام الهياكـــل العظيمة المغطاة
بجلود البشر ، وحين يسرق رفيــــق شيئا من حصة رفيقه ، بملح البصر ، حتى بمجرد مرقة خضار يابسة مقززة ممزوزجة
بعصير الطماطة الهزيـــل ، تبدو ترفا كبيرا ، شهيا وحتى في اسوأ تـلـــك اللحظات ، جرت العادة ان يفرغ سجناء الخدمـــــة
مرتين في الاسبوع – الخميس والاحد --- ملء مغرقة من البطاطــا في قصعتك ويسكبون عليها ملء ملعقة من صلصة
الهريس مع نتف صغيرة من اللحم . وكان مذاق ذلك لذيذا ، لا بل اكثر من ذلك . كانت تذكيــــرا ملموسا بالحياة الانسانية ،
شيئا متحضرا ، شيئا طبيعيـــاً وسط القساوة الشاذة لسجن الجستابو ، شيئا كان الحديث يجري عنه بعذوبة وجذل – اواه ، من
يمكنه ان يتصور اية فضائل سامية يمكن ان تعطيها لنا ملعقة ملأى بالصلصلة واللحم المتبلة بأهوال القرب الدائم من المـــوت
سرعان ما اصبحت قادرا على ان افهم دهشة كارليك . كنت ارفض ان اكل الهريس . ولم يكن هناك من شيء يقنعه بموتي
الوشيك اكثر من ذلك .
الليلة التالية ، في الـسـاعــــة الثانية ، ايقظوا كارليك . وكان عليه ان يستعد للرحـيـــل خلال خمس دقائق ، كأنه لن يغيب الا
لحظة واحــــدة ، كأنه لم يكن على وشك القيام برحلة قد تمتد حتى نهاية عمره ، الى سجن اخر ، الى معسكر اعتقال ، الى
ساحة الاعدام ، من ترى يعلم الى اين . ومرة اخرى ، ركـــع الى جانب فراشي القشي واحاط رأسي بذراعيه وقبلني –
وانطلقت صحية خشنة من سجان في بزته الرسمـيــــة وهو في الرواق حتى يبرهن ان المشاعر لاحق لها في الوجود في
بانكراك وهرع كارليك عبر الباب وصر القفل ولــم يبق في الزنزانة الا نحن الاثنين .
هل سيقدر لنا ان نلتقي ثانية يا فتى؟ والوداع التالي ، أموعده قريب ؟ ومن منا نحــن الاثنين سيسبق رفقيه ؟ والى اين ؟ ومن
سيناديه ؟ سجان ببزة اس اس ؟ أم الموت ، الذي لا بزة له ؟
ليس ما اكتبه الان الا رجع تلك التأملات التي ظلت بتقية معنا منذ اول وداع . لقد مـــر عام على ذلك ومع هذا فان تلك
الافكار التي اقترنت بفراق رفيقنا غالبا ما كانت تتردد بالحاح . والشخص الاخر المعلق عند باب الزنزانة تبدل مرة الى
ثلاثة ومرة الى اثنين واخرى الى ثلاثة ، اثنين ، ثلاثة ، اثنين ووصل معتقلون اخرون ثم رحلوا – الا هذين الشخصين،اللذين
بقـيـــا في زنزانة 267 ذلك اليوم ، ما برحا يجلسان معا بوفاء . " ابتي " وانـــــا .
" ابتي " --- معلـــــم في الستين ، اسمه جوزيف بيسيك ، عميد المعلمين . اعتقلوه قبلي بخمسة وثمانين يوما بتهمة التامر ضد
الرايخ لانه قدم مشروعا لاصلاح المدرسة التشيكية الحرة . ان ( ابتي ) ..
ولكن كيف ستكتب عــــن ذلك يا بني ؟ انه لعمل شاق . رجلان ، زنزانة واحدة وعام واحد انذاك كان القوسان حول اسم
( ابتي ) قد اختفيا – لقد اصبحا عندها رفيقا السجن ، وهما بعمرين مختلفـيــــن ، ابا وابنا في واقع الامر ، وفي ذلك الوقت
تبادلا معا العادات والتعابير المفضلة وحتى نبرة صوتينا – حاولوا ان تميزوا اليوم ما هو لي وما هو لابتي ، ما الذي حمله
الى الزنزانة وما الذي حملته انا اليها !
قضى الليل ساهراً بقربي ليلــــة التراتيل وأبعد الموت بالدموع والكمادات البيضـــاء ، كلما توفرت . وبنكران ذات نظف القيح
عن جراحي وما بدر عنه اي يوم ابدا ما يدل على شعوره برائحة العفن المنبعثة من فراشي القشي . لقد غسل ورتـــق خرق
قميصي الذي راح ضحية لاول تحقيق اجروه معــــي . وحين اصبح القميص لا رجاء منه ابدا ، البسني ثيابه الداخلية . وهو
من حمل الي مرة زهرة الربيع واوراق عشب خاطر بجمعها اثناء نصف ساعة الرياضية الصباحية في باحة سجن بانكراك .
وكان يتابعني بعينين رؤومتين كل مرة كنت استدعي فيها للتحقيق ، ليضمد جراحي الجديدة بكمادات جديدة حين اعــــود .
وحين يأخذوني الى التحقيق ليلا ، لم يكن لينام ابدا حتى اعود ، فيسحبني الى فراش القش ، وبرفق يدثرني بأغطيتي .
هكذا كانت بداياتنا وما غيــــرت حياتنا المشتركة ذلك ، حتى عندما اصبح بامكاني الوقوف عــــلى قدمي لاسدد ديون الابن.
لكنك ، يابني ، لن تستطيع ابدا ان تكتب كل شيء هكذا ، دفعة واحدة ، فذلك العام ، كانت للزنزانة 267 حياة حافلة . وكل ما
عاشتـــــه ، عاشه أبتي بطريقته الخاصة . لا بد لذلك ان يقال . والقصة ما انتهت بعدها .
( وهذا ما يحمل معه في الظاهر بارقة أمل) .
للزنزانة 267 حياة غنية . كل ساعة ينفتح الباب وتبدأ حملة تفتيش . هــــذه هي الرقــــابــة الصارمة المفروضة على مجرم
شيوعي خطير ، لـكــــنـه قد يكون الفضول المكشوف ايضا . فغالبا ما يموت هنا من لم يكن يقصد موتهم . ولكن نادرا ما
حـــدث ان بقي على قيد الحياة من كان الكل يتوقع موته . والسجانون من الاجنحة الاخرى يأتون هم ايضـــا الى هنا ،
يتبادلون الحديث او يزيحون بصمت الاغطية ويتلذذون بمعاينة الجروح بعين خبير ووفقا لما جبلوا عليه ، فانهم يدلون بنكات
ساخرة او يتحدثون بنبرة اكثر ودا . احد هؤلاء – وقد اطلقنا عليه اسم ( الشمام ) – غالبا مـــا يتردد اكثر من غيره ، يأتي
وعــلى وجـهـــه تكشيـــرة عريضــــة ويتساءل عمـــا اذا كـــان " الشيطـــان الاحــمـــر " بحاجـــة الى شيء . كلا ، شكراً ،
انه لا يحتاج الى اي شيء . بعد ايام قليلة ، يكتشف ( الشمام ) ان الشيطان الاحمر بحاجة الى شيء حقا : ان يحلق . وهكذا
يروح ويأتي بحلاق . هو ذا اول سجين التقيه من غير الذيـــــن في زنزانتي : الرفيق بوشيك . وتبرهن الخدمة الطيبة التي
اداها ( الشمام ) على انها بركة مزدوجة . يسند ابتي رأسي ويركع الرفيق بوشيك جنب فراشي القشي وهو يحاول ان يشق
طريقا في دغل الزان من لحيتي بشفرة عمياء . يداه ترتعشان والدموع تملأ ماقيه . كان موقنا انه انما يحلق ذقن جثة .
واحاول ان اعزيه :
" تشجع ايها الاخ ! اذا كنت قد صمدت في تحقيق قصر بيتشيك ، فلا أحسب اني عاجز عن الصمود كما ينبغي امام حلاقتك"
غير اننا ، معــا ، ما عدنا عــــلى ذلك القدر من التحمل وكان علينا ان نستريح ، هو وأنا .
بعد يومين ، تعرفت على سجينيـن اخرين . كان صبر الضباط في قصـــر بيتشيك قد نفذ . فأرسلوا في طلبي ولأن الحارس
الممرض يكتب على اوراق الاستدعاء كل يوم ( في وضع لا يسمـــــح بنقله ) ، فقد اصدروا اوامرهم بضرورة جلبي مهما
كانت الاسباب . وهكذا قدم سجينان ، بملابس السـجـــن الرسميـــة ومعهما نقالة وبصعوبة بـالغــــة البسني ابتي وحملني
الرفيقان الى النقالة وانطلقا بي . وكان احدهما هو الرفيق سكوريبا ، الذي سيصبح فيما بعد الاب اليقـــظ للرواق كله . لقد
انحنى علي حال ان انزلقت من السطح المقدس للنقالة ، اثناء نزولنا السلم وقال لي :
( اصــمــد ! )
( واضاف بهمس نصائح قيمة ) .
هذه المرة لن نتوقف عــنــــد مكتب الاستقبال . وواصلا التقدم بي ، خلال الرواق الطويل ، نحو الخارج . كان الرواق يغض
بالناس – فاليـــوم خميس ، وذوي السجناء يأتون لاخذ الغسيل – والكل يتطلع الى موكب الحداد هذا – وقد امتلأت عيونهم
بنـظـــرات العطف . ولم يكن هذا يعجبني . ولهذا السبب ارفـــع يدي الى رأسي واضم قبضتي . ربما يروهـــا ، فيعرفون اني
احييهم . قد تكون مجرد اشارة حمقـــاء ولكن ما كان بامكاني عمل اي شيء اخر . وما عاد عندي من القوة ما يكفي .
في باحة سجن بانكراك وضعا النقالة في شاحنة ، اثنان من رجال الاس اس يجلسان مع السائق واخران مثلهما ايديهما عــلى
قرابي مسدسيهما المحلولين ، يقفان على رأسي واقدامهما منفرجة – وننطلق . لا ، لم يكن الطريق مثاليا تماما – حفرة بعد
الاخرى – وقبل ان نقطع مائتي متــــر . فقدت الوعي ، لـقـــد كانت رحلة مضحكة ، عبر ازقة براغ : شاحنة بحمولة خمسة
اطنان ، مخصصة لثلاثين سجينا ، تصرف البنزين من اجل نقل سجين واحد وفي المقدمة رجلا الاس اس واثنان مثلهما في
المؤخرة ، يحملقان بهيئة فريسية ، مسدسيهمـــا في يديهما ، يحرسان جثة ، مخافة ان تهرب . في اليوم التالي تكررت المهزلة
لكني صمدت هذه المرة حتى قصر بيتشيك . ولم يستغرق التحقيق وقتا طويلا . لقد تحسس الضابـــط فريدريش جسدي دون
اكتراث ، ومرة اخرى حملوني عائدين وانا فاقد الوعي . وتمر الايام وما عدت اشك الان بانني على قيد الحياة . لقد ذكرني
الالم – شقيـــق الحياة الطبيعي ، بهذا بجـــلاء تام . وبات سجن بانكراك يعلم هو الاخر بانني ما بقيت على قيد الحيـــــاة الا
لسبب خطأ ما . وبدأت اولى التهاني تصل الي :
تهاني تقرع علـــى الجدران السميكة او تحملها عيون السجناء الخدم حين يوزعون الطعـــام . كانت زوجتي وحدها التي لا
تعرف شيئا عني . لقد عاشت وهي وحيدة في زنزانتها على مبعدة طابق واحد لا غير تحتي ومجرد ثلاث زنزانات او اربع
بعيدا عني ، موزعة بين القلق والامل الى ان اسرت لها احدى جاراتها خلال الرياضة الصباحية بأنني قد انتهيت وانني
اسلمت الروح في الظاهر جراء الجراح التي لحقتني اثناء التحقيق . بعدها هامت في ساحة السجن ودارت الدنيا من حولها
ولم تشعر بسجانتها وهي تعزيها بالضرب على وجهها ، محاولة ان تعيدها الى الصف الذي هو رمز انتظام حياة السجن .
ترى ما الذي كان بوسع عينيها الواسعتين ، الطيبتين ان تريا وهما تحدقان ، دون دموع ، بجدران زنزانتها البيضاء ؟
في اليوم التالي وصلتها شائعة اخرى : كلا ، انا لم اضرب حتى الموت تماما ، لكني بسبب عدم قدرتي على تحمل الالم –
شنقت نفسي زنزانتي .
ابان ذلك ، كنت انا منبطحا على فراشي القشي استدير بعناد على جنبي كل مساء وصباح ، لكي انشد لجوستينا الاغاني التي
تعشقها .
كيف يمكن ان لا تسمعها وقــــد شحنتها بكل هذا القدر من المشاعر ؟
اليوم لا بد انها عرفت ، لابد انها سمعت اليوم ، رغم انها ابعد اليوم ممـــا كانت بالامس . اليوم حتى السجانون يعرفون وقد
اعتادوا الان ، ان الزنزانة 267 تغني . لقد غنيت طــــوال حياتي . ولست ارى سببا يحملني عـــلى ان اتوقف عــــن ذلـك ،
وانا في النهاية تماما ، حين تصبح الحيـــاة في ذروة توترها . والاب بسيك ؟ اوه ، انه حالة استثنائية ! انه يهيم حبا بالغناء .
ورغم انه لا يملك لا اذنا موسيقية ولا صوتا ولا ذاكرة موسيقية ، لكنه يهيم بالاغنية بذلك الجلال ووفاء المحب ، يجد فيها
غبطة لا حد لها ، حتى أني لأكـــاد لا اسمعه وهو ينتقل من مقام الى اخر . وهو يغني بعناد مقام ( مي ) حين يكون سمعك
يطرب لاغنية من مقام ( أي ) . وهكذا نغني معا حين يتملكنا الخوف . نغني حين يكون النهار بشوشا . نغني لنودع رفيق
راحل قد لا نلقاه ثانية ، نغني ونحن نهلل للاخبار الطيبة من مياديــــن القتال الشرقية ، نغني للسلوان ، نغني للفرحــــة ، مثلما
الناس في كل العصور وسيغنون طالما هم بشر ..
لا حياة دون اغنية كما لا حياة دون شمس . نحن احوج ما نكون هنا الى الاغنية ضعفين لان الشمس لا تصلنا . فالزنزانة
267 تطل على الشمال وفي اشهر الصيف فقط – تمر الشمس لحظات وهي تغرب لترسم ظل قضبان ، لنافذة على الجدار
الشرقي – وفي تلك اللحظات ينحني الاب على السرير ويتطلع الى هذه الشمس الزائرة العابرة ، وعندها يمكنك ان تشهد
اعمق نظرة حزن . الشمس ! بأي سخاء تشع هذه الساحرة المستديرة ! واية عجائب تصعنها لعــيـــون البشر ! ما اقدر
ما تعيش الناس تحت الشمس . ولكنها ستشرق وتظل تشرق وسيعيش البشر في فيض سناها . ما اجمل ان يدرك الانسان هذا
ومع ذلك فلكــم يود الانسان ان يعرف شيئا اخر اقل اهمية من ذلك بكثير : وهل ستشرق علينا نحن ايضا؟
زنزانتنا تطل على الشمال . وفي الصيف وحده ، حين يلملم النهار ذيوله – نشاهد احيانا الشمس وهي تغيرب . اواه ابتي ،
اود مـــن القلب لـــو ارى الشمس تشرق ولو مرة واحدة اخرى !



الــفـــصـــل الــرابـــع
غـرفــة اربــعــمــائــة

البعث من الموت مسألة غريبة نوعاً ما . غريبة لحد تستعصي على الوصف . حين تكون قد نمت جيداً ، العالم جذاب في نهار
جميل ، عندما تكون شبعت نوماً كأنما كان اجمل ، وانك لم تنم مثلما نمت الان . وتحسب انك تعرف مسرح الحياة جيداً . لكن
هذا اشبه بالنور حين يشعله الفنيون دفعة واحدة ، يسطع الزجاج ، وفجأة المسرح وقد انير برمته فتحسب انك تبصر جيداً .
لكن هذا اشبه بمن يضع على عينيه منظاراً مركبا على ميكروسكوب . الانبعاث من الموت مجرد مسألة ربيع كمثل الربيع
الذي يمنحك دهشة غير متوقعة حتى في اكثر المشاهدة اعدت عليها .
وهذا ما يقع حتى حين تعلم ان ذلك لن يدوم الا لحظة ، حتى عندما يكون ما يحيطك من مثل بهجة وغنى ما انت عليه في
احدى زنزانات بانكراك . في يوم ، اذن ، يحملونك الى الدنيا ثانية . وفي يوم يطلبونك للتحقيق دون نقالة . ومع انك تحسب
ذلك محلاً . فسوف توفق بطريقة ما . كان للرواق حاجز وللسلم درابزين وانت في الواقع تسحف على اربع لا على اثنين
وفي الاسفل يتلقفوك رافق السجن ويوصلونك الى شاحنة السجن ثم تجد نفسك جالساً ، عشرة ، اثنا عشر رجلاً في زنزانة
مظلمة تسافر ، وجوه جديدة تبتسم اليك وانت تبتسم لها . احدهم يسرك بشيء ما همساً وانت لا تعرف من يكون ، وتشد
على يد احدهم وانت لا تعرف من يكون وما ان تترنح الشاحنة في مدخل قصر بيتشيك ، حتى يحملك الرفاق وتلج غرفا
فسيحة ذات جدران عارية ، خمسة مصطبات ، تصتف الواحدة تلو الاخرى ، يجلس عليها اشخاص متأهبون ، ايديهم على
ركبيهم ، يحدقون بسكون الى الجدار الفارغ امامهم .. وهذه ، يا فتى ، قطعة من عالمك الجديد ، تدعى السينما .

انتر ميتزو الاول من ايار 1943

اليوم هو الاول من ايار 1943 . والسجان المسؤول شخص مأمون الجانب . ولهذا يمكنني ان اكتب . فأي حظ سعيد هذا ! ان
تكون صحفياً شيوعياً مرة اخرى حتى ولو لبرهة قصيرة وتكتب تقرير اليوم عن استعراض الاول من ايار ، عيد القوى
المناضلة في سبيل عالم جديد ! لا تنتظر ان تسمع مني حديثاً عن الرايات الخفاقة . فشيء من هذا القبيل لا وجود له . كما لا
يمكنني ان اسرد عليك حتى طرفاً من النشاطات المحركة التي يطيب سماعها . اليوم كل شيء ابسط بما لا يقاس . فلا الموج
الصاخب ، الذي يتفجر بعشرات الالوف ، التي كنت اراها في السنين الماضية وهي تتدفق في شوارع براغ ولا بحر الملايين
المهيب يموج في الساحة الحمراء بموسكو . هنا لا يمكنك ان ترى الملايين ولا حتى المئات . هنا ترى فقط حفنة رفاق رجالاً
ونساء . ورغم هذا ، فانت تشعر ان هذا لا يقل شأناً عن ذلك لانه استعراض قوة اجتازت لتوها لظى النيران ولم تتحول الى
رماد ، بل الى فولاذ ، انه استعراض في الخنادق اثناء المعركة . وفي الخنادق نرتدي لباس القتال . كل شيء موجود في مثل
هذه التفاصيل الصغيرة . وما ادراني ان كنت ، يا من ستقرأ يوماً ما ، ستفهم ذلك ، انت الذي ما عشت هذا ابداً . ولكن جرب
ان تفهم . صدقني هناك قوة في هذا . تحية الصباح من الزنزانات المجاورة ، التي تنقر سلمين من بيتهوفن ، تفيض اليوم
بحبور الاحتفال وبثقة اعظم والجدار يرددها بنبرات اعلى . نرتدي افضل ما عندنا . ويحدث الشيء نفسه في الزنزانات كلها .
وحين جاء الافطار كنا بكامل حلتنا . امام باب الزنزانة المفتوح يصطف سجناء الخدمة بالخبز والقهوة المرة والماء . ويوزع
علينا الرفيق سكوريبا ثلاثة ارغفة بدلاً من اثنين . انه يحي اول ايار بطريقته : تحية مؤثرة من قلب رؤوم . ومن تحت
الارغفة تضغط الاصابع على بعضها . فالكلام محرم ، حتى العيون مراقبة . لكن الا يمكن للبكم ان يتحدثوا بانملهــــم بما
يكفي من الوضوح ؟
تحت نافذة زنزانتنا ، تسرع النسوة في الباحة الى نصف ساعة الرياضة الصباحية . اصعد الطاولة واطل من القضبان
الحديدية . قد يرونني اذا حالفني الحظ . وقد فعلوا . ها هم يرفعون قبضاتهـــم تحــيــة وارد التحية لهم . في الساحة ، تحت
تبدو الاشياء حية اليوم ، مختلفة تماماً ، اكثر بهجة وحيوية من اي يوم اخر . والسجانة لا ترى شيئاً ، او انها قد لا تكون
راغبة في رؤية اي شيء . وهذا شيء اخر لا تراه الا في احتفال الاول من ايار .
وتحين الان نصف ساعتنا الصباحية . واكون انا على رأس الرتل انه الاول من ايار ، ايها الرفاق علينا ان نبداً بطريقة
تختلف عن سائر الايام ، حتى لو بدأ الحرس مندهشين . التمرين الاول ، واحد اثنين ، واحد اثنين ، المطرقة تضرب ،
والتمرين الثاني : الحصاد . المنجل والمطرقة . وبقليل من الخيال ، سيفهم الرفاق الفكرة . المنجل والمطرقة . اتطلع حولي .
ها هــم يبتسمون وكيررون التمرين بنشاط متناهي . لقد عرفوها . هيا ، ايها الرفاق ، هو ذا حفلنا للاول من ايار . وهذا
المشهد الايماني ، انه مشهدنا للاول من ايار ، نبقى امناء له حتى الموت . نعود الى الزنزانة . الساعة التاسعة . الان تدق
ساعة الكرملين العاشرة ولتــــوه ينطلق الاستعراض في الساحة الحمراء . ابتي ، نحن ماضون معهم ! وها هم ينشدون
الاممية الان ، في هذه اللحظة يتردد نشيد الاممية في كل ارجاء الدنيا ، فليتردد اذن في زنزانتنا كذلك . ونشرع في الغناء.
نشيد ثوري يجلجل بعد اخر ، اننا نغني لاننا لا نريد ان نكون لوحدنا . لسنا وحيدين ، نحن من صلب اولئك الذين ينشدون
الان بحرية ، ولكنهم مثلنا في المعركة ، سواء بسواء ..
يا رفاق السجن
وزنزانات التعذيب الباردة ،
انتم معنا ، انتم معنا
وان لستم هنا معنا :
اجل ، نحن معكم .
وهكذا رسمنا نحن ، نزلاء زنزانة 267 ، النهاية الظافرة لاحتفال الاول من ايار 1943 . ولكن اهذه هيه النهاية يا ترى ؟ اذن
ما بال تلك الحاجبة من قسم النساء ، تجتاز الباحة هذا المساء وتصفر مارش الجيش الاحمر ونشيد ( الانصار ) وغيرهما من
الاغاني السوفياتية ، لتبعث في نفوس نزلاء الزنزانات العزيمة ؟ وما بالك بذلك الرجل ، ببزة شرطي تشيكي ، يأتي بقلم
وورق وها هو في الواجب الان يفحص الاوراق لكي يتاكد ان لا يفسد علي كتابتي متطفل ما ؟ وما بالك بذلك الرجل الاخر
الذي شجعني حقا على ان اكتب هذا ؟ هذا الذي ياخذ هذه الصحفات ويخفيها بعناية ، كي يقدر لها ان تظهر للوجود عندما
يحين الوقت ؟ انهم يخاطرون بحياتهم ثمناً لقصاصة الورق هذه . انـــهـــم يناضلون . انه يناضلون بوفاء وشجاعة كل
من موقعه ، وعلى ساحة معركته وبالوسائل التي يملكها . انهم متواضعون ، مجهولون لا يعرفون التردد ابداً ، الى الحد
الذي لا تعرف فيه شيئا عن الصراع الضاري الذي يخوضونه الى جانب اصدقائهم وحظهم ان يسقــطـــوا صرعى فيه
كمثل حظهم بالظفر فيه .
عشر مرات ، عشرون مرة شاهدت انت جيش الثورة في مسيرات الاول من ايار . شيء عظيم . ولكنك في النضال وحده
تتعلم كيف تقدر القوة الحقيقة لهذا الجيش الذي لا يمكن سحقه . ان الموت لابسط مما حسبت والبطولة لا هالة لها . اما النضال
فأنه ما برح اشد ضراوة مما حسبت ولكي تصمد فيه وتواصله حتى النصر ، فأمر يتطلب عزيمة لا حد لها . كل يوم ترى
ذلك في حركته ، لكنك لا تدرك ذلك على نحو تام دوماً ، اذ يبدو كل شيء امراً عادياً لحد كبير . وها انت اليوم تدرك هذا
ثانية
في استعراض الاول من ايار 1943

لقد قطع الاول من ايار 1943 مؤقتاً مجرى هذه الحكاية . وهكذا هو الحال . ففي ايام الاحتفالات يتذكر المرء الامور بطريقة
اخرى تقريباً ، فالفرح الذي يرين على اليوم ربما كان يشوه ذكرياتي . ان " سينما " قصر بيتشيك ليس بالتأكيد امراً مسلياً .
فهي غرفة انتظار لمكان التعذيب الذي لا تسمع فيه الا الانين وصرخات الرعب التي تنطلق من الرفاق الاخرين . وانت لا
تدري ما ينتظرك اذ ترى الناس تخرج من هنا معافاة ، قوية ، ممتلئة بالحياة وبعد ساعتين او ثلاثة من التحقيق تعود وهي
مشوهة ومحطمة . وانت تسمع من ينادي على التحقيق بصوت مرتفع ، وما ان تمر ساعة حتى يتناهى اليك صوت كسير
متيبس من الالم والحمى ، يعلن عودة صاحبه . وثمة ما هو اسوأ من ذلك ! انت تشاهد اناساً يذهبون الى التحقيق وقد ارتسمت
عليهم امارات المهابة والثبات . لكنهم حين يعودون لا يسعهم رفع رؤوسهم والتطلع في عينيك . في مكان ما من غرفة
التعذيب هناك ، ربما مرت لحظة ضعف بعينيها ، لحظة واحدة من التردد ، ومضة خوف او توق للحفاظ على الذات ، واليوم
او غداً سيصل اخرون هنا ليذوقوا صنوف الاهوال من جديد ، اناس جدد سلمهم الى العدو احد رفاق النضال . ان مرأي
الناس الذين يعذبهم ضميرهم لاشد هو لا من مرأي اولئك الذين عذبوا جسدياً . واذا كان لك بصيرة فتحها الموت الذي يحوم
حولك ، واذا كانت المرارة قد طبعت مشاعرك بعد ان بعثت من الموت ، فانك ستدرك بالفطرة ، من دون كلمات من تذبذب
ومن يمكن ان يكون قد اضحى خائناً او من في ركن ما من روحه يمكن ان تكون قد خامرته فكرة ان السماح للنفس بشيء من
الراحة والادلاء باعتراف على اخر رفاقه المناضلين قد لا يكون على تلك الدرجة من السوء . الضعفاء المساكين ! اية حياة
هذه التي يمكن ان تشتري بحياة رفيق اخر ؟ ربما لم تكن هذه اول خاطرة راودتني حين جلست في " السينما " المرة الاولى
لكن هذه الفكرة غالباً ما تعاودني . ولا ريب انها قد عاودتني هذا الصباح ولو في جو مختلف بعض الشيء في وسط كان اكثر
مصادر المعرفة حيوية : " غرفة 400 " .
ما مكثت طويلا في " السينما " ساعة ربما او ساعة ونصف . ثم سمعت من خلفي من ينادي بأسمي بعدها جاء رجلان
بملابس مدنية يتحدثان التشيكية ، اقتادني الى المصعد حتى الطابق الرابع الى ان بلغنا غرفة واسعة كتب على بابها رقم 400.
اول الامر ، جلست وحيداً وهم يراقبوني ، في الخلف تماماً وعلى الكرسي المنعزل قرب الجدار ، اخذت اتطلع حولي
يراودني شعور غريب لرجل يحس بانه قد مر من قبل بشيء كهذا . هل جئت هنا من قبل ؟ كلا . ومع هذا ، فأني اعرف
ذلك . اعرف هذا المكان . لقد حلمت به . رأيته في حلم رهيب ومحمــــوم حول شكل المكان وشوهه على النحو مخيف مخيف
ولكنه لم يتسطيع يمحوه . وها هو المكان يبدو الان انيساً ، يفيض بنور الصباح ، الالوان المشرقة ومن نوافذه العريضة ذات
القضبان الخفيفة تلوح كنيسة تيـــن وهضاب ليتنا الخضراء وقصر هرادشين . لقد كانت الغرفة في حلمي مكاناً ممتعاً ، دون
نوافذ الا من نور شاحب وسخ تبدو الناس فيه كالاشباح . نعم ، كان هناك اناس فيها . اما الان فالمكان خالي والمصطبات
السته ، التي تصطف احداها خلف الاخرى ، تبدو مثل مرج جذل من الهندباء وازهار العشب الصفراء . كان المكان ، في
حلمي ، يفص بالجالسين هنا على هــــذه المصطبات ، الواحد يلتصق بالاخر ، وجوههم شاحبة ومدمـــاة . وهناك ، عند الباب
تماماً ، يقف رجل ذو عينيـــن تمتلان بالاسى وهو ببزة العمل الزرقاء ، يلوب من اجل جرعــــة ماء ، يريد ان يشرب الماء ،
يشرب ثم يهــــوى على الارض ، على مهل ، كأنه ستارى تنسدل .
اجل لقد كان الامر على هذا النحو . لكني اعرف الان ان ذلك لم يكن حلما . فقـــــد كانت تلك التجربة الرهيبة المحمومة امرا
واقعاً .
حدث ذلك ليلة اعتقالي ، اثناء التحقيق الاول . ربما اقتادوني الى هذا المكان ثلاث مرات ، ربما عشر مرات – أني لي ان
اعرف كم مرة ؟ - كلما ارادوني ان استريح او حين كانوا يمارسون التعذيب مــــع اخرين . كنت حافي القدمين ، واذكــــر
بلاط الارضية الباردة ، تنعش برودته اللذيذة باطن قدمي المكدودين .
كانت المصطبات انذاك يجلس عليهــــا عمال من منشات الجونكر . كانوا الغنيمة المسائيــة للجستابو . اما ذلك الرجل الذي
كان يقف عند الباب بملابس العمل الزرقاء فهو الرفيق بارتون من خلية المعمل في منشات الجونكر ، السبب غير المباشر
لاعتقالي . اقول هذا ، دون ان يكون هناك من ينبغي القــــاء المسؤوليـــة عليه عن المصير الذي الت اليه . فلم تكن هنـــاك
خيانة او جبن من جانب اي رفيق . كان الامر مجرد قلــــة يقظة وسوء حظ ، اذ كان الرفيق بارتون يبحث عـــــن صلة
لخليته بالقيادة غير ان صديقــــه ، الرفيق جيلينيك ، الذي تجاهل قواعد العمل السري ، وعـــــد بترتيب هذه الصلة دون ان
يعرض الامر علي لكي اقوم انا بترتيب المسألة دون ان تكون له علاقة بالامر كله . كانت هذه واحدة من الاخطاء . اما
الاخرى ، وهي القاتلة ، فكان سببها ثقة الرفيق بارتون بجاسوس اسمه دفوراك ، اذ اطلع الرفيق بارتون هذا الرجل على اسم
جيلينيك – ومن هنا سر اهتمـــام الجستابو باسرة جيلينيك وليس نتيجة نشاطها الرئيسي الذي كانت تؤديه بصورة جيدة مدة
عامين ، انما بسبب خدمة صغيرة ، انحرفت قيد شعرة عن ضرورات العمل السري . والواقع ان الجستابو في قصر بيتشيك
كان قد قرر اعتقال اسرة جيلينيك تلك الليلة بعينيها التي كنت فيها على موعد شقتها وما القوة التي جاءوا بها لاعتقالهم الا
مصادفة محضة ، حيث لم تكن هذه نية الجستابو اصلاً . فقد كان من المقرر القاء القبض على اسرة جيلينيك في اليوم التالي
ويمكن القول في الواقع ان الجستابو داهم شقتهم عفو الخاطر تقريباً ، لمجرد " استنشاق نفس من الهواء " بعد الكشف الناجح
للخلية في منشأت الجونكر . ولم تكن دهشتنا على اية حال ، لوصول الشرطة باقل من دهشتهم من اعتقالي هناك . فلم يكونوا
يعرفون عندها حتى من هو الشخص الذي اعتقلوه . ومن يدري ان كانوا سيعرفون اي شيء عني ابدا ، ان لم يكن معي في
نفس الوقت الا اني لـــم اتوصل الى معرفة هذه الاستنتاجات الاولى في غرفة 400 الا بعد فترة من الزمن وحينها لم اعد بعد
وحيداً فقد كانت المصطبات ابان ذلك والجدران من حولي قد غصت باخرين والساعات تمر حافلـــة بالمفاجأت . مفاجأت
غريبة لم افهمها ومفاجأت شريرة ، فهمتها تماماً كلها .
غير ان المفاجئة االاولى لم تكن من هذين الصنفين . كانت مفاجأت صغيرة ، معرفة لا تعني شيئا لاحد . المفاجئة الثانية .
يتقاطر اربعة اشخاص في الغرفة برتل واحد ، ، يلقون التحية على المدنيين في وجبة الحراسة باللغة التشيكية – وعلي ايضا
جلسوا الى الطاولات وفتحوا محافظهم واشعلوا سجائرهم بحرية ، . . . بحرية تامة كأنهم موظفون هنا . ولكني كنت اعرفهم
بالطبع ، اعرف ثلاثة منهم على الاقل ، لا يمكن قطعاً ان يكونوا عملاء للجستابو – ام يمكن ان يكونوا ؟ هم ايضاً ؟ لكن هذا
هور ، الامين السابق للحزب والنقابات ، شخص متهور بعض الشيء ولكنه وفي . كلا ، لا يمكن هذا ، وهذه انكا فيكوفا ، ما
زالت كعهدي بها بمنتهى الجمال والشجاعة رغم شعرها الابيض ، مناضلة صلبة ، عنيدة . كلا ، لا يمكن هذا ، وذاك هو
فاسيك ، عامل منجم من شمال بوهيميا اصبح بعدهــا اميناً لمنظمة قضاء . كيف يمكن لي ان لا اعرفه ، بعد تلك اللحظات
المروعة التي مررنا بها معاً في الشمال ، ان يكسروا ظهره ؟ كلا . لا يمكن هذا . ولكن ما الذي يبغونه هنا ؟ وماذا جاءوا
يفعلون في هذا المكان ؟
لم اكن قد وجدت بعد اية اجوبة لهذه الاسئلة حين بدأ المزيد من الناس يتكدس في الغرفة . ها هم يأتون بميركو واسرتي
جيلينيك وفريد – اجل ، هؤلاء يعرفهم حق المعرفة ، فهم واسفاه من تم اعتقالهم معي . ولكن ماذا يفعل كروباشيك هو الاخر
هنا ؟ مؤرخ الفن هذا الذي كان يساعد ميركو في عمله بين المثقفين ؟ ومن يعرف عنه شيئا عداي وميريك ؟ وماذا عن ذاك
الشاب الطويل الذي غطت وجهه الجروح ، يؤشر لي ليفهمني باننا لا نعرف احدنا الاخر ؟ والحق اني لا اعرفه بتاتاً وهذا
الاخر ؟ ستيش ؟ الدكتور ستيش ؟ زدينيك ؟ يا الهي ، انهم مجموعة الاطباء ! وهذه من يعرف عنها شيئا عداي وميركو
ولماذا كانوا اثناء التحقيق في الزنزانة يسألونني عن المثقفين التشيك ؟ كيف امكنهم التوصل الى الربط بيني وبين العمل
بين المثقفين ؟ ومن يعرف عن ذلك شيئاً عداي وميركو ؟ لم يكن السؤال عصيا على الاجابة ، ولكنه كان شاقاً ، قاسياً :
لقد انهار ميركو . لقد اعترف ميركو . ومع هذا لقد كنت لبرهة ممتلئاً بالامل بان ميركو لم يفش اي شيء ابداً . ولكن
ها هم يأتون بمجموعة اخرى من المعتقلين – واراى فلاديمير فانكورا ، البروفسير فيلبر وابنه ، بيدريش فاكلافيك
وقد تنكر بحيث يستحيل معرفته ، بوزينا بولبانوفا ، جيندريش اليبل ، النحات دفوراك ، كل اولئك الذين شكلوا او كان
يفترض ان يشكلوا اللجنة الوطنية الثورية للمثقفين التشيكيين ، كانوا هنا كلهم لقد سلم ميركو كل شيء يتعلق بالعمل بين
المثقفين لم تكن الايام الاولى في قصر بيتشيك سهله تماما غير ان هذه الضربة اعنف ضربة تلقيتها هناك . لقد انتظرت
الموت ، لا الخيانة . ومهما حاولت ان احكم برفق ، مهما حاولت ان اخذ بالاعتبار كل الظروف المخففة ، ومهما حاولت ان
اعزي نفسي بما لم يفشه ميركو حتى الان ، ما استطعت ان اجد كلمة اخرى تصف ذلك الا الخيانة ولم يكن هذا مجرد
تذبذب او ضعف ، مجرد انهيار كامل لرجل عذب حتى الموت يفتش عن الراحة في هذيانه ، لا شيء يمكن ان يغفر له ذلك .
الان فهمت كيف تسنى لهم ان يعرفوا اسمي اول ليلة . الان فهمت السبب الذي من اجله اقتادوا انيكا جيراسكوفا الى هنا . لقد
التقيت بميريك عدة مرات في شقتها . الان فهمت لماذا كان كروباشيك والدكتور شيش هنا . كنت اذهب الى الغرفة 400 كل
يوم تقريباً . وكل يوم كنت احصل على تفاصيل جديدة انه لشيء محزن ومخيف ان ترى ذلك الرجل الذي كنت تحسبه قوي
الاعصاب ، الذي لم يرهب الرصاص وهو يقاتل على الجبهة الاسبانية وما اثنته تجربته القاسية في معسكر اعتقال في فرنسا
ان تراه وقد وهن امام عصا بيد الجستابو وانهار لكي ينقذ جلده . اي شجاعة مزيفة هذه التي تكفي حفنة عصي لتمحوها !
شجاعة مزيفة كايمانهم . لقد كان وهو وسط الاخرين ، حين كان محاطا بالرفاق الذين يفكرون مثله . كان قوياً لانه كان يفكر
بهم . اما الان وهو معزول ، وحيد ، يضغط عليه العدو بشدة فقد انهارت كل مقاومة لديه . لقد اضاع كل شي ء لانه اخذ يفكر
بنفسه وضحى برفاقه لينقذ جلده . لقد تحول الى جبان ومن جبان الى خائن .
لم يقل لنفسه انه كان من الافضل له ان يموت على ان يكشف خفايا الوثائق التي وجدت بحوزته . لقد افشى سرها وسلم
الاسماء واعطاهم عنوان شقة سرية وجاء بعملاء الجستابو الى اجتماع معا شيش وبعث بهم دفوراك حيث كان هناك اجتماع
مع فاكلافيك وكروباشيك . اعترف على انيكا وحتى على ليدا – تلك الفتاة الشجاعة الوفية التي كانت تحبه . لقد كانت بضعة
ضربات كافية لكي يقول نصف ما يعرفه . وحين حسب اني قد مت ولم يعد هناك من يحاسبه اعترف لهم بالبقية الباقية .
وحين فعل كل هذا فانه لم يؤذني شخصياً فقد كنت عندها في قبضة الجستابو فما الذي يمكنه ان يكون اكثر اذى من ذلك ؟
بالعكس ، كان اعترافه شيئاً ملموساً قام عليه التحقيق باكمله شيئاً اشبه ببداية سلسلة كانت حلقاتها الاخرى بيدي وكان يسعدهم
تماماً ان يكتشفوها وكان هذا هو السبب الوحيد الذي من اجله ابقيت على قيد الحياة بعد اعلان الاحكام العرفية ومعي عدد كبير
من افراد المجموعة . ولكن واقع الامر ان اية مجموعة ما كان لها ان تكون هناك لو ان ميريك ادى واجبه كما ينبغي . وكنا
قد متنا نحن الاثنين منذ وقت طويل وكان الاخرون قد عاشوا وواصلوا العمل بعد ان نكون نحن قد فارقنا الحياة .
الجبان يخسر اكثر من حياته نفسها . فها هو قد ضاع وتخلى عن الجيش المجيد وكسب احتقار اقذر الاعداء . وحتى وان كان
حياً ، فانه ما عاد حياً لانه قد طرد نفسه من الجماعة . لقد حاول ان يصلح شيئاً مما اقترفه ولكنه لم يحقق اي شيء بعد ذلك
ابداً – وهذا امر فضاعته في السجن امر من اي مكان اخر .
السجين والوحدة
السجين والوحدة – لكم تقترن هاتان الفكرتان غالبا . وهذا خطأ فادح . فالسجين ليس وحيــــدا . السجن حياة جماعية عظيمة
ولا يستطيع اقسى انواع العزل ان ينتزع السجين من هذه الحياة الا اذا اراد هو ذلك . ان الضغط الذي تتعرض له هنا اخوة
المضطهدين تشتد وتتعزز وتصبح اكثر حساسية . انها تنفذ من خلال الجدران التي تحيا وتتكلم وتبث الاشارات . هذه الاخوة
تحتضن الزنزانات كلها في رواق واحد يربطه العذاب المشترك والخدمة المشتركة وفراش سجناء الخدمـــة وانصاف ساعات
الرياضة الصباحية ، حيث تكفي كلمة واحدة او اشارة واحدة لنقل الاخبار او انقاذ حياة انسان . هذه الاخوة توحد السجن
برمته بالرحلات المشتركة الى غرف التحقيق ، وفي العودة المشتركة . انـهــــا اخوة كلمات قليلة واعمال جليلة ، اذ ان مجرد
ضغط يد او سيجارة تعطى سرا تحطم القفص الذي زجوك فيه ، وتحررك من الوحدة التي من شأنها تحطيمك . وللزنزانات
اذرع تشعر بها وهي تبعد عنك الانهيار وانت تعود من التحقيق تعاني سكرات الموت . وهي تطعمك في حين يطاردك
الاخرون للموت جوعا . وللزنزانات عيــــون تتطلع اليك وانت تذهب الى حتفك وانت تعلم ان عليك ان تذهب غير هياب ،
لانك اخوهم وانك ملزم ان لا تضعفهم بأية خطوة خائــــرة . هذه اخوة يمعدها الدم لكنها لا تقهر . ولولاها ما امكنك ان
تتحمل عشر ما قسم عليك لا انت ولا اي واحد اخر .
ان مصطلح ( غرفة 400 ) الذي ظهر في مطلع هذا الفصل غالبا ما سيتكرر في سياق هذه القصة ان كنت سأتمكن من
امكالها ( لاننا هنا لا نعــــرف لا اليوم ولا الساعة . ) لقد عرفتها غرفة ولم تكن ساعاتي الاولى فيها ولا انطباعاتي عنها
مسرة . ولكنها لم تكن غرفة بل مجموعة . مجموعة جذلة ومقاتلة .
بدأت ( غرفة 400 ) عام 1940 وقت ان اتسع نشاط قسم مكافحة الشيوعية بدرجة كبيرة . كانت فرعاً في ( بيت السجن )
و ( السينما ) فرع من غرفة الانتظار لمن ينتظرون التحقيق مخصصة للشيوعيين من اجل تجنب نقلهم من الطابق الارضي
الى الطابق الرابع لدى كل سؤال وابقائهم باستمرار في متناول ضبـــاط تحقيــــق الجستابو . كانت سبيلا للاقتصاد في العمل-
كانت هذه هي الغاية من ورائها .
لكن ضع سجينين معا – خاصة ان كانا شيوعييــن وسترى بعد خمس دقائق مجموعة قد قامت تفسد كـــل الخطط .
عام 1942 لـــم يــكـــن لها اسم اخر سوى ( المركز الشيوعي ) . ومنذ ذلك الحين شهدت تبدلات كثيرة . لقد مر الاف والاف
من الرفاق رجـــالا ونساء على مصطباتها الواحد تلو الاخر . لكن شيئا واحدا فيها ما تبدل هو روح الجماعة المكرسة للنضال
والؤمنـــة بالنصر .
لقد كانت ( غرفة 400 ) خندقاً متقدماً الى مسافــة بعيدة يحيطه العدو من كل جانب تقصفه نيران كثيفة . ولكن لم يفكر لحظة
واحدة بالاستسلام . فوقه يخفق العلم الاحمر . وفيه ايضا يظهر تضامن شعب باسره يقاتل من اجل تحرره .
وتحت في ( السينما ) يقطع حرس الاس اس اثناء الدوريات المكان جيئة وذهاباً بجزماتهم العسكرية الثقيلة ويصرخون بك
لمجرد ان تطرف عينك . وهنا في ( غرفة 400 ) المسؤولون عن حراسة السجناء هم اما مفتشون تشيكيون او عملاء لمقر
قيادة الشرطة . فمن دخلوا في خدمة الجستابو كمترجمين طوعاً او باكراه رؤسائهم او يؤدون واجبــاتــهـــم كعمــلاء للجستابو
او كتشيكيين او كشيء مـــا بين الاثنين . وفـــي هذا المكان لست مرغما على الجلوس متأهبــا يداك على ركبتيك وعيناك
ثابتتــان امامـــك باستقامـة هنا يمكنك الجلوس بحرية اكبر وتتطلع حولـــك وتعطي اشارات بيديك ، ويمكنك ان تفعل ما هو
اكثر من ذلك تبعا لانواع المفتشين الثلاثة ومن منهم هو في الواجب لقد كانت ( غرفة 400 ) مكاناً يمكنك ان تستمد منه اعمق
بصيرة عن الكائن الذي يسمـــى الانسان . ان القرب من الموت يكشف كــــل انسان سواء من يضعون على اذرعهـــم اليسرى
الشارة الحمـــراء للشيوعيين اثنـــاء التحقيق ، ام مــن يشتبـــه بتعاونهــم مــع الشيوعييــن ام اولئـك الذين يتولــون الحراسة
ممن يحضرون احيانـا جانــبـــا من التحقيق في الغرف المجاورة . هناك اثناء التحقيق يمكن للكلمات ان تكون درعا او سلاحا
. اما في ( غرفة 400 ) فلم يكن هناك من يخبتىء وراء الكلمات . فليس المهم هنا ما تقوله بله ما تنطوي عليه لانك هنا لن
تستطع ان تحفظ الا ما هو جوهري فيك . وكل ما هو ثانوي ملطف مضعف او مزخرف لاسس شخصيتك يتلاشى ويقتلعه
الاعصار الذي يسبق الموت . ولا يبقى الا الموضوع المجرد والاصيل فالمخلص يقاوم والغادر يخون والضعيف يتهاوى
تحت اليـأس والبطل يقاتل . في كل انسان هناك ضعف وقوة شجاعة وجبن ، صمود واستسلام ، نقاء وقذارة . لكن هنا شيء
ما اخر وحده يمكن ان يبقى . اما هذا او ذاك وما ان يحاول احد دون بصيرة ان يوازن بين الاثنيـــن فسيكون اسوأ ممن
يرقص في جنازته يحمـــــل الدفوف بيديه وفي قبعته ريشة صفراء .
لقد كان هناك من يشبه هؤلاء بين السجناء ومثلهم ايضا بين المفتشين والعملاء التشيكيين . فهناك من يشعل اثناء التحقيق
شمعة الى ربه اله الرايخ ويشغل في غرفة 400 شمعة اخرى للشيطان البلشفي . امام الضابط الالماني يحطم اسنانك
لينتزع منك اسم الذي تتصل به وفي ( غرفة 400 ) يبدو انيسا تماما حتى ان ليقدم اليك كسرة خبز تنقذك من جوع .
اثناء مداهمة البيوت ينهب كل ما في شقتك وفي ( غرفة 400 ) يعطيك نصف سيجارة من اسلابه ليبدي لك تعاطفه . هناك
اخرون وما هم الا تنويعا اخر لحد ما لنفس الصنف ممن لا ينزل الاذى بك من نفسه ومع هذا فهو لا يقدم لك الا عونا اقل
وهؤلاء يفكرون دوما بجلدهم فقط . لقد حولتهم حساسيتهم الى بارومترات سياسية ممتازة . اهم متزمتون ورسميون جدا ؟
لك ان تثق ان الالمان يزحفون على ستالينغراد . اهم انيسون وعلى استعداد لتبادل الحديث مع السجناء ؟
الوضع جيد : ان الالمان قد ردوا على اعقابهم في ستالينغراد بشكل واضح . هل شرعوا يقصون عليك اصل عوائلهم التشيكية
العريقة وكيف ارغموا على خدمة الجستابو ؟ رائع : الظاهر ان الجيش الاحمر يتقدم وراء روستوف . هناك اخرون ايضا من
نفس الصنف يضعون ايديهم في جيوبهم وهم يرونك تغرق ولكنهم يمدون اياديهم اليك برغبة حين يرونك قد وصلت الضفة
لوحدك .
مفتشون من هذا الصنف كانوا على وعي بالروح الجماعية لغرفة 400 وقد جهدوا لان يتعاونوا معها لانهم قدروا قوتها . الا
انهم لم ينتموا اليها مطلقا . وكـــان هناك صنف اخر ممن لم تكن الجماعــة لتعنيه ابدا استطيع ان اطلق عليهم اسم القتلة . لكن
القاتل ينتمي الى الاسرة البشرية ، ان هذه الوحوش الناطقة بالتشيكية تعذب السجناء التشيكيين والعصي بايديها لذلك الحد الذي
يأنف منه حتى الكثير من الضباط الالمان . وهم عاجزون عن التظاهر حتى بمصالح كاذبـــة لامتهم او الرايخ . انهم يعذبون
ويقتلون لمجرد التلذذ . انهم يحطمون الاسنان وطبلات الاذن ويسحقون الاعين ويركلون الاعضاء الجنسية ويسلخون رأس
من يعذبونهم ثم يضربونهم حتى الموت لمجرد القسوة لا غير . كل يوم تراهم . كل يوم عليك ان تحتك بهم وتتحمل وجودهم
الذي يملأ الجو كله بالنجيع والصراخ ولا يعينك على ذلك الا ايمانك الراسخ بانهم لن يفلتوا من القـصــــاص العادل حتى ولو
اجهزوا على كل الشهود على جرائمهم . وعلى نفس الطاولة يجلس اليهم جنبــا الى جنب اخرون ينتمون الى نفس الصنف في
الظاهر . اناس من الانصاف ان تخط لهم صفة الانسان بحروف كبيـــرة . اناس حولوا انظمة السجن لصالح السجناء . اناس
هم الذي ساعدوا على خلق جماعة ( غرفة 400 ) وهــؤلاء هم الذين ينتمون اليها بكل جوارحهم وبكل الشجاعة التي عندهم .
ان اعظم ما يتحلون به تكمن في واقع انهم لم يكونوا شيوعيين . على العكس فقد عملوا فيما مضـــى في الشرطة التشيكية ضد
الشيوعيين . الا انهم ادركوا سر قوة الشيوعيين ادركوا ما لهم من اهمية للامة وهم يرونهم يناضلون ضد الاحتلال ومنذ تلك
اللحظة خدموا بأمانة وساعدوا كل من بقي وفياً حتى ولو على مصطبة السجن . ربما كان العديد من المناضلين خارج السجن
قد ترددوا لو كانت لديهم ادنى فكرة عن الاهــوال التي تنتظرهم وقت ان يقعــوا في قبضة الجستابـــو . والذيـــن هم هنــا
يرون هذه الاهوال بأم اعينهم باستمـرار كــل يــوم وكــل ســاعــة وفي كــل يـــوم وسـاعـــة يقبعــون بانتظار ان يضعـــوا
جنبــا الــى جنب مع غيرهم من السجناء ويتعرضون الى تجربة اشد فتكا مما تعرضوا له حتى الان . ومع هذا فانهم لم
يعرفوا التذبذب . لقد ساعدوا على انقاذ حياة الالوف وخففوا من مصاب اولئك الذين ما كان هناك رجاء في انقــاذ حياتهم .
الى هؤلاء ينبغي ان يقلد لقب البـطــل وبـــدون عونهم ما كان بامكان ( غرفة 400 ) ان تصبح ما اصبحت عليه ومثلما
عرفها الوف الشيوعيين . مكان للنور في دار مظلمة ، خندق في ظهر العدو ومركز للنضال في سبيل الحرية في مركز
المحتلين ذاته .






الـفـصـل الـخـامــس
شخــوص واشــكـــال

لست اطلـــب الا شيئـــا واحــدا : عليكـــم ، انتـم يـا من ستجتازون هذه المحنة احياء ، ان لا تنسوا . لا تنسوا الطيب ولا
الشرير . اجمعوا بأناة البينة عن كل ضحية . فسيأتي وقت يكون فيه الحاضر ذكـــــرى وسيتحدث الناس عن عصر عظيم
وعن ابطال مجهولين صنعوا التاريخ . وليكن معلوما انهم ما كانوا ابطــالا مجهولين وانهم بشر لهم اسماء وقسمات وتطلعات
وامال وان عذابات اصغر هؤلاء شأنا ما كانت اقل من عذابات اول من خلدت اسماؤهم . وليكن كل اولئك اعزاء عليكم دوما
مثل اناس تعرفونهم عن قرب ، اناس من صلبكم مثلكم .
لقد ضيعت عوائل من الابطال برمتها . فتعلمــوا ان تملأكم المحبة لواحد من اولئك على الاقل ، كأنه ابنكم لو ابنتكم ،
ولتشعروا بالاعتداد به بوصفه انسانا عظيما وهب حياته من اجل المستقبل . كل من دافع بدمه عـــــن المستقبل بامانة وسقط
في سبيل بنائه . انما هو شخص منحوت من صخر . اما من اراد ان يبني من تراب الماضي سدا ضد طوفان الثورة ، ان هو
الا شكل مصنوع من خشب متعفن ، حتى لو كانت كتفاه مثقلة اليوم بنياشين المجد . ولكن حتى هذه الاشكال ينبغي ان تــرى
وهي تعيش خستها وحقارتها ، وحشيتها وغباءها ، لانـهــــم مادة ستساعد ابناء المستقبل على تصور هذه المرحلة التي نعيشها
وما سأرويه ان هو الا مادة ، مجرد افادة شاهد عيان ، انها مواد متناثرة جمعتها من مشاهداتي العيانية في قطاع صغير ،
ومن دون اي منظور ، ولكنها تنطوي على ملامح تشابه حقيقي : للعظيم والتافـــه ، للشخوص والاشكال .

الــزوجــان جـيـلـيـنـيـك
هما جوزيف وماري . وهو سائق حافــلــــة وهي خادمة . عليكم ان تعرفوا شقتهما . اثاث عصري ، صقيل ، بسيط ، خزانة
كتب ، تمثال صغير ، صور على الجدران وهي نظيفة نظافة لا تصدق ، لدرجة يمكنكــم القول ان ماري وضعت روحها فيها
وانها لم تعرف اي شيء ابدا خارج هذا العالم الصغير . ومع ذلك فقــــد مرت سنوات طويلة منذ ان بدأت العمـــل في الحزب
الشيوعي والاحلام تخامرها في العدالة كما تفهمها هي وعمل كلاهما بتفان وهدوء ولم ينكمشا حين اثقلهمــــا الاحتلال
بمسؤوليات جسمية .
بعد ثلاث سنوات من الاحتلال اقتحمت الشرطـــة منزلهما ، واصطفا ، احدهما جنب الاخر ، وايديهمـــا مرفوعة فوق الرأس.

19 ايار 1943
الليلة يقتــادون حبيبتي جوستينــا الى بولنـــده ( للعمل ) . الى الاشغال الشاقة يقتادوها لكي تموت هناك بالتيفوس . ربما
لم يبق لي من العمر الا بضعة اسابيع ، ربما شهرين او ثلاثة اشهر . ويبدو ممـــا سمعت ان اضبارتي قد قدمت الى المحكمة
ربما اربعة اسابيع اخـــرى مـــن التحـقـيـق في بانكـــراك وبعدها شهريـــن او ثلاثة اشهر وتحيــن النهاية . ولـــن ينجز هذا
التقرير . ولكنني سأحاول مواصلته ، اذا توفرت الفرصة امامي في هــذه الايــام القليلة البـاقـيـة . اليوم لا استطيع . اليوم
رأسي وفؤادي يمتلئــان بجوستينــا ، هــذه المخلوقــة الكريمـــة ، الدافئة ، رفيقة العمر النادرة و الوفية ، هــذا الـعـمـــر
العاصف والمضطرم ابدا .
كل امسية كنت انشدها تلك الاغنية التي طالما احبت : اغنية تحكي عن الاعشاب المزرقــة للسهوب ، المدوية بالاساطير
المجيدة ، لمعارك الانصار ، عن امرأة قوزاقية قاتلت في سبيـــلأ الحرية جنبا الى جنب مع الرجال ، عن اقدامها واستشهادها
في احدى المعارك ( رقدت عاجزة عن ان ترفع رأسها عن ارض الوطن ) ( اواه يا رفيقة النضال ! ) . اية قــوة تنطــوي
عليــهــا تلـــك المخلوقة الصغيرة ، ذات القسمات المنحوتة بصلابــة والعينين الطفوليتين الواسعتين المفعمتين حنوا ! لقـــد
صنع منا النضال والفراق المستمر عاشقين ازليين عاشا ، لا مرة وحسب ، بل مئات المرات ، اللحظة المتوقدة لاول غزل
واول تعارف . وقد وحدت قلبينا نبضة واحـــدة ونفس واحد كنا نستنشقه في ساعات نعيمنا وساعات مخاوفنا ، في الجوى
والاسى .
ولسنوات كنا نعمل ونمد يد العون لاحدنا الاخر ، مثلما يعين رفيق رفيقا اخر تماما ، ولسنوات وهي اول من يقـرأ اعمالي
واول من ينقدها وكم كان يشق على ان اكتب لو اني ما احسست بنظرتهـــا المحبة خلفي ولسنوات وقفنا جنبا الى جنب في
نضالاتنا ، التي مــا كانت قليلة ، ولسنوات رحنا نجوس الاماكـــن التي احببناها ، يدا بيد . لقد ذقنا مصاعب كثيرة وتذوقنا
متعا لا حصر لها ، لاننا كنا اغنياء من غنى الفقراء ، ذلك الغنى الداخلي.
جوستينا ؟ انظر ، هذه هي جوستينا :
كان ذلك بعد اعلان الاحكام العرفية ، حـــوالي منتصف حزيران من العام الماضي ، حين رأتني اول مرة منذ اعتقالي قبل
ستة اسابيع ، بعد كل تلك الايام الحافلة بالالم وهي وحيدة في زنزانتها ، تتأمل في الاخبار التي تعلن عن موتي . لقد استدعوها
لتضعف عزيمتي .
وخاطبها رئيس القس بحضوري قائلاً ( اقنعيه ، اقنعيه ان يكون عاقلاً . اذا كان لا يفكر بنفسه ، فليفكر بك على الاقل .
امامك ساعة واحدة لتحزمي امرك . واذا ظل مصرا ، فستعدمان معا هذه الليلة . انتما الاثنان معا ).
وداعبتني بعينيها وردت ببساطة :
( لا يخيفني هذا ، ايها الضابط . فهذا اخــر مــا اتمنى . اذا كنتم ستعدمونه فخذوني انا ايضا الى الموت معه ! )
اترون ، هذه هي جوستينا ! حب وتفان .
ايه جوستينا ، ان بوسعهم ان يسلبوا الحيـــاة منا اليس كذلك ، ولكنهم لن ينتزعوا منا ابدا شرفـــنـــا وحبنا .
ايه ايها الناس ، هل بوسعكم ان تتصوروا كيف سنعيش لو قدر لنا ان نلتقي ثانية الواحد بالاخر بعد كل هذا الحرمان ؟ لو قدر
لنا ان نلتقي ثانية في حياة حرة . بهية حريتها وروحها المبدعة ؟ حين يطل فجر ذلك اليوم الذي طالما تطلعنا اليه وناضلنا من
اجله والذي سنفتدي به حياتنا ؟ ايه حقا ، فحتى ونحن امـــوات سنبقى نحيا في مكان ما في جزء صغير من سعادتكم العظمى،
لاننا وضعنا حياتنا فيها ! وهذا ما يفعمنا غبطة برغم اسى الفراق .
لم يسمحوا لنا حتى ان نودع بعضنا ونتعانق وان نتصافح . وحدها مجموعة السجن ، التي تصل ساحة شارل ببانكراك ، كانت
تزودنا بالانباء المتعلقة بمصير احدنا الاخر . تعرفين يا جوستينا ، كما اعرف انا ، اننا قد لا نلتقي ثانية ابدا . ومع هذا فاني
اسمعك تنادين مـــن بعيد : وداعا يا حبيبي !
وداعا يا جوستنياي !
وصيتي
لم املك شيئا غير مكتبتي ، وهذه دمرها الجستابو . لقد كتبت كثيرا من المقالات الثقافية والسياسية ، تحقيقات ودراسات ،
محاضرات ادبية ومسرحية . وكثيرا من هذه يومها وقد انتهت معه . فاتركوها وشأنها لكن قسما منها ملك للحياة . وكنت امل
ان تقوم جوستينا بجمعها . ولكن الامل ضئيل في ذلك . ولهذا اطلب مـــن افضل الرفاق ، لادا شتول ، ان ينشرها بخمسة
كتب :
1 – المقالات والمساجلات السياسية .
2 – مقالات مختارة تتناول الشؤون الداخلية .
3 – مقالات مختارة عن الاتحاد السوفياتي .
4 – 5 – مقالات ودراسات عن الادب والمسرح .
ويمكن العثور على اغلب هذه في ( تفوربا ) و ( رودي برافو ) وبعضها في ( كمين ) ، ( برافن ) ، ( بروليتكولت ) ،
( دوبا ) ، ( سوسياليستا ) ، ( افانتي ) وغيرها .
اما المخطوطة المتعلقة بدراستي عن يوليوس زيير فهي بحزورة الناشر جيرجال ( الذي احبه على شجاعــتــه الاكيدة التي
نشر بها كتابي – بوزينا نيموكوفا خلال فترة الاحتلال ) . في حين ان دراستي عن سابينا وملاحظتي حول جان نيرودا فهي
في كل مكان ما من البيوت التي عاش فيها ال جيلينيك فيسوسل وسوشانيك ، ممــــن اصبح معظمهم الان في عداد الموتى .
وكنت قد شرعت بكتابة رواية عن جيلنا ، فصلان منها في منزل والدي . اما البقية فربما التفت . وقـد رأت بعض مخطوطات
قصصي بين ملفات الجستابو . وللمؤرخ الادبي الذي سيأتي في المستقبــــل ، اوصي بمحبتي لجان نيرودا . انه اعظم شعرائنا
ممتـن ظلـــوا يستشرفون المستقبل ابعد منا . ومع هذا ، فلم توضع عنه اية كتب تعبر عن فهمها وتقديرها له . وما ينبغي ان
يكتب عنه هو نيرودا البروليتاري . لقد الصقوا بذيل معطفه نشيدا رعويا لمالاسترانا ولم يعرفوا ان بنظـــر حي مالاسترانا
" الرعوي " العتيق ذاك ، كان ( يعد وغدا ) وانه ولد في ضواحي سميخوف ، في وسط عمالي وانه من اجل الوصول الى
مقبرة مالاسترانا سعيا وراء ( زهور من مقبرة ) ، فقد كان عليه ان يمر بمصانع انغفوفــر . ومن دون هذا ، يستحيل فهم
نيرودا ، ابتداء من كتابـــه ( زهور من مقبرة ) حتى مسلسته الروائيـــة ( اول ايـــار 1890 ) . ان الجميع بما فيهم سالدا
ذلك الرجل النافذ البصيرة – يرون في العمل الصحفي لنيرودا ما يشبـــه العائق امام عمله الشعري . وهذا سخف : فبسبب
كون نيرودا صحفيا بالذات ، هو ما مكنه ان يكتب عملا رائعا مثل ( غنائيات وعاطفيات ) او ( اناشيد الجمعة ) والجزء
الاكبر من كتـــاب ( موضوعات بسيطــة ) . ربــمــا كانت الصحافة تنهك المرء وتمنعه من التركيز ، لكنها تشده الى قارئة
وتعلمه ان يبدع حتى في الشعر – شريطة ان يكون صحفيا يتصف بالاستقامة طبعا كنيرودا . ولو كان نيرودا – دون صحافة
تتناول الحياة اليومية ، لتمكن ربما من كتابة وفرة من دواوين الشعر ، لكن واحداً منها ما كان يمكنه ان يبقى حيا عـبــر قرون
مثلمــا ستحيى مؤلفاته .
قد يكمل احد كتاب ( سابينا ) . فهو كتاب يستحق الانجاز .
ولوالدي جزاء محبتهم ونبلهم البسيط ، اردت ان اؤمن خريفا مشمسا لهما بفضل كل العمل الذي قمت به . وليس لهما فقط.
وارجو ان لا يشوه ذلك جراء بعدي عنهما . ( العامل فان ، والعمل لا يمـــوت ) وفي الدفء والنور اللذين يحيطان بهما .
سأكون على الدوام بقربهما . ارجو شقيقتي ، ليبا وفيركا ان تعينا ابنتي وامي على نسيان الفراغ الذي حل بعائلتنا بما ينشدانه
لهما . لقد فاض بهما الدمع حين قدمتا لزيارتنا في قصر بيتشيك ، لكن الفرح يعيش فيهما ومن هنا محبتي لهما ومن هــنــا تلك
المحبة التي نشترك فيها . انهمــا لزرعتان للفرح . فليكونا مصدر فرح لا ينضب ابدا .
وللرفاق الذين ستكتب النجاة لهم في هذه المعركة الاخيرة ، اشد بحرارة عليهم وللذين سيأتون من بعدهم ، بالاصالة عن نفسي
ونيابة عن جوستينا . لقد قمنا باداء واجبنا .
واكرر ثانية : لقد عشنا للفرح ، وخضنا النضال من اجل الفرح وفي سبيل الفرح نموت . فلا يربط الحزن اذن باسمينا ابدا !

ي . ف .
19- 5 – 1943
22 ايار 1943
اكملت ووقعت . امس انتهى التحقيق القضائي . والامور تسرع اكثر مما توقعت . ويبدو أنهم في عجلة من امرنا . والمتهمان
في القضية نفسها هما ليدا بلاخا وميركو . لقد باءت نذالته بالخذلان ولم تنفعه .
اثناء التحقيق القضائي كانت الامور تجري بدرجة من الدقة والرزانة الى حد الجمود . اما في الجستابو فقد كان فيها شيء من
الحياة . مروعة ولكنها مع ذلك تنبض بالحياة . كان فيها هناك شيء حماسي ، حماسة المناضل من جانب وحماسة الصيادين ،
الضــواري او قطاع الطرق المفضوحين ، من جانب اخر . وبعض اولئك في الجانب الاخر ، كانوا على يقين من الايمان .
امــا هنا ، في التحقيق القضائي ، فليست الا دائرة . وفطائر الكيك الكبيرة المحلاة بالصلبان المعقوفة على ياقـــات القاضي
تدلل على الايمان الذي لا وجود له عند هـــذا الرجل . انهم درع يحتمي خلفه خدم موظفون صغـــار مساكين ، متلهفين
بطريقة ما على النجاة بجلودهـــم في وقت كهذا ، ومثلهم تجاه المتهم لا هو الطيب ولا بالخبيث . ومثلهم لا يبتسم او يقطب
انهم يؤدون واجبا رسميا . ليس فيهم نقطة دم تجري ، بل مجرد ماء خفيف .
لقد دونوا ، وقعوا وثنوا احكام القانون لتنـــاسب الوضع . واسناد قرار الاتهام ما يقرب من ست مرات الى الخيانة العظمى ،
التامر ضــد الرايخ والتخطيط لانتفاضة مسلحة وغير ذلك مما لا اعرفه . وكل تهمة منها كافية بحد ذاتها .
لقد قاتلت ثلاثة عشر شهراً من اجل حياتي وحياة الاخرين . بجرأة ودهاء . ان برنامجهم ينطــوي على ( الدهاء النوردي )
واحسب اني بارع في ذلك ايضـــا بقدرهم . انني اخسر فقط لانـهــم اضافة الى ذلـــك ، يمسكون الفأس بيدهم .
هذا النضال انتهى اذن . والان جاء الانتظار . اسبوعان او ثلاثة ثم ينتهي قرار الاتهام ، ثم السفر الى الرايخ وانتظار المحكمة
ثم الحكم واخيرا 100 يوم قبل تنفيذ الاعدام . هذه هيه الافاق . اربعة شهور ربما . او ربما خمسة . وفي غضون ذلك يمكن
ان تتبدل اشياء كثيرة . في غضون ذلك كل شيء يمكن ان يتبدل . ممكن ومن هذه الزاوية لا استطيع ان احكم اكثر مـــن ذلك
فان تسارع الاحداث في الخارج قد يعجـــل حتى في نهايتنا . وهكذا يتعادل كل شيء .
انه سباق بين الامل والحرب . سباق بين الموت والموت . من هو الذي سيأتي اولا : موت الفاشيــة او موتي ؟ هل اكون انا
وحدي من يواجه هذا السؤال ! ابدا لا ، لان عشرات الوف السجناء يسألونه كذلك ومثلهم ملايين الجنود وعشرات ملايين
الناس في كـــلأ ارجاء اوربا والعالم بأسره . بعضهم يساوره امل اكبر ، اخرون امل اقل . لكن الامر كله جلي تماما . ان
الاهوال التي تغرق بها الرأسمالية المتهرئة العالم بأسره ، تهدد الجميع على نحو شامل . ان مئــات الاف الناس سيسقطون
ايضـــا ، قبـــــل ان يكون باستطاعة من سينجون ان يجيبوا : لقد نجوت من الفاشية . لقد اضحى الامر الان مسألة اشهر لا
غير وسرعان ما سيكون مسألة ايام لا غير . لكنها هذه الايام هي التي ستكون الاقسى قطعا . ولقد فكرت دوما كم هو محزن
ان يكون المرء الجندي الاخير الذي يصاب في اخر لحـظـة مـــن الحرب باخر طلقة في القلب . ولكن لا بد من ان يكون احد
ما هو الاخير . ولـــو اني عرفت بأني سأكون هذا الاخير ، لاندفعت قدما دون تردد .
سوف لن تسمح لي الفترة الوجيزة التي ما زالت امامي في بانكراك صياغة هذا التقرير بالشكل المطلوب . علي ان اكون اكثر
ايجازا . وسوف يكون شهادة للناس اكثر مما لعصر باكمله . وهـــذا في رأيي هو الشيء الاكثر اهمية .
لقد بدأت هؤلاء الاشخاص بالزوجين جيلينيك ، انسانين بسيطين لا يبدو ان لــك كبطليــن في الظروف المعتادة ، ولحظة
اعتقالهما ، اصطفا جنبــا الى جنب وايديهما مرفوعة اعلى الرأس ، هو شاحب وهي متوردة تحت الصدغين من مرض السل،
في عينيها نظرة اقرب الى الفزع وهي ترى كيف قلب الجستابو بخمسة دقائق حسن ترتيبها النادر الى فوضى . وعندهـــا
استدارت برأسها ببطء الى زوجها وسألته :
- - وماذا سحيدث الان يا جو ؟
وكان هو دوما قليل الكلام ، لا تواتيه الالفاظ بيسر والكلام يثير اضطرابه . الان رد عليها بهدوء ودون مشقة :
- سنموت يا ميغ .
ما صرخت او ترنحت ، فقط وضعت يدها على يده بحركة جميلة ، على مرأى من فوهات المسدسات التـــي كانت
مصوبة نحوها طيلة الوقت . ومن اجل هذا كسبت له ولنفسها اول ضربة في الوجه . مسحت خدها مندهشة لحد ما من
هؤلاء الدخلاء وعلقت بطريقة كوميديـــة تقريبـا :
--- يا للفتيان الحلوين ،
ثم ارتفع صوتها ،
--- يا للفتيان الحلوين ... و ... يا لوحشيتهم الضارية .
لقد وصفتهم بصواب . وبعد سـاعــات قلائـــل اخرجوها من مكتب الضابط ( التحقيق ) وقد ضربت حتى الاغماء . لكنهم
لم يحصلوا على اي شيء منها . لا هذه المرة ولا في المرات اللاحقة .
لا اعرف كل الذي مر عليهما خلال الفترة التي كانت فيها ملقى في زنزانتي مريض لدرجة يتعذر استدعائي للتحقيق .
لكني اعلم انهما طيلة تلك الفترة لم ينطقــا بحرف واحد . وانتظراني . وكم من مرة بعد هذا قيد جو ، ذراعاه وساقاه
موثقة خلف ظهره وكم من مــرة ضرب وضرب وضرب ، لكنه لم ينبس ببنت شفة حتى امكنني ان اخبره ، او اشير له
على الاقل بنظرة ، ما ينبغي عليه ان يقوله او كيف ينبغي له ان يجيب ، حتى يكون بوسعنا ان نضلل الذين يحققون معنا.
كانت هي حساسة لدرجة الكابة . هكذا كنت اعرفها قبل اعتقالها . ولكن طيلـــة الوقت الدي كـنــا فيـــه في الجستابو ، لم
ار في ماقيها دمعة واحدة قط .
كانت تعشق منزلها . مع هذا ، حين كان الرفاق في الخارج ، رغبة في اسعادها ، يطمئنونها بكلمة بأنهم يعرفون من
سرق اثاثها وانهم قد وضعوه تحت مراقبتهم ، كانت تجيب :
--- الى الجحيم الاثاث . لماذا يضيعون وقتهم في ذلك وامامهم امور اكثر اهمية عليهم الانتباه اليها ، الى جانب ان عليهم
اني يعملوا بدلا عنا كذلـــك . ينبغي ان يكون هناك تنظيف تام ، قبل كل شيء . ولو قدر لي ان اعيش فسـأتدبر امر الدار
بنفسي مباشرة .
ذات يوم اقتادوهما معا بعيدا ، كل الى مكـــان مختلف . وعبثا حاولت معرفة مصيرهما . فالناس وهم في قبضة الجستابو
يختفون دون ان يتركوا اثــرا ، يتناثرون مثل البذور في الاف المقابر . اي حصاد سينبت من هذا البذار الروع !
كان وداعها الاخير :
--- ارجو ان لا يشعر احد بالاسى من اجلي او ان يساوره الخوف بسببي . لقد اديت ما ترتب علي مـــن واجب كعاملة
وسأذهب الى الموت على هذا النحو ايضا ؟
ما كانت ( سوى خادمة ) . وما كانت تملك تعليما كلاسيكيا وما كانت تدري كيف قيل ذات مرة في الماضي :
ايهذا الجواب ، بلغ الاسبارطيين اننا نرقد هــنـــا موتى ، لان القوانين امرتنا بذلك .
__________________________________________________________________
الزوجان فيسوسيل

عاشا في ذات مجموعة الشقق ، جوار شقة أسرة جيلينيك . هما ايضا جوزيف ومــاري . عائلة موظف صغير ، اكبر
سنا من جاريهمـــا . كان شاباً نحيلاً من نوسل عندما اخــذوه الى الجيش وارسلوه جندياً الى الحرب العالمية الاولى . وما
هي الا اسابيع قليلة حتى عادوا به ثانية وقد تحطمت ركبته ، التي لم تشفى مرة اخرى ابدا . وتعارفا على بعضهما في
احدى المستشفيات العسكرية في برنو ، حيث كانت هي تعمل ممرضة هناك . كانت تكبره بثماني سنوات وقد خلفت
وراءها زواجا فاشلاً . وبعد الحــــرب تزوجت من جو . وبقي في علاقتها به دوما شيء من روح الممرضة ، تبني
امومي . لم يكـــونــا بروليتاريين بالولادة ولـــم يشكلا عائلة بروليتارية . وكان طريقهمـــا الى الحزب اكثر تعقيداً ومشقة
لحد ما – ولكنها وصلا اليه . وكما هو الوضع في مثر من حـــالات كهذه . بدأ الطريق عبر الاتحاد السوفياتي . وقبل
فترة طويلة مــــن الاحتلال ، كانا قد عرفا ما يريــــدان وكانا يخفيـــان الرفاق الالمــــان في شقتهما .
وفي اصعب الاوقات ، بعد غزو الاتحاد السوفياتي وخلال الفترة الاولى من الاحكام العرفية عام 1941 . كان اعضاء
اللجنة المركزية يلتقون في شقتهما . وكان هونزا زيكا وهونزا تشيرني ينامـــان هناك . وكنت انا اكثر الكل ترددا
ومبيتا هناك . هنا كتبنا ( رودي برافو ) واتخذنا كثيرا من القرارات الهامة وهنا تعرفت اول مرة على ( كارل ) –
تشيرني . كانا دقيقن ويقظين على نحو مثابر ويعرفان على الدوام ما الذي ينبغي عمله بالضبط في الاوضاع المفاجئة
التي غالباً مـــا كانت تقــع في العمل السري . وكانا يعرفان كيـف يتصرفان في مثل هذه الحالات . الى جانب ذلـــك ،
فلم يكن بوسع احد ابدا ان يتصور ان هذا الموظف الصغير الشأن ، النحيل ذا الطبع المرح الذي يعمل ( في دائرة
السكك ) وهذه ( المدام الصغيرة ) السيــــــدة فيسوسيلوفا ، يمكن ان يتورطا بأي عمل يحرمه القانون . رغم ذلك فقد
اعتقل بعد فترة قصيرة من اعتقالي وروعت عندما رأيته اول مرة . كم من الامور ستكون في خطر لو انه تكلم ! لكنه
امسك لسانه . لقد جيء به هنا بسبب بضعة منشورات اعطاها لصديق ايقرأها – ولـــــم يحصل الجستابو ابدا على اية
معلومات اكثر من تلك المنشورات .
بعد شهور قلائل ، حين ادت قلة الانضباط من جانب بوكورني وبيكسوفا الـــى اكتشاف الجستابو ان هونزا تشيرني
يعيش في مــــنــزل شقيقــــه فيسوسل ، قاموا باستجواب جو باسلوبهم المعتاد لمــدة يومين ، لينتزعوا منه مكان اخر
موهيغاني في لجنتنا المركزية . في اليوم الثالث جاء الى غرفة 400 وجلس على الارض بحذر ، لان الجروح الطرية
مروعة الالم عند الجلوس عليها . تطلعت اليه بقلق ، بتساؤل وتشجيـــــع . ورد بجذل ، بذلك الطراز النوسلي اللابيدي :
--- عندما يرفض الرأس ، فلا الفم ينطق ولا المؤخرة لقد عرفت هذه العائلة الصغيرة جيدا ، وكم كان كل منهما ولوعا
بالاخر وكـــــم كانا يخشيان فراق احدهما الاخر حتى ولو ليوم واحد . وها هي الشهور تمر الان – ما اعظم حزن
زوجته في تلك الشقة الاليفة التي تطل على حي ميشيل ، وهي وحيدة في زمن كانت فيه الوحدة اسوأ ثلاثة اضعاف من
الموت . وما اكثر الاحلام التي نسجتها عن الكيفية التي يمكن بهــــا ان تساعد زوجها وتستعيد تلك الانشودة الصغيرة
التي كانا فيها يسميان احدهما الاخر ، بطريقة مضحكة لحد ما ، ماما و بابا . ومرة اخرى وجدت الطريق الوحيد : ان
تواصل عملها ، العمل من اجل نفسها ومن اجله هو .
ووجدت نفسها عشية السنة الجديدة 1943 ، ما زالت تجلس وحيدة عند المائدة وصورتـــه في المكان الذي اعتاد الجلوس
فيه وحين انتصف الليل ، قرعت كأسها بكأسه وتمنت له الصحـــة الجيدة ، تمنت عودته وشربت نخب حريته .
وما ان مر شهر اخر ، حتى كانت هي ايضا رهن الاعتقال . وارتعد كثيرون في غرفة 400 . فقد كانت هي واحدة من
اولئك المسؤولين عــــن الاتصال بالعالم خارج السجن . وما نسبت ببنت شفة .
لم يعذبوها بالضرب ، فقد كانت على درجة من المرض لدرجة انها قد تمــــوت بين ايديهم . فعذبوها بطريقة اشد فظاعة:
عذبوهـــــا ذهنيا . قبل ايام من اعتقالها اقتادوا زوجهـــا للعمل في بولنده . ولهذا خاطبوها الان قائلين :
--- اسمعي ، الحياة شاقــــة هناك . حتى للناس الاصحاء . وزوجك كسيح . لن يستطيع المقاومة هناك . سيموت في
مكان ما هناك . ولن تريه ثانية ابدا . وكيف تكونين قادرة على البحث عن رجل اخر وانت في هذا السن ؟ لكن كوني
عاقلة واخبرينا عما تعرفينه وسنعيده اليك ثانية في الحال .
سيموت في مكان ما هناك . يا حبيبي جو ! مـــا اشقاك ! الله اعلم اي نوع من الموت ستلاقيه ! لقد قتلوا شقيقتي ،
وسيقتلون زوجي وسأترك وحيدة ، وحيدة تماما ، فكيف ابدأ البحث عن رجل اخر ، اجل ، وانا في هذا السن ..وحيدة
مهجورة حتى نهاية عمري .. وانا قادرة على انقاذه ، سيعيدونه الي .. أجل ، ولكن بأي ثمن ؟ لن اكون عندها انا ، ولن
يكون هو باباي .. وما نبست ببنت شفة .
واختفت في مكان ما من منافي الجستابو التي لا حصر لها . ولم تمض الا فترة وجيزة حتى جاءت الانباء عن وفاة جو
في بولنده .


لـيــــــدا
اول مرة قصدت فــيـــهـا منزل ال باكس كانت في احـــدى الامسيات . كانت جوزكـــا وحدها في البيت ومخلوق ضئيـــل
ذو عينين حائرتين ، يدعونه ليدا . كانت في الواقع ما تزال طفلة ، تسترق نظرات فضولية الى لحيتي ، مسرورة لان الشقة
قــــد حفلت بشيء من الاثارة غير المعهودة قد تبعث فيها شيئا من التسلية .
وسرعان ما اصبحنــا صديقين . وتبين لدهشتي الشديدة ان هذه الطفــلــة كانت في الواقع قد بلغت التاسعة عشر من عمرها
وانها كانت الاخت غير الشقيقة لجوزكا وان اسمها هو بلاشا ( اي الخجولة ) ، رغم انها لم تكن تحمل مـــــن اسمها الا القليل
وهي تمارس التمثيل كهاوية للمسرح الذي كانت تحبه اكثر من اي شيء اخر .
واصبحت كاتم اسرارها وجعلني هذا ادرك اني لم اكن في الواقع الا مجرد سيد مسن . وحدثتني عن احزان صباها واحلام
صباها وصارت تهرع الي ، كما لو الى حكم ، في مشاجراتها مـــع اختها او مع زوج اختها . وكانت حادة المزاج ، كمــــــا
هي عادة البنات اليافعات ومدللة مثـــل كــــل الاطفال الذين يأتون اخر العنقود .
ورافقتني اول مرة حينما غادرت الدار ، بعد ستة اشهر لكي اقوم بنزهة قصيرة معها . ان سيدا مسنا ، يعرج لاقل اثارة
للشبهات وهو يخرج بصبحة ابنته مما لو كان وحيدا . فالجميع يتطلعون اليها لا اليه . وكان هذا هو السبب الذي رافقتني من
اجله في النزهة التالية . وكان هذا هو السبب الذي دعاها لمصاحبتي الى اول شقة سرية . وبهذه الطريقة كما يقول قرار
الاتهام الان – تطورت الامور من تلقاء نفسها : فاصبحت بالنتيجة ضابطة ارتباطي .
واحبت العمل . ولم تشغل ذهنها كثيرا بما يعنيه ذلك واي نفع سيأتي من ورائه . كان بالنسبة لها شيئاً جديداً ومثيرا للاهتمام ،
شيئاً غير عادي ، فيه نكهة المغامرة . وكان هذا يكفيها . وطالما كان الامر لا يتعدى الاشياء الصغيرة ، لم اشاْ ان اطلعها
على اي شيء اكثر من ذلك . فالجهل في حالة الاعتقال كان حماية اضل من الوعي ب ( الذنب ) .
لكن ليدا تطورت . واضحت قادرة على القيام بما هو اكثر من مجرد الذهاب الى مـنـــــزل اسرة جيلينيك لتسليم بعض
الرسائل الصغيرة . واصبح من الضروري لها ان تعرف جليــــة الامـــر . وبدأت العمـــل . كـــــان مدرســة ، مدرســة
نظاميــة وتعلمت ليــدا بتفـــــان وسرور . كـــانت في مظهرهــا ، مـــا تــــزال نفس الفتــاة الجذلـــة ، الخـلـيـــة القلب ،
اللعـــوب لـحـــد مــا ولكنها مـــن الداخل كانت قد تبدلت . بدأت تفكر . ومن هنا تطورت . وفي مجرى عملها تعرفت على
ميركو . وكان قد انجز حتى ذلك الوقت عملا كبيرا وكان يعرف كيف يضفي عليه طابـــع الاقناع . واثر فيها ذلك . ربما لم
تستطــــع ان تدرك الجوهر الحقيقي ، ولكن في هذه الحالة كنت انا نفسي غير مدرك لذلك . والشيء الذي كان مهما انه من
خلال عمله ومن خلال ايمانه الظاهري ، اصبح اقرب الى قلبهـا من اي رجل اخر .
ونما ذلك فيها بسرعة وتعمقت جذوره .
وفي مطلع عام 1942 بدأت تستفسر بالحاح عن عضوية الحزب . ولم أرها ابدا مــــن قبل بمثل هذا الاضطراب . ابدا لم
تنظر الى شيء من قبل بمثل هذه الجـــديــة . وكنت ما ازال مترددا . وواصلت تعليمها واختبارها .
وفي شباط 1942 تم قبولهـــــا عضوا في الحزب عن طريق اللجنة المركزية نفسهــــا . وكنا عائدين ذات ليلة مثلجة ،
واجنــــة كـــانت ، وهي الثرثارة ، صامتة تماما على غير عادتها . واخيرا ، حين كنا نعبر الحقول قرب الدار ، توقفت
فجأة وبهدوء ، بهدوء تام لدرجة اننا كنا نستطيع ان نسمع بلورات الثلج المتساقط ، قالت لي :
--- اعرف ان هذا اليوم كان اهم يوم في حياتي . فأنا ما عدت ملك نفسي الان . اعـــدك بأني لن اخيب ظنكم ابدا . مهما حدث
ولقد حدثت امور لا تعد . ولكنها لم تخيب ظننا . حافظت على اكثر الصلات قربا بقيادة الحزب . وانيطت بها مهمات على
درجة متناهية من الخطورة : ان تعيد تنظيم الاتصالات المقطوعـــــة وتنقذ الاتصالات المهددة بالخطر . وحين كانت
الخطــــورة تشتد بوجه الاتصالات على اعلى المستويات او كانت الحاجة ماسة لشقة ، تندفع ليدا الى هناك وتتسلل بمهارة
مثـــــل سمك الحنكليز . وكانت تقوم بذلك مثل الســابـــق : كأنه امر عادي وبذلك الجذل اللعوب ، ولــــكـــن باحساس متين
بالمسؤولية .
واعتقلت بعد شهر واحـــد من اعتقالنا . لقد ذكر ميركو اسمها في سياق اعترافاتــــه وعندها لم يكن من الصعب عليهم
التوصـــــل الى انها قد ساعدت اختها ونسيبها على الهرب والالتحاق بالحركة السرية . لقد هزت رأسها ومثلت دور تلك الفتاة
الخليـــة البال التي لم تكن تعرف ان ما كانت تفعله محظور عليها وانها قد تتعرض الى عواقب وخيمة جراء ذلك .
كانت تعرف الكثير ولم تقل شيئا . ولكن الاهم من كل ذلك ، انها لم تتوقف عن العمل ابدا . وبتغير الوسط ، بدلت اساليب
عملها وتبدلت مهماتـــهــا . الا ان واجبها كعضو في الحزب ما تبدل قط – ان لا تطوي ذراعيها مهما كان القطاع الذي
وجدت فيه . وراحت تنفذ كل المهمات ، بتفان ، بسرعة ودقة . وعندما كانت الحاجة تستدعي الخروج من وضع مربك ،
لانقاذ احد ما في الخارج ، تأخذ ليدا على عاتقها ( جريرة ) شخص اخر ، بذات الوجه البريء ، واصبحت من سجينات
الخدمة في بانكراك ويدين عشرات الناس المجهوليــــن بالفضل لها لانهم لم يعتقلوا . واستمر الحال عـامـــا تقريبا قبل ان
يقطع هذا " الدور " الذي كانت تؤديــــه بسبب اكتشاف الجستابو لرسالة مخفية .
انها تسافر الان معنا الى الرايخ للمحاكمة . انها الشخص الوحيد من كل مجموعتنا الكبيرة الذي يملك املا مبررا في البقاء
على قيد الحياة لتشهد يوم الحرية . انها ما تزال في ريعان الصبا . واذا اصبحنا نحن في عداد الاموات ، فلا تدعوها تضيع
ان امامها الكثير لتتعلمه . علموها ، ولا تدعوها تتحجر . ووجهوها . ولا تدعوها تصاب بالخيلاء او تنام على امجادها . لقد
برهنت على معدنها في اشد اللحظـــات صعوبة . لقد عمدتها النيران ودللت على انها جبلت من معدن جيد .

ضـــابـطـــــي
ان لا يعود الى الشخوص . ولكنه من الاشكال المثيرة للاهتمام وعلى مقياس اكبر لحد ما من الاخرين .
قبل عشر سنوات في مقهـــى فلورا في فينوها ردي ، حين تريد تسديد الحساب الى النادل وتبدأ قطع النقد المعدنية ترن ،
يظهر الى جانبك فجأة رجل نحيل ، طويل القامة ، يطير بخفة ودون ضوضاء بين المقاعد ، مثل كشاف على ظهر غواصة ،
وقد ارتدى بدلة سوداء ، ويقدم اليك قائمة الحساب . كانت لــــه حركات حيوان مفترس ، سريعة ومتلصصة وعينين ثاقبتين،
سنوريتين تريان كل شيء . وانت لا تحتــــاج حتى للتعبير عما تريده . فهو نفسه الذي يطلب من الندل ( الطاولة الثالثة ،
كوب قهوة كبير بالحليب دون قشطة . ) ، ( النافذة اليسرى . كيك وجريدة ليدوفي نوفني . ) كــان رئيس سقاة جيد للزبائن
وزميل جيد للمستخدمين الاخرين . لم اتعرف عليه في ذلك الوقت بالطبع . فقد عرفته بعد ذلك بوقت طويل ، وفي شقة
ال جلينيك ، عندما كان يمسك بيده مسدسا ، بدلا من قلم ، ويصوبه نحوي " .. هذا الرجل هو اكثر من يهمني . "
والحق يقال ، ان اهتمامنا الواحــــد بالاخر كان متبادلا ؟
كان ذكيا بالفطرة . وكــان سيشق طريقه بنجاح بالتأكيد في شرطة مكافحة الاجرام . فاللصوص الصغار والقتلة ، وهم
معزولون ومبعدون عـــــن اترابهم ، لن يترددوا في ان يفتحوا قلوبهم له ، طالما ان شيئا لا يشغل اذهانهم قدر انقاذ جلودهم
لــكــــن الشرطة السياسية نادرا ما تعثر على اناس من مثل هذه الطينة يقعون في قبضتها . وذكاء الشرطة هنا لا يجابه بمجرد
ذكاء الفرد المعتقل ، بل يجابه قوة اعظم من ذلك بكثير ، معتقدات الفرد وفطنة الجماعة التي ينتمي اليها فالذكاء والضرب لا
يكفيان هنا .
ولا يجد المرء اية معتقدات خصوصية راسخة عند ( ضابطي ) – كمان عند الاخرين . واذا حدث ان كانت موجودة في اي
منهم ، فهي مرتبطة بالغباء لا الفطنة ، لا بمعرفة الافكار او معرفة الناس . واذا كانوا ، على العموم ، ما زالوا يملكون معيارا
مـــــا للنجاح ، فسبب ذلك ان الصراع طويل النفس يجري في مساحة محدودة وفي ظل ظروف اشد صعوبة بما لا يقاس مما
هي عليه في اي نضال سري اخر . كان البلاشفة الروس يقولون عادة ان شخصا يصمد عامين لظروف النشاط السري
مناضل جيد . ولكن لو ان الامور ساءت بالنسبة لهم كثير في موسكو ، فان بامكانهم مع ذلك الانتقال الى بتروغراد ومن
بتروغراد الى اوديسا ليضيعوا هناك بين ملايين الناس ، حيث لا يعرفهم احد . اما هنا فليس امامك الا برغ وبراغ فقط ، حيث
يعرفـــك نصف الناس وحيث يمكن حشد رهط كبير من المخبرين . ومع كل ذلك وبرغمه فقد صمدنا سنوات وهنـــاك حتى
رفاق عاشوا حياة العمل السري خمس سنـــوات دون ان يعثر عليهم الجستابو . وكان هذا لاننا تعلمنا الشيء الكثير ، اجل
وكان هذا ايضا لان العدو رغم جبروتــــه وضرواته لا يستطيع ان يفعل شيئا سوى التدمير .
هناك ثلاثة منهم في القسم 2 – أ ( 1 ) ممن ذاع صيته جراء العنف المتناهي في مكافحة الشيوعية وممن يحملون الشريط
الاسود والابيــــض والاحمر تقديرا لشجاعتهم في الحرب ضد العدو الداخلي : فريديريش ، زاندر و ( ضابطي ) جوزيف
بوهم . انهم لا يتحدثون الا نادرا عن الاشتراكية القومية لهتلر – فقط بالقدر الذي يعرفونه انفسهم . انهم ليسوا محاربين في
سبيل افكار سياسية . فهم لا يقاتلون الا في سبيل مصالحهم ، كل بطريقته . زاندر – مخلوق ضئيل دائــــم السخط ذو كبد
حساس – ربما اكثرهم معرفة بأساليب الشرطــة ولكنه ايضاً اكثر معرفة في الصفقات المالية . وقد نقل لبضعة اشهر من
براغ الى برلين . ولكنه افلح في العودة الى مركزه بفضل التوسل . فالعمل في عاصمة الرايخ كان في نظره يعادل الحط
من شأنه – الى جانب كونه خسارة مالية . ان موظفا كولونياليا في افريقيا السوداء او في براغ لهو رجل اخطر شأنا وامامه
فرص افضل لزيادة رصيده في البنك . انه رجل مجد ويحب القيام بالتحقيق وهو يتناول غذاءه ، كما لو كــــان يريد التدليل
عـــلــى نشاطه . وهو بحاجة الى ذلك ، لكي لا يرى احد انه ما زال اكثر نشاطا في عمله غير الرسمي ... والويل لمن يقع
في قبضته ، والويل مرتين لمن يملك رصيدا في البنك او سندات في نفس الوقت . فمثل هذا الشخص ينبغي ان يموت في
اقرب فرصة ، لان ارصدة البنوك والاسهم هي غرام زاندر الجارف . وهو يعتبر ضابط بمنتهى الكفاءة – في هذا المجال .
( وفي هذا يختلــــف ن مساعده ومترجمه التشيكي سمولا الذي يقرب من قاطع طريق جنتلمان لانه لا يطالب بحياتك ان قبض
نقوداً . ) .
فريدريش – رجل نحيل ، داكــــن البشرة طويل القامة ، له عينين شريرتين وابتسامة شريرة . جاء الى الجمهورية كأحد
جواسيس الجستابو خلال عام 1937 ، لكي يساعد على تصفية الرفاق الالمان في المنفى . ان الموتى هم غرامه الجارف .
وفي نظره ليس هناك من شخص بريء . فكل من تطاْ قدماه عتبة مكتبه مذنب . وهو يجد متعة في التحدث الى النساء عن
ازواجهن الذين ماتوا في معسكرات الاعتقال او تم اعدامهم . ويجب ان يخرج من درج مكتبه سبع قواريــــر رماد ويعرضها
على اسراه .
--- انا الذي قتلت هؤلاء السبعة بهاتين اليدين . وستكون انت الثامن .
( وقد اصبحوا ثمانية الان ، لانه قام بعدها بقتل جان زيزكا ) كما يجد في تصفـــح الاضبارات القديمة ويلاحظ قائمة الموتى
برضى : " انتهى ! .. انتهى ! " وهو يتلذذ على الخصوص بتعذيب النساء .
ان شغفه بالترف لا يعدو عن كونه نافعا مساعدا لنشاطه البوليسي . شقة جيدة التأثيث او حانوتا مكدساً بالاقمشة الجيدة ،
يعجلان بموتك اكثر .
اما مساعده التشيكي ، نيغر ، فأقصر منه بنصف قامة – بقدر تعلق الامر بطول القامة . وفيما عدا ذلك ، ليس هناك اي فرق
بينهما .
بوهم – ضابطي – ليس عنده ذلك الهوى الجارف لا للمال ولا للموتى ، رغــــم ان كفاءته في هذا المجال لا تقل عن الاثنين
الاخرين . انه مغامــــر يطمح ان يكون شيئا ما . لقد عمل لحساب الجستابو فترة طويلــــة . وكان نادلا في صالون نابليون
اثناء اجتماعات بيران السرية – وما كان بيران لا ينقله الى هتلر ، يكمله بوهم نفسه . ولكن ما قيمة كل هذا مقارنة بفرصــة
اصطياد الناس وان يكون سيد حياتهم وموتهم ، يقرر مصائر عائلات بأكملها .
ولم يكن مهما بالنسبة له دومـــا ان تنتهي الامور على نحو محزن لكي يشعر بالرضا . وكلنه اذ لم يستطع ان يبرع بأية
طريقة اخرى ، فأنه من القدرة بحيث يجعل الامور تسوء اكثر من ذلك بكثير . فما الجمال ومــــا الحياة ، قياسا الى مجد
الهيروسترات ؟
وقد يكون هو اكثر الثلاثة نشاطــا في بناء شبكة واسعة من المخبرين . صياد يملك رهطا ضخما من كلاب الصيد . وكان
يصطاد – وفي الغالب لمجرد الرغبة الصرفة في ذلك . وكـــان التحقيق بالنسبـــة له معظم الاحيان عملا مضجرا . فنشاطــه
الرئيسي هو القيام بالاعتقالات ورؤية الناس يقفون امامه وهــــم بانتظار قراراته . مرة اعتقل ما يقرب من مائتي سائق
وجابي في الحافلات والباصات والباصات الترولي واوقف حركة المرور واثار الرعب . وعندها شعر بالسعادة . ثم اطلق
سراح مائة وخمسين منهم ، مسرورا مـــــن اعتقاده ان مائتي وخمسين عائلة ستتحدث عنه كأنسان طيب .
كانت قضاياه من هذا النوع عادة ، نطاقها واسع ولكن دون اهمية تذكــــر . ام انا الذي اصطادني صدفة ، فقد كنت قضية
استثنائية .
" انت قضيتي الكبرى " كان يردد علي ذلك غالبا وكان فخورا انني ادرجت ضمن اخطر القضايا كلها وقد تكون هذه الواقعة
هي التي اطالت في عمري .
كنا نكذب على احدنا الاخر بكل وسيلة ممكنة ، ودون انقطاع ، ولكن بعناية . وكنت انا واع بذلك دوما ، اما هو فأحيانا .
ومتى ما كانت الكذبة مفضوحة ، كنا نتجاهلها باتقان ضمني . واحسب ، انه لــــم يكن مهتما لتلك الدرجة بالتوصل الى
الحقيقة قــــدر اهتمامه ان لا يبقى هناك ما يثير الشكوك حول ( قضيته الكبرى ) .
لم تكــــن العصي ولا الحديد في رأيه الوسيلة للتحقيق . كان يفضل التصنيف او التهديد تبعا للكيفية التي يزن بها ( رجله ) .
ولم اعذب على يديه ابدا ، ربما عدا الليلة الاولى . ولكن حين يناسبه ذلك ، فانه يعهد بي الى الاخرين . وكان دون ريب اكثر
اثارة للاهتمام واكثر تعقيدا من جميع الاخرين ، كان يملك ثروة من الخيال وكان يعرف كيف يستخدمها . مرة ذهبنا الى
اجتماع مدبر في برانيك . وجلسنا هناك في حديقة خمارة تطلعنـــا الى حشود الناس المتدفقة حولنا . قــــال لي : لقد اعتقلناك
فانظر حولك : هل تبدل شيء ما ؟ هــــا هي الناس تمشي كما في السابق ، تضحك او ان لها مشاغلها ، كما كانت قبلا ،
والدنيا تدور ، كما لو انك لم تكن موجودا ابدا . ولا بد ان بينهم بعضا من قرائـــك – اتظن ان تجاعيد وجوههم قد زادت حتى
ولو واحدة بسببك ؟
وفي مرة اخرى وكان ذلــــك بعد يوم كامل من التحقيق ، وضعني في سيارة واخذني في جولة عبر مساء براغ الى هرادكاني
التي تطلع على شارع نيرودا :
--- اعرف كم تحب براغ . انظر ! الا تود احيانا ان تعود اليها ؟ كم هي جميلة ! وستـكــــون جميلة حتى وانت غير موجود
فيها ...
كان بارعا في تمثيل دور الغاوي . كان المساء الصيفي يملأ المدينة بنذر الخريف ، وكان مزرقا ومضيئا ً مثل كرمة ناضجة،
ومكسرة كالخمر . كـــان بودي ان اواصل النظر حتى نهاية الدنيا ... لكني قاطعته :
.... وستكون اكثر جمالا عندما لا تكونوا انتم موجودين هنا .
وضحك لحظة ، دون حقد ، انما بلمسة حزن وقال :
انك وقح :
وكان غالبا ما يتذكر تلك الامسية :
عندما لن تكون هنا .. اذن ما زلت لا تعتقد باننا سننتصر ؟
لقد تساءل ، لانه هو نفسه كان في شك من ذلك . وكان يصغي بانتباه عندما احدثه عن قوة ومنعة الاتحاد السوفيتي . وذاك ،
بالمناسبة ، كان احد اخر التحقيقات التي جرت لي .



زوج مشــدات – انترميتزو
قرب الباب المقابل لزنزانتي يتدلى زوج مشدات . زوج مشدات رجالية عادي . وهو شيء لم أحبه ابدا . اما الان فاني اتطلع
اليه بفرح كلمـــا كان باب زنزانتنا مفتوحا : وأرى منه شعاعا من الامل .
حين تعتقل ، ربما يضربونك حتى الموت ، ولكنهم قبل كل شيء يجردونك من ربطة العنق او المشدات حتى لا يكون بوسعك
ان تشنق نفسك بها ( مع ان بامكانك ان تفعل ذلك تماما بملاءة ) . ادوات المــــوت الخطرة هذه تحفظ اذن في دائرة السجن
حتى يتقرر لك في الجستابو مصير مجهول يكون عليك بموجبه ان ترسل الى مكان اخر : للعمل في معسكر اعتقال او الى
ساحة الموت . عندها ينادون عليك ويسلمونها لك بوقار رسمي ، لكنك لا تستطيع ان تدخلها معك الى الزنزانــــة . عليك ان
تعلقها خارج الباب اول على الحاجز المقابل ، وتبقى معلقة هـنـــاك حتى لحظة رحيلك ، كعلامـــة مرئـيـــة على ان احد
نزلاء الزنزانة متهيء الى مزار غير مرغوب .
ظهر زوج من المشدات مقابل زنزانتنا في ذات اليوم الذي علمت فيه بالمصير الذي اعد لجوستينا . ان رفيقا ما في الزنزانة
المقابلة لزنزانتي سوف يرسل الى العمل في نفس الوجبة التي ستنقبل فيها . لكن وجبة النقل لم ترحل حتى الان . فقد اجلت
عـــــلى حين غرة ، وفي الظاهر لان المكان الذي كانت ستقصده قد قصف قصفا شديدا . ( احتمال جميل اخير ) . ما من احد
يعرف متى سيتم ذلك . ربما هذا المساء ، ربما غدا ، او في غضون اسبوع او اسبوعين . ان المشدات معلقــــة هناك طيلة
الوقت . واعرف انا : طالما كنت اراها ، فمعنى ذلك ان جوستينا ما زالت في براغ . وهكذا اتطلع اليها بفرح ومحبة كأنما
الى انسان ما يمد لها يد العون . لقد ربحت يوما اثنين ، ثلاثة ... من يدري ان خير قد يأتي من ذلك ؟ ربما يستطيع هذا اليوم
بالذات ان ينقذ حياتها .
كلنا نعيش في هذه الحالة . اليوم ، قبل شهر ، قبل عام – نستدير الى الغد وحده دوما ، الذي فيه يوجد الامل . ان مصيرك
قـــد تقرر ، فبعد غد سترمى – اه ، ولكن من يدري ماذا يمكن ان يقع غدا ! عش للغد لا غير ، فغدا كل شيء يمكن ان يتغير
وكـــل شيء غير مستقر لدرجة ، اجل ، من يدري ، مــــاذا يمكن ان يقع غذا ؟ والغدوات تمر ، والالاف تموت ، والاف
ليس لها غد ، لكن الاحياء يواصلون الحياة بأمل لا يتغير : غدا ، من يدري ماذا يمكن ان يقع ؟
ان اكثر الاشاعات حماقة تنجم عن ذلـــك – كل اسبوع يطلع موعد وهمي لنهاية الحرب ، وكل امرء يتشبت باسنانه كلها ،
كل اسبـــوع تهمس بانكراك باخبار مفرحــــة جديــدة مثيـــــرة يتم تصديقـــهـــا بسرور . وانت تكافح هذا ، تناضل ضد
الامال الكاذبة لانها لا تشد من عزيمة المرء ، بل تضعفها . التفاؤل يجوز له ولا ينبغي ان يتغدى عـــــلى الاكاذيب ، بل على
الحقيقة ، على رؤية واضحة للنصر لا تتزعزع – لكن الواقعة الاساسية تظل فيك : ان هـــذا اليوم بالذات قد يكون حاسما وان
اليوم الذي تربحه قــد يساعدك على عبور الحد الفاصل ، بين الحياة التي لا تريد ان تتركها والموت الذي يتهددك .
ايام معدودات هي حياة الانسان . ومع ذلك فانت تود لو انها تمر بسرعة ، اسرع ، بأسرع مـــا يمكن . فالزمن ، الهارب
والمتملص ، الذي يستنزف الحياة منك ، هو صديقك . ما اغرب ذلك !
لقد اصبح الغد امسا . وبعد الغد اصبح اليوم . ومر هذا ايضا .
وما زالت المشدات قــــــرب باب الزنزانة المقابلة معلقـة .


الـــفـــصــل الــســادس
الاحــكــام الـعـرفـــيــة

27 ايار 1943

كان ذلك منذ عام واحد بالضبط .
مــن الاستجواب اقتادوني تحت الى ( السينما ) كان هذا هو المزار اليومي لغرفة 400 : عند الظهر تحت الى الغداء ، الذي
يأتون به من بانكراك ، وبعد الظهر الى الطابق الرابع ثانية . لكننا لـم نصعــد ثانيـة هذا الـيـوم .
انت تجلس . وتتناول طعامك . المصطبات تغص بالمعتقلين المشغولين بالملاعق والمضــــغ . ويبدو ذلك عداد الموتى غدا
يتحولون اللحظة الى هياكل عظمية ، فان ضوضاء الملاعق وانية الفخار ستختفي فــجــأة في صلصة العظام والاصطكاك
الجاف للفكوك . ولكن حتى لا يوجد عند احد اي تصور لهذا الامر . فكل واحد يطعم جسده بلذة ، ليبقى على قيد الحيــــاة
اسابيع او اشهر او سنوات اخرى . ويكاد المــــرء ان يصف ذلك بكلمة واحدة هي السلوى . ثم تأتي فـجـــأة لفحة ريح شديدة.
والسكون ثانية . وحدها وجوه السجانين يمكن ان تتنبىء ان شيئا ما قد حدث . وبدقة اكبر ، بعد لحظة ، من واقع انهم نادوا
علينا وصفونا من اجل رحلة العودة الى بانكراك . في منتصف النهار ! شيء غير عادي . نصف نهار دون تحقيق في وقت
تكون في منهكا من الاسئلة التي ليس عندك اي جواب لها – كأن ذلك مثل هدية من الرب . او هكذا يبدو . ولكنه ليس كذلك.
في الممر نلتقي بالجنـــــرال الياس . عيناه تغصان بالانفعال . ويلمحني ويهمس وسط حشد السجانين :
--- الاحكام العرفية .
ولــم يكــن امام المعتقلين الا بضــــع ثـوان لنقل هذا النبأ الاكثر اهمية . ولم يكن لديه وقت للرد على تساؤلي الصامت .
ودهش السجانون في بانكراك من عودتنا المبكرة . وكان السجان الذي اقتادني الى زنزانتي يوحــي بالثقة المتناهية . لا اعرف
بعد من يـكــــون ، لكني اخبره بما سمعت . فيهز رأسه . انه لا يــعــرف شيئـــا . ربما لم اسمع جيدا . اجل ، ربما . وهذا
ابعث على الارتياح . لكنه في المساء ذاته يعود الى الزنزانة :
--- انت على حق . محـاولــــة اغتيال هيدريش اصابته خطيرة . الاحكام العرفية في بـــراغ . صباح اليوم التالي في الممر
ليقتادونــــا الى التحقيق . بيننا الرفيق فيكتور سينيك ، اخر الاحياء من اعضاء اللجنة المركزية للحزب ، الذي اعتقل في شباط
1941 . ويلوح سجان طويل ببزة الاس – اس بورقة بيضاء امام وجهه ، يمكنك ان تقرأ فيها بحروف واضحة :
" امر بالافراج "
قهقه بوحشية .
--- هاك ، ايها اليهودي ، لقد حصلت اخيرا على ما كنت تريد . الامر باطلاق السراح !
فيكــ ...
وباشارة الى رقبته ، بين ما الذي كان بانتظار رأس فيكتور . كان اوتوسينيك اول من اعــــدم عندما اعلنت الاحكام العرفية
عام 1941 . واصبح شقيقه ، فيكتور ، اول ضحية للاحكام العرفية عام 1942 . واقتادوه الى موتهاوزن . ليعدم رميا
بالرصاص ، كما عبروا عن ذلك بلطف .
واصبح الطريق الان من بانكراك قصر بيتشيك العذاب اليومي لالاف المعتقلين . ورجـــال الاس – اس اثناء الواجب في
الشاحنات ( يثأرون لهيدريش ) . وقبل ان تقطع عربة السجن كيلومتر واحد ، حتى يأخذ الدم يسيل من افواه ورؤوس
المعتقلين من جراء الضرب بأعقاب المسدسات . وصار حضوري في الشاحنة منفعة للاخرين لان ذقني الملتحية كانت تبعث
جـاذبـيــة لرجال الاس – اس ، تغريهم بصنع نكات مبتكرة . وكانت واحـــدة من متعهم المفضلة استخذام لحيتي كسير
يتعلقون به وهم داخل الشاحنة المرتجة . وكان هذا بالنسبة لي مران جيد للتحقيق الذي كان يوازي الوضع برمتــــه والذي
ينتهي بالجملة المعتادة :
--- اذا لم تكن اعقل غدا ، فسوف ترمى
ولم يعد في هذا ما يثير الفــــزع الان . فانت تسمعهم ، مساء بعد مساء ، وهم ينادون على الاسماء تحت في الممر – خمسون
مائة ، مائتان ، يشحنون بعد لحظة في الشاحنات ، مربوطين معا مثل خراف في طريقها الى المجزرة ، وينقلونهم الى
كوبيلسكي نحــو ساحة الاعدام الجمــــاعي . وذنبهـــم ؟ قـبــــل كــل شيء الواقع انهــم بـــلا ذنب . لقد اعتقلوا دون ان يكونوا
مرتبطين بأية قضية خطيرة وليست هناك حاجة للتحقيق معهم ابدا وهكذا فانهم مناسبون للموت تماما . قصيدة هجائية قرأها
احد الرفاق على تسعة اخرين ادت الى اعتقالهم قبل شهرين من محاولة اغتيال هيدريش . ها هم الان ينقلون الى حتفهم
الاخير بتهمة تحبيذ الاغتيال . قبل نصف عام اعتقلت امـــرأة بتهمة توزيع منشورات ممنوعة . ونفت هي التهمه . وهكذا
اعتقلوا الان شقيقاتها واشقاءها وازواجهن وزوجاتهـــــم ايضاً ونفذوا حكم الاعدام بهم كلهم . لان ابادة عائلات باكملها كان
شعار الاحكام العرفية . احد سعادة البير اعتقــــل خطأً يقف تحت الجدار منتظراً اطلاق سراحه يسمع اسمه ينادى عليه فيتقدم
الى امام . ويصفونه في طابــــور المحكومين بالاعدام ويقتادونه ويطلقون النار عليه ويكتشفون في اليوم التالي ان هناك رجلا
اخر بنفس الاسم كان ينبغي ان ينفذ فيه حكم الاعدام . وهكذا يعدمون الرجل الاخر ايضا وتوضع الامور في نصابها ، التاكد
من التفاصيل الشخصية المضبوطة للناس الذين سيعدمون – من يمكن له ان يضيع وقته على شيء كهذا ! او ليس هذا الامر
لا طائل تحته طالما ان حياة امة برمتها مهددة بالموت ؟
عدت من التحقيق ، اخر المساء . تحت يقف عـــنــد الجدار فلاديسكوف فانكورا وصرة صغيرة باغراضه عند قدميه ادرك ما
يعني هذا . وهو يدرك ذلك ايضاً . نتصافح . ما زلت قادرا ان اراه من اعلى في الممر . كيف يقف هناك ورأسه منحني لحد
ما وهو يحدق بعيدا ، بعيدا عبر الحياة كلها . بعد نصف ساعة نادوا على اسمه ...
بعد بضعة ايام وقف ميلوش كراسني عند نفس الجدار – جندي مقدام من جنود الثورة ، اعتقل في تشرين اول من العام
الماضي ، لم يحطم عزيمته التعذيب والحبس الانفـــــرادي . لقـــد استدار بعيدا عن الجدار واخذ يشرح بهدوء امرا ما الى
السجان الذي يقف وراءه . يلمحني فيبتسم ويهز رأسه مودعا ويواصل حديثه :
--- لن ينفعك هذا ابدا : سيسقط كثيرون منا لكـنـكــــم انتم ستنهزمون ...
يوم اخر عن الظهر ، ونحن نقف في جوف قصـــر بيتشيك بانتظار الغداء ، جيىء بالياس . كانت تحت ابطه جريدة يشير
اليها بابتسامة : لقد قرأ فيها لتوه عــــــن علاقته باولئك الذين نفذوا محاولة اغتيال هيدريش .
--- هراء !
قال باقتضاب وشرع يأكل .
وواصل الكلام عن ذلك بمزاح خلال المساء عند عودته الى بانكراك مع الاخرين . بعد مضي ساعة ، اقتادوه من زنزانته
واخذوه الى كوبيليسكي .
اكوام الموتى تعلو ، لا تعد بالعشرات او المئات بـــــل بالالاف . والدم الطري ابدا يثير شهية الضواري . انهم " يعملون .
حتى ساعة متأخرة من الليل " ، يعملون حتى ايام الاحاد . وها هم الان يرتدون بزات الاس – اس ، انه يوم عيد لهم ، عيد
الذبح . وهم يرسلون الى الموت العمال والمعلمين والفلاحين والكتاب والموظفين : انـهـــم يقتلون ويحرقون قرى برمتها .
والموت بالرصاص ينتشر على الارض كالطاعون دون ان ينتقي ضحاياه .
والانسان وسط هذا الرعب ؟
يعيش
انه لامر لا يصدق . لكنه يعيش ، يأكل ، ينام ، يعشق ، يعمل ويفكر بألف شيء لا علاقة له بالموت ابدا . ربــمـــا في مكان
ما فوق عنقه يجلس هناك ثقل مروع . لكنــــه يحمله ، دون ان يحني رأسه او ينهار بسببه .
وفي فترة الاحكام العرفية هذه اخذني الضابط الى برانيك . كان مساء احد جميل في حزيران عبق باشجار الزيزفون واخر
ازهار السنط . لم يكن الطريق الى محطة الباص عريضا بما يكفي ليسع الدفق المسرع للنــــاس العائدين من اعمالهم .
وكانوا صاخبين وجذلين تعبين بسعادة ، تعانقهم الشمس والماء واذرع احبتهــــم – الا الموت ، الموت وحده ، المنتشر
باستمرار حولهم ، يبحث عن ضحاياه بينهم ، لم يكن بالوسع ان تلمحه في قسماتهم وهم يتدفقون حشودا جذلة وجيبة كالارانب
كالارانب ! ضع يدك بينهم والتقط احدا منهم تتسلى به – سينكمشون في زاوية ، ولكن ما ان تمضي لحظة اخرى سيزدحمون
بمشاغلهم ومسراتهم ، بكل رغبتهم في الحياة .
لقد انتزعت فجأة من عالم السجن المسور الى هذا الطوفان الكاسح وتذوقت بمرارة من البدء مذاق سعادتهم العذبة .
من دون حق ، من دون حق .
فهــذا االذي رأيتــه هنا كان حيـــاة ، الحيــاة التي منها اتيت ، حتى هذه التي هنا ، بكليتها ، الحياة تحت وطأة الضغط الرهيب
غير قابلة للدمار ، تقتل في واحد وتنبت في مائة ، الحياة التي تفوق الموت قوة . أهذه ينبغي ان تكون مرة ؟
ثم : ماذا عنا . نحن في الزنزانات نعيش في قلب هذا الرعب – أنحن من طينة اخرى ؟
كنت اذهب الى التحقيق احيانا في سيارة الشرطة ، حيث يتصرف الحرس بلطف وكنت اتطلع من النوافـــذ الى الشوارع ، الى
واجهات المخازن ، الى كشك للزهور ، الى حشود السابلة ، الى نساء . مرة قلت لنفسي لو اني عددت تسعة ازواج من
السيقان الجميلة ، فلـــن اعـــدم اليوم . وهكذا بدأت اعد وافحص وأقارن وادرس بعناية خطوطها ، وافقت ورفضت بانشغال
جارف ، لا كما لو ان حياتي تتوقف عليها ، بل كما لو ان الحياة ذاتها لم تكن باي خطر ابدا .
وكالعادة ، عدت الى الزنزانة في وقت متاخر . ويكون الا بيشيك يسائـــل بقلق نفسه : هـــل سيقدر ان يعود ثانية ابدا ؟
ويعانقني واقص عليه باقتضاب اية اخـبـــار هناك ، من اعدم يوم امس في كوبيليسكي – وبعدهـــا نزدرد الخضار اليابسة
المقرفة ، ننشد بعض الاغنيـــــات الجذلة او نلعب بكأبة لعـــبـــة غبيـــة ونستغرق فيها كليا . ويقع ذلك في تلك الساعات من
الاماسي حيث يمكن ان ينفتح فيها باب زنزانتنا في اية لحظة وتطرق رسالة الموت احدنا :
انزل ! اجلب كل حوائجك ! بسرعة !
ولم يستدعونا تلك المرة . وكتبت لنا النجاة من تلك الفترة المرعبة . وها نحن اليوم نستعيد ذكراهـــا . مندهشين في مشاعرنا
ذاتها . ما أغرب تكوين الانسان وما اقدره ان يتحمل ما لا يمكن تحمله !
من المحال طبعا ان لا تترك مثل هذه اللحظات اثارها العميقة في مكان ما منا ربما كانت مطوية مثل بكرة فيلم الحياة الحقيقة
اذا قدر لنا ان نعيش حتى ذلك اليــــوم حديقة خضراء سيكون الامر اننا سنراها مجرد مقبرة واسعة . حديقة خضراء زرعوا
فيها بذور غالية . بذورا غالية ستنبت ذات يوم .


الــفـــصل الـسـابــع
شخــوص واشكـــال بـــانكــراك

للسجن حياتان . واحدة مغلقة داخل الزنزانات ، معزولة بقسوة عن العالم برمته ومع هذا فهي ترتبط به بأمتن الصلات الممكنة
حيثما كان هناك سجين سياسي . والاخرى خارج الزنزانات ، في الممرات الطويلة ، في شبه الظلمة القاتمة ، عالم قائم بذاته،
موحد واكثر عزلة من العالم داخله ، عالم في اشكال كثيرة وشخوص قليلة . وهذا ما اريد ان اكتب عنه
انه عالم يملك تاريخا طبيعيا وكذلك تاريخه الخاص . ولو لم يكن الامر كذلك لما استطعت ان اعرفه بهذا العمق . ولعرفت
فقط الكواليس المواجهـــة لنا بسطحها فقط ، المنسجم والــــراسخ في ظــاهـــرة ، ثقل حديــدي يضغط على نزلاء الزنزانة
وقد كان الامر على هذا النحو قبل عام مضى ، قبل نصف عام مضى . لكـــن السطح اليوم مليء . بالشروخ ووجوه تبصبص
مـــن خلالها – مسكينة ، رؤومة ، منهكة من الهم ، مضحكة ، متنوعة تماما ، لكنها تنتمي دوما الى الحياة الانسانية . ان ثقل
نظام السجن يضغط على كل فرد من افراد هذا العالم الافـــل ويعتصر في وضح النهار كل ما هو انساني فيه . احيانا هناك
القليل واحيانا هناك ما هو اكثر من ذلك بقليل – ان هذا المقدار يميزهم ويشكل منهم نماذج . وتجد بالطبع بعضا منهم حتى
بشرا حقيقين . لكن هؤلاء لم ينتظروا . – وهم لا يحتاجون الى لسعة الالم الممضة لكي يمدوا يد العون الى الاخرين ممن
يتالمون .
ان السجن مؤسسة مقبضة . لكن العالم خارج الزنزانات يثير انقباضاً اشد مما هو عليه في الزنزانات . في الزنزانات تعيش
الصداقة – واية صداقة ! تلــك الصداقة التي تولد في جبهة النضال ، في فترات الخطر الطويلة حيث يمكن ان تكون حياتك
اليوم في يدي وغدا حياتي في يدك . بين حراس هذا النظام الالمان هناك صداقة ضئيلة للغاية . وهي لا يمكن ان توجد .
فهم محاطون بجو الوشاة ، احدهم يتعقب الاخر ويكتب التقارير عنه . كل واحد حذر لنفسه ضد اولئك الذين يسميهم رسمياً
( الرفاق ) . وافضل من فيهم من لا يستطيع ولا يرغب ان يبقى دون صاحب فيبحث عنه في الزنزانات .
لفترة طويلة لم نعرفهم باسمائهم . ولم يكن هذا مهما . ففي ما بيننا كنا نسميهم باسماء الكنية التي اطلقناها عليهم او من سبقونا
والتي راحت تتناقل في الزنزانة . وكان للبعض كنى بقدر عدد الزنزانات : وهذا هو النمط الشائع . لا هو سمكة ولا هو
سرطان بحري ، فهو هنا يزيد من حصة الاكل ، وفي الزنزانة التالية يقوم يضرب معتقل في الوجه – ان لحظات لا غير
من الاحتكاك بالمعتقلين لكن هذه اللحظات تترك بصماتها التي لا تمحى في ذاكرة الزنزانة وتصنع صورة وحيدة الجانب
و كنية وحيدة الجانب . ومع هذا فان الزنزانات كلها تتفق على الكنى . في حالة اولئك الذين تكون شخصياتهم اكثر تحديداً
كهذا او ذاك طيب او شرير . انظروا الى هذه النماذج ! انظروا الى هذه الاشكال ! انهم لم يجمعوا معاً اعتباطا . انهم جزء من
جيش النازية السياسي . اناس منتقون . اعمدة للنظام وركائز لمجتمعه ....

الـــســـامـــري
رجل متين البنية طويل القامة ذو صوت واهن رفيع . هذا هو رهويس ( الا اس الاحتياط البواب السابق في احدى مدارس
كولون ) . ومثل كل بوابي المدارس الالمان دخل دورات في الاسعاف الاولية وكان ينوب احياناً عن الموظف الصحي للسجن
وهو اول من تعرفت عليه هنا . لقد سحبني داخل الزنزانة وسجاني على فراش القش ، وداوى جروحي ووضع اولى الكمادات
عليها . ربما ساعدني حقاً على انقاذ حياتي . فأي شيء كان ذلك : اتعبير عن كائن انساني ؟ ام دورة في الاسعاف الاولية ؟
لا ادري . ولكن كان من المؤكد ان النازية هي التي تجسدت فيه عندما حطم اسنان يهود معتقلين واغرمهم على ابتلاع ملء
ملعقة من الملح او الرمل على انه دواء شامل ضد كل انواع السقام .

الــشــمـــام
ثرثار طيب ، سمح الطبع ، عمل حوذيا في مصــانع البيرة في بوديجوغيس اسمه الحقيقي كان فابيان . كان يدخل الزنزانة
بابتسامة عريضة وهو يحمل الطعام ولم يسبب الاذى لاحد ابدا . ولن تصدق مطلقا انه كان يقف الساعات الطوال خلف الباب
يسترق السمع لما يدور في الزنزانة ليكون بوسعه ان يهرع الى السلطات حاملاً لها كل نتفة من الاخبار التافهة المضحكة .
كـــوكــلار
هو الاخر من عمال البيرة في بوديجوغيس . هناك عدد منهم هنا ، هؤلاء العمال الالمان من ارض السوديت . كتب ماركس
( ليس المهم هو ما يفكر به العامل او يقوم به ، بوصفه فرداً ، لكن المهم هو ما ينبغي على العمال كطبقة ان يقوموا به . من
اجل تحقيق مهمتهم التاريخية ) . وهؤلاء الذين هنا لا يعرفون اي شيء حقا عن مهمة طبقتهم . ولانهم سلخوا عنها ووضعوا
ضدها فانهم معلقون في الهواء ايديولوجيا ومن المرجح ان تكون اعمالهم كذلك تماما .
انضم الى النازية ليؤمن الى نفسه مورد رزق ايسر . فتبين له ان الامر اكثر تعقيدا مما تصور ومنذ ذلك الحين فقد ابتسامته
لقد راهن على انتصار النازية . فتبين له انه كان يراهن على حصان ميت . ومنذ ذلك الحين فقد اعصابه . اثناء الليل . وهو
يجوس ممرات السجن وحيداً بحذاء خفيف ، يترك فوق غبار مظلات النور اثار افكاره المقبضة .
كل شيء قد ضاع .
كتب هناك بشاعرية وهو يفكر بالانتحار .
في النهار يستحث المعتقلين والسجناء يصيح عليهم بصوت ثاقب مبهور لكي يتغلب على مخاوفه .

روســـلـــر
شخص نحيل طويل القامة ، ذو صوت جهير خشن . انه احد الاشخاص القلائل القادرين على ان يضحكوا بصدق . عامل
نسيج من ضواحي جابلونيك يلج الزنزانة ويضل يناقش – ساعات وساعات .
كيف تورطت في هذه الشغلة ؟ عشر سنوات وانا بدون عمل مناسب . عشرون كرونا في الاسبوع لعائلة باسرها – اتعرفون
معنى حياة كهذه ؟ ثم جاءوا وقالوا لي : تعال معنا وسنعطيك عملاً . ورحت معهم – واعطوني العمل انا وجميع الاخرين .
يمكننا ان ناكل يمكننا ان نحصل على اسباب الراحة . يمكننا ان نعيش . الاشتراكية ؟ حسنا انها ليست اشتراكية نعم . وقد
حسبت الامر سيكون مختلفاً . لكنه افضل من السابق .
ليس هذا صحيحاً ؟ الحرب ؟ انا ما اردت الحرب . انا ما اردت الناس الاخرين ان يموتوا . اردت ان اعيش لا غير . انا
ساعدت على اشعالها شئت ذلك ام ابيت ؟ وماذا سافعل الان ؟ هل انزلت الاذى باحد هنا ؟ لو اني ذهبت . سيحل اخر محلي
اسواء ربما . فهل اساعد احد بهذه الطريقة ؟ حين تضع الحرب اوزارها ساعود الى المصنع .. من الذي سيربح الحرب في
اعتقادكم ؟ ليس نحن ؟ انتم ؟ وماذا سيكون مصيرنا ؟ النهاية ؟ واأسفاه . تصورتها ستنتهي على غير ذلك .
ويغادر الزنزانة بخطوات واسعة لا مكترثة .
بعد نصف ساعة يعود يسأل عن حقيقة الوضع في الاتحاد السوفياتي .

( هذا )
ذات صباح كنا ننتظر تحت ، في الممر الرئيسي لبانكراك ، لكي يقتادونا الى التحقيق في قصر بيتشيك كل يوم كنا نقف هكذا،
جباهنا قريبة من الجدار ، لكي لا نرى ما يجري خلفنا . هذا الصباح ، على اية حال ، كان الصوت الذي رن خلفنا جديدا علي
--- اريد ان لا ارى شيئاً ، اريد ان لا اسمع شيئاً ! انتم لا تعرفوني ، لكنكم ستعروفني عاجلاً !
ضحكت . في الترويض هنا ، لدينا قول شائع مأخوذ عن ذلك المغفل البائس الملازم دوب في رواية ( الجندي الطيب شفيك )
يطابق واقع الحال تماما . وحتى اليوم ، لم يكن هناك من واتته الجرأة على رواية هذه النكته بهذا العلن . لكن لكزة ملحوظة
من جار اكثــــر خبرة حذرتني من الضحك – ربما كنت على خطاْ ، ولم يكن القصد من وراء ذلك المزاح . لم يكن نكتة .
كان الشيء الذي نطق بتلك الكلمات وراءنا مخلوقا ضئيلاً لا يلفت النظر ببزة الاس – اس والذي كـــــان واضحا انه لا
يعرف ابدا من هو شفيك هذا . لقد تكلم مثل الملازم دوب لانه كان تؤامه روحيا . ان اسمه فيثان ومثل فيثان كان له سجل
خدمة طويل كرقيب في الجيش التشيكوسلوفاكي . وكان ( هذا ) على حق . اذ اننا تعرفنا عليه على نحو جيد بعد اذن ولم
نتحدث عنه الا كنكرة : " هذا " وبصراحة كانت مخيلتنا المبتكرة قد نضبت عندما كان علينا ان نجد كنية مناسبة لهذا المزيج
الثري من التفاهة والبلادة والتبجح والفسق التي كانت الركائز الاساسية لنظام بانكراك .
انهم كعوب احذية ، كما يسمي ذلك ابناء الريف اولئك الوصوليين المتبجحين التافهين ، لتجريحهم في اكثر المواقع حساسية .
اية ضالة روحية تلك التي تجعل انسانا يتعذب من الضالة الجسدية ؟ ان فيثان يتعذب منها ويثأر لذلك من كل شيء اعظم منه
جسدياً او روحياً ، ومعنى هذا كل شيء .
وهو لا يثأر بضرب الناس . فهو لا يملك الجرأة الكافية لذلك بل بالوشاية بهم . فما اكثر المعتقلين الذين دفعوا صحتهم ثمنا
لوشاية فيثان . وما اكثر من دفعوا حياتهم ثمناً لذلك – فلم يكن نوع المحضر الذي يرافقك في بانكراك الى احدى معسكرات
الاعتقال ، امراً لا اهمية له ، هذا اذا قدر لك ان تخرج ابدا وانت على قيد الحياة .
انه مثير للضحك تماما . فهو يطير على طول الممر بوقار انفرادي ويحلم باهميته الكبيرة . وحال ان يصطدم بكائن بشري
تواتيه الحاجة ان يتسلق شيئاً ما . وحين يحقق معك ، يجلس فوق الحاجز ويبقى في هذا الوضع المتعب ، وحتى لساعة اذا
اقتضى الامر ، لانه اطول منك بشبر او يسير على طول المصطبة ويلقي جملته المأثورة :
--- اريد ان لا ارى شيئاً . اريد ان لا اسمع شيئاً ؟ انتم لا تعرفوني ...
اثناء نصف ساعة الرياضة الصباحية ، يتمشى فوق العشب الذي له بالاقل مزية رفعة عشر سنتيمترات اعلى مما يحيطه . يلج
الزنزانة بجلال ، مثـــل موكب ملكي وسرعان ما يصعد على كرسي ليتمكن من اداء مهمته التفتيشية من موقع مرتفع .
انه مثير للضحك تماماً ولكنه – مثل كل مغفل في جهاز حكومي ، تتخذ فيه القرارت المتعلقة بحياة الناس – في الوقت ذاته
بمنتهى الخطورة . وفي محدوديته يكمن امل ما : ان يصنع حــجـــلا من بعوضة . وهو لا يعرف شيئاً ابعد من مهمة كلب
الحراسة وهكذا فان اقل انحراف عن النظام المفروض ، امر خطير بالنسبة له ، يضاهي في خطورته اهميــــة مهنته . ان
يقبرك الاعتداءات والجرائم ضد نظام السجن ، لكي يتمكن من الاخلاد الى النوم مزهوا باعتقاده انه شخص مهم . ومن
الذي يفحص هنا كم من الصدق تنطوي عليه المعلومات التي يقدمها ؟


ســـمــبــتــونــز
رجل جبار البنية ذو وجه فارغ وعينان بلهاوان ، كأنه احدى كاريكاتيرات غروس عن رجال الصاعقة النازيين وقد بعثت
الى الحياة . عمل راعياً للبقر عند الحدود الليتوانية ، لكن اغرب شيء ان الحيوانات الجميلة التي كان يرعاها لم تترك عليه
اي اثر من قبلها ، تعتبره السلطات تجسيداً للفضائل الالمانية : فهو فطن ، صارم ، نزيه ( احد القلائل الذين لا يطلبون الطعام
من سجناء الخدمة ) ولكن ..
احد الباحثين الالمان ، ولا اتذكر اسمه ، حسب مرة ذكاء المخلوقات تبعاً لعدد ( الكلمات ) التي يستطيع تكوينها . وتوصل .
كما احسب ، الى ان اقل المخلوقات ذكاء هو القط البيتي الذي لا يستطيع ان يكون اكثر من 128 كلمة . اي عبقري هو هذا
القط مقارنة بسمبتونز . الذي ما سمعت بانكراك منه الا اربع كلمات لا غير :
---- انتبه انت يا هذا !
مرتان – ثلاث مرات اسبوعياً ترك واجبه ، مرتان ، ثلاث مرات اسبوعياً مرة باسواء تعذيب ممكن – وانتهى الامر دوماً
على نحو سيء . مرة رأيته يؤنب من قبل مدير السجن لان النوافذ كانت مغلقة . وللحــظة تدحرج جبل اللحم باضطراب –
على ساقيه القصيرتين ، والرأس المحني بغباء ينخف – اكثـــر فاكثر وقد تهدلت زاويتا فمه من جراء الجهد العنيف
لاستعادة ما سمعته الاذنان لتوهما .. وفجأة هدرت الكتلة برمتها مثل صافرة انذار ، مثيرة الهياج على طول .. الممر كله
ولم يفهم احد جلية الامر ، فالنوافذ ضلت موصدة – عدا الدماء التي كانت تنزف من انفي اثنين من المعتقلين ، ممن كانا
الاقرب الى سميتونز . لقد وجد الحل اخيراً .
وكان الامر ينتهي على هذا النحو كل مرة . ان يضرب الناس ، ان يضرب من يصادفه ، ان يضربهم واذا اقتضى الامر ،
يضربهم حتى الموت – كان يفهم هذا . وهذا وحده مره دخل زنزانة يشغلها عدد من المعتقلين وضرب احدهم . وسقط المعتقل
الذي كان رجلاً مريضاً واخذ يتلوى على الارض . وكان على الاخرين كلهم ان يركعوا وينهضوا على ايقاع التشنجات الى
ان سقط الرجل المريض من الاعياء تماما – وسميتونز يداه على ردفيه وابتسانة بلهاء على وجهه ، يتطلع بسرور الى الحل
الناجح الذي توصل اليه لهذا الوضع المعقد .
بدائي لا يتذكر الا امراً واحداً من كل ما تعلمه : ان بوسع الانسان ان يضرب . ومع ذلك ، فحتى في هذا المخلوق تحطم
شيئاً ما . وكان ذلك قبل شهر مضى . كان رجلان – هو وك – يجلسان في مكتب استقبال السجن وكان ك يتحدث عن الوضع
وقد دام الحديث وقتاً طويلاً – وقتا طويلا للغاية ، قبل ان تتوهج في ذهن سيمتونز اول ومضة فهم لشيء ما .
نهض وفتح باب المكتب والقى بصره بحذر على طول الممر : كان كل شيء هادئاً ، والوقت ليل والسجن يغط في النوم .
اغلق الباب ، واوصده بعناية خلفه وانهار على الكرسي ببطء .
--- اذا فانت تعتقد .. ؟
واسند رأسه براحتي يديه . وضغط ثقل هائل على تلك الروح الصغيرة في الجسد الجبار . وظل على هذه الحال وقتا طويلاً
ثم رفع رأسه وقال بيأس :
--- انت على حق . لن نستطيع الانتصار الان ..
ومنذ شهور وبانكراك لم تسمع صيحات الحرب التي كان سميتونز يطلقها . ولم يذق المعتقلون الجدد طعم يده .

مـــديـــر الــســجـــن
رجل اميل الى القصر ، انيق على الدوام ، بملابس مدنية او ببزته العسكرية ، باذخ ، متباه ، يهوى الكلاب والصيد والنساء-
هذا جانب واحد من الرجل ، وهو لا يخصنا . الجانب الاخر – وهو الجانب الذي تعرفه بانكراك عنه – نازي نموذجي ،
محدث نعمة ، جلف وفظ . على استعداد لان يضحي بالجميع للحفاظ على نفسه اسمه سوبا – ان كان للاسماء اي اهمية تذكر
واصله من بولندة . ويقال ان صنعته حداد ، لكن هذه الصنعة الشريفة مرة عليه ولم تترك فيه اي اثر . ودخل في خدمة هتلر
منذ وقت طويل ووصل الى مركزه الحالي بفضل طموحه الذي لا يكل . ودافع عنه بكل السبل الممكنة ، متوحش ولا يعرف
الرحمة ازاء الجميع ، سجناء كانوا ام موظفين ، اطفالا ام مسنين . ان المستخدميــــن النازيـــن في بانكراك لا تربطهم اي
صداقة ، ولكن ما من شخص هناك اشد عزلة من سوبـــــا . وقد يكون الشخص الوحيد الذي يقدره ويتحدث اليه غالبا هو
الموظف الصحي للسجن فيسنر . رغم ما يبدو من ان حتى هذه الصداقة غير متبادلة .
وهو لا يعرف الا نفسه . ولنفسه فقط حصل على هذا المركز الخطير ومن اجل نفسه سيبقى وفياً لهذا النظام حتى اللحظة
الاخيرة . وقد يكون هو الشخص الوحيد الذي لا يفكر باية وسيلة اخرى لانقاذ نفسه . فهو يعرف ان ليس هناك من سبيل
اخر . ان انهيار النازية هو انهياره ، خاتمة حياته الموسرة ، وشقته الفارهة ، نهاية اناقته ( التي لا يخجل في سبيلها من
ارتداء ملابس التشيكيين الذين يعدمون ) . هذه هي النهاية . اجل .

الــمــوظــف الصــحي لـلـســجــن
عريف الشرطة فيسنر – من الاشكال الغريبة الاطوار في وسط بانكراك . احيانا يبدو لك وكانه لا ينتمي الى هذا الوسط ابدا
واحيانا اخرى لا يمكنك حتى ان تتصور بانكراك من دونه . واذا لم يكن في غرفة التمريض ، فهو يجوس على طول
الممرات بخطوات صغيرة ، متمايلة ، يحدث نفسه ويراقب الامور طيلة الوقت ، طيلة الوقت . ومثل غريب لم يأت هنا
الا لوقت قصير ويريد ان يحمل معه اكثر ما يمكن من الانطباعات . ولكنه يعرف حق المعرفة كيف يضع مفتاحه في
الباب ويفتح الزنزانة بسرعة وهدوء ، مثل ابرع السجانين .
وهو يملك روح للنكتة جافة تسمح له ان ينطق باشياء مليئة بالمعاني الخفية دون ان تلزمه باي شيء في ذات الوقت ويصعب
مؤاخذتــــه على كلامه . وهو يحاول التقرب من الناس لكنه لا يسمح لاي احد من الاقتراب منه . لا يشي باحد ، رغم انه
يرى الشيء الكثير . يلج زنزانة تكتض بالدخان . فيتنشق بصوت عال :
--- احم – ويتمطق بشفته – التدخيـــن في الزنزانات ممنوع منعا باتا – ويتمطق ثانية . لكنه لا يرفع اي شكوى ضدنا .
وجهه مدلهم وغير سعيد باستمرار كأنه ينوء بثقل هم كبير . واضح انه غير راغب بان يكون له اي شيء مشترك مع النظام
الذي يخدمه والذي يطبب ضحاياه كل يوم . انه لا يؤمن به ، ولا يؤمن ان مثل هذا النظام سيبقى وانه لم يؤمن به ابدا حتى في
الماضي . ولهذا السبب لم ينقل عائلته من براتسلافا الى براغ ، رغم ان قلة من موظفي الرايخ يدع فرصة الاثراء في بلد
محتل تفلت من يده . وهو عاجز بنفس القدر على ان تكون له اية صلة مشتركة باولئك الذين يناضلون ضد هذا النظام :
فهو لم يصبح بعد في صف واحد مع الناس .
كان مندفعاً ومدفقا في عنايته لي . وهـــو على هذا النحو في غالب الاحيان وبوسعه ان يمنع بعناد اقتياد المعتقلين الى التحقيق
ممن تعرضوا الى التعذيب المضني . قد يكون ذلك لاسكات ضميــــره . وفي مرات اخرى ، يرفض مع ذلك ان يقدم العون
وقت ان تكون هناك حاجة ماسة اليه . وقد يكون ذلك حين يتملكه الخوف .
انه نموذج للانسان الضئيل . وحيدا ، بين الخوف الذي يتحكم فيه والخوف مما هو ات . وهو يبحث عن مخرج . ولا يجد
واحدا انه ليس جرذا . بل فأرة ضئيلة وقعت في مصيدة .
من دون امل .



( فـــليـــنــك )
هذا الرجل لم يعد مجرد شكل من الاشكال . ولكنه لم يصبح بعد شخصا حقيقيا . حالة انتقالية ما بين الاثنين . انه يفتقر الى
الوعي الواضح الذي يمكن ان يصنع منه شخصاً .
هناك في الواقع اثنان من هذا الصنف . انسانين بسيطين ، حساسين ، سلبيين في البدء ، تثير دهشتهما فقط الاهوال التي وجدا
نفسيهما فيها ، ليتوقا بعدها الى البحث عن المعونة منهم وجدا الخلاص ، في المكان الصحيح ، وجداه بالغريزة لا بالمعرفة .
وهما يبديان لك المساعدة لانهما ينتظران منـــــك الشيء ذاته . ومن الصواب مساعدتهمـــــا . سواء الان – ام في المستقبل
هذا الاثنان – الوحيدان من بين كل الموظفين الالمان في بانكراك – كانا في الجبهة ايضا . هانوار ، مساعد خياط من
زنوجمو ، عاد بـعـــد فترة وجيزة في الجبهة الشرقية بقضمة الصقيـــع – في نفسه . يتفلسف قليلاً على طريقة شفيك
" الحرب ليست للناس . ولا مكان لي هناك . "
هوفر ، اسكافي مرح من مصانغ باتا ، شارك في الحملة على فرنسا وهرب من الجيش ، رغم انهم وعدوه بترقية ،
( الى جهنم ) يقول وهو يحرك يده باشارة احتقار ، مثلما يفعل ذلك وربما منذ ذلك الوقت ازاء كل همومه الصغيرة ، التي
يملك منـــهــا الكثير . يشبه احدهما الاخر ، سواء في المصير او الشخصية . لكن هوفر اقل جبناً واوضح تعبيراً واكثر
نضجاً . ( فلينك ) – تكاد الزنزانات كلها تتفق على هذه الكنية التي اطلقت عليه .
واليوم الذي يكون فيه في الواجب هو يوم سلام في الزنزانات . فانت تفعل ما تشاء . واذا صرخ ، يغمز بعينيه ليريك انه لا
يقصدك ، فالامر يتعلـــــق بالسلطات هناك في الطابق الارضي التي ينبغي ان تقنع انه يبدي الفطنة المطلوبة . لكنه جهد لا
طائل من ورائه ، على اية حال فهو لا يقنع احدا ولا يمر اسبوع واحد الا وفرض عليه واجب اضافي ، بمثابة عقوبة له .
( الى جهنم ! ) يلوح بيده احتقارا ويواصل عمله بنفس الطريقة القديمة . انه ما يزال اقرب الى مساعد اسكافي يافع خلي البال
منه الى سجان . ويمكنك ان تراه مع المعتقلين في الزنزانة ، يلعب بقطع النقد على الجدار بفرح طاغ . وفي بعض الاحيان
يخرج المعتقلين الى الممر ويقوم بحملة ( تفتيش ) . ويستغــــرق التفتيش وقتاً طويلاً . واذا كنت شديد الفضول ، فانك تسترق
النظر الى داخل الزنزانة وتراه عند الطاولة رأسه فوق مرفقيه ، نائما بنشوة فرحة وطمأنينة . فهنا يجد افضل حماية من
رؤسائه ، لان السجناء في الممر يقومون بالحراسة ويبلغون عن اي خطر وشيك . انه يريد على الاقل ان ينام اثناء الواجب .
طالـمــــا كـــان النوم اثناء ساعات الراحة يطرده تفكيره بالفتيات الاتي يحبهن ، فوق اي شيء اخر . هزيمة ام انتصار
النازية ؟ - الى جهنم ! كيف يمكن لمثل هــــذا السيرك ان يدوم ؟ لا يعتبر نفسه جزءا منه . وهذا وحده يجعل منه شخصا
باعثا على الاهتمام . ولكن ما هو اكثر من ذلك : انه لا يريد ان ينتمي اليه وهو لا ينتمي اليه حقا . هـــل لديك رسالة سرية
تبعث بها الى قسم اخــــر من السجن ؟ ( فلينك ) يوصلها . هــــل انت بحاجة الى ان تبعث برسالة الى الخارج ؟ ( فلينك)
سيسلمهـــا . هل انت بحاجة الى مناقشة امر ما مع شخص ما ، لتقنعه شخصيا وتنقذ بهذا اناسا اخرين ؟ ( فلينك ) ياخذك الى
زنزانته ويقف في الحراسة – مع شيء من الفرح الماكر ينتابه لانه قام بعمل ناجح . غالبا ما يكون عليك ان تحذره ان يكون
منتبها . فحين يكون في قلــــــب الخطر فانه قليل الانتباه له . وهو لا يدرك الاهمية الكاملة للخير الذي يفعله ، وهذا ما يسهل
عليه القيام بالمزيد ، ولكنه يقف عقبة بوجه تطوره .
انه ليس بشرا بعد ، ولكنه في طريقه الى ذلك .
كان ذلك ذات مساء اثناء الاحكام العرفية . لقد
" كـــــولـــــن "
قام السجان ببزة الاس – اس والـــــذي اقتادني الى زنزانتي ، بمجرد تفتيش ظاهري في جيوبي .
--- لا اعرف . اخبروني اني سـأعدم غدا .
--- هل يخيفك ذلك ؟
--- سألني بهدوء – ما هي قصتك ؟
--- لقد حسبت حساب ذلك .
وللحظة مرر اصابعه بشـكـــل ميكانيكي على ياقة معطفي .
--- قد يفعــلــــون ذلك . ليس غدا ربمـــا ، ربمـــا بعد ذلك ، ربما لن يفعلوا ذلك ابدا . ولكن في اوقات كهذه ... من
المستحسن ان يكون المرء مستعدا .. ومرة اخرى ران الصمت عليه .
--- ولكن اذا اردت ... الا تريد ان تبعث برسالة الى احد ما ؟ او : الا تريد ان تكتب ؟ لا للحاضر . انت تفهم ، انما
للمستقبل كيف قدر لك ان تأتي هنا ، هل اعترف عليك احد ، كيف كانت مواقف الاخرين .. وهكذا فان ما تعرفه لن يموت
معك ... هـل اريــــد انا ان اكتب ؟ كأنما كان قد حزر اخر رغبة تساورني .
بعد لحظة ، عاد بقلم وورق . واخفيتهما بعناية ، لكي لا تكتشف خلال التفتيش لكنني لم المسها ابدا .
كان الامر رائعا لدرجة ان شككت به . رائع اكثر مما ينبغي . هنا ، في بيت الظلام هــــــذا وبعد اسابيع قليلة من اعتقالي ،
تعثر على كائن انساني ببزة اولئك الذين لا يضمرون لك الا الصراخ والضرب ، تعثر على صديق .. ليمد يده اليك لكي لا
تموت جون ان تترك اثرا ، يساعدك على ان تبعث بكلمة لمن سيأتون بعدك . يمكنك ان تتحدث حتى ولو للحظة ، الى اولئك
الذين ستكتب النجاة لهم ويواصلون الحياة . الان بالذات ، لا في اي وقت اخر ! في الممرات ، وقد اسكرتهم الدماء ، كانوا
ينادون على اسماء المحكومين بالاعدام ، بصرخات فظة والرعب يأخذ بخناق اولئك الذين كانوا عاجزين عن الصراخ الان
بالذات ، لا في اي وقت اخر ، في لحظة كهذه – لا . انه شيء لا يصدق ، ولا يمكن ان يكون حقيقيا ، ولا بد ان يكون فخا لا
غير . اية قوة على الانسان ان يملكها لكي يمد لك يده ، من تلقاء نفسه وفي ظروف مثل هذه ! واية جرأة هذه !
ومر ما يقرب من شهر . وانتهت الاحكام العرفية . ذوت الصيحات ، وتحولت اللحظات المروعة الى ذكرى ومرة اخرى كان
الوقت مساء وكنت قد عدت لتوي من التحقيق . ومرة اخرى كان السجان نفسه يقف خارج الزنزانة .
--- يبدو انك نجوت ، هل –
وتطلع الي متسائلا :
--- هل سار كل شيء على ما يرام ؟
فهمت السؤال جيدا ، واثر عـــلـــي ذلك بعمق . ولكنه اقنعني اكثر من اي شيء اخـــر بأمانته . فمثل هذا السؤال لا يمكن ان
يسأله الا رجل يمتلك الحق الضمني بتوجيهه واوليته ثقتي منذ تلك اللحظة . لـقـــد كان رجلنا .
لاول وهلة ، يبدو شخصا غامضا . كـــان يقطع الممرات وحيداً ، هادئاً ، مغلقـــا داخل نفسه ، يقظاً ، مترصداً . انت لم
تسمعه يصرخ ابدا . ولم يضرب احدا ابدا . الرفاق في الزنزانة المجاورة طلبوا منــــه مرة ( اضربنا احيانا حين يكون
سيمتونز موجودا ، لكي يراك وانت تعمل ولو مرة واحد على الاقل ) .
وهز رأسه :
--- لا حاجة لذلك .
انك لا تسمعه يتحدث الا بالتشيكية . وكل شيء فيه يؤكد لك اختلافه عن الاخرين .
ولكنك ستجد من الصعب عليك معرفة سبب ذلك . وكانوا هم يشعرون بذلك انفسهم ، ولكنهم كانوا عاجزين عن فهم هذا
الاختلاف .
وهو موجود حيثما كانت هناك حاجه له . ينشر الطمأنينة حيثما سادت الفوضى ، يبث العزيمة حيثما تخـــاذلت النفوس .
يوجد حيثما كانت الخيوط المقطوعة تهدد اناسا جدد خارج السجن . وهو لا يضيع نفسه في الامور الصغيرة ، بل يعمل بعقلية
منظمة وعلى نطاق واسع .
وليس هذا ابن اللحظة . بل منذ البدايات الاولى . وبالهدف ذاته انخرط في خدمة النازيــــة . انه ادولف كولينسكي – سجان
تشيكي مـــــن مورافيا من عائلة تشيكية عريقة ، سجل نفسه كالماني ليكـــون بوسعه ان يصل الى هراديك كرالوفي ويقــوم
بحراسة السجناء التشيكيين لينتقل بعدئذ الى بانكراك ! ولا بد ان مثل هذا الامر قد اثار مرارة كبيرة بين اولئك الذين يعرفونه
ولكن بعد اربع سنوات ، يرسل مدير السجن الالماني يطلبه ويلوح قبضته بوجهه ويهدده – ولــكـــن بعد فوات الاوان :
--- سانتزع روحك التشيكية من بدنك !
ولكنه مخطــــئ . فليس الامــــر مــجرد روحه التشيكية . اذ ان عليه ان ينتزع منه الانسان الذي فيه ، الانسان الذي راح قدما
بوعــي وارادة الى مكانه الصحيح لكي يناضل ويدعم النضال ، والذي لم ترده المخاطر المستمرة هنا الا صلابة .

خـــاصــتــنـــا
لوانهم صباح 11 شباط 1243 قدموا لنا للافطار الكاكاو بدلا مــــن ذلك المزيج المــغـــلي الاسود المعتاد المصنوع لا ادري
من اي شيء ، لما كنا لاحظنا هذه الاعجوبة . لاننا هذا الصباح لمحنا لحظة بزة شرطي تشيكي تمر من امام باب زنزانتنا .
مجرد لمحة خاطفة . خطوة واحدة لسروال اسود في جزمة طويلة ، يد بكم ازرق غامق ترتفع الى القفل وتسحب الباب – ثم
تلاشت الرؤية . كانت لمحة قصيرة للغاية حتى اننا بعد ربع ساعة كنا عــــلى استعداد لان ننكر ذلك .
شرطي تشيكي في بانكراك ! اية استنتاجات خطيرة يمكن استخلاصها من ذلك ! وفي غضون ساعتين كنا قد توصلنا اليها .
وانفتح باب الزنزانة ثانية ، واطلت قبعة شرطي تشيكي الى الداخـــــل وهتف فم كشف عن ابتسامة عريضة من دهشتنا –
ساعة من النزهة . لا يمكن ان نكون مخطئين بعد الان . فقد بدأت بقع داكنة – بدت لنا تشع ضوءا ، تظهر وسط البزات
الرمادية الحديدية لسجاني الاس – اس في الممرات : الشرطة التشيكيين . ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لنا ؟ وعلى اية شاكلة
سيكونون ؟ كيفما سيكونــــون فان مجرد وجودهم هنا له دلالة واضحـــة . كيف يسرع هذا النظام الى نهايته ، اذا كان في
اخطر مواقعـــه ، في الدعامة الوحيدة التي يملكها ، جهازه القمعي ، اصبح عليه ان يستخدم اناسا من الشعب الـــذي يريد ان
يضطهده ! وأي نقص مروع في البشر يعانيـــه اذا كان يضعف حتى ملاذه الاخير هذا . من اجل الحصول على حفنة افراد !
كم من الوقت يعتقد انه سيدوم بعد هذا ؟
انهم مطمئنون ، بطبيعة الحال ، الى ان هؤلاء قد يتم اختيارهم بصورة خاصة . وربما كانوا اسوأ حتى من السجانين الالمان ،
الذين تأكلوا بفعل العادة وانعدام اليقين بالنصر . لكن مجرد واقع كونهم هنا علامة لا تدحض النهـــايـــة .
هكذا رحنا نفكر .
الا انه كان هناك اكثر ممـــا سمحنا لانفسنا ان نفكر فيه . فالنظام لم يعد بعد قادرا حتى على الاختيار ، لم يعد لديه اي شيء
يوفر له الاختيار .
في 11 شباط رأينا البزات التشيكية لاول مرة . وفي اليوم التالي بدأنا نتعرف عليهم كأناس .
لقد قدم واطل في الزنزانة ـ نقل قدميه بشيء من الحيرة على عتبة الزنزانة ومن ثم اي غلام يافع تملؤه نزوة النشاط في
اللحظة التي يبدأ فيها القفز على اربعة قال بجرأة مفاجئة :
--- حسناً يا سادة ، كيف هي الدنيا ؟
واجبناه بابتسامة . ورد الابتسامة بأخرى ومن ثم بدت الحيرة عليه ثانية :
--- لا تظنوا السوء بنا . صدقوني ، كنا نفضل ان نبقى نتسكـــــع في الشوارع ولا نقف حراسا عليكم هنا . لكنهم ارغمونا
على المجيء . ولكن رب .. رب ضارة نافعة .. وسر عندما اخبرناه بما نعتقده بشأن ذلك وما هو رأينا فيهم . وهكذا اصبحنا
اصدقاء منذ اول لحظة . كان اسمه فيتك ، امرء بسيط . طيب القلب وكان هو اول من مر من امام باب زنزانتنا ذلك الصباح .
الثاني وهو توما . كان النموذج الحقيقي للسجان التشيكي القديم – متجهم ، صخاب ، ولكــــنــه طيب الاعماق ، ومن ذلك
الصنف الذي اعتدنـــا ان ندعوه في سجون ما قبل العهد الجمهوري ( العصا الهرمة ) . لم يشعر بأي استغراب من عمله
الجديد . على العكس بدا على الفور وكأنه في بيته . وكان يحافظ على النظام بطريقته الخاصة ، بنكاته الخشنة دوما ، وبذات
الطريقة التي كان يخرق بها هذا النظــــام : فهنا يقوم بتهريب الخبز الى زنزانة ، وهنا سيجارة ، وهناك يستغرق في حوار
ممتع في اي موضوع ( الا الوضع السياسي ) . وهو يقوم بذلك بفعل العادة ، فقد كان هذا هو تصوره لواجب السجان وما كان
ليخفي ذلك . وكان اول توبيخ يتلقاه حافزا له ليكون اكثر حذرا ، الا انه لم يبدل فيه شيئا . فقد بقي تلك العصا الهرمة الطيبـــة
لا يمكن للمرء ان يتجرأ ويطلب منه القيام بعمل كبير . الا ان بوسعك ان تتنفس بحرية حين يكون هناك الثالث ، جاء يحوم
حول الزنزانات مقطبا ، صموتا ، دون اكتراث ، ولم تعط المحاولات الحذرة للاحتكاك به اية نتيجة .
وابدى الاب ملاحظة بعد اسبوع من المراقبة – لم يحالفنا الحظ حتى الان . انه اكثر الثلاثة خذلانا لنا .
--- او اكثرهم فطنة .
امنت على قولـــه ، بشيء من المعارضــــة على الارجح . لان رأيين في الامور الثانوية هي توابل الحياة في زنزانة .
بعد اسبوعين . بدا لي ان هذا الكائن الصموت قد غمز بعينيه بحيوية اكبر لحد ما ... ورددت على هذه الحركة الملتبسة
التي لها في السجن الف معنى ، ولكن دون جواب . لا بد انني كنت واهما .
ولكن كل شيء اتضح في غضون شهر . وحدث الامر فجأة . مثلما تنبثق فراشة مـــــن الشرنقة . فقد انفجرت الشرنقة –
وظهر كائن حــــــي . ولكنه لم يكن فراشة . بل كائـنا انسانيا .
--- انت تقيم نصبا ..
كان الاب يردد على ذلــــك بخصوص سكيتشات الشخصيات التي كنت اكتبها .
اجل لقد اردت ان لا تنسى ذكرى هؤلاء الرفاق الذين ناضلوا بتفان واقدام ، خارج السجن وفيه ودفعوا حياتهم ثمنا . ولكن
اردت كذلــــك ان لا تنسى ذكرى الاحياء الذين ساعدونا بوفاء لا يقل عن ذلك وبجرأة لا تقل عن ذلك في اقسى الظروف .
اريد اشخاصا من مثل كولينسكي وهذا الشرطي التشيكي – ان يظهروا من ظلمة ممرات بانكراك الى نور الحياة . لا من اجل
مجدهم الشخصي ، بل كقدوة للاخــــريـــن . فالواجبات الانسانية لا تنتهي عند حدود هذا النضال . فكون المرء انسانا ،
يتطلب منه لى على الدوام روحا مفعمة بالبطولــــة حتى ذلك الوقت الــــذي يصبح فيه كـــل الناس بشرا حقيقيين .
وهذه في الواقع مجرد قصة مقتضبة عن عريف الشرطة ياروسلاف هورا ، ولكنك ستجد فيها تاريخ انسان حقيقي .
رادينسكو . بقعة نائية في هـــــذا العالم . ريف جميل . كئيب وفقير . والده خزاف . حياة قاسية . كدح طاحن حين يكون هناك
عمل وفاقـــه وقت البـطـالـــة ، التي تستوطن المكان . وحياة كهذه تضطر المرء اما الى ان يركع او يرفع رأسه ويتطلع الى
عالم افضل ، الايمان به والنضال في سبيله . واختار والده السبيل الثاني واصبح شيوعيا .
كان الفتى يارو بين راكبي الدراجـــات البخارية في موكب الاول من ايار ، يربط شريطــــا احمر حول اطارات دراجته . ولم
يتركه هناك . فقد حمله معه ، لا يدري بالضبط اين ، ولكنه كان في مكان ما من اعماقه ، حين ذهب يتدرب في ورشة
الخراطة ، في اول عمل حصل عليه في مصانع شكودا .
الازمة ، البطالة ، الحرب ، الامل بالحصول على عمل الخدمة في الشرطة . لا ادري بأي شكــــل كان الشريط الاحمر يعمل
في داخله انذاك ، ربما كان مطويا في مكان ما ، موضوعا عــــلى الرف او ربما كان حتى نصف منسي . لكنه لم يضع .
ذات يوم جاءوا به للخدمة في بانكراك . وهــــو لم يأت مـــــن تلـقاء نفسه ، مثل كولينسكي ، وقد صمم على القيام بمهمة ما
سلفا . لكنه سرعان ما ادرك مهمته منذ اول وهلة اطل فيـهــــا داخل زنزانة . لقد انفتح الشريط في اعماقه .
يفتش الميدان يقدر قواه ، وقـــد ارتسمت على قسماته المدلهمة امارات التفكيــــر العنيد بالمكان الذي ينطلق منه في عمله
وافضـــــــلأ سبيــــل لذلــك . انه ليس سياسيا . فهو واحد من ابنــــاء الشعب البسطاء لكنه يملك خبرة والده . يملــك نواة
صلبة يراكم حولها اصراره . فيقرر . ومن الشرنقة الغائـمــــة ينفلق كـائـن انساني .
وهو انسان رائع مـــن الداخل ، ذو نقاء نادر احساسي . خجول ، ولكنه رجولي في الوقت ذاته ، ينفذ كل ما هو ضرورة ،
مهما كانت المخاطر التي تنطوي عليها . الاشياء الصغيرة والكبيرة مهمة على حد سواء . وهو ينفذ المهمات الصغيرة
والمهمـــــات الكبيرة ويعمل بتكتم وهدوء وحكمة ، ولكن من دون وجل . وهو يؤدي ذلك على نحو طبيعي ، بفضل روح
المبادءة النموذجية التي يتحلى بها ؟ ولا بد ان الامر كذلك حقا – اذن فما جدوى الكلام عنه ؟
هذا هو في الواقع كل شيء . هـــذه هي القصة الكاملة لحد البشر ممن يستطيع اليــــوم ان يفخر بأنه انقذ العديد مــــن
الحيوات الانسانية . وهؤلاء الناس يعيشون ويعملون خارج السجن لان انسانا واحدا في بانكراك نفذ واجبه ككائن بشري .
انهم لا يعرفوه وهو لا يعرفهم ، تماما مثلما لا يعرفون كولينسكي . واود انا ان يعرفوا بعضهم البعض فيما بعد على الاقل .
لقد وجد هذان الاثنان هنا الطريق الى احدهما الاخر بسرعة . وضاعف هذا من منفعتهما . تذكروهم كقدوة ، قدوة للكائن
الانساني الذي يضع فكره اولا وقبل كل شيء ضميره ، في الموضع الصحيح .

الاب ســكــوريــبــا
لو صادفتهم ثلاثتهم معـــا ، لرأيت صورة حية للاخوة : البزة الرمادية – الحديدية لسجان الاس – اس – كولينسكي ، بزة
الشرطي التشيكي الغامقة – هورا والبزة الفاتحة والمقبضة معـــــا لسجين الخدمة الاب سكوريبا . لكنك لا تراهم معا الا نادرا
نادرا جدا ، لنفس السبب الوجيه وهو ان الواحد ملك للاخر ؟
تسمح انظمة السجن فقط للسجناء الموثوق بهم ، ذوي الانضباط ، المنعزلين عن الاخرين تماما بالعمل في الممرات ، في
ادامة نظافة المكان وتوزيع الطعام .
هذا هو نص القانون ، نص ميت ، مجهض ويرثى له ، ذلك ان سجناء خدمة من هذا النوع غير موجودين ولم يجدوا ابدا
وخاصة في سجن الجستابو . وعلى العكس فان سجناء الخدمة هنا هم مجسات تمدها من الزنزانات منظمة السجن لتضعها
قريبا من العالم خارج السجن وتمكنها ان تعيش وتتصل بمن هــــم على صلة بها في الخارج . وما اكثر سجناء الخدمة الذين
دفعوا حياتهم ثمنا لتعليمات تم كشفها او رسالة سرية ضبطت لديهم . لكن قانون الحياة الجماعية للسجن لا يتساهل ازاء اولئك
الذين تطلب منهم مواصلة عمل الذين سقطوا رغم المخاطر التي تحيق بهم . عليك اما ان تندفع بجرأة او تتردد وجلا – ولكنك
في الحالتين معا لن تفلت منها. بوسعك فقط ان تفسد الكثير جراء الخوف وقد تخسر حتى كل شيء تماما كما في كل اشكال
العمل السري . وهذا ايضا عمل سري مرفوع الى اقصى درجات الخطورة : فهو بين ايدي من يريدون تدميــــره مباشرة
وامام اعين السجانين ، في المكان الذي يحددونه . في اللحظات التي يختارونها وفي الظروف التي يخلقونها . وكل ما تعلمته
خارج السجن ، ضئيل القيمة هنا . وان كان لا يتطلب منك اقل منه .
هناك اساتذة في العمل السري خارج السجن . وهناك اساتذة في العمل نفسه بين سجناء الخدمة . ان الاب سكوريبا استاذ من
هذا النوع . متواضع ، بسيط ، هادئ المظهر ، لكنه حرك مثـــل سمكة . السجانون يثنون عليه : انظروا اليه كيف يتفصد
عرقا . اي رجل امين هو ، ينصرف الى اداء واجباته لا غير ولا تسول له نفسه القيام بما هو ممنوع . عــــلى سجناء الخدمة
ان يتخذوه قدوة !
اجل ، على سجناء الخدمة ان يتخذوه قدوة ! انه قدوة حقا لسجين الخدمة بالمعنى الذي يفهمه السجين . انه اجرأ مجس في
منظمة السجن وارهفها . انه يعرف نزلاء الزنزانات ، كل نزيل جديد من اول وهلة ، سبب وجوده هنا ، بمن يتصـــل ،
طباعه وطباع من يسكن بينهم . وهو يدرس ( الحالات ) ويحاول الكشف عن اسرارها . وهذا مهم اذا كان عليه ان يقدم
المشورة وينقل الرسائل دون خطأ . انه يعرف العدو ويراقب بانتبــــاه كل سجان ، اطواره ، جوانب الضعف والقوة فيه ،
من اي ناحية ينبغي الحذر منه بصورة خاصة ، كيف يمكن الانتفاع منه ، كيف يمكن تخدير يقظته وتضليله . ان الكثير من
الشخصيات المتميزة التي كتبتها انما كان الاب سكوريبا هو الذي ابداها في الاصل . فهو يعــــرف الجميع هنا وبوسعه ان
يرسم تخطيطا لشخصية كل واحد منهم على حدة . وهذا مهم اذا كان عليـــه ان يؤمن لنفسه حرية التحرك في الممرات
والمقدرة المضمونة على العمل بكفاءة . وهو قبل كل شيء يعرف واجبـــه . انه شيوعي يدرك انه لا يوجد هناك مكان يمكن
فيه لــــه ان يكف عن كونه شيوعيا ، يطوي ذراعيه و ( يتوقف عن العمل ) . وبوسعي حتى ان اقول انه هنا ، حيث الخطر
في ذروته والاضطهاد في ذروته ، وجد مكانـــه الحقيقي . هنا تطور حد النضج .
وهو مرن . ففي كل يوم وكل ساعة تنشأ اوضاع جديدة ، تتطلب اساليب جديدة . وهـــــو يجدها بذكاء وسرعة ، وليس امامه
الا ثوان معدودات . وهو يطرق باب الزنزانة ، يصغي الى رسالة معدة ثم يوصلها بدقة ووضوح الى الطرف الاخر من
الممر ، قبل ان تنزل دورية اخرى من الاعلى الى الطابق الاول . انه حذر ، يتمتع بحضور بديهة لا نظير لها . لقد مرت من
يديه مئات الرسائل السرية ، ثم لــــم تكتشف واحدة منها ، ولا اثارت حتى اي شك . وهو يعرف اين وكيف تدوس الجزمة
واين ينبغي بث العزيمة ، ومتى يجب تقديم تقرير دقيق عن الوضع خارج الزنزانات ومتى تستطيع نظرته الابوية الصادقة
ان تمنح القوة انسانا يوشك ان ينهار من اليأس واين يمكن بقليل من الخبز الاضافي او مغرفة للحساء ان توقف الوضع
الصعب تماما لــــ ( مجاعة السجن ) وهو يعرف هذا ويدركه برهافة حسه الرائعة وخبرته العميقة ويتصرف على هدى ذلك.
انه مناضل قوي لا يعرف الوجل . انسان لا تشوبه شائبة . هذا هو الاب سكوريبا . اود منك يا من ستقرأ هذا ذات يوم ، ان
ترى فيه لا الا سكوريبا وحده ، بل ذلك النموذج الرائع كله لسجناء الخدمة الذي كان قادرا على تحويل العمل ، الذي كان
المضطهدون يرغمون عليه من اجل مصالحهم ، الى مصلحة المضطهديـــن ( بفتح الهاء ) كليـــة ، ان الاب سكوريبا رجــل
متفرد ، لكن نموذجه موجود عند مختلف الناس . بشر ذوو خصائص بشرية متباينة ، لكنها لا تقــــل عظمة عــــن ذلك ، في
بانكراك وقصر بيتشيك على حد سواء . بودي لو رسمت لوحاتهم العديدة . لكـــــن وأسفاه ، فلم يبق امامي الا ساعات قليلة
قليـــلـــة . لا تكفي حتى ( للاغنية التي انشدت باقتضاب وجيز رغم حياتنا التي نحياها طويلاً ) . على الاقل ، اذن ، قليل من
الاسماء ، وبعض الامثلة وهي ابعد من ان تكون ، بالتأكيد ، كل مــــن ينبغي علينا نا نتذكرهم :
الدكتور ميلوش نيدفيد ، انسان رائع ، نبيل ، دفع حياته ثمنا في اوشفيتز للعون الذي كــــان يقدمه لرفاقه السجناء يوميا .
ارنوست لورينز ، الذي اعدمت زوجته لانه رفض ان يخون رفاقه والذي اعدم ايضا بــعـــــد عام واحد . وضحى بنفسه من
اجل ان ينقذ رفاقــــه المناضلين في غرفة 400 والمنظمة كلها .
فاسيك الرائع ، ذو البديهة الحاضرة الذي لا يغلب وانكا فيكوفا الانطوائية ، المفعمة بنكران الذات والتي اعـــدمت اثنــــاء
الاحـكـــــام العــرفـــيـــة ، سبرنغر ( امين المكتبة ) الدائم المرح ، الحاذق ، ذي العقل الذي لا يكل في ابتكار اساليب جديدة ،
وبيليك الفتى الرفيق الممتلىء حيوية ...
مجرد امثلة ، مجرد امثلة لاشخاص بهذا القدر او ذاك . لكنهم اشخاص على الدوام ، لا مجرد اشكال .










الــفــــصــــل الـــثــامـــن
شيء من التاريخ
9 حزيران 1943
امـــام زنزانتي يتدلى حـــزام . حزامي . اشارة الرحيل . الليلة ينقلوني الى الرايخ لمحاكمتي وما اشبه . ان الزمن ينهش
بجوع كاسر اخر شريحة مـــن حياتي القصيرة . لقد مضت اربعمائة واحــــد عشر يوما في بانكراك بسرعة غير مفهومة
كم من الايام بقيت لي ؟ واين ؟ واي منها بقت
لن تتاح لي الفرصة بعد للكتابة . وهكذا اذن ، فهذه اخر افادة ادلى بها . شيء من التاريخ . لا ريب اني اشاهد العيان الاخير
عليه .
في شباط 1931 . اعتقلت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي كلها ، بما في ذلـــــك القيادة الاحتياطية التي اعدت لمثل هذه
اللحظات الشريرة . وحتى الان لم يتضح تماما كيف امكن ان تنزل مثـــــــل هذه الضربة القاسية المروعة بالحزب . ربما
سيسلط ضباط الجستابو ذات يوم الضوء على هذه المسألة عندما يجري التحقيق معهم في المستقبل . وقد ذهبت كل جهودي
لمعرفة حقيقة الامر ادراج الرياح ، حتى عندما كنت واحـــدا من سجناء الخدمة . ان جانبا من القضية لا بد ان يكون ذا
علاقة بالتخريب ولكن لا بد ان يكون ضعــــف اليقظة الجانب الاخر لها . عامان من العــمـــــل السري الناجح خدرا الرفاق
لحد ما واضعفا يقظتهم ؟ لقــــــد نمت الحركة السرية واتسعت وانضم اليها دون انقطاع رفاق جدد ، من ضمنهم اولئك الذين
كــــان ينبغي ابقاءهم بعيدين والاستفادة منهم في اغراض اخرى . وتضخم الجهاز الحزبي وتعقد بدرجة كبيرة بحيث لـــــم
يعد بالامكان السيطرة عليه . ولقد اصبح واضحا ان الضربة التي نزلت بقيادة الحزب قد تم التحضير لها منذ وقت بعيد
وجاءت في لحظة كان كل شيء قد اعد فيها للهجوم على الاتحاد السوفيتي . في البداية لم اعلم بالمدى الكامل للاعتقالات التي
جرت . وبقيت بانتظار الاتصال المعتاد. ولكن هيهات . وبعد شهر فقط اتضح ان امر ا ما قد وقع وان علي ان لا اكتفي
بالانتظار وحده . وبحثت نفسي عن صلة . كما بحث عنها اخرون . وكان اول شخص عثرت عليه هو هونزا فيسكوسيل ،
مسؤول منظمة بوهيميا الوسطى ، كان رجلا يمتاز بروح المبادرة وقــد اعد بعض المواد للنشر في ( رودي برافو ) حتى لا
يبقى للحزب بدون جريدته المركزية . وكتبت انا المقـــــال الافتتاحي وكما اتفقنا على نشر المواد ( التي لم ارها ) كجريدة
بمناسبة ايار وليس بمثابة عدد من اعداد ( رودي برافو ) . بسبب ان هذه الاخيرة كانت قد صدرت بالفعل في طبعة طارئة.
ومن ثم بدأت شهور من عمل الانصار . واذا كـــان الحزب قد تعرض الى ضربة قاسية ، فانها لم تستطع ان تقتله . وأخذ
مئات الرفــــاق الجـــدد على عاتقهم المهمات المتبقية وتوافد رجال ونساء جدد عازمين عـلــــى ملء الاماكن الشاغرة التي
تركها القـــادة الذين وقعوا في قبضة العدو ولم يسمحوا لاسس المنظمة انت تنهار او تغرق في السلبية . ومع هذا فقد بقي
مركز الحـــــزب مفقودا . وخلال عمل الانصار ، كان الخطر الداهم هــــو ان لا تتوفر اللحظة الحاسمة – لحظة الهجوم
المتوقع على الاتحاد السوفياتي – وحدة كاملة من العمل . وفي ( رودي برافو ) – التي كانت ما تزال تصدر على اساس عمل
الانصار والتي اصبحت مسؤولا عنهـــا – تعــــرفت على مساعد سياسي متمرس . ففي العدد الخاص الذي اصدرناه بمناسبة
الاول من ايار ، والذي لم يكون لسوء الحظ بالجودة التي كنا نتوقعها ، رأى اخرون انه كان هناك صوت شخص يمكن
الاعتماد عليه ، يجيب علينا ، بدأنا نبحث عن احدنا الاخر . وكان بحـثــــا في غـابــــة عميقة . كنا نسمع صوتا ما ، فنسعى
خلفه – ومن ثــم نسمعه يتردد في الجانب المعاكس تماما . لقد اصبح الحزب ، بعد الخسارة الجسيمة التي نزلت به ، اكثر
حذرا ويقظة . واذا كان هناك شخصان في الجهاز المركزي يريدان ان يتصلا ببعضهما ، فان عليها ان يشقا طريقهما عبر
دغل من الصعوبات والاختبـــــارات التجريبية التي يضعها احدهما بوجه الاخر والموضوعة بالطبع من قبل اخرين ممن
يذودون عن اتصالاتهم . لقد كان كل شيء معقدا لدرجة اني لم اعرف من كـــــان الشخص الذي في الجانب الاخر ، ونفس
الشيء بالنسبة له ، لانه لم يكن يدري من هو الذي يبحث عنه ، واكتشفنا اخيرا قاسما مشتركا – رجل رائع هو الدكتور
ميلوش نيدفيد ، الذي امن اول اتصال لنا . وساعد على هــذا شيء من الحظ ايضا . ففي منتصف 1931 ، مــرضــت
فأرسلت ليدا لتطلب منه القدوم لمعالجتي . جاء عـلــــى الفور الى شقة ال باكس – وهناك وضحت الامور ، فقد طلب منه هو
ايضا البحث عن ( الاخر ) ، ولكن لم تكـــن لديه ادنى فكرة انه انما كنت انا بالذات . وبالعكس ، فقد كان مثل بقية الاخرين
في الجانب الاخر ، مقتنعا بانني معتقل وربما كنت قد مت بالفعل .
في 22 حزيران 1941 ، قام هتلر بغزو الاتحـــــاد السوفياتي . وفي نفس الامسية ، اصدرنا ، فيسكوسيل وانا ، بيانا عن
مغزى هذا الحدث بالنسبة لنا ، وفي 30 حزيران ، جرى اول لقاء لي بالرجـــل الذي كنت ابحث عنه منذ فترة طويلة . قدم
الى الشقة التي حددتها اذ كان يعرف بمن سيلتقي . اما انا فلم اكن اعرف ذلــــك بعد . كانت ليلة من ليالي الصيف . وخلال
النافــــذة المشرعة كان عبير السنط يتسلل الى المكان . لقد كانت لحظة مناسبة للقاء عاشقين . عتمنا النافذة واشعلنا النور
وتعانقنا . لقد كان هونزا زيكا . اذن ، فبعد كل الذي حدث . لم يعتقل جميع اعضاء اللجنة المركزية في شباط 1941 .
كان زيكا العضو الوحيد الذي افلت من ذلك . لقد عرفته فترة طويلة وكنت مولعا به مـنـــذ امد بعيد . رجل بدين ، قصير
دائم الابتسام في شيء من روح العمومة الدائمة – وهو صلب ، لا يساوم ، حازم وحاسم في العمل الحزبي . وبالنسبة له لم
يكن يعرف او يرغب ان يعرف اي شيء خارج واجبه . وكان على استعداد لبذل اي شيء في سبيل تنفيذ هذا الواجب . كان
يحب الناس ومحبوبا منهم ، لكنه لم يشتر محبتهم ابدا بالتغاضي عن اخطائهم .
وتوصلنا الى التفاهم في دقائق معدودات . وبعــد ايام قلائل ، عرفت العضو الثالث في القيادة الجديدة ، الذي كان على اتصال
بزيكا منذ ايار : هونزا تشيرني . رجل وسيم ، طويل القامة ، رائع في علاقته بالناس ، قاتل في اسبانيا ثم عاد عبر المانيا
النازية خلال الحرب وقد استقرت في رئته رصاصة – كان فيه على الــدوام شيء من الجندي مع خبرة غنية بالعمل السري ،
موهوب وذو قدرة لا تنضب على المبادرة . وربطتنا شهور من النضال الشـــاق بروح رفاقيــــة مدهشة . ثلاثتنا معا . يكمل
الواحـــد مـنـــا الاخـــر بخصائصــنـا وقدراتنا . زيكـــا – المنظم ، ذو الروح العملية ، المدقق في اهتمامه بالتفاصيل والذي
لا يسمح لنفسه ان يضلله الاسهاب ، يتعمق في كل خبر صغير حتى يكشف معناه الحقيقي ، يفحص كل اقتراح من جميع
جوانبه . رقيق القلب ولكنه حازم في متابعة تنفيذ كل قرار . وتشيرني – مسؤول التخــــريب والاعداد للمقاومة المسلحة ،
يفكر بلغة عسكرية ، مبتكر ، جريء في خططه ، يفيض حيوية ، لا يكل ، سعيد في البحث عن اساليب جديدة واناس جدد .
وانا – المحرض الدعائي ، الصحفي ، المعتمد على حاستي الفطرية ، حالما لحد ما مع روح الانتقادية من اجل التوازن .
لقد كان توزيع المهمات بالطبع توزيعا للمسؤوليــــات اكثر منه توزيعا للعمل . فقد كان على كل منا ان يهتم اكثر منه توزيعا
للعمل . فقد كان على كل منا ان يهتم بكل شيء وان يعتمد على مبادرته الخاصة وحيثما كانت الحاجة تستدعي ذلك . لم يكن
عملا سهلا ، ان الجــرح الذي نزل بالحزب في شباط لم يلتئم بعد كليا . لقــد مزقت المنظمات شر تمزيق . وفي اماكن معينة
وقعت قطاعات بأكملها وفي اخرى سلمت قطاعات بأكملها ولكن لم يكن هناك من سبيل للوصول اليها – منظمات برمتها ،
معامل برمتها وحتى مناطق ، ظلت معزولة لشهور قبل ان يعاد الاتصل بها وكان علينا ان نعتمد على الجريدة المركزية .
تصل اليهم ونوصل اليهم عبرهــا التوجيهات العامة . ولم تكن هناك شقق متوفرة – وما عاد بوسعنا استخدام الشقق السابقة
التي ربما كان استعمالهــــا محفوفــــا بالمخــــاطــر . وباخـتصـــار ، لـــــم يكـــن لدينـــــا مـــال وكــــانت الصعوبـــــات
تتفاقم في تأمين الطعـــام لمناضلي العمل السري وكانت هناك اشياء كثيرة ينبغي البدء بها من الاول .. وكل هذا في وقت لم
يكن بوسع الحزب ان يقتصر فيـــه على عادة بناء نفسه والاستعداد فقط . بل في وقـت كـــان علــى الحزب ان يلعب فيــه
دورا مباشرا في النـضـــال وينظــم الجبهـــة الداخلية ضد المحتلين ويقود حربا مصغرة ضدهم . لا بمجرد قـــواه الخاصة .
بل بقوى الشعب كله . في سنوات الاعداد ، 1939 – 1941 ، كان الحزب يعمل بسرية تامة ، مختفيا لا عن اعين الشرطة
الالمانية وحسب ، بل عن شعب كذلك . اما الان ، فبعد خسائره الفادحـــــة ، كــــان على الحزب ان يقوي صفوفه ويستكمل
عمله السري ضـــد المحتلين ، ولكن في ذات الوقت الذي كان عليه ان يخرج الى الشعب ، كان عليه ان يقيم الصـــلات
بالنـــاس اللاحزبيين ، ان يتوجه الى الشعب كله ، يفاوض كل من كان مصمما على النضال في سبيل الحرية ويجر الى
النضال من كان مترددا بعد من اجل ان يلعب الجميع دورا نشيطا في هذه المعركة الحاسمة .
في مطلع ايلول 1941 ، اصبح بأمكاننا القول باننا لم نعد ترميم العديد من المنظمات المتضــررة بشـــدة – وأسفاه ! فقد كان
هذا امراً متعذراً حينها – انما اصبح لدينا مرة اخرى نواة منظمة على اساس صلب ، قادرة جزئيا على الاقل ان تنفذ المهمات
الكــبـــرى لوحدهـــا . وظهر على الفور تأثير الحزب . واشتدت التخريبــات والاضرابات في المصانع . وما ان حلت نهاية
ايــــلول حتى نصبوا هيدريش حاكما علينا . ولم تستطع الفترة الاولى من الاحكام العـــرفيـــة ان تحطم المقاومة المتصاعدة،
ولكنها ابطأت منها وانزلت بالحزب ضربات جديدة . وقد اصيبت في الواقع منظمة براغ ومنظمة الشبيبة . وسقط مناضلون
جدد وكانوا ذوي قيمة لا تقدر للحزب : يـــان كريشي ، ستانســـل ، ميلوش كراشي وكثيرون غيرهم .
ولكن بعد كل ضربة كنا نرى ثانية كيف يستحيـــــل القضاء على الحزب . مناضـــل يسقط – واذا لم يكـــن بالامكان ان يحل
اخر محله ، فان اثنين او ثلاثة يأخذون مكانه . وعلى اعتاب العام الجديد كانت منظـماتـنـا قــد بنيت بناء متماسكا ، رغم انها
لم تغط كل شيء ومــا زالت بعيدة ان تصل الى نفس السعة التي كانت عليها في شباط 1941 . ولكنها كانت برغم ذلك قادرة
علــــى تنفيذ مهمات الحزب في المعارك الحاسمة ، وقسم العمل بيننا جميعا . ومع هذا ، فان شرف هذا ليعود اولا وقبل كل
شيء الى هونزا زيكا .
لا حاجة بي للحديث عما فعلته الصحافة فهناك مــا يكفي للتدليل على هذا في الغرف العليا والسراديب وفي الارشيفات السرية
للرفاق . وكانت جريدتنا توزع على نطاق واسع ولم تكن تقرأ في الحزب وحده . بل خارج الحزب كذلك . وكـــانت تصدو
بطبعات عديدة من ( الورشات ) السرية المستقلة الكثيرة العدد ( على الات استنساخ ) . وكـــانت هذه الطبعات منفصلة
الواحدة عن الاخرى وكان بعضها يصدر مطبوعا . وكانت الاعداد توزع بانتظام وسرعة ، حيثما كان الوضع يتطلب ذلك .
وعلى سبيل المثال ، فقد وصل الامر العسكري للرفيق ستالين الصادر يوم 23 شباط 1942 الى قرائتنا مساء 24 شباط . وقام
الطباعون بعمل ممتاز وكذلك ( ورشة ) الاطباء وبصفة خاصة ( ورشة فوخس – لوريـنـــز ) التي كانت تصدر ايضـــا
صحيفتها الاخبارية الخاصة ( العالم ضد هتلر ) . وكنت انا اتولى جميع الشؤون الاخرى بنفسي لاتفادى تعريض المزيد من
الكوادر الى الخطر . وكان هناك بديل حاضر ليأخذ محلي في حالة اعتقالي . وقد شرع بالعمل عند اعتقالي وما زال يعمل
حتى اليوم . وكان الجهاز الذي بنيناه من ابسط ما يكون ، لكي يتم تشغيل اقل عدد ممكن من الاشخاص في المهمة الواحدة
وكسرنا السلسلة التنظيمية الطويلة التي كانت ، كمـــا برهنت على ذلك تجربة شباط 1941 ، خطراً على الجهاز الحزبي لا
حماية له . صحيح ان هذا يعني خطرا اكبر لكل واحد منا على انفراد ، لكنه كان اكثر سلامة للحزب ، اذ سوف لن يكون
هناك تكرار لتلك الكارثة التي انقضت على الحزب في شباط .
وبسبب ذلك كانت اللجـنــة المركزية ، التي اكتملـــت بعضو جديد ، قادرة بهدوء على مواصلة عملها بعد القاء القبض علي
ولم تكن حتى لاقرب رفاقي في التنظيــــم ادنى فكرة عن ذلك .
اعتقل هونزا زيكا ليلة 27 ايــــار 1942 . ومـــرة اخرى كانت الصدفة السيئة هي السبب لا غير . وكــان ذلك في الليلة التي
تلت محاولة اغتيال هيدريش . حين انطلق كامل جهاز المحتلين من عقاله وحوصر الناس في كل مكان من براغ . واقتحم
الجستابو الشقة التي كان يختفي فيها زيكا في ستريسوفنش انذاك . كانت اوراقه لا غبار عليها وكان من الممكن ان يفلت مـــن
قبضتهـــم بالتأكيد . ولكنه لم يكن راغبا في تعريض عائلة طيبة الى الخطر فحاول ان يهرب من احدى نوافذ الطـابــق الثاني ،
الا انه سقط اثناء محاولته واقتيد الى مستشفى السجن وهو مصاب اصابة خطيرة في عموده الفقـــري ولم تكن لديهم اية فكرة
عن هوية الشخص الذي وقع في قبضتهم ، الا بعد 18 يوماً ، حيث استطاعوا ان يشخصوه عن طريق مقارنة الصور
الفوتوغرافية ، واقتادوا الرجل المحتضر الى قصر بيتشيك للتحقيق وهنا تقابلنا معـــا لاخر مرة ، عندما واجهونا الواحــد
بالاخر . تصافحـنـا وابتسم لي ابتسامته العريضة ، الحبيبة وقال : وداعا يا يوليوس !
وكان ذلك كل ما سمعوه منه . لم ينطق بكلمة واحدة اخرى ابدا . وبعد ان ضربوه قليلا غاب عن الوعي وفي غضون ساعات
قليلة فارق الحياة . لقد علمت باعتقاله حوال 29 ايار . وقد عملت المجسات جيدا . وبفضلهم تقريبا توصلت الى اتفاق معه بما
ينبغي علي ان افعله . وبعدئذ حظي هذا بالموافقة التامة لهونزا تشيرني . وكان هذا اخر قرار لنا . – وفي صيف 1942
اعتقل هونزا تشيرني . ولم يكن هذا نتيجة الصدفة ، بل بسبب التسيب الصارخ من جانب يان بوكورني الذي كان على اتصال
به . ولم يتصرف بوكورني كمان ينبغي على كادر قيادي . وبعد ساعات قلائل من التحقيق بالتأكيد تحقيق مريع ، ولكن ماذا
كان يتوقع ؟ - بعد ساعات من التعذيب انهار واعترف بعنوان الشقة التي كان يلتقي فيها بتشيرني . ومن هناك قاد الاثر الى
هونزا الذي وقع قبضــة الجستابو بعد ايام قلائل .
وتمت مواجهتنا الواحد بالاخر ، حــال القـــاء القبض عليه .
هل تعرفه ؟
كلا
لقد نطقنا معا بالرد نفسه . وبعدها رفض ان ينطق بكلمة واحدة . وانقذه جرحه القديم من التعذيب الطويل ، اذ غاب عن
الوعي سريعا وقبل ان يعاد الى التحقيق ثانية كانت معلومات دقيقة قد اوصلت اليه فاتخـــذ الاحتياطات الضرورية .
ولم يحصلوا على اي شيء منه . وابقـــوه رهــــن الاعتقال وانتظروا طويلا على امل ان يتوفر دليل جديد يرغمه على الكلام
. ولكن هيهات . ولم يبدل السجن اي شيء فيه : انيق جذل ومقدام ، كان يدل الاحياء على افاق جديدة ، رغم انــه نفسه لم يكن
ينتظر الا الموت .
نقلوه من بانكراك فجأة نهاية نيسان 1943 الى مكان اجهله . هذه الطريقة المباغتة التي كان الناس يختفون بها دوما تنطوي
على شيء من الشؤم . قد اكون على خطأ . لكني لا احسب اننا سنرى بعضنا ثانية ابدا . لقد حسبنا حساب الموت دوما . وقد
كنا نعرف دوما : اننا حين نقع في قبضة الجستابو ، فمعنى ذلك ان النهاية حانت . وقد حكم هذا كل تصرفاتنا ، حتى هنا.
اقترب دوري من نهايته . هذه النهاية التي لم اكتبها بعد . وهو امر لا اعرفه بعد . فهو لم يعد دورا . بــــل الحياة
وفي الحياة ليس هناك متفرجون .
الستارة تنسدل .
ايها الناس ، لقد احببتكم كونوا يقظين !

9-6-1943






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,645,491,337
- المادة الثانية من الدستورالعراقي، موضع التطبيق!
- رجاءا ..اتركوا شهداءنا وشأنهم!
- - الضحية - بين مخالب مخابرات العراق الجديد!
- احذروا ما يؤسس دكتاتورية جديدة
- اسبوع على غياب - هادي المهدي-
- ماذا لو صح الخبر !
- البحث عن الاصالة في الغناء السرياني الحديث
- يكفينا مزايدات ياسيادة الوزير!
- حاضرنا حينما يتعثر بالماضي، علي الأديب نموذجا!
- الشاعر عبد الكريم كاصد، بعيدا عن الوطن ، قريبا من الناس
- دفاعا عن الحرية تحت - نصب الحرية-
- بلطجية بطعم -العراق الجديد- !
- عدوى - الصحّاف- تجتاح الانظمة العربية المتهرئة
- رحمة بنا وبآثارنا يا سيادة الوزير!
- موضوع للمناقشة:من يوقظ عصر السبعينات الذهبي من سباته؟
- بين 8 آب 1988 و 2010
- زيارة -للزعيم- في عيد الثورة
- ظلال الزعيم -عبد الكريم- في المشهد العراقي
- هل الآرشيف العبري العراقي ....عراقي؟
- قرأة في تفجيرات الموصل الأخيرة:لا بديل عن الحماية والمحكمة ا ...


المزيد.....




- بيان الذكرى 23 لاستشهاد رفيق النهج الديمقراطي القاعدي المعطي ...
- خارطة تحالفات الحكومة التونسية تنتظر -نداء تونس-+فيديو
- -نداء تونس- يتصدر الانتخابات بـ 85 مقعدا في البرلمان مقابل 6 ...
- معاً ضد الوهابية - د.أحمد فاخر
- ?إصابة عشرات الفلسطينيين في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي
- ?«نداء تونس» العلماني يتصدر الإنتخابات و«النهضة» في المرتبة ...
- عاجل وخطير من تاهلة الصامدة: باشا مدينة تاهلة والعقلية ...
- الاتحاد المغربي للشغل/ التوجه الديمقراطي: ما لا يؤخذ بالنضال ...
- «الوطنية لمحاربة الإرهاب» تستثني «النور» من اجتماعاتها.. الح ...
- بالصور.. حمدين صباحي يستقبل السفير الياباني الجديد بالقاهرة ...


المزيد.....

- في ذكرى مهدي عامل / يزن حداد
- ثورة 25 يناير 2011 فى النصف الأول من 2012 - القسم الثانى / خليل كلفت
- هكذا تكلم المفكر السوداني محمود محمد طه / عادل الامين
- فرج الله الحلو - قائد شيوعي من أبطال الإستقلال / كريم مروة
- شهداء للبيع! البحث عن رفات الشهيد كاظم طوفان / سلام عبود
- مغاربة فقدوا حياتهم من أجل التغيير / إدريس ولد القابلة
- .. وَرَحَلَ نُقُد / كمال الجزولي
- ثورة مصر وما بعد / سمير أمين
- الشهيد المهدي بن بركة، بلاغة الوضوح ومنطق التسوية / عبد الإله إصباح
- ثورة التغيير التاريخية - واقع .. وتوقّعات - / نعيم الأشهب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كمال يلدو - تحت اعواد المشنقة - يوميات مناضل في سجن الغستابو -