أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل علي - آساطير ألأولين- حكايات جدتي وأسطورة أيتانا والنسر-2






















المزيد.....

آساطير ألأولين- حكايات جدتي وأسطورة أيتانا والنسر-2



كامل علي
الحوار المتمدن-العدد: 3544 - 2011 / 11 / 12 - 09:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كنّا أطفالا نجلس حول ألمدفأة لنتدفأ بألحرارة ألمنبعثة من جمرات ألفحم في ليالي ألشتاء ألباردة في أعوام الخمسينات من القرن العشرين حيث لم يكن العراق قد تعرّف بعدُ على أجهزة ألتدفئة والتكييف والتلفزيون. التسلية الوحيدة لنا كانت حكايات جدتي.
قبل فترة أطّلعت على ثلاثة مؤلفات للكاتب السوري فراس السوّاح (مغامرة ألعقل ألأولى ولغز عشتار وألأسطورة وألمعنى) يبحث فيهم أساطير الحضارات ألقديمة كالحضارة ألاوغارتية في سوريا وحضارات وادي الرافدين (السومرية والبابلية وإلاشورية). أثارت بعض هذه ألأساطير في عقلي ذكريات ألطفولة فتذكرت بعض حكايات جدتي واستغربت من ألشبه ألغريب بين حكايات جدتي وبعض هده الاساطير وتساءلت: كيف وصلت هذه ألأساطير بعد آلاف ألسنين الى جدتي؟ فجدتي لم تكن بإمكانها قراءة ترجمات ألبروفيسور كريمر لألواح ألكتابات المسمارية لأنّها لم تكن تعرف ألقراءة وألكتابة أصلا. التفسير ألمنطقي لهذا التشابه هو أنّ ألأساطير ألسومرية أنتقلت خلال ألأجيال ألى جدتي شفاها وعبر آلاف ألسنين.
سنحاول بعد أنْ أنهينا هذه ألحكاية ألشعبية ألتركمانية تلمّس جذورها في أساطير حضارات وادي الرافين وألتي تعرفنّا على تفاصيلها بعد ألكشف عن ألألواح ألطينية في أرض ألعراق وبعد فك رموزها من قبل علماء ألآثار وفي مقدمتهم عالم ألآثار ألبروفيسور كريمر.
في الأسطورة البابلية (إيتانا وألنسر) من ألعصر ألبابلي ألقديم (2000-1600 ق م)، سنلاحظ وجود تشابه لافت للنظر بينها وبين حكاية جدتي (محمّد جَلَبي)، سنلقي أولا نظرة على محتويات هذه الأسطورة ، وبعد ذلك سنحاول شرح رموز هذه ألأسطورة والمقارنة بينها وبين ألحكاية الشعبية آنفة ألذكر.
اسطورة إيتانا والنسر:
سنستعين للاطلاع على تفاصيل هذه ألأسطورة بمؤلف ألكاتب فراس ألسوّاح ( ألأسطورة وألمعنى):
تدور أحداث هذه القصة في الأزمان الأولى عندما كان الآلهة يخلقون الجهات الأربع، ويضعون مخططاً لبناء أول مدينة للبشر هي مدينة كيش. فبعد أن انتهوا من أعمال الخلق والتنظيم أسسوا منصب المُلْك، وراحوا يبحثون عن شخص مناسب ينصبونه ملكاً على المدينة، ليكون حاكماً صالحاً للناس فوقع اختيارهم أخيراً على إيتانا:
مقدمة الأسطورة:
الآلهة الكبار، آلهة الإيجيجي صمموا مدينة.
آلهة الإيجيجي وضعوا لها الأساسات.
آلهة الأنانوكي صمموا مدينة كيش.
آلهة الأنانوكي وضعوا لها الأساسات.
آلهة الإيجيجي صنعوا لها قوالب الآجر.

الآلهة الكبار الذين يقدِّرون المصائر،
جلسوا، تشاوروا في أمور البلاد،
بينما كانوا يخلقون جهات العالم الأربع ويصيغون شكلها.

لم يكونوا قد أقاموا ملكاً على الناس قاطبة،
ولم يكن التاج وعصابة الرأس، حينئذ، قد أُوثقا معاً،
ولم يكن أحد، بعد، قد لوَّح بصولجان الملك.
ولم تكن منصة العرش أيضاً قد رُفِعت.
[بعد ذلك هبط المُلْك من السماء].
كانت عشتار في ذلك الوقت تبحث عن راعٍ،
كانت تبحث هنا وهناك عن ملك.
وإنليل يبحث عن منصة عرش لإيتانا،
الشاب الذي كانت عشتار لا تني تبحث عنه.
وهكذا وقع اختيار الآلهة على إيتانا ليكون أول ملك أقيم لحكم الناس.
بعد ذلك ندخل إلى متن الأسطورة الذي يتألف من جزئين، أو قصتين، تمّ الربط بينهما عند مفصل معين في سير الأحداث، لسبب يبدو غير واضح من الوهلة الأولى. فبعد صعود إيتانا على العرش في كيش، نمت شجرة عملاقة وارفة الظلال، وجاءت إليها حية فاتخذت من قاعدتها وكراً لها ولصغارها، ثم حط على قمتها نسر فصنع له ولفراخه عشاً. وقد تعاهد الاثنان على العيش بسلام وعلى اقتسام الرزق فيما بينهما. فإذا اصطاد النسر فريسة جاء بها إلى المكان وترك الحية وصغارها يقتسمونها معه، وإذا اصطادت الحية فريسة جاءت بها أيضاً وتركت النسر وفراخه يقتسمونها معها. ثم وثَّق الطرفان عهدهما هذا بالقسم أمام الإله شمش، إله الحق والعدالة، على احترام الاتفاق وعدم النكث بالعهد. سارت الأمور سيراً حسناً واحترم كل من الحية والنسر اتفاقهما، إلى أنْ كَبُرَ فراخ النسر ولَمْ يعودوا بحاجة إلى رعاية. عندئذ أضمر النسر في قلبه شراً وراح يتحين الفرص لأكل صغار الحية:
عندما كبر فراخ النسر وشبوا،
أضمر النسر مكيدة شريرة في قلبه.
ثم تحدث إلى فراخه قائلاً:
إني لآكل صغار الحية.
سيشتعل غضبها علي بالتأكيد
ولكني سوف أطير عالياً وأختبئ في الأجواء،
ثم أهبط إلى أعلى الشجرة فقط لأخطف من ثمرها.
فقال له فرخ مُزغبٌ كثير الحكمة، قال لأبيه:
لا تفعل ذلك يا أبي، لأن شبكة شمش سوف تمسك بك.
ولكن النسر لم يستمع لنصيحة ابنه الحكيم، وبينما كانت الحية غائبة عن وكرها نقض النسر عهده وانقض فأكل صغارها ثم هرب. وعندما عادت الحية بصيدها واكتشفت ما فعله النسر، بكت وذرفت دموعها أمام الإله شمش ضارعة إليه أن يثأر لها من النسر. استجاب شمش لدعاء الحية ورسم لها خطة توقع بالنسر. دفع إليها بثور مقيد في الفلاة، عليها أن تقتله وتختبئ في أحشائه. وعندما تحط طيور السماء لتأكل من الجيفة سيأتي النسر بينها أيضاً. وعندئذٍ عليها أن تنبري له وتقبض عليه فتنتزع مخالبه وتنتف ريش أجنحته، ثم ترميه في حفرة عميقة ليموت هناك من الجوع والعطش.
تسير الخطة بنجاح وتأتي الطيور لتأكل ويَهُمُّ النسر أنْ يحط معها ليأكل أيضاً، ولكن فرخه الحكيم يحذِّره من احتمال كمون الحية في بطن الثور لتثأر لصغارها منه. تردد النسر قليلاً، ثم أقدم عندما رأى بقية الطيور تأكل بهدوء وسلام دون أن ترى ما يعكرها، فطار وحط على الثور. عندئذ انقضت عليه الحية من مكمنها فاقتلعت مخالبه ونتفت ريشه ثم ألقته في الحفرة العميقة غير آبهة لتوسلاته، ومضت تاركة إياه لمصيره. راح النسر يتضرع في كل يوم إلى شمش، لعلَّه ينقذه من ورطته. فقال له شمش:
إنك مخلوق مؤذٍ وشرير، وقد أحزنت قلبي.
لقد ارتكبت فعلاً مرذولاً من قبل الآلهة، لا يقبل الصفح.
ها أنت ذا تموت، ولكني لن أقترب منك،
بل سأقيِّض لك رجلاً، فاطلب منه عوناً.
هنا تنتهي القصة الأولى وتبدأ القصة الثانية التي تعود بنا إلى إيتانا الصالح. فإيتانا عاقر وقد شارف على الشيخوخة دون أن يُرزَق بغلام يخلفه على العرش، وهو يصلي في كل يوم ويقدم قرابينه إلى الآلهة من أحسن مواشيه، علَّها تنظر إليه بعين العطف وترفع عنه لعنة العقم. ثم يسمع بنبتة مزروعة في السماء تشفي من العقم، فيدعو الإله شمش أن يجعل هذه النبتة في متناول يده.
يستجيب له الإله ويدلُّه على مكان النسر الحبيس، فيحرره ويشفيه لقاء أنْ يطير به إلى السماوات العُلى لجلب نبتة الإخصاب التي تتعهدها هناك عشتار( آلهة ألخصب) بالرعاية والسقاية. يأتي إيتانا إلى حفرة النسر ويخبره بمشيئة شمش، ثم يعمل على شفائه وتعويده على الطيران مجدداً. وعندما يتعافى النسر يعتلي إيتانا ظهره فينطلق به صُعَداً في طبقات الجو العليا، حتى تبدو الأرض وكأنها بستان صغير ويبدو البحر الواسع وكأنه قِدر ماء. ولكن قوى النسر تخور ويعترف بعجزه عن المضي قُدُماً أبعد من ذلك، ثم يهوي عائداً إلى الأرض. لدى رجوعه إلى كيش يرى إيتانا أحلاماً غريبة عن رحلة ثانية إلى السماء، منها الحلم التالي الذي قصَّه على صديقه النسر:
رأيت أننا نمضي عبر بوابة آنو وإنليل وإيا
هناك ركعنا معاً، أنا وأنت.
ثم رأيت أننا نمضي معاً، أنا وأنت
عبر بوابة سن وشمش وأدد وعشتار.
هناك ركعنا، أنا وأنت.
رأيت بيتاً فيه نافذة غير موصدة.
دفعتها، فانفتحت وولجت منها،
فرأيت هناك فتاة مليحة الوجه مزينة بتاج،
وهناك عرش منصوب،
وتحت العرش أُسود رابضة مزمجرة.
فلما ظهرتُ لها قفزت نحوي.
عند ذلك أفقتُ من نومي مذعوراً.
يرى النسر في حلم إيتانا بشارة بنجاح محاولة ثانية لهما في ارتقاء السماء، فيقرران التحليق مجدداً. تنجح المحاولة ويصل النسر بإيتانا إلى سماء آنو، حيث يدخلان بوابة آنو وإنليل وإيا، فيسجدان هناك، ثم يجتازانها إلى بوابة سن وشمش وأدد وعشتار، فيسجدان هناك أيضاً. ثم يفتح إيتانا البوابة ويدخل، وهنا ينكسر الرقيم وتتوقف القصة. ولكن من المؤكد أن الجزء المفقود يقص عن كيفية حصول إيتانا على نبتة الإخصاب والعودة بها إلى الأرض، لأننا نعرف من وثيقة ثبت ملوك سومر أن الملك إيتانا كان أول ملك على كيش بعد الطوفان، وأنه الذي أسس لسلالة كيش الأولى، وأن وريثه على العرش كان ابنه المدعو بالح.
معنى ألأسطورة:
رغم الحيرة التي يسببها لنا احتواء الأسطورة على قصتين غير متجانستين، إلا أن رسالتها واضحة تماماً. ذلك أن الهاجس الرئيسي هنا هو التأسيس لأصل مؤسسة الملكية التي "هبطت من السماء"، على حد تعبير النص البابلي القديم. فأسطورتنا هي أسطورة أصول، وتنتمي إلى تلك الزمرة من أساطير الأصول التي تهدف إلى تبرير المؤسسات الاجتماعية القائمة وتجذيرها في البدايات الميثولوجية الأولى، من أجل إسباغ طابع القداسة عليها. فمطلع النص يعود بنا إلى الأزمان الميثولوجية البدئية، عندما كانت الآلهة تضع اللمسات الأخيرة على الكون الذي خرج لتوِّه من رحم الهيولى البدئية.
فكانت مؤسسة الملكية أول ما التفتت إليه بعد أن انتهت من هندسة "المكان"، وشكلت جهات العالم الأربعة ووضعت مخطط أول مدينة للإنسان وأرست لها الأسس. وبعد أن خلقت الآلهة منصب الملك وحددت له شاراته ورموزه، راحت تبحث عن رجل يشغل ذلك المنصب فوجدته في إيتانا الصالح. تنتقل الأسطورة بعد ذلك إلى تجذير مؤسسة الملكية الوراثية أيضاً في الزمن الميثولوجي. فهذه قد هبطت أيضاً من السماء عن طريق نبتة الإخصاب التي جلبها إيتانا من هناك فوهبته ولداً ووريثاً على العرش.
ولكن ما معنى قصة الحية والنسر؟ ولماذا جُعِلت بمثابة مدخل إلى المتن الأساسي للأسطورة؟ إن القراءة الأولى للنص تغرينا بالنظر إلى قصة الحية والنسر على أنها مجرد حكاية، ذات طابع تشويقي، تمّ دمجها في السياق العام للقصة الرئيسية لأغراض أدبية محضة. إلا أن التلازم الطويل بين القصتين في جميع النصوص التي وصلتنا للأسطورة، عبر أكثر من ألف عام، يدفعنا إلى استبعاد هذا التفسير القريب والبحث عن تفسير آخر.
إن مفتاح الولوج إلى سر العلاقة بين القصتين هو التساؤل المشروع الذي يخطر بالبال عقب قراءة النص وهو: لماذا كان على النسر أن يمر بتجربته الأليمة تلك قبل أن يصعد بإيتانا إلى السماء؟ ألم يكن بمستطاع الإله شمش أن يوكل لهذا النسر نفسه أو لغيره مهمة الصعود، دون أن يكون قد تعرض لتلك الأحداث التي أودت به إلى أعماق الحفرة حيث وجده إيتانا؟
إن الجواب على هذا التساؤل متضمَّن في بنية النص نفسه الذي يقول لنا صراحة، ومن خلال توكيده على الربط العضوي بين القصتين، إنه كان على النسر أن يمر بتجربته مع الأفعى قبل أن يكون قادراً على التحليق في طلب نبتة الإخصاب. فهذه التجربة هي التي أهَّلته للمهمة وجعلت منه نسراً مختلفاً عن بقية النسور. فما الذي تضمنته التجربة مع الحية وأية قوى استثنائية أكسبته إياها؟
تتضمن التجربة مع الحية حدثين مهمين قادا إلى حدث ثالث هو مركز القصة بكاملها. ويمكن تصوير هذه الأحداث الثلاثة وفق المخطط التالي:
الصعود إلى السماء- أكل صغار ألحية- ألهبوط إلى قاع ألبئر.
حسب رأي فراس ألسوّاح، في الحدثين الأولين مرحلتين هي طقس عبور وطقس تعدية. في المرحلة الأولى يأكل النسر صغار الحية، وفي المرحلة الثانية يُلقى به في قاع حفرة أو بئر عميقة في باطن الأرض. فأما أكل صغار الحية فهو إجراء طقسي يؤدي إلى إكساب النسر قوى تتعلق بالإخصاب، لأن الحية هي رمز للخصوبة في ثقافات الشرق القديم ورمز للشفاء أيضاً. وأما الهبوط إلى قاع البئر المظلم فهو إجراء طقسي آخر مشابه من حيث الغاية.
فلقد كان على النسر أن يموت رمزياً في باطن الأرض–الأم، لكي يُبعَث من جديد معافى ومزوداً بقوى تتعلق أيضاً بالإخصاب زوَّدته بها ننخرساج، الأرض. أما الشجرة التي كانت مسرح الصراع بين النسر والحية، فتمثل مبدأ الحياة الذي قوامه قطبان: الموجب والسالب، المبدأ الذكري والمبدأ الأنثوي. وهنا يتجسد المبدأ الذكري في النسر الذي يسكن قمة الشجرة ويطير في السماء، وتجسد الحية المبدأ الأنثوي الملتصق بالأرض. وما الصراع بين النسر والحية إلا تمثيل للتناقض بين المبدئين.
لقد هبط النسر أولاً من القمة إلى الأرض حيث جحر الحية، ثم هبط أعمق من ذلك في غياهب البئر حيث رحم الأرض، لينطلق بعد ذلك في طلب النبتة التي تتعهدها بالرعاية عشتار إلهة الخصوبة الكونية. هذا المغزى السرَّاني لعلاقة النسر بالحية يفسر لنا عدم جدية العِقاب الذي تعرَّض له النسر، ومسارعة الإله شمش إلى العفو عنه ليوكل إليه المهمة التي صار الآن صالحاً لها، بعد أن تحول، عبر الطقس الذي مر به، من نسر عادي إلى نسر قادر على إتمام مهام لا يقدر عليها غيره.
ولإلقاء مزيد من الضوء على التفسير ( الكلام هنا لفراس ألسواح أيضا) الذي أتقدم به هنا، سوف أستعرض فيما يلي عدداً من التصورات الأسطورية الموازية، المستمدة من الميثولوجيا المقارنة. ففي ميثولوجيا الشعوب في أوروبا الشمالية هناك شجرة كونية عملاقة يتوضع عليها عالم الآلهة وعالم البشر وعالم العمالقة وعالم الموتى. فهي تمد رأسها إلى الأعلى نحو عالم الآلهة وتضرب بجذورها في العالم الأسفل عالم الموتى. ونجد هذا التصور نفسه في ميثولوجيات شمال ووسط آسيا، وفي ميثولوجيات معظم الثقافات الشامانية. ففي الأساطير الفنلندية، تقوم هذه الشجرة باعتبارها مركزاً للكون وتعمل على الربط بين أجزائه وأقاليمه المختلفة. على أوراقها يتغذى الآلهة وبين أغصانها تولد الأرواح. ومن خلال تجديد حياتها تلقائياً، فإنها تعمل على تجديد حياة الكون وعوالمه، وتقدم في الوقت نفسه للإنسان وسائل تحقيق الخلود.
وتمثل التقاليد الشامانية شجرة الحياة هذه على هيئة جذع حُفِرتْ عليه درجات سلم، تعين الشامان على العروج نحو العوالم العليا في رحلته الوَجْدية، حيث يعبر سلسلة السماوات وصولاً إلى السماء العليا حيث يقيم الآلهة. وفي أحيان كثيرة، نجد أنّ شجرة الكون، أو الحياة هذه، تسكنها نفس الكائنات التي وجدناها في أسطورة إيتانا والنسر. ففي بورنيو الجنوبية يجري تمثيل الشجرة الكونية وقد سكنت الحية عند قاعدتها وسكن النسر في قمتها. وتقول الأسطورة إن الصراع بينهما يقود إلى تدمير الشجرة، ولكنها تنبعث جديدة مرة أخرى. وفي الميثولوجيا التوتونية هنالك سنجاب ينقل الرسائل العدوانية بين النسر الذي يقيم في قمة الشجرة والحية التي تسكن في قاعدتها.
أوجه ألتشابه بين ألحكاية وأسطورة إيتانا وألنسر وألرموز في ألحكاية:
أستدراج ألغول ألقزم ألأمير محمّد جَلَبي إلى حافة ألبئر ثمّ نزوله إلى ألبئر وتركه في قاع البئر يذّكرنا باختطاف ألراعي دوموزي من قبل عشتار (آلهة ألخصب) ليُسجن في ألعالم ألأسفل في موسم الجفاف، ثم أنقاذه في موسم ألربيع( موسم ألخصب) من قبل عشتار نفسها، ففي ألحكاية نجد بأنّ ألنسر وهو أحد رموز عشتار في ألميثولوجيا ينقذ الأمير محمّد من قاع ألأرض ويحمله صاعدا إلى ألأعلى. الشجرة المخضرة وألحية هما ايضا من رموز عشتار (آلهة ألخصب)، ولكن أدوار ألنسر وألحية جاءت معكوسة في ألحكاية، فألحية هي التي تأكل فراخ ألنسر، بينما في اسطورة أيتانا وألنسر، النسر هو الدي يأكل فراخ ألحية.
في بداية ألحكاية نلاحظ ايضا حدوث موسم ألجفاف في مملكة ألأمير محمّد ورمزه كما ذكرنا هبوط ألامير ألى ألبئر، ثمّ قدوم موسم ألعطاء وألخصب ويُرمز له في ألحكاية صعود ألأمير إلى ألأعلى ممتطيا ظهر ألنسر (عشتار)، ففي ألأساطير ألبابلية تُرسل عشتار دوموزي (تموز) إلى ألعالم ألأسفل أي عالم ألموت بدلا منها بعد أنّ كانت أنانا ( وهي ألتسمية ألمقابلة لعشتار في ألأسطورة السومرية هي ألتي تُسجن في ألعالم ألأسفل بعد موسم ألحصاد ثمّ تصعد إلى ألأعلى أي إلى عالم الأحياء في ألربيع (موسم ألخصب).
إنّ اله ألخصب وسيدة ألطبيعة هي عشتار وعشتار وحدها ( رموزها في الحكاية هي ألحية وألنسر وألشجرة ألخضراء ألعملاقة)، أمّا تمّوز ( ورمزه في ألحكاية هو ألأمير محمّد) فإنّه روح ألنبات ألتي تموت وتحيا في دورة مستمرة باقية، بمعونة روح الخصوبة ألكونية ألتي يتوقف عليها إنعاش ألأبن ألقتيل وإستعادته من ألعلم ألأسفل.
إن دين ألإنسان بدأ بعبادة ألأنثى (ألأم ألكبرى) في ألعصر ألبيالوتي( قبل ميلاد المسيح بعشرة آلاف سنة) فكانت هي رمز ألخصب وألعطاء وألذي أرتبط في خيال الإنسان ألقديم بعطاء ألأرض بعد أكتشاف ألإنسان الزراعة وإنشائه ألقرى ألزراعية، ولكن بعد أنشائه ألمدن ألحضرية وألدولة، وحُكم ألمجتمعات ألحضرية من قبل ألملوك، قام ألذكور بإنقلاب على ألأديان ألأمومية، فظهرت إلى ألوجود الآلهة ألذكور وألأديان ألذكورية.
في ألميثولوجيا الرافدينية نجد بانّ العالم ألأسفل له سبعة أبواب، وفي ألحكاية نلاحظ وجود سبعة ابواب في قاع البئر ايضا.
في حكاية جدتي نلاحظ تشابها آخر مع قصّة وردت في ألتوراة وألقرآن هي قصّة يوسف أبن يعقوب، ففي الحكاية يقوم ألأمير محمّد جلبي مقام يوسف فألأثنان يُرمون إلى ألبئر نتيجة حسد ألأشقاء ثمّ يتخلصان من غياهب ألجب ويصبحان في موقع ألحكم بعد احداث مختلفة في تفاصيلها. ولكنّ جذور ألقصتين ترجع إلى أساطير أقدم.
في قصة يوسف أبن يعقوب يلعب قميص يوسف دورا رئيسيا في ألأحداث، فإخوة يوسف بعد رمي يوسف في ألبئر يلطخون قميصه بدم تيس لإقناع والدهم يعقوب بإن الذئب قتله، أيضا في ألحكاية ألشعبية يلعب قميص ألأمير محمد ألملطخ بدم ألغول دورا رئيسيا في ألأحداث.
يتم أللقاء بين يوسف وأخوته في نهاية ألقصة، وفي ألحكاية ألشعبية يتم أللقاء بين ألأمير محمد وأخويه.
إنّ إلقاء يوسف في غياهب ألبئر ومن ثمّ إلى غياهب ألسجن ثمّ خروجه منهما هو موته ألرمزي وبعثه. وكما كان خروجه ألأول من ألجب بركة وخير على فوطيفار، كذلك كان خروجه الثاني من ألسجن بركة وخيرا على مصر وألبلدان المجاورة، ونفس الأمر يصح بالنسبة للأمير محمّد في الحكاية، فخروجه من البئر جلب الخير على مملكة قندبور بعد قتله للغول ألذي كان يمنع مياه ألنهر من الجريان إلى ألمدينة. تماما كالإله ألأبن ألذي يُشكّل موته وبعثه شرطا لإستمرار دورة ألطبيعة.
ويوسف في تنظيمه لنتائج دورتي ألخصب وألجدب ألمؤلفة كل منهما من سبع سنوات، إنّما يُعيد تمثيل دور ألإله بعل ألسورية الذي تتحكم حياته في إيقاع دورة ألخصب ألمؤلفة من سبع سنوات. كما أنّ علاقة يوسف بسيدته، زوجة فوطيفار، تحمل إشارة خفية إلى عنصر ألخصاء عند ألإله ألأبن (ألإله ألأبن يكون مخصيا في ألميثولوجيات لكثير من ألأمم)، وألى عنصر ألأسطورة ألمتعلق بإرسال عشتار (أنانا) بحبيبها الى ألعالم ألأسفل (في ألقصّة التوراتية والقرآنية تُرسِل زوجة فوطيفار يوسف إلى ألسجن بعد إتهامه بأنّه حاول ألإعتداء عليها جنسيا).
في ملحمة جلجامش نقرا أشارة ألى مسؤلية إنانا أو عشتار عن إرسال دوموزي أو تمّوز إلى ألعالم ألأسفل. فعندما يقف ألبطل ألشمسي جلجامش بكل عنجهيته ألذكرية متحديا عشتار، يذكّرها بمسؤليتها عن مصير تموز:
أي حبيب أخلصتِ له الحب إلى ألأبد
وأي راع أفلح في إرضائك على مر ألأزمان
على تمّوز، زوجك ألشاب
قضيت بالبكاء عاما إثر عام.

ألمصادر:
روايات جدتي للحكايات ألشعبية
ألأسطورة والمعنى.......... فراس ألسوّاح
لغز عشتار.......... فراس السوّاح
مغامرة ألعقل ألأولى........ فراس السوّاح
ألتوراة
ألقرآن







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,630,044,747
- آساطير ألأولين- حكايات جدتي واسطورة أيتانا وألنسر-1
- آساطير ألأولين- عقائد ما بعد الموت-5
- آساطير ألأولين- عقائد ما بعد الموت-4
- آساطير ألأولين- عقائد ما بعد الموت-3
- آساطير ألأولين- عقائد ما بعد الموت-2
- آساطير ألأولين-1- عقائد ما بعد الموت
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية-10- الانسانيات المتواز ...
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية-9-المسيح
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية-8- موسى
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية-7 / أضحية إبراهيم
- اسألوا اهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون
- حوار صحفي مع ألخالق
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية / 6- عمورة وسدوم
- حوار مع قاريء حول كتاب ثورة ألشك
- المعتقدات الانسانية الحديثة- 5-الرائيلية / برج بابل
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية - 4( قصّة ألطوفان )
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية -3 ( ألشجرة ألمحرّمة )
- هل كان بعض الصحابة والتابعين لمحمّد يعلمون أنّ القرآن من تأل ...
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية-2
- المعتقدات الانسانية الحديثة-الرائيلية-1


المزيد.....




- يوميات: الموصل تحت تنظيم -الدولة الاسلامية-
- وفاة الزعيم السابق لحزب الجماعة الاسلامية في بنغلاديش غلام ع ...
- مسؤولون أمريكيون: الجيش العراقي بحاجة لأشهر عدة للهجوم على ا ...
- سفير الفاتيكان بدمشق ينتقد تركيز الإعلام على عين العرب وإغفا ...
- «القرضاوي» يؤم صلاة الغائب على أمير الجماعة الإسلامية في بنج ...
- «تنظيم الإخوان الدولي» ينقل 165 مليار دولار من بريطانيا إلى ...
- «البرش»: عنف «الجماعة الإسلامية» يهدد بحل حزب البناء والتنمي ...
- البرش: دعم الجماعة الإسلامية لـ «الإخوان» وراء استقالة أعضائ ...
- مفاجأة.. «الإخوان» مولت تأسيس «البناء والتنمية» بـ 20 مليون ...
- الحاسبات الآلية تطرح كراسة شروط التأهل لمبادرة تنوير


المزيد.....

- عملية قلب مفتوح فى خرافات الدين السًّنى / أحمد صبحى منصور
- تاريخ الاسلام المبكر / محمد آل عيسى
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل (1) / هشام حتاته
- البحث عن منقذ : دراسة مقارنة بين ثمان ديانات / فالح مهدي
- ق2 / ف2 جهيمان العتيبى واحتلال الحرم عام 1979 فى تقرير تاريخ ... / أحمد صبحى منصور
- الشياطين تربح في تحدي القرآن / مالك بارودي
- الرد على أشهر الحجج ضد نظرية التطور : التعقيد غير القابل للإ ... / هادي بن رمضان
- كتاب نقد البوذية اسلاميا / رضا البطاوى
- كتاب نقد الرامايانا الهندية اسلاميا / رضا البطاوى
- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي / عزالدين عناية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل علي - آساطير ألأولين- حكايات جدتي وأسطورة أيتانا والنسر-2