أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - ف1 سابعا : حركة البدوى بعد الفشل















المزيد.....



ف1 سابعا : حركة البدوى بعد الفشل


أحمد صبحى منصور

الحوار المتمدن-العدد: 3370 - 2011 / 5 / 19 - 08:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(1) لماذا فشل البدوي سياسياً:
1 ـ أدت سياسية الظاهر بيبرس وتحرزه ودهاؤه إلى نهاية خضر العدوي معتقلاً وإلى نهاية البدوى معتقلاً أيضاً داخل إطار التصوف الذى رفع رايته ليستتر تحته فاضطر فى نهاية الأمر أن يحتمى به من خصمه الجبار العنيد الداهية. لقد استرسل البدوي فى دعواه الصوفية إلى نهايتها وترك هدفه السياسى الذى قصر حياته عليه ،وهو الآن فى شيخوخته أصبح لا يطمع إلا فى النجاة من مخالب بيبرس وجواسيسه الذين يحصون عليه أنفاسه ،وظل كذلك من سنة 671 إلى أن مات سنة 675 فى زمن قريب من وفاة خضر سنة 676 وبيبرس (محرم سنة 676).
لقد أرعب بيبرس أعداءه وأصدقاءه على السواء، وحين كان يتنكر أو يسير خفية لا يستطيع أحد أن يتحدث بخبره خوفاً منه ومن جواسيسه ، ودفع حياته ثمنا لمؤامرة قتل بالسم حاكها لأحد أصدقائه (القاهر الأيوبي) الذين يتخوف منهم ، ولكنه أخطأ فشرب الكوب المسمم المقدم للضحية، ومات بدمشق فأشيع أنه مريض وحمل للقاهرة ،ولم يجسر أحد أن يتفوه بموته حتى وصلوا به للقاهرة ،وظل مخيفا للأمراء المماليك حتى وهو مريض مرض الموت حتى أن أحدهم (لم يجسر أن يدخل عليه فى مرضه إلا بإذنه ) . ذلكم هو بيبرس الذى قدر على البدوى أن يواجهه فى شيخوخته حين بلغ من الكبر عتياً (وقد توفى البدوى فى حدود الثمانين ).
2ـ وربما أدرك البدوي فى هذه السن استحالة تحقيق أحلامه لأن الظروف السياسية التى انتشرت بها دعوته فى عصر الاضطراب (637- 658 )قد تغيرت إلى توطيد للدولة المملوكية على يد حاكم جبار كالظاهر بيبرس .
وربما أدرك البدوي متأخراً خطأ الاعتماد على المصريين الذين جعلهم أساس دعوته وعصبيته ، فالمصريون على استعداد عميق لحب آل البيت بل وتقديسهم إلا أنهم مع ذلك آخر المتحمسين للقيام بعمل عسكرى لنصرتهم. وما تاريخ الفاطميين ببعيد ،فالدعوة الإسماعيلية تمت فى شمال أفريقيا وتحركت إلى مصر بعد أن أصبحت دولة فاتحة ،فانتقلت إلى مصر دولة كاملة بجيش ونظم واتخذت منها مركزاً جديد للدعوة تساندها قوة الدولة الوافدة. ولقد تنبه لهذه الحقيقة باحث مصرى قرر(أن التشيع فى مصر يكاد ينحصر فى حب آل البيت ولم يذكر المؤرخون شيئا عن تحرك المصريين لتأييد حملات الفاطميين ) .
بل على العكس انصرف المصريون عن الدعوة الإسماعيلية الشيعية وانضم بعضهم إلى دعوة الكيزانى الصوفية السنية.ثم إن المتصوفة المصريين بالذات هم أبعد الناس عن الجهاد فى سبيل عقيدة دينية ولو كانت صوفية ، فغايتهم فى التصوف أن يستفيدوا به فى سمو المكانة لدى الحاكم والمحكوم ،وهم أسرع الناس نفاقا للحاكم طالما ظل فى سلطته ،وأسرع الناس انفضاضاً عنه إذا حاقت به المحن .
وهذا ما تمخضت عنه دعوى البدوي بعد موته، فقد تحولت إلى طريقة صوفية مصرية صميمة واسعة الانتشار ، وبها ازدادت شهرة البدوي ذلك الدعية المجهول فى عصره ، وظلت شهرته تزداد بازدياد التصوف والفروع المتشعبة للطرق الأحمدية السطوحية بحيث يمكن القول بأنه إذا كانت دولة الظاهر بيبرس والمماليك قد انتقلت إلى متحف التاريخ فإن دولة البدوي لا تزال قائمة فى نفوس المصريين حتى الآن ،ويستشعرها القارئ لهذا الكتاب فى نفسه، فلقد نشأنا جميعاً على تقديس البدوي والاعتقاد فى ضريحه ، وتلك هى دولته التى فشل فى إقامتها على أرض مصر فأقامها مع أتباعه فى عقيدة المصريين وقلوبهم .
3ـ والبدوي فارس قديم قيل فيه (اتفق وقوع حرب بمكه فخرج وضرب فيها بالسيفين وطعن فيها بالرمحين فتعجب الناس من شجاعته ) ، وكفارس قديم داهية أدرك البدوي اختلاف طبيعة الشعب المصرى عن الشعوب الصحراوية فى أفريقيا والجزيرة العربية ،إن المصريين كشعب زراعي أميل للاستقرار والهدوء ومعايشة الأمر الواقع والصبر عليه ، أما البدو فى الصحراء الكبرى وصحراء الجزيرة العربية فالدماء تخط تاريخهم اليومى بين نزاع وثأر وصراع مستمر لأى سبب وبدون سبب، ومن السهل أن تقوم هناك الدول سريعاً ومن السهل أن تسقط سريعاً أيضاً..وشاهد على ذلك الصراع المستمر بين أمراء مكة والذى شارك فيه البدوي (بسيفين ..ورمحين) والقلاقل المستمرة فى أفريقيا وقيام الدول وسقوطها ،والجند فيها من بين أبناء المنطقة أنفسهم.أما فى مصر فالحاكم- وقتها – كان دائماً وافداً ، وبجيش وافد ، وغالبا ما يتشكل من طوائف شتى ليس من بينها بالقطع فلاح مصري زراعي ، وقد ظل الأمر كذلك إلى أن فرض محمد علي فى نهضته الحديثة التجنيد على المصريين فكان الشاب يودع أهله بالصرخات والدموع كأنه ذاهب للمقصلة .
4 ـ ولعل البدوي أدرك متأخراً أن مركز القوة فى المنطقة انتقل من العصبيات القبلية المحلية الشعبية إلى الطوائف العسكرية ،فلم تعد القوة لعصبيات النسب وصلات الدم والقرابة وتجمعات القبائل.لقد اضمحلت القبائل العربية كقوة سياسية بعد أن أقامت دولا كالدولة الإسلامية العربية فى عهد الراشدين ودولة الأموبين ،ثم بدأ الضعف يستشرى فيها بقيام الدولة العباسية وانتهت كقوة حربية رسمية بعد أن قطع المتوكل العباسى العرب من ديوان الجند ، وبدأت صولة الغلمان الأتراك فى التحكم فى الخليفة وجيش الخلافة ثم انتهت سطوتهم ليرثهم البويهيون من الديالمة الوافدين من الشرق وبعد أن سقطوا ورثتهم قبائل السلاجقة الأتراك ، وسرعان ما سقطت تلك العصبيات الوافدة فاضطر الخليفة الناصر العباسى وهو يحكم منفرداً للاستعانة بالعامة المدربين عسكرياً ممن انخرطوا فى سلك الفتوة وعرفوا بالعيارين والشطار.. وكان الحل الحاسم النهائي هو شراء المماليك صغاراً وتنشئتهم على الفروسية والطاعه العمياء للسلطان ، وقد اشتهر بذلك بنو أيوب منذ صلاح الدين ..وأصبح شراء المماليك ليكونوا عسكرا نظاماً عاماً منذ ذلك الوقت طبقه المماليك أنفسهم فكان السلطان المملوكي يستكثر من شراء المماليك ليواجه بهم خصومه وليضمن لذريته الحكم من بعده ، ولكن يخيب ظنه دائما ، فالمماليك الذين اشتراهم لحماية ولده هم الأسرع فى تنحيته عن السلطة ..ولقد تابع العثمانيون تلك السياسة (شراء الرقيق وتنشئتهم حربيا وسياسيا )فكان عماد القوة العثمانية يتركز فى الانكشارية .
وإذا كان ذلك واضحا فى مناطق جبلية كالعراق وآسيا الصغرى فهو فى مصر – البلد الزراعي – أوضح وأظهر ..فالأغلبية العظمى الساحقة من المصريين زراعيون يدينون بالطاعة والولاء للسلطان القائم ..والأقلية الضئيلة هم من العرب – أو البدو – الذين وفدوا لمصر مع الفتوح وبعدها ..وبعد أن قطعهم المتوكل عن الجندية اضطر بعضهم للاستقرار والعمل بالتجارة وظل الآخرون على بداوتهم وحياتهم العسكرية ، يعيشون على أطراف التجمعات الزراعية فى الحوف الشرقى (الشرقية )والبحيرة والصعيد ، يمارسون قطع الطريق والتسلط على الفلاحين ويعلو سلطانهم مع ضعف السلطة المركزية، ولا تخلو قلاقل محلية من مشاركتهم فيها ، وكان لابد أن تحدث المواجهة بين المماليك – كقوة حاكمة جديدة – والعربان ، ومن المنتظر أن يُهزم الأعراب فالوقت لم يعد وقتهم فهم الماضى الذى أفل نجمه وانطوت صفحته ، وهكذا كانت حركة حصن الدين ثعلب النهاية لطموح الأعراب أبان قوة الدولة المملوكية وعنفوانها ..
يقول المقريزي فى حوادث 651 . (ثارت العربان ببلاد الصعيد وأرض بحرى وقطعوا الطريق براً وبحراً وقام الشريف حصن الدين ثعلب وقال : (نحن أصحاب البلاد )ومنع الجند من تناول الخراج وقال: ( أنا أحق بالملك من المماليك وقد كفى أنا خدمنا بنى أيوب وهم خوارج خرجوا على البلاد ) وأنفوا من خدمة الترك (أى المماليك ) وقال (أنهم عبيد للخوارج )..واجتمع العرب وهم يومئذ كثرة فى المال والخيل والرجال إلى حصن الدين ثعلب وهو بناحية دهروط وأتوه من أقصى الصعيد وأطراف البحيرة والجيزة والفيوم وحلفوا له كلهم فبلغ عدة الفرسان اثنى عشر ألف فارس وتجاوز عدة الرجالة الاحصاء لكثرتهم)
ولم تغن هذه الكثرة شيئا أمام قوة المماليك المنظمة المدربة التى تعيش حياتها للقتال ، وانهزم حصن الدين بجموعه من الأعراب أمام أقطاى كبير البحرية ، وبعث يطلب الأمان من السلطان أيبك فأمنه ووعده بالأقطاعات له ولأصحابه فقدم حصن الدين ومعه نحو ألف فارس من العربان وستمائة راجل فغدر به أيبك وشنق أتباعه وبعث به معتقلا إلى الأسكندرية .وخمدت بذلك قوة الأعراب من يومها إلى عصر المقريزي فى القرن التاسع ، يقول معقبا (وتبدد شمل عرب مصر وخمدت جمرتهم من حينئذ..وأمر المعز أيبك بزيادة الضرائب على العرب ومعاملتهم بالعسف والقهر فذلوا وقلوا حتى صار أمرهم على ما هو عليه الحال إلى وقتنا هذا ) .
أى أن المماليك فى بداية دولتهم – وقت دعوة البدوي – كانوا قد أجهزوا على القوة الحربية الوحيدة بين المصريين التى يمكن أن تقف فى وجههم ثم التفتوا للشعب المصرى فى القاهرة الذى كان يكره تولية المماليك الحكم فساقوه بالعسف والنكال حتى استكان لهم .. ويعلق المقريزى وأبو المحاسن على ما فعله أيبك بالمصريين بأن الفرنج لو ملكوا مصر ما فعلوا بأهلها مثلما فعل بهم المماليك فى ذلك الوقت .
ثم جاء الظاهر بيبرس فحصر الشدة والعنف فيمن يتآمر عليه ولو كان أقرب الناس إليه بينما اكتسب محبة الخاضعين لسلطانه فأقفل الباب نهائيا أمام طموح البدوى .. فلم تعد أمام البدوى قوة حربية يواجه بها العسكرية المملوكية .. فى الوقت الذى تحول فيه الشعور الشعبى لناحية الظاهر بيبرس قاهر المغول والتتار والمحسن للمساكين والرعية .
والطريف أن الأعراب عادت إليهم قوتهم حين ضعفت السلطة المملوكية البرجية فى أوائل القرن العاشر . ولم يترك الصوفية مشايخ الأعراب فى حالهم فتكالبوا عليهم تسولا واستجداء حتى أضجروهم فيقول أحدهم ( قد عجزنا فى رضا هؤلاء المشايخ " الصوفية " من كثرة ما يشحذون منا .. وكيف تطيب نفوسهم أن يأكلون من طعامنا ويقبلوا صدقاتنا مع علمهم بأن أموالنا لا تسلم من الحرام ) .
5 ـ ونعود للبدوى وفشله فى دعوته السرية فقد تحول ميزان القوة إلى الدولة المملوكية بعد توطيدها على يد الظاهر بيبرس الداهية .. ولم يجد البدوي عنصرا حربيا يستطيع أن يواجه به العسكرية المملوكية التى تفوقت على الصليبيين والأرمن والمغول والنوبيين .. وخاب أمله فى المصريين وكلهم فلاحون سلاحهم الفأس وأملهم الاستقرار وراحة البال وطريقتهم فى مقاومة الظالم الصبر عليه أو التندر والسخرية منه . وكانت الخيبة أكبر فى الصوفية المصريين – وهم عماد دعوته ، فهم أصدقاء كل حاكم حالى وأعداء كل حاكم سابق ، ينافقون القائم فى السلطة وما أسرع ما يلعنونه إذا دارت به الأيام ..
وأعوان البدوي من السطوحية الأربعين ماذا يفعلون؟؟ وقد تحول ميزان القوة الحربية للعصبيات العسكرية التى تنشأ وتربى على القتال كالمماليك .. وقد صار نظام المماليك الحربية سائدا فى المنطقة بعد انهيار قوة القبائل المتحكمة كالعرب والبربر والترك والبهويين والسلاجقة .. أى أنه حتى لو كان الفلاحون المصريون شعباً مقاتلا كالعرب والبربر فما كانوا ليغنوا شيئاً أمام نظام المماليك الذى استقر وحكم فى مصر وانتصر على الصليبيين والمغول والأرمن والنوبيين .. لقد كانت هناك طائفة عسكرية وحيدة من بين المصريين هم البدو الذين تسلطوا على المصريين نهباً وسرقة حين تضعف السلطة الحاكمة ، وقد بدأت العسكرية المملوكية بالإجهاز على قوة البدو الأعراب حين ساندوا حصن الدين ثعلب ولم يسمحوا لهم بالاستمرار أى لم يسمحوا ـ لأى قوة تحمل السلاح أو تجيد استخدامه ـ بالوجود فخدعوا حصن الدين واعتقلوه بعد الأمان وقتلوا كل أتباعه من الأعراب فلم تقم لهم قائمة كما يقول المقريزي .. وظلوا هكذا إلى أن ضعفت الدولة فى عصر الشعراني فصار لهم بعض النفوذ . لقد خاب أمل البدوي فى المصريين والصوفية المصريين ووقفت ضده ظروف لا طاقة له بها ولا يد له فيها فاسترسل فى دعواه الصوفية إلى نهايتها خوفاً على حياته من خصم لا يرحم .
وبالتصوف استفاد وأتباعه من بعده إذ تعود المصريون الحج إلى طنطا فى (مولد) البدوي ، وبالتصوف ازدادت شهرة طنطا فى عهد الأشرف شعبان المملوكي فأصبحت قصبة محافظة الغربية ، أى عادت لمكانتها القديمة التى كانت عليها فى الدولة الفاطمية .. وما لم يستطعه البدوي لطنطا بالسياسة وصلت إليه طنطا بضريحه وبالتصوف . وتقديس البدوى وشهرة مولده وانتشار طريقته فى مصر وخارجها آثار لدعوته السياسية المستترة بالتصوف . ولكنها ليست الآثار الوحيدة ، فالمنتظر من دعوة سياسية سرية كدعوة البدوي أن تكون لها ذيول سياسية أيضاً .
(ب) الآثار السياسية لدعوة البدوي :
أبو العباس الملثم
لم يكن لدعوة سرية منتظمة منتشرة كدعوة البدوي أن تنتهى إلى لا شىء، وإذا كان الصوفية المصريون قد قنعوا بالتصوف وهو الهدف المعلن فإن بعض الأتباع ظلوا على ولائهم للهدف السياسى وكان أبرزهم أبو العباس الملثم مبعوث المدرسة العراقية ، ذلك الرجل ( الملثم ) الغامض المختلف فى عمره وفى مكان موته ( هل فى قوص أو فى القاهرة ) ووقت وفاته ( هل سنة 672 أو سنة 740 )، ولقد كان ذلك الغموض مقصودا فالراوى عن أبى العباس الملثم هو تلميذه المخلص عبد الغفار بن نوح ، يقول الأدفوي عنه ( قال : صحبته وانتفعت به ، ويحكى عنه عجائب ويذكر عنه غرائب ).
يذكر ابن حجر فى ترجمة أبى العباس الملثم أنه ادعى المهدية وأن الله شافهه بالوحى وأمره بانذار الناس ودعوتهم إلى الله ( فاشتهر أمره فأخذ وحبس ) ثم ( قيل للسلطان فأفرج عنه ) ثم ثار سنة 699 فأمسكوه وحبسوه واتفقوا على شنقه فأرسل إليه القاضى تقى الدين ابن دقيق العيد فأوعز إليه ( أن يظهر التجانن ففعل فأثبت القاضى أنه مجنون وحكم بذلك ) ونجا بفضل ابن دقيق العيد ، ومعلوم موقف ابن دقيق العيد السابق من البدوي حين أرسل إليه ليختبره فاقتنع بسلامة موقفه، أو أظهر أنه مقتنع وإن لم يقتنع الظاهر بيبرس ، ثم كان موقفه من أبى العباس الملثم تصعيداً فى تأييده للدعوة الشيعية المستترة .
وما كان لابن دقيق أن يخدع بسهولة فله جولات سابقة فى حرب الشيعة بالصعيد ، ولكنه مال للتصوف فى أخريات عمره ووقع فى براثن أصحابه من المتصوفة الشيعة ، وإلا فبما نفسر موقفه من ادعاء الملثم للمهدية والمهدية مرتبطة بالتشيع والثورة الشيعية فى كل عصر . وأبو العباس الملثم كان مصراً على دعواه فثار من أجلها مرتين ، وأنقذ فى المرتين بتدخل ذوى الشأن .
ومع أن أبا العباس الملثم صعد إلى قمة الأحداث والشهرة فى حركته تلك فإن الغموض وجد سبيلاً إلى تاريخه حين بان وظهر كقول ابن حجر عنه ( ثم قيل للسلطان فأخرج منه ) فنحن لم نعرف من تدخل ليطلق سراحه فى المرة الأولى .
والمؤرخون الآخرون سجلوا حركة الملثم فى حوادث سنة 701 وإن لم يذكروه بالاسم ، يقول المقريزي ( ظهر بالقاهرة رجل ادعى أنه المهدى فعزر ثم خلى عنه ) ويقول العيني ( ظهر بالقاهرة إنسان سمى نفسه المهدي ، وادعى أنه من ذرية الحسين بن على بن أبى طالب ، وأنه ينذر بوقائع يعلم بوقوعها فاعتقل امتحاناً فلم يصح شىء من قوله ، وظهر أن به فساداً فى عقله فعزر تأديبا له ثم خلى سبيله ) ، والعينى والمقريزى من مؤرخى القرن التاسع ويبدو أنهما أخذا هذه الرواية عن بيبرس الداودار (ت 725) المعاصر لأبى العباس الملثم فى القرن الثامن، يقول الداودار فى تاريخه ( ظهر بالقاهرة إنسان سمى نفسه المهدي وادعى أنه من ذرية الحسين بن على وأنه ينذر بوقائع يعلم وقوعها فاعتقل امتحانا لنقله فلم يصح شىء من قوله وظهر أن به فسادا فى عقله فعزر تأديبا له ثم خلى سبيله ) ، أى هى نفس رواية العينى ونقلها العينى عن المؤرخ بيبرس الداودار المعاصر للملثم.
ولقد كان أبو العباس ( الملثم ) رفيقا للبدوى (الملثم ) فى الدعوة ، وإذا حظى أبو العباس ببعض الذكر فى المصادر التاريخية مشوبا بكثير من الغموض والخلط فإن رفيقه البدوى الملثم حرم من التاريخ له جملة وتفصيلا فى القرنين السابع والثامن.
وهناك أكثر من صلة تربطهما غير اللثام والقدوم من المغرب والتتلمذ للمدرسة الرفاعية والغموض ...إلخ .
من هذه الصلة ادعاء المهدية .. فالظاهر أن البدوي كان يدعى المهدية أيضا وكان يعامل أتباعه السريين على هذا الأساس ، وليس لدينا من دليل فى الواقع إلا ما ألمحت إليه كتب المناقب فيما بعد بعدة قرون ، فيقال أن البدوي حين قدم به أبوه من المغرب إلى الحجاز تلقاه سلطان مكة- وكان البدوى صغيرا – فقال لأبيه ( اين الشريف أحمد الملثم فقال له والدى على ابن ابراهيم لم يكن عندنا أحد إسمه أحمد غير ولدي أحمد فقال لنا: اجمعوا بينى وبينه فإن جدي رسول الله صلى الهم عليه وسلم وصفه لى وأراني صفته وحليته فى المنام وقال لى يخرج من المغرب وهو ابن سبع سنين ويدخل مكة وهو ابن أحدى عشرة سنة وأشار إلى أن أسير إليكم وأجتمع بكم وأسلم عليكم وعلى الشريف أحمد الملثم وأسلم عليه وأتبرك به وقال لى : أنه سيظهر له حال وأى حال ويربى المريدين ويجىء منهم رجال وأى رجال ).
وادعاء المهدية هو نفس مقولة ( الفاطمى المنتظر) للمدرسة المغربية. وعلى ذلك فإذا فشلت دعوة البدوي السرية فى المهدية فأن رفيقه أبا العباس الملثم جاهر بها بعد موت البدوي وأصر عليها ثم أذعن لمصيره ورضى بإعلان الجنون . والجنون كان سترا للبدوى حين كان يصيح فوق السطح .. وابن دقيق العيد شاهد على جنون ( الملثم أبا العباس ) وشاهد أيضا على جذبة ( البدوي الملثم ) تارك الصلاة. إلا أن أبا العباس يتميز بطابع الثورية والمبادرة أكثر من البدوي فقد جاهر بدعوته فى ظل دولة قوية وطيدة الأركان ولم يجرؤ البدوي إلا على التستر بالتصوف والاسترسال فيه حرصا على حياته، بل إن أبا العباس قد أعذر من نفسه فأعاد مقالته ، وهنا لم ينجه من الموت شنقاً إلا ابن دقيق العيد وادعاء الجنون .
عبد الغفار بن نوح
وهذه الثورية المشتعلة فى نفس أبى العباس والتى جعلته يتنقل بين الصعيد والقاهرة فى حركة مستمرة – انتقلت منه إلى تلميذه وصفيّه وحوارييه عبد الغفار ابن نوح فأثرت فى مجرى حياته وجعلته نسيج وحده ومختلفاً عن رفاقه من المتصوفة المصريين محبى السلبية والسكون والموائد والولائم وملء البطون .
وهو عبد الغفار ابن نوح ( الأقصرائي ثم القوصي ) أى ( الأقصري المولد القوصي الدار صحب أبا العباس الملثم وسمع الحديث بالقاهرة وحدث بقوص وسمع بمكة ) و( كان مستقره فى قوص مع شيخه أبى العباس الملثم .).
أى ولد عبد الغفار فى الأقصر حيث مدرسة أبى الحجاج الأقصري ومنها انتقل إلى قوص فاستقر بها مع أبى العباس الملثم ومن قوص تنقل بين القاهرة ومكة ولهما مكانة فى الدعوة الشيعية السرية .
وتأثر عبد الغفار بشيخه الملثم وتشرب مبادئه وثوريته ، وقد شهد شيخه فى أرذل العمر يجهر بدعوته ويتعرض للنكال فى عهد سلطنة الصبي محمد الناصر بن قلاوون الثانية ، ومرت الأيام وتتقلب الأمور بالسلطان الصغير ابن قلاوون بسبب تحكم أمراء أبيه فيه حتى عاد فى نهاية الأمر ليتولى بنفسه الحكم منفرداً أو مستبداً فى السلطنة الثالثة (709- 741).
وقد شهدت هذه الفترة علو شأن الصوفية فقد أقام لهم الناصر محمد خانقاه سرياقوس سنة 725 وضحى فى سبيلهم بصديقه السابق ابن تيمية فاعتقله سنة 726 بعد أن وقف ابن تيمية إلى جانب محمد بن قلاوون فى محنته حين كان مقهوراً يتحكم فيه بيبرس الجاشنكير مغتصب السلطنة منه ، ورفض ابن تيمية وهو فى سجن بيبرس الجاشنكير ـ مغتصب الحكم منالناصر محمد بن قلاوون ـ أن يعترف بصحة تولى الجاشنكير السلطنة ، وفضل الوقوف مع الحق الضائع وصاحبه ( محمد الناصربن قلاوون) المغلوب بينما كان الصوفية يظاهرون الجاشنكير ، ثم تخلوا عنه حين تخلت عنه الدنيا وأسرعوا بتأييد ( الناصر محمد ) حين تسلطن .وجاء الناصر محمد ينشد الاستبداد فبدأ يتصاعد النفور بينه وبين صديقه ابن تيمية ، ووجد من الصوفية استعداداً لتأييده فكانت محنة ابن تيمية الأخيرة ، وفيها كانت وفاته معتقلاً . وتم بذلك انتقام الصوفية الأحمدية والرفاعية منه منذ بدأ حركته باضطهادهم بالشام قبلا.
وفى ( شهور العسل ) هذه بين الناصر محمد بن قلاوون والصوفية قام عبد الغفار بن نوح باستغلال أدوات الدعوة السرية وأتباعها الموزعين فى المدن المصرية وقام بإحراق الكنائس المصرية فى الصعيد والقاهرة والدلتا والأسكندرية فى وقت واحد سنة 721 . وقد تعرضت المصادر التاريخية لهذا الحديث الفريد وذيوله بين تفصيل وإيجاز .. فالنويري تعرض لها بتفصيل وتابعه العيني فى عقد الجمان ناقلا عن النويري الذى عاصر الحدث .. أما بيبرس الداودار وهو معاصر كالنويري فقد أشار للموضوع بايجاز وتابعه المقريزي فى السلوك .. والأدفوي مع معاصرته إلا أنه حصر الحديث عما حدث فى الصعيد فى ترجمته لعبد الغفار باعتباره مهتما بالصعيد ورجاله فى كتابه ( الطالع السعيد فى أخبار نجباء الصعيد ) والشعراني أشار للحادث فى كتابه لطائف المنن .
وبدأت القصة والسلطانالناصر محمد بن قلاوون يصلى فى جامع القلعة وحين فرغ الناس من الصلاة فإذا برجل مجذوب يصيح بهدم كنيسة القلعة ، فتعجب السلطان والناس من أمره ، ثم ذهبوا للكنيسة للاستطلاع فوجدوها قد هدمت ، وحدث نفس الشىء بعد صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر ، حين خرج الناس من الأزهر وجدوا الكنائس القريبة قد دمرت ، وفى يوم الأحد التالي ورد من والى الإسكندرية ما يفيد أنه قد هدمت أربع كنائس فى وقت الصلاة يوم الجمعة وفى نفس الوقت هدمت كنيستان فى دمنهور ، وست كنائس فى قوص بقيادة الشيخ عبد الغفار وأعوانه ( ولما وقف السلطان على ذلك انزعج وتواترت الأخبار بعد ذلك من المسافرين من الوجه البحري والوجه القبلي أنه هدمت كنائس كثيرة من البلاد التى لا يؤبه لها وكان هدم الجميع فى وقت واحد فخشى أن يفسد عليه أمر مملكته فقال له الأمراء : يا مولانا السلطان هذا ليس من العامة ولا من الناس المعتبرين وإنما هو إرادة الله تعالى وأجراه على يد بعض خلقه ، وإلا كيف يقع هذا فى وقت واحد وساعة واحدة ، وقال القاضى فخر الدين : يا خوند أنت تريد تعارض فعل الله؟ والله إذا أراد أمراً فلا معاند له فى حكمه!! وأنت مع حرمتك العظيمة لو رسمت بهدم كنيسة فى دمياط وأخرى فى الاسكندرية لما وقع ذلك فى ساعة بعينها ) .
واعتقل الشيخ عبد الغفار وحمل للقاهرة ثم أفرج عنه بعد قليل .
وقد ذكر العيني أسماء الكنائس التى دمرت فبلغت نحو ستين كنيسة أحرقت كلها فى وقت واحد حين الانشغال بصلاة الجمعة . و(السيناريو) واحد فى كل بلد .. يقوم مجذوب يصيح مضطربا داعيا لهدم الكنائس ويختفى فيتعجب الناس وحين يخرجون من المسجد تطالعهم الكنائس المهدمة ودخان الحريق فيها .. ولغرابة الأمر فقد اعتقد السلطان ومستشاروه أن تلك إرادة الله، فالسلطان نفسه لو أراد أن يحرق كنيستين فى وقت واحد فى الاسكندرية ودمياط ما استطاع .
وما كان للشيخ عبد الغفار وحده أن تمتد يده بإحراق الكنائس المصرية كلها فى وقت محدد ، وما كان بطاقة مجموعة من الناس أن يفعلوا ذلك بالدقة التى نفذ بها وبالتخطيط الذى تم ، إن الأمر أبعد من ذلك ، إن هدم بناء ضخم يستلزم عصبة من الرجال تكتم الأمر وتعد له وتنفذه فى الوقت المحدد، وإذا تصورنا أننا أمام ستين مبنى قد دمروا فى نفس الوقت لوقفنا على التنظيم والدقة والتخطيط الذى صاحب هذه العملية الفريدة من نوعها فى التاريخ المصرى والذى جعل مصر كلها له مسرحاً .
لقد استغل عبد الغفار بن نوح الدعاة السريين للدعوة الشيعية الصوفية وهم موزعون فى كل مدينة والاتصال بينهم مستمر ومتجدد وقد بقوا بلا عمل بعد موت البدوى ، وإذ عجز أولئك عن مواجهة القوة الحربية المملوكية فى أرض المعركة فهم أقدر على إحراق مصر كلها بمؤامرة تنفذ فى الخفاء لإفساد الأمر على صاحب السلطة ، وهذا ما توجسه الناصر محمد لولا أن مستشاريه استبعدوا ذلك وأقنعوه أن الأمر قضاء وقدر ..
إلا أن المسيحيين لم يقتنعوا فقاموا باشعال الحريق فى القاهرة ( ولا يكاد يفرغ الناس من حريق حتى يفاجأوا بحريق آخر) وكانوا يعزون السبب إلى أنه إرادة الله إلا أنهم فوجئوا بفتيلة كبيرة ملوثة بالنفط فبحثوا عن الفاعل واعتقلوه وكانوا أربعة من الرهبان متلبسين ، وشرع الناس فى أذى النصارى وكادت تقوم فتنة فأمر الناصر محمد باعتقال المتظاهرين من الحرافيش والعامة فاعتقل جماعة كيفما اتفق وصلبوهم ، ولكن الحريق لم ينقطع وقبض على ثلاثة من النصارى واعترفوا ، فقامت مظاهرة ضخمة من العامة واجهوا السلطان دون خوف وصاحوا فيه بالانتصار للإسلام – بزعمهم- فخشع لهم السلطان ( وحصل له بهته فتوجس خاطره فأنه رأى هذا العمل منهم بعد أن عمل فيهم من الصلب والقطع – أى قطع الأيدى – وبقى متعكراً إلى أن وصل الميدان وجلس وهو يسمع ضجيج هؤلاء .. فطلب الحاجب وأمره أن ينادي من وجد نصرانياً فيكون دمه وماله حلالاً للسلطان ، فلما نادى الحاجب فيهم بذلك طابت خواطرهم وصاحوا نصرك الله ودعوا له ).. ثم تدارك السلطان الأمر وخففه إلى تعزير النصارى وتنكيلهم دون القتل .
وانعكس ما حصل للنصارى على صعيد العلاقات الخارجية مع الحبشة وعلاقة الحبشة بالامارات الإسلامية المجاورة لها . ذلك أن ملك الحبشة كان يعتبر نفسه مسئولاً عن حماية الأقباط المصريين لأنه يتبع الكنيسة المصرية مذهباً وكانت مصر ترسل له بطريركاً مصرياً للإشراف على الكنيسة الحبشية . وعندما علم ملك الحبشة (عمد صهيون ) بما حدث للكنائس المصرية والمسيحيين بعث للناصر محمد باحتجاج شديد اللهجة يهدد فيه باجراءات مماثلة ضد مسلمي الحبشة وتحويل مجرى النيل ليجيع مصر ، غير أن الناصر لم يعبأ بهذا الاحتجاج وطرد السفارة الحبشية ، فبدأ ( عمد صهيون) الحرب ضد الإمارات الإسلامية بالحبشة وتابع إبنه بعده ( سيف أرعد ) أعماله العدوانية ضد التجار المصريين واعتراض طريق القوافل بين القاهرة وشرق أفريقيا .
وهكذا كان لمؤامرة الشيخ عبد الغفار آثارها المدمرة داخلياً وخارجياً فقد كادت مصر أن تصرعها الحرب الأهلية وكاد الحريق أن يأتى على القاهرة واكتسبت السلطنة المملوكية عداء الحبشة ودفعت الإمارات الإسلامية فى زيلع وبربرة والصومال ثمن المؤامرة التى نفذها الشيعة الصوفية فى مصر ..
لقد أعلن عبد الغفار السبب فى حركته تلك فقال( كثر فسادهم وزاد طغيانهم فنودي بالانتقام منهم ). وقد يكون السبب فى كراهيته للنصارى مناصرة السلطات المملوكية فى قوص وأسيوط للنصارى ضد المسلمين ، وذلك ما اعترف به فى كتابه ( الوحيد ) ، ونقله عنه الشعرانى .
ولكننا نقول أن المقصود بهذه المؤامرة الشاملة إحداث قلاقل داخلية وخارجية للانتقام من الدولة المملوكية التى وطدت سلطانها على حساب الدعوة الشيعية ودعاتها المنتشرين فى كل مكان ، وإذ عجز أولئك عن المواجهة الصريحة فقد ارتأوا أن يصيبوا الدولة فى مقتل عن طريق التآمر بليل وهم لا يستطيعون سوى ذلك .. وقد أفلحوا فى مسعاهم فلم يلق عبد الغفار إلا قليلاً من الاعتقال ثم أفرج عنه فاعتكف فى جامع عمرو حتى مات . وأحرز شهرة بعد موته حتى يبعث ثيابه التى مات فيها للتبرك بها وفرقت على الزوايا الصوفية .
لقد انتقم عبد الغفار لشيخه أبى العباس الملثم ، وانتقم الجميع للبدوي الذى زرع البلاد بأعوانه حتى إذا قرب تحقيق الأمل جاء الظاهر بيبرس فحجر عليه ومنعه من جنى الثمار ، ودفعت مصر الثمن قتلاً وإحراقاً ، ولم تكن مصر فى يوم من الأيام بلدا للتعصب الديني ولكن ربما كانت البلد الوحيد الذى نفذت فيه مؤامرة شاملة بهذا الاقتدار والتخطيط ضد طائفة لا ذنب لها إلا لمجرد غرض سياسي وتصفية حسابات قديمة مع السلطة .
إن حركة عبد الغفار – وقبله خضر العدوي – أمر لا يقره الإسلام .. ولكن من قال أن عقيدة الصوفية تتفق مع الاسلام ؟؟ إن عقيدتهم المخالفة للإسلام – والتى نشروها مع الأسف فى مصر – تمثلت فى عبادة البدوي وذلك ما سنتعرض له فى الفصل الثانى .
هذا .. ولقد كان لسياسة الناصر محمد فى تقريب الصوفية أن تشجع الشيعة المتسترون بالتصوف وادعوا المهدية ، كما حدث من المهدي النصيرى الذى ظهر بالشام سنة 717 ، وبعده بست سنوات اعتلى أحد المماليك منبر جامع الحاكم الفاطمي وادعى أنه المهدى وسجع سجعات يسيره على طريقة الكهان ( فأنزل فى شّر خيبة ) . ولم تكن تلك الحركات سوى قفزات فردية لا تعبر عن تخطيط جماعى كما شهدنا فى دعوة البدوى فى القرن السابع.
ولم تكن دعوة البدوي هى الأخيرة ، فقد كانت للشيعة الصوفية وحلفائهم الأعراب حركة إبان ظهور تيمور لنك ولكنها لم توفّق . ثم نجح الشيعة الصوفية فى إيران فى تشييد أول دولة على أساس التصوف الشيعى هى دولة الصوفيين أو الصفويين.
(جـ) الحركات الشيعية الصوفية بعد البدوي :
أفلحت حركة البدوي فى استغلال التصوف والاستكثار من الأتباع وتنظيمهم .. إلا أنها أخطأت فى التركيز على مصر والاعتماد على المصريين كأساس للتحرك الشيعي الصوفي ، ثم إن الظروف تغيرت بسقوط دولة ضعيفة هى الدولة الأيوبية وقيام دولة فتية هى دولة المماليك البحرية .
وفى نهاية القرن الثامن شهدت مصر اضطراباً سياسياً حيث تحكم المماليك الجراكسة فى أبناء الناصر محمد بن قلاوون وأحفاده ، وصراع الجراكسة فيما بينهم على التحكم فى السلطان القلاووني الصغير وحكم مصر من خلاله.وقد انتهت هذه الفترة بتكوين السلطان برقوق للدولة المملوكية البرجية منذ بداية القرن التاسع .
وفى هذه الآونة كان تيمورلنك يؤسس مملكته فى الشرق ويتجه بأطماعه نحو الغرب والدولة المملوكية .ووجد الشيعة الصوفية فى المغول وزعيمهم الجديد تيمور الفرصة فى استعادة ملكهم الزائل والانتقام من الدولة المملوكية التى قضت على أحلامهم فى القرن السابع . وكانت لتيمور اهتمامات شيعية وحدب على الأشراف . وبدت فى المشرق تحركات غامضة بين أعوان تيمور من الشيعة فى خراسان واليمن ، مما دفع بالدولة المملوكية رغم متاعبها الداخلية إلى مراقبة الأشراف وتمييزهم بعصائب خضر على العمائم سنة 773 .
ثم وقع على كاهل السلطان برقوق عبء المواجهة مع الحركة الصوفية الشيعية الجديدة ، وكان برقوق كفؤا للمواجهة فقد استغل بنفسه التصوف فى تنصيب نفسه سلطاناً وهو أدرى باستغلال التصوف ولن يسمح لأحد بأن ينتصر عليه فى هذا المجال . ولم يكد السلطان برقوق يهدأ فى مقعد السلطنة حتى واجه خطر تيمورلنك سنة 796، وبينما كان يستعد للتحرك للقائه – ذلك اللقاء الذى لم يتم – إذ علم بمؤامرة ضده يقوم بها الشريف العنابي المتواطىء مع تيمورلنك. وكانت خطة العنابي تتلخص فى الاستيلاء على السلطة مع أتباعه من أعراب (العائد) حين يخرج برقوق بجنده لمقابلة تيمور لنك فى الشام ويكمل تيمور لنك الإجهاز على برقوق وجنده ، وحظى الشريف العنابي بتأييد بعض المماليك ، وفشلت الخطة لأن موسى العائدي شيخ العرب العائدية أفشى بالسر إلى برقوق الذى أسرع بقتل الشريف العنابي وأعوانه واشتد فى معاملة الأشراف عموما .
ومهما يكن من أمر فإن أحلام الصوفية الشيعة لم تتحقق مع تيمور إذ انهارت دولته بعد موته بأسرع مما يتوقعون ، كما أنه فى حياته لم ينشغل إلا بالفتوح والحروب والدماء ولم يكن فى وقته أو طموحه متسع لتحقيق أهداف الشيعة .
وبعد تيمور اقتنع الشيعة المتصوفة اللاحقون بضرورة الاعتماد على النفس وتكوين الأتباع حربياً وصوفياً فى نفس الوقت.وتم ذلك فى فارس حيث قامت دولة الصفويين فى أوائل القرن العاشر الهجري .
وإسماعيل الصفوي رأس هذه الدولة تسميه المراجع التاريخية باسم ( الصوفي ) ، وهو ( صفوي ) بالنسبة لبيته أى ( صفى الدين الاردبيلي ) جده الأكبر .. وهو ( صوفي ) نسبة إلى مذهبه ( التصوف الشيعي ) الذى قام به جده صدر الدين من مزج التصوف بالتشيع والانشغال بالسياسة والاصهار إلى حسن أوزون صاحب ديار بكر .. إلى أن جاء حفيده ( اسماعيل ) وقد كثر أتباعه من ( القزل باش ) وبهم استطاع أن يمد ملكه فاستولى ( على ساير ملوك العجم وخرسان واذربيجان وتبريز وبغداد وعراق العجم وقهر ملوكهم وقتل عساكرهم بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف وكان عسكره يسجدون له ) .
وحين اتجه اسماعيل الصوفى ( الصفوى ) بفتوحه ناحية الغرب كان لا بد أن يصطدم بالقوتين الإسلاميتين السنيتين ( الدولة العثمانية فى آسيا الصغرى والدولة المملوكية فى الشام ومصر ) والحدود متقاربة بين الأطراف الثلاثة . وبدأ اسماعيل الصوفي تحرشاته بالمماليك والعثمانيين فى وقت واحد مما أدى بالعثمانيين والمماليك للتعاون بينهما ضده .. وخشى اسماعيل مغبة هذا التعاون فعمل على أن يستميل إحدى القوتين إليه ليضرب بها الأخرى ، ولأنه كان مستحيلاً بالنسبة إليه أن يستميل السلطان سليم العثماني الذى تولى السلطنة بعد عزل أبيه لتهاونه ضد اسماعيل الصوفي – فقد ركز اسماعيل على استمالة الغوري ، وتم له ذلك عن طريق داعية صوفي شيعي تسلل إلى حاشية الغوري واصبح من أخص ندمائه وسيطر على عقله وجعله فى النهاية يخرج بجيشه بحجة الصلح بين اسماعيل الصوفي وسليم العثماني ليمنع الحرب بينهما ثم يتورط فى حرب مع سليم العثماني ويخسر الحرب وحياته وجيشه ووتنهار الدولة المملوكية أمام العثمانيين بدون قصد من العثمانيين وبدون نية حقيقية من السلطان العثماني للقضاء على الدولة المملوكية السنية .
والمتتبع لتاريخ ابن أباس يلاحظ الهلع الذى كان يصيب الغوري والقاهرة من تحركات الشاه اسماعيل الصوفي ضد حلب على الحدود المصرية المملوكية .
وفى هذه الأثناء كانت الشيعة تتحرك بمصر بتوقيت متناغم مع الخطر الخارجي الذى يمثله اسماعيل الصوفي . وأثار فزع الغورى تحالف العربان ضده وميل الأشراف للثورة حتى لقد ثار بالصعيد صوفي شيعي وادعى المهدية وضربت عنقه ، وعقد الغورى مجلسا للبحث فيمن انتحل النسب الشريف مخافة أن يكون بينهم جاسوس لاسماعيل الصوفي .
ثم تغير الوضع بمجىء المبعوث السري الذى لعب بالغورى وقضى عليه ، يقول ابن اياس ( حضر إلى الأبواب الشريفة " بقصد مكان السلطان" الشريف العجمي الشنقجي نديم السلطان الذى كان توجه بأفيال إلى نائب الشام ونائب حلب ( للاستعانة بها فى حرب العثمانيين ) وقد أبطأ مدة طويلة حتى أشاعوا موته غير ما مرة ، فظهر أن السلطان كان أرسله إلى شاه اسماعيل الصوفى فى الخفية فى خبر سر للسلطان بينه وبين الصوفي كما أشيع بين الناس ذلك .. فلما كان يوم السبت خامس عشر ربيع الآخرة خرج السلطان قاصدا نحو البلاد الشامية والحلبية ) أى نحو حتفه فى مرج دابق ، ويقول الغزي ( قبل معركة مرج دابق قرب الغورى إليه أعجمياً كان ينسج المودة فى الباطن بينه وبين اسماعيل حتى أخرجه من مصر لقتال سليم بحجة الاصلاح بينه وبين الصوفي ) وبهذا تم الانتقام من الدولة المملوكية.
ولم يكن اسماعيل الصوفي يتوقع أن تنهار الدولة المملوكية بهذه السرعة أمام خصمه سليم العثماني لذا فسرعان ما استغل الشيعة المحليين فى الكيد للعثمانيين فى مصر والشام كما فعل ابن حنش وابن حرفوش وغيرهما من أمراء الشام ثم جرب حظه مع الأمير المملوكى جان بردى الغزالى نائب الشام من قبل العثمانيين ، وأفشل العثمانيون تلك الحركات كلها .
وأخيرا لجأ اسماعيل الصوفى إلى طريقته المفضلة وهى استمالة الحاكم عن طريق مبعوث صوفى شيعى سرى .. وتم ذلك عن طريق الشيخ ظهير الدين الأردبيلى وكان من الدعاة السريين للشاه إسماعيل ولكنه استطاع ان يخدع سليم العثمانى فاصطحبه معه إلى تركيا ولكن سرعان ما عمل الأردبيلى لصالح عقيدته الشيعية فرجع إلى مصر مع أحمد باشا والى مصر وهو مملوك السلطان سليم ، وما زال الاردبيلى بأحمد باشا حتى تحول إلى مذهب التشيع وقام بثورة على العثمانيين وكان نصيبه القتل .
تلك لمحات سريعة عن الحركات الشيعية الصوفية وموقفها من الدولة المملوكية فى مصر ، ورأينا أنها أفلحت فى نهاية الأمر فى إقامة دولة شيعية صوفية فى إيران بقيادة الشاه اسماعيل الصوفي (الصفوي ) وعلى يده كان انهيار الدولة المملوكية فى مصر عن طريق مبعوثه السرى الشريف العجمى الشنقجى الذى تسلط على عقل الغوري وانتزعه من التحالف مع العثمانيين رفاقه فى المذهب السني ، وجعله يتحالف مع الشاه اسماعيل الصوفي ويخرج بنفسه لحتفه ، ووقف الشاه اسماعيل يتفرج على قوة سنية فتية تجهز على رفيقة لها هرمة دون أن يحرك ساكنا ..لقد كان سليم العثمانى فى طريقه لمحاربة اسماعيل الصوفي فوضع اسماعيل فى طريقه الغوري فقامت بينهما الحرب بحمق الغوري ودهاء الشنقجي المبعوث السري الذى عقد معه اتفاقا سريا أخرج الغوري من مأمنه إلى مقتله ، ومع الأسف ( فإن هذا الاتفاق السري لم يذكر التاريخ شيئا عن بنوده ) طبقا للتعامل الشيعى الذى ينزع دائما للسرية .
وبعد ..
لقد تعرضت المصادر التاريخية بالتفصيل لتحركات الشيعة المستترة بالزهد والتصوف والتى نجحت فى تحركاتها فيما قبل القرن السادس كحركات الزنج والقرامطة والدولة الفاطمية ، وتعرضت بالتفصيل أيضا لنجاح الحركة الشيعية فى القرن العاشر فى إقامة الدولة الصوفية الشيعية الصوفية فى إيران.
ومعلوم ان السرية كانت الطابع الأساس لبداية تلك الحركات وبالسرية نحجت فى إقامة حركتها ، وحين نجحت اهتم بها المؤرخون وبحثوا بداياتها وتطورها .. ومع ان تلك الدولة الشيعية الصوفية ظهرت إلى عالم النور فإنها لم تتخل عن السرية فى إدارة أمورها السياسية الخاصة بالدعوة والمؤامرات وتلك سمة رئيسة فى السياسيات الشيعية ألمحنا إلى بعضها حين قضى الشاه اسماعيل الصوفى على الدولة المملوكية بخديعة مبعوثه السرى لدى الغورى.
ونرجع إلى الحركة الصوفية الشيعية فى القرنين السادس والسابع تلك الحركة التى بدأت فى المغرب وانتقلت إلى مكة ثم العراق وتزعمها الرفاعى فى العراق ثم البدوى فى مصر .. ونقول أن السرية والغموض لازم تلك الحركة المستترة بالتصوف منذ بدايتها إلى نهايتها لأنها لم تتم ،وما كان لها أن تظهر واقعا فى كتابات المؤرخين المعاصرين لها طالما تظهر واقعاً فى دنيا الدول وعالم السياسة .. لقد قضى على تلك الحركة المستترة بالتصوف أن تظل ترفع راية التصوف وتتحول إلى طرق صوفية ذائعة فى الأماكن التى كانت تصبو لإقامة دولة شيعية فيها ، وكأنها حين فشلت فى السياسة اكتفت ( بدولة الباطن ) ، دولة التصوف من الأقطاب المتحكمين فى العالم بزعمهم .. وليس غريبا بعد ذلك أن يصير زعماء هذه الحركة من أبرز الأقطاب فى اعتقاد العامة .
ومع أن المؤرخين لم يسجلوا ما يقطع بوجود هذه الحركة السرية فإن كتاباتهم تشى بكثير من التحرك السرى للشيعة يؤيده الكثير من اللمحات فى كتب المناقب والطبقات الصوفية التى تبرز الدوافع والتحركات السياسية فى إطار من الكرامات الموحية والتى تعبر عن أحلام يقظة لم يقدر لها أن تتحقق إلا فى عالم التمنى ودنيا الباطن وادعاء الكرامات الزائفة .
ومهمة الباحث التاريخي فى عصرنا ألا يقتصر عما كتبه المؤرخون السابقون ممن عاصروا الحدث وكتبوا عن إقامة الدول التى نجحت فعلا , فالسابقون لم يتركوا لنا إلا القليل .. إن التحدى الحقيقى يكمن فى أن يحاول باحث التاريخ اليوم تتبع الحركات السرية التى لم تتم , يجمع لها الأدلة وينفذ بفكره ألى ما تحت الظاهر من الأحداث والأخبار , ويلقى بالأنوار الكاشفة من التاريخ السياسى المعاصر للحركة السرية لكى يعلل ما خفى منها من أحداث , ولا يأخذ ما تعارف عليه الناس كقضية مسلمة طالما لا تجد لها سنداً من التاريخ أو العقل أو الدين .. وهذا ما حاولت أن أفعله فى رصد حركة البدوي وأرجو أن أكون قد وفقنى الله تعالى فيه ..
قد ينكر الكثيرون القضية بأكملها .. قضية أن يكون البدوي والرفاعي أصحاب طموح سياسى ودعوة سرية لقلب نظام الحكم فى المنطقة , ولكننا نؤكد أن عناصر التآمر واضحة جلية فى سيرة أولئك الصوفية إلى درجة تجعلهم مختلفين عن الصوفية العاديين ممن تخففوا من الطموح السياسى والحركة السياسية السرية .
(د) ونلخص عناصر التآمر لهذه الحركة السرية فيما يلى :
أولا :
كونهم يدا واحدة دون بادرة اختلاف وشقاق , والصوفية شأنهم التفرق والاختلاف إذ كانت حياتهم فى التصوف وحده .. يقول رويم الصوفى ت303 ( ما تزال الصوفية بخير ما تنافروا فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم ) . واختلاف الصوفية يظهر فى اختلافاتهم المستمرة فى تعريف التصوف والزهد ومقامات التصوف واشتقاقاته وعقائده التفصيلية , وحين تحول التصوف من النظريات إلى التطبيق العملى وتكوين الطرق الصوفية انتشر الخلاف بين أرباب الطرق الصوفية وانحدر إلى تنافس حول الأتباع والموائد والولائم والرغيف والدرهم والدينار .
أما اصجابنا ممن تستر بالتصوف فقط فلم يعرفوا هذا الشقاق . وابن عربي مثلا وهو من أساطين الدعوة والتصوف النظري الفلسفى يقول فى صراحة ( العصى والقضبان إذا تفرقت تكسرت وإذا جمعت لم تقووا على كسرها فاجتمعوا ولا تتفرقوا ) . وحين بدأت الدعوة حقق أولئك تعاليم ابن عربي فكانوا يداً واحدة على من عداهم من الصوفية الآخرين , فالبدوى يكن الود لمعاصره الدسوقي ويستقبل البلقيني والبلتاجي فى نفس الوقت الذى يطرد فيه الصوفية الآخرون ويقول ( عليكم الطمس والخفاء إلى يوم القيامة ) واتباع مدرسة الواسطي يتخلون بكل بساطة عن الأسكندرية ليخلو الجو للشاذلى الذى احتل مكانة أستاذهم فيها , والدسوقى يعتبر نفسه ضمن المدرسة الشاذلية لأنه تابع طريق الشاذلي فى الدعوة , وأبو السعود بن أبى بن العشائر على صلة وثيقة بمعاصره أبى العباس البصير الوافد من المغرب فى نفس الوقت الذى نحس فيه بنفورهم من عبدالرحيم القنائي المنشق على الدعوة , والبدوى لا يستريح إلا إذا أنهى كل وجود صوفى مخالف فى طنطا وفى نفس الوقت يسمح لسالم المغربى بالبقاء لأنه زميل فى الدعوة , والدسوقى يقر بتبعيته للبدوى فيقول ( وأما ولد العم سيدى أحمد البدوي فإنه الأسد الكاظم , وفى ذلك يقول :
قال ابن أبى المجد فضل الله علينا عم
كل الجماعة تبع والسيد أحمد عم) .
وبانحسار العامل السياسي وتحول الطريقة الأحمدية إلى تصوف بحت ساد التنافس والتنازع بين اشياخها وألمح إليه عبدالصمد .
ثانيا
برغم تتابع الزمن وأختلاف المكان إلا أن التخطيط واحد بين المدرستين الرفاعية والبدوية.
1 ـ فالرفاعي يؤمر فى البقاء فى أم عبيدة إلى أن يموت ،والرفاعي يأمر خلفاءه بنفس الأمر، ويأمر أبا الفتح الواسطى بالاقامة فى الإسكندرية إلى أن يموت ،والبدوي يظل فى طنطا إلى أن يموت، وكلما أرسل مبعوثه إلى مكان قال له( مقامك ومماتك بها ). ثم إن السياسة واحدة لدى الرفاعي والبدوي فكلاهما ساق أتباعه بمزيد من الحزم وفى الوقت نفسه واجه المجتمع بالتصوف ( إما بالتصوف الخانع كالرفاعي أو الجنون والجذب كالبدوي )، وكلاهما أرسل بعوثا إلى الأماكن الهامة فى ناحيته وجعل من مقره مركزاً للدعوة تعلن التصوف وترسل الوفود فى الخفاء ، وكلاهما ادعى لنفسه نسباً علوياً هاشمياً وسار الأتباع على نفس الطريق ( ادعاء النسب العلوي ). وادعاء النسب العلوي عادة سيئة بدأ بها ثوار الشيعة واشتهر بها الفاطميون ثم سار على منوالهم أساطين الحركة الشيعية كالرفاعي والشاذلي والدسوقي والبدوي , وحتى لو صح هذا النسب فلن يغنى عنهم من الله شيئا .
2ـ ونلمح تخطيطا آخر على مستوى أعلى وأعم .. فكل الرءوس أتت من المغرب وأقامت فى مكة وتحركت منها إلى العراق ـ ثم اتجه البدوي إلى طنطا .. ومن العراق والمغرب كانت تأتى الوفود إلى مصر بشيخ ومريدين أجانب يكونون مدرسة تجمع الأتباع من بين المصريين كما فعل أبو السعود الواسطي وأبو الفتح الواسطي وأبو العباس الملثم وأبو العباس البصير وأبو الحسن الشاذلي . ثم البدوي وأتباعه خارج مصر .
3ـ وهناك تخطيط آخر نلمحه على نطاق ضيق فى تاريخ البدوي فى طنطا فهو سلسلة من الأحداث المرتبة المخططة لا وجود للصدفة فيها , فقد قدم لطنطا مباشرة واتجه رأساً إلى بيت ركين الدين وسرعان ما أتته الوفود من العراق والحجاز واليمن والشام وكانوا من أوائل أتباعه , وبادر بالتخلص من الصوفية الآخرين فى طنطا ثم كانت بعوثه إلى داخل وخارج مصر وصلاته الغامضة بمدرسة أبى الفتح الواسطي والدسوقي , وهو مع ذلك كله مجهول فى مكان مجهول يتظاهر بالجذب والجنون , وهو حاكم بأمره فى طنطا التى أصبحت مدينة كاملة للدعوة بأتباع يتزعمهم عبدالعال وتحت أمرته مشرفون على الكنس والطبخ والبريد والماشية , وبهذ التخطيط أصبحت طنطا مركزاً للدعوة يضارع أم عبيدة فى العراق . أى أن البدوي فى رحلته لأم عبيدة لم تضع أيامه سدى أو فى صراع ووفاق مع فاطمة بنت برى كما تزعم كتب المناقب.
4ـ والأسلوب واحد بين أشياخ الدعوة فهم يغضون الطرف عن الاتهامات الخاصة بالنساء والانحراف الخلقي بل قد توحى بذلك عن عمد سيرتهم لإلهاء الخصم عن الغرض السياسى , فالرفاعي اتهم بالجمع بين الرجال والنساء وقريبا من ذلك اتهام أبى العباس الملثم ولم يحاول أحدهما الدفاع عن نفسه ,وخضر العدوي كان يتشدق علنا بفجوره ، وكتب المناقب نسجت قصة فاطمة بنت برى كغطاء على هدف البدوى من رحلته إلى العراق وأم عبيدة .
5 ـ والشيعة كرواد للتصوف ابتكروا الطرق الصوفية ليستطيعوا بها التغلغل فى أعماق المجتمعات . وقد بدأ عبدالقادر الجيلاني (478ـ 562 ) تكوين الطريقة القادرية , وسيرته تنضح بالطموح السياسي الشيعي
كما يبدو من ترجمته فى الطبقات الكبرى للشعراني , ثم تابعه ابن عربي فأسس الطريقة الأكبرية , وفى القرن السابع كان إنشاء الطرق الرفاعية والأحمدية والسطوحية والبرهامية الدسوقية والشاذلية أسوة بالدولة الفاطمية , وفيما بعد انتشرت الطرق الصوفية حتى أصبح فى عهد الشعراني من إحدى العادات السيئة للصوفي أن يبادر بتكوين طريقة صوفية ينافس بها شيخه ويزاحم بها الآخرين .
والمهم أن ابتداع الطرق الصوفية لم يكن عبثا , فقد كانت الطرق ستاراً يجمع الأتباع وينشر الدعوة ويرسل الوفود وفيها تعقد الاجتماعات وتتم المراسلات .. حتى إذا خاب السعي السياسي استغلت إمكانيات الطرق الصوفية فى إعلاء مكانة الأشياخ وتقديسهم وجمع النذور ( والنقوط) ونصب الولائم .. ثم تابعهم الآخرون ، فعمت البلوى بالطرق الصوفية وفروعها العديدة فى كل شارع ، حتى كان فى عصر الشعراني بين كل طريقة صوفية وأخرى شيخ ناشئ يحاول تكوين طريقة لنفسه , وأصبح عملاً مربحاً أن تنشئ لنفسك وأبنائك طريقة صوفية تتيح لك أكبر قدر من التمتع المربح والبطالة اللذيذة ... وقد أثار أولئك حنق الشعراني فهب ساخطا عليهم فى كتبه "لطائف المنن " و" رسالة إلى مدعي الولاية فى القرن العاشر " وتنبيه المغترين " و" ردع الفقراء عن ادعاء الولاية الكبرى " ...إلخ .
ثالثا :
وبالإضافة لعناصر التآمر السابقة فهناك غموض ومعميات وتساؤلات لا توجد إجابة واضحة لها ولا تعليل مناسب إلا فى ضوء الدعوة السرية ...
من ذلك مثلا:ـ
1 ـ لماذا ظل البدوي مجهولاً منذ وفاته فى القرن السابع إلى نهاية القرن التاسع حين بدأ التأريخ له على استحياء فيما ذكره السيوطي فى حسن المحاضرة ؟ مع أن السيوطى لم يذكره فى الوفيات فى كتابه " تاريخ الخلفاء " وحتى حين ذكر ترجمته المختصرة فى " حسن المحاضرة" كانت الترجمة الوحيدة التى لم يذكر فيها مصدراً أخذ عنه.. ثم كانت ترجمته التالية فى طبقات الشعراني فى القرن العاشر بدون مصدرً أيضاً .
و"البدوي" هو من أشهر الأعلام فى مصر بل ربما يكون أشهرهم على الإطلاق.. ولا تعليل للجهل به حين كان حيا يرزق فى القرن السابع إلا أنه كان داعية مستتراً , ولا تعليل لشهرته فيما بعد إلا أنه له اتباعا سريين نشروا الدعاية له فى كل أرجاء مصر وخارجها . وبهم اشتهر البدوي واشتهرت طنطا والمولد الأحمدي والطريقة الأحمدية السطوحية وبهم استمرت سيرة البدوي تراثاً شعبياً تحفظه الصدور مختلطا بالكرامات فيقول عبدالصمد (إن الناقلين لتلك الكرامات غير معلومين والمؤلفين لها غير مشهورين والحاكين للأقوال غير مذكورين) .
2 ـ و...لماذا ساس الرفاعي أو البدوي أتباعهما بالحزم بينما واجه الآخرين بالتصوف والجذب ؟ إن الشأن فى الصوفي العادي أن يكون واضحاً صريحاً فهو إما " مجذوب" أمام الجميع وإما " سالك" أمام الجميع . فليس لديه شئ يخفيه , والتصوف فى ذلك العصر كان ولا يزال مرعى الجانب , والصوفى يتمتع بالحظوة لدى الناس والحكام فلا داعى حينئذ للتلون اللهم إلا إذا كانت هناك خبيئة فى النفس ودعوة سرية تخشى مواجهة الحاكم ومن لا يوثق بهم .
3* ويلفت النظر أن البدوي دخل طنطا فى أسوأ حال , ماشيا على قدميه متورم العينين تشيعه الصبيان لغرابة مظهره كما ورد فى ترجمته فى الطبقات الكبرى للشعراني وذلك أمر منتظر من مسافر اتى من مكان بعيد وقاسى الكثير من عناء السفر . ولكن من غير المنتظر أن يجد ذلك المسافر بيتاً يؤويه بسرعة وأتباعا يلحقون به من الشام والعراق والحجاز واليمن , ثم لا يلبث أن يصير متحكماً فى طنطا , وصاحب دور وماشية وحاشية , وذلك لا يحدث إلا فى أساطير ألف ليلة , ولسنا نجد فيها حلاً مقنعاً .. والحل المقنع يتجلى فى الدعوة السرية المخطط لها بإحكام من قبل الشيعة أساطين الدهاء والسرية .
4 * ثم لماذ يرسل الصوفي العادى بعوثا ويلزمهم بالبقاء فى أماكنهم حتى الموت ؟ . الشأن فى الصوفي العادى أن يحاول بقدر الإمكان أن يكثر الأتباع حوله , فكلما كثر الأتباع زاد المدد وتعاظمت " النفحات" من المريدين والمحبين , أما صاحبنا الذى يصطنع التصوف ستارا فهو يزرع البلاد بأتباع دائمين ويعزز الاتصال بهم حتى إذا حانت ساعة الصفر تحركوا فى ساعة واحدة كل منهم بأتباعه فى بلدة واستولوا على السلطة .
5* ثم كيف نحلل إحراق الكنائس المصرية كلها ـ ما عدا واحدة هى الكنيسة المعلقة ـ فى وقت واحد فى جميع البلاد على امتداد العمران المصري من أقصى الصعيد إلى الأسكندرية ؟ ثم يلصق ذلك بأحد أتباع الدعوة ؟ ويكون واضحا أن ذلك الحدث قد خطط له بإحكام ونفذ بطريقة واحدة فى كل البلاد .. ثم يأتى الحدث بآثار مدمرة داخلياً وخارجياً لا يمكن فهمها إلا فى ضوء الانتقام من السلطات التى حالت دون تحقيق الهدف الذى كان أصحاب الدعوة المنتشرون فى كل البلاد ـ يأملون فى الوصول إليه , وقد عاشوا على أمل تحقيقه أياما طويلة .
6*ويلفت النظر أن أصحابنا من المتصوفة الشيعة قد عانوا الكثير من الاضطهاد إلى درجة الاغتيال ومؤامرات القتل كما حدث للشاذلي فى المغرب وأبى العباس الملثم فى مصر وأبى الحجاج الأقصري فى الصعيد وأبى الفتح الواسطي فى الأسكندرية واسماعيل الإنبابي فى إنبابه وخضر العدوي مع الظاهر بيبرس وابن عبدالسلام . ثم أبومدين فى المغرب والبدوي فى طنطا ـ حين امتحنه ابن دقيق العيد ـ والرفاعي فى أم عبيدة حين انكر عليه المعارضون , وقد أدت المؤامرات إلى قتل بعض اساطين الدعوة كابن بشيش وعز الدين الصياد الرفاعي ... والعهد بالدعاية الصوفية أن تضخم الحديث فيما يعد منقبة للأولياء وأن تثير السخط والهجوم على أعدائهم , وليس اغتيال ابن بشيش والصياد بالشئ الهين , ولكننا نفاجأ بسكوت مريب عن ظروف القتل وملابسات الاغتيال , فكل ما هناك أن يقال إن ابن أبى الطواجن هو قاتل ابن بشيش وأن يوصف عز الدين الصياد " الشهيد عز الدين الصياد " . ولا تعليل هنا إلا بالدعوة السرية والحرص على كتمان ظروفها , ولو تجسدت هذه الظروف فى مقتل أحد الكبار .. ولا تعليل لهذه السلسلة من الاغتيالات والاضطهاد والمحاكمات إلا أن أولئك أصحاب هدف سري مضاد للدولة الحاكمة , والحرب الخفية مستمرة بين الطرفين .. وبينما تقرب السلطات المتصوفة العاديين وتقيم لهم الخوانق والزوايا والربط فأنها تلاحق المتسترين بالتصوف وبالإضطهاد والمحاكمات وأولئك ينتقمون منهم بكرامات مزعومة..
7 *ثم هذه الرسائل الشفرية التى كان يرسلها الدسوقي لأعوانه فى مصر ومكة ويدعي أنها باللغة السريانية , وما هى فى السريانية فى شئ ، وقد عرضتها على متخصصين فى السريانية فأنكروها , ولا تفسير لهذه الشفرة إلا فى الدعوة الشيعية السرية واتصالاتها الشفرية .
8 ـ وفى النهاية فإن عناصر المؤامرة وظروفها ووقائعها تتمشى مع الواقع التاريخى للمنطقة , ففى التطورات التاريخية المعاصرة لهذه الدعوة الإجابة الكافية على ازدهار الدعوة ثم اضمحلالها .. فقد انتشرت الدعوة الرفاعية وتغلغلت بعوثها فى الشرق ولكن قضى عليها هناك ظهور الخطر المغولى والدولة الخوارزمية السنية , ثم تغيرت ظروف العراق إلى الأسوأ وبموت الرفاعى وانهيار الدولة الفاطمية فى مصر كان التركيز على مصر الأيوبية , وزاد التركيز على مصر الأيوبية بمجئ البدوى حين ضعف الحكام الأيوبيون وانشغلوا فى صراع عائلى مستمر مع اضطراب مبعثه الحروب الصلبية الوافدة إلى مصر وتحالف بعض الأيوبيين مع الصلبيين فى الشام وبوادر الخطر المغولى الزاحف من الشرق وضغطه على الدولة الخوارزمية التى تضغط بدورها على الحكام الأيوبيين فى العراق والشام .. وازداد الضعف الأيوبي حتى سقطت الدولة فى مصر وانشغل الحكام الجدد بمنافساتهم الداخلية ومشاكلهم الخارجية مع الأيوبيين والمغول , وفى هذه الأثناء وصل نشاط البدوي إلى الذروة , ولكن بدأ توطيد الدولة المملوكية على يد الظاهر بيبرس وهو خبير فى المؤامرات شديد الدهاء , سريع التحرك لمواجهة أى خطر أو مؤامرة ووضح أن آمال الدعوة قد خابت على يد هذا العاهل القوى , وهذا ما حدث .
9ـ ثم إن غموض الحوادث وسريتها أمر لازم وضروري فى بداية أى دعوة سرية.. ويكون أشد لزوماً وأكثر ضرورة إذا كانت تلك الدعوة شيعية ؛ فالشيعة هم أهل التقية والأسرار وتكوين الدعاة والأنصار والتأثير على الخصوم واصطناع الجواسيس ، وهم أصحاب الرموز والتأويلات والسرادب والإمام المستور والألغاز ، وهم مبتدعو جميع المذاهب والعقائد المنحرفة التى تقدس الأئمة والأولياء ..
ثم هم الذين نشروا عبادة البدوي وتأليهه فى مصر .. وهذا موضوع الفصل الثاني ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,281,856,406
- ف 1 : سادسا : جهود البدوي فى المرحلة الثانية ( 658-675ه )
- مستقبل الثورات العربية الراهنة
- و.. التبنى حرام قطعا
- مولد ابن لادن
- ف1 خامسا : جهود البدوي فى المرحلة الأولى ( 637- 658 هجرية)
- بولس الراهب الحبيس
- تعديل قانونى بسيط ينقذ مصر من خطر محيط
- ف 1 : رابعا قبيل جهودالبدوي فى الدعوة السرية
- حوار لم تنشره جريدة ( المصرى اليوم )
- ف1 : الحركة الشيعية السرية فى القرنين السادس والسابع قبل الب ...
- حقيقة البدوى كداعية شيعى سرى : الفصل الأول
- كتاب (السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة) فكرة عن هذا الكتاب:
- الى متى يستمر نهب الآثار المصرية ؟!!
- السلفية : الجذور .. والشرور .!
- الثورات العربية الحقوقية ونهاية عصر الايدلوجية
- مبارك مع الاقامة وعلى زين العابدين والأمويين
- حق المرأة فى رئاسة الدولة الإسلامية ( 6 ) ثالثا : المرأة تتص ...
- حق المرأة فى رئاسة الدولة الإسلامية( 5 ) . ثانيا : المرأة تح ...
- حق المرأة فى رئاسة الدولة الإسلامية (4 )
- من علوم القرآن : القرآن والواقع الاجتماعى ( 17 ) ابن الزيات ...


المزيد.....




- أردوغان ينضم لحملة -مرحبا أخي- تكريما لذكرى ضحايا -مذبحة الم ...
- رسالة مؤثرة لنجم الرغبي النيوزيلندي بعد زيارة ضحايا المسجدين ...
- نيوزيلندا تجرم حيازة أو توزيع بيان منفذ مذبحة المسجدين
- تنظيم الدولة الإسلامية -ما زال تهديدا لا يُستهان به-
- القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية تدعو لمقاطعة المنتجات ال ...
- الموصل احتلت مكانتها في الجنة – كامل كريم الدليمي
- الفاتيكان يقبل استقالة أسقف متهم بالتغطية على انتهاكات جنسية ...
- دار الإفتاء المصرية ترد على حرق زعيم حزب دنماركي نسخا للقرآن ...
- كنيس يهودي يفتح أبوابه أمام المسلمين لصلاة الجمعة في نيويورك ...
- إمام مسجد بنيوزيلندا: مذبحة المسجدين يجب أن تكون نقطة تحول م ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - ف1 سابعا : حركة البدوى بعد الفشل