أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمار الجنابي - ارسطو والمحاكاة















المزيد.....

ارسطو والمحاكاة


عمار الجنابي

الحوار المتمدن-العدد: 3431 - 2011 / 7 / 19 - 00:02
المحور: الادب والفن
    


استخدم أرسطو مصطلح المحاكاة الذي ورثه عن أفلاطون، و أعطاه مفهوما يختلف عن
مفهوم أستاذه اختلافا جوهريا، و لا شك أن هذا الاختلاف نابع من اختلاف النظرة الفلسفية،
فأفلاطون كان ذا نزعة صوفية غائية، بينما كان أرسطو ذا نزعة علمية تجريبية.
لقد ذهب أرسطو إلى أن الفن محاكاة، و لكنه لم يقرن نظرية المحاكاة بنظرية المثل
الأفلاطونية فيكبل الفن بقيود الفلسفة، حيث اعتبر الشعر محاكاة للطبيعة، ولكن الطبيعة ليست
محاكاة لعالم عقلي، و الشاعر إنما يحاكي ما يمكن أن يكون بالضرورة أو بالاحتمال لا ما هو
كائن، و في هذا المعنى يقول: "لما كان الشاعر محاكيا شأنه شأن الرسام، و كل فنان يصنع
الصور فينبغي عليه بالضرورة أن يتخذ إحدى طرق المحاكاة الثلاث: فهو يصور الأشياء إما كما
كانت، أو كما هي في الواقع، أو كما يصفها الناس و تبدو عليه، أو كما يجب أن تكون،
و هو إنما يصورها بالقول و يشمل الكلمة الغريبة و المجاز و كثيرا من التبديلات اللغوية التي
أجزناها للشعراء(1)
و عليه فأرسطو يرجع الفنون كافة و منها الشعر إلى أصل فلسفي واحد هو محاكاة
الحياة الطبيعية، و يقسم تلك المحاكاة إلى ثلاثة أنواع هي: محاكاة الواقع أي لما هو كائن فعلا
و محاكاة لما يمكن أن يكون، و محاكاة للمثال، أي لما يجب أن يكون.
فالفنان إذا ما أراد تصوير منظر طبيعي مثلا، فإنه لا يتقيد بما يتضمنه ذلك المنظر، بل
يصوره كأجمل ما يكون، و ليس تصويرا مرآويا، فالطبيعة ناقصة، و الفن يكمل ما فيها من
نقص و يسهم في كشف أسرارها، فعمل الشاعر إذن لا يقتصر على النقل الحرفي دون تدخل
منه، لأن الفن في نظر أرسطو "ليس هو أن تحاكي الطبيعة محاكاة الصدى، و تمثلها تمثيل المرآة،
و تنقلها نقل الآلة، تلك هي النتيجة التي تنفي الذكاء و العبودية التي تسلب القوة، إنما عظمة
الفن أن يفوق الطبيعة.(2)
و ليس الشاعر عنده ذلك الإنسان المسلوب الإرادة بل هو مخترع يتمتع بالقدرة على
الاختيار، و هو في اختراعه يلجأ لقانون الرجحان و الإمكان، فعمله ليس رواية ما وقع، بل ما
يجوز وقوعه و ما هو ممكن على مقتضى الرجحان أو الضرورة.
لقد اتجه أرسطو بالمحاكاة اتجاهها إيجابيا نازعا عنها تلك الصبغة السلبية التي ألصقها بها
أفلاطون، فالمحاكاةعند أرسطو) لا تعني النقل الحرفي للطبيعة، فالفن ليس مجرد مرآة
تعكس مظاهر الأشياء بصورة آلية خالية من الإبداع، و كل ما أكد عليه هو ضرورة وجود
صلة و شبه بين الصورة التي ينتجها الفنان و بين الأصل الذي حاكاه.
إن الفن عند أرسطو وسيلة من وسائل توضيح ميتافيزيقي و بث الحيوية فيها، فالفن
يحاكي الطبيعة التي هي القوة الكامنة و المحركة للكائنات لكي تظهر صوربها الحقيقية، أما الفنان
فمهمته أن يخرج من المادة ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل و بذلك يستطيع أن يتم ما فشلت
الطبيعة في إتمامه أو تحقيقه، و على هذا الأساس يكون الفن و الطبيعة القوتين الأساسيتين في
العالم، و الاختلاف بينهما يكمن في أن الطبيعة تحتوي على مبدأ الحركة في ذاتها، أما الفن
فيكسب الأشياء صورها الجميلة بواسطة تلك الحركة التي تحدثها روح الفنان، و هكذا ينافس
الفن الطبيعة من حيث كونه قوة مشكلة أيضا. .
و بالمقابل يمكن القول إن الفن كالطبيعة مبدأ للخلق و الإنتاج، فإذا كانت الطبيعة تنتج
موجودات طبيعية، فإن الفن ينتج موجودات فنية، و بذلك يصبح عالما مستقلا في مقابل عالم
الطبيعة، و يصبح العمل الفني موجودا فنيا "و لا ياتي ذلك إلا لفرد ازدوجت طبيعته، فهو بما
هو إنسان موجود طبيعي، و هو بما هو فنان طبيعة فنية مبدعة، إن الفنان عند أرسطو كالإله
عند( سبينوزا( طبيعة طابعة و مطبوعة، إن نظرت إليه من حيث هو إنسان كان طبيعة مطبوعة،
و إن نظرت إليه من حيث هو فنان كان طبيعة طابعة أو خالقة، و تكون الأعمال الفنية بمثابة
الأحوال التي تبتدئ عليها الطبيعة الطابعة.
و بناء على ما سبق ذكره يمكن الوصول إلى أن الفن عندما يحاكي الطبيعة، فهذا يعني
في رأي أرسطو أنه لا ينسخها بل يوحي لها، "و هكذا يكون الفن هو المؤثر في الطبيعة و عقلها
المفكر، و بواسطته يفهم الإنسان الطبيعة.(3)
إن المحاكاة عند أرسطو ليست فعلا آليا، بل هي إلهام خلاق بواسطتها يمكن للشاعر أن
ينتج شيئا جديدا مستخدما في ذلك ظواهر الحياة و أعمال البشر المتسمة بالجدية و الكمال في
إطار لغوي منسق، و هكذا يكون الفنان و هو يحاكي الطبيعة يصنع ما هو أجمل منها.
و للفن عند أرسطو وظيفة مزدوجة، فهو يقلد الطبيعة أولا ثم يتسامى عنها ثانيا،
و ليست المحاكاة في نظره نقل للمظاهر الحسية للأشياء كما تبدو في واقعها، أي مجرد تصوير
فوتوغرافي للمرئيات، بل يجب أن تكون محاكاة الفنون للأشياء تصويرا لحقيقتها الداخلية
و لواقعها الذي تنبض به داخليا، فالشعر الجيد مثلا يرتفع عن المعاني المحسوسة الملموسة
و يتسامى عنها لا بوصف الأمور كما تجري في واقعها السهل التناول، و لكنه يرفعها إلى
مستوى راق من الأداء العقلي الفني دون إهمال لحقيقتها.
و تظهر الإشارة هنا إلى أن أرسطو كان على رأس من نجحوا في الربط بين الفن
و الحياة، و ذلك لأن نظريته في المحاكاة قائمة على مبدأ محاكاة الطبيعة، و هذا معناه أن الفنان
يستمد وحيه و إلهامه من الواقع بشرط أن تكون المحاكاة منقحة معتمدة على التخير، و هذا
دليل على وجود فرق شاسع بين الواقعية الساذجة التي تصور الواقع تصويرا مرآويا يشبه عمل
آلة التصوير، و الواقعية النقدية الرامية إلى تعديل الواقع و السمو و الارتقاء به.
و هذا هو موقف أرسطو، و على هذا الأساس يكون الفن قريبا من الواقع أي من
الحياة.
و عموما فإن موقف الفنان عند أرسطو يشبه موقف الطبيعة نفسها من الصورة،
فالفنان عندما يحاكي الطبيعة فإنه يضع للصورة إطارا واقعيا كما كان لها من قبل إطار في الواقع
الطبيعي، لكن الفرق يكمن في عدم تطابق العمل الفني مع صور الطبيعة، و هذا معناه أن الصور
الطبيعية هي نقطة البداية في عملية الخلق الفني.
و الملاحظ أن أرسطو لم يكن يزدري المحسوسات و لذلك نجده يؤكد على أن محاكاة
الشعر للطبيعة تبدل و تغير فيها، و اعتمد في توضيح ذلك على تقسيم الفنون عامة إلى قسمين،
فكلها محاكاة للطبيعة، لكن قسما منها يحاكيها باللون و الشكل كالتصوير و النحت، و قسما
آخر يحاكيها بالصوت كالرقص و الموسيقى و الشعر، و على هذا الأساس فإن الشعر إذا قيس
بالفنون لا يقاس بالتصوير لأن المحاكاة فيه نقل حرفي، إنما يقاس بالرقص و الموسيقى، فالراقص
و الموسيقار يبدل كل منهما في محاكاته للطبيعة، و مثلهما يبدل الشاعر في محاكاته بحيث تظهر
مواهبه و أفكاره و خيالاته
على أن أبعاد نظرية المحاكاة عند أرسطو تتجلى بنحو خاص في المقارنة الشهيرة التي
أجراها بين الشعر و التاريخ، و في هذا المعنى يقول: "إن مهمة الشاعر الحقيقية ليست في رواية
الأمور كما وقعت فعلا، بل رواية ما يمكن أن يقع، و الأشياء ممكنة إما بحسب الاحتمال
أو بحسب الضرورة، ذلك أن المؤرخ و الشاعر لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعرا
و الآخر يرويها نثرا، فقد كان من الممكن تأليف تاريخ هيرودوتس نظما و لكنه كان سيظل
مع ذلك تاريخا سواء كتب نظما أو نثرا و إنما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث
التي وقعت فعلا بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع، و لهذا كان الشعر أوفر حظا
من الفلسفة و أسمى مقاما من التاريخ، لأن الشعر بالأحرى يروي الكلي، بينما التاريخ يروي
الجزئي.(4)
و يقول أيضا: "إن ما كتبه المؤرخ اليوناني القديم هيرودوتس عن الحرب الفارسية
اليونانية قد كان من الممكن أن يكتبه نظما دون أن يدخله ذلك في الشعر، و ذلك بينما كان
من الممكن أن تكتب مسرحية "الفرس" للشاعر اليوناني أبيكيلوس نثرا دون أن يخرجها ذلك
من دائرة الشعر." (5)فأرسطو إذن يرى أن الشعر لا يتميز عن النثر التاريخي بقالبه المنظوم بل
يتميز عنه بمضمونه الشعري.
و بناء على ذلك فإن مهمة الشاعر لا تنحصر في نقل الواقع العياني نقلا حرفيا مثلما
تعكس المرآة الصور، بل هي بناء واقع جديد ممكن التحقق، حتى هنا كان الشعر أقرب إلى
الروح الفلسفية من التاريخ.
و قد شرح الناقد الفرنسي غويو ما يريده أرسطو من مقارنته بين الشعر و التاريخ
بقوله: "لئن كان العالم يكتب تاريخ الكون مفصلا دقيقا، فإن الشعر يكتب أسطورة هذا العالم
إن صح التعبير، و الأسطورة وثيقة من وثائق التاريخ، و كثيرا ما تكون أصدق من التاريخ،
أو كما يقول أرسطو: أكثر فلسفة من التاريخ." (6)
و واضح أن أرسطو يضع الفلسفة في المقام الأول و يقيس الفنون بحسب قربها من ذلك
المقام، و قد جعل للشعر مقاما ساميا إلى جوارها لأنه نظر إليه نظرة الظواهر عن
روح الطبيعة و جوهر الأشياء لتستلهم منها صورة مثالية للطبيعة نفسها، و في هذا السياق ورد
قول ديدرو: "إن الفنان لا يحاكي الطبيعة و لكنه يجملها، فالفن يجمل الطبيعة، و يبدو كأنه
يضرب المثل كي تحاكيه الطبيعة و لا يحاكيها، و الفنان لا يقتصر على رسم الواقع المباشر
لظواهر الأشياء، و لكنه يعبر عما هو جوهري فيها." (7)
لقد أكد أرسطو دوما على أن الفنان عندما يحاكي الطبيعة فإنه يصنع ما هو أجمل
منها، و وسيلته في ذلك الخيال، أي أن دور الخيال يأتي في إكمال الصورة و تحويلها إلى فن،
فضلا عن عمله في استبطان بواعثها و محركاتها، إضافة إلى ذلك فإن أرسطو يعترف بأهمية
الدور الكبير الذي يلعبه الوهم، فهو يذكر أن الشاعر يمنحنا حقيقة أسمى من تلك التي يعطيها
المؤرخ، أسمى و أرقى لكونها خيرا من تلك تمثيلا، و لكن لكي يفعل ذلك لابد أن يكون –كما
ذكر أرسطو- رب الوهم، و خير فن هو الذي يهب وهما عن حقيقة أرفع، فالمحاكاة إذن عند
أرسطو خلاقة لكونها خيالية، أما هوميروس فيبقى في نظره أعظم الشعراء لأنه يحاكي بصورة
دائمة و مستمرة من خلال رسم الطبيعة البشرية
و المحاكاة عند أرسطو تتم من ثلاث نواح هي: الوسيلة و الموضوع و الطريقة،
فالوسيلة هي الأداة التي يستعملها الفنان، و هي بمعنى أدق الوسيط مثل اللغة عند الشاعر
و لكن بعد أن بث فيها الإيقاع و الانتظام لتصبح وسيطا جماليا، و الموضوع هو المادة المحكية
أي المحاكاة التي تجسد أعمال الناس، أما الطريقة فهي النوع الأدبي أو الفني أي أسلوب
المحاكاة.

المصادر
1- قضايا النقد الأدبي بين القديم و الحديث"- د.محمد زكي العشماوي-ص116
2-"بدور الاتجاه الجمالي في النقد العربي القديم"- د.كريب رمضان- ص29
3- ينظر "علم الجمال- قضايا تاريخية و معاصرة " – د. وفاء محمد إبراهيم- ص 28
4- الفن و الحس" – ميشيل ديرميه- ص201
5- ينظر "فلسفة الجمال و نشأة الفنون الجميلة" – د. محمد علي أبو ريان – ص20-ص21
6- فن الشعر"- أرسطو طاليس- ترجمة :د.عبد الرحمن بدوي- ص26
7- الأدب و فنونه" – د. محمد مندور – ص25





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,427,324,756
- نظرية الالهام او العبقرية (افلاطون)
- نظرية الأجناس الأدبية theory of literary genres
- عناصر البناء الدرامي
- التعبيرية (Expressionism) في الادب المسرحي
- مفهوم الزمن في الدراما
- نظرية الانعكاس في الادب والفن
- ارسطو والشعر
- التطهير (catharsis) والسايكودراما
- الشعر والاخلاق في الجمهورية الافلاطونية
- الخرافة (myth)
- العلامة والسيرورة السيميائية
- علم المثيولوجيا(الاسطورة)
- المعنى الجمالي للوجود (نيتشه)
- نظرية المثل عند افلاطون
- وظيفة الشعر عند الفارابي
- التراجيديا والكوميديا (tragedy-comedy)
- المحاكاة imitation
- الدكتورة وعلامة الكلبة النائمه


المزيد.....




- هل تريد تحسين لغتك الإنجليزية؟ إليك نصائح لتطوير مهارات الكت ...
- فيلم -الملك الأسد- يحقق 185 مليون دولار في أسبوع
- عالم مارفل السينمائي.. أفلام المرحلة الرابعة ومواعيد عرضها
- الفنان المصري فاروق الفيشاوي حالته حرجة
- مهرجان الجونة السينمائي يستقبل مينا مسعود في دورته الثالثة
- قصة قصيرة من الأدب الياباني.. الأم المسنّة ماتسو باشو *
- الفنان محمود عجمي.. تجدّد جسد الأنثى في النحت
- تقـريــر...كاظم مرشد السلوم : نحتاج صالات عرض سينمائي أكثر ...
- أفنجرز يهزم أفاتار ويحقق أعلى إيرادات بتاريخ السينما
- معرض للمشغولات اليدوية للفنانات الإيرانيات في دار الازياء


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمار الجنابي - ارسطو والمحاكاة