أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مجدي عزالدين حسن - كيف يجب أن نتعاطى مع النص الديني الإسلامي؟ (1)















المزيد.....



كيف يجب أن نتعاطى مع النص الديني الإسلامي؟ (1)


مجدي عزالدين حسن
الحوار المتمدن-العدد: 3652 - 2012 / 2 / 28 - 11:28
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أولاً: المدخل النظري
صلاحية التأويل:
تُعنى القضية الأساسية، التي نناقشها هنا، بفحص شرعية المبدأ أو المعيار الذي يمكن من خلاله القول عن تأويل ما أنه حقيقي، ويمكن التعبير عنها بالسؤال: هل ثمة معايير نستطيع من خلال استخدامها التمييز بين التأويل الصحيح والخاطئ؟ أو على الأقل: هل في استطاعتنا القول بأن تأويلاً ما هو الأفضل من بين مجموعة تأويلات مختلفة لنص واحد؟ أو حتى وصف تأويل ما بأنه جيد أو رديء؟ وواضح أن مهمة النظرية التأويلية هنا يجب أن تتحدد بتكوين أساس يمكنها من الفصل بين مختلف التأويلات المصطرعة. فهل بمقدور الهرمنيوطيقا توفير مثل هذا الأساس؟ هذا ما نحاول هنا مناقشته.
وفي هذا الصدد يمكننا زحزحة إشكاليتنا من مكانها والتقدم بها خطوة إلى الأمام، وذلك باستبدال التساؤل: هل بوسع الهرمنيوطيقا حقا إجراء التمييز بين تأويل خاطئ وآخر على صواب؟ بالتساؤل عن: الكيفية التي بناءا عليها أسسنا قراءتنا أو دعمنا بها أطروحتنا التأويلية بشأن فهم نص ما؟ وما يقدمه لنا هذا التساؤل الأخير بصيغته هذه، إنما يتمثل في وجهة نظرنا في تجاوز المطبات التي يمكن أن تواجهنا إذا انطلقنا من التساؤل الأول الذي إما أدى بنا إلى تجميد قراءة تأويلية دوغمائية باعتبارها تمثل الصائب في إطلاقه، والزج بما عداها من القراءات التأويلية المختلفة معها في خانة (خيانة) المقصد ـ سواء كان مقصد النص أو مؤلفه ـ والمعنى والحقيقة. أو أدى بنا، من الناحية الأخرى، إلى ارتداد لا نهائي، أو إلى المبدأ النسبوي القائل بالأطر العقلية الخاضعة للامقايسة. والمبدأ النسبوي بهذا المعنى عديم الجدوى فيما يرى "ديفيد كوزنز هوي"، خصوصا أن " السؤال المركزي الذي يراود ذهن المشتغلين في حقل الإنسانيات يخص الأسس التي بناء عليها يقال عن تأويلاتهم بأنها صحيحة وعن رؤاهم إنها صالحة. وينبغي لأية نظرية هرمنيوطيقية الإسهام في الافهام التأويلية المصطرعة. وتسمى النظرية التي تعجز عن القيام بذلك باسم النسبية الجذرية radical relativism وستُهمل على الأرجح لأنها لا تقدم فائدة تذكر." وعلى العكس من هذا، يبدأ المنهج الصائب للمناقشة النقدية من السؤال: ما معقبات أطروحتنا أو نظريتنا؟ وهل هي جميعا مقبولة لنا؟ إنه بهذا منهج يقوم على المقارنة بين معقبات النظريات المختلفة أو إن شئت قلت: معقبات الأطر المختلفة، ويحاول اكتشاف أي من النظريات المتنافسة أو الأطر المتنافسة له معقبات تبدو الأفضل لنا. وبهذا نجده منهجا على وعي بإمكان الخطأ الكائن في كل المناهج، على الرغم من أنه منهج يحاول أن يستبدل بجميع نظرياتنا نظريات أفضل" ومن خلال هذه الفقرة قمنا باستلاف كلمات "كارل بوبر" ووظفناه فيما يخدم موضوع اشكاليتنا هنا. وهو ما يتيح لنا دعم مناقشتنا النقدية هنا التي تحاول اختبار الفرضيات التي يقوم بناءاً عليها ادعاء قراءة تأويلية ما في سبيل فهمها لنص ما بأنها الأفضل، وذلك عن طريق معرفة ما إذا كانت معقباتها وحججها العقلانية التي تسوقها لدعم موقفها مقبولة جميعها، أو إذا كانت بعضها غير متسقة مع سياق فهم النص. وهو ما استلهمناه أيضا من دعوة بوبر إلى " المناقشة النقدية التي لا تبحث عن إثبات أو تبرير أو تأسيس نظرية، وفوق كل هذا لا تبحث أبدا عن اشتقاق لها من مقدمات أعلى، بل إنها المناقشة التي تحاول اختبار النظرية موضع النقاش عن طريق اكتشاف ما إذا كانت معقباتها المنطقية جميعها مقبولة، أو ربما ما إذا كان لها بعض معقبات غير مرغوبة"
الجدل المعاصر بشان التأويل يتمحور حول إمكانية وجود معايير ومقاييس موضوعية تمكننا من الحسم بين التأويلات المتعددة والمصطرعة لنص واحد، وتحديد الجيد منها والرديء. لكن السؤال/ المشكل الذي يطرح نفسه من خلال هذا السياق هو: هل بإمكاننا حقاً تحديد هذه المقاييس والمعايير؟ أليست هي الذات نفسها التي تتكفل بمثل هذه المهمة؟ بمعنى آخر: هل تستطيع الذات أن تتموضع خارج ذاتها- وتتجرد من كل انحيازاتها /أمراضها /لغوناتها / زلاتها /هفواتها ووعيها المكتسب والمشروط تاريخياً-حتى تنتج لنا معايير ومقاييس موضوعية؟ " هكذا يمضي النزاع في مجال الهرمنيوطيقا. فعلى أحد الجانبين هناك المدافعون عن الموضوعية والتحقيق الذين ينظرون إلى الهرمنيوطيقا على أنها المصدر النظري لمعايير التحقيق. وعلى الجانب الاخر هناك الفينومينولوجيون الذين يرصدون حدث الفهم رصدا فينومينولوجيا، ويؤكدون على الطابع التاريخي لهذا "الحدث"، وبالتالي على قصور كل دعاوي "المعرفة الموضوعية" و"الصواب الموضوعي" وسنتوقف قليلاً عند طرفي النزاع المتمثلان في: المدافعون عن الموضوعية ومعايير التحقيق في مقابل الطرف المضاد، لمعرفة ما يسوقه كل طرف بشأن هذه المسألة.
معايير التمييز: هيرش نموذجاً
يرى "هيرش" أن هناك مجموعة من الأسس التي بناء عليها يمكننا أن نتحدث عن نظرية في (الصلاحية في التأويل). هذه الأسس تشترط إمكان التأويل نفسه ويمكن لنا أن نلخصها في:
1/ فهم المؤول للنص يعني فهمه لما قصد المؤلف قوله من خلال النص. يمثل هذا المبدأ الركيزة الأساسية التي يقوم عليها إمكان التأويل الصحيح، ف"هيرش" يرى أن قصد المؤلف (في سياقنا الحالي قصد الإله) هو المعيار التأويلي الأساسي.
2/ هناك معنى واحد ثابت لا يتغير هو المعنى الذي أراده المؤلف، ولهذا السبب لا يمكن أن يكون هناك سوى معنى/تأويل صحيح واحد. وبالتالي يكون التأويل الصحيح هو ذاك التأويل الذي يروم الإمساك بقصدية المؤلف، وعن طريق هذا المعيار نستطيع أن نميز بين مجموعة من التأويلات المصطرعة إذ أن هناك معنى واحد صحيح هو ما أراد المؤلف قوله من خلال النص الذي أبدعه.
3/ هذا المعنى له هوية ذاتية محددة تميزه عن غيره من المعاني وفي نفس الوقت تتيح للذات المؤولة إمكانية الوصول للتأويل الصحيح له دون لبس أو غموض. وبرهان "هيرش" السلبي هنا: " فلو كان المعنى غير محدد لما كانت له حدود ولا هوية ذاتية self identity ولما كان له، لهذا السبب، هوية لها معنى يتأمله شخص آخر (...) وإذا كان بإمكان المعنى تغيير هويته،..، فعندئذ ليس لدينا أي معيار للحكم على ما إذا كنا نواجه معنى حقيقياً على نحو متغير أو معنى زائفاً يتظاهر بأنه المعنى الذي نبحث عنه"
4/ هذا المعنى قابل لإعادة التوليد/الإنتاج مرة أخرى، وبالتالي يوفر للمؤول إمكانية المشاركة في إعادة توليد/إنتاج ما أراد المؤلف قوله من خلال النص الذي أبدعه. وحجة "هيرش" السلبية التي يوردها هنا:" فلو لم يكن المعنى قابلاً للتوليد ثانية، لما استطاع أي شخص آخر جعله واقعاً، ولما كان مفهوماً أو مؤولاً بسبب ذلك"
من العرض السابق يمكن أن نخرج بنتيجة تتمثل في أن الهرمنيوطيقا مع "هيرش" لم تعد هي نظرية الفهم، بل منطق التحقيق. إنها النظرية التي يتسنى لنا بواسطتها أن نقول: هذا ما كان يعنيه المؤلف وليس ذاك. وهو الأمر عينه الذي يعكس لنا شغف واهتمام "هيرش" بصورة أساسية بصياغة (نظرية) في صلاحية التأويل، بواسطتها نتمكن من الفصل بين التأويلات المتنازعة والمصطرعة حول ادعاء أياً منهم أحقية التعبير المطابق لحقيقة ولقصدية نص ما. فعلى هذا الصعيد، نراه يقرر تطبيق مبدأه النظري على " وفق شرط مؤداه أن موضوع التأويل الأساس هو قصد المؤلف وينبغي لهذا الموضوع أن يكون الهدف الرئيس للفهم التأويلي." الذي يراه على أساس أنه المعيار الوحيد الذي يكفينا شر الانزلاق والوقوع في فخ النزعة النسبية relativism في الهرمنيوطيقا الفلسفية. وبالتالي فإنه يذهب " إلى أن مقصد المؤلف يجب أن يكون المعيار الذي تقاس به صحة أي (تفسير)... هذا المقصد هو كيان محدد يمكن أن تحشد له بينة موضوعية، وبالإمكان حين تتوافر هذه البينة تحديد المعنى، وسوف يكون هذا المعنى مقبولاً على نحو عمومي شامل وسوف يدركه الجميع على أنه معنى صحيح" جاعلاً بذلك حقيقة معنى النص مرتكزة بشكل أساسي على قصد المؤلف و ما أراد قوله، الذي يصبح بذلك هو المعيار والمقياس.
الهرمنيوطيقا هنا مطالبة من قبل "هيرش" بتقديم نظرية في صلاحية التأويل. بمعنى أن وظيفتها ومهمتها الأساسية تُفهم ضمن هذا الإطار في تقديم معايير نستطيع بوساطتها فهم معنى النص، الذي هو حسب "هيرش" معنى واحد ثابت ومحدد طالما أن قصد المؤلف هو كذلك. وبالطبع تشمل المهمة أيضا أن تقول لنا الهرمنيوطيقا على أي أساس يقع اختيارنا على معنى دون آخر، على أساس أنه يتماهي ويتطابق مع ما أراد المؤلف قوله من خلال النص الذي أبدعه، تلك هي مسألة "الصلاحية" كما عناها "هيرش" من خلال نظريته الهرمنيوطيقية التي هي أصلاً نظرية في (الصلاحية)، وهو السبب عينه الذي دعا "هيرش" إلى التقرير بأن أية نظرية تأويلية إذا لم تتعرض لقضية الصلاحية هذه، فهي ليست هرمنيوطيقا بأي معنى من المعاني. " وهو، شأنه في ذلك شأن (إيميلو بتي)، يعترض على إغفال التيار الهيدجري في الهرمنيوطيقا أو تجنبه لمسألة "الصواب" التي بدونها لا يكون هناك، ببساطة، علم للتأويل ولا منهج للوصول إلى التأويلات الصحيحة" وهكذا، من منظور هيرش، فإن مهمة الهرمنيوطيقا تكمن بالأساس في التمييز بين مجموعة من التأويلات المصطرعة حول تحديد فهم نص ما، بغرض إرشادنا إلى معرفة التأويل الصائب من بينها، الذي يكون معبرا عن قصدية المؤلف كمعيار أوحد للتمييز عند هيرش.
وفي هذا الصدد، يقول هيرش: " التحقق من نص ما يعني ببساطة الإقرار بأن المؤلف ربما قصد ما نظن نحن أنه هو معنى النص، لا غيره. وتتمثل مهمة المؤول الرئيسة في أن يعيد، بنفسه، إنتاج "منطق" المؤلف واتجاهاته ومعطياته الثقافية ثانية، أي باختصار: أن يعيد إنتاج عالمه. وإن اتسمت عملية التحقق verification بتعقيد وصعوبة بالغين، يبقى الهدف النهائي لهذا التحقق بسيطاً جداً، وهو يتلخص تحديداً ببناء خيالي جديد للذات المتكلمة"
" تصر النزعة الموضوعية النظرية على أن هناك معنى لا يتغير، من حيث المبدأ، ينبغي لنا افتراضه سلفا بوصفه هدفا لكل تأويل، إذا ما أريد الاعتقاد بأن بعض التأويلات حقيقية أو صحيحة أكثر من غيرها." هذا القول الهيرشي يذكرنا بما سبق وأن ذهبت إليه الهرمنيوطيقا التقليدية خصوصا عند "شليرماخر" و"دلتاي"، وبالتالي وفي ظل هذا السياق فيمكننا النظر لهيرش باعتباره الذي حاول نفض الغبار عن كليهما والدفاع عن مقولاتهما وتطويرها في الآن ذاته.
والآن لنمتحن مدى الجدوى النظرية والعملية لما ذهب إليه "هيرش" من خلال نظريته في صلاحية التأويلات، ولنرى إلى أي مدى يمكن لها أن تصمد أمام ضربات النقد وسهامه التي صوبت لها؟ وهل درعها الواقي قوي بما فيه الكفاية لصد هذه السهام النقدية؟ أم ستصيبها في مقتل؟ ولنبدأ من النقطة الجوهرية والمفتاحية أو حجر الزاوية الذي بناءا عليه تأسست نظرية هيرش في (الصلاحية) والمتمثل في " ضرورة افتراض فهم صحيح واحد للنص، في الأقل، للجزم بأن تأويلات معينة تكون متفقة معه إلى حد ما. وتكون لهذا السبب صحيحة أو غير صحيحة، بحسب الدليل الحالي" المتجسد في قصدية المؤلف وما أراد قوله وتوصيله من معنى لفظي من خلال النص الذي أبدعه. وتأسيساً على ذلك قال "هيرش" أن بإمكاننا الفصل بين التأويلات المصطرعة مطبقا هنا مبدأه، فإذا كان تأويل ما من مجموعة هذه التأويلات متماهي ومتطابق مع قصدية المؤلف، حكمنا بالتالي على أنه تأويل صحيح صحة مطلقة. وفي المقابل، إذا لم يأتي هذا التأويل متطابقاً وما أراد المؤلف قوله: حكمنا بأنه تأويل خاطئ بشكل مطلق. فالفيصل والمحك هنا إنما يتمثل في مبدأ أو معيار (قصد المؤلف) حيث يصبح التأويل الوحيد الصحيح هو ذاك الذي يروم الإمساك بالمقاصد الأصلية للمؤلف.
حسنا، لنرى الآن ما يمكننا فعله، ولنبدأ في نثر ورمي السهام من خلال التساؤل التالي: كيف يكون بإمكاننا القول من بين مجموعة تأويلات بأن أحدها هو الذي كان يعنيه المؤلف وليس ذاك؟ وهو تساؤل يرتد إلى فحص نقدي لمعيارية المعيار نفسه! بمعنى أوضح: كيف يتأتى لنا أن نعرف أن تأويلاً ما يتماهى ويتطابق مع ما قصد إليه المؤلف أصلاً؟! ولنذهب أبعد من ذلك: ماذا إذا لم يكن المؤلف نفسه مدركاً وواعياً بقصديته المزعومة هذه؟!
بكل خيبة أمل، يرجع "هيرش" أمام هذه الترسانة من التساؤلات مجرجراً لأذيال الهزيمة، ومنطبقاً عليه القول القائل: طن من الأسئلة وفراغ من الأجوبة! فليست في معية هرمنيوطيقا "هيرش" ما يستنجد به ويرد به على هذه الضربات المميتة، " ويمكن لنا أن نلمس عدم تمتع نظرية هيرش، وهي نظرية دليل، بقوة فعلية في الحقيقة التي تقول إن من غير الممكن ( تحقيق الفائدة) في حالة لجوئه إلى قصد المؤلف. وعندما يتعلق الأمر بمعايير اتخاذ القرار بين تأويلات مختلفة، ومتصارعة أحيانا، يتحول إلى حالة لا تكون لدي المؤول أي شيء من الدليل ـ أي قصد المؤلف بمعناه الاعتيادي ـ بحيث يمكنه الرجوع إليه ضمانا لليقين. وبدلاً من ذلك لا يبدو المؤول قد أمسك بالمعنى الذي قصده المؤلف إلا حينما يكون تأويله صالحاً فقط!" "وبذا لا يتمخض عن تحليل النزعة القصدية الجديدة لدى "هيرش" أية نتائج عملية إيجابية جديدة، بل على العكس من ذلك انطوت على نتيجة عملية سلبية، ربما يمكن أن تؤدي إلى تصلب اعتقادات المؤول بصحة قراءاته للنص وتدفعه إلى نبذ القراءات الأخرى" وكما نلاحظ فإن فعل الفهم والتأويل يبدأ من جانب الذات المؤولة كفعل تخميني بالأساس بغض النظر عن مدى صواب أو خطأ هذا الافتراض التخميني ، وليس ثمة إمكانية للقول بأن ثمة وجود لمناهج لوضع هذه التخمينات أو قواعد لتوليد هذه الاستبصارات الأولية، إنما بفعل انسلاكنا في عملية التأويل نفسها يكون بإمكاننا اختبار وفحص تخميناتنا وتعديلها باستمرار.
التوجه المضاد: قيمة جمالية أو حقيقة بلاغية وخطابية أو قراءة مجازية
يختلف توجه "غادامر" الكلي عن توجه "هيرش"، الذي يضطلع بمهمة تبيان المعيار الذي بناءا عليه نضمن التأويل الصحيح. في مقابل ذلك نجد أن "غادامر" يصب جلّ اهتمامه في توضيح الكيفية التي يكون فيها الفهم والتأويل ممكنين. و" على الطريقة التي يؤثر بها موقع المؤول في إدراك النص أو في إدراك الماضي وأسباب اعتقاد المؤول، اعتقاداً مشروعاً، بأن تأويله حقيقي" بالتالي تكون هرمنيوطيقا "غادامر" الفلسفية معنية بالحديث عن الشروط اللازمة لإمكانية التأويل وتهتم بالكيفية التي يكون بها الفهم ممكناً أكثر من اهتمامها بالبحث عن معايير وقواعد التأويل الصحيح، وهو الأمر الذي أكد عليه "غادامر" بلا مواربة في كتابه الحقيقة والمنهج بقوله: " يسأل البحث الآتي سؤالاً فلسفياً....لكنه لا يطرحه فقط على ما يُدعى بالعلوم الإنسانية.... ولا هو يطرحه فقط على العلم وأنماط تجربته، بل يطرحه على كل التجربة الإنسانية للعالم وعلى الحياة الإنسانية. والسؤال الذي يطرحه البحث.... كيف يكون الفهم ممكناً؟ هذا هو السؤال الذي يعطي الأولوية لأي فعل من أفعال الفهم على دور الذاتية، وبضمنها النشاط المنهجي ل"العلوم التأويلية " ومعاييرها وقواعدها" فهو " لا تعنيه كثيراً المشكلات العلمية لصياغة المبادئ الصحيحة للتأويل، إنه يود بالأحرى أن يسلط الضوء على ظاهرة الفهم نفسه. وليس يعني ذلك أنه ينكر أهمية صياغة مثل هذه المبادئ الضرورية للمباحث التأويلية، وإنما يعني أن "غادامر" يعمل على مستوى أكثر بداءةً، ويتناول سؤالاً أكثر أولية، وهو: كيف يكون الفهم ممكناً، ليس فقط في الدراسات الإنسانية بل في خبرة الإنسان بالعالم ككل؟"
يرى "غادامر" أنه ليس في الإمكان الحديث عن تأويل واحد صحيح في ذاته لنص ما، والسبب في ذلك حسب تصوره يعود إلى " أن أي تأويل يعنى بالنص نفسه. والحياة التاريخية للتراث تعتمد على كونها متمثّلة ومؤولة باستمرار. أما التأويل الذي يكون صائباً في ذاته فسيكون مثالا أخرق يسئ فهم طبيعة التراث. ويجب على كل تأويل أن يكيف نفسه للوضع التأويلي الذي ينتمي إليه" ولكن في هذا الموضع ثمة سؤال يطرح نفسه فيما ذهب إليه "غادامر": هل يعني ذلك أن الزعم بصحة التأويل أصبح أمراً محالاً بعد ارتباطه بالموقف الذاتي للمؤول وتصوراته المسبقة؟ وفي سياق هذا السؤال، يندرج انتقاد "غادامر" للموقف الذي يتبنى الموضوعية في التأويل، والذي يصوغه على النحو التالي: " المؤوٍّل لا يدرك أنه يقدم ذاته وتصوراته الخاصة من خلال عملية التأويل. إن الصياغة اللغوية هي، إلى حد بعيد، جزء من عقل المؤول من حيث أنه لا يصبح إطلاقاً واعياً بها كموضوع. وهكذا يكون من المفهوم أن هذا الجانب من العملية الهرمنيوطيقية قد تم تجاهله كلياًً"
بالتالي، فإن معالجة هرمنيوطيقا "غادامر" و"هايدجر" لمثل هذه القضايا ("الحقيقة" و"صلاحية التأويل") لهي معالجة بطريقة مختلفة تماما عما ألفناه مع النظريات التقليدية في التأويل عند "شليرماخر" و"دلتاي"، أو في نسختها المتطورة مع "هيرش". فهنا مع التوجه الغادامري، فيما يرى "كوزنز"، فإن " حقيقة التأويل الناتج تتجاوز آفاق كونها دالة لصحة المعلومات المستعملة في التأويل، وإن الاعتبار الأهم هو ما إذا كان التأويل ذاته منتجا أم لا، وما إذا كان يفتح أبعادا للفكر ومسارات جديدة للبحث، أم لا"
يصف "فاتيمو" الهرمنيوطيقا: "ميتا نظرية في لعبة التأويلات". القواعد التي تستحدثها الهرمنيوطيقا هي أساليب نوعية وذوقية محايثة للتجربة التأويلية وليست قوانين برّانية جاءت لتقيم الأحكام على سبيل الصحة والخطأ أو التماهي مع الذات أو التطابق مع الواقع. وتجربة الحقيقة تنخرط في هذا الاستحداث المحايث للقواعد والمنخرط في التأويل كحقيقة تاريخية."
وبالتالي فإن "فاتيمو" لا يرى في الهرمنيوطيقا " بحثا عقيما عن المطابقات أو إجابة مستمرة عن السؤال الكلاسيكي الذي بادر دلتاي إلى طرحه في معرض تأسيسه العلمي والموضوعي للعلوم الإنسانية وهو إلى أيّ حدّ تتصف هذه العلوم بالعلمية والموضوعية وإنما يرى في التجربة التأويلية قيمة جمالية أو حقيقة بلاغية وخطابية أو قراءة مجازية"
ومع التفكيكية، كما سبق وأن رأينا، تصبح اللغة " فسحة للعب وفق تجربة جمالية ومجازية تنتفي معها هواجس المطابقة أو البحث المستميت عن النِسب بين الشيء وصورته أو الدال ومدلوله. لأنه يتعلق الأمر فقط بمجال للحركة والتدوال أو فسحة للعب والتواصل أو حلبة للصراع والتقابل. هذا يفسر،...، إلى أي مدى تصبح فيه التأويلات والتفكيكات "غير عقلانية" أي غير برهانية وإنما فقط جمالية أو مجازية أو بلاغية."
وإذا عرفنا الهرمنيوطيقا بأنها فن فهم النصوص، فلابد أن نسجل هنا أن فهم النص لا يعني التوصل إلى حقيقة أحادية ثابتة وقطعية الدلالة موجودة مسبقا بين ثنايا وجنبات النص، فالفهم ليس فهما لحقيقة النص وإنما بالأحرى خلق لحقيقته، وبالتالي فمع الهرمنيوطيقا " لا مجال للحديث عن الخطأ والصواب في نص من النصوص. فالتخطئة أو التصويب يصحان إذا كنا نتعامل مع النص بوصفه يعكس أو يتطابق مع حقيقة ذهنية أو خارجية قائمة بمعزل عنه، كما هو شأن النقد الكلاسيكي الذي يستخدم مفهومات الدحض والتناقض أو التهافت. أما إذا كان النص يخلق حقيقته ويمتلك وقائعيته، فعلينا أن نتعامل معه كما نتعامل مع الحدث، أي نحاول استكشاف أبعاده أو رصد احتمالاته، نعالجه ونسعى إلى التحرر من وطأته أو نفكر باستثماره وتوظيفه. بهذا المعنى يكون النص قويا هاما أو لا يكون، يترك أصداء ويولد تفاعلات أو يكون عديم الأثر خافت الصوت"
ليس هناك بالتالي تأويل حقيقي يقيني وآخر غير حقيقي، إذ ما دام ثمة تأويل فليس ثمة مجال للقطع والبت، بل ثمة ترجّج واحتمال ومفاضلة، وهو ما يؤكده بول ريكور بقوله: " فيما يتعلق بإجراءات التصديق التي نمتحن بها تخميناتنا،.. فإنها اقرب إلى منطق الاحتمال منها إلى منطق التحقق التجريبي. وبيان قوة ترجيح تأويل ما في ضوء ما نعرفه هو شيء آخر غير بيان صحة شيء ما. وبالتالي ليس التصديق هو التحقق. بل هو مبحث استدلالي تمكن مقارنته بالإجراءات التشريعية المستعملة في تأويل القانون."
ونحن بدورنا نتساءل: إذا سلمنا جدلاً بأن غياب المعيار الموضوعي أمراً حتمياً في مجال الهرمنيوطيقا، فهل يترتب على هذا القول غياب أي قاعدة للتأويل؟ غياب أي معيار نستطيع من خلاله أن نميز على الأقل بين التأويل الرديء والتأويل الجيد؟ وهل هذا يعني استحالة الأخذ بتصور تأويلي معين في موضوع معين؟ بالطبع لا، لأن ذلك كله لا يعفي الهرمنيوطيقا من مهمة تحديد المعيار، وهو ما يوضحه بول ريكور بقوله: " إذا صحّ القول دائماً بوجود أكثر من طريقة لتفسير النص، فلا يصحّ القول بأن التأويلات متساوية. فالنص يقدم ميداناً محدوداً من الأبنية الممكنة. ويتيح لنا منطق التصديق أن نتحرك بين حدي الدوغمائية والشكية. بل يمكن دائماً الوقوف مع أو ضد تأويل معين، والمواجهة بين التأويلات، والفصل بينهما، والبحث عن اتفاق، حتى لو كان هذا الاتفاق بعيداً عن متناول أيدينا."
ولذلك سنحاول في السطور القادمة توظيف "كارل بوبر" فيما يخدم ما نحن مقبلين عليه، فبدلاً من المعيار القائم على ثنائية الصائب/الخاطئ في حكمنا على صلاحية تأويل ما، " يمكن أن يكون ثمة معيار جيد لخصوبة نظرياتنا وعمقها هو خصوبة وعمق المشكلات الجديدة، التي تنشأ عنها" وبالتالي فإن معيار التمييز بين مجموعة من التأويلات المتباينة حول مدلول نص ما، سيكون بوسعنا تطبيقه لمعرفة أياً من التأويلات يكون في وسعه منحنا قراءة تأويلية خصبة وغنية لتصبح بذلك منطلقاً جديداً من خلال ما تثيره من قضايا ومشكلات جديدة تأتي كنتاج لهذه القراءة. الذي سنطلق عليه اسم: معيار(الخصوبة/الفقر). يكتب عبد الغني بارة وبنفس النفس: " الهرمنيوطيقا ليست علما للتأويل، وإنما هي فن له، لأن الحقيقة في الفن، حقيقة نسبية...، ومن ثم لا يمكن بحال نعت التأويل بالعلم أو القول بأن هذا تأويل صحيح وهذا خاطئ، جيد أو رديء،...، لا يكون التأويل صحيحا أو خاطئا، لكن يكون غنيا أو فقيرا، خصبا أو عميقا، فاتنا أو لا. فالتأويل، إذا، هو القراءة الممكنة للنص، ما دام النص لا يحمل بداخله إلا الرموز والعلامات"
لنتابع تقدمنا مع "كارل بوبر"، الذي يقول: " حيثما تدور مناقشة نقدية فإنها تتناول أكثر من نظرية واحدة. ذلك أن المناقشة النقدية حين تحاول تعيين المزايا والنواقص ولو في نظرية واحدة، فلزاما عليها دائما أن تحاول إصدار الحكم حول ما إذا كانت النظرية موضع الفحص تمثل تقدما أم لا، ما إذا كانت تفسر الأشياء التي لا نزال عاجزين عن تفسيرها حتى الآن، أي بمساعدة النظريات الأسبق. ولكن بطبيعة الحال ثمة غالبا أكثر من نظرية واحدة تتنافس حيثما تدور المناقشة النقدية، ولهذا الوضع تحاول المناقشة النقدية تعيين المزايا والنواقص المقارنة"
ولو أحسنا توظيف ما قاله "بوبر"، فإننا نخرج بمعيارنا الثاني ـ الذي سنطلق عليه اسم: معيار(تعيين المزايا والنواقص) ـ والذي سيعيننا في تعيين المزايا والنواقص في مقارنتنا لمجموعة من التأويلات حول نص ما. وهو الأمر الذي يسمح لنا، كما نعتقد، بمعرفة أيا من هذه التأويلات تمثل قراءته للنص تقدما وفتحا لمساحات بوح جديد عجزت بقية القراءات عن اقتحامها وولوجها أو قامت بفعل الاقتحام لكنها لم توفق في تقديم ما هو أكثر جودة وكفاءة مما قدمته القراءة الأولى.
لنرجع مرة أخرى لبوبر، الذي يقول: " على هذا النحو نجد أن المناقشة النقدية في جوهرها مقارنة لمزايا ونواقص نظريتين أو أكثر. وبصفة أساسية تكون المزايا التي تناقش هي القوة التفسيرية للنظريات، وكيف تستطيع أن تحل مشكلاتنا وأن تفسر الأشياء، كيف تتساوق النظريات مع نظريات أخرى عالية القيمة، وقدرتها على إلقاء ضوء مستجد على مشكلات قديمة، واقتراح مشكلات جديدة. أما النقيصة الأساسية فهي عدم الاتساق، وتتضمن عدم الاتساق مع نتائج التجارب التي تستطيع نظرية منافسة أن تفسرها" ونخرج بمعيارنا الثالث الذي يمكن أن نطلق عليه اسم: معيار (الاتساق/عدم الاتساق)، الذي يسمح لنا بدعم مهمة معيارنا الثاني في سبيل انجاز مهمته. فكما قلنا أن مع تطبيق معيار(تعيين المزايا والنواقص) يكون بإمكاننا مقارنة مزايا ونواقص قراءتان تأويليتان أو أكثر لنص ما، ومعرفة مدى القوة التفسيرية التي تتمتع بها القراءات التأويلية موضوع المقارنة، ومعرفة مدى قدرتها على حل معضلات النص وفك شفراته. ليأتي المعيار الثالث: معيار (الاتساق/عدم الاتساق) ليلقي الضوء على التساؤل: إلى أي مدى هذه القراءات التأويلية تكون متسقة ومتوائمة مع السياق الأصلي للنص؟ وهناك من يرى أن من الأجدى أن نتحدث عن نظرية الملائمة أو الفاعلية بالنسبة لمجموعة من التأويلات المصطرعة حول نص ما:" إن الملائمة وعدم الملائمة هي من الأمور التي تتحدد بظروف وعوامل لا حصر لها منها الثقافي، الحضاري، التاريخي بل وربما لعبت العادة (أو التعود أو التطبع الاجتماعي) دورا كبيرا في القبول والرفض. إن معيار الملائمة وعدم الملائمة هو المعيار الأوحد في هذا الصعيد ـ أعني في مجال الاختيار بين مختلف الرؤى"
لنرجع مرة ثانية ل(أسطورة الإطار) ونقتبس من صفحاتها منطوق النص التالي: " المناقشة النقدية ستكون في أغلب الأحوال غير حاسمة، وأن إمكان القبول المبدئي ليس له معايير مقننة: ذلك أن حدود ما انتهى إليه العلم إنما هي حدود شديدة السيولة. على هذا النحو تكون المناقشة العلمية في الأعم الأغلب غير حاسمة، ليس فقط بمعنى أننا لا نستطيع أن نصل إلى تحقيق نهائي أو حتى تكذيب نهائي لأي من النظريات موضع المناقشة لكن أيضا بمعنى أننا لا نستطيع القول إن إحدى نظرياتنا تبدو ذات أفضلية قاطعة تفوق بها النظريات المنافسة لها.(...) إن المناقشة لا تعني البتة بالسؤال حول ما إذا كانت نظرية ما "مبررة" بمعنى أننا نملك مبررات قبولها بوصفها نظرية صادقة. إن أفضل ما تستطيعه المناقشة النقدية هو تبرير الدعوة بأن النظرية موضع التساؤل هي أفضل بديل متاح، أو أنها، بعبارة أخرى، الأكثر اقترابا من الصد " هنا نخرج بمعيارنا الرابع وسنسميه: معيار( أفضلية البديل المتاح) والذي سيسهم، جنبا إلى جنب بقية المعايير، في تقديم يد العون والمساعدة لنا في عملية تمييزنا لعدد من التأويلات المختلفة حول نص ما، ويوفر لنا إمكانية تقرير أفضل بديل تأويلي من بينها بعد إجراء وتطبيق المعايير الثلاثة السابقة. فنحن كذوات مؤولة في مقدورنا تفضيل تأويل ما من بين عدة تأويلات مختلفة ومتصارعة حول موضوع واحد، لأن هناك دائما أسبابا أو مبررات ـ سواء كانت تتعلق بالسياق أو بنواح عملية ـ تحملنا على تفضيل رأي على آخر. ولكن المشكلة تنتج حينما نعرف أن إمكانية التفضيل لا تستند على اعتبارات عقلانية دائما، " إذ تدخل فيها الاعتبارات العاطفية، المزاج، إلى غير تلك من العوامل التي تحرك السلوك الإنساني وهي عوامل لا سبيل لحصرها" حيث أن التأويلات المختلفة تقوم على قناعات، وكثير من القناعات تحتوي على ما هو عقلاني تماما كما تحتوي على ما هو لا عقلاني. ويضرب لنا عبد المتعال زين العابدين هنا مثال يوضح لنا هذا الأمر بقوله: " لنأخذ تفسير فعل ما يقوم به فرد ما، ونرده إلى وسوسة الشيطان، على حين يرده رجل علم النفس إلى عوامل تتصل بتركيب الفرد أو يرده إلى حوادث وقعت له في طفولته. نحن هنا أمام تأويلين لحدث واحد لا سبيل للبت في صدقهما (أو كذبهما) بصورة قاطعة" ونحن نوافقه فيما ذهب إليه من ألا سبيل للحسم القاطع، ولكن بإمكاننا تفضيل أحدهما على الأخر، إن مسألة التفضيل هنا واردة. ولكن يجب أن نعرف أن تفضيل تأويل ما من بين عدة تأويلات أمر لا يمكن أن يقوم بدون دليل، والدليل هنا غير قاطع وغير ملزم للجميع بالأخذ به. يقول عبد المتعال: " إن الإجماع المستند على وجود الدليل القاطع هو، في الواقع، ما يميز العلوم الطبيعية ولا سبيل للحديث عنه خارج دائرة تلك العلوم. لكن من الممكن أن يستخدم مفهوم "الإجماع" بمعنى واسع أو فضفاض ليشير إلى إجماع جماعة في إطار نسق فكري بعينه حول قضية من القضايا، لكن هذا إجماع محدود بتلك الجماعة أي إجماع في إطار معتقد معين وبالتالي لا يكون ملزما لمن هو خارج المعتقد. أما ما يميز العلم الطبيعي فهو أن الإجماع فيه هو إجماعا بين جميع العلماء في عصر من العصور مهما اختلفت بيئاتهم، معتقداتهم، ثقافاتهم، مصالحهم رؤاهم الشخصية أو انتمائهم ـ كل ذلك لا يؤثر أدنى تأثير في بحثهم، فالبحث العلمي هنا غاية في ذاته (اكتشاف الحقيقة) حتى وإن جاء ذاك الاكتشاف بما هو منافي لمعتقدات موروثة، وحبيبة إلى النفس، ما يميز البحث العلمي هو الحيدة والتجرد المطلق، فهل ثمة سبيل للحصول على تلك الروح التي قوامها الحيدة المطلقة، في مجال الدراسات التي تقع خارج دائرة العلوم الطبيعيةـ لا سبيل... أجل لا سبيل للحصول على إجماع كهذا... خارج دائرة تلك العلوم"
وأخيرا نصل إلى معيارنا الخامس الذي سنطلق عليه (معيار التكذيب) والذي نستلهمه من قول بوبر: " إذا استطعنا إظهار أن معقبات نظرية ما لا تتفق مع وقائع معينة، فقد امتلكنا حينئذ حجة قوية ضدها. بل ولربما نقضي عليها تماما، وخصوصا إذا استطعنا إظهار أن نظرية ما منافسة لها تستطيع تفسير التجربة التي كذبتها" وبالتالي يمكّننا صياغة معيار التكذيب على هذا النحو: إذا ظهر لنا جليا من خلال مقارنتنا بين تأويلين أو أكثر حول مدلول نص ما، معقبات لا تتفق مع ما جاء به سياق النص بشكل لا يدعو للحيرة والتردد ولا يمكن التشكيك فيه بأية صورة من الصورة، عند ذلك نكون قد امتلكنا حجة قوية يمكن الاستناد عليها لدحض هذا التأويل.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,842,638,117
- الطريق إلى الحقيقة: سؤال المنهج
- الوجود البشري والحقيقة (6)
- الحقيقة أم التأويل: التساؤل بشأن (حقيقية) الحقيقة(5)
- تفكيكية جاك دريدا: نقل سؤال الحقيقة إلى مجال التأويل (4)
- الحقيقة لا تمثل الواقع الخارجي بل مفهومه، مراجعات فلسفية في ...
- مراجعات فلسفية في مفهوم الحقيقة (2)
- مراجعات فلسفية في مفهوم الحقيقة (1)
- العقل الإسلامي المعاصر: إلى أين؟
- في نظرية المعرفة: خلاصة ونتائج
- في نظرية المعرفة (6)
- في نظرية المعرفة (5)
- في نظرية المعرفة (4)
- في نظرية المعرفة (3)
- في نظرية المعرفة (2)
- في نظرية المعرفة (1)
- الثورة وثقافة الديمقراطية في الفقه السياسي الإسلامي: جدلية ا ...
- الثورة وثقافة الديمقراطية في الفقه السياسي الإسلامي: جدلية ا ...
- الثورة وثقافة الديمقراطية في الفقه السياسي الإسلامي: جدلية ا ...
- الثورة وثقافة الديمقراطية في الفقه السياسي الإسلامي: جدلية ا ...
- الثورة وثقافة الديمقراطية في الفقه السياسي الإسلامي: جدلية ا ...


المزيد.....




- البشير والسيسي يتفقان على وضع استراتيجيات للارتقاء بعلاقات ا ...
- السيسي للبشير: الروابط بين مصر والسودان لا توجد بين سواهما
- زعيم تحالف الفتح: عجزنا عن توفير الحياة الكريمة للعراقيين
- اكتشاف فائدة غير متوقعة لرائحة القهوة
- الحجاج الإيرانيون يتوافدون على السعودية
- علماء الفلك الروس يعلنون بداية موسم الغيوم الفضية النادرة
- ترامب يرفض اقتراح بوتين حول استجواب المتهمين
- مواطن أردني يقفز من شرفة مجلس النواب
- مقتل 14 مدنيا في غارة جوية شمالي أفغانستان
- مصر والسودان.. علاقة خاصة


المزيد.....

- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني
- حديقة القتل.. ماذا فعل جنود الله في العراق؟ / يوسف محسن
- ميشيل فوكو مخترع أثريات المعرفة ومؤرخ مؤسسات الجنون والجنس ... / يوسف محسن
- مميزات كل من المدينة الفاضلة والمدينة الضالة لدى الفارابي / موسى برلال
- رياضة كرة القدم.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- المعرفة عند أرسطو / عامر عبد زيد
- الفن والسلطة والسياسة : هيدجر ، عن المؤامرة والشعر / رمضان الصباغ
- القيم الفنية والجمالية فى الموقف الاكسيولوجى / رمضان الصباغ
- جينالوجيا مفهوم الثقافة كآلية لتهذيب الإنسان / نورالدين ايت المقدم
- ( قلق الوجود والجمال المطلق ( ما بعد لعنة الجسد وغواية الحض ... / أنس نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مجدي عزالدين حسن - كيف يجب أن نتعاطى مع النص الديني الإسلامي؟ (1)