أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السينو - ما هو المجتمع المدني و كيفية الوصول اليه















المزيد.....


ما هو المجتمع المدني و كيفية الوصول اليه


محمد السينو

الحوار المتمدن-العدد: 3637 - 2012 / 2 / 13 - 11:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مع تراجع دور الدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أصبحت عدة مؤسسات وهيئات دولية تساعد المنظمات غير الحكومية لتقوم بأنشطة تكمل دور الدولة، مما شجع على تزايد المبادرات الجماعية لتكوين تنظيمات وجمعيات ذات أهداف متنوعة، وعرفت البلاد العربية ودول العالم الثالث عموما في العقود الأخيرة حركية ملحوظة في تقوية وتوسيع النسيج الجمعوي الذي يستقطب الأفراد للانخراط في أعمال وأنشطة جماعية منظمة، تقوم في الأساس على التطوع في مجالات اقتصادية واجتماعية ودينية وثقافية وبيئية ورياضية...لتحقيق أهداف مجتمعية، باستقلال عن الدولة، وفي إطار القوانين المتعلقة بالجمعيات والهيئات المدنية، وتعرف هذه الجمعيات في بعض الدول العربية بالمجتمع الأهلي، بينما تعرف لدى المؤسسات الدولية، وفي الكتابات العربية الحديثة بالمجتمع المدني، أو المنظمات غير الحكومية.
غير أن المبادرات التطوعية للأفراد والجماعاعت المنظمة، والتي تقدم خدمات مجتمعية ليست ظاهرة حديثة، ولم ينحصر وجودها في منطقة جغرافية محدودة، مما يجعل التجارب في هذا المجال متعددة ومتباينة، من حيث الأنظمة التي تخضع لها، وأساليب عملها، ومستويات تطورها، وأهدافها، والعلاقات التي تربطها بالدولة ومكونات المجتمع السياسي، وبالتالي فإن تعميم إطلاق مصطلح المجتمع المدني على الهيئات المدنية، بمختلف أشكالها وأنظمتها ومستوياتها، وبقطع النظر عن الظروف التي نشأت فيها، والبيئة المحيطة بها، يصطدم بعدة صعوبات، لدرجة أن هناك من اعتبر أن المجتمع المدني ليس واقعا بديهيا قابلا للتعريف، ولكنه قابل للدراسة والتفسير والتحليل، ولا يمكن معرفته بصفة مباشرة، وإنما يمكن إخضاعه للتأويل ما دام يحمل في أعطافه سيرورة اجتماعية، ونمطا من الروابط يستحفان الوقائع والظواهر التي تؤول على أنها تدل عليه,
ولمحاولة تذليل الصعوبات التي تعترض وضع تعريف دقيق وشامل للمجتمع المدني، لابد من تسليط الضوء على أصل المصطلح، ومدلوله في التربة التي نشأ فيها، والبيئة التي تطور في إطارها، قبل التعرض للمقومات التي تشترك فيها منظمات المجتمع المدني بمفهومه العام المتداول حاليا على الصعيدين الوطني والدولي.
مفهوم المجتمع المدني
لقد ظهر مصطلح المجتمع المدني ((La société civile مع تطور الفكر الغربي الذي أنتجه، وكان (طوماس الأكويني) في تعليقه على كتاب السياسة ل (أرسطو) يدافع عن المكون الجماعاتي للتجمع السياسي، معتبرا المدينة مجالا للتواصل، وأن الإنسان حيوان سياسي وأهلي بطبيعته، أي أنه اجتماعي، وهي المعاني التي تشكل منها مفهوم(Communicatio Politica)، وعندما ترجم (Leonardo Bruni) كتاب (أرسطو) المذكور في القرن الخامس عشر، بدأ انتشار مفهوم ((Societas Civilis والانتقال من مفهوم (Communicatio) إلى مفهوم (Societas) لما يمثله من إشارة واضحة لانبثاق النزعة الإنسانية المدنية التي شهدتها مدن إيطاليا ,
وانشغل بمفهوم المجتمع المدني فلاسفة التنوير في مرحلة مقاومة أنظمة الحكم المطلق، ولم تحل النظرة الفلسفية دون إضفاء الطابع السياسي على هذا المفهوم، إذ جعلوه مقابلا للدولة الاستبدادية، وانتشر تداول هذا المصطلح في أوربا في القرن السابع عشر مع نشوء الديموقراطيات التي أقيمت على أنقاض الأنظمة السياسية التي كان يسودها الحكم المطلق، ونفوذ الكنيسة، وهيمنة الإقطاع؛ وفي هذا السياق يأتي كتاب المفكر السكوتلاندي (آدم فرجسون) حول تاريخ المجتمع المدني الصادر سنة 1767، والذي أثار فيه تساؤلات حول تمركز السلطة السياسية، واعتبر أن الحركة الجمعوية هي النسق الأفضل للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي؛ وفرق (توماس هوبز) بين الدولة والمجتمع المدني في كتابه حول حقوق الإنسان الصادر سنة 1791، ودعا إلى حكومة محددة الوظائف ومجتمع مدني حر وسام، غير أن هذه الدعوة لم تجد صداها مع نمو المجتمع الرأسمالي,
وتطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر الليبرالي بالموازاة مع التطورات السياسية والاقتصادية التي عرفها العالم الغربي وبروز نزعة الدفاع عن المصالح المشتركة للطبقة البرجوازية؛ وبدأ يتبلور المفهوم الحديث للمجتمع المدني من خلال ما كتبه (هيجل) في مؤلفه (مبادئ فلسفة الحق) الصادر سنة 1812، حيث أشار فيه إلى أن « المجتمع المدني يقع بين الأسرة والدولة، وأنه يتكون من الأفراد والطبقات والجماعات والمؤسسات، وتنتظم كلها داخل القانون المدني» ؛ أما في الفكر الماركسي فإن مفهوم المجتمع المدني ظل يستعمل كسلاح في مواجهة السلطة الشمولية، واعتبر (كارل ماركس) أن المجتمع المدني هو « ساحة الصراع الطبقي» وعالج المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) موضوع المجتمع المدني من منظور جديد، فاعتبره ليس ساحة للتنافس الاقتصادي، وإنما ساحة للتنافس الإيديولوجي، منطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية، والهيمنة الإيديولوجية، فمع نضج العلاقات الرأسمالية في أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وانقسام المجتمع إلى طبقات ذات مصالح متفاوتة أو متناقضة، واحتدام الصراع الطبقي كان لابد للطبقة الرأسمالية السائدة من بلورة آليات فعالة لإدارة هذا الصراع واحتوائه بما يضمن حماية مصالحها، وتحقيق الاستقرار في المجتمع ، ويقول (غرامشي) أن المجتمع المدني هو مجموعة من البنى الفوقية، مثل النقابات، والأحزاب، والصحافة، والمدارس، والكنيسة، ويعتبر أن الفاتيكان أكبر منظمة خاصة في العالم، ويفصل بين أدوار ومهام المجتمع المدني ووظائف الدولة، ويفسر ذلك المفكر الألماني المعاصر (يورفن هابرماس) بقوله إن وظائف المجتمع المدني في مفهوم (غرامشي) تعني الرأي العام غير الرسمي، أي الذي لا يخضع لسلطة الدولـة.
ومع اتساع دور المجتمع المدني وتزايد أهميته في المجتمعات الديموقراطية، فقد أصبح يحظى باهتمام الكثير من المفكرين والباحثين المعاصرين في الغرب وفي العالم العربي، ولذلك نجد أن هناك عدة تعاريف للمجتمع المدني، من بينها التعريف الذي يقترحهDominuque Colas)) ويعتبره عمليا فيقول بأن المجتمع المدني « يعني الحياة الاجتماعية المنظمة انطلاقا من منطق خاص بها وبخاصة الحياة الجمعوية التي تضمن دينامية اقتصادية وثقافية وسياسية» ، ويعرفه (برتراند بادي) بأنه « كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع دون تدخل أو وساطة من الدولة» ، ويعرفه (وايت جوردون) بأنه « مملكة توسطية تقع بين الدولة والأسرة، وتقطنها منظمات منفصلة عن الدولة، وتتمتع باستقلال ذاتي في علاقتها معها، وتتشكل طوعا من أفراد يهدفون إلى حماية مصالح أو قيم معينة» ، ويعرفـه عبد الغفار شكر بأنـه «مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف» ، ويعرفه سعد الدين إبراهيم بأنه: « المجال الذي يتفاعل فيه المواطنون، ويؤسسون بإرادتهم الحرة، تنظيمات مستقلة عن السلطة، للتعبير عن المشاعر، أو تحقيق المصالح، أو خدمة القضايا المشتركة»، ويفيد مصطلح المجتمع المدني في التداول السوسيلوجي المعاصر، أو بتعبير آخر في الأدبيات السياسية الحديثة، معنى «الوسائط المبادرة»
ويرى محمد عابد الجابري أنه مهما كان الاختلاف في تعريف المجتمع المدني، فإن ما هو بديهي ولا يمكن أن يكون محل اختلاف، هو أن المجتمع المدني أولا وقبل كل شيء «مجتمع المدن» ، وأن مؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم في المدينة، لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فهي إذن مؤسسات إرادية، أو شبه إرادية، يقيمها الناس وينخرطون فيها، أو يحلونها، أو ينسحبون منها، وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي التي هي مؤسسات «طبيعية» يولد الفرد منتميا إليها، مندمجا فيها، ولا يستطيع الانسحاب منها كالقبيلة والطائفة,
وتتفق عدة دراسات أكاديمية وجامعية على أن المجتمع المدني هو « مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها، هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها، أو لتقديم خدمات للمواطنين، أو ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف» ,
وباعتبار أن مصطلح (المجتمع المدني) من إنتاج غربي، ويرتبط بمفاهيم الديموقراطية الليبرالية، فإن هناك من ينتقد نقل المفهوم الذي يعبر عنه المصطلح، من بيئته الغربية إلى المحيط العربي، الذي يعد سوريا جزءا منه، دون تهيئة تربة جديدة ملائمة لغرسه، ويذهب عبد الله حمودي إلى أن هذا النقل يؤدي إلى عدم الأخذ بعين الاعتبار « خصوصية الدولة السورية وتركيبها، وأسس ونوعية العلاقات التي تنبني عليها سلطتها ومشروعيتها.. وإغفال ما يمكن تسميته بالشعور الذاتي لهذه التنظيمات، والرؤية التي تكونها عن نفسها ومسؤوليتها»، ويضيف أن هناك إهمالا لتعريف (هيكل) للمجتمع المدني الذي يركز على فكرة الوسائطية، التي تجعل المجتمع المدني وسيطا بين الأسرة والدولة، مما يستلزم تجاوز البنية العلائقية الأسرية والقبلية والعشائرية ,

وهناك من حاول أن يبحث عن بديل للمصطلح الغربي (المجتمع المدني)، وذلك بمحاولة إدراج ما يفيده هذا المصطلح ضمن منظومة « المفاهيم الإسلامية» بإطلاق مفهوم (مؤسسات الأمة) التي تتميز عن (مؤسسات السلطة) ,
غير أنه بالرغم مما يطرحه نقل المفاهيم والمصطلحات الغربية إلى الثقافة العربية من إشكاليات، خاصة في المجال المعرفي والفلسفي، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا لإغلاق الأبواب لمنع دخولها، أو تجنب استعمالها، أو البحث عن بدائل يكتنفها الغموض، ولا تستوعب المفهوم المقصود، خاصة وأن هناك ظواهر كونية تشترك فيها المجتمعات البشرية، ومن هذه الظواهر نزوع الإنسان بطبيعته للعمل الجماعي لتحقيق منافع مشتركة، وفي التراث الإسلامي ما يزكي ذلك، حيث ورد في الحديث النبوي:« يد الله مع الجماعة»، وإذا كانت تجليات المجتمع المدني متعددة ومتنوعة، وتحمل كل منها خصائص المجتمع الذي انبثقت منه، والمكان والزمان الذين وُجدت فيهما، فإنها لا تخلو من عناصر مشتركة بينها، يعيد إنتاجها العقل الإنساني الكوني في أماكن مختلفة، وعصور مغايرة، ويطبعها كل شعب بطابعه الخاص انطلاقا من هويته المتميزة.
وتجدر الإشارة إلى أن تعميم بعض الكتابات للأحكام التقييمية على الأوضاع في مختلف البلدان العربية، فيه كثير من الإجحاف، خاصة حينما يتعلق الأمر ببعض الظواهر التي ترتبط بمدى الحريات الفردية والجماعية المتاحة، ومستوى التطور نحو الحياة الديموقراطية، بحيث لا مجال للمقارنة في هذا الصدد بين المستوى الذي وصل إليه المغرب والوضع في السعودية أو الكويت أو سوريا، وتصعب المقارنة حتى داخل بلدان الشرق الاوسط العربي بسبب الاختلاف في الأنظمة السياسية والتفاوت في الأوضاع القائمة بكل دولة، وبالتالي لا يمكن إصدار حكم عام ينفي وجود المقومات الأساسية للمجتمع المدني في كل العالم العربي، لأن هذا الحكم إذا كان يصح نسبيا في ظل بعض الأنظمة العربية والمغاربية، فإنه لا يصح بالنسبة للبعض الآخر ومن ضمنه سوريا الذي عرف منذ زمن طويل، تنظيمات مدنية نشأت بعفوية، واستجابة لحاجات مجتمعية، وتتمتع بالاستقلالية؛ وإذا كانت الظروف السياسية قد أفرزت بعض الكيانات خارج هذا الإطار، فإن ذلك لم يؤد إلى اندثار أو تغييب العمل الجمعوي المنبثق من المجتمع، والذي يعمل انطلاقا من وعيه الذاتي، وباستقلال عن الدولة كما سنرى.
مقومات المجتمع المدني
ورغم تعدد واختلاف تعاريف المجتمع المدني فإن معظمها يركز على مقومات أساسية يستند عليها في وجوده ويمكن تلخيصها فيما يلي:
1) الطوعية:
وتعني أن تنظيمات المجتمع المدني باختلاف أنواعها وأهدافها، تتأسس بناء على الرغبة المشتركة لأصحابها، وانطلاقا من إرادتهم الحرة، أو الطوعية، وبالتالي فهي غير مفروضة من طرف أي جهة، ولا يتم إحداثها استجابة لتعليمات أو توجيهات الحاكمين وذوي النفوذ، أو غيرهم، وتمارس نشاطاتها التي تستجيب للأهداف التي سطرتها لنفسها بعيدا عن أي ضغط أو تأثير خارجي.
وعادة ما تنبع الرغبة في تكوين هيئات المجتمع المدني، من شعور الأفراد بانتمائهم للمجتمع الذي يعيشون فيه، وبكونهم معنيين بما يحدث فيه سلبا أو إيجابا، ووعيهم بما لهم من مسؤولية تجاهه، وبأهمية الانخراط في قضاياه بالاشتراك مع الآخرين، وما يقتضيه ذلك من تطوع وتضامن وتعاضد وتعاون من أجل الصالح العام، ثم الإحساس بلذة تحقيق النتائج، وجني الثمار، التي تعود بالنفع على المجتمع ككل، وعلى أفراده من خلال العمل المشترك.
2) التنظيم:
إن الحرية والتلقائية التي تطبع تأسيس الجمعيات التي تندرج ضمن مفهوم المجتمع المدني، لا تعني العشوائية أوعدم الضبط، لأن وجود كل واحدة من هذه الجمعيات يخضع للقوانين السائدة والتي تتيح حرية تأسيسها من جهة، كما تخضع في تسييرها وقيامها بمهامها لقوانينها الأساسية، وأنظمتها الداخلية من جهة ثانية، وبذلك تتميز عن الجماعات والمكونات التي عرفتها مجتمعات عربية وإسلامية في الماضي كالقبيلة والعشيرة والزاوية.
وتقوم العلاقة بين أعضاء الجمعية على أساس التكافؤ واحترام كل الآراء والاجتهادات، في إطار العمل الجماعي لفريق يتوخى تحقيق نفس الأهداف، وهي علاقات أفقية، وليست رأسية أوعمودية، مثل العلاقة بين الأجير والمؤجر، أو بين السلطة والمواطن، أو بين شيخ الزاوية والأتباع، مما يجعل الجمعية إطارا يتيح ويشجع كل الأعضاء على الابتكار والإبداع، والمساهمة الإيجابية في الوصول إلى الغايات المشروعة المشتركة.
3) الاستقلال عن الدولة:
كما أن هيئات المجتمع المدني لا تؤسسها الدولة، ولا تُحدث بإيعاز منها، فهي لا تكون أداة تُسخر من طرفها لخدمة أهدافها السياسية، إنها منظومة ذاتية التأسيس والاشتغال، وحينما تفقد أي جمعية استقلاليتها عن الدولة، وعن نفوذ السلطات العمومية، فإنها تفقد بذلك العنصر الجوهري الذي يميز المجتمع المدني الذي تتبلور في نسيجه رغبات أفراده، ويخضع لنظام خاص به، وله منهجيته؛ وتأكيدا لمبدأ الاستقلالية فإن جمعيات المجتمع المدني تعرف في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وفي المؤسسات الدولية عموما، بالمنظمات غير الحكومية، وتختصر إسمها ب (O.N.G.).
واستقلال المجتمع المدني عن الدولة لا يعني بالضرورة أنه نقيض أو خصم لها، أو لا توجد بينهما أي صلة، وإنما تفيد أن علاقته بها لا تتسم برابطة التبعية، وعندما تكون هناك أوراش تساهم فيها الدولة والمجتمع المدني في نفس الوقت، فإن طبيعة العلاقة في هذه الحالة تكون مبنية على الشراكة والتعاون، ووظيفة المجتمع المدني وإن كانت لا تختلف في مجالات تدخلها عن تلك التي تهتم بها مؤسسات الدولة، فإنها قد لا تكون من بين أولوياتها، ولذلك يصف البعض دور المجتمع المدني بأنه مكمل للمهام التي تقوم بها مصالح الدولة، ويسد الفراغ أو النقص في بعض الخدمات التي تهم العموم، أو تهم فئات معينة.
غير أن علاقات التكامل بين المجتمع المدني والدولة على النحو المذكور، لا تتحقق إلا في الدولة الديموقراطية التي تكون فيها السيادة للأمة، والشعب مصدر السلطات، وتتميز بشفافية تدبير الشأن العام، وتخضع فيها كل العلاقات لسيادة القانون، أما إذا كانت الدولة تقيد الحريات، وتنهج أسلوب القمع مع الأفراد والجماعات، فإن هيئات المجتمع المدني في هذه الحالة، إن وجدت، تكون قوة معارضة.
4) خدمة الصالح العام:
إن أعمال ومبادرات منظمات المجتمع المدني لابد أن تصب في خدمة الصالح العام، من خلال تقديم خدمات لفائدة المجتمع، أو بعض الفئات المستهدفة منه، وهناك مجالات كثيرة ومتنوعة لاشتغال المجتمع المدني، في بلد يعاني من التخلف، ويعرف الكثير من الاختلالات والخصاص، ومن هذه المجالات: الأعمال الاجتماعية التي تستهدف الفئات المحتاجة، ورعاية الأشخاص المعاقين، وحماية الطفولة، والاهتمام بقضايا المرأة والشباب، ومحاربة الأمية، والوقاية الصحية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعميم مفاهيمها وثقافتها، ونشر قيم المواطنة، وحماية البيئة، والمساهمة في تنمية الحواضر والقرى، ومحاربة الفقر والإقصاء الاجتماعي، وترسيخ مقومات الهوية الوطنية، وما تتميز به من غنى وتنوع، والنهوض بالفنون، والتشجيع على الإبداع، وخلق فضاءات للتنشيط الثقافي والرياضي والترفيهي، وغير ذلك من المجالات التي يمكن للمجتمع المدني أن يساهم من خلال الاشتغال بها في تنمية المجتمع والنهوض به، دون أن تكون الغاية من وراء ذلك هي التجارة أو الربح، أو المصلحة الذاتية للأعضاء.
5) عدم السعي للوصول إلى السلطة:
على الرغم من كون أنشطة وأهداف المجتمع المدني لا تبتعد عن مجالات الشأن العام، وأن بعض الجمعيات تشكل أحيانا قوة ضاغطة على السلطات العمومية، وتقوم بانتقاد العمل الحكومي، فإنها لا تسعى من خلال ذلك للوصول إلى السلطة، ومن هذه الزاوية يتميز المجتمع المدني عن الأحزاب السياسية التي من طبيعتها أن تعمل للوصول إلى الحكم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك من يتوسع في مفهوم المجتمع المدني فيعتبر الأحزاب السياسية جزءا منه، غير أن أهداف الأحزاب ومنهج عملها مغايران، فهي تتنافس في الاجتهادات والبرامج التي تهم مختلف مجالات الشأن العام، وتقوم بعرضها على الرأي العام، وعلى الناخبين لنيل ثقتهم، والوصول بالتالي إلى الحكومة لتنفيذ تلك البرامج؛ بينما أي جمعية من المجتمع المدني لا تتدخل في كل المجالات، وإنما تختار أن تقدم خدمات معينة في مجال محدد، ولا تدخل في المنافسة الانتخابية التي تعني الأحزاب السياسية.
6) عدم اللجوء إلى العنف:
إذا كان من حق منظمات المجتمع المدني أن تقوم بالاحتجاج على السياسة التي تتبعها السلطات العمومية في مجال ما، أو في مواجهة إحدى الظواهر السلبية في المجتمع، ومن حقها أيضا ممارسة الضغوط لتحقيق فوائد للمجتمع، ومكتسبات للشرائح الاجتماعية التي تدافع عن مصالحها، فإنها لا يمكن أن تستعمل في ذلك إلا الوسائل السلمية المتحضرة، والمتمثلة في رفع المطالب، وإبداء الملاحظات، والحوار مع الجهات المعنية، واستعمال وسائل الإعلام والاتصال لتوضيح مواقفها، ويمكنها أن تلجأ إلى التظاهر السلمي إذا اقتضى الأمر ذلك؛ ولا يمكنها مطلقا اللجوء إلى العنف، لأن المجتمع المدني من المفروض أن يساهم في تهذيب السلوك العام، وليس في ترهيب المجتمع، ويعبئ الطاقات لخدمة الصالح العام، ولا يهيج الناس من أجل التخريب، ويعمل على نشر قيم التضامن والتسامح، ولا يزرع الحقد والكراهية.
ولذلك فإن التنظيمات التي لا تتورع عن استعمال العنف، وتمارس الإرهاب بأي شكل من الأشكال، مهما كانت أهدافها المعلنة، لا يمكن أن تندرج ضمن المجتمع المدني، لأنها تجعل نفسها ضد أمن وسلامة واستقرار المجتمع، وبالتالي تكون ضد الأهداف النبيلة، والرسالة الحضارية التي يضعها المجتمع المدني على عاتقه
مزايا المجتمع المدني
ويعد المجتمع المدني في العصر الحاضر من المكونات الأساسية لكل مجتمع ديموقراطي حداثي، ويضطلع بدور حيوي في تعبئة الطاقات لخدمة الصالح العام، والمساهمة الفعالة في تحقيق التنمية والتقدم، حيث يشتمل في تنظيماته وفي أدائه لمهامه على مزايا كثيرة وفوائد متعددة، نشير إلى أهمها فيما يلي:
1) ترسيخ الثقافة الديموقراطية، والتربية على المواطنة، وما يعني ذلك من حرية، ومسؤولية، وتنظيم، ومشاركة، وتعدد، واختلاف، وحوار، وخضوع للأغلبية، وتسامح، واحترام الرأي الآخر، وتعامل في إطار مؤسساتي وقانوني.
2) توسيع قاعدة المهتمين بالمصلحة العامة، وتقوية الشعور بالانتماء الوطني، وروح التطوع، والعمل الجماعي المنظم، والحد من النزعة الفردية والأنانية، وتحقيق الاندماج والتعاون بين أفراد تجمعهم الرغبة المشتركة في خدمة المجتمع.
3) امتصاص حالات الاحتقان السياسي والاجتماعي، والتنفيس عنها بتفجير الطاقات بصورة إيجابية، واعتماد النهج السلمي في اتخاذ المواقف المختلفة، والتعبير العلني عن القناعات المتباينة.
4) تلبية الاحتياجات المتعددة والمتنوعة للأفراد من خلال انخراطهم في الأنشطة الجمعوية التي تتلاءم مع تخصصاتهم وميولاتهم وتطلعاتهم، وبضمان حرية تكوين الجمعيات، والانخراط فيها بدون تمييز، لا يبقى المجال لأي تيار أو فئة لاحتكار العمل في المجالات الاجتماعية والثقافية والحقوقية وغيرها.
5) تكوين النخب وإفراز القيادات الجديدة، حيث تتيح منظمات المجتمع المدني لأعضائها التدريب على الخدمة العامة، والتمرس على العمل الجماعي المنظم، ومن خلال أدائها لوظيفتها، تبرز المواهب والكفاءات في التدبير، ويتم اكتساب المهارات الجديدة، وتعميق الخبرة والتجربة، كما أن تبوء مواقع المسؤولية، والقيام بتوزيع الأدوار، وتنظيم العمل، وتدبير الاختلاف، والتوفيق بين الآراء، يساعد على امتلاك فن القيادة، وبذلك يصبح المجتمع المدني منجما للنخب المؤهلة، والقيادات المدربة.
الديمقراطية كفضاء لنمو المجتمع المدني
إذا كانت منظمات المجتمع المدني تتأسس بناء على الإرادة الطوعية المشتركة لمجموعة من الأفراد الذين يرغبون في القيام بأعمال أو تقديم خدمات لفائدة المجتمع، فإن هذه الإرادة إذا لم يتوفر لها الهامش الكافي من الحرية، لا يمكنها أن تحقق الغاية المطلوبة من طرف أصحابها، ولذلك يمكن القول بأن المجتمع المدني يرى النور بتوفر الحرية، أما نموه وتحقيقه لأهدافه فيبقى مرتبطا بطبيعة المحيط الذي يوجد فيه، بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، وكلما كانت العلاقات التي تسود المجتمع مرتكزة على القواعد الديمقراطية المؤسساتية، ومتشبعة بقيم التعدد والاختلاف، وروح المواطنة، والتنافس في خدمة المصلحة العامة، وحرية الاجتهاد، والمراقبة والمساءلة والنقد، فإن توفر هذه القواعد والقيم يفتح الفضاء الطبيعي لنمو المجتمع المدني وتطوره.
وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد في 10 دجنبر 1948، على الحق في تكوين الجمعيات والانخراط فيها، والحق في المشاركة في الحياة السياسية، وفي الحياة العامة، باعتبارها من الحقوق والحريات الأساسية لكل الأفراد، على أساس المساواة ودون أي ميز، وتشكل في مجموعها شروطا لا يغني بعضها عن الآخر لقيام وتطور البناء الديمقراطي للمجتمع.
والارتباط الوثيق بين الديمقراطية والمجتمع المدني، جعل البعض يرى أن المجتمع المدني لا يوجد من دون دولة ديمقراطية، كما لا توجد دولة ديمقراطية من دون مجتمع مدني(16)، غير أن هذه الفكرة ليست قطعية، لأن كثيرا من الجمعيات المدنية تأسست في ظل أنظمة غير ديمقراطية في دول مختلفة من العالم، وكثيرا ما كان المجتمع المدني يستعمل كأداة لمواجهة أنظمة الحكم الاستبدادي المطلق، خاصة في أوربا الغربية قبل أن تنتقل إلى الديمقراطية، وهناك تجربة معروفة في الربع الأخير من القرن العشرين، والمتمثلة في الدور الذي قامت به منظمة (تضامن) في بولونيا، حيث واجهت النظام الشمولي الذي كان مواليا للاتحاد السوفييتي قبل انهياره، وأدت تلك المواجهة إلى نهاية ذلك النظام في بولونيا، كما أنه في عدة دول عربية لم يؤد غياب الديمقراطية إلى انعدام الجمعيات المدنية ذات الأهداف المتنوعة، وعلى سبيل المثال فإن مصر التي مازالت تبحث عن طريقها نحو الديموقراطية، توجد بها حوالي 17 ألف جمعية مسجلة، فضلا عن الجمعيات غير المسجلة,
غير أنه كلما ساد المناخ الديمقراطي في الحياة السياسية، وانتشرت الثقافة الديمقراطية، وترسخت قيمها في المجتمع، كلما ساعد ذلك على نمو وتطور المجتمع المدني، واتساع مجالات تدخله، وازدياد فعاليته في تحقيق أهدافه المجتمعية؛ ويمكن القول باختصار أن الحرية هي التي تساعد المجتمع المدني كي يرى النور، والديمقراطية هي الفضاء الطبيعي الذي يتيح له أن يعيش وينمو ويتطور.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,164,042,446
- الغرف السوداء في برنامج البالتوك معارضة و مولاة
- العرب اصبحوا نكتة العصر
- الارهاب السلفي الوهابي عار على الاسلام الجزء الثاني
- الارهاب السلفي الوهابي عار على الاسلام
- لا فرق بين حماس و الاخوان المسلمين الكل واحد
- الديمقراطية و سبل تطويرها في الوطن العربي و سوريا خصوصا
- نظرة على الوضع السوري
- هكذا يريدون الجرب القضاء على سوريا
- شيوخ نحترمهم و شيوخ ندعس عليهم لانهم شياطين
- السعودية راعية الارهاب في العالم
- يخرب بيت الدش اللي خلى الناس تتكلم سياسة
- الأعراب أشد كفرا ونفاقا هم قوم الجهالة
- جامعة الخيانة و الخوان العرب
- ج 6 الاسلام السياسي هو الماسونية بوجه جيد لعالمنا العربي
- الاسلام السياسي هو الماسونية بوجه جيد لعالمنا العربي ج 5
- الاسلام السياسي هو الماسونية بوجه جيد لعالمنا العربي ج 4
- الاسلام السياسي هو الماسونية بوجه جيد لعالمنا العربي ج 3
- الاسلام السياسي هو الماسونية بوجه جيد لعالمنا العربي ج £ ...
- الاسلام السياسي هو الماسونية بوجه جيد لعالمنا العربي ج £ ...
- كيف تكون المعارضة و بنائها للوطن


المزيد.....




- ماكغورك لـCNN: نفوذ أمريكا في سوريا يتبخر أمام روسيا.. وداعش ...
- رأي.. کامليا انتخابي فرد تكتب لـCNN: لبنان تعرّض لخدعة من إي ...
- موسى الصدر: ما الذي يجعل من قضيته ملفاً لا يغلق؟
- الولايات المتحدة ستطلب رسميا من كندا تسليم المديرة المالية ل ...
- أزمة البريكست.. ماي تحارب الجميع فهل يوقفها البرلمان؟
- أقمار البنتاغون العسكرية تحت ظلال صواريخ موسكو
- صحيفة: أفعال الولايات المتحدة تدفع روسيا إلى خطوات خطيرة
- الصقيع يجمد -سائحة البكيني- حتى الموت! (صور)
- غوتيريش يعين كويتية أمينة للـ-إسكوا-
- مجلة أمريكية: واشنطن هي التي اضطرت موسكو لانتهاك معاهدة الصو ...


المزيد.....

- إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية / عبد الغني سلامه
- صعود الجهادية التكفيرية / مروان عبد الرزاق
- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السينو - ما هو المجتمع المدني و كيفية الوصول اليه