أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الغني سلامه - التكفير وحرية التفكير















المزيد.....



التكفير وحرية التفكير


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 3322 - 2011 / 3 / 31 - 13:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تتسع القاعدة التي يرتكز عليها فقهاء التكفير وتضيق تبعا لاجتهادهم ورؤاهم، وأحيانا تكون في منتهى الوضوح والتبسيط ثم ما تلبث أن يكتنفها الغموض، وأحيانا تكون محددة ثم تصير فضفاضة عامة تحتمل التأويل، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الأسس التي يعتمدها فقهاء التكفير ؟ ومن أعطاهم الحق بإطلاق الأحكام وتصنيف الناس ومنحهم شهادة الإسلام أو نزعهم إياها ؟
يورد بعض الفقهاء قاعدة عامة للتكفير مفادها أنه لا يجوز تكفير المسلم طالما أنه ينطق بالشهادتين ولم يستحل المعصية ولم ينكر معروفا من الدين، ولكن ما معنى استحلال المعصية ؟ وما هي المعصية أساساً ؟ فمثلا الخوارج قالت بتكفير مرتكب المعصية، والمرجئة قالوا أنه ما لم يعلن المرء إنكاره للدين وحتى لو ارتكب معصية فإنه يبقى مسلما وحسابه عند الله، بينما قالت المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، بمعنى أن مرتكب المعصية لا يخرج من دار الإسلام ولكنه آثمٌ قلبه وقد يُصنف ضمن مرتبة الفاسق أحيانا، أما في تعريف المعصية فإن الفارق واسع والبون شاسع يتسع لاجتهادات الفقهاء على اختلاف مشاربهم الفكرية، فقد يرتكب المسلم المعصية زاعما أنها ليست معصية، وقد يرتكبها ويدمن عليها ثم يتوب عنها أو يسعى لذلك، فالمسألة نسبية تحتمل الاختلاف، فما يحلله أبو حنيفة يحرمه ابن تيمية وما يستحله ابن رشد يكفره ابن قيم الجوزية، والمشكلة ستبدو أعقد عند الحديث عن الخلافات الفقهية بين تيارات الإسلام السياسي اليوم، فما يجيزه الإخوان كالانتخابات مثلا يحرمه حزب التحرير، وما يجيزه وعاظ السلاطين كاستقدام القوات الأمريكية مثلا يجرمه فقهاء المعارضة، وما تعتبره وزارات الأوقاف عاديا كالزجل الشعبي تعتبره أحزاب المعارضة فسقا ومجونا، وما تمنعه هيئة الأمر بالمعروف السعودية يسمح به الأزهر، وما يعتبره حزب الله مباحا تعتبره جماعة التوحيد حراما، وما يمارسه حزب الدعوة العراقي يعتبره الحزب الإسلامي خيانة، وما توافق عليه معظم التيارات الإسلامية في الوطن العربي يرفضه تنظيم القاعدة ويعده في نطاق الموبقات، ناهيك عن التناقضات داخل التيار الواحد أو التطورات الدراماتيكية في فهمها للمحرم، كما فعلت حماس بشأن المشاركة في السلطة، وتبرز المشكلة أيضاً عند تحديد ما هو معروف من الدين، أو ما يسمونه الفقهاء أصول الدين والعقيدة، فأصول الدين عند السنة تختلف في بعض جوانبها عنها عند الشيعة، وما يعتبره الإباضية من الإسلام تعتبره الوهابية من الكفر، وما تعتبره الوهابية توحيد للأسماء والصفات يعتبره مناوئيهم تجسيما وشركا بالله، وما تفتخر به المعتزلة يعتبره الغزالي تهافتا، وما يقتنع به المتكلمون يستنكره السلفيون، وما تمارسه الصوفية تستهجنه الوهابية .. الخ
يقول الأديب المصري علاء الأسواني في هذا الموضوع إن المعلوم بالدين بالضرورة لفظ غائم غير محدد .. من الممكن أن يشمل أشياء كثيرة صحيحة أو مغلوطة، وقد تم استعمال هذه التهمة بالذات لتكفير مفكرين وأدباء كثيرين في السنوات الأخيرة .. ويضيف الأسواني أنه إذا كانت شروط التكفير هذه ستنطبق على الأدباء العرب في كل العصور فإنها ستُخْرج معظمهم من ملة الإسلام، مثل كبار شعراء العربية الذين تغنوا بحب الخمر، وكذلك الشاعر العظيم أبى نواس الذي دعا في بعض أشعاره إلى الزنا والغلمان، وكذلك الشاعر الكبير أمل دنقل الذي بدأ إحدى قصائده بتمجيد الشيطان، والجاحظ الذي يعد أعظم كاتب في تاريخ الأدب العربي، الذي كتب رسالة كاملة عن المفاخرة بين أصحاب الغلمان وأصحاب الجواري، واستعرض فيها منطق الشواذ جنسيا في تفضيلهم الغلمان على النساء، وبالمثل أبى حيان التوحيدي وابن حزم وابن عبد ربه وغيرهم من أعلام الأدب العربي، وكلهم تحدثوا عن المعاصي حديث من يستمتع بها ويدعو إليها ؟ ويتساءل الأسواني في مقالته عن مصير هؤلاء، هل نعتبرهم كفارا ونمنع أعمالهم من التداول ونحرق كتبهم ..؟
ولو طبقنا قواعد التكفير على هؤلاء وغيرهم لأصبحت أعمالهم منكرا لما هو معلوم بالدين بالضرورة، وبالتالي سنكّفرهم ونبيح دمهم ونفرقهم عن زوجاتهم وأبناءهم ونقذفهم بأبشع التهم، كما حصل مع العديد من المفكرين والشعراء والفلاسفة الذين حُرقت مؤلفاتهم كإخوان الصفا والمعتزلة، أو الذين قُتلوا وصُلبوا وطُردوا من الأرض بتهمة الزندقة والهرطقة والكفر مثل جعد بن درهم وابن المقفع وبشار بن بُرد وابن رشد والطبري والرازي والحلاج قديما، ومع سلمان رشدي وصادق جلال العظم وعلي الدشتي وعلي عبد الرازق ونصر أبو زيد ونجيب محفوظ وطه حسين حديثا، ومن قبلهم فرج فودة وحسين مروة ومحمود طه الذين دفعوا حياتهم ثمنا لمواقف فكرية وآراء نظرية ....
ويختتم الأسواني قائلا إن هذا المنطق المتشدد هو أبعد ما يكون عن قراءة الأدب ! فالأدب يلتقي مع الدين في الأهداف العامة، لكن تفاصيل الأدب لا يجب أبدا أن نطبق عليها قواعد الدين .. فالأدب والدين يلتقيان في الدعوة إلى المبادئ الإنسانية كالحق والخير والجمال، وهما يدافعان عن العدل والحرية وكرامة الإنسان، لكنهما يسلكان إلى ذلك طريقين مختلفين تماما ..
أما "أدونيس" فيدلي بدلوه في هذا المجال في كتابه الأخير قائلاً: "الشعر والحقيقة الشعرية يتناقضان كليا مع الحقيقة الدينية، فالحقيقة في الشعر غير ثابتة وغير واضحة وغير نهائية، لأن الشعر سؤال واستشراف وتشكيك، والدين جواب وتقرير وتعليم" .
ولا شك أن التباعد الذي حصل بين الدين في روحه ومضامينه الإبداعية وبين تجليات هذا الدين في ممارسات وفتاوى الفقهاء المنغلقة قد أدت في النهاية إلى ما يشبه القطيعة بين الدين من جهة والإبداع من جهة أخرى، وبروز هذا المنهج التكفيري في التراث الإسلامي، والسبب في ذلك يعود إلى التحول الدراماتيكي في فهم الإسلام بعد وفاة الرسول (ص)، إذ أن الرسول (ص) كان يسعى لتشجيع الإجتهاد وجعله قاعدة الإسلام الأساسية، بحيث يكون كأي اجتهاد بشري لا يتمتع بصفة الإطلاقية والثبات ولا يكون هذا الاجتهاد إلزاميا، ولكن بعد وفاته (ص) مباشرة تم التحول بفهم الدين بوصفه تجربة روحية حية ونظام حياة مرن ومتحرك إلى نظام كهنوت وفقه جامد، ثم تم الإنتقال بسياسة الدولة من سياسة الرسول الذي كان يجمع بين السلطة الزمانية والمكانية بصفته نبي ورسول إلى سياسة الخليفة الذي صار يتقمص نفس الصفات، وقد صار الانتقال بالدولة لا بقوة الدين وحده بل بقوة القبيلة، حيث تمكنت "قريش" من إقصاء القبائل الأخرى وأولهم الأنصار، وهكذا بدأ الدين يتحول إلى وسيلة سياسية حولته بدورها إلى مجرد فقه وتشريع ، وبالتالي تقلص عالمه الروحي الفكري إلى درجة صار يعتبر فيها الفقهاء كل إبداع بدعة تودي إلى الضلالة، وفي كل حرية فكر تهافت يودي إلى الكفر.
اليوم تفتقت عبقرية فقهاء الإسلام السياسي عن ابتكار مصطلح أسلمة كل شيء: أسلمة المجتمع، أسلمة الفنون والعلوم والآداب ... وهذا مجرد إسقاط فكري سياسي على واقع متخيل، يهدف إلى بث أيديولوجيا حزبية محددة وإعادة تعريف مفاهيم إنسانية عامة من منطلقات سياسية أضيق، ولكن بمحددات سياسية معينة مغلفة بالدين ومحمية بنصوص مقدسة.
إن كل ما ينتجه العالم اليوم من أدب وفن ومن تقدم علمي تكنولوجي ومن تطور في أساليب الحياة ومفاهيم حقوق الإنسان والعلاقات الإنسانية بين الشعوب والعلاقات بين الدول والمواثيق الدولية ... هو حصيلة التجربة الإنسانية العامة وليس لأحد أن يدعيها لنفسه، ورغم أن الإسلام كان له إسهام واضح ومهم في إنضاج التجربة الإنسانية، إلا أن هذا الإسهام مجرد حلقة من سلسلة تتكامل فيها تجارب الشعوب وتفاعل الحضارات على مر التاريخ، ومن هنا فإن عملية إلباس العلوم والفنون ثوبا إسلاميا ستكون مجرد عمل سياسي يفصح عن نوايا سياسية معينة، وهو منهج يتناقض مع المنطق.
فحتى لو التقت الغايات العامة للتجربة الإنسانية بكل مكوناتها مع غايات الإسلام من حيث سعيهما إلى النور وهداية الإنسان إلى الحق والصواب والعدالة الاجتماعية واحترام الإنسان، وإنكارهما للباطل والظلم والفواحش، إلا أن أسلوب وآليات عمل كل منهما تختلف عن الأخرى أيما اختلاف، فالأدب ينشىء تجربة خيالية محلقة يسعى إلى إقناع الناس بأنها حقيقية، ولا يمكن له أن يبدع في ذلك إلا إذا تحرر من كل القيود والتابو والمحرمات ووجه ضرباته للأعراف السائدة، ولكن على أن يكون هذا الفن جميلا محملا بطاقة فنية وإنسانية رفيعة، والعلم لم يمكن له أن يصل ما وصل إليه اليوم إلا بعد أن تخلص من سطوة الكهنوت ولن يصل مداه إلا إذا أزال المقدس من طريقه، والأدب لا يرتقي في بيئة تتسم بالتشدد والانغلاق ويحكمها عقلية النص المقدس، والإبداع لا يكون مع مقص الرقيب الذي يمارس رقابته بعقلية القيِّم، والمستقبَل لن نصل إليه ونحن مشدودين للماضي ومربوطين بأوتاد التاريخ، وهذا هو جوهر الخلاف مع مشروع الإسلام السياسي المثقل بالمثيولوجيا والتابو والذي يحيط كل شيء بهالة من القداسة تمنع رؤيته، والذي تديره عقلية متزمتة تحرم أي شيء ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
هذا الطرح سيوصلنا إلى فهم حقيقة التصادم الحاصل اليوم بين تجربتين ومنهجين: التجربة الإنسانية الديمقراطية في مواجهة القمع والتسلط، تجربة الثقافة الوطنية الشعبية في مواجهة القوى الطائفية، تجربة التسامح والتعددية والحوار والتعايش بين بني البشر في مواجهة التشدد السلفي والتعصب الفكري المتخلف، تجربة الدولة المدنية في مواجهة الدولة الثيوقراطية، أي معركة الحرية ضد الاستبداد ومعركة الإنسان ضد الجهل التكفير ..
وبين الفكر السلفي الماضوي المتخلف والقمع والديكتاتورية ارتباط قوي على أقوى ما يكون الارتباط، فالفكر المتزمت المتشدد يوفر الأرضية الملائمة لقوى القمع والاستبداد، فهو يدعو إلى طاعة الحاكم المسلم ويحّرم الخروج عليه مهما ارتكب من ظلم ومهما ظهر فيه الفساد، والقمع السلطوي ينشىء عقلية مستلبة منغلقة عدوانية تميل إلى التحريم والتكفير، والفكر السلفي يركز على القشور والشكليات التي لا تؤثر على السلطة ولا تتدخل في السياسة وغير قادرة على مواجهة الظلم، والسلطة القمعية تشجع هذا النوع من الممارسة الدينية لأنها تضمن لها الاستمرارية بدون منغصات، بل ويمكن توظيفها لإكساب السلطة شيئاً من القداسة الدينية ..
في مستهل القرن العشرين كان الكاتب يقول كل شيء والفنان يقدم كل ما عنده دون خوف ، وكان المجتمع يتقبل ذلك بروح رحبة وصدر واسع، اليوم ومع تعاظم قوة تيارات التكفير صار الفن ابتذالا، والأدب تجرؤ على المقدس، والإبداع ضلالة، والعلوم شرك بالله، والجمال فضح للعورات، أي صار كل شيء محرما .. صالونات التجميل، مقاهي الإنترنت، دور السينما، التراث الشعبي، استعمال المرحاض في جامعة أسوان، صناعة الثلج في حواري بغداد !!! وفي هذا المضمار يقول علاء الأسواني: "لم نكن عندئذ أقل إسلاما مما نحن الآن .. لكننا كنا أكثر تمسكا بروح الإسلام الحقيقية وأقل حرصا على مظاهره، ولذلك إستطاعت مصر على مدى قرن كامل، بالرغم من الاحتلال البريطاني، أن تكون رائدة العالم العربي في الفكر والأدب والموسيقى والسينما والمسرح، أما الآن فإننا نضطر إلى مناقشة أستاذ في كلية الآداب حول القواعد التي تبيح له تكفير الآخرين "، والمشكلة لا تنتهي عند التحريم، بل تبدأ من هناك، فالتحريم يقود للتكفير والتكفير يستوجب القتل.
التكفير في فكر الأصولية المعاصرة
يقول الأب النظري للخطاب الأخواني محمد رشيد رضا ( 1865 ~ 1935 ): " يجب أن تخضع كل أمور الدولة المسلمة إلى دستور مستمد من القرآن والحديث وأفعال الخلفاء الراشدين" أي أن رضا يرفض أي حياة خارج هذه الدائرة ويرفض كل الممارسات التي من السهل عليه تصنيفها على أنها منافية لدستور الإسلام، والمشكلة تكمن في المستجدات التي حدثت بعد اكتمال نزول القرآن وبعد وفاة النبي  ونهاية فترة الخلافة الراشدة، ناهيك عن المنازعات والأحداث التي وقعت خلال تلك الفترة وكانت سببا في إشعال ثلاثة حروب داخلية، وهذه المستجدات والمفاهيم الخلافية تشمل معظم مرافق الحياة المدنية في العصر الحديث، وهذه المعضلة تجد طريقها للحل لو كان باب الاجتهاد مفتوحا، ولو أن سدنة وفقهاء الدين لا يحتكرون النص وتفسيره ويحرمون على الآخرين الاقتراب منه، فالإجتهاد الحقيقي الذي يقترن بالإبداع لم يكن معطلا منذ أن حاول سليمان القانوني أن يجمع كل الآراء الفقهية بين دفتي كتاب جامع مانع لا يبقِ للآخرين شيئا يبحثون فيه، بل هو معطَّل منذ أن أُوكل التفكير لعدد من الفقهاء واقتصر الأمر عليهم وصاروا يفكرون نيابة عن الناس، وما زال أثرهم باقيا ومهيمنا حتى اليوم.
أما حسن البنا ( 1906 ~ 1949 ) مؤسس جماعة الاخوان المسلمين فيقول: "نحن حربٌ على كل زعيم أو رئيس أو حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير على طريق استعادة حكم الإسلام ومجده، وسنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين" ، أي أن البنا يضع نفسه وجماعته في حالة حرب دائمة مع كل من لا يسير على نهجه سواء كان فردا أم مؤسسة أم نظام، ونهجه هذا هو ما يراه وما يقتنع فيه دون أن يترك أي فسحة لرأي مخالف أو وجهة نظر مضادة، لأنها مباشرة ستدخل في نطاق من لا يسير على هدي الإسلام، وستكون في الخندق المضاد.
أما سيد قطب المؤدلج الأساسي للخطاب الأصولي المتشدد ( 1906 ~ 1966 ) فيقول: "الله، وليس الإنسان هو الذي يحكم، الله هو مصدر كل السلطة بما فيها السلطة السياسية .. والفضيلة، وليست الحرية هي أقيم المُثل الإنسانية، ولذا يجب أن يكون قانون الله وليس قانون الإنسان الوضعي هو الذي يحكم أي مجتمع" ، فسيد قطب هنا يعتبر أن أي اجتهاد بشري مهما كانت درجة إبداعه هو اجتهاد قاصر، لأن البشر في نظره قاصرين وغير مؤهلين لحكم أنفسهم ولا لإصدار أي تشريع أو سن قانون، لأن هذا من اختصاص الله سبحانه دون غيره، وبناء عليه ستكون كل الدساتير والأنظمة التي يتبعها البشر في أنحاء المعمورة باطلة وضالة وكافرة ومن يتبعها ضال وجاهل، وقد أعلن قطب عن ذلك صراحة حين أطلق وصف "جاهلية القرن العشرين"، وقد وضع الحرية والفضيلة في جهتين متضادتين وقدم الفضيلة على الحرية، لأن الفضيلة عنده هي القيم التي يؤمن بها والأيديولوجيا التي يسعى لترسيخها، أما الحرية فهي حرية الفكر التي ستنقد هذه الأيديولوجيا وقد تقوّض بناءها.
أما الداعية الإخواني فتحي يكَن فيقول: "إن المنهج الإسلامي هو رباني مما يجعل له القوامة على سائر المناهج الوضعية، فهو المنهج الأوحد الملائم لاحتياجات الفطرة والتنسيق بين متطلبات الإنسان النفسية والحسية " أي أن يَكَن يعتبر أن نهج الإخوان هو النهج الإلهي الصحيح، وعلى كافة التيارات والمذاهب الفكرية والحركية الأخرى أن تتخلى عن عقائدها وأن تصحح أوضاعها وتقتدي بالإخوان وتحذو حذوهم أو أن تنخرط في صفوفهم أو تقبل بقيادتهم، لأن ما دونهم هو الباطل الذي يتوجب محاربته.
فالحركات الأصولية تطلب من أتباعها أن يكفروا بكل المناهج الوضعية، وأن يسلموا بفشل النظم الرأسمالية والإشتراكية والديموقراطية والعلمانية بسبب زمنيتها ومحدوديتها وطبيعتها البشرية وقصورها على كافة الصعد الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، مما يعني فتح النار على كل هذه النظم والأفكار والتيارات، وبالتالي الإكتفاء بالبديل الوحيد "الرباني" والذي هو بالطبع نهج الحركات الأصولية.
وفي هذا الصدد يبين الباحث صلاح عبد العاطي أسلوب الحركات الأصولية في تربية عناصرها فيقول: "وتشترط الحركات الأصولية الإسلامية واجبات على المنتمي لها، وقد حددتها رسائل حسن البنا، ومن ضمنها أن يعمل العضو على إحياء العادات الإسلامية وإماتة العادات الاجتماعية في كل مظاهر الحياة وأن يقاطع المحاكم المدنية وكل قضاء غير إسلامي والأندية والصحف والمدارس والهيئات التي تناهض الفكرة الإسلامية" ، إذن، فتعاليم الحركات الإسلامية التي دعى لها البنا تقتضي على مناصريها القطيعة الكاملة مع كل مكونات المجتمع من قضاء ومحاكم وصحافة ومدارس وأحزاب ... والنظر إليها نظرة عدائية، والبديل الجاهز هو تبني شعارات الحاكمية لله، تطبيق الشريعة، الإستخلاف في الأرض، هجرة المجتمع الجاهلي، إقامة الدولة الإسلامية ... بمعنى أن أيديولوجيا الحركات الإسلامية تحدد صورة الذات والآخر استنادا إلى هذه المفاهيم والأفكار، وتصنف المجتمع على مسطرتها، وبما أن الآخر لا يتبنى هذه الأفكار فهو كافر أو على وشك الكفر، وبالتالي فعلى الحركات الإسلامية أن تفرض على الآخرين ما تراه وفقا لأحكامها.
وحقيقةً، فإن هذه القاعدة لا تنطبق حرفيا على كل الحركات الإسلامية، فالإخوان المسلمين – كبرى الحركات الإسلامية – لديهم قدر كافي من المرونة بحيث يجعلهم مهيئين للتعايش مع منظمات وحركات يسارية وعلمانية ومع أنظمة ليبرالية لا تطبق الشريعة الإسلامية، ومع أن هذا التعايش مع تلك النظم لا يعني القبول بأفكارها أو التسليم بمبادئها، ولكن الأمر يبدو أكثر وضوحا وعلى قدر أعلى من الصرامة والحدية مع حركات أصولية أخرى كالجماعات الجهادية وجماعات التكفير والقاعدة، التي تعتبر أن كل من هو خارجها كافر يتوجب محاربته.

منهج التكفير عند السلفية والوهابية

الحلف الذي تم بين الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير بن سعود، والذي قامت على أساسه دولة آل سعود فيما بعد، كان حلفا سياسيا بامتياز التقت فيه المصالح المادية للطرفين، فالإمام كان مطرودا من منطقته في الإحساء ومهدورا دمه ويبحث عن الحماية والإيواء، فيما كان الأمير منهمكا في مشروعه التوسعي وبسط نفوذه على القبائل وبحاجة إلى مسوّغ شرعي لتصفية خصومه، وبهذا الاتفاق يمكن لنا تصنيف حركة الإخوان التي تشربت الوهابية ضمن الحركات السياسية الدينية التي ظهرت في وقت مبكر من القرن العشرين، فبعد نزع ما أحاطته حول نفسها من قداسة دينية تظهر الوهابية على حقيقتها كجماعة سياسية تستخدم الدين للوصول للسلطة، دون أن يكون ذلك استهانة بجهودها في الدعوة إلى نقاء العقيدة والتوحيد، ولعل نظرة سريعة على أهم بنود التحالف يكشف منهج التفكير والمسوغات في تحليل قضية التكفير والقتل في الفكر الوهابي ، فقد ورد في ديباجة الاتفاق بين الإمام والملك عبارات من نوع : " الدم بالدم .. الهدم بالهدم .. يفتح لك الفتوحات .. فيعوضك من الغنائم .. إلخ "، والسؤال هو: أين ستكون هذه الفتوحات ؟ ومن أين ستؤخذ تلك الغنائم ؟ ودم من الذي سيُهدر ؟ وغنائم من ؟! طالما أن جُل سكان الجزيرة العربية هم من المسلمين !
من أجل هذا اتخذ الوهابيون التكفير منهجا لإقصاء خصومهم وتبرير احتلال أراضيهم، كما اتخذوا من ابن تيمية نموذجا وقدوة، وحيث اعتبر ابن تيمية أن ولاية المتغلب والقتال تحت رايته وسحق مخالفيه أمر مقبول شرعا وعقلا وعرفا، لأنه حسب ابن تيمية يُعتبر الواقي من بعبع الفتنة، وقد قال في هذا الشأن (سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم) ، فقد جاء من بعد ابن تيمية الوهابيون واتبعوا منطقه في ولاية المتغلب، والولاء للسلطة، ومن الجدير بالذكر أن مسلسل التشدد والتزمت الذي افتتحه ابن حنبل ورسخه ابن تيمية وأضاف عليه، ثم تلقفه تلميذه ابن قيم الجوزية، ثم زاد عليه ابن عبد الوهاب في القرن التاسع عشر، قد تواصل إلى يومنا هذا حتى صار بمثابة القاعدة الأيديولوجية للجماعات الأصولية على يد أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وأخيرا أيمن الظواهري.
ويعلق الباحث عبد الحكيم الفيتوري عن منهج التكفير الوهابي مستعرضا إجابة أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين سُئِلوا عن حكم من سمع بدعوتكم ولم يجب، هل داره دار كفر وحرب على العموم ؟ فأجابوا: وأما من بلغته دعوتنا إلى توحيد الله، والعمل بفرائض الله وأبى أن يدخل في ذلك، وأقام على الشرك بالله وترك فرائض الإسلام فهذا نُكفّره ونقاتله، ونشن عليه الغارة " ولم تكن هذه فتوى عابرة بل من أصول فكرهم، ويتساءل الفيتوري عن مدى شرعية منهج الدم والهدم والغنائم والتكفير والغارات ... ويقول ألا يكشف هذا التساؤل المشروع حقيقة فكر الحركة الوهابية ! هل هو فكر تجديد أم فكر تقليدي حنبلي ؟ وهل هي حركة دينية أم سياسية وظفت الديني ؟ ولماذا أضفي ثوب القداسة على علمائها ومصنفاتها ؟
يقول الشيخ الألباني وهو تلميذ نجيب في المدرسة الوهابية في معرض حديثه عن قواعد التكفير: "الأمر واضح جداً عند أهــل العـلم فلـم يقتصر قوله عز وجـل :  وَمَـن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى .. نُوَلِهِ مَاتَوَلَّى  لم يقل هكذا، إنما أضاف إلى مشاققة الرسول، إتباع غير سبيل المؤمنين، فقال عز وجل:  وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً ، إذاً إتباع غير سبيل المؤمنين وعدم إتباع سبيل المؤمنين أمرٌ حاسم بالنسبة للألباني، "فمن اتبع سبيل المؤمنين فهو الناجي عند رب العالمين، ومن خالف سبيل المؤمنين فحسبه جهنم وبئس المصير"، وطبعا جهنم هي مثوى الكافرين، ويضيف الألباني: " من هنا ضلت طوائف كثيرة، قديماً وحديثاً، حيث إنهم لم يلتزموا سبيل المؤمنين، وإنما ركبوا عقولهم، بل اتبعوا أهوائهم في تفسير الكتاب والسنة، ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة، من ذلك: الخروج عما كان عليه سلفنا الصالح" .
ونلاحظ هنا أن الألباني قد اعتبر أن كل خروج عن الالتزام بسبيل المؤمنين هو ضلال وبالتالي هو خروج عن الدين، بل أنه استهجن استخدام العقل وعبر عنه بمصطلح "ركبوا عقولهم" كما لو أن استخدام العقل جريمة ! ويصل الألباني مداه في استنكاره استخدام العقل حين يصف الاجتهاد في تفسير الكتاب والسنة إتباعاً للأهواء ! ويعتبر أن ذلك يؤدي إلى الخروج عما كان عليه السلف الصالح، ويبقى السؤال مشرعا: ما هي سبيل المؤمنين التي لا يجوز الخروج عنها، بل أن كل من يخرج عنها حسب الألباني جزاؤه جهنم وبئس المصير ؟
الإجابة على هذا السؤال حسب الألباني نجدها في استكمال شرحه للآية الكريمة السابقة مستشهدا على ذلك بحديث منسوب للنبي، والآية الكريمة:  وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ  ويتحدث هنا عن جماعات من المسلمين ومنهم جماعات التكفير قائلا:" هؤلاء قد يكونون في قرارة نفوسهم صالحين، وقد يكونون أيضاً مخلصين، ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله عز وجل من الناجين المفلحين، لابد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين: بين الإخلاص في النية لله وبين حسن الإتباع لما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام ."
فلا يكفي عند الألباني أن يكون المسلم مخلصاً وجاداً فيما هو بصدده من العمل بالكتاب والسنة والدعوة إليهما، بل لا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون منهجه منهجاً سوياً سليماً، ونفس السؤال يتكرر: ما هو المنهج السوي السليم الذي يضمن عدم خروجه من الإسلام ؟
أما الحديث المنسوب للنبي  الذي يستشهد به الشيخ الألباني فهو ما يُعرف بحديث الفرق الثلاث والسبعين، وهـو: " تَفرَّقت اليهودُ على إحْدَى وسبعينَ فرقةً، وتَفرَّقت النَّصارى على اثْنتينِ وسبعينَ فرقةً، وستفترقُ أمتي على ثَلاثٍ وسبعينَ فرقـةً، كلُّها في النارِ إلا واحدة " قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال:"هي ما أَنا عليه وأصحابي"
ويعتبر الألباني أنَّ جواب النبي (ص) لأولئك الذين سألوا عن الفرقة الناجية يلتقي تماماً مع الآية السابقة:  وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ  " فالمؤمنون المقصودون في هذه الآية الكريمة: هم الأصحاب، أو ما يدخل في عموم الآية:  وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ  هـم أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام .
وخطورة هذا الطرح أنه يصدر حكما قاطعا مانعا على كل الفرق التي يتوزع عليها ما يزيد عن المليار مسلم بالكفر والضلال ويتوعد مصيرهم بالنار والجحيم، باستثناء فرقة واحدة، وطبعا كل فرقة ستزعم أنها هي دون غيرها الفرقة الناجية، فإذا كانت هذه النظرة تجاه عموم المسلمين فكيف ستكون تجاه الخمسة مليارات إنسان من أتباع الديانات الأخرى وغير المتدينين ؟ وكيف ستكون العلاقة معهم ؟
الإجابة على هذه التساؤلات وجدناها في هجمة منهاتن وتفجيرات بالي وتفجير سكة الحديد في مدريد وأنفاق المترو في لندن، كما وجدناها في هدم المعابد في الهند وتقاتل الطوائف في باكستان وحكم الطالبان لأفغانستان وهجمات الخميني المليونية على العراق، ووجدناها أيضا في ذبح الرهائن وخطف الأجانب في الجزائر والعراق، وقتل السواح في مصر، وترويع الفقراء وبقر بطونهم وسبي نسائهم في قرى الجزائر النائية، ووجدناها في أدمى صورها في العراق وقبل ذلك في لبنان، وبعد ذلك في أي مكان قد يخطر ببالكم، ولو استعرضنا الإرهاب والترويع والجرائم التي يقترفها التكفيريون من الديانات الأخرى في اليهودية والمسيحية والهندوسية وغيرها لملئنا منها صفحات ومجلدات.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المنهج التكفيري عند الإسلاميين
- منهج التكفير في العقل الإسلاموي
- في اليمن هل ستغير ساحة التغيير شيئا ؟
- محاولة في فهم الاسلام السياسي - الجزء 3
- محاولة في فهم الاسلام السياسي - الجزء 2
- محاولة في فهم الإسلام السياسي - الجزء 1
- يوم المرأة في ربيع الديمقراطية العربية
- هل هنالك صحوة إسلامية ؟!
- نماذج عبثية في تطبيق الشريعة وإهدار قيمة الإنسان


المزيد.....




- أكراد سوريا يسلمون روسيا 34 طفلا يتيماً من أبناء مقاتلي تنظ ...
- أكراد سوريا يسلمون روسيا 34 طفلا يتيماً من أبناء مقاتلي تنظ ...
- اعتقال مئات من قيادات وأنصار حركة إسلامية متشددة إثر تظاهرات ...
- اعتقال مئات من قيادات وأنصار حركة إسلامية متشددة إثر تظاهرات ...
- الشيخ محمد رفعت.. القارئ الذي يسمعه الأقباط واليهود
- وفاة نائب قائد فيلق القدس في حرس الثورة الاسلامية محمد حجازي ...
- وفاة نائب قائد فيلق القدس في حرس الثورة الاسلامية محمد حجازي ...
- -بداخله مصعد-... تشييد تمثال هائل للسيد المسيح... فيديو
- جريمة قتل بشعة لمواطن مسيحي بسيناء على يد داعش.. والعيش والح ...
- الاحتلال يستدعي مدير المسجد الأقصى للتحقيق


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الغني سلامه - التكفير وحرية التفكير