أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عبد الغني سلامه - مستقبل الإنسانية















المزيد.....

مستقبل الإنسانية


عبد الغني سلامه
(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 3462 - 2011 / 8 / 20 - 19:42
المحور: الطب , والعلوم
    


لو ضغطنا عمر الكون البالغ نحو 15 مليار سنة، وافترضنا أنه يعادل 24 ساعة بمقياسنا الحالي، فستكون كل ثانية من هذا اليوم الكوني تساوي 174 ألف سنة أرضية، أما إذا طبقنا نفس الفرضية على عمر كوكب الأرض فستعادل كل ثانية منها 53 ألف عام، وبهذا المعنى فإن الإنسان الذكي لم يظهر للوجود إلا في الدقيقة الأخيرة بالضبط، وبدأ حضارته في عُشر الثانية الأخيرة، أما الثورة الصناعية فلم تنطلق إلا منذ جزء بالمائة من الثانية الأخيرة من هذا اليوم الطويل . فإذا كان عمر البشرية برمتها لا يتجاوز ومضة سريعة تكاد لا تُذكر من عمر الحياة، فإن عمر الإنسان أقل من أن يدخل في الحسابات الكونية، ولكنه رغم ذلك طويل جدا بالنسبة لفرد لديه قدرة خارقة على البناء والتخريب.
إذن، نحن نتحدث عن أجزاء من الثانية مضت، وعن ثواني قادمة لا أحد يعلم مداها إلا الله سبحانه، فإذا عدنا للبدايات عندما كانت الأرض جثة هامدة، سننتظر حينها ملياري عام قبل أن نشهد بزوغ فجر الحياة الأولى، حيث كان عنصر الحياة الحالي الأهم ( الأكسجين ) عبارة عن سم زعاف يقضي على كل من يتعرض له، وكانت الأرض خرابا بلقعا تنعدم فيها مصادر الغذاء، فتوجهت أولى الكائنات النباتية نحو الشمس لتنتزع غذائها منها ( التمثيل الضوئي )، بيد أن الكائنات الأخرى اهتدت للتنفس عن طريق الأكسجين بعد أن تكيفت معه ، ذلك لأن للحياة إرادة لا تُقهر، ثم طرأ بعد ذلك على الكائنات الحية ثلاثة تطورات كبرى سيكون لها قول الفصل في بدء الحياة واستمرارها، وهي النظام المناعي الذي أمّن لها حماية من الأعداء الطبيعيين، ثم النظام الهرموني الذي من خلاله سيطرت على الإيقاعات البيولوجية الداخلية، وأخيرا النظام العصبي العضلي الذي أتاح لها حرية الحركة والتنقل ، وبمجرد أن نمت حول دماغ الإنسان قشرة خارجية حتى اهتدى للتفكير فامتلك الوعي والمعرفة، حينها اخترع الجنس ثم الحب ثم الحرب ضمن مرحلة تاريخية امتدت لأكثر من مليوني عام.
ولكن قصة التطور تلك لم تكن تمضي على نحو منتظم، فقد جرّبت الطبيعة آلاف الحلول في كل مرة، فنجح بعضها وخاب أكثرها، وكان الجنس بطل تلك المغامرة الذي بفضله انفجر التنوع، وانطلقت الكائنات في رحلتها الكونية لتنتهي بإعداد لا حصر لها، والبطل الثاني كان هو الموت، الذي كان يعيد تنظيم دورة الطبيعة لينتج من رحمه كل جديد. وإذا بدت لنا الحياة حاليا سلسلة من المتتاليات والتوافقات، فإننا لا نعرف ملايين السبل التي انتهت إلى الفشل، تماما كقصة الجندي الذي نجا من الحرب بأعجوبة فتمكن من سرد روايته، ولكننا لم نسمع عن قصص آلاف الجنود الذين قضوا نحبهم وماتت معهم حكاياتهم .
سيعترض حتما على هذا السرد كل من لم يؤمن بقانون التطور، بيد أن سؤالهم المشروع لا يحتاج الدخول في معترك الأيديولوجية، بقدر ما يحتاج فهم أبسط قواعد البيولوجيا، لأنها الوحيدة القادرة عل تفكيك السؤال وتقديم الإجابة، فقد تمكن علماء البيولوجيا ومنذ زمن ليس قصير من معرفة سر الحياة ولبنتها الأساسية، والتي تكمن في شيفرة الوراثة DNA، تلك التي ظلت جيناتها سببا في إنتاج التنوع، وللعلم فقط، إذا قام عالِم ما بتحليل جزيء DNA سيحلل 60 % منه قبل أن يعرف إذا ما كان يعود لإنسان أو لذبابة، فإذا كان لإنسان سيحتاج إلى تحليل 98 % منه قبل أن يتأكد أنه لا يعود لشامبانزي. رغم هذا التشابه الكبير في اللبنة الأساسية للكائنات، إلا أن الإنسان تفرد عنها بانتهازيته وذكائه، فهو الكائن الوحيد الذي يأكل كل شيء تقريبا، والأكثر قدرة على التكيف، الأمر الذي مكنه من بسط سلطانه ونفوذه على سائر المخلوقات.
في المراحل المبكرة من عمر البشرية كان عدد سكان الأرض يعادل سكان بلدة صغيرة، يقطن معظمهم ركنا قصيا في شرق إفريقيا، ولكنهم سرعان ما انتشروا واجتاحوا العالم، فبلغ عددهم قرابة المائة ألف قبل نحو مليوني عام من زمننا هذا، ثم صاروا أربعة ملايين قبل عشرة آلاف سنة ، ثم مائتي مليون في زمن المسيح ، ثم مليارا قبل مائتي عام، وقد تجاوزوا الآن المليار السادس .
ولمّا كان تطور الحياة الإنسانية نتاجا لضرورات التكيف البيئي فقد اقترن ذلك دوما بالمناخ وتوالي عصور الجليد والدفء، ولكن بعد أن هدأت الأرض واستقرت عوامل الحياة فيها، أُتيحت الفرصة للإنسان أن يدخل في طور الحضارة، هذا الأمر مكّن الإنسان من التحرر من سطوة الطبيعة بل وتسخير عناصرها لخدمته، ورغم ذلك ظل خاضعا لقوانين البيولوجيا وقوانين التأقلم والتكيف، والفارق الجوهري هذه المرة انه امتلك مفاتيح السيطرة والتغيير، بيد أنه وللأسف توصل للحرب بسرعة فائقة، كوسيلة للبقاء والسيطرة.
عند هذا المفترق المفصلي من تاريخ الإنسانية يبرز السؤال الكبير: هل ستواصل الطبيعة لعبتها ؟ وهل بمقدور البيولوجيا أن تستقريء واقع المجتمع الإنساني أو تستشرف مستقبله ؟! لا شك أن الإجابة على هذا السؤال الهام تحتاج دراسة مستفيضة، ولكن إذا ما فترضنا أن سفينة التطور ستمخر عباب المستقبل وتواصل رحلتها المجنونة نحو المجهول، فإن مسيرتها حتما ستكون بطيئة الخطى بيولوجيا، ولكنها فائقة السرعة تقنياً واجتماعياً وثقافياً، والسؤال الثاني وربما الأهم: إلى أين ستصل ؟!
العالم الفرنسي "هيوبرت ريفر" مدير معهد باستور، يجيب على هذا السؤال بيقين تام بأن التطور سيبقى على وتيرته، لكنه يرى أنه أصبح الآن تقنيا اجتماعيا بشكل خاص، حيث استلمت الثقافة والتكنولوجيا نوبتها في الحراسة، ويضيف قائلا بأن البشرية في طريقها لاختراع شكل جديد للحياة، هذا الشكل يقوم على الترابط العضوي الشديد ليس بين سائر بني البشر وحسب، بل وأيضا مع أشكال الحياة الأخرى على الكوكب، وهنا سيكون للإنترنت دور الجنين الذي نجهل كيف سيكون شكله بعد الولادة، وتواصُل الناس مع بعضها الذي قاربت سرعته سرعة الضوء سيكون بمثابة عامل الإستقلاب الذي يعيد إنتاج المواد، أما الاختراعات التي تتناسل من بعضها، فستكون هي المكافئ الطبيعي للطفرات الوراثية التي طالما تحكمت بصيرورة الحياة لملايين من السنين خلت.
وبهذا المعنى فإن الفارق الجوهري بين التطور الطبيعي الدارويني وبين التطور التقني، أن الأخير بمقدوره الانطلاق من المجرد واختراع أنواع لا حصر لها بقدر ما يريد وما يحتاج، بل وأيضا اختراع أشياء ليست موجودة اليوم ولم تخطر على بالنا قط، وربما يقود ذلك في نهاية المطاف للوصول إلى العالم التخيلي الافتراضي، ويستند "ريفر" في استنتاجاته هذه على قناعته بأن التطور الثقافي التقني يسلك نفس الدروب التي سلكها التطور الطبيعي من قبله، أو بنفس المنطق وبنفس الإيقاع .
والعالم الافتراضي المستقبلي هو ما نشهد بواكيره وإرهاصاته اليوم، من خلال أشكال عديدة للعوالم الافتراضية، كالإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو، وهي الآن بأشكالها البدائية، وتأخذ من يستخدمها ويعيشها إلى هناك، حيث ينسلخ عن واقعه تماما، ويعيش الحلم، أو الواقع الجديد لزمن معين، حتى لا يعود أحيانا بمقدوره التمييز بين عالمه الحقيقي وعالمه المُتَخَـَّيل! وأيهما أفضل ؟! ومن المتوقع أن يشهد المستقبل اتساع الهوة بين العالمين مع مزيد من تقنيات العالم الافتراضي الإلكتروني.
وما يدعم رأي "ريفر" إجراء مقاربة سريعة بين عصرين قريبين منا، فعندما دُشنت الثورة الصناعية كان اختراعها الأبرز هو الآلة البخارية، أما اليوم فإن هذا الاختراع قد احتل مقعده في متحف المقتنيات التاريخية، وحلت مكانه أدوات كانت لعهد قريب رجما بالغيب، فصارت الفضائيات عيوننا التي نبصر بها، والحاسوب هو ذاكرتنا الجمعية، والطائرات أقدامنا التي نسافر بها أرجاء العالم، الروبوتات التي لا يتجاوز ذكائها الآن ذكاء نملة قد تصبح غدا بديلا عنا، والمستقبل يخبئ في رحمه ما نعلم وما لا نعلم.
الهندسة الوراثية ستلعب دورا خطيرا، بل سيكون لها القول الحاسم في مستقبل البشرية، وهي الآن تثير جدلا في الأوساط الدينية والاجتماعية، وقد عبّر الكثيرون عن قلقهم من عدم وجود ضوابط أخلاقية وتشريعية في بعض البلدان تمنع التلاعب بآدمية الإنسان، وعبّروا عن مخاوفهم من الإمكانات اللامحدودة لهذه التقنية، التي لو أُطلق لها المجال، فستفعل العجب العجاب. وما استنساخ النعجة "دوللي" إلا مجرد بداية لما يمكن أن نشهده في المستقبل.
فقد عرفت الحضارة الإنسانية الهندسة الوراثية منذ عقود قليلة فقط، ولكنها خلال هذه الفترة الوجيزة قطعت أشواطا هائلة في هذا المجال، ولنا أن نتخيل ما بوسع هذا العلم أن يفعل بعد مائة ألف سنة مثلا ! ولكن ليس كل ما يمكننا تخيله قابل للتطبيق، فهناك قوانين للطبيعة والفيزياء لا يمكن تجاوزها.
فعلى سبيل المثال ذكر العالم الأميركي كريغ فنتر، في مؤتمر «بوردا ميديا» الذي عقد في ميونخ بألمانيا عام 2008، أنه يستطيع تصور إرسال البشر عبر البريد الإلكتروني، تماما كما تُرسل الرسائل ! وأضاف بإمكانية مكافحة تلوث البيئة بواسطة جراثيم مهندسة وراثيا. وأيضا إنقاذ الكائنات من الكوارث الطبيعية، وقد أعلن خلال المؤتمر عن بدء محاولاته إنتاج الكروموسومات الاصطناعية في المختبر .
ودافع "فنتر"، الذي عرض خريطة جسمه الوراثية على الإنترنت، عن الهندسة الوراثية، وقال إن خطرها على البشرية أقل من خطر تلوث البيئة والتحولات المناخية العاصفة .. وأضاف أنه يستطيع تصور إمكانية تعديل العالم كله وراثيا في المستقبل.
والمستقبل المثير الذي ينتظر الهندسة الوراثية، تنتظره أيضا هندسة "النانو"، والتي ما زالت في بداياتها وأمامها الكثير، حيث يمكن لتقنيات "النانو" المدهشة والمثيرة أن تفعل ما لم يكن ممكنا من قبل، وأن تحل من المشاكل ما استعصى على الحل.
عالم الأحفوريات "إيف كوبنـز" ومكتشف هيكل جدتنا "لوسي" يُذكّرنا قبل أن يجيب على سؤال مستقبل البشرية بأن عمر حداثتنا لا يساوي شيئا، إذا ما قارناه بثلاثة ملايين سنة هي عمر النوع الإنساني، وأن الإنسان قد وعى شروط عالميته قبل أقل من قرن فقط، وهو زمان لا يُقاس بالنسبة لتاريخ الحضارة، ويضيف "كوبنـز" في معرض إجابته على السؤال بأن الثقافة الإنسانية تتجانس أكثر فأكثر، والعالم يزداد شمولية ولكنه يصغر أمام ساكنيه، والإنسان الذي ما زال يراكم معرفته يتقدم بخطى حثيثة نحو معرفة أكبر ولكنها أكثر تعقيدا، وأنه يتبع طريق المادة والطبيعة في رحلة تطورها وصيرورتها، ويستشرف "كوبينـز" صورة للمستقبل تمتد إلى ما وراء الألف القادم وربما يجمح بخياله حتى ما بعد عشرة ملايين سنة من الآن، فيرى شكلا مختلفا للإنسان ولكنه بذكاء خارق .
اليقين الوحيد لدى العلماء وأبرزهم عالم الفيزياء الفلكية "هيوبرت ريفز" بأن الإنسان لن يبقى ضيفا على هذه الأرض لأكثر من أربعة مليارات سنة، باعتبار أن شمسنا الحبيبة قد أحرقت نصف هيدروجينها وتنتظر مصيرها كجثة نجمية أو كقزم أبيض، ولكن الحياة حتما قد تفنى قبل ذلك بكثير، علماء آخرون تنبؤوا بفناء الحياة على كوكبنا خلال القرن الحالي، وما بين الألف الثالثة التي نحيا في كنفها والمليارات الأربعة الأكثر تفاؤلا بونٌ شاسع. فالعلم وإن أطفأ بعضاً من ظمأ معرفتنا إلا أنه لا يملك اليقين، فالله وحده خالق هذا الكون هو وحده من يعلم نهايته، ولكن بصرف النظر عن مدة ضيافتنا على الأرض فإننا معنيون بالإجابة على كل التساؤلات التي تتهدد مصيرنا، أو تلك التي يمكن أن تقدم لنا شكل الحياة الأمثل .
يأمل العلماء أن تقدم تكنولوجيا الفضاء حلولا عملية للتهديدات التي تتربص بمستقبل البشرية، فبالرغم من حداثة هذا العلم، إلا أنه أتاح للإنسان أن يغادر كوكب الأرض لأول مرة في تاريخه، فبعد أن خطى "أرمسترونغ" خطوته الصغيرة على سطح القمر، فتح الآفاق لخطوات أخرى عظيمة للبشرية، لأن تصل إلى أماكن أبعد بكثير من القمر، ويقدر العلماء أنه بعد ثلاثين مليون سنة – وهي فترة قصيرة جدا بالمعايير الفلكية – أن يتمكن الجنس البشري من استعمار كواكب عديدة من مجرة درب التبانة .
ويتخيل العلماء حلا معقولا للتغلب على المشكلات اللوجستية والاجتماعية في نقل أعداد غفيرة من البشر على متن سفن الفضاء المستقبلية، وذلك بإرسال ملايين البيوض البشرية المخصبة المجمدة، بحيث يتم احتضان هذه البيوض بعد وصولها للكوكب المأمول، لتنشر الحياة فيه . أو لتوزع الإنسان على نطاق المجرة.
يمكن لنا أن نتصور انقراض البشر واختفائهم عن مسرح الحياة لسبب ما، قد يكون بفعل جنون الطبيعة، أو بفعل جنون البشر، كحرب نووية مثلا، ولكن العلماء يؤكدون أن الحشرات لن تختفي أبدا، لأنها تمتلك آليات مقاومة يفتقر لها الإنسان، حينها سترث العقارب الأرض، وربما تستطيع تطوير ذكائها حتى تتمكن من كتابة قصيدة رثاء لمن كان يسكن الأرض في يوم ما، هذا السيناريو السريالي له أسبابه ومقدماته، فالإنسان اعتاد على الحروب والتدمير، ولا أحد يضمن أن عشرة مليارات إنسان سيشكلون سكان الأرض بعد عدة عقود فقط سيتعايشون معا بسلم وأمان، أو أنهم لن يدمروا نظام الطبيعة.
فإذا كان هذا الرقم يبدو لنا الآن ضخما، فإنه سيبدو ضئيلا بعد آلاف أو ملايين السنين، فالمليارات العشرة من البشر الذين ستضيق الأرض بهم، سيكونون كما لو أنهم يسكنون قصرا مقارنة بالزنزانة التي تنتظر مائة مليار إنسان، سيشكلون سكان الأرض في يوم ما في المستقبل، وليس هناك ما يطمئن أو يؤكد بأن الكوكب سيتّسع لهم. طالما أن الانفجار السكاني يسير بمتوالية هندسية – كما قال مالتوس – ومع استمرار استنـزاف الإنسان لموارد الأرض، وتواصل تعدّياته على البيئة، ونقصان المساحات الصالحة للزراعة، وشح موارد المياه، فإن المستقبل سيبدو مرعبا، وسيكون العالم بلا رحمة، ولا مكان فيه للضعفاء، ولكن الضعفاء هم دائما الأغلبية الساحقة، لذا قد تصبح حروب البشر حينها ضرورة بيئية، ولكنها ستكون شديدة التدمير، وستكون ضحاياها بالميارات، وربما عشرات المليارات.
اخترع الإنسان في القرن العشرين أسلوبين للتدمير الذاتي، هما: السلاح النووي، والاعتداء على البيئة، وهو ماضٍ في هذا الطريق بكل جنون، ليطبق عن غير قصد مقولة أن الطبيعة تولّد التعقيد والتعقيد يولد الفعالية والفعالية تدمر التعقيد، والإنسان سيصل أخيرا في مغامرته أقصى حدود التعقيد، وسيكون كمن دفع بالصخرة إلى أعلى الجبل ثم تركها تتدحرج وتحطم كل ما في طريقها، وهو بهذا المعنى لا يغدو عن كونه كائنا متطفلا على البيئة، وقد أدى تطفله هذا إلى هلاكه، فهو يستنـزف موارد الطاقة ويخلف وراءه أطنانا من النفايات، فضلاً عن أعمال التخريب المتعمد .
هذه الصورة القاتمة لمصير الإنسان، يقابلها صورة مشرقة مضيئة، ولكن تشكّلها يتطلب أن يعي الإنسان دوره في الطبيعة، وأن يحترمها، وأن يسيطر على انفجاراته السكانية، وأن يرتقي بأخلاقه وسلوكه إلى مستوى المسؤولية، فيتخلى عن عقيدة القتل والحروب، وأن تكف الشعوب عن استغلال بعضها، وأن يوظف ذكاءه لتحقيق رفاهيته ومواجهة التحديات العديدة التي تضع مصيره على المحك، وأن يتعايش بني البشر بمحبة وسلام، وأن يشكروا خالقهم عز وجل على نعمة الأرض ونعمة الحياة، وإلا كان ذكاؤهم هو بالفعل "هدية الطبيعة المسمومة" .
وهذا هو اختبار الإنسان على الأرض، وجوهر رسالته.

المصادر:
هيوبرت ريفرز،جويل دو، دومينيك سيمونيه، غيف كوينز، أجمل تاريخ للكون، ترجمة موسى خوري، ط1، 1998، أكاديميا أنترناشيونال، بيروت، ص 47.

هويمارفون ديتفورت، تاريخ النشوء، ترجمة محمود كبيبو، ط2، 2003، دار الحوار للنشر، دمشق.
سعيد جميل، الطبيعة هي التي خلقت الإنسان، الحوار المتمدن، - العدد: 2508 - 2008 / 12 / 27 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=157676
إسحق عظيموف، قصة نشوء الإنسان، ترجمة ظريف عبد الله، المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة ،ط1، 2001، ص 93.
ماجد الخطيب، عالم أمريكي يتصور مستقبل الهندسة الوراثية، جريدة الشرق الأوسط، 23 يناير 2008 العدد 10648.
بول ديفنر، الدقائق الثلاث الأخيرة، منشورات دار علاء الدين، ترجمة أحمد رمو، ط2، 2004، دمشق.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,204,485
- أشكال الحياة المتاحة
- في البحث عن جدوى للحياة
- هذا العالم المجنون
- هل دخلت البشرية طور الحضارة ؟!
- ظهور الإنسان
- ما لم يقُلْه دارون
- انفجار الحياة
- أينشتاين على الخط - النظرية النسبية في فهم نظام الكون
- كيف نفهم نظام الكون ؟
- ديمقراطيات استبدادية
- لماذا لا ينتحر الرؤساء العرب ؟!
- دبي .. صورة قريبة لمستقبل بعيد
- المغرب .. البوليساريو .. وأزمات أخرى لم تحل
- السودان الجنوبي مؤامرة خارجية أم استحقاق داخلي
- السياسة الروسية في الشرق الأوسط
- الثورات العربية بين الإرادة الشعبية ونظرية الفوضى الخلاقة
- عصر الثورات العربية الأسباب والتداعيات
- الولاء والبراء والتتريس - في الفكر التكفيري
- التكفير وحرية التفكير
- المنهج التكفيري عند الإسلاميين


المزيد.....




- انستغرام يحظر مؤثرات تعديل الصور المروجة لـ -جراحات التجميل- ...
- من بينها قناة الجزيرة.. أمازون تطلق خدمة تجمع القنوات الإخبا ...
- في بحثها عن المواهب التقنية.. تويوتا تتعاقد مع أور كرود الإس ...
- عبدالعال : زويل قامة علمية ووطنية..ولم نحذف اسمه من مدينة ال ...
- روسيا تبني مركبة فضائية خاصة للسياح
- شاكيل أونيل يواجه الانتقادات بسبب أجراس أمازون
- 15 معلومة عن -ميغ 31- الروسية… تسقط الأقمار الصناعية وترعب ا ...
- حق الرد :الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي رداً على ما ...
- 7 حقائق حول مرض السكري قد تفاجئك
- النمل يفرز أدوية لعلاج نفسه والنباتات


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عبد الغني سلامه - مستقبل الإنسانية