أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عزو محمد عبد القادر ناجي - التعليم في سوريا منذ العصور القديمة وحتى نشوء المملكة السورية 1918















المزيد.....



التعليم في سوريا منذ العصور القديمة وحتى نشوء المملكة السورية 1918


عزو محمد عبد القادر ناجي

الحوار المتمدن-العدد: 3474 - 2011 / 9 / 1 - 23:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


إن أهداف التعليم لا تعتبر أهدافاً نهائية بل هي أهدافٌ تتجدد وتتغير وفقاً لتجدد وتغير تطلعات الإنسان وقدراته وظروفه المحيطة ، و من الأهداف ما هو قريب ومنها ما هو بعيد وهما على صلة فتحقيق البعيد يتطلب تحقق القريب . لكن يمكننا أن نقف عند الخطوط العريضة من هذه الأهداف والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بمتغيرات العصر ،ونحن نقف أمام متطلبات جمة يجاهد فيها الفرد ليلحق بركب التقدم ويبقى ضمن تيار التطور المنطلق بسرعة الريح .
ولعل الهدف الأسمى من التعليم هو خدمة المجتمع ، والأخذ به إلى مصَاف المجتمعات المتقدمة المواكبة لمراحل التنمية في مختلف المجالات ، ومن أهداف هذا التعليم أيضاً:
 إعادة فحص الأفكار وأنماط السلوك السائدة في المجتمع ، بناء على المشكلات الجديدة وتحديد ما تتطلبه عناصر التغيير التي طرأت والسعي إلى تحقيقها .
 تضييق الهوة الثقافية الناتجة عن اختلاف السرعة بين النمو المادي والنمو الحضاري في جوانب الحياة الاجتماعية .
 التوفيق بين القيم والاتجاهات القديمة و متطلبات العصر الجديد .
 مواجهة ما ينتج من مشكلات ناتجة عن التغيير الاجتماعي السريع .
 التنمية الاقتصادية وتعزيز موارد دخل المجتمع .
 نشر الوعي حول القضايا الكبرى سواء المحلية أو الخارجية .
 تلافي الأخطاء السابقة.
وكل هذه الأهداف في مجملها تضع نصب عينيها خدمة المجتمع من خلال تطوير أفراده وهي الفلسفة التي يقوم عليها التعليم.

وقد اتسمت التربية في المجتمعات البدائية بالتقليد و المحاكاة و كان جوهرها التدريب الآلي والتدريجي والمرحلي، إذ كان يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليديا عبود يا خالصا ونظرا لأن المتطلبات الحياتية لم تكن معقدة وكثيرة فلم تكن هناك مؤسسة أو مدرسة تقوم بنقل التراث وكان يقوم بالعملية التربوية أو التدريبية وعملية تكيف الإفراد مع البيئة ، الولدان أو العائلة أو احد الأقارب وفي أواخر المرحلة البدائية كان يقوم بها الكاهن أو شيخ القبيلة .
و أنواع التربية البدائية: تنقسم إلى قسمين هما
*التربية العملية: وهي تقوم على تنمية قدرة الإنسان الجسدية اللازمة لسد الحاجات الأساسية مثل الطعام الملبس والمأوى وكان يقوم بها الأبوان والأسرة.
*التربية النظرية: وهي التي كان يقوم بها الكاهن أو شيخ القبيلة من خلال إقامة الحفلات والطقوس الملائمة لعقيدة الجماعة المحلية.
بتطور الحياة وتعقدها أصبح من الصعب على الوالدين أو العائلة القيام بعملية التربية ، ومن هنا نشأت مهنة جديدة هي مهنة المربين أو الإطار الذي يرضى عنه المجتمع ، وكانت العملية التربوية تتم في الساحات العامة أو أماكن العبادة إلى إن تطورت الأمور ونشأت المدارس النظامية ومع هز ا التحول والتطور ظهرت الكتابة وبدأت الحضارات تسجل نظمها وقوانينها وشرائعها ومن هنا وصلت ألينا بعض المعلومات عن تلك الحضارات القديمة وأساليبها التربوية وطرقها في نقل التراث وتطبيع الإفراد وبطابع الجماعة .
كما كانت التربية في الثقافات القديمة آلية تدريجية هدفها تمكين الطفل من العيش مع جماعته؛ وبذلك كانت تربية غير مقصودة، تتم بمشاركة الوالدين والأقارب، فالحاجة الطبيعية عندهم لا تدعو إلا إلى ما يُلقنه الأهل إلى أطفالهم، فيلاحظ هؤلاء الصغار من أعمال ذويهم؛ فيتعلمون ما يؤهلهم ليكونوا أعضاء مقبولين في المجتمع. كما أنه قبل وجود المدارس يذهب التلميذ لمعلم مخصص او اذا كان من طبقه الاغنياء يخصص الاب معلم لابنائه .
المدارس ـ بشكلها النظامي ـ ظهرت في وقت من التطور الثقافي تحتم فيه نقل التراث المكتوب إلى الأجيال الآتية، وكان فيه تعلم الكتابة أمراً ضرورياً، ويلوح أن هذه المدارس كانت مقصورة على فئات خاصة، أما الأغلبية فكانت الحياة مدرستهم والخبرة معلمهم وحواسهم أدوات العلم، يشمل هذا المحور التربية في عدد من الأمم السابقة، وهي: (بلاد الرافدين والشام ) تربية الطفل في بلاد الهلال الخصيب : ليس بمستغرب على حضارةٍ عرفت أول مدرسة في تاريخ الإنسانية ـ وكانت تسمى " بيت الألواح ـ أن تخص الطفولة بالاهتمام الكبير، إذ تشير النصوص الأثرية أن الحضارة السومرية و الآشورية و الآكدية و البابلية والكنعانية والفينيقية خاصة عرفت العديد من ملامح الاهتمام بالطفولة في قوانينها، ويكفي النظر إلى قانون (حمورابي) الصادر في القرن (18 ق.م) حيث يتضمن العديد من المضامين التربوية والحقوق القانونية لحق الطفل في الحياة، والرضاعة، والميراث، والتربية والتعليم، ويمكن إيجاز ملامح النظرة التربوية لحضارة وادي الرافدين للطفولة بما يأتي:

1. التربية هي الوسيلة الفعالة لتنشئة الطفل في ظل أسرة متماسكة.
2. حق الطفل في الميراث لتأمين متطلبات حياته.
3. التأمين القانوني لحقوق اليتيم من الناحية المالية.
4. الاهتمام بالأم وضمان حقوقها، ومحاسبة المعتدين عليها، خاصة الحامل للحفاظ على صحة الجنين.
ب ) تربية الطفل في منطقة الهلال الخصيب: كانت الأسرة القديمة فيها هي المسئولة عن تربية الطفل في سنواته الأولى، حيث تقوم بالتنشئة الاجتماعية له، وتعليمه المشي، والكلام، وطريقة الأكل، وبعض المبادئ الدينية و الخلقية الأخرى. وقد عرف الأطفال اللُّعَب؛ وكان للبنات الدُمى وللأولاد لُعَبٌ على شكل التمساح، و يظل الأطفال في حضانة أسرهم حتى سن الخامسة فيدخلون المدرسة فيتعلمون مبادئ الكتابة والحساب والقراءة وكان السادة في المجتمع يعلمون أطفالهم الحكمة، و الفضيلة، والطاعة، عن طريق احترامه لمعلميهم، والانصياع لأوامرهم، والالتزام بما يتعلموه، حتى يكتسبوا القيم الخلقية والاجتماعية، وكان العقاب أمراً مألوفاً في تربية الطفل عندهم إذا ما أساء الأدب
وتقسم الامتحانات إلى ثلاثة أقسام :
*امتحانات الدرجة الأولى: وتجرى كل ثلاثة أعوام وهي عبارة عن كتابة ثلاث رسائل مختارة من كتاب كونفوشيوس ويوضع الطالب أثناء الامتحان في غرفة لمدة (24 ساعة) .
*امتحانات الدرجة الثانية : وتجري بعد أربعة أشهر من الامتحانات الأولى وهي تشبه الامتحانات الأولى إلا أنها تستمر ثلاثة أيام.
*امتحانات الدرجة الثالثة : والتي تقام في العاصمة وتدوم ثلاثة عشر يوما طبعا نسبة النجاح في هذه الامتحانات قليلة ، إلا أنها المعيار الذي يختار بناء عليه موظفو الحكومة والناجح في كل هذه الامتحانات يكون موضع ثقة الشعب واحترامه وكان الناجحون يرتدون لباسا خاصا بهم ولهم أوسمة يحملونها ولهم الصدارة في الحفلات والاجتماعات و الأعياد الرسمية ¹
كانت الغاية من التربية هي تعريف الفرد على صراط الواجب وكانت وظيفتها تقوم بالمحافظة على أعمال الحياة وما يتعلق بها من عادات وتقاليد والسير بموجب هذه المعاملات وكان ذلك يقوم عن طريق المحاكاة والإعادة والتكرار وظل الأمر كذالك إلى أن جاء كونفوشيوس وأوجد مفهوما جديدا للتربية والتي تهتم بدراسة الفضيلة وخدمة الأقارب وأدب اللباس وأشياء كثيرة في شؤون الفلسفة الروحية وكان ذالك يتم عن طريق المدارس التي كانت تهتم بنظام الامتحانات التي يدخلها التلميذ .
بعد دخول المصريين لسوريا في عهد رمسيس الثاني وأمنحوتب أخذ بعض السكان ثقافة المصريين في التربية والتعليم لأبنائهم حيث كان الآباء بمصر القديمة يغرسون في أبنائهم مختلف المبادئ التربوية والقيم الأخلاقية والرؤى المعيشية والحياتية؛ منذ الصغر. وكان الأطفال يتلقون تربيتهم الأساسية في قلب الأسرة. وكانت التربية في مصر تغطي عامة تنشأتهم وتدريبهم في حرفة معينة. وتركت تربية الصبية في أيدي الآباء، بينما انحصرت مسئولية الأمهات في تنشأة بناتهن.
واختلفت التربية في مصر القديمة وفق الطبقات الاجتماعية. ولم يترك للشباب اختيار مهنهم؛ وبدلا من ذلك، كانوا يتبعون تجارة أو حرفة أو مهنة الأسرة؛ حتى بالنسبة لأعلى المواقع والمراتب في البلاد. وكانت البنات من العائلات دون الطبقة العليا يتعلمن شئون التدبير المنزلي والغناء والرقص والعزف على الآلات الموسيقية. وكان أبناء الفلاحين يتلقون تعليما رسميا أدنى؛ يقتصر على كيفية بذر البذور وجني الثمار وجمع المحصول. وعلم الحرفيون أطفالهم مبادئ حرفهم. وأما الطبقة العليا، فإنها اعتمدت على مدرسين متخصصين في تعليم أبنائها. وتعلم أبناء الطبقة المتوسطة في المعابد تحت رعاية معلم بعينه. وشملت التربية القراءة والكتابة والنصوص الأدبية والتدريس والحكايات؛ من خلال إعادة كتابة النصوص وأداء التمارين، على ألواح خشبية أو حجرية. ولقد عثر على بعض هذه التمارين وفي كل الأحوال، كان التعليم دائما ضروريا للارتقاء في السلم الاجتماعي. ويبدو هذا واضحا من الفجوة القائمة في مصر بين المتعلمين والأميين عبر كل العصور التاريخية. وكان الفنانون والنحاتون بالضرورة من المتعلمين؛ إذ كان عليهم تحويل النصوص المختصرة والمدونة على ورق البردي أو على كسر الفخار(الأوستراكا) إلي كتابة هيروغليفية على جدران المقابر والمعابد ونقشها أيضا على التماثيل: وهو ما يتطلب معرفة بالكتابتين.
وكان الكتبة يعينون في إحدى مؤسسات الدولة، عقب فراغهم من التعلم. ولم يكن موقع الكاتب في المجتمع المصري القديم يقتصر على مهام تدوين النصوص والوثائق.
والمعنى المدقق لكلمة "كاتب" يدل على مستخدم أو إنسان عادي ليس من الملاك أو الأثرياء ولا يتمتع بوضع اجتماعي موروث؛ ولكن مهاراته التي اكتسبها بالتعليم قد أهلته للقيام بأنشطة وظيفية في مؤسسات الدولة. ومن الجدير بالذكر أن غالبية الطبقة البيروقراطية كانت تتشكل من الكتبة الذين أسهموا بأدوار بارزة في المشروعات الحكومية.
أما في عهد الكنعانيين والفينقيين وهم أقوام ذات أصول سامية واحدة وأصل واحد فقد اجتمع معظم علماء اللغات والآثار على أن اختراع الأبجدية الأم، التي ولدت منها جميع أبجديات العالم مثل اليونانية واللاتينية والعربية والعبرية تم على أيدي الفينيقيين، حيث وجد أقدم رقم (لوخ فخاري) مكتوبة عليه الأبجدية في أوغاريت قرب مدينة اللاذقية في سوريا. المؤرخ هيرودوتس اليوناني نسب الأختراع إالى قدموس الفينيقي. ولما انتقل قدموس إلى طيبة نشرها بين شعوب أوروبا. وهناك آثار في مدينة طيبة عبارة عن نقش لصورة قدموس يعلم أبناءه الحروف الأبجدية. ومن أقدم الكتابات التي كتبت بالأبجدية الفينيقية منقوشات قبر أحيرام ملك جبيل أو "بيبلوس". ويذكر أنه وجد آثار لنصوص فينيقية في دول أخرى مثل قبرص ومصر وإسبانيا وإيطاليا وخاصة تونس وفي أكثرية دول حوض البحر المتوسط، وكانت تكتب اللغة الفيتيقية من اليمين إالى اليسار. كما ذكر الباحث "ستيف بارثالوميو" عن أثار فينيقة تعود لقرطاجة في وسط ولاية يوتاه في الولايات المتحدة الأميركية وما يدل على قوة التعليم عندهم هو حضارتهم التي سيطروا من خلالها على معظم أرجاء المتوسط ووصلوا إلى البحر الأحمر والأمريكيتين قبل كولومبوس ، ففي دراسة للباحثة "هاينكة زودهوف"، ترجمها للعربية د. حسن عمران عنوانها "معذرة كولومبوس لست أول من إكتشف أمريكا" ذكرت من ضمن الحجج العلمية التي تقدمها على أن عبور الأطلسي قد سبق كولومبوس بقرون، عثر في أمريكا على بعض الشواهد والآثار التي تدل على أن الفينيقيون قد عبروا الأطلسي ووصلوا إلى أمريكا في العصور القديمة، ومن هذه الشواهد العثور على آلاف القطع الأثرية في مقابر في جواتيمالا بينها تميمة صغيرة جدا للإله (بيس) ذو الملامح القبيحة ولحية كثة كان يعتقد مستوطنوا الشرق الأوسط في الأف الأولى قبل الميلاد أنه يرد الشؤم والنحس. مهارة الفينيقيين البحرية وخبرتهم في خوض غمار البحار، ووجود التعويذة بيس في القبور من طقوس الفينيقيين التي أثبتها علماء الآثار في مقابرهم في مناطق عدة من الشرق الأوسط، وكذلك النقش الشهير المعروف بنقش بارايبا في البرازيل ونقوش اكتشفها "ستيف بارثالوميو" في وسط ولاية يوتاه في الولايات المتحدة الأميركية
وامتدت المدن الفينيقية في العصور القديمة، على المنطقة الساحلية من مدينة أوغاريت في شمال سورية (رأس شمرا الحديثة) إلى عكا بشمال فلسطين، بطول يبلغ حوالي 322 كيلومترا. ثم استوطنوا السواحل الشرقية لقبرص وذلك لغناها بالنّحاس والحجارة الكريمة، ثمّ لوفرة حبوبها وخمورها وزيتونها، ولموقعها الوسط بين عالمين. وبنوا المخازن على معظم ساحلها.
اهتمّوا بمناطق كيليكيه وطرطوس، ومن هنالك وصلوا إلى رودس المواجهة للشّاطئ. استقرّوا في كريت وجزر "السّيكلاد". ولكنّهم لم يتعدّوا الدّردنيل في إنشاء المستعمرات بسبب المسافة. وإن تكن قوافلهم قد وصلت إلى شواطئ البحر الأسود وأرمينيا.
وفي الجنوب، تواجد الفينيقيّون؛ إلا أنهم لم يقيموا مستعمرات بسبب وجود المصريين. فقد أقاموا المخازن في ممفيس، حيث تمتّعوا بحريّة التّجارة. وأنشئوا حيًّا خاصًّا بالصّوريّين منذ القرن الثّاني عشر قبل الميلاد، وأقاموا فيه معبدًا لعشتروتعشتروت.


وكانت النظرة للتعليم عالية في عصور خلافة وولاية المسلمين، وأصبحت المساجد الكبرى مدارس مفتوحة للدراسات الدينية؛ خاصة في مجال الأحاديث النبوية، والفقه. وقدم العلماء إلى مصر وعقدت الندوات العلمية في قصور الأمراء والوزراء. وشهد العصر الأيوبي تقدما كبيرا في العملية التعليمية بمصر. وبدأ الولاة في إقامة الكتاتيب لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وتحفيظهم القرآن الكريم؛ كنوع من التعليم الأولي. ووجهت أوقاف خاصة لدعم العملية التعليمية في مصر. وكثيرا ما كانت تلك المدارس تقوم بتعليم أصول الدين، فيما يشبه نظام كليات التعليم العالي. وكانت كل مدرسة تتبع مذهبا فقهيا؛ مثل المذهب الشافعي أو المالكي. ثم بدأت المدارس، فيما بعد، في تدريس مواد أخرى مثل النحو والصرف والفلسفة والعلوم الطبيعية. وكان التدريس يسند إلى معلم أول ينتقى من بين أبرز الشيوخ والعلماء، وكانت سمعة المدرسة التي يخدم بها تعتمد على شهرته هو. وكان المعلم يستعين بمدرس مساعد يقوم بمهمة تلقين الدارسين، وكان التعليم يعتمد عادة على الإملاء والبيان الإيضاحي.
وعبر عصور مصر التاريخية القديمة؛ كانت نظرة قدماء المصريين للتعليم، على كل حال، عالية وباعتباره ميزة ونعمة. ومع ذلك، فقد تمكنت قلة من الموهوبين من اكتساب المعرفة الكافية للتميز في مجالاتهم الخاصة. وكان هناك بالطبع الكثيرون، كما هو الحال في كل مكان، الذين تمكنوا من الاستعاضة عن النقص في تعليمهم بالتقرب إلى أصحاب المناصب العليا، وأحيانا إلى الملوك.
و يمكن تلخيص أهم ملامح النظرية التربوية للطفل في بلدان الهلال الخصيب ومصر بما يأتي:
1. الأسرة هي المسؤولة عن تربية الطفل في السنوات الأولى من حياته.
2. صياغة الطفل وتشكيله مثل الأواني الفخارية.
3. الاعتماد على العقاب لفرض الطاعة والانقياد.
4. الاهتمام بالناحية الخلقية والكتابة والقراءة والحساب والموسيقى و اللعب.
و نظرا لتعقد المجتمع والحياة المصرية القديمة ، كان لابد للمصري أن يتقدم خطوات أبعد من الإجراءات التربوية البسيطة التي كانت موجودة في مجتمعات أقل في المستوى الحضاري ولتعقد الحياة المصرية القديمة فلم يكن من المستطاع أن يكتسب الفرد الخبرات اللازمة لخلقه عضوا في المجتمع من مجرد عمليات تقليد الكبار ولهذا كان تعليما و نظاما مدرسيا معينا لابد من وجوده وفتحت المدارس ومعاهد علمية ، طرق أبوابها التلاميذ ليكتسبوا الخبرات الثقافية والتكنولوجية اللازمة لمجتمع ضرب سهما وافرا في التقدم الحضاري وخاصة في ميدان الصناعة ، على إن غرض المدارسبصورتها النظامية كان أكثر اهتماما بالأمور المتعلقة بتعلم اللغة و الأدب وإيديولوجية الدولة وقد اخضع الكهنة لنفوذهم الفنونوالحرف ومختلف المناشط الفنية العليا في الدولة ولم تكن هذه الفنون والحرف والتعلم في المدارس لكل من يريد تعلمها
ومن ناحية السياسية فقد شهدت مصر القديمة تطورا واضحا في نظام السياسة منذ أيام توحيد البلاد ) والذي انتقل إلى بلاد الهلال الخصيب بعد احتلال الأشوريين لمصر ، ومن ثم سيطرة الهكسوس على مقاليد الحكم في مصر ومن المعروف أن الهكسوس هم من بلاد الشام وقد ساعد التوحيد على قيام النهضة الشاملة في جميع النواحي إما النظام التربوي فكان يقسم إلى مايلي :
1/ مرحلة تعليم أولية للأطفال في المدرس ملحقة بالمعابد في مكان خاص بالعلم
2/ مرحلة متقدمة وهي عبارة عن مدارس نظامية يقوم بالتعليم فيها معلمون مختصون إلا أنها كانت تقتصر على أبناء الفراعنة والطبقة الأولى والخاصة
3/ مرحلة التعليم المهني
4/ مرحلة التعليم العالي كان لديهم جامعات تدرس علوم الرياضيات والفلك والطب والهندسة .
لكن في حضارات أخرى من بلاد الهلال الخصيب وبعض الحضارات الأخرى كانت الأسرة هي المسؤولة عن تطبيق تعليمات ومبادئ تربية الأطفال قبل ذهابهم إلى المدرسة، عن طريق تلقينهم العقائد الدينية، وتبجيل الآباء، وطاعتهم وخدمتهم، وإذا ما أخذ الطفل طريقه للمدرسة؛ فإنه يخضع لنظام صارم، فيحضر مع مطلع الشمس، ويدرس حتى مغيبها؛ ليتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وشيئاً من كتابات الحكماء وبعض الشعر واللغة خاصة وأن المعلم كان يلجأ إلى تحفيظهم عن ظهر قلب وملوحاً بالعصا دائماً. ومما يلاحظ أيضاً أن التربية للطفولة اتسمت بالمحدودية؛ إذ توجهها التقاليد المتوارثة، ولا تُكوّن لدى الطفل المرح والسعادة الطفولية والتلقائية في التعبير، كما أنها لم تكن تبعث على التربية الجسمية، والوجدانية، و الفنية، واستمتاع الطفل باللعب والترفيه، وإنما تتسم بالجدية وعدم اللهو، والحرص على العمل الدؤوب المتواصل
ويمكن ذكر بعض ملامح النظرية التربوية للطفل في هذه الحضارات بما يأتي:
1. تغليب الطابع الديني والخلقي في تربية الطفل.
2. الأسرة هي المسؤولة الأولى عن تكوين الجانب السلوكي للطفل مع إهمال بقية الجوانب.
3. هدف التربية هو تحقيق الفضائل الخمس (الرفق- العدل- النظام- التأني- الولاء

كما أخذ بعض أفراد منطقة الهلال الخصيب بعض العادات والطرق اليونانية -بعد احتلال اليونان ومن ثم ثم حكم السلوقيين لسوريا- في التربية فقد اهتمت بتربية الطفل منذ اليوم الأول لولادته، فتقرر ما إذا كان يستحق الحياة أو الموت؛ بعرضه على مجلس من المسنين، فإذا آنسوا فيه ضعفاً أو هزلاً تركوه في العراء ليتحمل ويقاوم، ويعودوا له بعد مدة زمنية معينة؛ فإذا كان ميتاً، فخير للدولة أن يموت بدلاً من أن ينمو فرداً ضعيفاً، أما إذا وجدوه حياً فيأخذوه ويرسلوه إلى أمه لتربيته تربية خشنة قاسية لقد كان على الأسرة أن لا تقيد نمو الطفل أو تعيق حركته؛ كما كان عليها أن تبتعد عن تدليله، إنما تعامله بخشونة فتتركه يبكي دون استجابة لبكائه، أو تتركه في الظلام بمفرده؛ وذلك من أجل إذكاء روح الشجاعة، و التحمل البدني عند الطفل.

لكن البعض خالف ذلك واستعاض عنها بمدارس يونانية أكثر تفتحاَ أخرى فقد هدفت تلك المدارس إلى تكوين تناسق بين روح مرهفة تحس بالجمال، و تُقدّر الأدب وجسم رشيق قوي، أي إلى تكوين الرجل الكامل عقلاً وجسماً وذوقاً، وعلى الوالدين في بواكير الطفولة مسئولية كبيرة، فعليهما تقع تربية الطفل في سنواته الأولى تربية فنية متنوعة؛ فكانت الأغاني والموسيقى من وسائل تدليله، كما تُتلى عليه القصص الأسطورية، و تُعطى له الألعاب كالدُمى والكرات، ومع هذه المرونة إلا أن هذه الأسرة كانت تقسو على أطفالها مستخدمة الضرب ـ إذا ما لزم الأمر ـ بغية التهذيب هكذا تبدو تربية الطفل ، أنها سعت إلى تحقيق النمو المتكامل جسمياً وعقلياً وذوقياً، ما عدا الجانب الروحي المتعلق بالعالم الآخر، عن طريق الألعاب،والنحو والرياضيات والموسيقى والرسم. بينما توجهت التربية إلى تحقيق النمو الجسمي للطفل بدرجة أساسية، ولم تول الجانب العقلي والفني والاجتماعي فرص كافية للاهتمام بقدر ما كان للجانب الجسمي؛ لغرس بذور التفوق العسكري، و النزعة الحربية من خلال التدريبات الرياضية المستمرة. وهكذا فقد تميزت بروح التجديد والابتكار والحرية الفردية وكانت غاية التربية أن يصل الإنسان إلى الحياة السعيدة و الجميلة ويكون ذالك بوصوله إلى الكمال الجسمي و العقلي وكان الإغريق هم أول من تناول التربية من زوايا فلسفية وكانت التربية محور اهتمام فلاسفة أثينا حتى أن البعض يرى بان الثقافة والأفكار اليونانية هي أساس معظم الثقافات التي ظهرت في أوربا وهم ينكرون ما قدمته الحضارات الأخرى.
لكن بمجيئ الرومان إلى سوريا فقد أخذت بعض الأسر ثقافة اليونان وطرقها في تربية الطفل حيث اتسمت رعاية الطفولة لدى الرومان بإعطاء الأسرة دورها في تربيتها، إذ يظل إلى سن السابعة من عمره يتلقى التعاليم الخُلقية، و العادات السلوكية من خلالها، وكان اعتقادهم بأن الطفل في هذه السن يتميز بقوة الذاكرة، خاصة إذا ما رضع من مرضعة فصيحة، وتم تلقينه من أبوين متعلمين؛ مما يؤهله لأن يكون مواطناً صالحاً مثقفاً وخطيباً مفوّهاً، مع تأكيد التربية الرومانية على البعد الجسمي؛ لأن هدفها هو إيجاد الخطيب الصالح والجندي المقتدر
كما تميزت التربية الرومانية في هذه المرحلة بالناحية العملية؛ من ممارسة الخطابة والإكثار من الأسئلة للأطفال، وإعطائهم المكافآت، والتدرج مع الطفل في تعليمه القراءة والكتابة، مع عدم الإسراع في ذلك أكثر مما ينبغي ، كما كان للدين اثر كبير على الرومان على عكس ماكانت التربية اليونانية التي لم يكن للدين اثر عليها،كما أن التربية اليونانية تربية علمية فنية مثالية في حين أن التربية الرومانية كانت علمية مادية ،نفعية وكان غايتها خلق الفرد المتمرس في الفنون العسكرية والمتدرب على الشؤون الحياتية العلمية .
وهنا يمكن أن يتلمس الباحث ملامح اتجاه فلسفي لتربية الطفل في العصر القديم في بلاد الهلال الخصيب ومنها سوريا :
1. إن الاهتمام بالطفولة في العصور القديمة، بلغ درجة كبيرة وصلت إلى حد التشريع القانوني في بلاد الرافدين، واقترانها بالحكمة الدينية في مصر القديمة، وأصبحت موضوعاً جوهرياً في منظومة القيم الخلقية الصينية، والعناية الفائقة بها من الناحية الجسدية في كل من أسبارطة والرومان، وهدفاً ثقافياً في أثينا اليونانية، وهذا يقود إلى القول: إن هدف تربية الطفل كان حصيلة تفاعل مجموعة عوامل ثقافية متداخلة في نسيج المجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، آمنت بها تلك المجتمعات وخصوصاً العوامل السياسية.
2. غياب التربية المؤسسية للطفولة في سن ما قبل المدرسة في هذا العصر؛ وإنما أسندت تربية الطفل في هذا العمر إلى الأسرة التي لعبت دوراً أولياً و جوهرياً في رعاية الطفولة في تلك الدول، مع تفاوت بسيط في مقدار تدخل الدولة في عملية التنشئة الاجتماعية للطفل، كما هو الحال في أسبارطة اليونانية.
3. اختلاف البرامج والفعاليات التربوية لتلك الدول في تربيتها للطفولة، كلُ بحسب تصورها الاجتماعي لطبيعة الطفولة، وما يرتجى منها مستقبلاً؛ مع ما يتوافر لتلك المجتمعات من معارف وما بها من معتقدات وما تمارسه من قيم.
4. اتفاق هذا العصر في نظرته إلى الطفل كونه رجلاً صغيراً؛ و بالتالي فالطفولة مرحلة لا تختلف عن مرحلة الرشد إلا بالفارق الزمني فقط.
5. على الرغم من أن تربية الطفل في سن ما قبل المدرسة في هذا العصر، لم يكن عن طريق الخبرة التعليمية المباشرة، وإنما كان عن طريق الخبرة غير المباشرة (التقليد و المحاكاة)، إلا أن ذلك لا ينطبق على الأطفال كافة، فأطفال الفئات الاجتماعية الميسورة (أبناء الملوك والأمراء ورجال الدين) الذين كانت تربيتهم مقصودة، من خلال أنشطة وموضوعات تعليمية كالموسيقى والشعر وتعلم مبادئ القراءة والحساب والفضائل الخلقية

كما استفاد الكنعانيون في الساحل السوري من تجارب العبرانيين في فلسطين فقد كانت لدى العبرانيين تربية أسرية منزلية فلم تكن لديهم أي مدارس نظامية فكان الفتيان يتعلمون القراءة والكتابة أما الفتيات فكن يتعلمن الغزل والحياكة وتهيئة الطعام ورعاية شؤون المنزل والفناء والرقص كما اهتم العبرانيون بالتربية اهتماما كبير مما ساعد على المحافظة على عادتهم ومعتقداتهم هذا طوال العصور،رغم تشردهم في مختلف بلاد العالم
وقد مرت التربية عند العبرانيين بمرحلتين أساسيتين:
- المرحلة الأولى:التربية الدينية والقومية
في هذه الفترة الأولى قبل ظهور المسيحية كان العبرانيون قوما بدائيين محور حياتهم الأسرة وتوجيهاتها فلم يعرفوا الدولة ولا رئيسا لهم إلا الإله كما لم يعرفوا المدارس عامة بل اعتمدوا في تربية صغارهم على الوالدين في المنزل إذ كان الأطفال يربون على الإخلاص للإله ( يهود ) وكما تقول التوراة ( كونوا قديسين مثلما أنا قديس أنا ربكم الخالد ) .

وبعد ظهور المسيحية في المجتمع الروماني أثرت الديانة الجديدة تأثيرا كبيرا إذ كان لها كبير الأثر على نقل السلطة الرومانية من المستوى المدني الدنيوي إلى المستوى الروحي وكان هدف الدين المسيحي تخليص المجتمع والعالم بأكمله من النظام الوثني الفاسد حذرت الكنيسة من أن عملية الإصلاح لاتتم في الأمة إلا من خلال تغيير الأفراد أنفسهم وبهذا اصطبغت التربية المسيحية بالصبغة الدينية الصرفية والتي بدأت من الأسرة ثم الكنيسة وبقي الحال كذلك إلى أن أضيفت تربية دنيوية وحيدة وهي الفروسية وذلك في عصر الإقطاع الزراعي على يد بعض الأباطرة والملوك الأقوياء ولم يسمح للمسيحيين بإنشاء مدرس إلا بعد أن ظهر رجال أقوياء منهم أثروا على أباطرة الرومان وقاموا بإنشاء مدارس خاصة بهم إلى جانب المدارس الرومانية الوثنية وبالتدرج انتقلت سلطة المدارس الرومانية للكنيسة وبقى الحال كذالك لفترة طويلة من الزمن إلا أن التعليم في هذه الفترة كان مقتصرا على رجال الكنيسة وأبناء الطبقات العليا فوصلت دول أوربا المسيحية في ذالك الوقت إلى عصر الظلم والانحطاط .
. واستمر التعليم على نفس النمط إلى عصر خلافة وولاية المسلمين؛ مع اختلاف بسيط في مكان التعلم. فقد حلت الكنائس محل المعبد خلال الحكم البيزنطى، ثم أصبحت المساجد هى المؤسسة التعليمية في عصور خلافة وولاية المسلمين. وكانت غالبية العائلات الموسرة، وبعضا من عائلات الطبقة المتوسطة، توفر لبناتها قدرا كبيرا من التعليم بالمنزل.

كما كانت التربية قبل الإسلام مقتصرة على تعليم الأطفال القراءة والكتابة وقليلا من الحساب جاء الإسلام بتربية جديدة فحرص على التعليم وقد حرص القران الكريم والرسول عليه الصلاة والسلام على حث المؤمنين على طلب العلم فقال الله تعالى:«قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعلمون » .« وقل ربي زدني علما» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم >
ولمعرفة سر اهتمام التربية الإسلامية بالتعليم يجب
علينا أن ننطلق من الصفات الخاصة التي تميزت بها هذه التربية وهي :
1- التربية الإسلامية تربية مطلقة : من حيث الزمانية ، فهي ليست محصورة بمرحلة عمرية معينة ولا حقبة زمنية محددة ، بل ممتدة من المهد إلى اللحد ، وهذا الأمر هو ما تدعو إليه التربية المعاصرة وتضعه ضمن أولوياتها ، والمكان مطلق " اطلبوا العلم ولو في الصين" " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها "
تربية تتلاءم مع تغيرات نمو الأفراد وأعمارهم : ففي مرحلة الطفولة تختلف الأساليب في التربية عن الأساليب المستخدمة مع الأعمار الأخرى كما تختلف مع نفس الأعمار في الأجيال المختلفة وفقا للظروف المحيطة ، فنجد الرسول صلى الله عليه وسلم يبين ذلك في قوله " إنهم خلقوا لزمان غير زمانكم " .
وكان للتربية الإسلامية خلفية جسدية تهتم بأخلاق الفرد وتنمية القوى الجسدية وخلق المحارب وبث روح الفضيلة ،وغرس الصفات النبيلة عنده كالإخلاص والوفاء وكرم الضيافة ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية لاعب ولدك سبعا وأدبه سبعا واصحبه سبعا ثم اترك بعد ذالك > .
وهذا القول يعتبر منهجا تربويا كاملا وتقدميا ولقد استفاد المسلمون من الثقافات القديمة فأضافوا إليها الكثير من تعاليمهم وفلسفتهم وطرق حياتهم وجوهر التربية الإسلامية نابع من الفلسفة الدينية الإسلامية وهي أن الإسلام ليس مجرد شريعة ودين وإنما هو فلسفة كاملة وطريقة حياة شاملة تدعوا العقول للعمل و التفكير ولم تكن المدارس بالمفهوم الحديث موجودة في العصر الإسلامي فقد كان التعليم في المساجد و الكتاتيب وحوانيت الوراقين وهكذا كان للتربية الإسلامية مكانة واضحة وملحوظة في هذا الإطار الحضاري وكان لها أصولها التي جاءت من العصور الجاهلية القديمة وتبلورت بالإسلام الذي رفعها إلى التقدم والانتشار.
واهتمام التربية الإسلامية المتوازن بالدنيا والآخرة انعكس على اهتمامها بتربية الإنسان ، حيث اهتمت بجوانب الشخصية المختلفة اهتماما متوازنا فجمعت بين (تأديب النفس ،تصفية الروح ، تثقيف العقل. تقوية الجسم ) .
ومن ثم اهتمت بتدريس جميع أنواع العلوم وهدفها في ذالك تعميق الإيمان بالله تعالى في نفوس المسلمين، من خلال فهمهم لقوانين الكون ونظامه المحكم الذي يدل على عظمة الخالق عز وجل وقدرته وسلطاته .
كما اهتمت الدولة الاسلامية العربية في عهودها المختلفة بالنواحي الدينية والمدنية فكانت الحضارة الإسلامية حضارة تمزج بين العقل والروح فامتازت عن كثير من الحضارات السابقة. فالإسلام كدين عالمي يحض على طلب العلم ويعتبرهُ فريضة على كل مسلم ومسلمة، لتنهض أممه وشعوبه. فأي علم مقبول باستثناء العلم الذي يخالف قواعد الإسلام ونواهيه. والإسلام يكرم العلماء ويجعلهم ورثة الأنبياء. وتتميز الحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لاتخرج عن نطاق القواعد الإسلامية. لأن الحرية الفكرية كانت مقبولة تحت ظلال الإسلام. وكانت الفلسفة يخضعها الفلاسفة المسلمون للقواعد الأصولية مما أظهر علم الكلام الذي يعتبر علماً في الإ لهيات. فترجمت أعمالها في أوروبا وكان له تأثيره في ظهور الفلسفة الحديثة وتحرير العلم من الكهنوت الكنسي فيما بعد. مما حقق لأوربا ظهور عصر النهضة بها. لهذا لما دخل الإسلام هذه الشعوب لم يضعها في بيات حضاري ولكنه أخذ بها ووضعها على المضمار الحضاري لتركض فيه بلا جامح بها أو كابح لها. وكانت مشاعل هذه الحضارة الفتية تبدد ظلمات الجهل وتنير للبشرية طريقها من خلال التمدن الإسلامي. فبينما كانت الحضارة الإسلامية تموج بديار الإسلام من الأندلس غربا لتخوم الصين شرقا في عهد الدولة الأموية كانت أوروبا وبقية أنحاء المعمورة تعيش في جهل وظلام حضاري.
وامتدت هذه الحضارة القائمة بعدما أصبح لها مصارفها وروافدها لتشع على بلاد الغرب وطرقت أبوابه. فنهل منها معارفه وبهر بها لأصالتها المعرفية والعلمية. مما جعله يشعر بالدونية الحضارية. فثار على الكهنوت الديني ووصاية الكنيسة وهيمنتها على الفكر الإسلامي حتى لا يشيع. لكن رغم هذا التعتيم زهت الحضارة الإسلامية وشاعت. وأنبهر فلاسفة وعلماء أوروبا من هذا الغيث الحضاري الذي فاض عليهم. فثاروا على الكنيسة وتمردوا عليها وقبضوا على العلوم الإسلامية كمن يقبض على الجمر خشية هيمنة الكنيسة التي عقدت لهم محاكم التفتيش والإحراق. ولكن الفكر الإسلامي تمكن منهم وأصبحت الكتب الإسلامية التراثية والتي خلفها عباقرة الحضارة الإسلامية فكراً شائعاً ومبهراً.
فتغيرت أفكار الغرب وغيرت الكنيسة من فكرها ومبادئها المسيحية لتسايرالتأثير الإسلامي على الفكر الأوربي وللتصدي للعلمانيين الذين تخلوا عن الفكر الكنسي وعارضوه وانتقدوه علانية. وظهرت المدارس الفلسفية الحديثة في عصر النهضة أو التنوير في أوروبا كصدى لأفكار الفلاسفة العرب. وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة وحلب والبصرة وبغداد ودمشق والقاهرة والرقة والفسطاط والعسكر والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية والجزائر وغيرها. كما خلفت الحضارة الإسلامية مدنا متحفية تعبر عن العمارة الإسلامية كإستانبول بمساجدها ودمشق والقاهرة بعمائرها الإسلامية وحلب وبخارى وسمرقند ودلهي وحيدر أباد وقندهار وبلخ وترمذ وغزنة وبوزجان وطليطلة وقرطبة وإشبيلية ومرسية وسراييفو وأصفهان وتبريز ونيقيا وغيرها من المدن الإسلامية
خلال قرنين من بعد وفاة نبي الإسلام كانت صناعة الكتب منتشرة في كل أنحاء العالم الإسلامي وكانت الحضارة الإسلامية تدور حول الكتب. فقد كانت توجد المكتبات الملكية والعامة والخاصة في كل مكان حيث كانت تجارة الكتب ومهنة النساخة رائجة وكان يقتنيها كل طبقات المجتمع الإسلامي الذين كانوا يقبلون عليها إقبالا منقطع النظير. وكان سبب هذا الرواج صناعة الورق بدمشق وسمرقند وبغداد. كانت المكتبات تتيح فرص الاستعارة الخارجية. وكانت منتشرة في كل الولايات والمدن الإسلامية بدمشق والقاهرة وحلب وإيران ووسط آسيا وبلاد الرافدين والأندلس وشمال أفريقيا.و شبكات المكتبات قد وصلت في كل مكان بالعالم الإسلامي.
وكان الكتاب الذي يصدر في دمشق أو بغداد تحمله القوافل التجارية فوق الجمال ليصل لقرطبة بأسبانيا في غضون شهر. وهذا الرواج قد حقق الوحدة الثقافية وانتشار اللغة العربية. وكانت هي اللغة العلمية والثقاقية في شتي الديار الإسلامية. كما كان يعني بالنسخ والورق والتجليد. مما ماجعل صناعة الكتب صناعة مزدهرة في العالم الإسلامي لإقبال القراء والدارسين عليها واقتنائها. وكانت هذه الكتب تتناول شتي فروع المعرفة والخط وعلوم القرآن وتفاسيره واللغة العربية والشعر والرحلات والسير والتراث والمصاحف وغيرها من آلاف عناوين الكتب. وهذه النهضة الثقافية كانت كافية لازدهار الفكر العربي وتميزه وتطوره.وفي غرب أفريقيا في مملكتي مالي وتمبكتو أثناء ازدهارهما في عصريهما الذهبي، كانت الكتب العربية لها قيمتها. وكان من بينها الكتب النادرة التي كانت تنسخ بالعربية، وكانت المملكتان قد أقامتا المكتبات العامة مع المكتبات الخاصة.
يعتبر القرن التاسع الميلادي له أهميته في ثبت الحضارة الإسلامية المتنامية. لأن أعمال العلماء المسلمين كانت رائعة وكانوا رجال علم متميزين وكان المأمون الخليفة العباسي العالم المستنير (ت 833) يحثهم علي طلب العلم. وقد أنشأ لهم بيت الحكمة لتكون أكاديمية البحث العلمي ببغداد تحت رعايته الشخصية. وأقام به مرصدا ومكتبة ضخمة. كما أقام مرصدا ثانيا في سهل تدمر بالشام. وجمع المخطوطات من كل الدنيا لتترجم علومها. وكان يشجع الدارسين مهما تنوعت دراستهم. وحقق يهذا التوجه قفزة حضارية غير مسبوقة رغم وجود النهضة العلمية وقتها. وهذا ما لم يحدث بعد إنشاء جامعة ومكتبة الإسكندرية في القرن الثالث ق.م. وبأنشاء مرصد تدمر قام الفلكيون والعلماء بتحديد ميل خسوف القمر ووضعوا جداول لحركات الكواكب وتم تحديد حجم الأرض، وقاسوا محيطها، فوجدوه 20400 ميل ،وقطرها 6500 ميل. وهذا يدل علي أن العرب كانوا علي علم وقتها ،بأن الأرض كروية قبل كويرنيق بخمسة قرون. وفي عصر المأمون عمل الفلكيون في تدمر على وضع خريطة للأرض وأثبت علماء الفلك دورانها. وقياساتهم تقريبا لها تطابق ما قاسه علماء الفلك بالأقمار الصناعية، وأنهم كانوا يعتقدون خطأ أنها مركز الكون، يدورحولها القمر والشمس والكواكب. وهذا الاعتقاد توارد إليهم من فكر الإغريق. واكتشفوا الكثير من النجوم والمجرات السماوية وسموها بأسمائها العربية التي ما زالت تطلق عليها حتي الآن. وكانت كل الأبحاث في الفلك والرياضيات قد إنفرد بها العلماء المسلمون وقد نقلوها عن الهنود الذين قد ترجموها عن الصينيين للعربية وقاموا بتطويرها بشكل ملحوظ.
نهضة علمية مع هذه النهضة العلمية ظهرت الجامعات الإسلامية لأول مرة بالعالم الإسلامي قبل أوروبا بقرنين.وكانت أول جامعة بيت الحكمة أنشئت في بغداد سنة 830 م، ثم تلاها جامعة القرويين سنة 859 م في فاس ثم جامعة الأزهر سنة 970 م في القاهرة. وكانت أول جامعة في أوروبا أنشئت في "سالرنو" بصقلية سنة 1090 م على عهد ملك صقلية روجر الثاني. وقد أخذ فكرتها عن العرب هناك. ثم تلاها جامعة بادوفا بإيطاليا سنة 1222 م. وكانت الكتب العربية تدرس بها وقتها. وكان للجامعات الإسلامية تقاليد متبعة وتنظيم.فكان للطلاب زي موحد خاص بهم وللأساتذة زي خاص. وربما اختلف الزي من بلد إلي بلد ومن عصر إلي عصر. وقد أخذ الأوربيون عن الزي الجامعي الإسلامي الروب الجامعي المعمول به الآن في جامعاتهم. وكان الخلفاء والوزراء إذا أرادوا زيارة الجامعة الإسلامية يخلعون زي الإمارة والوزراة ويلبسون زي الجامعة قبل دخولها.وكانت اعتمادات الجامعات من ايرادات الأوقاف. فكان يصرف للطالب المستجد زي جديد وجراية لطعامه. وأغلبهم كان يتلقى منحة مالية بشكل راتب وهو ما يسمى في عصرنا بالمنحة الدراسية. فكان التعليم للجميع بالمجان يستوي فيه العربي والأعجمي والأبيض والأسود.
وبالجامعات كان يوجد المدن الجامعية المجانية لسكني الغرباء وكان يطلق عليها الأروقة. والطلبة كان يطلق عليهم المجاورون لسكناهم بجوارها. وكان بالجامعة الواحدة أجناس عديدة من الأمم والشعوب الإسلامية يعيشون في إخاء ومساواة تحت مظلة الإسلام والعلم. فكان من بينهم المغاربة والشوام والأكراد والأتراك وأهل الصين وبخارى وسمرقند. وحتى من مجاهل أفريقيا وآسيا وأوروبا. وكان نظام التدريس في حلقات بعضها يعقد داخل الفصول. وأكثرها كان في الخلاء بالساحات أو بجوار النافورات بالمساجد الكبري. وكان لكل حلقة أستاذها يسجل طلابها والحضور والغياب.ولم يكن هناك سن للدارسين بهذه الجامعات المفتوحة. وكان بعض الخلفاء والحكام يحضرون هذه الحلقات.وكانوا يتنافسون في استجلاب العلماء المشهو رين من أنحاء العالم الإسلامي ،ويغرونهم بالرواتب والمناصب، ويقدمون لهم أقصى التسهيلات لأبحاثهم. وكان هذا يساعد على سرعة انتشار العلم وانتقال الحضارة الإسلامية بديار الإسلام. ويمكن القول أن ظهور الحضارة مفهوماً إسلامياً قد ترجم الرحمة التي بعث بها الأنبياء على أرض الواقع.
كانت الدولة الإسلامية تعني بالمرافق الخدماتية والعامة بشكل ملحوظ. فكانت تقيم المساجد ويلحق بها المكتبات العامة المزودة بأحدث الإصدارات في عصرها ودواوين الحكومة والحمامات العامة ومطاعم الفقراء وخانات المسافرين علي الطرق العامة ولاسيما طرق القوافل التجارية العالمية، وطرق الحج التراثية كما كان على طريق الحج من دمشق إلى الديار المقدسة وإنشاء المدن والخانقاهات والتكايا المجانية للصوفية واليتامي والأرامل والفقراء وأبناء السبيل. واقيمت الأسبلة لتقدم المياه للشرب بالشوارع. وكان إنشاء البيمارستنات (المستشفيات الإسلامية) سمة متبعة في كل مكان بالدولة الإسلامية يقدم بها الخدمة المجانية من العلاج والدواء والغذاء ومساعدة أسر المرضي الموعزين.وكلمة باريمستان بالفارسية هو مكان تجمع المرضي ،وكلمة مستشفي معناها بالعربية مكان طلب الشفاء.لهذا كان الهدف من إنشاء هذه المستشفيات غرضا طبيا وعلاجيا. عكس المستشفيات في أوروبا وقتها ،كانت عبارة عن غرف للضيافة ملحقة بالكنائس والأديرة لتقدم الطعام لعابري السبيل أو ملاجيء للعجزة والعميان والمقعدين ولم تكن للتطبيب. وكان يطلقون على هذه الغرف كلمة مضيفة، وهي مشتقة من كلمة ضيافة. وأول مستشفي بني بإنجلترا في القرن 14م. بعد انحسار الحروب الصليبية علي المشرق العربي، بعدما أخذ الصليبيون نظام المستشفيات الإسلامية والطب العربي عن العرب.
وكان أول مستشفي في الإسلام بناه الوليد بن عبد الملك سنة 706 م في دمشق. وكان الخلفاء المسلمون يتابعون إنشاء المستشفيات الإسلامية الخيرية باهتمام بالغ. ويختارون مواقعها المناسبة من حيث الموقع والبيئة الصالحة للاستشفاء والإتساع المكاني بعيدا عن المناطق السكنية. وأول مستشفى للجذام بناه المسلمون في التاريخ سنة 707 م بدمشق، في حين أن أوروبا كانت تنظر إلى الجذام على إنه غضب من الله يستحق الإنسان عليه العقاب حتى أصدر الملك فيليب أمره سنة 1313 م بحرق جميع المجذومين في النار. وكانت المستشفيات العامة بها أقسام طب المسنين، بها أجنحة لكبار السن وأمراض الشيخوخة. وكانت توجد المستشفيلت الخاصة. والمستوصفات لكبار الأطباء بالمستشفيلت العامة.
ومن المعروف أن الدولة الإسلامية في عصور ازدهارها كانت تعطي أهمية قصوى لمرافق الخدمات العامة مثل المساجد ودواوين الحكومة والحمامات والمطاعم الشعبية واستراحات المسافرين والحجاج. وبديهي أن تكون أهم هذه المرافق المستشفيات.. فقد كانت تتميز بالاتساع والفخامة والجمال مع البساطة. ومن بين هذه المستشفيات التراثية اليوم مستشفي السلطان قلاوون ومستشفي أحمد بن طولون بالقاهرة والمستشفي السلجوقي بتركيا. وكانت مزودة بالحمامات والصيدليات لتقديم الدواء والأعشاب. والمطابخ الكبيرة لتقديم الطعام الطبي الذي يصفه الأطباء للمرضي حسب مرضهم. لأن الغذاء المناسب للمرض كانوا يعتبرنه جزءا من العلاج.
ويشتمل المستشفيات تحتوى على قاعات كبيرة للمحاضرات والدرس وامتحان الأطباء الجدد وملحق بها مكتبة طبية ضخمة تشمل على المخطوطات الطبية. والمشاهد لهذه المستشفيات سيجدها أشبه بالقصورالضخمة والمتسعة، بل والمنيفة. وحول المبني الحدائق ومن بينها حديقة تزرع فيها الأعشاب الطبية.ولم يأت منتصف القرن العاشر م. حتى كان في قرطبة بالأندلس وحدها خمسون مستشفي وأكثر منها في دمشق وبغداد وحلب والقاهرة والقيروان علاوة المستشفيات المتنقلة والمستشفيات الميدانية لجرحي الحرب، والمستشفيات التخصصية كمستشفيات الحميات التي كان بها معزل طبي لعزل الأمراض المعدية.
وفيها كان يبرد الجو وتلطف الحرارة بنوافير المياه أو بالملاقف الهوائية. ومستشفيات للجراحة التي كان يشترط فيها الجو الجاف ليساعد على التئام الجروح. لكثرة حروب المسلمين فقد طوروا أساليب معالجة الجروح فابتكروا أسلوب الغيار الجاف المغلق وهو أسلوب نقله عنهم الأسبان وطبقوه لأول مرة في الحرب الاهلية الأسبانية ثم عمم في الحرب العالمية الأولى بنتائج ممتازة. وهم أول من استعمل فتيلة الجرح لمنع التقيح الداخلي وأول من استعمل خيوطا من مصارين الحيوان في الجراحة الداخلية.. ومن أهم وسائل الغيار على الجروح التي أدخلها المسلمون استعمال عسل النحل الذي ثبت حديثا أن له خصائص واسعة في تطهير الجرح ومنع نمو البكتريا فيه..هذا بالإضافة للتطورات الهائلة في مجال الطب والتي اعتمدت في معظمها على هذه المنجزات والاكتشافات الطبية العربية.
أسست القوات العربية خلال فترة الغزوات الأولى الممتدة ما بين بدايات القرن السابع والقرن الثامن ميلادي، وبدء العصر الذهبي للآسلام مع بداية الخلافة الأموية وقيام أكبر امبراطورية إسلامية شهدها العالم الدولة الأموية. تأثرت الخلافة بالفرائض القرآنية وباللهم الأحاديث النبوية الشريفة مثل "حبر العالم مساوي لدم الشهيد" مشدداً على أهمية المعرفة. خلال هذه الفترة أصبح العالم الإسلامي المركز الثقافي والفكري المنفرد في العالم للعلم والفلسفة والطب والتعليم حيث أرسخ الأمويون أسباب المعرفة ونشروا الإسلام في مناطق شتى من الشرق والغرب، وتم تأسيس الكثير دور العلم والمعرفة وجذبوا العلماء، وقد اطلق الأمويون أول عملة إسلامية هي الدينار الأموي وواسسوا أول اسطول بحري وشيدوا واشادوا معالم إسلامية خالدة في دمشق وقرطبة والقدس والمدينة وحلب وغيرها من المدن الإسلامية، وأسس الأمويون المستشفيات والمكتبات ودور العلم والعبادة والقصور، وفي العصر العباسي شيد بيت الحكمة في بغداد؛ وهو مكان سعى إليه كل من العلماء المسلمين وغير المسلمين لترجمة وجمع وخلق المعرفة من كل العالم إلى اللغة العربية..
وترجمت العديد من الكتب إلى اللغة العربية ومن ثم ترجمتها إلى اللغة التركية والفارسية والعبرية واللاتينية خلال تلك الفترة كان العالم الإسلامي قدر من الثقافات التي جمعت وألفت وحسنت وطورت الأعمال المجمعة من الحضارات الصينية والفارسييون والمصريون وشمال أفريقيا والإغريقية والإسبانية والصقلية والبيزنطية كانت العائلات الحاكمة الإسلامية الأخرى في تلك الفترة مثل الفاطميين في مصر والأمويين في دمشق والأندلس مراكز ثقافية وفكرية لها مزدهرة مثل دمشق وقرطبة والقاهره. ساعدت الحرية الدينية في خلق حضارة ثقافية متقاطعة حيث أن الحضارة الإسلامية جذبت المثقفين المسلمين والمسيحيين واليهود الأمر الذي ساعد في خلق أعظم فترة فلسفية إبداعية في العصور الوسطى وذلك خلال الفترة ما بين القرن الثاني عشر والثالث عشر ميلادي
أهم الاختراعات في تلك الفترة كانت الورق والذي كان فيما سبق سراً يحافظ عليه الصينيون. تم أخذ سر صناعة الورق من أسرى حرب وقعوا أسرى في يد المسلمين بعد معركة تالاس سنة 751 ميلادي، مما أدى إلى تأسيس مصانع الورق في سمرقند. مع حلول سنة 900 ميلادي كان هناك المئات من المحلات التي اشتغلت بالكتب والنسخ وكما بدأ تأسيس المكاتب العامة. وكما تم تأسيس أول المكاتب التي تعير الكتب. ثم انتقلت صناعة الورق إلى فاس ومن ثم الأندلس في العصر الأموي ومن هناك إلى أوروبا وذلك في القرن الثالث عشر ميلادي.
يمكن ربط العديد من هذا التعلم والتطور بالجغرافيا. حتى قبل الإسلام كانت مدينة مكة مركز التجارة في شبه الجزيرة العربية والرسول محمد كان تاجراً. وأصبح تقليد الحج إلى مكة مركزاً لتبادل الأفكار والبضائع. كان الأثر الذي أحدثه التجار العرب على طرق التجارة العربية الإفريقية والتجارة العربية الآسيوية هائلاً. كنتيجة لذلك، نمت الحضارة الإسلامية وتوسعت على أساس اقتصاد تجارها، على عكس زملائهم المسيحيين والهنود والصينيين الذين بنوا مجتمعات زراعية. نقل التجار بضائعهم وإيمانهم إلى الصين والهند (تحوي شبه القارة الهندية حالياً على أكثر من 450 مليون مسلم]]، وجنوب آسيا (يتواجد فيها قرابة 230 مليون مسلم) والممالك المتواجدة في شمال أفريقيا وعادوا أيضاً باختراعات عظيمة. استعمل التجار أموالهم للاستثمار في القماش والزراعة.
بالإضافة إلى التجار، لعب المسلمين دوراً مهماً في نشر الإسلام، من خلال نشر رسائلهم إلى مناطق متنوعة حول العالم. شملت المناطق الأساسية: فارس وبلاد ما بين النهرين وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا. كذلك الأمر كان للصوفيين أثراً رئيسياً في نشر الإسلام إلى مناطق مثل شرق أفريقيا والأناضول (التي تشمل تركيا) وجنوب آسيا وشرق آسيا وجنوب شرق آسيا
وجد العديد من المؤسسات التعليمة والعلمية المهمة في العالم الإسلامي، مثل: المستشفيات العامة والمستشفيات النفسية. والمكتبات العامة ومكتبات الإعارة والجامعات التي كانت تمنح درجات علمية والمراصد الفلكية
كانت أول الجامعات التي قامت بإصدار إجازات دراسية في البیمارستان والتي كانت تعتبر جامعات طبية-علاجية حيث كانت تمنح لمن يصبح مؤهلاً لممارسة الطب. كتب السير جون باجوت جلب:
في العصر الأموي تم العناية بالطبابة والمعالجة في دمشق وإنشاء المستشفيات وتنظيم عمل المعالجين والصيادلة والادوية وتدريس الطب،
«"مع حلول عصر المأمون كانت المدارس الطبية فعالة جداً في بغداد. تم فتح أول مستشفى عام مجاني في بغداد خلال فترة خلافة هارون الرشيد. مع تطور النظام، تم تعيين الأطباء والجراحين والذين أعطوا محاضرات لطلاب الطب وكما قاموا بمنح درجة الدبلوم لمن اعتبروهم مؤهلين لممارسة المهنة. تم افتتاح أول مستشفى في مصر في سنة 872 ميلادي، وقد انتشرت المستشفيات في كل أنحاء الامبراطورية الإسلامية من الشرق إلى الأندلس والمغرب إلى فارس»
يعتبر كتاب جينيس للأرقام القياسية أن جامعة القرويين في فاس المغرب أقدم جامعة في العالم حيث تم تأسيسها في سنة 859 ميلادي. قدمت جامعة الأزهر والتي تم تأسيسها في القاهرة في القرن العاشر شهادات أكاديمية منوعة ومن ضمنها شهادات عليا، وكثيراً ما يتم اعتباره أو جامعة كاملة.
بحلول القرن العاشر كان في قرطبة 700 مسجد و 60000 قصر و 70 مكتبة، كانت تحوي أكبرها 600000 كتاب. كان يتم نشر ما مجموعه 60000 دراسة وقصيدة ومؤلفة كل سنة. كان يوجد في مكتبة القاهرة ما يقارب مليونين كتاب. و كما يقال أن مكتبة طرابلس في لبنان تحوي على أكثر من 3 مليون كتاب قبل أن يتم تدميرها من قبل الصليبيين. كما يذكر أن عدد الأعمال العلمية المهمة التي أنجزها العرب المسلمين والتي نجت من التدمير تزير عن عدد الأعمال العلمية التي نجت والمكتوبة باللغة اللاتينية واليونانية مجتمعين.
قام العالم الإسلامي بتقديم العديد من مزايا المكاتب الحديثة حيث لم تعد هذه المكاتب مكان لجمع الكتب فقط، بل تعتبر مكاتب عامة وكما يتم فيها إعارة الكتب، كما كانت تعتبر مركزاً للتعليم ونشر العلم، ومركزاً للنقاش والاجتماع، وفي بعض الأحيان مساكن للعلماء. وكما تم تصنيف الكتب في هذه المكتبات ولأول مرة بناء على نوع الكتاب..
تم تبني العديد من المؤسسات القانونية المتواجدة في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي من قبل الإنكليز حيث تم هذا النقل من قبل النورمنديين أبان احتلالهم لها كذلك فعل الصقليين والصلينيين. ومن الأمثلة على هذا ما يلي: العقد الملكي الإنجليزي يماثل العقد الإسلامي، وكذلك هيئة المحلفين الإنكليزية مماثلة للفيف الإسلامي.ref>[24] قادت هذه التأثيرات بعض العلماء إلى اقتراح أن القانون الإسلامي الشريعة الإسلامية قد تكون أدت إلى تأسيس القانون.
[
ومن المظاهر الأخرى للعصر الذهبي للإسلام وجود عدد كبير من العلماء المسلمين الذين كانوا يلقبوا ب (الحكماء/جمع، حكيم/مفرد)، حيث قام كل منهم بالمساهمة في مجموعة متنوعة من الحقول الدينية والعلمية والتعليمية، وهذا يشبه رجالات عصر النهضة مثل ليوناردو دا فينشي. في هذا العصر كان يتمتع العلماء المسلمين بمعرفة واسعة وعريضة في مختلف المجالات والحقول ولم يكونوا متخصصين في مجال واحد.
يقول ضياء الدين سارداري:العلماء مثل البيروني والجاهز والكندي والرازي وابن سيناء والإدريسي وابن باجة وعمر الخيام وابن زهر وابن طفيل وابن رشد وعلي بن حزم الأندلسي وغيرهم من الآلاف من العلماء المسلمين لا يعتبروا حالات استثنائية، بل كان هذا هو الحال العام في الحضارة الإسلامية. حيث أن عدد العلماء الذين تواجدوا في العصر الذهبي كان ملفتاً للنظر
ويعد الاقتصاد في الدولة الإسلامية هو أقوى اقتصاد حدث في العالم منذ قديم الأزل, ففي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز كان بيت المال قد امتلأ بالأموال فتم فتحه لمن يريد أن يأخد أي أموال ومع ذلك لم يأت أحد من الناس من كثرة الأموال لديهم, فكانوا يشترون من بيت المال طعاما للطيور ويلقون بها على الجبال حتى تأكل هذه الطيور
وشهد العصر الذهبي للإسلام تحول أساسي في مجال الزراعة عرف باسم "الثورة الزراعية الإسلامية" أو "الثورة الزراعية العربية".وقد أتاح الوضع الاقتصادي العالمي الذي أسسه التجار المسلمون في جميع أنحاء العالم القديم، نشر العديد من النباتات والتقنيات الزراعية بين أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي، فضلا عن تكييف نباتات وتقنيات من خارج العالم الإسلامي.
تم توزيع محاصيل من أفريقيا مثل الذرة ومحاصيل من الصين مثل الحمضيات، ومحاصيل عديدة من الهند مثل المانجو والأرز وبخاصة القطن وقصب السكر، في جميع أنحاء الأراضي الإسلامية، والتي لم تكن تستطيع أن تنمو من قبل بشكل طبيعي. وقد أشار البعض إلى انتشار العديد من المحاصيل الزراعية خلال هذه الفترة بـ "عولمة المحاصيل"، والذي، جنبا إلى جنب مع زيادة الميكنة الزراعية، أدا إلى تغييرات كبيرة في الاقتصاد والتوزيع السكاني والغطاء النباتي والإنتاج والدخل الزراعي ومستويات السكان والنمو الحضري وتوزيع القوة العاملة والصناعات المترابطة والطبخ والغذاء والملبس، والعديد من الجوانب الأخرى للحياة في العالم الإسلامي.
خلال الثورة الزراعية الإسلامية، تحول إنتاج السكر إلى صناعة واسعة النطاق من قبل العرب، والذين قاموا ببناء أول معامل لتكرير السكر ومزارع لقصب السكر. العرب والبربر قاموا بتوزيع السكر في جميع أنحاء الإمبراطورية الإسلامية من أول القرن الثامن.
أدخل المسلمون زراعة المحاصيل النقدية ونظام حديث لتناوب المحاصيل، حيث كانت الأراضي المزروعة تزرع أربع مرات أو أكثر في فترة سنتين، المحاصيل الشتوية كانت تزرع وتليها المحاصيل الصيفية.
وفي المناطق التي كان يزرع فيها نباتات ذات موسم نمو قصير، مثل السبانخ والباذنجان، يمكن أن تتم الزراعة ثلاث مرات أو أكثر في السنة.
وفي أجزاء من اليمن، كان يتم حصاد محصول القمح مرتين في السنة على نفس الأرض، وكذلك كان الحال بالنسبة للأرز في العراق.
طور المسلمون منهجا علميا للزراعة يستند إلى ثلاثة عناصر رئيسية: أنظمة متطورة لتناوب المحاصيل، ودرجة عالية من التطور في تقنيات الري، وإدخال مجموعة كبيرة ومتنوعة من المحاصيل التي تمت دراستها وتصنيفها تبعاً للموسم ونوع الأرض وكمية المياه التي تحتاج إليها.
وتم إنتاج موسوعات عديدة في الزراعة وعلم النبات تحتوي على تفاصيل دقيقة.
كما كان للمهندسين المسلمين في العالم الإسلامي بشكل عام، عدد من الاستخدامات الصناعية المبتكرة للطاقة المائية، واستخدامات صناعية مبكرة لطاقة المد والجزر وطاقة الرياح والطاقة البخارية والوقود الأحفوري مثل النفط، وأيضاً مجمعات صناعية كبيرة (تسمى "طراز" باللغة العربية).
تعود الاستخدامات الصناعية للسواقي في تاريخ العالم الإسلامي إلى القرن السابع الميلادي، بينما كانت تستخدم السواقي ذات العجلات الأفقية والرأسية بشكل واسع النطاق منذ القرن التاسع الميلادي على الأقل.
وتم توظيف مجموعة متنوعة من الطواحين الصناعية في وقت مبكر في العالم الإسلامي، بما في ذلك آلات دعك الملابس ومطاحن الحبوب وبكرات التقشير ومصانع الورق والمناشر والمطاحن العائمة ومطاحن الطوابع ومطاحن الصلب ومطاحن السكر وطواحين المد والجزر وطواحين الهواء.
بحلول القرن الحادي عشر، كانت كل مقاطعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي قد تم تشغيل هذه المطاحن الصناعية فيها، من الأندلس وشمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
أيضا اخترع المهندسون المسلمون المحركات وتوربينات المياه والتروس المستخدمة في مصانع وآلات رفع المياه، وكانوا رواداً في استخدام السدود كمصدر للطاقة المياه واستخدامها لتوفير طاقة إضافية لطواحين المياه وآلات رفع المياه.
هذا التقدم في العالم الإسلامي في العصور الوسطى، جعل من الممكن لكثير من المهام الصناعية التي كانت تتم في السابق يدوياً في العصور القديمة، أن تتم بدلاً من ذلك بشكل ميكانيكي وأن تقودها الآلات.
وكان لنقل هذه التكنولوجيات إلى أوروبا في العصور الوسطى، تأثير على الثورة الصناعية.
تولدت عدد من الصناعات نتيجة للثورة الإسلامية الزراعية، بما في ذلك الصناعات القائمة على الزراعة، والأدوات الفلكية والسيراميك والمواد الكيميائية والتكنولوجيات والتقطير والساعات والزجاج والآلات المعتمدة على طاقتي المياه والرياح والحصير والفسيفساء والورق والعطور ومنتجات البترول والأدوية وصنع الحبال والشحن وبناء السفن والحرير والسكر والمنسوجات والمياه والأسلحة والتنقيب عن المعادن مثل الكبريت والأمونيا والرصاص والحديد.
تم بناء المجمعات الصناعية الكبيرة (الطراز) لكثير من هذه الصناعات وذلك في وقت مبكر، وتم في وقت لاحق نقل المعرفة بهذه الصناعات إلى أوروبا في القرون الوسطى، وخصوصا عبر الترجمات اللاتينية التي تمت في القرن الثاني عشر، وكذلك فيما قبله وبعده.
فعلى سبيل المثال، تم تأسيس أول مصانع للزجاج في أوروبا في القرن الحادي عشر على يد حرفيين مصريين في اليونان. كما شهدت الصناعات الزراعية والحرفية مستويات عالية من النمو خلال هذه الفترة أيضاً.
وكانت صناعة السفن في كل أنحاء العالم الإسلامي في ظلال الخلافة الإسلامية الأموية والعباسية. فقام الأمويون بتأسيس أول أسطول بحري إسلامي ولقد ظهرت صناعة السفن والأساطيل في العهد الأموي بموانيء الشام بعكا وارواد وصور وطرطوس وطربلس واللاذقية وحيفا. وفي المغرب كانت هناك طرابلس وتونس وسوسة وطنجة ووهران والرباط. وفي الأندلس اشتهرت إشبيلية ومالقة ومرسية، وفي مصر اشتهرت المقس الإسكندرية ودمياط وعيذاب (على ساحل البحر الأحمر).وكانت المراكب النيلية تصنع بالقاهرة.وكانت ترسانات البحرية لصناعة السفن يطلق عليها دور الصناعة وكان الأمويون أول من نظم صناعة السفن في العصر الإسلامي. وكان الأسطول يتكون من عدة أنواع من السفن مختلفة الحجم ولكل نوع وظيفة. فالشونة كانت حاملات للجنود، والأسلحة الثقيلة.
وفي علوم الملاحة وعلوم البحار كتب الجغرافيون المسلمون كتبهم. فضمنوها وصفا دقيقا لخطوط الملاحة البحرية، كماوضعوا فيها سرودا تفصيلية لكل المعارك الإسلامية البحرية، ثم وصفوا فيها البحار والتيارات إلمائية والهوائية، ومن أشهر الجغرافيين المسلمين المسعودي والمقدسي وياقوت الحموي والبكري والشريف الادريسي ومن الرحالة ابن جبير وابن بطوطة. وهناك كتب ابن ماجد في علوم البحار مثل كتاب "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد" وأرجوزته بعنوان "حاوية الاختصار في أصول علم البحار" وهناك مخطوط باسم سليمان المهري عنوانه "المنهاج الفاخر في العلم البحري الزاخر: و"العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية".
وقد أعز الإسلام العامل ورعاه وكرمه، واعترف بحقوقه لأول مرة في تاريخ العمل، بعد أن كان العمل في بعض الشرائع القديمة معناه الرق والتبعية، وفي البعض الآخر معناه المذلة والهوان.
فقد قرر الإسلام للعمال حقوقهم الطبيعية – كمواطنين – من أفراد المجتمع، كما جاء بكثير من المبادئ لضمان حقوقهم – كعمال – قاصداً بذلك إقامة العدالة الاجتماعية وتوفير الحياة الكريمة لهم ولأسرهم في حياتهم وبعد مماتهم.
كما دعا الإسلام أصحاب الأعمال إلى معاملة العامل معاملة إنسانية كريمة، وإلى الشفقة عليه والبر به وعدم تكليفه ما لا يطيق من الأعمال إلى غير ذلك من الحقوق التي منحها الإسلام للعامل
لذا فان العمال في اسابق أفضل بكثير من وقتنا الحاضر
قام عباس بن فرناس بالطيران من فوق منارة المسجد الكبير بقرطبة
تم إنتاج عدد كبير من الاختراعات من قبل المهندسين والمخترعين المسلمين في العصور الوسطى، مثل عباس بن فرناس والأخوة الثلاثة بنو موسى وتقي الدين الشامي وأبرزهم كان بديع الزمان الجزري.
من بعض الابتكارات التي يعتقد انها نتاج العصر الذهبي للإسلام تشمل كاميرا بدائية واكتشاف البن واختراع الصابون ومعجون الأسنان والشامبو والتقطير النقي والتسييل والبلورة والتنقية والأكسدة والتبخير والترشيح والكحول المقطر وحمض اليوريك وحامض النيتريك والإنبيق والمحرك المرفقي والصمام ومضخة مكبس الشفط الترددية وصناعة الساعات الميكانيكية عن طريق المياه والأوزان والأقفال المجمعة وصناعة النسيج والمشرط ومنشار العظام والملقط والخيوط الجراحية وطواحين الهواء والتطعيم ولقاح الجدري وقلم الحبر والترميز والتحليل المتواتر والوجبة الثلاثية والزجاج الملون وزجاج الكوارتز والسجاد الفارسي والعالم السماوي.
بازدياد التوسع العمراني، نمت المدن الإسلامية بشكل غير منظم، مما أدى إلى وجود شوارع ضيقة ومتعرجة ووجود فواصل في أحياء المدن بين خلفيات عرقية وانتماءات دينية مختلفة.
مثل هذه الصفات أثبت كفاءة في نقل البضائع من وإلى المراكز التجارية الكبرى مع الحفاظ على الخصوصية التي تقدرها الحياة الأسرية الإسلامية. وتقع المناطق السكنية خارج المدينة المسورة، وتتراوح بين مجتمعات سكنية غنية وأخرى عاملة شبه فقيرة.
مقالب القمامة كانت تقع على مسافة بعيدة من المدينة، وكذلك كانت المقابر، والتي كانت واضحة المعالم وكانت غالبا ما تكون سكناً للمجرمين. مكان الصلاة كان يوجد بالقرب من إحدى البوابات الرئيسية، وكانت تقام فيه الاحتفالات الدينية والاعدامات العلنية.
وبالمثل، فإن أماكن التدريب العسكري كانت توجد بالقرب من إحدى البوابات الرئيسية.
أيضاً كان يوجد بمدن المسلمين نظم مياه للأغراض المنزلية وشبكات للصرف الصحي وحمامات عامة ونوافير وانابيب مياه للشرب، وكانت تنتشر المراحيض العامة والخاصة ومرافق الاستحمام على نطاق واسع. بحلول القرن العاشر الميلادي كان بقرطبة 700 مسجد و60،000 قصر و70 مكتبة.
كما شهدت زيادة في متوسط العمر المتوقع عند الولادة في الأراضي الواقعة تحت ظل الحكم الإسلامي، وذلك بسبب الثورة الزراعية فضلا عن تحسين الرعاية الطبية.
وعلى النقيض من متوسط العمر في العصر اليوناني والروماني القديم العالم (22-28 سنة)، كان متوسط العمر في بداية الخلافة الإسلامية أكثر من 35 عاما.
ومتوسط أعمار طبقة علماء الإسلام على وجه الخصوص كان أعلى من ذلك بكثير: 84.3 سنة في العراق وبلاد فارس في القرنين العاشر والحادي عشر، و72.8 سنة في الشرق الأوسط في القرن الحادي عشر، و69-75 سنة في أسبانيا الإسلامية في القرن الحادي عشر، و75 سنة في بلاد فارس في القرن الثاني عشر، و59 - 72 عاما في بلاد فارس في القرن الثالث عشر.
شهدت أيضا الإمبراطورية الإسلامية نموا في مجال محو الأمية، وكان معدل معرفة القراءة والكتابة الأعلى في العصور الوسطى، بالمقارنة بمثيله في أثينا في العصور الكلاسيكية القديمة وكان أيضاً على نطاق أوسع.
تم تطوير أساليب علمية مبكراً في العالم الإسلامي، وحدث تقدم كبير في المنهجية، ولا سيما في القرن الحادي عشر الميلادي وذلك من خلال أعمال ابن الهيثم، والذي يعتبر رائدا في الفيزياء التجريبية.
أهم تطور في المنهج العلمي هو استخدام التجريب والقياس الكمي للتمييز بين مجموعة من النظريات العلمية المتكافئة في إطار توجه تجريبي بشكل عام. قام ابن الهيثم بتأليف "كتاب البصريات"، والذي صحح فيه الكثير في مجال البصريات، وأثبت تجريبيا أن الرؤية تتم بسبب أشعة الضوء التي تدخل العين، واخترع أول جهاز يشبه الكاميرا كانو يسمونها(القمرة) للتدليل على الطبيعة الفيزيائية للأشعة الضوئية.
كما تم وصف ابن الهيثم بأنه "العالم الأول" لابتكاره المنهج العلمي، وعمله الرائد في مجال علم نفس الإدراك البصري يعتبر مقدمة لعلم النفس الطبيعي وعلم النفس التجريبي.
[عدل] مراجعة الأقران
عملية مراجعة الأقران الطبية، هي العملية التي تقوم فيها لجنة من الأطباء بالتحقيق في الرعاية الطبية المقدمة، من أجل تحديد ما إذا كان قد تم الوفاء بمعايير مقبولة من الرعاية، ووجدت أقدم هذه المراجعات في كتاب "أدب الطبيب" الذي كتبه إسحاق بن علي الرهاوي (854 -931) من الرها في سوريا.
تقول أعماله وكذلك الأدلة الطبية العربية في وقت لاحق عنه، أن الطبيب الزائر يجب دائما أن يسجل ملاحظات مكررة لحالة المريض في كل زيارة.
وعندما يشفى المريض أو يموت، يتم استعراض تلك الملاحظات من قبل مجلس طبي محلي مكون من أطباء آخرين، وتتم مراجعتها وتقرير ما إذا كان أدائه قد استوفى المعايير المطلوبة من الرعاية الطبية.
وإذا كانت نتائج تلك المراجعات سلبية، يمكن أن يواجه الطبيب الممارس دعوى قضائية من قبل مريض تم علاجه بشكل سيء.
وقد تم وصف أول مراجعة أقران طبية، وتقييم نتائج البحوث من حيث الكفاءة والأهمية والأصالة من خبراء مؤهلين، وذلك في "الملاحظات والمقالات طبية" والتي نشرتها الجمعية الملكية في ادنبره في عام 1731.
وقد تطور نظام مراجعة الأقران الحالي من هذه العملية التي تمت في القرن الثامن عشر.
وقد عرف العلماء المسلمون علم الفللك وتعمقوا فيه وطورو، فعرفوا المواقيت الزمانية والمكانية، وحددوا جهة القبلة ومواقع البلاد الإسلامية حسب خطوط الطول ودوائر العرض.
يعتبر جابر بن حيان رائداً في الكيمياء، وذلك لكونه مسؤولاً عن إدخال المنهج العلمي التجريبي في وقت مبكر في هذا المجال، فضلاً عن اختراعه للإنبيق والمقطرة والمعوجة والعمليات الكيميائية للتقطير النقي والترشيح والتسامي والتبلور والتنقية والأكسدة والتبخر.
كان الكندي أول من دحض دراسة الكيمياء التقليدية ونظرية تحويل الفلزات، وتلاه في ذلك أبو الريحان البيروني وابن سينا وابن خلدون.
كان الرازي أول من أثبت، باستخدام طريقة تجريبية، خطأ نظرية أرسطو للعناصر الكلاسيكية ونظرية جالينوس عن تكوين جسم الإنسان وذلك في كتابه "شكوك حول جالينوس".
وقدم نصير الدين الطوسي إصداراً مبكراً لقانون حفظ الكتلة، مشيرا إلى ان جسم المادة قابل للتغير، ولكنه لا يستطيع أن يفنى.
يعتبر الكسندر فون همبولت وويل ديورانت الكيميائيين المسلمين في العصور الوسطى، أنهم مؤسسي الكيمياء.
مخطوطة ألمانية تدرس استخدام الأرقام العربية
من بين انجازات علماء الرياضيات المسلمين خلال هذه الفترة, تطوير علم الجبر والخوارزميات وذلك بواسطة عالم الرياضيات العربي المسلم محمد بن موسى الخوارزمي، واختراع علم المثلثات الكروية، وإضافة العلامة العشرية إلى الأرقام العربية، واكتشاف جميع وظائف علم المثلثات بالإضافة إلى الوظيفة السينية، ومقدمة الكندي في تحليل الشفرات وتحليل التردد، ومقدمة الكرجي في حساب التفاضل والتكامل والإثبات عن طريق الحث الرياضي، وتطوير ابن الهيثم للهندسة التحليلية ووضعه لأقدم صيغة عامة لحساب التفاضل والتكامل المتناهي في الصغر والذي لا يتجزأ، وبداية الهندسة الجبرية بواسطة عمر الخيام، والتفنيدات الأولى من نصير الدين الطوسي للهندسة الإقليدية والمسلمة المتوازية، وأول محاولة من صدر الدين في الهندسة الغير الإقليدية، وتطوير علم الجبر الرمزي بواسطة أبو الحسن علي بن محمد القلصدي، والعديد من التطويرات الأخرى في الجبر والحساب وحساب التفاضل والتكامل والترميز والهندسة ونظرية الأعداد وعلم المثلثات.
كان الطب الإسلامي نوعاً من أنواع الكتابة الطبية التي تأثرت بالعديد من الأنظمة الطبية المختلفة. فقد كان لأعمال الأطباء اليونانيين والرومان القدماء مثل أبقراط ودايوسكوريدس وسورانوس وسلسوس وجالينوس، تأثير دائم على الطب الإسلامي.
أيضاً قدم الأطباء المسلمون مساهمات متميزة كثيرة في الطب، وذلك في التشريح والطب التجريبي وطب العيون والأمراض والعلوم الصيدلانية والفيزيولوجيا والجراحة، الخ.
كما أنشؤوا أوائل المستشفيات المتخصصة، بما في ذلك أول مدارس طبية ومستشفيات للأمراض النفسية.
وقد كتب الكندي "رسالة في معرفة قوى الأدوية المركبة"، والذي أظهر أول تطبيق للقياس الكمي والرياضيات في الطب والصيدلة، مثل المقياس الرياضي لقياس قوة الأدوية والتنبؤ بأخطر أيام المرض لدى الشخص المصاب.
واكتشف الرازي الحصبة والجدري، وفي كتابه "شكوك حول جالينوس"، أثبت خطأ نظرية جالينوس للأخلاط.
ساعد أبو القاسم في إرساء أسس الجراحة الحديثة، وذلك في "كتاب التصريف"، والذي اخترع فيه العديد من الأدوات الجراحية، بما في ذلك الأدوات الأولى التي تخص المرأة، فضلا عن الاستخدامات الجراحية للخيوط الجراحية والملقط والضمد والإبر الجراحية والمشرط والمجرفة والضام والملعقة الجراحية والصوت والخطاف الجراحي والقضيب الجراحي والمناظير ونشر العظام.
وأحدث ابن الهيثم تقدما هاما في جراحة العيون، كما شرح بشكل صحيح وللمرة الأولى عملية الإبصار والإدراك البصري وذلك في كتابه "كتاب البصريات".
وقدم العالم الفارسي ابن سينا الطب التجريبي واكتشف الأمراض المعدية وابتكر الحجر الصحي وتجربة الأدوية، ووصف العديد من مواد التخدير والعقاقير الطبية والعلاجية، وذلك في كتابه "القانون في الطب".
ساعد ابن سينا في إرساء أسس الطب الحديث وذلك من خلال كتابه "القانون في الطب"، والذي كان مسؤولا عن إدخال التجريب المنظم والكمي في علم وظائف الأعضاء، واكتشاف الأمراض المعدية وإدخال الحجر الصحي للحد من انتشارها، وإدخال الطب التجريبي، والعلاج المبني على الأدلة، وتجربة الأدوية، والتجارب العشوائية المحكومة، واختبارات الفعالية، والصيدلة السريرية، والوصف الأول للبكتيريا والكائنات الفيروسية، والتمييز بين التهاب الأنسجة الصدرية والتهاب الغشاء الرئوي، والطبيعة المعدية لمرض السل، وانتشار الأمراض عن طريق المياه والتربة، والاضطرابات الجلدية، والأمراض المنقولة جنسيا، والانحرافات، والأمراض العصبية، واستخدام الثلج لعلاج الحمى، والفصل بين الطب وبين علم الصيدلة.
وكان ابن زهر أول جراح تجريبي معروف، فقد كان مسؤولاً عن إدخال الأسلوب التجريبي في الجراحة وذلك في القرن الثاني عشر. كما أنه كان أول من قام بالاختبارات على الحيوانات لتجربة العمليات الجراحية قبل تطبيقها على المرضى من البشر.
كما أجرى أول تشريح للجثة بعد الوفاة وذلك على البشر والحيوانات.
وضع ابن النفيس أسس علم وظائف الأعضاء الدوري، كما أنه كان أول من وصف الدورة الدموية الرئوية والدورة الدموية للشريان التاجي، والتي تشكل الأساس لنظام الدورة الدموية، والذي اعتبر بسببه "أعظم فيزيولوجي في العصور الوسطى". كما وصف أيضاً المفهوم المبكر لعملية الأيض، ووضع نظم جديدة للفيزيولوجيا وعلم النفس لتحل محل نظم ابن سينا وجالينوس ونقد العديد من نظرياتهما الخاطئة بشأن الخلاط والنبض والعظام والعضلات والامعاء والحواس والقنوات الصفراوية والمريء والمعدة، الخ.
ورفض ابن اللبودي نظرية الخلاط، واكتشف أن الجسم والحفاظ عليه يعتمد حصرياً على الدم، وأن المرأة لا يمكنها إنتاج الحيوانات المنوية، وأن حركة الشرايين لا تعتمد على حركة القلب، وأن القلب هو أول عضو يتم تشكله في جسم الجنين، وأن العظام المكونة للجمجمة يمكن أن تتحول إلى أورام.
كما اكتشف ابن خاتيمة وابن الخطيب أن الأمراض المعدية تسببها الكائنات الحية الدقيقة التي تدخل جسم الإنسان.
وقام منصور بن الياس برسم مخططات شاملة لهيكل الجسم، والجهاز العصبي والدورة الدموية.
وقد أثبت ابن الهيثم أن الضوء يسافر في خطوط مستقيمة
بدأت دراسة الفيزياء التجريبية مع ابن الهيثم، وهو أحد رواد علم البصريات الحديث، وقد أدخل المنهج العلمي التجريبي وقام باستخدامه ليحدث تغيير جذري في فهم ورؤية الضوء وذلك في كتابه "كتاب البصريات" والذي تم وضعه جنبا إلى جنب في المرتبة مع كتاب اسحق نيوتن "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" باعتباره واحد من أكثر الكتب تأثيرا في تاريخ الفيزياء، وذلك لقيامه بعمل ثورة علمية في مجال البصريات والإدراك البصري.
وسرعان ما تم إدخال المنهج العلمي التجريبي في الميكانيكا من قبل البيروني، وتم اكتشاف مؤشرات مبكرة لقوانين نيوتن في الحركة من قبل العديد من العلماء المسلمين.
قانون القصور الذاتي، والمعروف باسم قانون نيوتن الأول للحركة، ومفهوم الزخم قد تم اكتشافهما من قبل ابن الهيثم وابن سينا.
تم اكتشاف التناسب بين القوة والتسارع، وهو ما يعتبر "القانون الأساسي لعلم الميكانيكا الكلاسيكية" والذي يمثل مؤشر لقانون نيوتن الثاني للحركة، من قبل هبة الله أبي البركات البغدادي، في حين أن مفهوم رد الفعل، والذي يمثل مؤشر لقانون نيوتن الثالث للحركة، قد تم اكتشافه من قبل ابن باجة.
وتم وضع نظريات تمثل مؤشرات لقانون نيوتن في الجاذبية الكونية من قبل جعفر محمد بن موسى بن شاكر وابن الهيثم وعبدالرحمن الخزيني.
وقد أثريت المعالجات الرياضية للتسارع والتي قام بها غاليليو غاليلي، وأيضاً مفهومه للدفعة، وذلك من خلال التعليقات التي قام بها ابن سينا وابن باجة على فيزياء أرسطو، فضلا عن المدرسة الأفلاطونية الحديثة في الإسكندرية، والتي يمثلها جون فيلوبوناس.
وقد قام العلماء المسلمون بالعديد من التطورات الأخرى في مجال البيولوجيا (علم التشريح وعلم النبات والتطور والفيزيولوجيا وعلم الحيوان)، وعلوم الأرض (الأنثروبولوجيا وعلم رسم الخرائط والجيوديسيا والجغرافيا والجيولوجيا)، وعلم النفس (علم النفس التجريبي والطب النفسي وعلم النفس البدني والعلاج النفسي)، والعلوم الاجتماعية (الديموغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ والتأريخ).
ومن العلماء المسلمين المشهورين خلال العصر الذهبي للإسلام يذكر الفارابي (عالم موسوعي) والبيروني (عالم موسوعي وكان واحدا من العلماء المبكرين في الانثروبولوجيا ورائدا في الجيوديسيا)، ونصير الدين الطوسي (عالم موسوعي)، وابن خلدون (الذي يعتبر رائداً في علوم اجتماعية عديدة مثل الديموغرافيا والاقتصاد والتاريخ الثقافي والتأريخ وعلم الاجتماع)، وآخرين.


قصر الحمراء بغرناطة.
وكان المعمار الإسلامي بعتمد علي النواحي التطبيقية لعلم الحيل وهذا يتضح في إقامة المساجد والمآذن والقباب والقناطر والسدود فلقد برع المسلمون في تشييد القباب الضخمة ونجحوا في حساباتها المعقدة التي تقوم علي طرق تحليل الإنشاءات القشرية. فهذه الإنشاءات المعقدة والمتطورة من القباب مثل قبة الصخرة في بيت المقدس وقباب مساجد الأستانة ودمشق والقاهرة وحلب والأندلس والتي تختلف اختلافا جذرياً عن القباب الرومانية وتعتمد اعتمادا كليا علي الرياضيات المعقدة. فلقد شيد البناؤن المسلمون المآذن العالية والطويلة والتي تختلف عن الأبراج الرومانية. لأن المئذنة قد يصل ارتفاعها إلى سبعين مترا فوق سطح المسجد.وأقاموا السدود الضخمة أيام العباسيين والفاطميين وفي الشام والأندلسيين فوق الأنهار كسد النهروان وسدود عديدة في سوريا. كما أقاموا سور مجري العيون بالقاهرة وقناطر وسواقي المياة في حماة التي لا مثيل لها في العالم. وكانت هناك سواقي في بعض البلاد الإسلامية تدار بالحيوانات لتروي المزارع والحقول أو السواقي التي تدور بقوة الماء ترفع المياه لعشرة أمتار ليتدفق في القناة فوق السور وتسير بطريقة الأواني المستطرقة كما هو الحال بالسواقي الضخمه (النواعير) على نهر العاصي في حماه وسط سوريا. تتميز الحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لاتخرج عن نطاق القواعد الإسلامية. ففي العمارة بنى أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي، على نهر دجلة عاصمته بغداد سنة (145- 149 هـ) على شكل دائري، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، لأن مـعظم المدن الإسلامية، كانت إما مستطيلة كالفسطاط، أو مربعة كالقاهرة، أو بيضاويةكصنعاء. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه المدن نشأت بجوار مرتفعات حالت دون استدارتها. ويعتبر تخطيط المدينة المدورة (بغداد)، ظاهرة جديدة في الفن المعماري الإسلامي ولاسيما في المدن الأخرى التي شيدها العباسيون مثل مدينة سامراء وما حوته من مساجد وقصور خلافية فخمة. وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والرقة والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية والجزائر وغيرها. كما خلفت الحضارة الإسلامية مدنا متحفية تعبر عن العمارة الإسلامية كإستانبول بمساجدها والقاهرة ودمشق بعمائرها الإسلامية وحلب وحمص وبخاري وسمرقند ودلهي وحيدر أباد وقندهار وبلخ وترمذ وغزنة وبوزجان وطليطلة وقرطبة وإشبيلية ومرسية وسراييفو وأصفهان وتبريز ونيقيا والقيروان والحمراء وغيرها من المدن الإسلامية. وكان تخطيط المدن سمة العمران في ظلال الخلافة الإسلامية التي إمتدت من جتوب الصين حتي تخوم جنوب فرنسا عند جبال البرانس. وكانت المدن التاريخية متاحف عمرانية تتسم بالطابع الإسلامي. فكانت المدينة المنورة قد وضع النبي أساسها العمراني والتخطيط حيث جعل مسجده في وسط المدينة ،وألحق به بيته وجعلها قطائع حددلها إتساع شوارعها الرئيسية. وكلها تتحلق حول مسجده. وجعل سوقها في قلب مدينته. لتكون بلد جنده. وعلى نمط مدينة رسول الله في الإسلام أقيمت مدن الكوفة والفسطاط لتكون أول بلدة إسلامية بأفريقيا. وقد أقامها عمرو بن العاص كمدينة جند فجعل مسجده في قلبها وبجواره دوواين الجند ودار الإمارة. وكذلك كانت مدينة القيروان بشمال أفريقيا.وكان التخطيط العمراني له سماته الشرعية حيث تشق الشوارع بالمدينة الإسلامية تحت الريح لمنع التلوث وتقام الورش تحت خارج المدينة لمنع الإقلاق. وكان تمنح تراخيص للبناء بحيث يكون المبني من طابق أو طابقين. والأسواق كانت مسقوفة لمنع تأثير الشمس.
كان لكل سوق محتسب لمراقبة البيع والأسعار وجودة البضائع والتفتيش علي المصانع للتأكد من عدم الغش السلعي والإنتاجي.وبكل مدينة أو بلدة كانت تقام الحمامات العامة لتكون مجانا. وكان لها مواصفات وشروط متفقط متبعة.وكان يتم التفتيش علي النظافة بها واتباع الصحة العامة. حقيقة كانت الحمامات معروفة لدي الإغريق والرومان، لكنها كانت للموسرين. والعرب أدخلوا فيها التدليك كنوع من العلاج الطبيعي. واقاموا بها غرف البخار (السونا).والمسلمون أول من أدخلوا شبكات المياه في مواسير الرصاص أو الزنك إلى البيوت والحمامات والمساجد.. وقد أورد كتاب "صناعات العرب" رسما وخرائط لشبكات المياه في بعض العواصم الإسلامية. ومعروف أن الكيميائيين العرب قد اخترعوا الصابون. وصنعوا منه الملون والمعطر وانتشرت صناعته في حلب وطرابلس. وكان في كل حمام مدلك مختص. وآخر للعناية باليدين. والقدمين وبه حلاق للشعر كما كان يلحق به مطعم شعبي. وقد قدر عدد الحمامات في بغداد وحدها في القرن الثالث الهجري (955 م) حوالي عشرة آلاف حمام وفي مدن الأندلس الأموية أضعاف هذا العدد.
ويعتبر المسلمون المسجد بيتا من بيوت الله حيث يؤدي به شعائر الخمس صلوات وصلاة الجمعة التي فرضت علي المسلمين ويقام فيه تحفيظ القرآن. وبكل مسجد قبلة يتوجه كل مسلم في صلاته لشطر الكعبة بيت الله الحرام. وأول مسجد أقيم في الإسلام(مسجد قباء) مسجد الرسول بالمدينة المنورة. وكان ملحقا به بيته. وإنتشرت إقامة المساجد كبيوت لله في كل أنحاء العالم ليرفع من فوق مآذنها الآذان للصلاة. وقد تنوعت في عمارتها حسب طرز العمارة في الدول التي دخلت في الإسلام. لكنها كلها موحدة في الإطار العام ولاسيما في إتجاهمحاريب القبلة بها لتكون تجاه الكعبة المشرفة. وبكل مسجد يوجد المنبر لإلقاء خطبة الجمعة من فوقه. وفي بعض المساجد توجد أماكن معزولة مخصصة للسيدات للصلاة بها. وللمسجد مئذنة واحدة أو أكثر ليرفع المؤذن من فوقها الآذان للصلاة وتنوعت طرزها. وبعض المساجد يعلو سقفها قبة متنوعة في طرزها المعمارية.
وفي المساجد نجد المحراب علامة دلالية لتعيين اتجاه القبلة (الكعبة). وهذه العلامة على هيئة مسطح أو غائر(مجوف) أو بارز.والمسلمون استعملوا المحاريب المجوفة ذات المسقط المتعامد الأضلاع. أو المسقط النصف دائري. وقداختيرت الهيئة المجوفـة للمحراب لغرضين رئيسين هما، تعيين اتجاه القبلة، وتوظيف التجويف لتضخيم صوت الإمام في الصلاة ليبلغ المصلين خلفه في الصفوف. وكانت تجاويف المحاريب تبطن وتكسى بمواد شديدة التنـوع كالجص والرخام والشرائط المزخرفة بالفسيفساء أو المرمر المزخرف.ونري المحاريب التي شيدها المماليك في مصر والشام من أبدع المحاريب الرخامية، حيث تنتهي تجويفة المحراب بطاقية على شكل نصف قبـة مكسوة بأشرطة رخامية متعددة الألوان. وأبرع الفنانون المسلمون في استخدام مختلف أنواع البلاطات الخزفية لتغشية المحاريب أما الخزافون في الشرق، فقد إساخدموا استخداموا بلاطات الخزف ذات البريق المعدني والخزف الملون باللون الأزرق الفيروزي. وقد حفلت المحاريب بالكتابات النسخية التي تضم آيات من القرآن، بجانب الزخارف النباتية المميزة بالتوريق والأرابيسك. كما استخدمت فيها المقرنصات الخزفية لتزيين طواقي المحاريب. وجرت العادة وضع المحراب في منتصف جدار القبلة بالضبط ليكون محوراً لتوزيع فتحات النوافذ على جانبيه بالتوازن.
و المئذنة(المنارة) الملحقة ببنايات المساجد لها سماتها المعمارية.و تتكون من كتلة معمارية مرتفعة كالبرج وقد تكون مربعة أو مستديرة أو بها جزء مربع وأعلاها مستدير. وبداخلها سلم حلزوني (دوار) يؤدي إلي شرفة تحيط بالمئذنة ليؤذن من عليها المؤذن وليصل صوته أبعد مدى ممكن. والمآذن المملوكية تتكون من جزء مربع ثم جزء مثمن ثم جزء مستدير بينهم الدروات ويعلوها جوسق ينتهى بخوذة يثبت بها صوارى تعلق بها ثرايات أو فوانيس. ومئذنة مدرسةالسلطان الغورى بالقاهرة، أقيم في طرفها الغربي منار مربع يشتمل على ثلاثة أدوار يعلو الدور الثالث منها أربع خوذ كل خوذة منها في دور مستقل، ومحمولة على أربعة دعائم وبكل خوذة ثلاث صوارى لتعليق القناديل أو الثريات ومأذن دمشق المتنوعة في مساجد وجوامع دمشق التاريخية بين الطراز الأموي والمملوكي والأيوبي وفي الجامع الأموي حيث ترتفع أقدم مأذنة في الإسلام.
وفي مجال فن التصوير، أي رسم الإنسان والحيوان. فبالرغم من أن بعض علماء المسلمين الأولين، اعتبروه مكروهاً، إلا أنهم لم يفتوا بتحريمه أيام خلفاء بني أمية وبني العباس. فقد ترخصوا في ذلك حيث خلفوا صورا آدمية متقنة على جدران قصورهم التي اكتشفت آثارها في بادية الشام في سوريا مثل قصر الحير الشرقي وقصر الحير الغربي وقصر ابم وردان وفي شرق الأردن وسامراء، أو في الكتب العربية الموضحة بالصور الجميلة التي رسمها المصورون المسلمون كالواسطي وغيره، في مقامات "الحريري " وكتاب "كليلة ودمنة التصوير في الفن الإسلامي وفن التصوير إقتصر أول الأمر على رسوم زخرفية لمناظر آدمية وحيوانية رسمت بالألوان على جدران بعض قصور الخلفاء والأمراء كما يري في إطلال قصور الشام وقصير عمرو وبصرى وسامراء ونيسابور وغيرها، غير أن التصوير في الفنون الإسلامية اكتشف مجاله الحقيقي في تصوير المخطوطات منذ القرن الثالث الهجري – التاسع الميلادي – ومن أقدم المخطوطات المصورة مخطوطة في علم الطب محفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة وأخرى لكتاب مقامات الحريري ومحفوظة بالمكتبة الأهلية في باريس وهما مزدانتان بالرسوم والصور وتمت كتابتها وتصويرها في بغداد سنة 619 – 1222- وكانت فارس قد تولت ريادة فن التصوير الإسلامي إبان العصر السلجوقي ونهض نهضة كبيرة في عصر المغول في أواخر القرن السابع حتى منتصف القرن الثامن -الثالث عشر والرابع عشر الميلادي – وكان أشهر المخطوطات المصورة (جامع التواريخ) للوزير رشيد الدين في أوائل القرن السابع الهجري والشاهنامة للفردوسي التي ضمت تاريخ ملوك الفرس والأساطير الفارسية والمخطوطات المصورة في بغداد لكتاب كليلة ودمنة.وكان الأسلوب الفني في صور هذه المخطوطات المغولية متأثرا إلى حد كبير بالأسلوب الصيني سواء من حيث واقعية المناظر أو استطالة رسوم الأجسام أو اقتضاب الألوان.وأخذ فن التصوير الإيراني ينال شهرة عالمية في العصر التيموري وبخاصة في القرن التاسع الهجري – الخامس عشر الميلادي - وقد ظهرت فيه نخبة من كبار الفنانين الذين اختصوا بتصوير المخطوطات مثل خليل وأمير شاهي وبهزاد ويتميز التصوير الإيراني بصياغة المناظر في مجموعات زخرفية كاملة تبدو فيها الأشكال كعناصر تنبت من وحدة زخرفية وتتجمع حولها أو تمتد وتتفرع مع حرص المصورين على ملاحظة الطبيعة ومحاولاتهم محاكاتها والتعبير عن مظاهر الجمال والحركة فيها بسمائها ونجومها وأقمارها وبما تحتويه من جبال ووديان وأشجار وأزهار وبما فيها من رجال ونساء وأطفال وطيور وحيوان. وكانت العلاقة قوية بين الشعر والتصوير حيث كان التصوير نوعا من الموسيقى والمصور أشبه بالملحن لكتاب الشاعر. فكان يضع الشعر المكتوب في أشكال محسوسة ليطبع التفكير والخيال بنوع من الحقيقة والحركات المتنوعة. مما يجعله يعبر في ألوانه عن هذه الروح الموسيقية وتلك الحساسية الشاعرية. فكانت الألوان تمتزج في صوره امتزاجا عجيبا بين الزهاء والهدوء وتنسجم انسجام الألحان في المقطوعة الموسيقية بحيث تختلف الألوان في الصورة الواحدة وتتعدد. كما تختلف فيها درجات اللون الواحد الذي ينبثق من صفاء السماء وينعكس فيه أشعة الشمس الذهبية الصافية. فالتصوير الإيراني كان فنا تعبيريا عن الشاعرية والعاطفة من خلال تسجيل ما في الطبيعة من حقائق جذابة وما في القلوب من خيال أخاذ ونغمات دفينة..
وتعتبر الزخرفة لغة الفن الإسلامي، حيث تقوم على زخرفة المساجد والقصور والقباب بأشكال هندسية أو نباتية جميلة تبعث في النفس الراحة والهدوء والانشراح. وسمي هذا الفن الزخرفي الإسلامي في أوروبا باسم "أرابسك" بالفرنسية وبالأسبانية "أتوريك" أي التوريق. وقد إشتهر الفنان المسلم فيه بالفن السريالي التجريدي من حيث الوحدة الزخرفية النباتية كالورقة أو الزهرة،

وكان يجردها من شكلها الطبيعي حتى لا تعطى إحساسا بالذبول والفناء، ويحورها في أشكال هندسية حتى تعطي الشعور بالدوام والبقاء والخلود. ووجد الفنانون المسلمون في الحروف العربية أساسا لزخارف جميلة. فصار الخط العربي فناً رائعاً، على يد خطاطين مشهورين. فظهر الخط الكوفي الذي يستعمل في الشئون الهامة مثل كتابة المصاحف والنقش على العملة، وعلى المساجد، وشواهد القبور. ومن أبرز من اشتهر بكتابة الـخط الكوفي، مبارك المكي في القرن الثالث الهجري، وخط النسخ الذي استخدم في الرسائل والتدوين ونسخ الكتب، لهذا سمي بخط النسخ. وكان الخطاطون والنساخ يهتمون بمظهر الكتاب، ويزينونه بالزخرف الإسلامية. كما كانت تزين المصاحف وتحلى المخطوطات بالآيات القرآنية والأحاديث المناسبة التي كانت تكتب بماء الذهب.
كما إهتم المسلمون بالموسيقى والنغم والإيقاع وازدهرت هذه الفنون خاصة في العهد العباسي حيث اخترع الفرابي آلة القانون وأشهر الموسيقيين إسحاق الموصلي, الأصفهاني وزرياب.

وفي عهد المماليك بعد سقوط بغداد على يد المغول الذين اتسموا بالبربرية والهمجية والتخلف مما أزال الكثير من آثار الحضارة العربية بعد أن رمى هؤلاء البرابرة ملايين الكتب في نهري دجلة والفرات ، كذلك بعدما سيطر الصليبيين الأتين من أوريا والذين لم يكن عندهم أي دراية بالعلم والحضارة عمل هؤلاء على نقل الكتب والمراجع العربية إلى أوريا لترجمتها والإبتداء بعصر النهضة الأوربية من خلالها ، أما في المنطقة العربية بعد تحررها فقد حكم المماليك المنطقة العربية في الشام والعراق ومصر مما قلل من فرصة العلم والتعليم وإن كان هناك بعض الاهتمام إلا أنه لم يكن بالمستوى المطلوب فكانت رغبة المماليك في التقرب إلى الشعب كانت من الأسباب التي أدت إلى ازدهار التعليم أيام المماليك. فأوجدت الجوامع والمساجد لأهل الدين وأحبائه، والمدارس لطالبي العلم والتعليم، والأربطة والزوايا للفقراء والمحتاجين، والخانقاوات للصوفية المتعبدين. ونتيجة لهذا الإقبال الشديد على بناء المؤسسات التعليمية زادت أوقاف العصر زيادة كبيرة استلزمها الإنفاق عليها لكي تتمكن هذه المؤسسات من القيام بوظائفها كاملة وبصفة مستمرة. وقد اشترك في تدعيم هذه الرابطة الدينية مع الشعب السلاطين والأمراء وزوجات السلاطين على حد سواء حسب قدراتهم المالية. ولعل من أشهر الجوامع والمساجد التي شيدت في عصر المماليك جامع السلطان الناصر محمد بن قلاون الذي أنشأ عام 1311 م . كما حرص السلاطين المماليك على تجديد الكثير من الجوامع التي شيدت في عصور سابقة. وكان يعتني عناية فائقة باختيار من يقوم بالتدريس في الجوامع حيث إنها المكان المعد لاستقبال مختلف طبقات الشعب لأداء الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، والاستماع على الخطب والأحاديث الدينية التهذيبية. كذلك حرص المماليك على إقامة المدارس وزادت على ذلك العناية بالتعليم. ولا شك أن الهدف الأساسي من وراء سياسة الإكثار من المدارس أيام حكم السلاطين المماليك هو خدمة الدين الإسلامي، وما يتفرع عنه من مختلف العلوم العقائدية والتشريعية. وقد كان وجود العلماء والفقهاء والقضاة في مصر في العصر المملوكي بإعداد كبيرة ، مع تعمق في مختلف الدراسات العقائدية والاجتماعية عاملا مشجعا لأصحاب السلطة، ومحبي العلم والتعليم، والمقتدرين لإنشاء المدارس على مختلف أنواعها، وقد كان من نتيجة ذلك تلك العلاقة الوثيقة والرابطة القوية بين الحكام المماليك من ناحية وبين طبقة العلماء والفقهاء والقضاة والمتعلمين من ناحية أخرى. كذلك وصلت الخانقاوات في العصر المملوكي أعلى درجات الارتقاء في التنظيم وأساليب الدرس، ونخبة العلماء المشرفين على حلقات الدراسة والوعظ والتفسير من ذلك على سبيل المثال لا الحصر خانقاة سرياقوس. علاوة على ذلك كان للزوايا والأربطة دور كبير في خدمة أغراض التصوف والانقطاع للعبادة والتعليم. وتحدثنا النصوص التاريخية المملوكية عن عدد غير قليل من العلوم التي نبغ فيها مجموعة كبيرة من علماء العصر المملوكي مثل ابن تيمية، وبدر الدين بن جماعة، وشمس الدين السخاوي وآخرين. وقد تميز النظام التعليمي في عصر المماليك بالتخصص حيث انفردت كل مؤسسة بعلم معين فالبيمارستان المنصوري على سبيل المثال اختص بتدريس علم الطب. وترتب على ذلك أن الطالب الذي يريد أن يتبحر في علم بذاته يتجه على المدرسة التي تهيئ مثل هذا التخصص. بالإضافة إلى ذلك حظيت المرأة في العصر المملوكي بمكانة كبيرة في مجالس العلم إذ نالت نصيبا وافرا من التوجيه التربوي والتعليمي. كذلك عني القائمون على نظام التعليم في تلك الحقبة بمسألة أخلاق وسلوك المعلم بحيث يكون المعلم مثالا يحتذي به من طلبته. وأخيرا وليس آخرا لا بد من القول أن علماء العصر المملوكي اظهروا كفاءة واضحة في الشئون القضائية والإدارية والقانونية والتعليمية، وكذلك في المجالات المالية والتجارية والديوانية.

أما في العهد العثماني فقد كان التعليم والمدارس تابع للمشيخة الإسلامية إلى عهد السلطان محمود القثاني ، ثم فصل عنها في عهده الذي امتد حتى عام 1839 ، ماعدا المرحلة الإبتدائية فكانت المشيخة الإسلامية تشرف بشكل مباشر على أمور التربية والتعليم في الدولة العثمانية وذلك في توفير حاجة البلد من رجال العلم والقضاء والإدارة ، وكانت العلوم التقنية تدرس في الجامعات التي أنشأها السلطان محمد الفاتح مابيم 1451 م إلى 1481 م المعروفة بمدارس صحن ثمان ، إلى جانب العلوم العقلية التطبيقية ، كما حذت مدارس السليمانية التي أنشأها السلطان سليمان ما بيم 1520-1566 ح>وها في تدريس العلوم الشرعية والتطبيقية وكان التلميذ يحصل على الإجازة العلمية التي تؤهله للتدريس والإفتاء والدعوة والإرشاد ،


فالمدارس العثمانية لها مكانة مهمة وبارزة في تاريخ التعليم الإسلامي. هذه المدارس هي مؤسسات تقوم بالتعليم على المستوى المتوسط والعالي. والمدرسة هي اسم للمؤسسة التربوية والتعليمية التي تنشئ العناصر وتزود البلاد بالثقافة التي تحتاجها. وعلى غرار العهود التي سبقت العهد العثماني فإن المدارس التي أنشأها الأشخاص ووقفوا الأموال والأملاك في سبيل إدامتها كان لها "مدرسوها" و"معيدوها". وطلابها الذين أطلق عليهم اسم "دانشمند" أو"سوخته" أو " الطالب". فمن أنهى تعليمه في مدرسة أو "مكتب الصبيان" أو تلقى تعليما خاصا بنفس المستوى، توجه إلى المدارس ليتلقى من المدرسين دروسا وفق منهاج موضوع سلفا.

كانت للدولة العثمانية مؤسساتها التعليمية والعسكرية والإدارية المتكاملة. هذه المؤسسات ومنذ بدايات القرن السادس عشر الميلادي على نفس المستوى مع ما نشاهده في الدول الحديثة من تنظيم وإدارة. ولمزيد من الاطلاع على مؤسسات التربية والتعليم ومؤسسات الدولة الأخرى ينبغي علينا التوجه إلى الأرشيف العثماني الذي يذخر بعشرات الملايين من الوثائق التي تلقي الضوء على هذه المؤسسات. وعلى نحو ما كان في الدول الإسلامية السابقة فإنه يمكن تصنيف المؤسسات التعليمية في مجموعتين:

1. مدارس التعليم العام
2- مدارس التعليم الخاص أو مدارس الاختصاص

1. مدارس التعليم العام

أنشأ العثمانيون مدارسهم وفق النماذج المعروفة لدى السلاجقة وإمارات الأناضول. لكنهم استفادوا في العلوم النقلية من العلماء الذين نشأوا في الشام ومصر وفي العلوم العقلية من العلماء الذين نشأوا في بغداد وسمرقند. وقد أنشئت أول مدرسة عثمانية في عهد الغازي أورخان وكان أول المدرسين فيها داود القيصري الذي تلقى علومه الدينية في قيصري والقاهرة.

ويمكننا القول بأن التعليم في المدارس العثمانية بدأ مع تأسيس الدولة نفسها. وكانت المدارس التي تزود الطلاب بالمعلومات العامة تدرس "علوم الآلة " وهي الكلام والمنطق والبلاغة واللغات والنحو والرياضيات والفلك والفلسفة والتاريخ والجغرافيا بالإضافة إلى "العلوم العالية"وهي علوم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك من العلوم الدينية. وعلى غرار كثير من الأمور التي أتاحت المجال للتطور الحضاري، فإن الدولة العثمانية استمرت على سياستها المفتوحة في التربية والتعليم حتى النهاية فاستقدمت أعدادا كبيرة من العلماء وأساتذة الجامعات. ويمكننا القول بأن نظام المدارس في العهود المبكرة للدولة العثمانية هو نفس النظام الذي كان مطبقا في العهد السلجوقي وفي عهود الإمارات التركية في الأناضول. ومع ذلك فإننا نؤكد بأن أول تغيير في نظام التعليم حدث في عهد السلطان بايزيد الصاعقة1 وأن نظام التعليم شهد تطورا كبيرا في عهد السلطان مراد الثاني بافتتاح قسم التتمة التابعة المدرسة الحلبية في أدرنة2 وكذلك افتتاح مدرسة دار الحديث في أدرنة أيضا.أما التغيير الجذري لنظام التعليم العثماني فحدث في عهد السلطان محمد الفاتح. وبقي هذا النظام مطبقا حتى افتتاح المدرسة السليمانية في عهد السلطان سليمان القانوني.

فهذه المدارس زودت طلابها بكافة العلوم العصرية بالإضافة إلى العلوم الدينية في العهد الكلاسيكي وكذلك في فترة ما بعد الإصلاح الدستوري.

وبعد افتتاح الصحن الثمان ومدارس التتمة في استنبول حدثت تعديلات جديدة في نظام التعليم في المدارس داخل الحدود العثمانية. ومع استحالة القطع في ذكر تدرج وتسلسل المقررات والكتب في هذه المدارس، فإن بعض الوقفيات والمراسيم والبيوغرافيا تسهل علينا المهمة بعض الشيء. ذلك بأن المدارس العثمانية كانت على درجات وضعت وفق اليوميات التي خصصت لمدرسيها وهي على النحو التالي:

مدارس حاشية التجريد( ذات العشرين)

فالمدارس التي تدخل تحت هذا التصنيف تحمل اسم كتاب حاشية التجريد للسيد الشريف الجرجاني. هذا الكتاب الخاص بعلم الكلام، وهو حاشية كتاب تجريد الاعتقاد أو تجريد الكلام لنصر الدين الطوسي. ويفهم من ذلك أن هذا الكتاب هو أهم المكتب المقررة في مثل هذه المدارس. وإلى جانب هذا الكتاب عرفت هذه المدارس بتدريس كتاب شرح الفرائض للسيد الشريف أيضا وكتاب المطول في البلاغة لسعد الدين التفتازاني. ومن جانب آخر على الطالب كي يفهم المواد المقررة في هذه المدارس أن يكون قد اجتاز اختبارات كثير من المقررات مثل الأمثلة والبناء والمقصود والعزي والمراح في علم الصرف، والعوامل والإظهار والكافية في علم النحو وشرح الإيساغوجي في العربية والطوالع في أصول الفقه.

مدارس المفتاح( الثلاثينية)

وتحمل هذه المدارس اسم شرح المفتاح في البلاغة لمؤلفه سعد الدين التفتازاني. وإلى جانب هذا المقرر هناك كثير من المقررات تدرس مثل التنقيح والتوضيح في الفقه، وتتمة حاشية التجريد في علم الكلام، وعلى نحو ما كان في مدارس حاشية التجريد فإنه لا بد أن يكون هناك كتبا أخرى تدرس في هذه المدرسة، نتبين ذلك مما ذكره الكاتب جلبي من أن السلطان محمد الفاتح أمر بأن تضاف إلى المقررات التي تدرس في مدارس الثلاثينية كتاب مفتاح المعاني وكتاب صدر الشريعة.

مدارس التلويح( الأربعينية)

سميت هذه المدارس بالأربعينية لأن المدرس فيها يتقاضى أجرا يقدر باربعين أقجة يوميا. والمقررات التي تدرس فيها هي مفتاح العلوم في البلاغة، والتوضيح في أصول الفقه ومشارق الأنوار النبوية لرضي الدين حسن الصاغاني وكتاب المشارق لصدر الشريعة عبيد الله ابن اسحق في الفقه وكتاب المصابيح للبغوي في الحديث بالإضافة إلى كتب أخرى في فروع العلوم المختلفة.

مدارس الخمسينيات

وتتشكل هذه المدارس التي يتقاضى مدرسوها أجرا يوميا قدره خمسون أقجة إلى "خارجية"و"داخلية". ومدارس الأربعينيات وكذلك القسم الخارجي من مدارس الخمسينيات هي المدارس التي أنشأها الحكام وأسرهم ووزراؤهم في العهد السلجوقي وعهد أمراء الأناضول. أما المدارس الداخلية فهي المدارس التي أنشأها السلاطين العثمانيون وأمهات الأمراء والأمراء وبنات السلاطين. وتدرس في القسم الخارجي من مدارس الخمسينية كتب الهداية في الفقه وشرح المواقف في الكلام والمصابيح في الحديث. أما في القسم الداخلي فيدرس الهداية في الفقه، والتلويح في أصول الفقه والبخاري في الحديث الشريف،والكشاف والبيضاوي في التفسير.

مدارس الصحن الثمان

ونعني بها كما أسلفنا المدارس الثمانية التي أمر بإنشائها في استنبول السلطان محمد الفاتح. وكانت هذه المدارس هي أرفع المدارس وأعلاها حتى تاريخ إنشاء المدرسة السليمانية في عهد السلطان القانوني. ومع أن وقفية السلطان الفاتح حددت لمدرسي هذه المدارس أجرا يوميا قدره خمسون أقجة، فإن بعض المدرسين استمروا في التدريس مع رفع مراتبهم من غير أن يتحولوا إلى مدارس أعلى مرتبة. فوصلت يومياتهم إلى الستين والسبعين وحتى الثمانين والتسعين في بعض الأحيان. أما بالنسبة للمواد التي تدرس في هذه المدارس فهي استمرار للمدارس التي سبقتها وهي: الهداية في الفقه، والتلويح وشرح العضوض في أصول الفقه والبخاري في الحديث الشريف والكشاف والبيضاوي في التفسير.

وعلى النحو الذي سنتطرق إليه بعد قليل فإن جميع ما ذكرنا هو من العلوم النقلية. ويمكننا أن نقول بأن هناك بعض العلوم العقلية كانت تدرس أيضا في هذه المدارس مثل الطب والهندسة وعلم الهيئة والجغرافيا والمنطق ولا ننسى بأن مدارس الصحن الثمان كانت تحتوي أيضا كلية الطب التي عرفت في تلك الفترة بدار الشفاء، تدرس فيها العلوم الطبية بفرعيها النظري والعملي.

مدارس الستينيات

ويتقاضى المدرسون في هذه المدارس أجرا يوميا قدره ستون أقجة. أما المواد التي تدرس في مثل هذه المدارس فهي:

الهداية وشرح الفرائض في الفقه، والتلويح في أصول الفقه، وشرح المواقف في علم الكلام،والبخاري في الحديث الشريف، والكشاف في التفسير.

ومع بعض التغييرات في بعض الفترات فإن هذه المدارس كانت تدرس طلابها أيضا ما يسمى بالجزئيات مثل الحكمة أو الفلسفة والحساب والهندسة وعلم الهيئة(الفلك) والجغرافيا وعلم الزج(الجداول الفلكية) وعلم النجوم والطب والتشريح. وأضيفت إليها فيما بعد "علوم الآلة" ومن يكمل دراسة العلوم الأساسية سمح له بدراسة العلوم المادية ولذلك فإن العلوم التي تدخل ضمن هذا الفرع تدرس من قبل العلماء والأساتذة في مدارس الفاتح المعروفين بذوي الجناحين( أي لهم العلم والخبرة في فرعي العلوم) بصورة عامة أو خاصة. وبالرغم من أن هذه العلوم تدخل ضمن مسمى الجزئيات فإنها تعتبر من المواد الأساسية في هذه المدارس.

والمواد المتعلقة بالعلوم العقلية والنقلية في مدارس التعليم العام في العهد العثماني خضعت لبعض التغييرات على فترات مختلفة. حتى أن بعض المصادر جمعت هذه المواد ضمن منظومات شعرية باللغة العثمانية ونورد هنا نموذجا من هذه المنظومات حول كتب النحو والصرف:

ماذا عليك لو تناولت كتابك

وقرأت الصرف على يد أستاذ قدير

ماذا عليك لواجتهدت حتى نلت تقدير من سمعك

ومزقت قلب عدونا وعدوك

احفظ الأمثلة واصطبر عليها

وابلغ مرادك بالمقصود

واعرف العزي وطبق القاعدة

ماذا عليك لو أتقنت المراح

واعمل بما تقوله العوامل

واكتشف نور العلم بالمصباح

وتعلم الكافية مع الجامع

مدارس السليمانية

مما لا شك فيه أن أهم التطورات وأكبرها في نظام التعليم بالمدارس العثمانية تلك التي حدثت في عهد السلطان سليمان القانوني. فعهد القانوني يمثل القمة في نظام المدارس كما يمثل القمة في كافة المجالات الأخرى. ومع أن مدارس الصحن الثمانية كانت تضم دار الشفاء ولكن لم تكن هناك كليات الطب والرياضيات. والمواد التي كانت تدرس في هذه المدارس هي التفسير والحديث والكلام والأدب. بالإضافة إلى أن الطلاب الذين يلتحقون بهذه المدارس يفترض أنهم تلقوا في المراحل المتوسطة علوم الرياضيات والهندسة والفلك وغيرها من فروع العلم المختلفة.

ونظرا للظروف والحاجة فقد أضيفت إلى مدارس السليمانية فروع الطب والرياضيات ودار الحديث. وتشير وقفية السليمانية إلى أن المدرسة الأولى والثانية تقعان في الجانب الشمالي من جامع السليمانية، وإلى الشمال الشرقي منه حمام وإلى الجانب القبلي منه دار الحديث. وإلى الجنوب من الجامع تقع المدرسة الرابعة. وإلى الشرق من الجامع المدرسة الثالثة. وإلى الجهة الجنوبية الغربية مدرسة الطب والصيدلية. وإلى الجانب الغربي من الجامع المستشفى المعروف بدار الشفاء. وهذا يعني أن منظومة المدارس( أو الجامعة إن شئتم) التي أنشأها السلطان سليمان القانوني كانت تحتوي دار الحديث وكليات الطب والرياضيات والطبيعيات والدين والحقوق والآداب. بالإضافة إلى المستشفى ومبنى الإدارة والحمام والمطبعة وغيرها من الملحقات.

وضع حجر أساس الجامع والمدارس والملحقات يوم الخميس السابع من جمادى الأولى من عام 957 من الهجرة المصادف للرابع والعشرين من مايو عام 1550. وذلك بوضع أول حجرة للمحراب من قبل شيخ الإسلام أبي السعود. وقد اكتمل بناء الجامع في شوال عام 963 (أغسطس 1556) واكتمل بناء المدارس والملحقات الأخرى بعد هذا التاريخ. وكانت دار الحديث من بين هذه المدارس أعلاها مرتبة، والمدرس فيها يتقاضى يومية قدرها مائة أقجة. أما يومية المدرسين الآخرين فلم تزد على ستين أقجة.

وإذا أراد الطالب الذي نجح في المواد المقررة في القسم الخارجي أو الداخلي أن يتابع المقررات في كلية الرياضيات أو كلية الطب من غير أن يدخل مدارس الصحن الثمانية، فعليه متابعة الدروس في المدارس الموصلة السليمانية. وبعد التخرج من هذه المدارس يسمح له بمواصلة دراساته العليا في مدرسة السليمانية.

وكان هدف القانوني من هذا النظام فتح مدارس جديدة في مستوى أعلى من مستوى مدارس الصحن من جهة وتنظيم درجات هذه المدارس العثمانية وفق النظام الجديد من جهة أخرى. وبذلك تصبح درجات المدارس العثمانية وفق التسلسل التالي:

1-المدارس الابتدائية الخارجية

2-مدارس الحركة الخارجية

3-المدارس الابتدائية الداخلية

4-مدارس الحركة الداخلية

5-مدارس موصلة الصحن

6- مدارس الصحن الثمانية

7-المدارس الستينية الثمانية

8-مدارس الحركة الستينية

9-المدارس السليمانية الموصلة

10-مدارس السليمانية

11-مدارس دار الحديث

يتبين مما سبق أن أعلى المدارس مرتبة في عهد السلطان القانوني هي مدرسة دار الحديث السليمانية. ومع أن كثيرا من مدارس دار الحديث افتتحت في العهود المتعاقبة فإن دار الحديث السليمانية حافظت على مكانتها المتقدمة حتى العهود المتأخرة من عمر الدولة العثمانية.وبقيت صفة المدرسين في المدارس السليمانية تحتل أعلى المراتب بين المدرسين في كافة أنحاء الديار العثمانية. وكان التسلسل في مراتب المدرسين على النحو التالي:

المرتبة الابتدائية الستينية، أي أن المدرس يبدأ بتقاضي أجر يومي قدره ستون أقجة ثم مرتبة الحركة الستينية ثم موصلة السليمانية ثم الخامسة السليمانية ثم السليمانية وأخيرا دار الحديث السليمانية. وكان عدد المدرسين في هذه المدارس محددا لا يزيد ولا ينقص.

فعدد المدرسين في الابتدائية الستينية بقي عند 48. ومن يكون في هذه المرتبة من المدرسين ويترفع فهو يتحرك إلى درجة أعلى لذلك تعطى له صفة الحركة الستينية فتبقى يوميته كما هي بينما يرتفع مستوى التدريس عنده. وعدد هذا الصنف من المدرسين ثلاثون ومن يترقى من هؤلاء أصبح في درجة موصلة السليمانية أي أنه في الدرجة التي توصله إلى التدريس في السليمانية. والمدرس في موصلة السليمانية يعتبر في المرحلة الأولى من مرحلة كبار المدرسين. وبعد هذه المرتبة تأتي المرتبة الخامسة السليمانية ثم يكون واحدا من المدرسين الأربعة في السليمانية أما أعلى المراتب بعد ذلك فهي مرتبة التدريس في دار الحديث.

نعود فنقول بأنه لم تكن في الدولة العثمانية مدرسة أعلى من مدرسة دار الحديث كما لم يكن هناك مدرس أعلى مرتبة من المدرس في دار الحديث. ومن يرغب من بين هؤلاء المدرسين في القضاء يعين قاضيا في المراكز التالية: القدس، حلب، أيوب، سلانيك،طرخالا،يني شهر، غلطة، إزمير، صوفيا، طرابزون، كريت.

أن مرتبة رجال العلم ودرجاتهم في البروتوكول والمناصب فيما بينهم وفيما بينهم وبين القضاة محددة وفقا للمراسيم السلطانية. فالمرسوم الذي أعده عبد الرحمن باشا التوقيعي(المتوفى عام 1692) في عام 1677 ينص على أن :

المدرسون في السليمانية يتقدمون على مدرسي موصلة السليمانية. كما يتقدم مدرسو موصلة السليمانية على مدرسي التسينيات ، ويتقدم مدرسو الستينيات على مدرسي الصحن. ويتقدم مدرسو موصلة الصحن على مدرسي القسم الداخلي، ويتقدم مدرسو القسم الداخلي على مدرسي القسم الخارجي.

ويتقدم مدرسو القسم الداخلي على قضاة القصبات(القضاة في الأقضية) لكن هذا التقدم ليس على الإطلاق. فالعبرة لما بين مدرسي القسم الخارجي وقضاة القصبات لعلم والعرفان والشخصية والزمان. فإذا كان أحد قضاة القصبات من ذوي الشأن فهو بلا شك يتقدم على مدرسي القسم الخارجي. كما يفضل الأستاذ عل الآخر الذي هو في نفس المرتبة في الشخصية والعمر" وعلى النحو الموضح في المراسيم الصادرة من قبل السلطان محمد الفاتح فإن مدرس الصحن يمكن أن يتحول إلى إحدى المولويات بيومية قدرها خمسمائة أقجة. كما إن المدرس في الأقسام الخارجية والداخلية ويتقاضى يومية قدرها خمسون أقجة يمكنهم إن يتحولوا إلى منصب القضاء بيومية قدرها ثلاثمائة أقجة. كما يمكن اختيار أمثال هؤلاء المدرسين لمناصب مهمة أخرى مثل منصب النيشانجى ومديرية المال. كما يتقدم مدرس الصحن الثمان في البروتوكول على أمير اللواء.

وفيما عدا ذلك كله فإن المدرسين في مدارس الولايات الداخلية مثل استنبول وأدرنة وبورصة وملحقاتها الذين يتقاضون يومية قدرها عشرون أقجة يعينون عن رغبتهم في القضاء بيومية قدرها خمسة وأربعون أقجة.

والطالب عندما يبدأ حياته الدراسية في المدارس في العهد العثماني يتلقى دروسا في "المختصرات" ثم ينتقل إلى مدرسة "حاشية التجريد" فإذا أثبت جدارته ونجاحه فيها، حصل على "إجازة أو شهادة" من المدرس وانتقل إلى درجة أعلى وهي "مدرسة المفتاح" وبعد ذلك ومارس الأربعين والخارجية والداخلية ثم إلى مدارس الصحن وإذا أراد إكمال تحصيله بعد ذلك انتقل إلى مدارس الصحن الثمان أو مدارس السليمانية. وبعد إكمال هذه المدارس أيضا حصل على "الإجازة" يمكنه بها ممارسة مهنة التدريس. يعدد جواد باشا المراحل التي يمر بها الطالب حتى يصل إلى مدارس الصحن:

"فإذا أراد الطالب أن يكون "دانشمندا" توجه إلى أحد العلماء وحصل على الدروس الخارجية أي مقدمات العلوم. وبتوسط ودلالة من أستاذه هذا انتقل إلى أحد المدرسين وصار يتلقى الدروس الداخلية. وصار جديرا بتعلم دروس الصحن. ولكي يكون الطالب في عداد طلاب مدارس الصحن عليه أن يكمل العلوم المرتبة في المدارس التي تعتبر" إعدادية" أو "موصلة الصحن"

ومدارس الصحن الثمانية هي الأبنية الثمانية المبنية من الإسمنت والرصاص التي لا تزال قائمة على جانبي جامع السلطان محمد الفاتح في الحي المعروف باسمه في مدينة استنبول. والطالب الذي يكون "صاحب حجرة "فيها يكون في عداد العلماء الأفاضل الذين لهم كثير من المؤلفات المعروفة. والقديم من هؤلاء يسمى"المعيد" الذي يساعد الأستاذ ويقف بجانبه في تقرير الدروس. كما يقومون بتدريس الطلاب العلوم في مدارس التتمة الثمانية"

ومن حصل على الإجازة من المدارس العثمانية وأصبح مرشحا للتدريس انتظر"دوره" في التعيين. ومن أراد التعيين في بلاد الأناضول أو الروميلي(القسم الأوربي من الدولة العثمانية) داوم على مجلس قاضي العسكر هناك الذي يعقد في أيام معينة من الأسبوع، وسجل اسمه في الدفتر المعروف بـ"المطلب" وحتى أيام كان شيخ الإسلام أبو السعود أفندي قاضيا لعسكر الروميلي لم يكن هناك دفتر منظم للملازمة فكان المدرسون يسجلون في دفاتر الملازمة دون انتظار للدور. وبعد هذه الفترة بسبع سنوات أصبح هناك دفتر للملازمة بنص القانون. فكان عدد ملازمي كل عالم محددا بموجب هذا الدفتر. ومع ذلك كانت هناك بعض الاستثناءات في فترات متفاوتة حتى تعطى صفة الملازمة بصورة مخالفة لهذا القانون. كما كانت الملازمات تمنح مع كل جلوس على العرش ومع أول حملة عسكرية للسلطان ولدى عودة السلطان من هذه الحملات منتصرا، وكذلك عند ولادة أمير من الأمراء.

فمن تلقى الدروس في المدارس وفق الترتيب الذي ذكرناه سابقا وحصل على الإجازة سجل في دفتر الملازمة ولازم مجالس قاضي العسكر، وانتظر دوره. فإذا جاء دور المدرس عين مدرسا لأول مرة في مدرسة"حاشية التجريد" وهذه المدارس هي مدارس العشرينيات أو الخمس وعشرينيات. فمن رفعت مرتبته درجة حصل على ثلاثين ثم خمسة وثلاثين أقجة يومية. وعين مدرسا في إحدى مدارس"المفتاح" وبهذه الطريقة يصل إلى أعلى مراتب التدريس. ومن أراد الانتقال إلى السلك العسكري ممن أكمل الدراسة منحت له الدولة عشرين ألف أقجة مع الدرجة الأولى للزعامة.

وفي العهود العثمانية الأولى كانت تعيينات المدرسين تتحقق باقتراح من قاضي العسكر وأمر من السلطان. وبعد أواسط القرن السادس عشر صار تعيين مدرسي حاشية التجريد والمفتاح ومدارس الأربعين باقتراح من قاضي العسكر وأمر من السلطان وتعيين المدرسين من رتب أعلى باقتراح من شيخ الإسلام ورفع من قبل الصدر الأعظم وإرادة سنية من السلطان.

كما كان المتقدمون للتدريس في المدارس العثمانية يخضعون للاختبار. فإذا كان هناك شاغر في مدرسة من المدارس، وتقدم بالطلب أكثر من مرشح عندئذ يجرى اختبار على المتقدمين. حيث يطلب منهم حل مسألة، ويستمع لتقريرهم كما يطلب منهم كتابة موضوع. ثم تناقش اللجنة الفاحصة المرشحين الذين كانت أجوبتهم على الأسئلة صحيحة وقبلت مواضيعهم، ويجري تعيينهم بعد ذلك. وكان قاضي العسكر يحضر مجلس اللجنة الفاحصة في كثير من الأحيان، حيث يكون الاختبار في جامع مفتوح للعامة. وتعد الأسئلة حسب مستوى المدرسين.

بقيت طرق التدريس لدى العثمانيين اعتبارا من تأسيس المدارس الأولى وخاصة المدارس الثمانية التي فتحت في عهد السلطان محمد الفاتح مطبقة بحذافيرها مع بعض الأحداث العارضة. ولكن في الربع الأخير من القرن السادس عشر الميلادي حدثت مشاكل في مؤسسات التربية والتعليم مما جعلها تتأخر ثم تنهار بعد ذلك. وبذلت جهود للإصلاح ووقف التدهور في بعض الفترات ونريد أن نذكر الأسباب الرئيسية لهذا التدهور دون الخوض في التفاصيل وهي: تزايد الكثافة السكانية، الخلل الذي طرأ على المؤسسات الأخرى للدولة، نشوء طبقات أبناء العلماء، انتهاك النظم والأعراف الخاصة بالمؤسسات والمراتب العلمية، الصراع على السلطة، حركات التمرد لدى الطلاب، الأنانية، انعدام الحرية العلمية. كل هذه أسباب يمكنها أن تؤدي إلى الانهيار والسقوط.

وصدرت أوامر سلطانية في فترات مختلفة لإزالة الأسباب التي أدت إلى تخريب النظام التعليمي، ولكن فشلت جميع الجهود للحيلولة دون وقف التدهور. فلم تكن هناك إمكانية لأن تواكب الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بأجمعه الظروف التي يتطلبها عهد التجديد الناشئ عن حضارة التقنية في عصرنا. وقد أحزن الكثير من الغيورين هذا الوضع في المدارس التي كانت في البداية تناسب التطور العلمي والتقني وتقوم بواجب التعليم على مستوى الجامعات التي نعرفها في عصرنا الحديث، لأن المدارس لم تعد تواكب الظروف المتغيرة في العالم. بل بقيت غريبة على العلوم والتقنية والطرق المتبعة في نواحي العلوم والصناعة. في الوقت الذي لم تكن فيه القوانين والنظم التي وضعت حين تأسيس هذه الصروح العلمية تطبق على النحو المطلوب. ولذلك ظهرت الحاجة إلى فتح بعض المدارس الجديدة بالإضافة إلى المدارس التي كانت موجودة أصلا. والحقيقة أن الدولة العثمانية بعد معركة جشمة في عام 1770 بصورة خاصة بدأت تحس بالحاجة إلى تجديد نفسها. ولذلك تم افتتاح مدرسة خاصة بالبحرية بتاريخ 18 نوفمبر عام 1773تحت اسم" دار الهندسة البحرية" باقتراح من قبطان البحر حسن باشا الجزائري، وكان هذا القبطان أول مدرس في هذه المدرسة التي اعتبرت تجديدا في نظام التعليم العثماني على مدى تاريخ الدولة. وفي العاشر من مايو عام 1796(في عهد السلطان سليم الثالث) افتتحت "دار الهندسة البرية الهمايونية" لتخريج ضباط للقوات البرية. فكانت من جملة المواد التي تدرس هنا العلوم الرياضية والهندسية والتاريخ والجغرافيا والفلك. وفي عام 1826 افتتحت "دار الطبابة العامرة " و"دار الجراحة المعمورة" وبذلك خرجت دور الطب من بين أقسام المدارس وأصبحت كليات مستقلة.

وبعد هذه الفترة أنشئت مدارس أخرى تحت أسماء مختلفة كما طبقت في هذه المدارس برامج مختلفة نكتفي بذكر أسمائها وتواريخ افتتاحها:

"مدرسة المعارف العدلية" في عام 1838

"مدرسة العلوم الأدبية" في عام 1839

"دار المعلمين الرشدية" في عام 1847

"المدارس السلطانية" التي افتتحت في عام 1867. هذه المدارس التي عرفت بالمكاتب وقامت بتدريس مناهج مختلفة عن تلك المدارس بدأت تحتل مكانها شيئا فشيئا. ففي الوهلة الأولى تبدو هذه"المكاتب" خارج هذه "المدارس". ولكن في السنوات التي أعقبت إعلان المشروطية الثانية" أو الحكم الدستوري المقيد"(1909) بدأت محاولات لإصلاح تلك المدارس أيضا. وتقرر تدريس اللغة التركية والتاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعية والدروس العلمية الأخرى مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء إلى جانب العلوم الدينية المعروفة، لكن النتيجة المرجوة لم تتحقق بكاملها.

والإصلاحات الأساسية في المدارس الدينية كانت من قبل شيخ الإسلام مصطفى خيري أفندي الأركوبي الذي تولى منصب المشيخة في عهد السلطان محمد رشاد(1909-1918) واستمرت جهود الإصلاح أربعة أعوام، على أن الاقتراحات والمحاولات بدأت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني . ونجد من بين الوثائق العثمانية وثيقة بخط يد الإمام محمد عبده وضع فيها تصوره لإصلاح التعليم الديني في الديار العثمانية. وفي هذه الأثناء صدرت لائحة بتطبيق نظام جديد للتدريس ونشرت اللائحة في العدد الملحق من الجريدة العلمية بتاريخ 10 ذي القعدة 1332(الموافق لشهر اكتوبر عام 1914) وسميت هذه اللائحة يـ" لائحة الأسباب الموجبة لنظام إصلاح المدارس" وبموجب هذها النظام تقرر جمع كافة المدارس باستنبول تحت اسم واحد. وتتم تنشئة الطلاب في مدارس استنبول كلها وفق نفس الأصول والقواعد. ولما كانت هذه المدارس في استنبول وهي مركز الخلافة الإسلامية فقد تقرر تسمية هذه المدارس بـ" مدرسة دار الخلافة العلية" ونصت المادة الثانية من هذا النظام على أن تكون المدرسة على ثلاث مراحل القسم الأول الفرعي والقسم الثاني الفرعي والقسم العالي. وتكون مدة التدريس في كل مرحلة أربع سنوات. ويتكون كل قسم من أربعة صفوف وكل صف من أربع شعب. وتنظم المادة الخامسة الشئون الإدارية للمدرسة. فيكون لكل قسم من هذه المدرسة مدير عام ومدير لكل صف وكل شعبة. ويتبع مدير الشعبة مدير الصف، ومدير الصف المدير العام، والمدير العام وكالة الدرس.

ولدى تحديد عدد الطلاب الذين يتقرر قبولهم في مدرسة دار الخلافة تم أخذ عدد طلاب المدارس في تلك الأيام بعين الاعتبار. وعلى ضوء ذلك حدد عدد طلاب الصفوف الفرعية بمائتين وستين طالبا وطلاب الصفوف العالية بمائتي طالب. ولكي يكون التدريس بمستوى أحسن تقرر تقسيم كل صف إلى أربع شعب.

والذين يتمون القسم العالي بدار الخلافة أو الذين ينجحون في اختبار كافة المواد المقررة في كل الصفوف من الخارج ويرغبون التخصص في العلوم الشرعية، يلتحقون "بالمدرسة الجديدة " بداخل جامع السلطان سليم. وسميت هذه المدرسة "بمدرسة المتخصصين" ويشرف على إدارة هذه المدرسة مدير عام. ويبلغ عدد طلاب كل صف في هذه المدرسة أربعين طالبا.

ويبلغ عدد الساعات الأسبوعية المقررة للطلاب في مدرسة دار الخلافة أربع وعشرون ساعة. وقد حددت الباحثة التركية مباهاة كتوك اوغلو أسماء المواد المقررة في هذه الساعات مستعينة بالبرامج المنشورة بالجريدة العلمية ورسمت لها هيكلا. وبعد عام من التدريس أجريت بعض التعديلات على برنامج المفردات وفرض على الطالب أن يختار لغة واحدة من بين اللغات الأجنبية التالية :الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، كما أضيفت إلى البرنامج مادة التربية البدنية.

إن تدريس العلوم التجريبية إلى جانب العلوم الدينية في مدارس دار الخلافة، لدليل على أن هذه المدارس أصبحت مؤسسات تعليمية حديثة مما حدا بأحد المنتقدين لأن يقول:" إن المدرسة في هذا العصر أدخلت الكيمياء حتى المحاريب في الجوامع". هذا النظام وهذه المدارس التي أنشئت لتلبية متطلبات العصر، اكتسبت صفة أكاديمية. فقد كانت مدرسة المتخصصين تحوي في فروعها الثلاث خمسمائة طالب وبلغ عدد طلاب مدارس دار الخلافة سبعة آلاف طالب. كما بلغ عدد المدارس التي افتتحتها حكومة المجلس الوطني3 وفق المرسوم الذي أصدرته بهدف تلبية حاجات الأئمة والخطباء في مناطق الأناضول أربعمائة وخمسة وستين مدرسة وعدد طلابها ستة عشر ألف طالب.وبعد إلغاء السلطنة وإعلان النظام الجمهوري في تركيا بأربعة شهور وفي يوم 3 مارس سنة 1924 بالتحديد تقدم نائب سعرد الشيخ خليل خلقي أفندي وأربعون من زملائه في المجلس الوطني بطلب إلغاء وزارة الشئون الشرعية والأوقاف. فواقف المجلس على هذا الطلب، كما تقدم واصف بك نائب منطقة صاروخان وخمسون من زملائه باقتراح قانون توحيد التدريس الذي يلغي التدريس الديني برمته. فوافق عليه المجلس دون أي مناقشة. فألحقت جميع المدارس بوزارة المعارف. وتم نقل طلاب هذه المدارس إلى كلية الإلهيات التي افتتحت ضمن الجامعة وكانت تسمى بدار الفنون.

فنظام التربية والتعليم الذي حرصت عليه الدولة العثمانية منذ تأسيسها، لم يطبق فيما بعد على النحو المطلوب وذلك للعديد من الأسباب، حتى أن القوانين القديمة لم تعد قابلة للتنفيذ. فصفة دور العلم والعرفان التي كانت للمدارس أيام السلطان الفاتح والسلطان سليمان القانوني صارت من الماضي، ولم يفكر القائمون في تطبيق الطرق الحديثة في اختيار الطلاب وكوادر المدرسين. ولذلك بذلت جهود لإصلاح المدارس التي أوشكت على الخراب والفساد، مما حدا بالمصلحين إلى فتح مدارس جديدة تحت مسميات عديدة في تواريخ مختلفة كما رأينا في الصفحات السابقة.

المعروف أن التغييرات الجذرية في الدولة العثمانية حدثت في عهد السلطان محمود الثاني. ونظرا لأهمية الموضوع فإننا سنورد هنا ترجمة أمر السلطان محمود الثاني الذي يقضي ولأول مرة بجعل تعليم المرحلة الابتدائية إجباريا:

خطاب السلطان موجه إلى قضاة استنبول والبلاد الثلاثة:

لما كان من الواجب -كما هو معلوم للجميع- لكل من يقول إنني من أهل الإسلام ومن أمة محمد، تعلم الشريعة الإسلامية وعقائده الدينية، ثم تعلم وسيلة الميشة التي سيسلكها. وخلاصة القول أن تعلم الضرورات الدينية يتقدم على كل شيء. ولما كان الأمر كذلك، فإن أكثر الناس منذ بعض الوقت، أصبحوا جهلة بفعل سيئات آبائهم وأمهاتهم بل لم يفكروا أصلا في أن أبناءهم وبناتهم سيبقون جهلة مثلهم، وأصبح همهم الأول هو كسب المال من غير أن يدركوا بأن الله هو الرزاق وأن من يتوكل عليه فهو حسبه، وما يكاد الصبي عندهم يبلغ الخامسة أو السادسة من العمر حتى يأخذه من المدرسة ويضعه أجيرا عند أهل الحرف ، فيكبر الولد على الجهل، ولا يعرفون القراءة والكتابة ويكون الوزر على آبائهم وأمهاتهم. وتقع المسئولية في الآخرة على الأب والأم ، وتكون النتيجة جهل أكثر أفراد الأمة بالأمور الدينية والعياذ بالله.

ولا يخفى على أرباب البصيرة أن من الواجب تخليص وصيانة العباد المسلمين من عذابي الدنيا والآخرة وبناء على أنه لا حياء في الدين، فإن على كافة أفراد الأمة الإسلامية من شباب وشيوخ ممن بقوا جاهلين بأمور الدين، ألا يخجلوا من بعضهم بل يخجلوا من الله، فيبادروا قدر الإمكان إلى تعلم المسائل الدينية والعقائد الإسلامية دون أن تتعرقل مصالحهم الدنيوية وقبل أن يتحول هذا الجهل إلى مصائب دنيوية وأخروية. وعلى كل أب أو ولي ألا يقطع ولده عن الدراسة قبل أن يجتاز سن المراهقة وقبل أن يتعلم أركان الإسلام وشرائطة كما يجب. كما على طائفة الحرفيين والمهنيين ألا يقبلوا أي صبي في العمل لديهم ما لم تكن بحوزته إذنا من الشرع بجواز عمله مختوما من قبل أحد قضاة استنبول إن كان هذا الصبي مقيما مع أبيه أو وليه في هذه المدينة. وعلى مدرسي المدارس أن يبلغوا قضاة مناطقهم عن كل حالة تخالف ما ذكرنا كي يصار إلى منع ذلك. وسيكون المدرس وكذلك القاضي ومساعد الوالي مسئولا عن كل حالة لم يبلغ عنها ولم يقم بواجبه تجاهها. وإذا كان الولد يتيم الأبوين ويعمل لدى معلم من معلمي الحرف فعلى معلم الحرف أن يتخذ الترتيبات اللازمة كي يرسل هذا الولد إلى المدرسة ساعيتن في اليوم على أقل تقدير، إلى أن يصل إلى سن المراهقة. فيقوم المدرسون بتدريس هذا الولد القرآن الكريم قبل كل شيء ثم دروس التوحيد والفقه حتى يكون ملما بالأحكام الشرعية. وقد قمنا بإبلاغ قضاة البلاد الثلاثة بتنفيذ أمرنا هذا . فعليكم أيها القضاة إبلاغ الأئمة في كافة أحياء الآستانة والمدرسين في المدارس وكذلك معلمي الحرف أن يأتوا جميعا إليكم لتقوموا بإبلاغ أمرنا هذا إليهم وتزودوهم بنسخة مختومة من هذا الأمر، والاهتمام والحرص على متابعة تنفيذه."

مدارس الاختصاص

ذكرنا في الصفحات السابقة مدارس التعليم العام والنشاطات التربوية والتعليمية في هذه المدارس. ونريد أن نضيف إلى ما قلنا بأن هناك مدارس أخرى. وهي مدارس تخصصية في فرع من فروع العلم الشرعي. فقد كانت هذه المدارس موجودة بأسمائها في الدول الإسلامية التي سبقت الدولة العثمانية، وحافظت على اسمها بعد تأسيس الدولة العثمانية. ويمكننا أن نقسم هذه المدارس في العهد الكلاسيكي إلى ثلاثة أقسام:

1-دار القراء، 2- دار الحديث، 3-دار الطب.

ولكي نكون على اطلاع أصح وأوسع على هذا النوع من مدارس الاختصاص، علينا ان نعود قليلا إلى الوراء، إلى ما قبل العهد العثماني، حيث اتخذ العثمانيون المسلمين الذين سبقوهم نموذجا في إنشاء هذه المدارس.

دور القراء

وهي الدور التي تعلم الطالب قراءة القرآن الكريم، وكانت هذه الدور تسمى في بعض الدول بـ" دور القرآن الكريم" وفي بعضها الآخر" دور الحفاظ". ويمكننا أن نقول بأن أول دار لحفظ القرآن وتلاوته هي دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة المكرمة في أول البعثة النبوية. وأن أول مدرس للقرآن هو النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وبعد بيعة العقبة التي تعتبر نقطة تحول في انتشار الدعوة الإسلامية عين رسول الله ثلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل مصعب بن عمير معلما للقرآن لأهل يثرب( المدينة المنورة قبل الهجرة النبوية).

وبعد فتح مكة عين الولاة للأقاليم، فكان هؤلاء الولاة معلمين للقرآن في الوقت نفسه. بالإضافة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الناس قراءة القرآن في المسجد النبوي بالمدينة كما كان الصحابي الجليل عبادة ابن الصامت وغيره يعلمون أهل الصفة.

ومن الوسائل التي اتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشر القراءة والكتابة بين أبناء المسلمين طلبه من أسرى المشركين في معركة بدر ممن يتعذر عليهم افتداء أنفسهم بالمال أن يعلموا عشرة من أبناء المسلمين بالدنية المنورة القراءة والكتابة. والصحابي الجليل زيد ابن ثابت هو أحد الذين تعلموا القراءة والكتابة بهذه الطريقة.

وبالإضافة إلى التعليم في المساجد التسعة بالمدينة المنورة، فإن الذين مهروا في القراءة من بين الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعلمون المسلمين قراءة القرآن في الأمصار المفتوحة. فقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه "قارئ الشام" أو "معلم الشام" وكانت أكثر حلقات الدروس في جامع بني أمية في دمشق الشام تعنى بالقراءة. حيث بلغ عدد طلاب أبي الدرداء أكثر من ألف وخمسمائة. وطلب أبو الدرداء قبل وفاته من والي الشام معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه أن يعين مكانه فضالة ابن عبيد الأنصاري. وقد بقيت مساجد الشام مراكز لتعليم القرآن فترة طويلة. يقول الرحالة ابن جبير (539-614) الذي مر بدمشق الشام بأن دورس القراءات التي تبدأ بعد صلاة الفجر في جامع بني أمية بالمجلس المعروف بـ"الصوب"، تستمر بعد صلاة العصر بالدروس المعروفة بـ"الكوثرية"، فكان الذين يلاقون الصعوبة في حفظ السور الكبيرة يحفظون السور التي تلي سورة الكوثر كي يقوموا بتلاوتها أثناء الصلاة. ولم يدخل القرن الثاني من الهجرة حتى صار المسلمون يتعلمون من القراء القراءات السبع، ووضعت قواعد لهذه القراءات وصارت الدور التي تعلم القراءات تعرف بدور القرآن.

وفي عهد السلاجقة والقرمانيين في الأناضول صارت هذه المؤسسات تعرف بـ"دور الحفاظ" ففي قونية في عهد السلاجقة مثلا كنا نجد دار صاحب عطا للحفاظ، ودار الفرخونية للحفاظ(عام 700 للهجرة) ودار سعد الدين عمر للحفاظ، ودار نصوحي بك للحفاظ(عام 715) وفي عهد القرمانيين كنا نجد العديد من دور الحفاظ مثل دار الحاج يحيى بك ودار الخوجة سلمان ودار الحاج يوسف آغا ودار القاضي إمام الدين ودار الحاج شمس الدين.

وكانت للمساجد في العالم الإسلامي رسائل عديدة فقد كانت إلى جانب كونها دورا للعبادة مقرا للنشاطات التربوية والتعليمية ومركزا للتزود بعلوم القرآن والحديث. وكانت هناك"مشيخة القراءة" و"مشيخة المسجد" كما كانت في مقرات قيادة الجيش "مشيخة الجند" والشيخ الذي يعلم الجنود بـ"قارئ الجند"

أما في العهد العثماني فقد أصبحت دار القراء من مدارس الاختصاص. فكان القراء والقائمون بشئون المساجد يعينون من بين المتخرجين من هذه المدارس. فالطالب الذي كمل دراسته في مدرسة الصبيان أو الذي يتلقى علوم من نفس المستوى، إذا أراد الالتحاق بهذه المدارس، أرسل إلى دار للقراء من مستوى أدنى.وبعد إكمال حفظه للقرآن هناك انتقل إلى دار أعلى للقراء. فيتعلم القراءات العلمية ومخارج الحروف.

وتدل الوثائق التاريخية على أن العثمانيين أولوا أهمية كبيرة لدور القراء. فالرحالة التركي أوليا جلبي( 1611-1682) يفصل بمزيد من المعلومات عن دور القراء في الأماكن التي مر بها في الديار العثمانية. فيذكر أنه في مدينة أماسيا وحدها تسع دور للقراء. وأنه في دار القراء التي أنشأها السلطان بايزيد وحدها أكثر من ثلاثمائة من حفاظ القرآن. ومن بين هؤلاء الحفاظ من يجيد القراءات السبع والعشر والتقريب. وقد يبدو للبعض أن ما يذكره هذا الرحالة هو من قبيل المبالغة، ولكن المعلومات المفصلة التي يقدمها مؤلف تاريخ أماسيا حسين حسام الدين عن ثمانية من دور القراء في هذه المدينة يؤكد صحة ما ذكره هذا الرحالة.

ومعلومات الرحالة عن دور القراء لم تقتصر على مدينة أماسيا وحدها فهناك العاصمة استنبول ومدن أدرنة وبورصة وأرضروم وفيها دور للقراء يفوق عددها عدد دور القراء في أماسيا، كما يذكر أولياء جلبي. وتأكيد آخر على صحة هذه المعلومات نجده من خلال الأرشيف العثماني التابع لرئاسة مجلس الوزراء بتركيا. فبنظرة إلى قسم "الأوقاف" وقسم "المعارف" في تصنيف جودت سنجد أعدادا لا تحصى من دور القراء. والقسم الأكبر من دور القراء هذه وقفها الموسرون من أهل الخير على طلاب العلم. واهتمام عامة الناس بدور القراء بقي حتى أواخر العهد العثماني.

وأكثر دور القراء في العهد العثماني أسست ضمن مباني المساجد أو قريبا منها لعلاقة المتخرجين من هذه الدور بالمساجد. وتذكر المعلومات أن أول دار للقراء في العهد العثماني أنشئ من قبل السلطان بايزيد الصاعقة في مدينة بورصة. وقد افتتحت هذه الدار ضمن الجامع الكبير مع قدوم الإمام الجزري إلى بورصة وكان أول مدرس فيها. ويتحدث الرحالة أولياء جلبي عن دور القراء في استنبول فيقول:" في كل جامع أنشأه السلاطين والوزراء والأعيان في استنبول دار للقراء" ثم يذكر أسماء دور القراء التي أنشئت بصورة مستقلة عن الجوامع. مما يدل على أن العثمانيين حذو حذو السلاجقة والقرمانيين بإنشاء دور مستقلة للقراء إلى جانب دور القراء الملحقة بالجوامع.

وكان الكتاب الرئيسي الذي يدرس في دور القراء العثمانية هو كتاب الجزري الذي ألفه الإمام شمس الدين محمد بن محمد الجزري( المتوفى عام 833/1429) بالإضافة إلى المنظومة اللامية لأبي محمد الشاطبي. وكذلك شرح الجزري المعروف بـ"فتح الواحد" للامية الشاطبي.

يتبين مما سبق أن دور القراء العثمانية بدأت تطورها مع قدوم الإمام الجزري إلى مدينة بورصة عام 798 في عهد السلطان بايزيد الصاعقة، وفي القرن السادس عشر استقدم الصدر الأعظم صوقوللى محمد باشا بأمر من السلطان سليمان القانوني الشيخ أحمد المصري من مصر الذي اشتهر بتدريسه الرائع لقراءات القرآن فعينه إماما لجامع أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه في الحي المعروف باسمه بمدينة استنبول. فبقي حتى عام 1006 يدرس القراءات بطريقة التيسير. وقد انتشر الطلاب الذين تربوا عليه يديه في كافة الممالك العثمانية وقاموا بتدريس القراءات بطريقة التيسير التي عرفت فيما بعد بطريقة "إسلامبول".

ويتضح من مجريات الأمور أن دور القراء اتبعت وسيلة تعليمية تعتمد على تحفيظ القرآن من جهة وتزويد الطلاب بالعلوم الأخرى من جهة أخرى.وكانت الجوامع والمساجد بمثابة مراكز اختبار لقدرة الطلاب. فقد كانوا يخضعون لاختبارات في الصوت وكذلك في العقائد والأحكام العملية أو الفقه، لأنهم سيكونون أئمة ومؤذني هذه المساجد.

وبعد صدور قانون توحيد التدريس بعد إلغاء الخلافة الإسلامية يوم 3 مارس سنة 1924 أرادت الحكومة إلحاق دور القراء بوزارة المعارف تنفيذا لما نصت عليه المادة الثانية من هذا القانون لكن رئيس الشئون الدينية رفعت بوركجي عارض ذلك معتبرا دور القراء من فروع الاختصاص وينبغي الإبقاء عليها بعد ربطها برئاسة الشئون الدينية وكان له ما أراد بعد أن تحولت إلى معاهد بتحفيظ القرآن الكريم.

دور الحديث

وعلى نحو ما عرفناه في دور القراء فإن أول دار للحديث في تاريخ الإسلام هي دار الأرقم ابن أبي الأرقم بمكة المكرمة.

المعروف أن المساجد في العالم الإسلامي وعبر التاريخ الإسلامي الطويل كانت مكانا للحلقات والمجالس العلمية. لكن تعلم الحديث كانت له مكانة خاصة في المساجد على مر الزمن. فقد كان الطلاب يتدارسون الحديث مع أساتذتهم من خلال "مجالس العلم " أو "مجالس الإملاء" حيث يتحلق الطلاب حول المدرس ويستمعون إليه وهو يشرح لهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وأول دار للحديث باعتبارها مؤسسة قائمة بذاتها في العالم الإسلامي هي دار الحديث التي أنشاها نور الدين الزنكي4 في دمشق الشام، وعرفت بـ"المدرسة النورية" وقد أنشأها الزنكي باسم المحدث الكبير والمؤرخ الشهير ابن عساكر5 ودار الحديث الثانية افتتحت في الموصل من قبل الملك الكامل الأيوبي 6 وعرفت بالمدرسة الكاملية. ثم أنشئت العديد من دور الحديث الأخرى مثل المدرسة الأشرفية ودار الحديث العروية وغيرها. ونذكر من دور الحديث في عهد السلاجقة دار الحديث ذات المئذنة الرفيعة بقونية التي أنشأها الوزير صائب عطا ودارالحديث ذات المئذنتين بمدينة سيواس وقد أنشأها الوزير شمس الدين الجويني7

وكانت مرتبة مدرسي الحديث في الدولة العثمانية من أرفع المراتب العلمية. وكان الأستاذ في دور الحديث على مستوى عال من علم الحديث وعالما بعلوم الرواية والدراية.

أبقى العثمانية على تقاليد دور الحديث التي كانت عند من سبقوهم بالإضافة إلى جعلها مؤسسات قائمة بذاتها. وأول دار للحديث أنشأه العثمانيون كانت في عهد السلطان مراد الأول أمر بإنشائه خير الدين باشا الجنداري بمدينة إزنيق. ولكن لم يبق من هذه الدار أي أثر في يومنا هذا. ووجود ساحة باسم ساحة دار الحديث بمدينة بورصة دليل على أن العثمانيين أولوا دور الحديث اهتماما خاصا في في عهود مبكرة. لكن أشهر دور الحديث في العهد العثماني هي دار الحديث التي أنشئت بمدينة أدرنة على ضفاف نهر طونجه عام 1435 من الميلاد. وتعتبر دار الحديث هذه نقطة تحول في نظام المدارس العثمانية. وكان أول مدرس فيها هو الشيخ فخر الدين العجمي. وتذكر كتب الطبقات أسماء مدرسي دارالحديث هذه حتى القرن الثامن عشر الميلادي.

سبق أن أشرنا إلى أن دار الحديث لم تكن موجودة ضمن المجمع الذي أمر بإنشائه السلطان محمد الفاتح في استنبول بعد فتحها. ويمكننا أن نفسر ذلك على أن السلطان الفاتح لم يكن ليرغب أن يجعل دارالحديث التي أنشأها والده السلطان مراد الثاني وجعلها من أرفع دور العلم في المرتبة الثانية، فلم يجعل لدار الحديث مكانا ضمن المجمع الذي أسسه في استنبول. ولذلك فإن مدرسي دار الحديث في أدرنة ومدرسي مدارس الصحن الثمانية كانوا يتقاضون نفس الأجرة اليومية وهي خمسون أقجة، فكانوا في نفس المرتبة. ونريد أن نضيف إلى ذلك بأن السلطان محمد الفاتح عين سنان باشا مدرسا في مدرسة دار الحديث بأدرنة قبل أن يتخذه وزيره الخاص. وبعد ذلك أنشأ السلطان الفاتح كما انشأ السلاطين الذين جاؤوا من بعده كثيرا من دور الحديث. المعروف أن دور الحديث تذكر بأسماء منشئيها. فنجد دار الحديث التي افتتحها السلطان سليمان القانوني وقد سميت بـ" دار الحديث السليمانية" ويشير التعداد العام للسكان الذي قام به العثمانيون عام 1300 من الهجرة أن مدارس الحديث التي كانت قائمة في تلك الفترة في استنبول هي: دار الحاج بشير آغا للحديث(موجودة بحي أبي أيوب الأنصاري) دار عزت أفندي للحديث( في حي السلطان سليم) دار علي أفندي الميسي للحديث، دار خلوصي أفندي للحديث، دار البوشنوي للحديث، دار بابا محمود بكر آغا للحديث( في حي الشيخ زاده قرب مبنى رئاسة بلدية مدينة استنبول الكبرى)، دار باباز زاده للحديث، دار الداماد إبراهيم باشا، دار حسن آغا للحديث، دار السليمانية للحديث. كما نريد أن نشير إلى أن بعض دور الحديث كانت موجودة ثم تركت أو تحولت إلى مؤسسات أخرى كما تحولت بعض المؤسسات الأخرى إلى دور للحديث بمدينة استنبول.

ولم يقتصر التدريس في دور الحديث على علوم الحديث فحسب بل كانت هناك علوم أخرى ومن أهمها علوم التفسير. ففي الحديث كانت تدرس كتب البخاري ومسلم والمشارق وغيرها من أمهات الكتب، وشروحها. وعرف المدرسون في هذه المدارس بالمحدثين. واشترطت هذه المدارس لقبول الطالب فيها أن يكمل دارسته في مدارس التعليم العام. كما ان دور الحديث تتفاوت فيما بينها بالمرتبة والدرجة.

ويجب أن نوضح هنا أيضا بأن الكتب المقررة لم تكن موحدة في جميع دور الحديث في الممالك العثمانية ، والكتب التي ذكرناها آنفا تخص على الأغلب دور الحديث التابعة لوقفية الكلية السليمانية كما تشير إلى ذلك وثائق الأرشيف العثماني. وباستثناء صحيح البخاري ومسلم فإن كتب الحديث الأخرى تحدد وفق رغبة واختيار المدرسين.

دور الطب

عرفت المؤسسات التي تدرس فيها علوم الطب ويتم تدريب الطلاب فيها في شتى أنحاء العالم الإسلامي بـ"دور الطب" و"دور الشفاء" و"دور الصحة" و" دور المرض" و"الشفاخانة" و"المارستان"و"البيمارستان" و"دور العافية" و"البيمارخانة" وغير ذلك من الأسماء.

والطب العربي قبل الإسلام اعتمدت التجربة، فكان العرب يستخدمون النباتات وخاصة النباتات الصحراوية في صنع الأدوية. ومع انتشار الإسلام في أنحاء المعمورة فتحت آفاق جديدة للطب. فقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على التداوي وبين بأن الله لن ينزل دار إلا وأنزل له شفاء. ولم يفرق في ذلك بين الطبيب المسلم وغير المسلم، وعلينا أن نذكر هنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الطبيب العربي الحارث بن كلدة الثقفي الذي لم يكن قد أسلم بعد معالجة الصحابي الجليل سعد ابن أبي وقاص الذي انتكأت جراحاته في حجة الوداع.

وكان الأمير التركي أبو الحسن يحكم (المتوفى عام 941م) أنشأ بيمارستانا في بغداد. كما إن أحمد ابن طولون أنشأ أول بيمارستان في القاهرة عام 259 من الهجرة ، وأسس نور الدين ابن محمود الزنكي بيمارستانات في حلب ودمشق والأمير علم الدين سنجر الأتابكي في الكرك وأسس الأمير دوداك ابن تتش دارا للشفاء في دمشق.

وقد وجدنا عددا كبيرا من دور الشفاء في الأناضول أنشئت قبل العثمانيين من هذه الدور دار نسيبة جوهر للشفاء في قيصري(602هـ/1205م) ودار كيكاوس الأول للشفاء في سيواس (614هـ/1217م) ودار طوران مليكة خانم للشفاء في دويركي(1228م) وعدد من دور الشفاء في ديار بكر وماردين أنشأها الأرتوك.

ولم يقتصر الاهتمام في هذه المستشفيات على الأمراض البدنية بل عمد أطباؤها على معالجة الأمراض النفسية أيضا. ويذكر كل من اليعقوبي والمسعودي بأن أحدى التكايا قرب بغداد كانت مخصصة لمعالجة الأمراض العقلية والنفسية. ويضيف المسعودي بأن المبرد ذكر كثيرا من المعلومات عن مستشفى دير حزقيل الذي أنشئ في عهد الخليفة العباسي المتوكل على الله.

ويعتبر قدوم السلاجقة من الشرق ووصولهم إلى البحر الأبيض المتوسط نقطة تحول ليس في التاريخ التركي-الإسلامي فحسب بل في التاريخ الأوربي أيضا. فالسلاجقة كان لهم دور كبير في النهضة الأوربية، وقد أثروا تأثيرا مباشرا في تطور المؤسسات الصحية في أوربا دلت على ذلك الأبحاث التي نشرها الأوربيون أنفسهم. ومنذ عهد السلطان ألب أرسلان السلجوقي أنشأ السلاجقة بيمارستانات في نيسابور وبغداد وشيراز وبردشير وكاشان وأبهر وزنجان وكنجه وحران وماردين وغيرها من المدن الإسلامية.

وعلى غرار المدارس الأخرى اتخذ العثمانيون مدارس الطب في العالم الإسلامي نموذجا في إنشاء مؤسساتهم الصحية. وأول دار للشفاء أسسها العثمانيون هي دار الشفاء التي أسسها السلطان بايزيد الصاعقة بمدينة بورصة. ثم أسس السلطان الفاتح دارا للشفاء بمدينة استنبول والسلطان بايزيد الثاني عددا من دور الشفاء في استنبول أيضا نذكر منها دار الأميرة خاصكي ودار الأميرة عتيق للشفاء.

واول مدرسة للطب أنشئت بمدينة بورصة كانت تحمل الخواص المعمارية للخانات التي أنشئت في الأناضول في تلك الفترة. هذه المدرسة كانت عبارة عن دورين وفي وسطها حديقة واسعة. وتفتح أبواب الغرف والصالات إلى الحديقة. ودار الطب هذه نالت شهرة واسعة خلال فترة قصيرة. وكان نظام التعليم في هذه المؤسسة التي وقف السلطان لها كثيرا من الأوقاف شبيها بنظام التعليم في دار الشفاء بنيسابور ودار الشفاء التي أنشأها السلاجقة في سيواس.

أما السلطان محمد الفاتح فقد أنشأ دارا للشفاء إلى جانب مدارس الصحن في استنبول. ولم يبخل السلطان بشيء كي تقوم هذه المؤسسة الصحية بالخدمات المرجوة منها على أكمل وجه. وكان لهذه المستشفى سبعون غرفة وثمانون قبة. وكان كبير الأطباء وكبير المدرسين يعين من قبل السلطان شخصيا.

وأبرز الصفات المعمارية للمستشفيات العثمانية كونها جزءا من المجمع الذي يضم بالإضافة إلى المستشفى الجامع والمدرسة ومركز الإدارة والمطبعة ودار الضيافة والحمام والسوق وقساطل مياه الشرب، والمكتبة.

وتعتبر دار الشفاء التي بناها المعمار خير الدين في أدرنة بأمر من السلطان بايزيد الثاني آبدة فريدة في تاريخ المستشفيات. فقد أنشئت ضمن المجمع على ضفاف نهر طونجه على ساحة خضراء ، مما يدل على أن المسلمين الأتراك أنشأوا هذا النوع من المستشفيات الراقية قبل السويديين بخمسمائة عام.

مدرسة القضاة

إنشئت مدرسة القضاة في عهد محمد عارف أفندي حفيد شيخ الإسلام مشرب أفندي في عام 1270هـ/1854 م، بهدف تخريج القضاة. وكانت تسمى في أول إنشائها "معلمخانهء نواب ". وفي عام 1302هـ تحول اسمها إلى "مكتب النواب" وفي عام 1329هـ إلى مكتب القضاةأو مدرسة القضاة. وكانت مدة الدراسة فيها سنتان والدفعة الأولى تخرجت في عام 1272هـ. وقد تخرج طالب واحد. وكان المتخرجون يعينون في القضاء إلى أن بدأت مدارس الحقوق تخرج طلابها.

مدرسة الواعظين

وافتتحت هذه المدرسة يوم السادس من فبراير عام 1912 ونص نظام المدرسة على أن الهدف من تأسيسها هو:" تخريج أرباب الكمال الذين يعملون على نشر فكرة أن الإسلام هو أساس الحضارة والفضيلة عن طريق الموعظة الحسنة ضمن دائرة الأحكام العلية القرآنية والسنة السنية النبوية"

ويتبين من هدف التأسيس أن هذه المدرسة أسست لتنشئة مبشرين للدين الإسلام في مختلف أنحاء العالم. وتكونت المدرسة من ثلاثة صفوف وتساعد الدروس التي يتلقاها الطالب على رفع مستواه الديني والثقافي والمواد المقررة حسب الصفوف كانت كالتالي:

الصف الأول: الحديث، الكلام، الفقه،السيرة النبوية، التاريخ الإسلامي، الخطابة والمواعظ، الأدب العثماني، الأدب الفارسي، الأدب العربي، التاريخ العام،التاريخ العثماني،الجغرافيا العثمانية والإسلامية،الجغرافيا العامة، الحساب، الهندسة، التربية البدنية.

الصف الثاني: التفسير، الحديث، الكلام، الفقه، أصول الفقه، الفلسفة، الخطابة والمواعظ، الأدب العربي، الأدب الفارسي، الأدب العثماني، التاريخ العام، التاريخ العثماني، السيرة النبوية، التاريخ الإسلامي، الجبر، الحكمة الطبية، المعلومات الحقوقية، التربية البدنية.

الصف الثالث: التفسير، الحديث، الكلام، الفقه، أصول الفقه، الفلسفة، الخطابة والمواعظ، الأدب العربي، الأدب الفارسي، الأدب العثماني تاريخ الأديان، علم الهيئة( الفلك) حفظ الصحة، الكيمياء، الحكمة الطبية، التربية البدنية.

مدرسة الأئمة والخطباء

الإمامة أيام العثمانيين كانت من الوظائف التي تتطلب مسئولية واسعة. ولم تكن الإمامة محصورة بين المحراب والمنبر كما نراها هذه الأيام. ولذلك كان المطلوب ممن يتصدى للإمامة أن يكون على مستوى من العلم والثقافة، وكان الأئمة يعينون ببراءة من السلطان نفسه. وكانوا مسئولين عن شئون حتى عام 1245هـ حيث استحدث أول نظام للمخاتير. وهم ينظمون شئون الحي وتأمين التعاون والتنسيق بين أبناء الحي باعتبار أن الأءمة يمثلون القضاة في الأحياء التي يقيمون فيها. وتشير وثائق الأرشيف العثماني أن الذين لم يعينوا في وظيفة الإمامة بصورة رسمية ممن يؤمون الناس في المساجد أطلق عليهم اسم "المصلي"

وفي البداية اختير الأئمة من بين المتخرجين من دار القراء ثم افتتحت مدرسة جديدة في عام 1329هـ لتنشئة الأئمة والخطباء. وكانت عبارة عن قسمين. قسم لتخريج الأئمة والخطباء وقسم آخر لتخريج المؤذنين والمنشدين.

مدرسة الإرشاد

تشكلت هذه المدرسة من التوحيد بين مدرسة الأئمة والخطباء ومدرسة الواعظين. ويعين المتخرجون من هذه المدارس في مشيخيات المناطق وإمامة القطعات العسكرية البرية منها والبحرية، وفي وظائف الوعظ في الولايات والألوية والأقضية. واشترطت الدولة لمن يتصدى لوظيفة الإمامة والخطابة بعد افتتاح هذه المدرسة أن يكون من خريجي مدرسة الإرشاد. وبقي هذا النظام إلى أن ألغي مع صدور قانون توحيد التدريس في عام 1924م، فتحولت هذه المدرسة مع القانون الجديد إلى مدرسة للإمامة والخطابة.

مدرسة المتخصصين

لدى أول تقسيم لنظام المدارس كانت هناك دار الحديث ودار الطب هما المدرستان المتميزتان في الاختصاص والمرتبة. ولكن لم تكن هناك مدرسة تدرس الاختصاص في الفقه والكلام والفلسفة وفي تفسير القرآن على وجه الخصوص. فظهرت الحاجة لدى القيام بالإصلاح التعليمي عام 1908 إلى إنشاء مدرسة تحت اسم"مدرسة المتخصصين". وما أن دخل عام 1333هـ/1917 حتى قررت اللجنة المشكلة من 38 مختصا بهدف تنظيم وإصلاح منهاج مدرسة دار الخلافة العلية "مدرسة المتخصصين" من ثلاثة فروع.

كما قررت اللجنة إنشاء مدارس أخرى لتدريس أبناء أركان القصر، وبعض المدارس الخاصة بالتدريب العسكري. ونريد أن نتطرق باختصار إلى مدارس القصر والمدارس العسكرية.

مدارس القصر

وهي المدارس التي افتتحت لتنشئة الأطفال في القصر وتخريج الموظفين والمستخدمين الذين يعملون في خدمة السلطان.

1. مدرسة الأمراء

وكانت في القسم العلوي من المبنى الذي يحوي آغا دار السعادة في قسم الحريم بقصر طوبقابى. ويرأس الآغا المذكور هذه المدرسة. ومستوى التعليم في هذه المدرسة من مستوى "مدرسة الصبيان" المفتوحة لعامة أبناء الشعب. أما تفوق أعضاء الأسرة العثمانية الحاكمة في بعض العلوم فيرجع إلى أنهم كانوا يتلقون تلك العلوم من أكثر الأساتذة علما وقدرة على التربية. وعلى غرار مدرسة الصبيان، طان الطلاب يتعلمون في هذه المدرسة القراءة والكتابة والقرآن الكريم والأعمال الأربعة وغير ذلك من المعلومات البسيطة. وكانت مظاهر الاحتفالات التي تقام لدى استقبال العام الدراسي في مدارس الأمراء أكبر من مظاهر الاحتفالات في مدارس عامة الشعب، بالرغم من أن هذه الاحتفالات تسمى بـ"بدء البسملة"

2. مدرسة داخل القصر

3. أنشئت لأول مرة في عهد السلطان مراد الأول وهدف هذه المدرسة تربية مجموعة من رجال القصر لهم قابلية حماية قدرة الدولة . ويختار طلابها من مجموعة"الغلمان" حيث يخضعون للتربية والتعليم على مستويات متفاوتة ومدة التدريس في هذه المدرسة ما بين سبع سنوات وثمان سنوات.

4. ومدرسة داخل القصر في الدولة العثمانية أصبحت منذ أواسط القرن الخامس عشر أهم المؤسسات التربوية الرسمية خارج نطاق المدارس المعروفة. هذه المدرسة التي تنشئ أكثر ما تنشئ الإداريين المدنيين والعسكريين هدفها تزويد البيروقراطيات في العاصمة والمناطق الأخرى بالعناصر المدربة والقادرة على تسيير خدمات الدولة. فهي تحتل مكانا بارزا في تعليم وتطوير الإيديولوجية الرسمية للدولة العثمانية وفي تعيين الأهداف الإدارية والسياسية للدولة وفي نشاطات المؤسسات الرئيسية لهذه الدولة.

وكانت هذه المدرسة داخل قصر طوبقابى الشهير. ويختار طلابها من بين الأطفال اللقطة. بالإضافة إلى أطفال رجال الدول الأخرى الذين أخذوا بصفة رهائن وجيء بهم إلى استنبول.

وقد تعرض نظام المدرسة بمرور الوقت لكثير من التعديلات. ففي القرن السابع عشر تحولت مدرسة "الغلمان الأغرار" ضمن هذه المدرسة إلى سبع غرف أو سبعة صفوف، على رأس كل غرفة أحد الأغوات والغرف هي:

أ-الغرفة الصغيرة

ب-الغرفة الكبيرة

ويقتصر عمل الطلاب في هاتين الغرفتين على القراءة والكتابة. وكانت الغرفتان بمثابة الصفوف التمهيدية لمدرسة داخل القصر. ويلبسون نوعا من اللباس الذي يسمى "اللف" وكانوا يسمون بـ"اللفيون" وعدد طلاب هذين الصفين أكبر من عدد طلاب الصفوف الأخرى. وهم يتبعون آغا الباب.

ج-غرفة النسريين

وعدد طلاب هذه الغرفة أربعون ويهتمون بالنسور التي يستخدمها السلطان في رحلات الصيد. وكان آغا هؤلاء الطلاب يعرف بـ"كبير النسريين"

د- غرفة السفريين

وكان الذين في هذه الغرفة يهتمون بملابس السلطان وعمامته وسجادته. وآغا هؤلاء هو الذي يمد سجادة الصلاة في المسجد كي يصلي عليها السلطان، فيمد السجادة ويسجد عليها أولا كي يبرهن على أنها خالية من أي خطر. كما يدخل أمر المفروشات في مجال عمل هذه الغرفة.

هـ-غرفة المونة

ويهتم من في هذه الغرفة بشئون المأكولات والمشروبات في القصر. والآغا الذي يرأسهم يعرف بكبير الممونين. كما يقوم الآغا بتذوق الطعام المخصص للسلطان للتأكد من خلوه من أية سموم ويقوم هو ورجاله بنقل الطعام من المطبخ إلى حيث يجلس السلطان.

و- غرفة الخزينة

وينصب اهتمام أغوات هذه الغرفة في المحافظة على الخزينة.

ز-الغرفة الخاصة

وعدد أغوات هذه الغرفة أربعون وهم مكلفون بخدمة السلطان في الليل والنهار، ويواصلون الدعاء في غرفة البردة النبوية الشريفة. وآغا هؤلاء يعرف بـ"الأوضاباشي" ومن بين مهام هؤلاء الأغوات إلباس ملابس السلطان وتهيئته للخرج إلى الناس أو استقبالهم. ويأتي الأوضاباشي بعد آغا الباب في المرتبة. ولذلك فهو يحمل أحد أختام السلطان. ولا بد لنا أن نذكر أن جميع من في هذه الغرف يخضعون للتعليم العلوم الإسلامية وعلى رأسها علوم التفسير والفقه والحديث وتلاوة القرآن.

ويذكر الرحالة التركي"أوليا جلبي" الذي قرأ القرآن في مسجد أياصوفيا وهو في سن العشرين فأعجب بصوته السلطان مراد الرابع وأراد ضمه إلى القصر، بأن الكتب المقررة على الطلاب في مدرسة داخل القصرفيما يتعلق بالعلوم الدينية هي في مستوى أعلى من الكتب المقررة على الطلاب في المدارس الأخرى. وبلغ عدد الصدور العظام المتخرجين من هذه المدرسة 79 وعدد قادة القوات البحرية 36 وشيوخ الإسلام 3. ورد ذلك ذلك في المجلد الثاني من تاريخ عطا.

2. غرفة الموسيقا

لما كانت الموسيقا فنا يواكب الرفاهية والثروة والحضارة، فإن العثمانيون كان لهم دور في تطوير الموسيقا، فقد ظهر الكثير من آلات الموسيقا في هذه الفترة. ويذكر الرحالة"أولياء جلبي" الذي ضم إلى قصر السلطان في عام 1045 للهجرة أن غرفة الموسيقا كانت بجوار الحمام الخاص للسلطان، وأن صوت المقطوعات الموسيقية والألحان الجديدة يسمع في كل وقت، وأن كبار أساتذة الموسيقا كانوا يعملون بصفة مدرسين في هذه الغرفة.

طرق التدريس في المدارس العثمانية

المدارس العثمانية التي كانت لها مكانة خاصة في تاريخ التعليم الإسلامي هي مؤسسات حققت أعلى درجات التعليم. ونظام التربية والتعليم في المدارس العثمانية وعلى غرار ما كان في الدول الإسلامية التي سبقت الدولة العثمانية اتبع طريقة معينة في أداء رسالته، فكانت لذه المدارس مراتبها ودرجاتها حسب المواد المقررة فيها.

فمنذ عهد السلطان محمد الفاتح كان التدريس في المدارس العثمانية يخضع لقانون ونظام معين. حيث تبدأ الدروس بعد الفطور وتستمر حتى وقت صلاة الظهر. أما بعد الظهر فإن الطالب يراجع دروسه في المسجد أو يتجه إلى المكتبة للاطلاع على المراجع المتعلقة بدروسه. وتشير الوثائق العثمانية إلى أن الطلاب في القرن الخامس عشر يدرسون أربع حصص يوميا وفي القرن السادس عشر خمس حصص. فالشيخ حميد الدين ابن أفضل الدين وهو من مدرسي عهد السلطان الفاتح كان يداوم في المدرسة أربعة أيام في الأسبوع. وفي كل يوم يدرس أربع ساعات. يقول المؤلف التربوي مجدي محمد أفندي عن هذا المدرس:" كان الشيخ يداوم أربعة أيام في المدرسة ، وكعادته التي عرف بها كان يدرس أربع ساعات في اليوم حيث يبذل كل طاقته كي يستفيد الطلاب من كل دقيقة يكون هو فيها معهم"

وفي القرن الخامس عشر زادت عدد الحصص حصة واحدة فأصبحت خمس حصص. فقد اشترط السلطان القانوني على مدرسي السليمانية في الآستانة وكذلك ولده السلطان سليم الثاني على مدرسي السليمية في أدرنة أن يدرسوا كل يوم خمس حصص. ويوم الثلاثاء هو يوم العطلة الأسبوعية في المدارس العثمانية. بالإضافة إلى أن الدروس تعطل في الأعياد الدينية والليالي الفضيلة. وتذكر بعض المصادر بأن المدارس تعطل في بعض الأحيان أيام الثلاثاء والخميس والجمعة. وأغلب الظن أن مثل هذه العطلة هي أطول العطل. أضف إلى ذلك أن العطل السنوية كانت دائما تصادف شهر رمضان المبارك، حيث يتوجه الطلاب إلى الأماكن التي ولدوا ونشأوا فيها أو إلى القرى والقصبات الأخرى بدعوة أو غير دعوة، كي يزودوا الناس بما تلقوه من العلوم في المدارس( وهذه الإجازة فرصة مهمة لتدريب الطالب على التدريس والوعظ وإقاء الخطب، بالإضافة إلى أنهم يحصلون على مبالغ تكفي لمصاريفهم طوال العام).

وأوقات الاستراحة في النهار هي ما بين الظهر والعصر، وأهم الدروس في المدارس تلقى في فترة الصباح. ولا تقتصر هذه الدروس على الطلاب بل إن كثيرا من الناس ممن ليسوا منتظمين في المدرسة يشهدون هذه الدروس بصفة مستمعين. هذه العادة استمرت في استنبول على مدى قرون طويلة.

ونريد أن نضيف إلى ما سبق بأن هذه المدارس أولت اهتماما خاصا للعلوم العلقلية والفلسفية بهدف تنمية المحاكمة العقلية إلى جانب العلوم النقلية التي تتطلب الحفظ القوي. لكننا نجد في بعض الأحيان أن هذا التوازن بين العلوم النقلية والعلوم العقلية اختل لصالح العلوم العقلية.

الكادر التعليمي في المدارس العثمانية

تشكل الكادر التعليمي نتيجة قيام مجموعة من الأشخاص بتدريس الطلاب وفق نظام معين. ونريد أن نشير هنا باختصار إلى ما كان قبل العهد العثماني.

1. المدرس(البروفسور)

من المعروف أن المدارس التي عرفت بـ"النظامية" هي المؤسسات التي تقوم بنشاطات تعليمية على مستوى عال. ولذلك فقد أطلق على الذي يقوم بعمل التدريس في هذه المدارس اسم" المدرس". ومنذ فجر الإسلام أحس المسلمون بالحاجة إلى من يقوم بعمل التدريس في بعض العلوم، ولم يحبذ الناس أن يقوم الإنسان بدراسة الكتب بمفرده ودون الحاجة إلى مرشد أو موجه. وفي مقابل ذلك شجع المسلمون الناس الذين لديهم قدر من العلوم على أن يعلموا غيرهم. كل ذلك أدى إلى انتشار المدارس في كافة أنحاء العالم الإسلامي وإلى نشوء أعداد كبيرة من المدرسين الذين يلقون مزيدا من المحبة والاحترام من الناس. وفي بداية الأمر كان المدرس يعين في المدرسة من قبل الحاكم أو الأمير أو الذي أنشأ المدرسة ووقفه، حيث يحرص هؤلاء على أن يكون هذا المدرس من العلماء المقتدرين، والمدرس من هؤلاء يكون ممن لديهم علم بكافة العلوم الدينية، وعلى اطلاع واسع ومتمكن من علوم الأصول والفروع في المذهب الذي يتبعه بشكل خاص.

وقد أطلق اسم المدرس(أو البروفسور كما يعرف في عالم اليوم) في مدارس العهد العثماني على الذين يحصلون بعد مراحل معينة من تلقي العلوم على غلإجازة والملازمة والبراءة. وتذكر الوقفيات المختلفة الشروط الواجب توفرها في المدرس، والوقفيات الصادرة في عهد الفاتح والقانوني بشكل خاص تلقي مزيدا من الضوء على هذه الشروط. والطالب الذي يجتاز دروس"الخارج" و" الداخل" يتخرج ، أي يحصل على الإجازة، التي يمكنه بها القيام بعمل التدريس. فإذا رغب التدريس في مناطق الأناضول تقدم بطلبه إلى قاضي عسكر الأناضول، وإذا رغب التدريس في مناطق الروميلي تقدم بطلبه إلى قاضي عسكرها، وواظب على مجالس القاضي في أيام معينة وسجل اسمه في الدفتر المعروف بـ"المطلب" بصفة ملازم. وينتظر حتى يأتي دوره في التعيين. فإذا جاء دوره عين في أخفض المدارس مرتبة وهي مدارس" حاشية التجريد" بأجر يومي قدره عشرون أقجة. وبعد ذلك ترتفع درجاته حتى يصل إلى أرفع المراتب.

2- المعيد:

وهو الذي يساعد الأستاذ في تفهيم دروسه للطلاب عن طريق التكرار والمراجعة. فالطالب قد لا يستطيع سؤال الأستاذ عن كل شيء إما خجلا أو لسبب آخر ، فيلجأ حينئذ إلى المعيد. وهذا يعني أن درجة المعيد هي الدرجة بين الطالب والأستاذ. ويشارك المعيدون الطلاب في مساكنهم. وعرفت المدارس الإسلامية المعيدين على نطاق واسع في عهد الأيوبيين، فكان لكل أستاذ في تلك الفترة معيدان أو معيدون. ففي المدرسة الصلاحية التي أنشأها الملك نجم الدين أيوب نجد أربعة مدرسين ولكل مدرس معيدان. والمعيدون يكلفون في نفس الوقت بشئون الانضباط بين الطلاب. وقد كان المدرس مدرسا في مدرسة ومعيدا في مدرسة أخرى كما هو الحال في المدارس المصرية.

وفي العهد العثماني نجد أن للمعيدين مكانة مهمة في تاريخ التربية والتعليم. وفي وقفية السلطان الفاتح نجد العبارات التالية حول المعيد:

"ويكون فريدا بين أقرانه في الفكر الحديد والرأي السديد وماهرا في تعليم مختصرات الكتب، وقادرا على تعلم واكتساب المطولات. ويكون لكل مدرس معيد وتخصص له يومية من الوقف الشريف قدرها خمس أقجات"

وورد ذكر المعيد في وقف السليمانية كما يلي:" ويعين المعيد من بين طلاب العلم الذين يمتازون بالمعارف والفضيلة، ولديهم استعداد للارتقاء من رتبة الاستفادة إلى درجة الإفادة، ويكون أجرهم اليومي خمس أقجات"

وتشير الوثائق العثمانية إلى أن المعيدين كانوا أيضا في المدارس التي دون الخمسينيات وكانوا يعينون كما يعين المدرسون. وجاء في إحدى الوثائق أن معيدا بمدرسة دار الشفاء في سيواس توفي وأن مكانه بقي شاغرا، فلم تعد الأمور تسير على النحو المطلوب ويطلب قاضي سيواس تعيين معيد آخر في المكان الشاغر كي يقوم بهذه المهمة. ويفهم من ذلك أن وظيفة المعيد كانت موجودة في هذه المدارس منذ القديم. ويبدو أن ترشيح المعيدين يكون من قبل المدرسين أنفسهم . ومع عدم التأكد من فترة خدمة المعيدين في المدارس ،فإن فترة عمل المعيدين في أغلب المدارس(باستثناء دور الطب) سنتان.

وقد أعيد استحداث وظيفة المعيد في المدارس السلطان اثر الانقلاب العثماني عام 1908 ، ولكن ما لبثت الحكومة أن ألغته مرة أخرى.

2. الطلاب

ومما لا شك فيه أن الطلاب هو من أهم عناصر المدارس في تاريخ التربية والتعليم في العالم الإسلامي. وكان القائمون على شئون هذه المدارس يحرصون على أن يكون طلابها سليمين من ناحية الذكاء ومن الناحية البنيوية على حد سواء. ولذلك فإن الوثائق تشير إلى أن أساتذة المدارس كانوا يقومون باختبار ذكاء الطلاب بأنفسهم. ويكون اختيار الطلاب تبعا لنتيجة هذا الاختبار. وبذلك يحول المدرسون دون جمع الطلاب الأذكياء مع الأقل ذكاء في مكان واحد. لأنه ليس من المرغوب أن يجتمع الطلاب من مستويات مختلفة في الذكاء في صف واحد، لأن مثل هذا التطبيق يؤدي إلى تأخر الطلاب الأذكياء بالإضافة إلى تعذيب الطلاب الأقل ذكاء.

ومع أن تلقي التعليم لا يتحدد بسن معين فإن بعض المدرسين أخذوا قابلية تعلم علوم معينة بنظر الاعتبار فاختاروا الطلاب من مجموعة سن معين. ويذكر المؤرخ كاتب جلبي أن من شروط طالب العلم أن يكون مضحيا ، وألا تكون علاقاته بالدنيا كثيرة ومتشابكة، وألا يكون لديه هم العيال وكسب قوتهم. وكل هذه الشروط تقتضي من طالب العلم أن يكون في مقتبل العمر. حتى إن بعض المؤلفين يشترطون في طالب العلم العزوبية. لأن المتزوج سينشغل بهموم حقوق الأسرة ولقمة العيش فلا يصرف همه للعلم على النحو المطلوب، مما يحول دون البحث والتمحيص العلمي.

ومع إن تحديد عدد الطلاب مرتبط برغبة الواقفين بصورة عامة، فإن أعداد الطلاب تتغير في بعض الأحيان. فعد الطلاب في المدارس المصرية يتراوح بين ثلاثة ومائة، فلما يزيد العدد قسم إلى شعبتين بناء على رغبة المدرسين.

وقد اهتم العثمانيون بطلاب العلم كثيرا وقامت الأوقاف بتأمين ماكل الطلاب وملبسهم وأماكن نومهم بالإضافة إلى بعض المبالغ التي تعينهم على التنقل والبحث. وكان عدد الطلاب في المدارس العثمانية يتغير وفقا لكبر المدرسة وصغرها، ومع ذلك فإن عدد الطلاب في أكبر المدارس لم يتجاوز العشرين طالبا لكل مدرس.

وتشير الوثائق العثمانية إلى أن الطلاب الذين وصلوا إلى مستوى معين من الدراسة في مرحلة مبكرة من تأسيس الدولة العثمانية كانوا يتجهون بتوصية ونصح من مدرسيهم إلى المراكز العلمية الإسلامية المعروفة في ذلك العصر مثل القاهرة وسمرقند وبخارى وبلاد ماوراء النهر وبغداد ودمشق ليواصلوا اختصاصاتهم فيها. فيعودودن وقد نهلوا من الثقافة والحضارة الإسلامية التي تؤهلهم لأن يلقبوا بالعلماء.

دروس الحضور

وهناك نوع من التعليم يكون في أوقات خاصة ولإناس مخصوصين في الدولة العثمانية ويعرف بدروس الحضور. ويجب علينا قبل البحث في نظام المدارس العلمية أن نتطرق إلى موضوع دروس الحضور.

فمن بين الطبقات الأربعة في نظام الدولة العثمانية نجد " الطبقة العلمية" وقد لعبت هذه الطبقة دورا مهما وفعالا في التاريخ الثقافي للدولة. فتوجيه الحياة الاجتماعية إلى وجهة معينه نجده أوضح ما يكون في الأيام التي لها خصوصية معينة مثل"رمضان" والوسيلة إلى ذلك "دروس الحضور" التي يحضرها السلطان وأركان الدولة. وبهذه الطريقة يطلع الأمراء وهم في سن مبكرة على كثير من المسائل العلمية. وهذه الدروس لها أهمية كبرى لدى رجال الدولة وكثير من المدعوين باعتبارها وسيلة للتزود بكثير من العلوم التي تساعدهم على إدارة شئون البلاد التي يعينون فيها.

وليس هناك أي دولة اهتمت بطبقة العلماء واعترفت بفضلهم مثل الدولة العثمانية. فقد كان هؤلاء العلماء معفون من كثير من الضرائب والعقوبات التي تطبق بحق كثير من موظفي الدولة أنفسهم "فتكريم كافة العلماء وإعزازهم كان من أبرز صفات هذه الدولة الإسلامية، فقد كانوا آمنين على أموالهم التي اكتسبوها من أن تطالها يد الدولة بأي شكل من الأشكال"

هذا الاحترام الذي يلقاه العلماء يجعلهم أحرارا في التعبير عن آرائهم وأفكارهم دون خشية من أحد. وأبرز مظاهر الحرية في إبداء الرأي من قبل هؤلاء العلماء نجدها من خلال "دروس الحضور" في شهر رمضان. حتى إن السلطان سليم الثالث أصدر أمرا قطعيا ببيان أن " المقررين" الذين يشتركون في هذه الدروس سيكونون مطلقي الحرية في بيان ما يريدون دون اعتراض من أحد.

و"دروس الحضور" في الدولة العثمانية تبدأ منذ اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، وتستغرق ثماني جلسات بحضور السلطان . ويعرف العالم الذي يلقي الدرس بـ"المقرر" ويحضره أيضا لفيف من العلماء الذين يناقشون المقرر بعد انتهاء تقريره. ولذلك سميت هذه الدروس بـ" دروس الحضور الهمايوني"

ويذكر المؤرخون بأن أول دروس الحضور بدأ في عهد الغازي عثمان(1299-1326) يقول أحمد عطا طيار زاده " بدأت هذه الدروس في عهد الغازي عثمان خان. وأخذت صفة الديمومة في عهد الغازي أورخان ومنذ تلك العهود وخاصة منذ عهد السلطان مراد الأول حيث يجتمع فحول العلماء كلما سنح الوقت في شهر رمضان وبحضور السلطان فيقومون بتفسير بعض السور القرآنية. أما في عهد السلطان مصطفى الثالث(1172/1758) فمنذ اليوم الأول من شهر رمضان وحتى العاشر منه يجتمع بطلب من السلطان تجتمع هيئة العلماء المكونة من مقرر وعدد من العلماء الاخرين، فيقوم المقرر بتفسير بعض الآيات من تفسير البيضاوي. وفي اليوم العاشر يجتمع المقررون مع العلماء لدى شيخ المكتبة حيث يناقشون معا بعض المباحث الحسنة في التفسير.

وفي عهد السلطان مصطفى الثالث (1757-1774)صدر قانون خاص بدروس الحضور. ويقول المؤرخ أحمد جودت باشا حول دروس الحضور في تلك الفترة:" يعقد مجلس للعلم من مقرر وسبعة أو ثمانية من فحول العلماء في أوائل شهر رمضان المبارك كل يوم بحضور السلطان يقرأون فيه تفسير القاضي البيضاوي"

هذه العادة الحسنة الخاصة بشهر رمضان المبارك كانت الوسيلة لتعلم السلطان والأمراء ورجال الدولة كثيرا من الأمور وخاصة ما يتعلق منها بالأمور الدينية. ففي هذه الدروس تتلى آيات من القرآن الكريم تناسب الحدث والزمان فيعمل المقرر على تفسيرها. ويخصص وقت كاف بعد ذلك للإجابة على اعتراضات "المخاطبين" وتساؤلاتهم. وبذلك يفتح الطريق أمام البحث العلمي. والمقرر وكذلك المخاطبون لهم مطلق الحرية في إبداء آرائهم خلال النقاش.

كان حكم إبراهيم باشا 1832-1840 لسوريا إصلاحيًا، إذ وفر الأمن للطرق التجارية بين المدن، واهتم بالتعليم الذي لم يمنحه العثمانيون أهمية تذكر، وسمح بتأسيس مدارس البعثات الأوروبية إضافة إلى بعض المدارس التي أنشئت في كبريات المدن كدمشق وحلب قبل ذلك ، وهي ذات طابع ديني بحت، ولكن كان اهتمام الولاة الأكثر بالمنشآت العمرانية التي لا يزال قسم كبير منها باقياً على اليوم، كالتكايا والمساجد والخانات المنتشرة بكثرة في كل من دمشق وحلب على وجه الخصوص. وبعد الإصلاحات التي دعى إليها السلطان عبد الحميد فعلى الصعيد العلمي فقد شملت الإصلاحات قطاع التعليم وأنشئت المدارس الابتدائية في المناطق والنواحي، والمدارس الثانوية في مراكز المدن كـدمشق وأنطاكية وحلب وبيروت ، على النظام نفسه الذي كان سائداً في مصر، وأُقرت القوانين التي كانت تلزم الطلاب بارتداء أزياء خاصة بهم، وشيدت أبنية سكنية ملحقة بالمدارس لإيواء الوافدين إليها من الطلبة، واشتملت المناهج على تدريس المواد الهادفة إلى غرس الوعي القومي في نفوس الدارسين، الأمر الذي جسد فكرة الانتماء القومي إلى الأمة العربية عند غالبية المثقفين العرب مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ويعد مدحت باشا من أبرز ولاة هذه المرحلة، حيث عمل على بناء المدارس الحديثة لصرف الأهالي عن المدارس الأجنبية والتبشيرية، وفي عهده تعاون المسلمون والمسيحيون على إنشاء غرفة للتجارة ومقر للبورصة في بيروت، لكن دخول مفاهيم الإصلاح والتغيير على الصعيد القومي والسياسي إلى سورية مع الحكم المصري، فبعد خروج إبراهيم باشا ظل أثر هذه المفاهيم يفعل فعله خاصة بين صفوف المتعلمين والفئات الواعية، وبلغ هذا التفاعل ذروته حينما قدم إلى سورية بعض الولاة المتنورين الذين قادوا حركة التمدن والإصلاح، وأدت المدارس التي تم افتتاحها في هذه الفترة دوراً كبيراً في توعية النشء قومياً وسياسياً، وبدأ الجمعيات بالظهور، وتوالى صدور الصحف، الأمر الذي زاد من وعي الأهالي، فظهر منهم قلة متأثرة بثقافة التغريب أخذت تنادي بالانفصال عن الدولة العثمانية، في حين رأت الغالبية خلاف ذلك، وأخذت تطالب بإصلاح النظم، والقضاء على المفاسد والاستبداد، وتطبيق مبدأ المساواة بين مختلف أعراق السلطنة حفاظاً على تماسكها واستمرارها خاصة بعد ما رأوا أن احتلال فرنسا لتونس وانكلترا لمصر يكشف عن التآمر الغربي على البلاد العربية والإسلامية، لكن تعسف بعض القادة العثمانيين في استخدام صلاحياتهم وظهور النزعة الطورانية ووصول أعضاء جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم، حالت دون تحقيق ما كان يدعو إليه المتمسكون بوحدة الإمبراطورية والرابطة العثمانية، ومما زاد الأمر سوءاَ، انحياز الدولة العثمانية إلى المعسكر الألماني، وما قام به جمال باشا من مذابح في سورية ولبنان، كل ذلك جعل النخبة العربية من المتطلعين إلى الحرية توازن بين الحكم التركي واستمرار طغيانه، وإمكانية الاتفاق مع حليف أجنبي يضمن لهم الحرية والاستقلال إذا ما انحازت إلى صفه، فرأت الغالبية منهم أن مصلحتهم في الخيار الثاني. وهكذا بدأ الإعداد للثورة العربية الكبرى، منذ أن أخذت الجمعيات العربية السرية وبعض الشخصيات العربية البارزة بالاتصال مع الشريف حسين بن علي أمير مكة. تطالبه بإنشاء دولة عربية مستقلة عن الدولة العثمانية، تضم الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، وفي ضوء هذه القاعدة جرت الاتصالات ما بين الحسين وبريطانيا التي اتفق من خلالها على وقوف العرب إلى جانب بريطانيا في الحرب مقابل اعتراف بريطانيا باستقلال المشرق العربي وبالشريف حسين ملكاً عليه. ويظهر من خلال مراسلات الحسين مكماهون أن بريطانيا كانت تتحفظ وتبدي من التأويلات الماكرة ما يجعلها مستقبلاً في حل من تعهداتها لتحقق مآربها الاستعمارية.وحين أعلنت الثورة في الحجاز يوم 10 حزيران 1916م لم يكن يدور في خلد بريطانيا أن هزيمة الحاميات العثمانية في مدن الحجاز ستكون بهذه السهولة، فما إن أعلن الشريف حسين ثورته حتى انضم إليها العديد من الضباط العرب العاملين في الجيش العثماني، وتوالى تحقيق الانتصارات بالسيطرة على كامل الحجاز والأردن وفلسطين ودخول فيصل بن الحسين إلى دمشق في تشرين الأول 1918م، تأسيسه للملكة السورية عام 1918م .
وعودة إلى موضوع التعليم لم يستطع الكثير من أبناء الشعب متابعة تعليم أبنائهم بسبب الفقر والتخلف والجهل الذي ساد في عهد الدولة العثمانية لذلك اقتصر معظم أبناء الدولة العثمانية على تعليم أبنائهم في الجوامع والكتاتيب.يتعلمون العلوم المختلفة والقرآن الكريم حتى العشرة من عمرهم ثم يساقون إلى سوق العمل مع آبائهم الفقراء ليساعدوهم في تدبير المعيشة والقوت والسكن وكل متطلبات الحياة

وعن اللغات التي ظهرت في سوريا فقد ظهرت اللغات الكنعانية أول ما ظهرت في الألف الثالث قبل الميلاد. وقد تحدث بهذه اللغة في ذلك الوقت الكنعانيون والفينيقيون وبشكل لاحق العبرانيون والآراميون والعرب، حيث تحولت لهجات هذه الأقوام المشتقة من اللغات الكنعانية إلى لغات مستقلة تتشابه فيما بنيها في المبنى والمعنى.
كما انتشرت اللغة العبرية في مناطق الجبال (الضفة الغربية والقدس حاليا) والمناطق الساحلية الشمالية، فيما انتشرت اللغة الفلستية في الساحل الجنوبي من فلسطين والذي يشمل منطقة (قطاع غزة حاليا) وعسقلان.
أما اللغة الفينيقية فكانت محكية على لسان الفينيقيين في الساحل الغربي من لبنان، بالإضافة إلى الساحل الغربي الشمالي من فلسطين (عكا)، أما في منطقة جنوب سوريا انتشرت اللغة الأدومية المنبثقة عن اللغة الفينيقية.
وكانت اللغة الآرامية (السريانية) هي اللغة العامة الرسمية في كل بلاد الشرق الأدنى القديم، وقد حلَّت مكان العبرية والكنعانية في فلسطين، واقتبس العرب في عصر الجاهلية والقرون الأولى للإسلام من هذه اللغة فأخذوا منها حتى العصر السادس بعد الهجرة مئات الكلمات التي تختصّ بالزراعة والصناعة والتّجارة والملاحة والعلوم، كذلك استعاروا ألفاظًا كثيرة بعضها سرياني والآخر من أصل يوناني.

لكن لم يستفد السوريون من عصر النهضة لوقوعهم تحت الحكم العثماني الذي تميز بمعاداة العلم وعدم الانفتاح على الغرب فمنذ أن انتصر السلطان سليم الأول على المماليك سنة 1516، واستولى على سورية تسنى للغتهم "أي العثمانيين" أن تنفذ بقدر يسير من ألفاظها ومسمّياتها إلى اللغة العربية الفصحى والمحكية ودخلت مئات الكلمات التركية إلى اللغة العربية العامية والفصحى.
وفي عصر النهضة وجد نظام جديد يخدم ظهور الدول الحديثة وظهور تنظيمات سياسية ( مركزية ولامركزية ) والسعي إلى النمو الاقتصادي والتغير الاجتماعي ،الذي حدث بعد إن كانت النظم الفكرية في العصور الوسطى الأوروبية تقدم على حركة الأديرة ( الدير ) والنظام الكنسي في التعليم فالحاجة إلى التعليم ، إذ جاءت لتخدم تلك الدول الحديثة وتساعدها في نشر ثقافتها والسيطرة على عملية التربية .

ولقد تميزت هذه الفترة بالسمات التالية :
1/ استبدلت الأبحاث اللفظية الجدلية بالأبحاث الواقعية العملية.
2/ أصبحت التربية تقيم وزنا للصحة النفسية والجسدية وتعنى بتدريب الجسم كما تعنى بإطلاق سراح العقل وتحريره من قيوده.
3/ صارت التربية تهدف إلى تكوين الإنسان ككل في جسمه وعقله وذوقه .
ومن أهم نتائج عصر النهضة و الثورة الفكرية ظهور التربية الواقعية فاتجهت الأنظار إلى اللغات وآراءها ، إلى الدين وإصلاحه في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، أما في القرن السابع عشر بدأت الروح العلمانية تظهر ظهورا واضحا ، إذ امتازت التربية في هز القرن بنزعتها النقدية الإصلاحية حتى ظهرت النزعة التربوية القومية وفكرة التربية الشعبية العامة ثم بعدها ظهرت النزعة الطبيعية على يد جون جاك روسو والتي تعتبر الغاية من التربية هي تنمية مواهب الطفل واستعداداته الطبيعية بطريقة سليمة أما في القرن التاسع عشر فقد أصبحت علما يقوم على أساس عملية عقلية ، وظهرت على أثرها الأبحاث والدراسات التربوية المختلفة والمتنوعة ، وفي القرن العشرين ظهرت فلسفات تدعوا إلى تغيير إطار المدرسة التقليدية ، إطار الصف والمعلم داعيا إلى إضافة الوسائل التربوية والمخترعات الحديثة في العملية التربوية حيث أصبحت التربية عملية مستمرة ودائمة ولاقتصر على مرحلة الطفولة والمدارس ، دون تفريق بين طبقة وأخرى ، أو جنس وآخر





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,779,681
- فساد التعليم في سوريا في عهد الأسدين 1971-2011
- نموذج للنظام الأساسي لأي منظمة حقوقية في العالم العربي
- خطوات إنشاء منظمة حقوق إنسان عربية
- جدلية الإصلاح والوحدة الوطنية في سوريا
- الفساد السياسي والإداري وطرق استعادة الأموال المهربة قانونيا ...
- أثر التغيرات السياسية على حقوق الانسان في القرن الواحد والعش ...
- العوامل الداخلية والخارجية المؤدية إلى عدم الاستقرار السياسي ...
- الوحدة الوطنية خلال فترة البعث الأولى 1963وتداعياتها خلال ال ...
- العلاقات السعودية المصرية قي عهد الملك سعود
- حول العلاقات السعودية المصرية
- مقترح بحث عن موضوع الوحدة الوطنية في ظل حكم حزب البعث العربي ...
- المساعدات العربية للدول الإفريقية
- الجامعةالعربية ودورها في المساعدات الاقتصادية لإفريقيا
- المصالح الاقتصادية المشتركة بين العرب والأفارقة
- دراسات أفروعربية
- حول التُجّارِ الصوماليينِ في مجتمعِ جنوب إفريقيا
- ثقافة العنف بين الشباب
- العدوان على غزة : خريطة الحدث والدلالات الحضارية
- تداعيات الأزمة الاقتصادية في مصر وسبل حلها
- العلاقة بين الوحدة الوطنية والحزبية


المزيد.....




- 5 نصائح يجب على مرضى الصدفية مراعاتها في خطة العلاج
- ترامب ينسحب وسباق سوري تركي للسيطرة على شرق الفرات
- ريدوان -يحضر هدية جديدة لجلالة الملك بمناسبة عيد ميلاده القا ...
- شاهد: لحظة قتل شرطة تكساس لسيدة سوداء في منزلها بسبب مكالمة ...
- -نبع السلام-: هل تُعمّق العملية العسكرية التركية في سوريا أز ...
- شاهد: لحظة قتل شرطة تكساس لسيدة سوداء في منزلها بسبب مكالمة ...
- سعوديون يرون مباراة الضفة دعما للفلسطينيين لا تطبيعا مع إسرا ...
- سنفعل كل شيء.. وزير الدفاع الأميركي يتعهد بالتعاون في التحقي ...
- بالفيديو... ترامب يقلد ملكا عربيا تحدث معه وقت نقل سفارة أمر ...
- أول عربية تحصد جائرة -إنيجويت- للفن في إسبانيا


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عزو محمد عبد القادر ناجي - التعليم في سوريا منذ العصور القديمة وحتى نشوء المملكة السورية 1918