أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - جدل - أفكار من أجل تحويل تيم إلى حزب موحد






















المزيد.....

جدل - أفكار من أجل تحويل تيم إلى حزب موحد



تجمع اليسار الماركسي في سورية
الحوار المتمدن-العدد: 3355 - 2011 / 5 / 4 - 09:00
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مجلة فكرية - ثقافية – سياسية
تصدر عن (تجمع اليسار الماركسي في سوريا- تيم)

العدد 9
نيسان 2011



الملف السياسي
أفكار من أجل تحويل تيم إلى حزب موحد

افتتاحية التحرير
الزمن العربي الجديد
لقد عصفت رياح التغيير والثورة في مختلف بقاع عالمنا العربي الكبير ، لتطيح بأنظمة الفساد والاستبداد و القهر والتجويع والإذلال .. فالشعوب العربية قد قطعت عهداً أن تطوي صفحة الزمن العربي القديم المظلم والذي طال أمده لتكتب تاريخها الجديد بحبر النور والثورة فاتحة آفاق للمستقبل من أجل عيش كريم لا ظلم فيه ولا فساد ولا قهر ولا اضطهاد . بل هناك العدل والحرية والديمقراطية وسائر معاني تلك المنظومة التي تليق بالإنسان ، ولتحطم تلك المشاريع والمخططات التي رسمتها الإمبريالية والصهيونية وأتباعهما من حكام المنطقة ، والذين كانوا وما زالوا وبالاً على شعوبهم .. من أجل قتل إرادة الشعوب ونهب ثرواتها وإفقارها .. إنها الثورة لا بيضاء ولا حمراء يشعل شرارتها الأولى شباب العرب لتنضم إليهم كل الفئات والطبقات الاجتماعية من العاطلين عن العمل والمهمشين جهوياً واجتماعياً وقومياً والعمال وفقراء الفلاحين والتجار المتوسطين والصغار المهمشين اقتصادياً وسياسياً والتي عانت طويلاً الظلم والاضطهاد.
لقد هبت الشعوب العربية لتزلزل الأرض تحت أقدام أولئك الحكام الذين أرادوا أن يكون أمد الإفقار والاضطهاد والفساد أبدياً.. زرعوا الخوف في النفوس ، وأحكموا قبضتهم على أعناق الناس ، قتلوا وشردوا واعتقلوا ، لا يردعهم في ذلك وازع، بعد أن اجترؤوا على شعوبهم ، فامتهنوها ظناً منهم أن هذه "القطعان" المخدرة كما يرونها لن تستطيع - وإلى أجل غير مسمى - أن ترفع الرأس أو الصوت في وجوههم .. لكنه التاريخ الذي له منطقه الصارم في رسم مصائر الشعوب والأمم والحكام برغم أنوف الطغاة وأوصيائهم من إمبرياليين وصهاينة ورجعيين ..إن الثورات المباركة في كل من تونس ومصر قد ردت الأمل إلى الشعوب بعد أن أزاحت تلك الكوابيس الثقيلة المرهقة مضيئة دروب الحرية .
لم تكن تلك الثورات القائمة والتي ستقوم لتحتاج فقط إلى المنظرين التقليديين وأصحاب الأيديولوجيات ، إنما أضافت إلى ذلك عفويتها وحويتها عبر الشباب الثائر الذين أرادوا ففعلوا . وهل جرى ما جرى لو لم يكن ذاك التراكم الطويل من المعاناة ومن إمعان الاستبداد والاستغلال مع ما رافقه، بطبيعة الحال ، من وعي متراكم .
لقد بدأ الشعب العربي في كل أقطاره بالاحتجاج والتظاهر ، وإعلان المطالب لتقابل بالرفض والقمع والتفريق بالقوة .. ثم ارتقى التصعيد ليصل إلى مستوى الثورة الحقيقية، ولترتفع مطالب الشعوب عالياً لتقول بالحرية والعدالة الاجتماعية ..وبإسقاط الدولة الأمنية وإلغاء حالة الطوارئ وبإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي . وفتح حرية العمل السياسي وحرية التعبير والرأي، بعد أن تم تفريغ الشارع العربي من السياسة لتصبح حكراً على حزب النظام وأتباعه من جهة وحكراً على الثقافة الطائفية والسلفية والاثنية من الجهة الأخرى . وهما بالطبع، وجهان لعملة واحدة..
كما رفع الشعب شعار التداول السلمي للسلطة .
إن كلا الثورتين التونسية والمصرية قد أطاحت بنظام الاستبداد والنهب لتبدأ بالبيت الداخلي ، فتستكمل أهدافها التي صبت إليها . وليس يطلب من ثورة فتية ، أن تنجز وبضرب من السحر ، كل الأهداف المرجوة ، فهي بحاجة إلى التجذّّر المتزايد والصبر والوقت، ما دام الشعب هو صانع الثورة والساهر على مستقبل الوطن ، له طليعته اليقظة من حملة الوعي من قطاع الشباب .
وإذا كان هناك في الداخل أو في الخارج من يحاول الانقضاض على الثورة لتفريغها من محتواها ، أو ركوب موجتها للانزلاق بها إلى حيث لا تريد ، فإن الذين ضحوا بدمائهم وعرقهم من أبناء الشعب لن يسمحوا بهذا الاغتيال ، ولا بحرف الثورة بعيداً عن أهدافها الحقيقية.
درساً يجب تعلمه والوثوق به وهو أن الشعب هو القادر متى شاء على صنع التاريخ والسير به نحو مجتمع خال من البؤس والقمع وانتهاك كرامة المواطن وحقوقه . مجتمع خال من الاستبداد الذي هو التربة الخصبة لاستشراء الفساد في جسم المجتمع. إن صوت الشعوب المدوي في جميع أرجاء الوطن العربي هو رسالة بليغة إلى الرأسماليين والإمبرياليين والصهاينة والمتاجرين بكرامات الشعوب ودمائها بأن عهد الاستعباد والظلم والقهر والترويع والتجويع واحتكار الثروة قد ولى زمنه في هذا العالم العربي، وأن الشعوب العربية قد باتت قادرة على أن تمسك مصيرها بيدها في زمنها التاريخي الجديد ، بعد أن زوروا إرادتها وتاريخها طويلاً . فالنصر والبقاء للشعوب وليس للأنظمة الجائرة ، ولو دعمتها جميع قوى الظلم والعدوان في هذا العالم. الزمن العربي الجديد الذي يريد أن يقطع مع الماضي ، في ولادته الجديدة .. الشعوب ولا شيء سواها تخرج المجتمع الجديد من رحم المجتمع القديم .. أما الذين يرمقون الحدث من بعيد فنقول لهم : تعلموا الدروس من الثورات ، والتحقوا بقوافل الشعوب الثائرة.
إننا ندعو الشعوب الثائرة إلى اليقظة وتماسك الصفوف وتماسك الأوطان والصبر والثبات.. وإلى شباب العرب وهم غد الأمة وطليعتها الثائرة المندفعة نقول لهم : أنتم اليوم القاطرة التي تقود الشعب إلى محطة العدل والسلام والحرية والديمقراطية . وأنتم القادرون عبر تجاربكم النضالية والثورية على أن تقرروا قياداتكم الأكثر كفاءة واقتداراً وإخلاصاً والتصاقاً بقضايا الشعب الأساسية لتبلور برامجها السياسية وقد رسمت أطر للمستقبل الذي نرجو أن يكون مشرقاً .
سكرتاريا التحرير









افتتاحية العدد
الطريق إلى الواقع العربي الجديد
بات من الواضح بأن الشعوب العربية قد نهضت، واستعادت زمام المبادرة التاريخية، ممسكة ناصية التاريخ بقوة و إرادة تمكِّنها من تشكيل مستقبلها وبنائه بما يتلاءم مع مصالحها الاجتماعية والسياسية . ومن الأهمية بمكان أن من يفجّر ويقود ويحدّد اتجاهات التحولات الشعبية في سياق النهوض الثوري الذي يجتاح البلدان العربية هم المهمشون والعاطلون عن العمل والطبقات الوسطى المهمشة في العملية الاقتصادية بفعل الإقصاء والاحتكار من قبل رجال أعمال السلطة، إضافة إلى الطبقة العاملة وقسم من الفلاحين المتضررين من سياسات الأسعار الجائرة وعمليات الاستيلاء القسري على الأرض من قبل أزلام السلطة. والقطاع الأبرز في الثورات الشعبية هم الشباب، في وقت يتراجع فيه دور الأحزاب السياسية القائمة والتي شاخت وترهلت بفعل الحصار الأمني الطويل والقمع المتواصل لنشطائها. ولم تعد كافية كتعبير عن مصالح مختلف شرائح المجتمع. وهي بذات الوقت تعجز عن قيادة التغيير الذي تستوجبه اللحظة الراهنة، وتستدعيه التناقضات المتفاقمة. إن هذا التحول في شكل الحركة الشعبية أعطى طابعاً جديداً لشكل الثورة السياسية، فإضافة إلى طابعها السلمي، تميزت بمساهمة نشطة من قطاع الشباب غير المسيس.. وقد أوضحت الثورات التي تعصف بالدول العربية- مقتلعة ًالنظم السياسية الهرمة و المتكلسة التي باتت تشكل عالة على الشعوب، إضافة لكونها السبب الرئيسي للتخلف- بأن الشباب يمثلون ضمير الشعب ويعبرون عن طاقاته التي لم يتمكن القمع و الظلم أن يقهرها أو يطفئ جذوتها، وليس هذا فقط، بل أكدوا للعالم بأن اليافطات التي كانت تلوّح بها النظم السياسية الحاكمة والدول الرأسمالية بأن سقوط النظم السياسية العربية الحالية، سوف يقود إلى تحكّم الأصوليين الإسلاميين بزمام السلطة والمجتمع، لم تكن سوى فزّاعة لإرهاب المجتمعات العربية. وقد أثبتت الثورات السياسية الشعبية التي نشهدها بأنه لا يوجد مكان فيها للتطرف أياً كانت أشكاله سياسية أو دينية. لقد بينت هذه الثورات في واحد من أهم دروسها بداية نهاية المد السلفي الظلامي الذي طبع المنطقة العربية والشرق الأوسط منذ ثمانينات القرن الماضي . فقد تجاوزت هذه الثورات كل ما هو عقائدي وجامد. وكل ما هو مذهبي وأثني . وقد أثبتت أيضاً بأن المجتمعات العربية ورغم إزمان تحكم الاستبداد وتعمق الاستغلال، فإنها ما زالت تمتلك إرادة الحياة، و أن التعدد الديني والتنوع المذهبي قد ساهم في النهوض الشعبي ضد الظلم والاستغلال، وشكل علامة غنى وتنوع ضمن الوحدة . وقد أعطت الثورات الشعبية في مواجهة الاستبداد صوراً رائعة من التلاحم الاجتماعي.
وإذا دققنا في مضامين الثورات الراهنة للشعوب العربية، نرى بأنها قامت على ثلاث مستويات : ديمقراطية ، وطنية ، اجتماعية / مطلبيه. فهي أولاً: رد ثوري على كافة أشكال النظم السياسية الاستبدادية التي احتكرت السلطة والثروة وأفرغت المجتمع من السياسة وألحقت النقابات بها، وألغت التعددية السياسية الحقيقية والحريات السياسية والحريات العامة وحرية التعبير، وشوهت العملية الانتخابية، وفرضت حالة الطوارئ و المحاكم الاستثنائية بشكل دائم، وأسست لهيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات . وكان من أهم تجليات ذلك الفساد والبيروقراطية وخراب الحياة العامة .
إن الثورات الشعبية الحالية ذات طابع سياسي ديمقراطي تهدف إلى: إلغاء سيطرة الحزب الواحد ، وضمان حرية العمل السياسي قانونياً في إطار من التعددية السياسية والحريات العامة ، وتمكين الرقابة الشعبية ومكافحة الفساد، وإجراء تغيير حكومي ذي توجه شعبي وفق قانون انتخابي جديد تحت رقابة قضائية.. ومن سيقوم ببناء الدولة الحديثة هو الشعب. إذ أن أولى تجليات الدولة الجديدة سيكون بناء المشروع الديمقراطي السياسي الاجتماعي الذي يعبّر عن مصالح كافة الفئات الاجتماعية من الطبقات الوسطى والطبقات المضطهدة والمستغلة ومن الجماعات المهمشة قومياً واجتماعياً. لذا فهذه الثورات سوف تمهد الأرض وتشكل المقدمة الضرورية لبناء المجتمع الجديد.
ــ أما في المستوى الاجتماعي فإن المد الثوري الحالي يشكّل رداً على الاستغلال الذي تمارسه السلطات السياسية من خلال طابعها الاقتصادي الرأسمالي المشوه/ اقتصاد السوق/ الذي قضى على الطابع الإنتاجي الصناعي والزراعي وأسس لأشكال من رأسمال مالي مضارب ريعي خدمي عقاري يقوم على استمراره وتعميقه فئات اجتماعية أمسكت بمفاصل الحياة السياسية، وراكمت ثروات شخصية من خلال نهب المال العام والثروات الوطنية وبيع القطاع العام في سياق تنفيذ سياسة الخصخصة وساهمت في انتشار الفساد وتعميقه، ولاحقاً سيطرت على القرار الاقتصادي وفق آليات تمكّنها من زيادة حدة تمركز الثروة وتمكنها من القبض على الاقتصاد بشكل كامل. إن السياسات الاقتصادية الراهنة قضت على شكل رأسمالية الدولة و كافة الأشكال التنموية الحقيقية وساهمت في زيادة حدة تمركز واحتكار الثروة في سياق التكيف مع ميول الرأسمالية العالمية، وأدت أيضاً إلى زيادة حدة الاستقطاب الاجتماعي، وإلى زيادة معدلات الفقر والبطالة وعمّقت الفساد والبيروقراطية وقادت إلى رفع تكاليف المعيشة وتدني مستوى الأجور وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية وقضمت ما تبقى من المكاسب الاجتماعية. وقد ساهمت هذه السياسات في تراجع دور الفئات الوسطى والبرجوازية الصناعية المدينية وإلى تهميشها في القطاعات الاقتصادية الرائدة والمربحة ، مما أدى إلى تفلّت هذه الفئات و فك ارتباطها بالمؤسسات الرسمية، ووقوفها مع المسحوقين والمفقّرين ضد السياسات الاقتصادية و الأشكال السياسية الراهنة. إن عدم استجابة السلطات السياسية لمطالب الجماهير المسحوقة وإصرارها على التمسك بسياسة الأمر الواقع سيزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي ويعجل باندلاع مزيد من الثورات ذات الطابع الشعبي.
ــ أما المستوى الوطني فإنه يشكل السمة الرئيسية للثورات الشعبية، فقد عبّرت هذه الثورات عن كافة التناقضات والإشكاليات التي يعاني منها المواطن العربي، وتجلت في سياق مشاركة اجتماعية وطنية تشمل كافة الفئات الاجتماعية. فهي من جانب ترى الوطنية من بوابة التأكيد على ضرورة تمكين المواطن من كافة حقوق المواطنة التي هدرتها النظم الاستبدادية، ومن جانب آخر تؤكد على رفض التدخل الإمبريالي في القضايا الداخلية، وهي بذات الوقت لم تنحدر لتكون تعبيراً عن قضايا اثنيه،عشائرية، مذهبية، جهوية، بل نهضت على أسس وطنية تجاوزت كافة هذه التشكيلات والتجليات ما قبل الوطنية، في سياق المحافظة على الوحدة الوطنية والأهداف الوطنية. لهذا يمكننا التأكيد على أن كافة الثورات الشعبية العربية الحالية بمختلف تجلياتها، تعمل على إنجاز مشروع ديمقراطي سياسي واجتماعي في إطار وطني.
ومن الواضح بأن شكل الثورات الشعبية التي تشهدها الدول العربية، والتي يقودها المتضررون من تناقضات النظام الرأسمالي بكافة تجلياته وأشكاله، ستعمق رفض السياسات الأمريكية تحديداً والغربية الإمبريالية عموماً، وتعيد بناء العلاقة بين هذه الأطراف وفق معايير جديدة. فهي أي السياسات الأمريكية لم تكن أبداً تسعى إلى مساعدة الشعوب العربية في تحقيق الديمقراطية، بل كانت تهدف من خلال أساليب الاحتلال والتدخل إلى المحافظة على مصالحها السياسية والاقتصادية،على قاعدة تفتيت المنطقة العربية و إعادة شعوبها إلى مكوناته الأولية. وبذات اللحظة فإنها تعمل على ضمان استمرار المشروع الصهيوني المرتبط بالمشروع الإمبريالي بنيوياً وعضوياً.
ونؤكد أيضاً، بأن التحولات التي تشهدها المنطقة العربية تشكل رداً واضحاً على التحولات الاقتصادية الهيكلية والخصخصة التي طالت هذه البلدان ، والتي ليست سوى سياسات لـ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهما الذراعان الماليان للنظام الإمبريالي خاصة الأميركي، والتي أدت إلى مزيد من الإفقار والتبعية الاقتصادية والارتهان السياسي والتفتيت الاجتماعي. وكانت هذه الثورات بذات الوقت رداً واضحاً على دعوات الديمقراطية الإمبريالية؛ ديمقراطية المكونات المذهبية والاثنية التي تماهت مع النموذج الأمريكي الذي يعتمد منهجية التفتيت الاجتماعي والتقسيم الجغرافي على أسس وعوامل تحت وطنية. بالتالي فهذا النموذج الأمريكي لا يعبّر عن مصالح وأهداف المواطن العربي، بل يقع منها بموقع النقيض. وهذا المشروع بتجلياته المتنوعة الذي يشرف عليه النظام الإمبريالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وأيديولوجياً وثقافياً يقوم على نهب ثروات المنطقة العربية و السيطرة عليها ، وهو ما يوضحه صمت هذه الدول عما حصل ويحصل من انتهاك لحقوق الإنسان، ومن حالات إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في الدول العربية التي تشهد نهوضاً ثورياً، وتحديداً في ليبيا. لذلك نرى بأن تأخر الدول الإمبريالية في التعبير عن موقفها الحاسم أو المناورات الخبيثة، لا يمكن تفسيره إلا من منظور انتظاري لاستيضاح ملامح التغيير ومستوياته. وعلى أساسه يتم تحديد مواقفها من التحركات الثورية، وأشكال التدخل التي تمكنها من الحفاظ على مصالحها. وقد توضحت هذه السياسات في مصر أولاً ثم البحرين. ومن ثم ليبيا حيث ظهر تنافس أوربي أميركي على النفوذ والسيطرة على هذا البلد ،لأن الدول الغربية الإمبريالية معنية بشكل مباشر وسريع ليس فقط للتعبير عن رأيها، بل بمتابعة التطورات وضبط توجهاتها وأشكال تطورها لكون هذه الدول تشكل لها مجالاً استراتيجياً ونقاط ارتكاز لا يمكن التخلي عنها في سياق مشاريعها الإمبريالية. وبالتأكيد توجد دول أخرى من المرجح بأنها ستواجه نهوضاً ثورياً و لها أهمية إستراتيجية وأدوار محورية، لا يمكن للدول الغربية أن تتخلي عنها، بل من الممكن أن تتدخل بأشكال مختلفة لضمان استقرارها وضماناً لمصالحها الحيوية والإستراتيجية السياسية والاقتصادية. وكلنا يعلم بأن مصر تشكل عمقاً وبعداً استراتيجياً على المستوى العربي والإقليمي والدولي، و كذلك البحرين والعراق والعربية السعودية.. مما يعني بأن أي تحول غير مرغوب في هذه المناطق يمكن أن ينبئ باختلال المصالح الأمريكية والغربية والإسرائيلية، وقد يستدعي سياسات تدخلية واستباقية للحيلولة دون حدوثه. وبهذا فإن الحكومات الغربية وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية التي تدّعي تحمّلها مسؤولية نشر "الديمقراطية" تتيح للنظم الاستبدادية مجالاً أكبر لاستعمال القمع العنيف ضد الانتفاضات الشعبية ومثال ذلك، ازدياد حدة القمع والإبادة التي تقوم بها القوى الأمنية الليبية والمرتزقة ضد الشعب الليبي وكذلك قوات الأمن البحرينية معززة بقوات درع الجزيرة السعودية والإماراتية والقطرية. إن النظام الليبي ليس استثناءً عن القاعدة في استخدامه القوة ضد الشعب . ففي مصر وتونس نصحت الحكومة الأميركية قيادات الجيش ذات التأهيل الأميركي بعدم التورط في صدامات مع الشعب حتى يسهل على النظام الأميركي احتواء الانتفاضة وضبط تقدمها بواسطة جيوش النظم المتداعية . و حتى الدول الغربية تستخدم ذات الأساليب، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى. لذا فإن تدخلها بشكل مباشر( عسكري) أو غير مباشر، يجب أن ننظر له من زاوية مصالح الدول الاستعمارية، حتى لو كان تدخله تحت شعارات إنسانية وديمقراطية.
ـــ من جانب آخر فإن من الضروري استعراض أوجه التشابه بين الدول العربية على المستويين الاقتصادي والسياسي، خاصة في سياق التزاوج بين احتكار الثروة واحتكار السلطة السياسية في ظروف عودة هيمنة النظام الإمبريالي وتفكك النظام السوفيتي.
أولاً: يتحدد الشرط الدولي من جهة في محاولة النظام الإمبريالي تحت القيادة الأميركية لاستعادة المبادرة واستعادة الأجزاء التي تفلتت من الشبكة الإمبريالية بعد الحرب العالمية الثانية وعلى أثر تفكك النظام السوفيتي . هذا أولاً ، وثانياً ، أدى تعمق وانتشار سياسات التحرّر الاقتصادي والمالي (1990-2010) وما تركته هذه السياسات الليبرالية الجديدة من آثار سلبية وكوارث اجتماعية في العالم العربي إلى بلوغ حالة من الخطر لا يمكن الاستهانة بها. حيث أدت إجراءات المؤسسات المالية الدولية و"نصائحها"(أوامريتها) إلى التحول الهيكلي في اقتصاديات البلدان المتخلفة ومنها الاقتصاديات في الأقطار العربية، وما رافقها وما جرته من أعباء اقتصادية اجتماعية . وقد وقع عبء التعديل البنيوي (التحول الهيكلي) على عاتق الفئات الشعبية بشكل حصري، بينما وفي نفس الوقت وُلدت فئة جديدة من رجال الأعمال الكبار المقرّبين من المسؤولين السياسيين والذين راكموا ثروات هائلة من وراء عمليات الخصخصة، وتحرير التجارة الخارجية والأسواق الداخلية، وزيادة الفوائد المصرفية إلى مستويات غير مسبوقة، والتعامل مع الشركات المتعدّدة الجنسيات كوسيط بينها وبين الحكومات المحلية خلال تدفّق الاستثمارات الخارجية وعمليات الخصخصة.
وخلال مدّة قصيرة انقسم العديد من المجتمعات العربية انقساماً حاداً بين قلّة من المستفيدين من الأوضاع الجديدة وطبقات وسطى تدنّى مستوى معيشتها إلى حدّ بعيد، (وهم موظفو القطاع العام وغالبية موظفي القطاع الخاص والتجار المتوسطين والصغار). وكذلك فئات واسعة من الطبقات الفقيرة التقليدية سواءً في الأرياف أو في المدن، مع زيادة الهجرة من الأرياف إلى المدن والعيش في أحزمة بؤس ودون أي نوع من السكن اللائق المزوّد بالماء والكهرباء. وكان لهذا الوضع المتفجر أثر سياسي بليغ ظهر في انتشار أنواع مختلفة من الأصوليات الدينية والمذهبية التي لعبت دور استيعاب النقمة الشعبية ونقمة الطبقة الوسطى أمام هذا التردي لمستويات المعيشة. وقد وصل هذا الخيار (خيار النكوص السلفي) إلى حدوده القصوى وبدأ بالانحدار مما يمهد لظهور الخيار الاجتماعي- الاقتصادي الشعبي غير المشوش من قبل الصراعات المذهبية، كخيار حقيقي وفعال أمام الشعوب العربية المنهوبة والمهمشة.
من جانب آخر نرى بأن أشكال النمط الرأسمالي المسيطرة في هذه الدول يغلب عليها الطابع الخدمي والإنتاج السلعي الصغير والبسيط والمتخلف الذي لا يتمتع بأي سمات مقارنة ولا يمتلك القدرة التنافسية، نظراً لتخلف وسائل الإنتاج وانخفاض الإنتاج وفائض عمالة في القطاع الإنتاجي مما يعني ارتفاع الكلف الإنتاجية، وازدياد الفجوة في بنية وتركيب الرأسمال العضوي بين الدول الصناعية المتقدمة والدول الطرفية المتخلفة. وهذا يدلل على أن الرأسمالية في الدول الطرفية تفتقد للبنية الصناعية المتطورة وتعتمد على الربح السريع الذي يمكن أن يتوفر في صناعات اللمسة الأخيرة وفي تحرير التجارة والأسواق وحركة رأس المال. وننوه بأن الجامع بين السلطة السياسية المسيطرة والرأسماليين على المستوى العربي هو الميل الواضح للخصخصة وبيع القطاع العام وإطلاق الحرية لحركة رأس المال المالي والخدمي والريعي والمضارب مقابل هروب رأس المال من القطاع الصناعي والزراعي. إن هذه الأشكال يتخللها - بحكم التزاوج بين رأس المال و السلطة اللتين تتراكبان في بعض اللحظات مع الشكل الطائفي، القبلي- فساد معمم ونهب للموارد الوطنية وتحويلها إلى ملكيات شخصية وعائلية، مما أدى إلى ظهور تناقض وتفارق واستقطاب اجتماعي يقسم المجتمع إلى فئتين: فئة لا تتجاوز نسبتها 20% تستحوذ على80% من الثروات الوطنية، و80% يملكون 20% من الثروة الوطنية. كل هذا أدى إلى اصطفاف قطاعات شعبية مختلفة في مواجهة الاستبداد السياسي والاحتكار الاقتصادي.
ــ في المستوى السياسي يمكننا ملاحظة التشابه في مستويين: السلطات السياسية العربية/ التشكيلات السياسية المعارضة. فعلى مستوى الشكل السياسي المسيطر فإنه يتجلى عبر: نمط استبدادي احتكاري وراثي يدمج بين السلطات الثلاث تحت سيطرة السلطة التنفيذية .
في المقابل نرى بأن الممارسة السياسية للقوى السياسية المعارضة تعاني من أزمات متعددة تتجلى بشكل واضح في نخبويتها وانفصالها عن الطبقات الكادحة والفئات المهمشة والعاطلة عن العمل وتخليها عن التعبير عن قضايا المواطن الأساسية نتيجة لتحول غالبيتها إلى العقيدة الليبرالية. هيمنة خطاب أيديولوجي مفوّت عند غالبية التشكيلات السياسية العقائدية.عدم تجذّرها في الوسط الشعبي التذرّر والتشرذم والتبعثر.غياب الاستراتيجيات والبرامج السياسية الواضحة التي تقوم على قراءة نافذة للعلاقات الاقتصادية/ السياسية القائمة. الابتعاد عن العمل السياسي التغييري والالتزام بأشكال سياسية إصلاحية تجميلية. تراجع دور القوى السياسية اليسارية والماركسية. وقد أثبتت الثورات الشعبية بأن جماهير الشعب تحتاج لقوى سياسية يسارية حقيقية قادرة على تمثيل مصالحها وأهدافها القريبة والبعيدة. إن ما ذكرناه يتباين ويختلف في أشكال تجلياته ومستوياته بين قطر عربي وآخر.
ــ أخيراً نؤكد على أن التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية سيكون لها تأثير واضح في أشكال ومستويات العلاقة بين الدول العربية من جهة وبينها وبين الدول الغربية الإمبريالية من جهة ثانية وسوف تشكّل مدخلاً لعلاقات جديدة تكون المصالح الوطنية/ القومية بوابتها الأساس. ، والجانب الآخر يتجلى في إمكانية انتقال الثورات الشعبية إلى مستوى اجتماعي أكثر جذرية ، وهو ما سوف يؤثر على استقرار الدول الرأسمالية الغربية التي كانت وما زالت تحل مشاكلها على حساب شعوب الدول الطرفية وشفط ثرواتها عبر الكتل النقدية المودعة في بنوكها، إضافة إلى سيطرتها على الموارد الطبيعية وتحديداً النفطية.
وفي ضوء استمرار الثورات الشعبية و تحوّلها إلى أشكال ومستويات اجتماعية أكثر تجذراً، ينبغي إعادة النظر بالقوى السياسية القائمة، وتحديداً من زاوية أن التحركات الشعبية تجاوزت بداهة القوى السياسية الدوغمائية المصابة بالترهل والتكلس، والتي تفتقد لخطاب تغييري يقربها من المجتمع ... إن ما ذكرناه يفترض منا التأكيد على خطاب سياسي: ديمقراطي،اجتماعي،وطني، تغييري، سلمي، يقطع مع كافة الأشكال الأيديولوجية المغلقة والجامدة وينفتح على الواقع المتغير وعلى مصالح الشعب.
ولكون الثورات الشعبية لم تخرج من عباءة القوى السياسية ، ولكون الشباب هم المساهم الأبرز في هذه الثورات ، فإنه يتوجب دراسة التجارب الشبابية الحالية والالتصاق بها للاستفادة منها ليس لكون الشباب هم من فجر هذه التحولات وليس لأنهم الطاقة الاجتماعية والسياسية الرئيسية فقط، بل لكونهم يتمتعون بقدرة على التكيف والتعامل مع التطورات التقنية المتسارعة وكونهم أصحاب عقول منفتحة لم تُصب في الحد الأدنى بأمراض القوى السياسية القديمة.. والأهم أنهم مستقبل هذه الأمة، لذا فإن مشاركتهم في صناعة مستقبلهم ومستقبل الأمة إن لم نقل بضرورة قيادتهم للتغيير، يشكل الأساس الموضوعي والبوابة الحقيقية للخروج من التخلف ودخول بوابة المستقبل بأدوات ومفاعيل ووسائل وعقول مختلفة عما هو سائد. ويؤكد ما نقول التجذّر المستمر للتجارب الثورية العربية وتفتحها على كل ما هو جديد من أشكال إبداعية وحضارية في مواجهة الترهل والتخلف والقمع.
إن تنوع وتعدد أشكال تجليات الثورات في الأقطار العربية، وتطور مهامها بأشكال تعبّر عن مطالب شعبية تتلاءم مع الواقع المتعيّن والملموس، يؤكد على القدرة الإبداعية وقوة الإرادة والحس بالمسؤولية وحب الحياة عند المواطن العربي. وبذات الوقت فإن التجارب الثورية توضح تباين المجتمعات العربية في كل قطر في سياق تنوع أشكالها إبداعياً وبما يتناسب مع خصوصية كل مجتمع، وبالمقابل فإن رد السلطات السياسية كان يتمايز ويتباين رغم تشابه أشكالها الاستبدادية التي يمكن أن تتجلى في افتعال فتن طائفية،عشائرية،عرقية، اثنيه...في سياق توظيف التنوع الإثنوغرافي والديني لزيادة حدة الاحتقان الاجتماعي، ويمكن أن تحوّله في لحظات محددة ليكون أحد عوامل تفجير وتمزيق البنية الاجتماعية من الداخل، إضافة إلى ارتكابها جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في سياق مواجهتها النهوض الشعبي الثوري. و يمكن أن يشكّل التمادي في هذه السياسات مدخلاً للتدخل العسكري الأجنبي، إذا كان هذا التدخل يؤمن مصالح الدول الإمبريالية الغربية ويساهم في فرض سيطرتها. وفي سياق مرتبط نرى بأن الإعلام قد ساهم نسبياً في ضبط وتحجيم ممارسة القمع العاري، ونؤكد بأن جرائم النظام الليبي القمعية رغم جسامتها، كان من المؤكد أن تكون أعمق وأشمل في حال غياب الإعلام. ويجب أن نؤكد في هذا الإطار بأن وسائل التواصل الحديثة وتحديداً النت كان له الدور الأبرز في تفجير الثورات الشعبية والحفاظ على استمراريتها في سياق متصاعد ومتوسع رغم محاولات النظم السياسية إحكام سيطرتها عليها، لكن من الواضح بأن كافة هذه المحاولات باتت من مخلفات الماضي،وارتبط مع النت الفضائيات التي كان لها دور بارز في التأثير في التحركات الشعبية و ضبط أهدافها وآليات عملها من خلال برامج سياسية وثقافية كانت تساهم في توجيه التحركات الشعبية وتحديداً على المستوى السياسي. وكانت مواقع التواصل الاجتماعي الذراع الضاربة للقنوات الفضائية من جهة متابعة الشباب لمجريات الأمور ورصد الممارسات القمعية ومتابعة التحركات الشعبية والتعاون مع الفضائيات.
علينا أن ننوه أن التحرك الأميركي لاحتواء تقدم الثورات الشعبية غير منفصل عن الدور الذي تقوم به فضائيات رئيسية ونافذة كالحرة والعربية والجزيرة ، وغير معزولة عن تنظيرات الشيخ القرضاوي، فليس غريباً أن تكون قطر مكاناً للقرضاوي ومحطة الجزيرة الفضائية ومكاناً لقيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط ..
وأخيراً يجب التحذير من نشوء ثورات مضادة داخلية أو مدعومة من قوى خارجية تقودها أطراف سياسية أدمنت على التحكم بزمام السلطة والثروة الوطنية، أو من قبل أطراف سياسية تحاول ركوب موجة التغيير وتحديداً في حال لم يتم تأطير قوى الثورة وتمكينها وتعميق التحولات الشعبية.
وإذا لم يتم التخلص من النظام السابق وتطهير الجيوش التي بنتها هذه النظم بالتعاون مع الدول الإمبريالية و كافة أدواته السياسية والأمنية في سياق يتقاطع مع القضاء على بنية وشكل الدولة القديمة من قبل قوى سياسية تمثل المصالح الحقيقية للجماهير الشعبية، لن تكون الثورات الشعبية في الأقطار العربية قد بلغت غايتها المنشودة. لكن من المؤكد بأن المواطن العربي الذي تحرر من عقدة الخوف وأخذ ينظر لآفاق جديدة من الحرية والديمقراطية ومن مشاركة حقيقية في الثروة الوطنية.. هو من سيحدد مستقبله ومستقبل مجتمعاته، ولن يكون بعد هذه اللحظة مكان للتراجع لأن قطار التغيير قد بدأ .
هيئة التحرير




المقالات

















فهرست المقالات


1- محمد سيد رصاص: "أزمة اليسار السّوري (الماركسيون نموذجاً)" ص 19
2- نايف سلّوم: ""الفلسفة الغربية" ؛ نقد خطاب هايدغر-2 " ص 27
3- معتز حيسو: "بحث أولي في إشكاليات الشباب" ص 43
4- سكريتاريا هيئة الشيوعيين السوريين: "الشعب يريد.. ربيع الشعوب- خريف الأنظمة" ص 51
5- الياس دبّانة: "قراءة في التقرير العام لمجلس اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين / قاسيون/ ص 75








أزمة اليسار السّوري
(الماركسيون نموذجاً)
محمد سيد رصاص
[ محاضرة ألقيت في الرقة:آذار2002]
-1-
يقصد بمصطلح (اليسار)، هنا، الحزب الشيوعي السوري وما أفرزه من تنظيمات واتجاهات بعد انشقاق عام 1972، ومن اتجه إلى الماركسية من أفراد أو تنظيمات كانت تتبنى الاتجاه القومي العروبي بين عامي 1967-1972: هذا لا يعني إقصاءً للآخرين، من ناصريين أو بعثيين أو (حزب العمال الثوري العربي) الذي اتجه من البعث إلى الماركسية منذ النصف الأول من عقد الستينيات، بقدر ما يعود الأمر إلى غايات بحثية تتعلق بظواهر محددة من اليسار، ذات طابع يساري ماركسي ارتبطت بموسكو أو حاولت التمرد عليها، أو كانت بالأصل في موقع متفارق معها ثم اقتربت بهذا الشكل أو ذاك منها، يراد دراستها، هنا.
بداية، إذا أردنا مقارنة التجربة الشيوعية السورية مع غيرها من التجارب العربية، فإننا نجد أن الحزب الشيوعي السوري لم يجد مرتكزاً اجتماعياً محدداً في النسيج المجتمعي السوري، بخلاف الشيوعيين السودانيين الذين وجدت لهم امتدادات مجتمعية قوية بين الفئات الحديثة (عمال-طلاب-نساء-مزارعي الجزيرة-الخريجين)، أو العراقيين الذين وجدت امتدادات قوية لهم بين العمال، وكذلك ضمن الطلاب خلال فترة (1941-1961) قبل أن يدخل حزب البعث العراقي في طور القوة ابتداءً من التاريخ الأخير، أو إذا شئنا المقارنة من خلال الواقع السوري، بخلاف حزب البعث الذي وجدت له، منذ بداياته وعبر تركيزه على المسألتين الزراعية والقومية، جذور اجتماعية قوية بين الفلاحين والفئات الوسطى، وبالذات ضمن شريحة الطلبة من الأخيرة.
تجاهل الحزب الشيوعي السوري المسألة الزراعية، ووقف في موقع التضاد من المسألة القومية، نظرياً أولاً، ومن ثم سياسياً كما ظهر في فترة الوحدة، فيما صدم الشارع السوري في موقفه من القضايا العربية، كما حصل يوم قرار تقسيم فلسطين. وهو إذا حصلت له فترات من القوة والمدّ الاجتماعي كما في فترة 1945-1947، أو 1956-1958، أو 1967-1972، فقد كان ذلك ناتجاً عن الإعجاب والانبهار بسجل السوفيات ضد النازية وعن المراهنة على قوة كبرى جديدة يمكن أن يستغلها العرب ضد بريطانيا وفرنسا كما حاولوا مع هتلر، فيما كان ذلك ناتجاً في الخمسينيات عن موقف السوفيات المؤيد للعرب في حرب 1956، بينما نتجت قوة الشيوعيين السوريين، في النصف الثاني من الستينيات، عن تداعيات حرب حزيران وما ولدته من هزيمة للتيار القومي الحاكم، من البعث وعبد الناصر في سورية ومصر، وما أدى إليه ذلك من ابتعاد الكثيرين عن الحركات القومية إما باتجاه الماركسية أو نحو التيار الديني.
لم يؤد ذلك إلى استقطاب الشيوعيين السوريين لطبقات أو فئات اجتماعية محددة يرتكزون عليها، في بلد لم يكن فيه التصنيع متجذراً وما أدى إليه هذا من ضعف الطبقة العاملة، الشيء الذي جعلها غير قادرة على أن تكون رافعة للحزب، كما حصل في تجربة الشيوعيين الفرنسيين مثلاً، مع العلم أن الحزب الشيوعي السوري لم يكن، طوال تاريخه، قوياً بين العمال، ولم تتجاوز نسبتهم، حتى في فترات مدّه، بين أعضاء الحزب نسبة (13%) كما حصل في المؤتمر الثالث للحزب (حزيران 69). بل كان الأمر مؤدياً إلى تسرب مثقفين وطلبة وموظفين أو مستخدمين، كانوا كلهم من أفراد الفئات الوسطى المدينية التي شكلت القاعدة الاجتماعية لأحزاب وحركات أخرى مثل الناصريين والإخوان، وعندما وجد الشيوعيون السوريون امتداداً في الريف فقد كان ذلك بعد دخول التحديث إليه بين عامي 1958-1963 وضمن نفس الفئات الوسطى ولكن ذات المنشأ الريفي.
إذا أردنا التحدث عن فئات اجتماعية وجد الحزب قاعدة قوية فيها، فيمكن الإشارة، في هذا الصدد، إلى الأكراد، إذا اعتبرناهم فئة اجتماعية أو جماعة قومية، في دمشق وعفرين والجزيرة، وقد ظل الحزب قوياً بينهم إلى أن دخلت الأحزاب الكردية على خط المنافسة معه منذ السبعينيات، وقد كانت نسبة الأقليات القومية، من أكراد وشركس وأرمن، عالية في الحزب، وقد ذهبت الغالبية الكاسحة منهم مع خالد بكداش في انشقاق عام 1972.
بعد هزيمة حزيران 1967، نشأت ظاهرة الخروج من الأحزاب القومية (القوميين العرب – الاشتراكيين العرب – بعث 23 شباط بعد عام 1970) إلى الاتجاه الماركسي، ولكن نحو اتجاه يتخالف مع الشيوعيين الكلاسيكيين، هو أقرب إلى ظواهر (اليسار الجديد)، ونحو رموز مثل (تروتسكي) و(غيفارا)، ويأخذ موقفاً نقدياً وضدياً من التجربة السوفياتية، ويلاحظ بأن معظم من أتى إلى هذا الاتجاه قد كانوا من منشأ ريفي، في ريف اللاذقية وحمص وحماه أو في بلدة السلمية، وكانت نسبة القاعدة الاجتماعية المدينية ضعيفة عندهم، حيث كان تواجدهم في مدن دمشق وحلب متركزاً أساساً بين الوافدين من تلك المناطق إلى هاتين المدينتين وكذلك في اللاذقية وحمص، مع استثناء حماه التي وجد لهم فيها أفراد مدينيون عديدون شكلوا فيما بعد قيادات، أتت بمعظمها من تنظيم (الاشتراكيين العرب) بقيادة أكرم الحوراني.


-2-
كان (الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي) من أبرز الظواهر التي أفرزها اليسار السوري في العقود الثلاثة الأخيرة، وقد تميز هذا الحزب بثلاثة أشياءٍ، الأمر الذي يمتد بأبعاده إلى نطاق اليسار العربي: 1- الاستقلالية عن السوفيات، على الأقل في التنظيم والسياسة، وإن ظل الأمر غائماً على صعيد الفكر. 2- رسم السياسة من خلال التفاعل المستقل مع القضايا العربية والمحلية، وليس من خلال ما تتطلبه المصالح السوفياتية، 3- مبادرة هذا الحزب، من دون اليسار السوري كله، إلى المصالحة مع مفهوم (الديمقراطية)، ابتداءً من عام 1978، بعيداً عن (الديمقراطية الشعبية)، أو عن ربطه مع مفهوم (الديمقراطية الاجتماعية)، مما شكّل منعطفاً في تاريخ اليسار السوري (إن لم نقل العربي) الذي سيطرت عليه، منذ أن طرح السوفيات مفهوم (الديمقراطية الثورية) في عام 1963، اتجاهات عدائية للنزعة البرلمانية، وللديمقراطية السياسية بمعناها البرجوازي، وإلى اعتبار الأخيرة "جوفاء" إن لم ترتبط بإزالة الاستغلال الاجتماعي، أو كانت مجردة من التوجه نحو "أفق اشتراكي".
ولكن هذا الحزب لم يستطيع أن يقدم مفهوماً للماركسية [أو يستعير إن لم يستطيع الابتكار] مختلفاً عن ما هو موجود عند السوفيات، وظلت تتنازعه، طوال تاريخه، مدارس ماركسية شتى تمتد من ستالين إلى غرامشي وما بينهما، بالترافق مع اتجاهات للتفارق عن الماركسية ظهرت بذور لها منذ السبعينيات، ثم نمت كثيراً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. كما أن هذا الحزب، الذي استقل تنظيمياً عن السوفيات وكذلك سياسياً، قد ظل محتفظاً بالشكل اللينيني للتنظيم، أو بالأحرى بطبعته الستالينية التي وُرِّثت للأحزاب الشيوعية العالمية، بحيث أن الحزب الذي كان رائداً في طرح الديمقراطية، كبرنامج سياسي، قد كان في الوقت نفسه مفتقداً للديمقراطية في علاقاته، وزاد ذلك في فترة العمل السري بعد عام 1980، كما أن القيادة التي تولت الأمور، بعد حملة عام 1980، قد تركته حزباً سائباً من الناحية الفكرية ولم تحاول (أو لم يكن بمقدورها ذلك من حيث الأهلية والإمكانيات) سدّ النقص في هذا المجال والذي وجد منذ بداية تكوّن هذا الحزب، مما جعل هذا الحزب عندما تلاقى أعضاؤه، في المؤتمر التداولي (آذار 2001)، يجد نفسه في وضعية حزب أصبحت توجد فيه مدارس فكرية مختلفة ومتناقضة، ولم يكن الأمر مقتصراً على وجود تيارات، مما يمكن أن يوجد في أي حزب شرط أن تتوفر الديمقراطية في علاقاته التنظيمية الداخلية.
إن مسألة إنتاج ماركسية مختلفة، مثل ما فعل الشيوعيون الطليان عبر (غرامشي) أو الصينيين عبر (ماو)، لا يمكن أن تتحقق، فقط، عبر التفاعل السياسي مع قضايا مثل (الوحدة العربية) أو (قضية فلسطين)، وكذلك مسألة تَبْيِئَةْ الماركسية عربياً وسورياً، كما كان يؤمل منذ بداية تكونه، وهما شيئان لم يستطع تحقيقهما هذا الحزب في فترة السوفيات، ولا أن يستغل انهيارهم، وتداعياته على أتباعهم السابقين، من أجل تحقيق ذلك، مما جعله في النهاية يفشل في إنشاء ماركسية عربية من دون الكرملين، على طراز كاثوليكية بلا فاتيكان، وهو ما أدى إلى جعله، بالنهاية، نهباً لفوضى فكرية، زادت آثارها أخيراً مع الاختلافات الظاهرة في أحزاب (التجمع الوطني الديموقراطي) حول تقييم المرحلة الجديدة في سوريا، مما لم يكن موجوداً في أحزاب المعارضة السورية تجاه السلطة السابقة، وبشكل جعل التعارض والتناقض ممتداً إلى السياسة أيضاً.
-3-
كانت (الحلقات الماركسية)، في النصف الأول من عقد السبعينيات، ومن بعدها (رابطة العمل الشيوعي) في عام 1976، قد بدأتا من نقطة ماركسية متفارقة وبعيدة عن الماركسية السوفياتية، مما كان شاملاً للفكر والسياسة معاً، مع محاولة للابتعاد، منذ البداية، عن الشكل التنظيمي الشيوعي الكلاسيكي.
كانت (الحلقات) و(الرابطة) أقرب إلى أفكار (اليسار الجديد)، الذي نما في الغرب مع إعادة إحياء (تروتسكي) من قبل ماندل ودويتشر، وكذلك عبر ظواهر مثل (غيفارا) و(ريجبيس دوبريه)، وزاد ذلك مع الثورة الطلابية في عام 1968، وأفكار (هربرت ماركوز)، وهي عبر محاولتها لإيجاد ابتعاد بين فكري لينين وستالين، لم تجد نفسها، عبر ذلك، في موقع قريب من غرامشي و(الشيوعية الأوروبية)، بل كان ميل الأخيرة إلى النزعة البرلمانية سبباً لابتعاد ظواهر (اليسار الجديد) عنها، وقد ظهر ذلك، أكثر ما ظهر، أثناء محاولة استخلاص (اليسار الجديد) لدروس سقوط أليندي، في تشيلي، بخريف عام 1973.
يلاحظ في هذا الإطار، أن الكثير من تنظيمات (اليسار الجديد)، مثل (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) و(الجبهة الشعبية)، و(رابطة العمل الشيوعي)، قد كانت تنطلق من منطلقات ماركسية مفارقة للسوفيات، ثم كانت تنتهي للقاء معهم سياسياً، في البدء، وفكرياً بالمنتهى. وقد لوحظ ذلك، منذ عام 1979، على (الرابطة)، في المواقف المتعلقة بأريتريا، وكمبوديا، وأفغانستان، فيما على صعيد مفهوم التنظيم فقد ظهر اتجاه، منذ ذلك التاريخ، للتركيز على كتاب لينين "ما العمل؟"، وللابتعاد عن كثير من المفاهيم الانتقادية لمفهوم التنظيم اللينيني، مثل مفهوم روزا لوكسمبورغ حول "المجالس"، أو عن بعض الاتجاهات التروتسكية الرابطة بين مفهوم التنظيم في "ما العمل؟" وبين الظاهرة الستالينية، حيث كان هذان الطرحان يملكان قوة كبيرة في (الحلقات)، بخلاف فترة (الرابطة)، وإن كان من الضروري، في هذا الصدد، تسجيل تحمّل (رابطة العمل)، ومن بعدها (حزب العمل) في عام 1981، لعملية وجود تيارات متباينة، ولوجود كثير من ظواهر الديمقراطية في الحياة الداخلية التنظيمية.
إلا أن ذلك لم يترافق مع تبني (الرابطة)، أو (حزب العمل)، لمفهوم (الديمقراطية) بمعناه السياسي البرجوازي، حيث اعتبرت (الرابطة) [العدد 15، من "الراية الحمراء"، أيار 78] أن هناك رابطاً عضوياً بين (الثورة الاشتراكية) و(الديمقراطية)، وقد استمر ذلك في (البرنامج السياسي) الصادر عن المؤتمر التأسيسي لحزب العمل (آب 81) عندما اعتبر أن "الثورة البرجوازية قد أنجزت في سورية وأن الثورة القادمة هي الثورة الاشتراكية" (ص31)، وأن "المرحلة الراهنة "هي مرحلة سيادة البرجوازية في السلطة والسوق" (ص29)، الأمر الذي نجده، أيضاً في ورقة مقدمة من قيادة حزب العمل حول (مشروع ورقة عمل وطني) في عام 1984، من خلال الدعوة للاقتصار على "الحريات السياسية للجماهير وقواها الوطنية.. [والاقتصار على] الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين الوطنيين" (ص2).
عملياً أدى ذلك إلى رؤية المرحلة السياسية عبر تحديد (نمط الإنتاج)، [الشيء الذي يقترب من رؤية ستالين في فترة التشدد اليساري التي سادت أجواء الكومنترن، بين عامي 1928 و1935، تحت شعار (طبقة ضد طبقة)]، مما كان يؤدي إلى طرح مهام اشتراكية للمرحلة، ولو كان ذلك يتلون، على صعيد التكتيك، مع طروحات انتقالية نحو الإطاحة بسلطة الطبقة السائدة، كما نجد في الطرح، الذي قدم في (الأعداد: 35-36-37 من "الراية الحمراء"، آب-أيلول79)، الداعي إلى (جبهة شعبية متحدة)، تمثل العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، ولكن بدون أن يدخل في ذلك طرح (الديمقراطية السياسية)، أو يتخلله، مما كان منطقياً في رؤية تعتبر أن المرحلة هي في إطار مهمات ما بعد برجوازية، مطروحة على "الشيوعيين" و"الديمقراطيين الثوريين".
-4-
أدت هذه المآلات الفكرية( أي فوضى فكرية في حزب معارض للسوفيات ونهايات سياسية فكرية سوفياتية عند حزب آخر بدأ من نقطة معاكسة) إلى أن يكون وقع انهيار السوفيات كبيراً عند كل الفصائل الماركسية والشيوعية السورية، حيث لم يقتصر ذلك على حزبي خالد بكداش ويوسف فيصل اللذين انشقا في عام 1986 لأسباب ذات طابع تنظيمي أساساً، ولو حاول الأخير إعطاء انشقاقه عن بكداش تلونات فكرية لم يستطع بلورتها حتى الآن بعد عقد ونصف من الزمن على ذلك.
عبر ذلك يمكننا تفسير كيف أن ظواهر كانت، قبل عام 1991، في موقع "اليسار المتطرف" و"الطروحات الطبقية" - أصبحت، بعد هذا التاريخ، من أنصار (الديمقراطية) المتحمسين، ومن دون إلباسها أي محتوى اجتماعي، أو تتجه، الآن، إلى طرح ديمقراطي، مربوطاً بالعلمانية، مع التسليم بأن المرحلة، الراهنة والقادمة، هي ذات طابع برجوازي محض من حيث الطرح والمهام.
هذا في (حزب العمل) ، فيما في (المكتب السياسي)، الذي كان حزباً سياسياً – تنظيمياً بدون فكر ينظمه طوال تاريخه، فقد وجدت، كنتيجة لذلك، طروحات تدعو إلى "حزب ينتظم على أساس الأهداف السياسية فقط"، أو إلى (كحلٍ وسط) حزب تكون فيه "المصادر المعرفية متعددة"، في بدعة لم يوجد قبلها سوى ظاهرة واحدة في العالم هي (حزب التجمع) المصري، التي لا يمكن لأصحابها أنفسهم أن يقولوا بأنها تجربة ناجحة، فيما كل أحزاب المعمورة تنتظم وتسوس خطها وممارستها من خلال مصدر معرفي محدد يمكن أن ينفتح على المصادر المعرفية الأخرى أو يستجلبها لصالحه، إلا أنه لا يتعايش معها في حزب واحد، فيما يمكن، بالعكس، أن تتعايش طروحات سياسية مختلفة في حزب واحد، بينما لا يمكن أن يتعايش فكران، وإذا وجدت الحالة الأخيرة فهذا طريق ملكي إلى انشقاق الحزب المعني أو انفراطه.
كذلك وجدت في الحزب الأخير، أي (المكتب السياسي)، طروحات تدعو إلى فصل (الأيديولوجيا) عن (الفكر)، تأثراً بنوع من الموضة الفكرية درجت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وهي نزعة لا أحد يأخذها بجدية في الغرب (وهي تعود بمنابعها إلى كتاب "نقد العقل السياسي" لريجيس دوبريه الذي كتبه في عام 1981 بعد خيبته إثر تجربته مغ غيفارا في بوليفيا) فيما فاشت مثل فقاعة الصابون في العالم العربي، وبالذات عند أتباع موسكو القدماء، أو عند ماركسيين ويساريين آخرين يريدون أن يتخذوا محطة انتقال محددة باتجاه توجه آخر، لاحقاً.
هل هذا كله، من خلال تلك الطروحات السالفة، هو فكر مراجعة، أم فكر أزمة؟..
عندما قدم (برنشتين) مراجعته لفكر ماركس، في عام 1898، فإنه أول ما بدأ برفض ونبذ الأساس الفلسفي عند ماركس وهو الديالكتيك، ثم عندما انتقل إلى السياسة فقد قدم تصوراً لتحول لا يأتي عن طريق (الثورة) بل (الإصلاح)، وقد أدى ذلك كله به، إلى أن يصبح في موقع فلسفي – معرفي آخر، حيث يستمد الاتجاه الاشتراكي-الديمقراطي أسسه المعرفية من الوضعية والكانطية الجديدة بعيداً عن الهيجلية-الماركسية، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يستورد، عبر مصدره المعرفي هذا، شيئاً من رؤية ماركس للاقتصاد، ولو افترق مع تصور الأخير للسياسة وأهدافها عند حزب عمالي في مجتمع رأسمالي متقدم، أو اختلف مع تصور الشيوعيين، لاحقاً، للحزب، كما أصبح عليه الحال بين الشيوعيين والاشتراكيين-الديمقراطيين في فترة ما بعد عام 1917.
لم يفعل الماركسيون العرب، والسوريون تحديداً، ذلك في فترة (ما بعد موسكو): أي، بعبارة أخرى لم يقوموا بمراجعة لماركسيتهم السابقة تجعلهم في موقع فكري آخر جديد، وكذلك لم يقوموا بمراجعة لفكرهم، في إطار الخيمة ذاتها وتحتها، تتيح لهم تجديد ثوبهم في إطار نفس الاتجاه، كما فعل لينين مع ماركس، أو غرامشي في إطار ماركسي آخر متفارق مع لينين.
بدون ذلك فإن الأمر يدخل في إطار تخبطات فكرية، وفي إطار حركية فكر مأزوم لم يعرف، بعد، إلى أين سيتجه، مما يجعله يطلق تلك القنابل الدخانية، الأمر الذي يعبر عن مرحلة انتقالية لم يعرف، بعد، أصحاب هذا الفكر المأزوم إلى أين سيتجهون، مما جعلهم يطلقون تلك الطروحات التي تعبر عن فكر أزمة، أكثر مما هو فكر مراجعة، سواء كان المقصود بالمراجعة هو اتجاه نحو الخروج من الدائرة الفكرية المعنية إلى أخرى (باعتبار أن الاتجاهات الفكرية السياسية تعتمد على أشجار لا تلتقي، وإنما يمكن أن تتفاعل، مثل ماركس، وجون ستيوارت ميل، وفيخته، وبرنشتين، وحسن البنا، وليس على أغصان هذه الشجرة أو تلك مثل دوبريه وغيره)، أم باتجاه التجدد والمراجعة ضمنها.
ليست هذه النهايات الفكرية عند فصيلين ماركسيين، كانا بالأصل على افتراق مع السوفيات، أفضل كثيراً من نهايات فصيلي بكداش ويوسف فيصل، سواء الوضع الذي هو أشبه بالشوربة الفكرية عند الأخير، أم الستالينية المتصلبة في بقايا حزب بكداش وما انتهى إليه من حزب أريد حفظ قيادته لعائلة معينة، مما أدى إلى انشقاق كبير(عند صهر العائلة) على خلفية تلك المسألة التنظيمية، من دون أن يكون لذلك مرادف على صعيدي الفكر والسياسة، على الأقل حتى الآن.
أخيراً، كخاتمة لهذا البحث، هناك سؤال يطرح ويفرض نفسه، على ضوء هذا المسار وما آل إليه من مآلات: إلى أين يتجه اليسار السوري الماركسي؟... ثم: هل أن خروجه من أزمته الفكرية التي دامت أكثر من عقد حتى الآن، بعد أن عاش أزمة تنظيمية- سياسية منذ عام 1972، سيكون على شكل انتقال إلى موقع فكري آخر، أم لا؟.. وإذا حصل الأمر الأخير: فما تداعيات الأمر على صعيد الخارطة السياسية السورية، التي كان الماركسيون، منذ عام 1954، أحد القوى السورية الرئيسية الثلاث المتصدرة للساحة السياسية، طوال المراحل اللاحقة التي أعقبت التاريخ المذكورة؟...











الفلسفة "الغربية"؛ نقد خطاب هايدغر -2
نايف سلّوم
طريق الفلسفة الغربية : من الدهشة إلى الشك الديكارتي، [ومن الشك الديكارتي إلى النقد التاريخي/ الاجتماعي الجذريّ (الماركسية أو فلسفة الممارسة)]
هايدغر والفلسفة اليونانية
الفلسفة في مواجهة العصر الذري
الفلسفة في مواجهة قلق العصر
الحديث عن الفلسفة "الغربية" حديث "يسير على طريق واحدة ، لأننا نسلم ونحن على يقين بأن هذه الطريق ما هي بالطريق الوحيدة " فإذا كانت الطريق وجهة نظر؛ أنّثت ككلمة، وإذا مورست ذكّرت ، هكذا تغدو الطريقة طريقاً عبر الممارسة العملية. لكن كيف نتأكد من سلامة وفاعلية هذا الطريق الذي تم اختياره؟ يسأل هايدغر نفسه!
ويجيب: سؤال ما هذا ؟ عن الفلسفة ، لا يدخلنا إلى الفلسفة ، بل يجعلنا ندور حولها. الفلسفة معنية بالماهيّات؛ بسؤال ما هو؟ وليس بسؤال ما هذا؟
إذا ما جعلنا الفلسفة تتناول ما يهمنا شخصياً ، وما يؤثر فينا بالفعل تأثيراً يمس صميم ماهيتنا ، ألا تصبح بذلك الفلسفة أمراً من أمور الوجدان والانفعالات والعواطف؛ بكلام آخر ألا تغدو أهواء النفس عقبة أمام معرفة ماهية الموجودات ؟! ص 52
إذاً، الفلسفة تدير شؤون العقل؛ هكذا تكون "الفلسفة أمراً من أمور العقل" 52
سؤال الفلسفة بـ ما هـ ذا؟ .. هذا السؤال يجعلنا لا نستطيع التحرك داخل الفلسفة ، بل نبقى ندور حولها. حرف الهاء من دون الواو، يعني أننا من دون توجه . و " ذا " للإشارة.
يقول هايدغر: "كيف يتأتى لنا العثور على طريق نحدّد بمقتضاه سؤالنا تحديداً يمكن الاعتماد عليه؟" 53
بهذا الشكل يختار هايدغر الطريق الممتد أمامه مباشرة لأنه أقرب الطرق تناولاً لنا [تناولاً لهايدغر] وهو طرق الاشتقاق اللغوي للفظة الفلسفة في لغتها الأم ؛ اللغة اليونانية ممثلة بكلمة "فيلوسوفيا" .
.. الكلمة اليونانية من حيث هي كلمة يونانية هي طريق؛ "هذا الطريق يمتد من ناحية أمامنا ، لأن الكلمة سبق أن نطقناها منذ زمن بعيد، ومن ناحية أخرى يمتد الطريق من خلفنا لأننا قد سمعنا هذه الكلمة ونطقناها دائماً ، إذاً الكلمة اليونانية "فيلوسوفيا" طريق على طوله نسير ، والمعرفة التي لدينا عن هذا الطريق معرفة غامضة ، على الرغم من أننا نمتلك معلومات تاريخية كثيرة عن الفلسفة اليونانية " 54
الكلمة اليونانية "فيلوسوفيا" طريقة لمعرفة ماهيّة الموجودات ؛ طريقة للتفسير فعالة سبق للأوربي أن سار بها وفيها وهو ما يزال يسير عبر طريق "العلم الحديث"، لكن وعي الطريق بذاته ما يزال غامضاً؛ لم يتم التدقيق بمآل هذا الطريق بَعْدُ؛ (قبل هايدغر)!؟
يميل هايدغر نحو النزعة الوضعية، بالحديث عن طريق تطور قوى الإنتاج الاجتماعية للإنسان الأوربي بما فيها قوة العلم الحديث وممارسته (عبر التقنية والصناعة) من دون النظر إلى المراحل التاريخية ، وأشكال علاقات الإنتاج لكل مرحلة !.
يريد أن يقول: نحن الأوربيين نسير على طريق التفسير الفلسفي (الماهويّ) الذي عبّده اليونانيون بالأسماء . وفي سبيل تحقيق وعي بالطريق اليوناني يعود أدراجه نحو فجر الفلسفة اليونانية (فجر التفلسف)؛ وفجر تسميتها ليحقق في طبيعة (الآلة) الطريقة هذه التي نسميها فلسفة ، بالرغم من شيوعها (هذه الطريق) فإنها غير معروفة على قول هيغل: ليس كل ما هو مألوف معروفاً! وسوف يقصّ علينا هايدغر طريق عودته وهو يرتد إلى "الصخرة اليونانية التي نسي عندها حوته" ؛ (فلمّا بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتّخذ سبيله في البحر سربا ، فلمّا جاوزا قال لفتـاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجباً ، قال ذلك ما كنا نبغ فارتّدّا على آثارهما قصصا، فوجدا عبداً من عبادنا ءاتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدّنا علما"
السير في الطريق أمر وقصّ أثار طريق السير أمر آخر. حركة هايدغر هنا مختلفة عن ارتداد موسى وفتاه على آثارهما قصصا، ذلك أن هايدغر يفتقر للمشروع المستقبلي ؛ حيث المستقبل بالنسبة لهايدغر غامض ، وأن هناك علامات انسداد تاريخي تلوح في أفق العصر البورجوازي الإمبريالي ؛ لقد وصل البورجوازي إلى نهاية رحلته دون وجود علامات على تكون عناصر العالم الجديد . هذا أمر خطر ومولد للعنف غير المنتج ؛ العنف الماسخ.
تظهر وضعية هايدغر السالفة الذكر كونه يجعل من الطريق جوهراً مجرداً عن التاريخ، ويتغافل عن الطريق البورجوازي الذي وصل نهايته وبدأ انحطاطه التاريخي!
في السياق الرأسمالي يقود الطريق اليوناني (الكلمة اليونانية) إلى المستنقع؛ إلى الحضيض. إن غياب السياق الرأسمالي من التحليل الهايدغري ذو السمة الوضعية يجعل من نمو الطريق اليوناني كارثة بحد ذاته ؛ إنه يحكم على الطريق اليوناني كما لو كانت السياقات التاريخية عديمة التأثير والفعل على هكذا كلمات أو طرق! يتجوهر الطريق اليوناني كشكل للتفسير ويغيب الشرط البورجوازي الذي استحضر أشكالاً في التفسير وابتدع أشكالاً جديدة . هكذا يتهرب هايدغر من إدانة الأسلوب البورجوازي للإنتاج ملقياً باللوم على طريقة في التفسير والتفكير ابتدعها الفلاسفة اليونان!
يا لها من مفارقة: باسم الآلهة تعمل الشياطين؛ التناغم ما قبل السقراطي يقود إلى الشقاق والبعد ! ولكن ألم ينسه الشيطان الحوت وذلك "ما كنا نبغ"!
الكلمة اليونانية تتحرك وكأنها جوهر فرد ينسل عبر العصور والمراحل التاريخية لا يأبه إلا لصوت ذاته ، ولقد قاده إصراره على السير والنمو، ومن ثم عناده اللاحق إلى "طريق مسدود"، ما دفع بهايدغر لأن يرتد على آثاره قصصا . هذا النمو للجوهر الفرد (الكلمة- الطريق) من دون النظر إلى المرحلة التاريخية التي تعمل الكلمة في كنفها ، ومن دون النظر إلى الأنماط الاجتماعية للإنتاج هي ضرب من الوضعية الفلسفية. وهدف هذه الفلسفة الوضعية في حالة هايدغر هو تجديد اللاهوت والأنطولوجيا والفكر الغيبي . بهذا الشكل لا تعود الصيغة التي تأخذها الطريق مفسرة ، بل تفسر نفسها بنفسها كإله نرجسي في حركة دائرية صوفية مدوخة. لم يعد للشروط التاريخية من معنى ، لم يعد للتوسط من معنى ولم يعد للتقدم التاريخي من معنى أيضاً وفق اللاهوت الهايدغري الجديد. لقد انحصرت مهمتنا مع هايدغر في رصد تقلبات الطريق- الكلمة اليونانية ؛ مرة تنمو برحابة وأخرى تجد نفسها مجرّمة محبِطة ومحبَطة! لكنها لم تعد مفسرة في كل حالاتها وأحوالها.
لم يعد الأوربي في كل تنويعاته ومراحله التاريخية حسب هايدغر سوى ضرب من تحصيل الحاصل لمسيرة اليوناني! وهذا اليوناني خلق من قبل الفلسفة اليونانية، يقول هايدغر: "إن الفلسفة هي التي حددت لأول مرة وجود العالم اليوناني ، وليس هذا فحسب، فالفيلوسوفيا هي التي حددت أيضاً العلاقة المميزة لتاريخنا الأوربي الغربي ، وعبارة الفلسفة الأوربية الغربية ، التي طالما نسمعها إن هي في الحقيقة إلا تحصيل الحاصل. لماذا؟ ، لأن الفلسفة هي في جوهرها يونانية " 54 لقد غدت الفلسفة عند هايدغر غاية الموجود وغاية العالم ، لقد بات الوجود كإدراك ووعي غاية الموجود أو الكائن . وبهذا يقترب هايدغر من هيغل في فكرة هيغل التي مفادها أن تطور الوعي بالحرية هو غاية العالم وأن محتوى هذا التطور هو رفع محتوى العالم إلى مستوى الوعي ، وأن الحرية هي تطور وعي العالم لذاته . هكذا تبقى الحرية تفسير الضرورة فحسب دون القول بتجاوز هذه الضرورة بالفعل حسب تكملة ماركس لهيغل بالتالي إعادة إنتاج التفسير الهيغلي وفق ضرورات تغيير الوضع القائم. إن لاهوت هايدغر يساوي فكرة أن الله هو غاية العالم (الانتقال من المشهود إلى المنشود) ؛ أي أن التفسير (تفسير العالم هو الغاية المنشودة)
كان من شأنها (الفلسفة) أنها تملّكت في بادئ الأمر العالم اليوناني ، والعالم اليوناني وحده ، ابتغاء أن تتضح وتتكشف" 54 وهذا يعادل القول : إن المعنى (الروح) قد تملك الصوت ؛ الصوت البشري وحده ، ابتغاء أن ينضج الروح ويتكشف. هكذا نعود إلى غائية هايدغر اللاهوتية التي تقول بأن غاية العالم هو تكشف الروح أو نمو الوعي بالعالم. وهي ليست سوى تكرار للفكرة الهيغلية التي تقول: "فكل واقعية هي عملية تحقيق للواقع، أي نمو للذاتية"
بهذا الشكل لم تعد الفلسفة اليونانية نتاج عالم الإغريق ، بل غدا عالم الإغريق جسداً يحمل الروح التي هي الفلسفة اليونانية !
ينحني هايدغر للشرط التاريخي قليلاً ثم يعود لجوهرة الفلسفة اليونانية حيث يقول : "يبدو أن الجوهر اليوناني الأصيل للفلسفة قد وجهته وسادته ، إبّان سيطرته على أوربا في العصور الوسطى ، تصورات المسيحية . وسيادة هذه التصورات قد تمت من خلال العصور الوسطى" 54 . هنا السيادة للتصورات المسيحية وليس للفلسفة اليونانية ، وهذه السيادة المسيحية غير مفسرة من قبل هايدغر، بل هي مقررة عبر السياق. هذا السياق هو سياق نمو الفلسفة اليوناني عبر أوربا: إن نمو السمة الفلسفية لأوربا والغرب (اليونان) هو فحواها التاريخي الباطني ! ولو نظر هايدغر جيداً لاستطاع تفسير تفلسف أوربا الغربية بعالم أوربا الغربية وتطور هذا العالم التاريخي الفعلي .
في سبيله إلى تعريف الفلسفة ، يطرح هايدغر صيغة فارغة لهذا التعريف؛ لا تقتصر على تعريف أرسطو للفلسفة ، بل تحيي تعريف الفلسفات السابقة على تعريف أرسطو واللاحقة له . "بعد ذلك سنصل إلى صيغة فارغة تناسب كل نوع من أنواع الفلسفة"، يقول هايدغر ص 64 :
"لكن هذا لن يسمح لنا بتأمل ماهية الفلسفة ... الإجابة لا تكون إلا إجابة متفلسفة ، من حيث هي استجابة في ذاتها" 65
يدعو هايدغر إلى عود للتكلم مع الخاصة (الفلاسفة) بوصفه حواراً ؛ "إن التباحث مع الفلاسفة فيما يقولونه ، وفيما يعنيه قولهم ، أي فيما يتكلمون عنه ، شيء مختلف تمام الاختلاف عن تحديد آراء الفلاسفة ورصدها .. فإذا سلمنا بأن وجود الموجود يستثير الفلاسفة إلى الحد الذي يقررون معه ماهية الموجود من حيث هو موجود فلا بد لحديثنا مع الفلاسفة أن يستثيره كذلك وجود الموجود " . يفترض هايدغر أننا جميعاً فلاسفة يستثيرهم وجود الموجود! وباعتبار الكل هنا يعني البعض فإن قول هايدغر يشير التالي: إذا استثارنا وجود الموجود من حيث ماهيته حتم علينا هذا الحديث مع الفلاسفة أو الحوار معهم. بهذا المعنى ، تكون الإجابة على سؤال ما الفلسفة ؟ ليست إلا استجابة إلى وجود الموجود .
الاستجابة تعني الدخول في حديث مع هذا الذي يسلمنا إليه تراث الفلسفة. [حتى هذه اللحظة موقفنا سلبي من التراث أو الأصح أنه منفعل وليس فاعلاً بعد]. يقول هايدغر: "إننا لا نجد الإجابة عن سؤال ما الفلسفة ؟ إلا في التحاور مع ما قد سُلّم إلينا بوصفه وجود الموجود " 66 . الحديث مع التراث الفلسفي بداية الحوار مع ما يتضمنه من وجود الموجود؛ أو الطيب من الكلام. هذا الحوار مع الفلاسفة هو اكتساب لما قد سُلّم إلينا عبر التاريخ وتشكيل له، "وبما يمكنه أن يعيننا لعقد الحوار مع آسيا" . مثل هذا الاكتساب للتاريخ هو ما نعنيه بمصطلح "التهديم" Destruktion و "التهديم" لا يعني التحطيم ، بل يعني التفكيك والتصفية والتنحية جانباً للتقريرات التاريخية البحتة عن تاريخ الفلسفة". التهديم: تفكيك التراث وتصفيته أو غربلته وتنحية الفائت منه جانباً (وخرّوا له سجدا). "التهديم" يعني أن نصغي جيداً لما يحدثنا به التراث من حيث هو وجود الموجود (من حيث هو كشف لماهية ما قد وجد).
إننا كبشر ننفعل بماهية الأحداث ؛ "بقاؤنا دائماً أبدا في استجابة على وجود الموجود، نادراً ما ننتبه إلى نداء الوجود ". بكلام آخر: نادراً ما نستجيب لنداء الوعي فينا في سبيل تغيير حياتنا (الجماهير تعبد القياس أو السائد). "لا يصبح هذا الأمر موقفاً إلا في أوقات نادرة فقط" ، هي أوقات الأوضاع الثورية أو راهنية وضع ثوري . يصف هايدغر وضعاً كهذا كالتالي: "عندما يتحقق ذلك نستجيب حقاً إلى هذا الذي يهم الفلسفة".
لكن هايدغر لا يتجاوز الأفق الهيغلي لجهة أن الاستجابة المتحققة تحققاً صريحاً تجاه نداء وجود الموجود هي استجابة وعي لا فعل ؛ وعي فحسب ، أي تفسير الموجود بحضوره كوجود بالعقل. التحقق هنا هو التفسير، الاستجابة إلى تفسير ماهوي ؛ الاستجابة إلى نداء وجود الموجود؛ هنا رودوس هايدغر. إذاً ، ما يريد هايدغر قوله أن الأوقات التي يصعب فيها قبول الخرافات أوقات قليلة، وهي الأوقات الثورية، حيث يتم فيها شحذ الوعي بحيث تكون الاستجابة إلى نداء وجود الموجود استجابة عالية وعريضة.
عندما يصرح هايدغر بالقول: "أن "الفيلوسوفيا" إن هي إلا استجابة متحققة تحققاً صريحاً " فإنه يعني أن التفسير هو غاية الاستجابة ؛ التفسير كـ كشف لـ ماهية الموجود (الوجود هنا هو التفسير أو عقل ماهية الموجود). نقتبس هنا نصف مطارحة ماركس بخصوص فيورباخ: "لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم..."
الاستجابة معناها "التحدّد " étr dispose و dispose الفرنسية تعني "الوضع المنفصل المكشوف" . التحدد هو تميز واع لما في هذا التراث ؛ في هذا العماء . "فالوجود بما هو موجود يحدد الكلام على نحو من شأنه أن يجعل اللغة تتناغم مع وجود الموجود". إن قول هايدغر : "الاستجابة ضرورية وهي متناغمة على الدوام " يعني أن حقيقة الموجود لها صياغة وحيدة "متناغمة .. على أساس التناغم فقط تحصل الاستجابة على دقتها أو على نغميتها" ، ويعني هذا أيضاً أن المعنى ملتحم بالصوت بحيث يخطر بالبال أن لدى هايدغر حنيناً إلى أسطرة الخطاب البشري من جديد ، إنه حنين إلى الدين والأسطورة والسحر. وسوف يتعارض هذا الكلام مع أقوال هايدغر في آخر مقالته موضع القراءة، وسوف تتعارض مع قول أرسطو الوارد في آخر المقالة وتتعارض مع قول القرآن بالسماوات السبع. قل من رب السموات السبع ومن رب العرش العظيم" المؤمنون/ 86 " فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها" فصلت/ 12
إن ما هو موجود يجعل التحديد ينتأ ويحصل في بحر وجود الموجود . هذا النتء تاريخيّ ؛ هذا التحديد من عمل التاريخ. ما ينتأ يتحدد بالتاريخ ؛ هذا التحديد هو استجابة كانتباه على النداء؛ نداء الوجود (الوعي أو العقل) . الاستجابة ليست مسألة عرضية ، بل هي ضرورة قيام العلم ؛ "كل دقة في اللغة إنما هي قائمة في تحدد من تحددات الاستجابة ، والاستجابة بمعنى الانتباه إلى النداء". ما أن تظهر "التاريخية" قليلاً عند هايدغر حتى يحولها إلى نوع من أنطولوجيا العرفان ، حيث يميل نحو تركيز الانتباه إلى المشترك عبر المراحل التاريخية ليقيم نوعا من فلسفة تاريخ أو أنطولوجيا عِرفان، يقول: "الإشارة على التحدد الأساسي للاستجابة ما هي بالكشف الحديث ، فالمفكران اليونانيان أفلاطون وأرسطو قد وجها الانتباه إلى أن الفلسفة والتفلسف يرجعان إلى بعد من أبعاد الإنسان نسميه "النغم" (بمعنى التناغم والنغمية) "
يقول أفلاطون: "الدهشة هي "الباثوس" (الحال) الذي يميز الفيلسوف حقاً ، وليس للفلسفة من مبدأ إلا الدهشة من حيث هي باثوس (حال) ؛ هي الأرخية (المبدأ) للفلسفة".
المبدأ هو العين أو النبع (الدهشة نبع أو عين)، والنبع لا يطرح جانباً مع جريان الماء في المجرى؛ لا يزول مع هذا الجريان ، بل ما يزال بحيث يهيمن على مجرى النهر (الجريان ) ويسود . الدهشة فعل سائد كالنبع بالنسبة للنهر ؛ نهر الفلسفة وسيرها الطويل. يقول هايدغر: "الدهشة هي أرخيّة (مبدأ) ، إنها تسري في كل خطوة من خطوات الفلسفة. الدهشة "باثوس" (حال) . ونحن [يقصد الأوربيين] نترجم عادة "باثوس" بـ حال ، أي فورة من فورات العاطفة ، لكن كلمة "باثوس" مرتبطة بالفعل اليوناني "باسخين" [ومعناه]: يعاني ويكابد ويخبر ويتناغم مع. ".. ونحن نخاطر - كما هو الحال دائماً في مثل هذه الحالات – لو ترجمنا كلمة "باثوس" بكلمة نغم.
هايدغر قلق من إمكانية عدم حصول الدهشة على مبتغاها ؛ قلق من ألا يصل النهر إلى البحر ؛ بحيث لا تعرف ماهية الموجود.
"الدهشة هي التحدد الذي فيه ومن أجله ينكشف وجود الموجود . الدهشة هي التناغم الذي من خلاله قيض للفلاسفة اليونانيين التجاوب مع وجود الموجود" ص 70
ولكن ، ما هو "الحال" عند العرب. جاء في القرآن: حال بينهما الموج: أي حجز وفصل. "وحال بينهما الموج فكان من المغرقين" 43/هود . حِيلَ: حجز وفصل ؛ "وحيل بينهم وبين ما يشتهون" 54/سبأ . "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" 24/الأنفال. تحويلاً: تغييراً ؛ "فلا يملكون كشف الضِّر عنكم ولا تحويلا" 56/الإسراء. تحويلاً: تغيُّراً وتحوُّلاً ؛ "سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا" 77/الإسراء 43/فاطر وقد وردت كلمة سنة هكذا من غير تشديد أو تشكيل في معجم ألفاظ القرآن الكريم إصدار مجمع اللغة العربية في القاهرة 1989 ص 330 وكذلك وردت الآيتان في ص 272 في المعجم المفهرس لآيات القرآن الكريم من دون تشكيل على النحو التالي: "سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا" 77/الإسراء .."فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا" 43/ فاطر. وقد رسمت هذه الآيات في المصحف الشريف : "سُنّةَ من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و لا تجد لسُنَّتنا تحويلا" 77/الإسراء ..".. فهل ينظرون إلاّ سُنَّتَ الأولين فلن تجد لسُنّتِ الله تبديلا ولن تجد لسُنَّتِ الله تحويلا" 43/فاطر ويلاحظ هنا وقد أبدلت التاء المربوطة بواحدة مبسوطة مع التشديد والضم فوق النون ! ويذيل صاحب "التفسير المعين" الشيخ محمد هويدي تفسيره بتعريف للمصحف الشريف بالقول: "كتب هذا المصحف وضبط على ما يوافق رواية حفص بن سليمان ابن المغيرة الأسديّ الكوفي لقراءة عاصم بن أبي النّجود الكوفي التابعي عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلميّ عن عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب عن النبي... وأخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التي بعث بها الخليفة الراشد عثمان بن عفّان إلى البصرة والكوفة والشام ومكة ، والمصحف الذي جعله لأهل المدينة ، والمصحف الذي اختص به نفسه ، وعن المصاحف المنتسخة منها . وقد روعي في ذلك ما نقله الشيخان أبو عمر الداني وأبو داوود سليمان بن نجاح مع ترجيح الثاني عند الاختلاف .. هذا وكل حرف من حروف هذا المصحف موافق لنظيره في المصاحف العثمانية الستة السابق ذكرها ..وأخذت طريقة ضبطه مما قرره علماء الضبط على حسب ما ورد في كتاب "الطراز على ضبط الخرّاز" للإمام التَّنَسيّ مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة ، بدلاً من علامات الأندلسيين والمغاربة " .
والحَوْلُ: السَّنة ؛ "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحَوْل غير إخراج" 240/البقرة. حَوْل الشيء : ما يحيط به ، ويستعمل منصوباً وتارة مجرورا بمِنْ؛ "فوربُّك لنحشرنّهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا " 68/مريم .. "وترى الملائكة حافّين من حول العرش " 75/ الزُّمَر. حِوَلا: تحولا وانتقالا ؛ "خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلا" 108/الكهف . حَوْلك: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك " 159/آل عمران. حَوْلَكم : "وممن حَوْلَكُم من الأعراب منافقون " 101/التوبة ، 27/ الأحقاف . حَوْلَه؛ "فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم " 17/البقرة، 1/الإسراء، 25/34/الشعراء ، 7/غافر . حولها؛ "ولتنذر أم القرى ومن حولها " 92/الأنعام، 8/النمل ، 7/الشورى . حَوْلَهم؛ "ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله" 120/التوبة ، "أولم يروا أنّا جعلنا حرماً آمناً ويتخطّف الناس من حولهم " 67/العنكبوت . حِيلَةً؛ "لا يستطيعون حِيلَةً ولا يهتدون سبيلا" 98/النِّسَاء ؛ والنٍّساء لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، والنِّساء من النَّسء والنَّسيءْ؛ التأخير ، وهو زيادة في الكفر. ويقول سيبويه في الكتاب ص 370 : باب الحال ، "هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال وقع فيه الأَمْرُ فانتصب لأنه موقوع فيه الأمر، وذلك قولك: قتلته صبراً " ؛ يقول سيبويه: "وليس كل مصدر وإن كان في القياس مثل ما مضى من هذا الباب يوضع هذا الموضع ؛ لأن المصدر ههنا في موضع فاعِل إذا كان حالاً " إذاً المصدر يكون في موضع فاعل إذا كان حالاً أو "باثوس". وجاء في القاموس المحيط أن "الحَوْلُ: السَّنة ... وأحال: أَسْلَمَ ، والشيء تحوَّل..وجمع الحول: حوليات .. والمستحالة والمستحيلة من القِسيّ: المُعْوَجَّة .. وكل ما تحول أو تغير من الاستواء إلى العوج ، فقد حال واستحال .. والحِيلة: الحِذق، وجَودة النَّظر، والقدرة على التصرف .. ولا مَحالة منه: لا بدُّ .. والمُحال من الكلام: ما عُدل عن وجهه ، كالمستحيل .. وأحال: أتى به .. وحوّله إليه : أزاله ، والاسم .. وهو حواليه وحوليه وحَواله وأحواله.. وكل ما حجز بين شيئين.. واسم الحاجز .. وحوال الدهر: تغيره، وصرْفه.. وتحول عنه: زال إلى غيره .. والحال: كِنَة الإنسان ، وما هو عليه ، كالحالة ، والوقت الذي أنت فيه.. وحالات الدهر وأحواله: صُرُوفُه.. . والحَوْلة: القوة والتَّحوّل والانقلاب ، والاستواء على ظهر الفرس .. والحُول: الأمر المنكر... والحيال: و قبالة الشيء، وقعد حياله: وبحياله: بإزائه.. والحويل: الشاهد ، والكفيل والاسم الحَوالة.. وحاولتُ له بصري: حددته نحوه ، ورميت به ... والمستحيل: الملْآن " ص 989-990 المحيط
"ثمة نغم آخر مختلف تمام الاختلاف جعل التفكير يقرر أن يسأل بطريقة جديدة السؤال التقليدي عما هو الموجود من حيث هو موجود" . يظهر أن التفكير يقرر لدى هايدغر ، وقراره من "رأسه" ، لكنه يعود بعد قليل ليعترف بفعل الزمان والعصور والتاريخ . بخصوص القرار الجديد يقول:"ديكارت في "تاملاته " لم يسأل فقط وأولاً ما الموجود (تي تو آن) من حيث هو موجود؟ بل يسأل عن ذلك الموجود الذي هو الموجود حقاً ens certum ويرى ديكارت أن ماهية الـ certitudo"" قد خضعت عبر الزمان لتحولات شتى ، لكنه في العصور الوسطى لم يكن يعني الـ "certitudo" اليقين ، بل يعني التعريف الثابت لموجود من حيث هو موجود" 70
إذن تخضع ماهية ما هو موجود لتحولات عبر التاريخ والعصور (الزمان) ، بالتالي يتحول من ماهية إلى أخرى أعمق بفعل الشروط التاريخية الجديدة . في العصور الوسطى الأشياء (الموجودات) معرفة بشكل قطعي ونهائي أي مخلوقة وأبدية؛ بكلام هايدغر: الـ certitude" " تعني تعريف ثابت لموجود من حيث هو موجود.
ديكارت يعطي اللفظ دلالة جديدة ومعنى جديداً ، ويعيد توجيه السؤال بطريقة جديدة وفق الشروط الجديدة التي أساسها بداية الصعود التاريخي للبورجوازية كطبقة عالمية النزعة أوربية المنشأ. السؤال الجديد: هل هذا الموجود الذي هو العالم الإقطاعي حق ؟ وبناء على الجواب بالسلب انقسمت الموجودات إلى فئتين: فئة موجودة وجوداً يقينياً وحقاً، وفئة ثانية وجودها وهم وباطل. هكذا كان عالم الإقطاع يتداعى ليحل محله عالم البورجوازية الصاعدة.
لم يعد يطرح سؤال الموجود من حيث هو موجود(كوزموس) بل بات ينطرح حقيقة بعض الموجود ، هل هذا البعض حق أم باطل؟ هذا التبعيض أو تجزيء صعوبة الموجود في الوجود ، ومسألة حقيقة البعض وبطلان البعض الآخر يدخلنا في إطار جديد جاءت به البورجوازية الأوربية الحديثة ، وهو تجزيء الصعوبة الكوزمية عبر مفهوم جديد للعلم وهو مسألة الحصر، الشرط، اليقين، التحديد في الزمان والمكان (دراسة شروط الموجود أو الموجود في زمانه ومكانه)؛ دراسة بعض الموجود في شرطه المحدد وزمانه المحدد .
بالنسبة إلى ديكارت يقاس ما هو موجود بطريقة جديدة ؛ حيث "يصبح الشكّ ذلك النغم الذي فيه يهتز التناغم مع الموجود". إن الشك الديكارتي شك محدّد ، ومعيّن ومبعّض هدفه تجاوز الشك والوصول إلى موجود يقيني . سوف يؤسس هذا اليقين الجديد لـ أنا واثقة من ذاتها ومتجاوزة للشك الذي ولده الموجود الإقطاعي . وتظهر مقولة ديكارت التي مفادها: عدم إمكان الشك في الأنا موجود بالنسبة إلى أنا الإنسان ؛ الإنسان يبني يقينه الجديد عبر تجاوز مرحلة من الشك بالعالم القديم الإقطاعي ، إنه ثقة طبقة صاعدة تاريخياً بذاتها. (sum Cogito (Ergo)). إنه تأسيس لأنا واثقة موقنة بذاتها ؛ يعني أن الأنا قد غدت ذاتاً على الأصالة لأنها تعبر في وجودها عن الموجود الحق . هكذا تدخل طبيعة الإنسان لأول مرة نطاق الذاتية بمعنى "الأنا الحق" لكن سرعان ما يتبدد هذا اليقين بفعل انحطاط البورجوازية "السريع".
يقول هايدغر: "مع التناغم مع الـ certitude اكتسبت لغة ديكارت نغمية الإدراك الواضح والمتميز .. ونغم الشك هو. الرضا الإيجابي باليقين ومن ثمّ صار اليقين الصورة المحددة للحقيقة " 71
عند هذه النقطة تظهر محاولة هايدغر لشد لجام الفلسفة ، ومحالة إخضاع ما أنجز تاريخياً لـ أنطولوجيا الفلسفة اليونانية . يقول: "إن نغم الثقة في يقين المعرفة المطلق ، والذي يمكن الحصول عليه في كل العصور إنما هو "الباثوس" وبالتالي "الأرخيّة" (المبدأ ) للفلسفة الحديثة " 71 . بعد هذه البلبلة التي أحدثتها عبارة هايدغر الأخيرة يحاول تجاوز ذلك بتقسيم موضوعه إلى (مبدأ) الفلسفة الحديثة وإلى "غايتها " وإلى كمالها ؛ فيبحث عن سماء شيلنغ وهيغل وماركس ونيتشه خالطاً الأمور بطريقة تعيدنا إلى العماء الأصلي قبل اكتشاف ماهية الموجود أو وجود الموجود.
حتى العصر الحديث لدينا نغمان : الأول يونانيّ والثاني أوربي- بورجوازي ( ديكارتيّ ) وهو هزّ النغم الأول وصعوده و رفعه إلى مستوى جديد ؛ مستوى عصر البورجوازية الأوربية الحديثة.
بعد ديكارت يدخلنا هايدغر في دوامة.
مع أن ديكارت ساعدنا في الكشف عن نوعين من الموجودات التاريخية: أول يقيني وحق ، وثاني وهم و باطل. ولقد حاول هيغل جمعهما عبر مقولة "النسق" أو "النظام" ؛ نسق العلم عبر المصالحة الذاتية بين الأضداد؛ "الكل هو الحقيقة " والكل باطل "
. لكن نسق هيغل تشقق مع ظهور البروليتاريا الأوربية كقوة سياسية خاصة بعد ثورة 1848 الديمقراطية في فرنسا . لم يعد ماركس قادراً على المصالحة بين أضداد متصارعة وواعية في صراعها ولمصالحها.
إن شك ديكارت قد قاده إلى يقين المعرفة وقد استطاع هايدغر بصعوبة أن يعيد هذا النغم الديكارتي إلى "الحظيرة" اليونانية . أما العصر الحديث وانقسام الموجودات إلى حق وباطل فما عاد بالإمكان تدجين التفلسف المعاصر وحشره في الخانة اليونانية . لنستمع إلى صوت هايدغر وهو يشكو هذه "الفوضى " المعاصرة : "إننا نحاول أن نستمع إلى صوت الوجود، فإلى أي نوع من النغم أدى هذا الصوت بالتفكير المعاصر ؟ من العسير علينا أن نعطي على هذا السؤال إجابة لها معنى واحد" 71
وبالرغم من تعدد الإجابات في وجود(وعي) العالم المعاصر إلا أن هايدغر يصاب بنوع من الظن أو الحدس بأن هناك إجابة (فلسفة) يعتبرها النغمة الأساسية للعصر أو النغمة الحق! يقول: "لكن من المظنون أن ثمة نغمة أساسية تسري، وهي تظل مع ذلك محجوبة عنا.. وهذا يدل على أن تفكيرنا المعاصر لم يعثر بعد وبوضوح على طريقه الفريد المميز" 71
يحمل هذا القول أسى عميقاً؛ لم يهتد العصر حسب هايدغر على نغمته الأساسية بعد ، وهذا مقلق حقاً ومحبط حقاً ومولّد للكرب، وقد يكون سبب هذا عائداً لعدم قدرة الطبقة العالمية الجديدة (البروليتاريا ) فرض هيمنتها بعد، كما حصل للبورجوازية زمن صعودها 1600-1850. لم تستطع البروليتاريا بعد - خاصة في أوربا وبفعل الظاهرة الإمبريالية كتكيّف للرأسمالية- فرْض اليقين في الأنا الجديدة ؛ لم تستطع بعد خلق كوجيتو خاص بها جديد . وسر ذلك أن البورجوازية تؤسس الكوجيتو قبل أن تنتصر سياسياً أما البروليتاريا فعلى العكس تنتصر ثم تؤسس لاحقاً يقينها الخاص. يكتب ماركس في 18 برومير: "الثورات البورجوازية ، كتلك التي حدثت في القرن الثامن عشر، تتقدم بسرعة واندفاع من نجاح إلى نجاح ؛ تتغلب تأثيراتها الدراماتيكية الواحدة على الأخرى؛ بحيث يقحم الناس والأشياء في تألقات مذهلة ومشرقة؛ النشوة هي روح كل يوم ؛ لكن هذه الثورات قصيرة العمر؛ عاجلاً تكون قد بلغت ذروتها، وبعدها يمسك بالمجتمع إحباط طويل وعسير قبل أن يتعلم باقتصاد أن يستوعب نتائج اندفاعته وفترات الشدة . من جهة أخرى، الثورات البروليتارية كتلك التي حدثت في القرن التاسع عشر، تنتقد ذاتها دائماً، وتقاطع ذاتها بشكل متواصل في سيرها الخاص، وترجع إلى ما أنجزته بوضوح في سبيل الشروع به من جديد، لتهزأ بـلا رحمة تامة بنواقصها، مواطن ضعفها، ورداءة محاولاتها الأولى، تبدو أنها تطرح خصمها أرضاً فقط في سبيل أنه يمكن أن يتلقى قوة جديدة من الأرض وينهض ثانية، أكثر ضخامة، أمامها، و تنكص مرة تلو الأخرى، عن تحقيق أهدافها الخاصة غير الواضحة الهائلة ، حتى يكون قد خلق وضع جديد يجعل العودة إلى الوراء مستحيلة، ويصرخ الحال الجديد (الشروط الجديدة) : هنا رودوس، اقفز هنا!
Hic Rhodus, hic salta!
يقول هايدغر: "هذا يدل على أن تفكيرنا المعاصر لم يعثر بعد وبوضوح على طريقه الفريد المميز .. إننا لم نصل إلا على هذا : نغمات للتفكير متعددة .. الشك والالتباس من جهة .. واعتناق أعمى لمبادئ غير ممحصة من الجهة الأخرى ، وهي تتصارع " . هذا تلميح إلى الشك بالفاشية كصورة للرأسمالية في عصرها الإمبريالي ، ونقد للستالينية كنمط من الاعتناق الأعمى لمبادئ غير ممحصة ودغمائية .
إنه خوف وقلق مختلط بالأمل والثقة ؛ أمل وثقة خلقتهما البروليتاريا الروسية عبر ثورتها وخوف وقلق من تنامي الظاهرة الفاشية في الرأسمالية الإمبريالية من جهة وتنامي الظاهرة البيروقراطية في الاشتراكية السوفييتية.
ينتقد هايدغر تحرر المعنى من وصاية اللغة عبر عمل البورجوازية التاريخي ، وينتقد توزع المعنى على عدة قطاعات عبر العلوم الجزئية الحديثة (التجريبية). يقول: "هناك اعتقاد غالب وشائع بأن التفكير وقد صار ضرباً من ضروب الإحصاء والتمثل الاستدلالي تم له التحرر من أي نغم تحرراً كاملاً ... لكن حتى برودة الإحصاء ، وحتى دقة التخطيط هما خاصيتان مميزتان للتناغم مع النداء " 72 . يحاول هايدغر خدمة للتناغم مع النداء لملمة أشلاء عالم بعثرته البورجوازية بحركاتها الدائبة والعنيفة . يحاول لملمة أجزاء أوراق مبعثرة (العلوم الجزئية) للحصول على تناغم مع نداء وجود الموجود(وعي الموجود) لكي تحصل أناه (أنا البورجوازي) على الرضى واليقين، لكن هيهات! إن هذا التخليع لوحدة العلوم والذي جاء أولاً بسبب تقسيم العمل الشديد والتخصّص الذي جاءت بهما البورجوازية ، هذا أولا وثانياً للنفور المتصاعد من قبل البورجوازية ومفكريها من الاقتصاد السياسي بعدما غدا قوة علمية/ إيديولوجية و سياسية بيد البروليتاريا. الاقتصاد السياسي الماركسي يسمح بمعرفة الكل البورجوازية ؛ " الكل هو الحقيقة" ولكن بعدها نكتشف بطلان قيامة البورجوازية ويحق عليها الشطر الثاني من عبارة ماركوز: "... والكل باطل"
يكتب أوسكار لانغه: "وبالرغم من الميل العام للبورجوازية إلى تصفية الاقتصاد السياسي حينما أصبح علماً للطبقة العاملة وجزءاً من الاشتراكية العلمية فإن المستلزمات العلمية للسياسة الاقتصادية في ظل الاحتكار ورأسمالية الدولة تشمل مقداراً معيناً من المعرفة الاقتصادية الحقيقية . لذلك يبحث الفكر البورجوازي الحديث عن مخرج من التناقض بين الميل إلى تصفية الاقتصاد السياسي باستبداله بالتبريرية الرأسمالية وبين الحاجة العلمية للمعرفة الاقتصادية الحقيقية ويجد حلاً في تطوير العلوم الاقتصادية التطبيقية التي تمس مشاكل الاقتصاد السياسي في حيز محدود ، وكذلك في تقديم علوم مساعدة معينة . ولكن افتقار هذه الدراسات إلى أساس نظري شامل كمثل ما يقدمه الاقتصاد السياسي ، يجعل تطبيقها محدوداً (وظيفياً ونفعياً) " .
هكذا تتصدع العقلانية البورجوازية ، وتنحصر في العقلانية الاقتصادوية (التقنية) الخاصة بنشاط المشاريع المفردة الخاصة وبالنشاطات القطاعية من الاقتصاد الرأسمالي. يعلق هايدغر على ذلك بالقول: ليس الاقتصاد السياسي الذي يقوم على أساس نظري شامل هو الذي يستجيب إلى نداء وجود الموجود ، بل الاعتناق الصريح للفلسفة . لم يدر في خلد هايدغر أن الفلسفة أو الديالكتيك المادي هو هذا الأساس النظري الشامل أو جبر الاقتصاد السياسي وجبر العلم بالكلية الرأسمالية المعاصرة! لقد بات "الديالكتيك المادي" مع ماركس متضمناً في "رأس المال"، تماماً كحرف الألف بالنسبة لصور الحروف الأخرى ؛ حرف الألف هذا جبر الحروف جميعها . لقد بات الاقتصاد السياسي مع تبني الطبقة العاملة له صورة الفلسفة المعاصرة . يكتب لينين :" إذا كان ماركس لم يخلف وراءه "منطقاً" (بالحرفL الكبير Logic ) فقد ترك لنا منطق الرأسمال ، ويجب أن نستفيد من ذلك على أكمل وجه ممكن . فيما يخص هذه المسألة (المنطق في رأس المال) يطبق ماركس على علم واحد ؛ وهو الاقتصاد السياسي كل من (المنطق، الديالكتيك، ونظرية المعرفة المادية. لا حاجة لثلاث كلمات ، إنها أمر واحد)، آخذاً كل ما له قيمة عند هيغل ومطوِّراً إيّاه."
يؤكد هايدغر أن اللغة قد خضعت لتغيرات ، وما عاد المعنى ؛ معنى العصر ملتحماً بها كما كان الأمر زمن اليونان. لم تعد الكلمة "لوغوس" كما كانت في الفكر الأسطوري ، ومع هذا علينا المباشرة في محادثة مع تجربة اليونانيين اللغوية ومع النص القرآني كنص أسطوري يلتحم فيه المعنى باللغة التحاماً كبيراً (لوغوس) . سوف نقارن لاحقاً نص هايدغر مع نص باختين في حديثه عن علاقة اللغة بالمعنى في النصوص الأسطورية والسحرية. وليس غريباً أن يقود التداعي هايدغر إلى الحديث عن الشعر كشكل أحادي للصوت يتناغم فيه المعنى مع اللغة تناغماً كبيراً . وعبر الشعر سوف يؤسس هايدغر لمركزية جديدة؛ لـ تناغم جديد مع صوت النداء ؛ نداء العصر! وبهذه الطريقة يقترب هايدغر من اللسانيات الحديثة ومن النقد الأدبي الحديث في القرن العشرين وخاصة شخص باختين . يقول هايدغر:"هذه الاستجابة كلام ، إنها في خدمة اللغة ، وما يعنيه هذا الذي نقوله صعب علينا اليوم فهمه ، لأن تصورنا الجاري للغة قد خضع لتغيرات غريبة ". ويعلق باختين بالقول:"يتعلق الأمر هنا بثورة جد هامة وجذرية في مجال مصائر اللفظ البشري أما النوايا التقانية ، الدلالية والتعبيرية ، فقد تحررت من نير لغة وحيدة ، ونتيجة لذلك لم تعد اللغة تدرك كأنها أسطورة أو كأنها تشكل مطلق للفكر " .
ويصيب هايدغر نوع من الحنين لهذا الالتحام الأسطوري بين المعنى واللغة في حركة ناكسة منقلبة على عقبيها؛ يقول:"من الأصوب القول بأن التفكير- من حيث هو استجابة- في خدمة اللغة . هذا فضلاً عن أن التصور الجاري للغة بعيد كل البعد عن تجربة اليونانيين اللغوية" 72 . وبعد أن يصيبه اليأس من إمكانية العودة إلى الشكل القديم للعلاقة بين اللغة والمعنى (اللوغوس اليوناني) يصرح معترفاً: "لا نستطيع أن نرجع من جديد إلى هذه الماهية للغة، ولا حتى أن نعتنقها ، وربما وجب علينا بدلاً من ذلك أن ندخل في محادثة مع تجربة اليونانيين اللغوية من حيث هي "لوغوس" [أي من حيث هي وحدة اللغة والمعنى ]، لأنه من دون اعتبار كاف للغة ، لن نعرف حقاً ما الفلسفة بوصفها استجابة مميزة " 72 ؛ أي لن نعرف ما القرآن بوصفه نصاً أسطوريا يلتحم فيه المعنى مع اللغة في وحدة لا تنفصم. يعلق باختين:"إن التعدد اللغوي الخارجي سيثبت ويعمّق التعدد اللغوي الداخلي للغة الأدبية نفسها ، وسيضعف من سلطة الأساطير والتقاليد التي ما تزال تشكل الوعي اللساني ، وسيفكك نسق الأسطورة القومية الملتحمة عضوياً باللغة . ومجمل القول، فإنه سيحطم كلية الإحساس الأسطوري والسحري للكلام .. إن تفكيك مركزية العالم الأيديولوجية لفظاً والذي يجد تعبيره في الرواية ، يفترض وجود فئة اجتماعية شديدة التباين ولها علاقة توتر وتبادل مع فئات اجتماعية أخرى ومتنوعة " وهذا ما فعلته البورجوازية في أوربا الغربية زمن صعودها التاريخي. إن المحادثة الواجبة علينا مع تجربة اليونانيين اللغوية ومع تجربة القرآن اللغوية تعني دعوة هايدغر لـ"تهديم" هذه الوحدة بين المعنى واللغة في النصوص الأسطورية لأنه من دون ذلك لن نستطيع التخلص من سلطة هذه التقاليد اللغوية المعرقلة للتقدم الاجتماعي.
بعد أن يفقد الأمل بالفلسفة الحديثة والمعاصرة في أن تنجز التناغم مع نداء وجود الموجود ، يقوم هايدغر بتجربة مفتعلة في سياق حنينه إلى هذه الوحدة بين اللغة والمعنى وإلى هذا التناغم بينهما، وهذه التجربة المفتعلة هي استعانته بالشعر ، يقول:"لكن بما أن الشعر – إذا قارناه بالتفكير- هو في خدمة اللغة على نحو متميز، ومختلف كل الاختلاف ، لحديثنا الذي يتبع تفكير الفلسفة يؤدي بالضرورة إلى مناقشة العلاقة بين التفكير والإبداع الشعري" 73 لكن هايدغر يستدرك على الفور ويقرر الخروج من هذا الافتعال بالقول:"ثمة صلة قرابة خفية (بين التفكير الأسطوري والإبداع الشعري) لأنهما مولعان بخدمة اللغة، وعليها موقوفان، ومع ذلك توجد بينهما في نفس الوقت هوّة ، لأنهما يسكنان على جبلين منفصلين عن بعضهما أشد الانفصال وأوسعه " .
إنها غواية الشعر وشبهته: " وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين". 69/ يَس، "والشعراء يتَّبِعهم الغاوون" 224/الشعراء
ومرة أخرى يعلق باختين بالقول:" لم تعد لغة الارستقراطية المتكلفة ولغة الشعر الأحادية الصوت هي اللغة الوحيدة ، بل بات كل هذا التنوع في تعدده الصوتي والأيديولوجي الجبار حاضراً على مسرح التاريخ وهو ما عكسته الرواية الحديثة في لغتها المتعددة الأصوات" .
وهكذا يستسلم هايدغر ويقر بهذا التعدد في الأصوات الذي جاءت به البورجوازية . وفي كفاحه المستميت من أجل الوصول إلى تناغم مع نداء وجود الموجود يدعو هايدغر إلى اجتماع للفلاسفة والمفكرين الذين يهمهم وجود الموجود ، حيث يكتب:"إن حديثاً لا يستهدف تقرير برنامج محدد وثابت ، بل يود أن يسعى إلى تهيئة أولئك الذين يريدون المشاركة ، تهيئتهم لاجتماع يدعون إليه نسميه وجود الموجود . ونحن بهذه التسمية نضع في الاعتبار ما سبق وأن قاله أرسطو: "إن وجود الموجود يتبدى على أنحاء شتى"" انتهى كلام أرسطو بصوت هايدغر.









هوامش

- الطريق تدخل في باب ما يذكّر ويؤنَّث. راجع أدب الكاتب لـ ابن قتيبة ، تحقيق محمد الدالي الطبعة الثانية مؤسسة الرسالة 1985 ص 288
2 - تزكية النفس (الزكوة)
3- الهاء المفردة : ضمير للغائب أو حرفاً للغيبة (إيّاه) ؛ إنها حرف لمجرّد معنى الغيبة؛ [الهاء حرف معنى الغيبة المجرّد]. أن تكون الهاء للغيبة ، هاء السّكت في : ماهيّه ، وصلت بنية الوقف [الوقف على ماهيّة هذا]؛ هذا : إشارة غير مختصة بالبعيد.(ثمّ، هنالك) .. ما : نكرة متضمنة معنى الحرف. ما الاستفهامية: معناها؛ أي شيء (ما هو)
4- سورة الكهف /61، 62، 63، 64، 65/ الحركة المزدوجة لطريق المعرفة ومنها العودة السردية للتراث أو قص اثر الجيل السابق للعصر.
5- الشك الديكارتي المنتج لحظة ضرورية من لحظات إنتاج العلم
6- راجع "جدل" ، العدد الثالث ص 155 قراءة نقدية في مقدمة العقل والثورة لماركوز
7- حدث حدوثاً وحداثة : نقيض قدُم . وحدثان الأمر بالكسر: أوله وابتداؤه.. والحديث: الجديد والخبر (المحيط ص 167 )
8- وسلمته إليه تسليماً فتسلمه : أعطيته فتناوله . والتسليم: الرضا والسلام (المحيط 1122) "ولسوف يعطيك ربك فترضى، الم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فاغنى " 5-8 سورة الضحى
9- الفلسفة في مواجهة العلم والتقنية ترجمة د. فاطمة الاجيوشي ص 57 منشورات وزارة الثقافة دمشق 1998
10- (راجع "الوجود والزمان- بند 6") ؛ ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا.." سورة يوسف

11 - تذكر معظم آيات القران "السموات " بالجمع مرفقة "بالأرض" هكذا بالمفرد .؛ "خلق السموات والأرض " ، رب السوات والأرض ، الخ..
12 - في الإنكليزية: pathos: كلمة إغريقية تعني العاطف للقلب؛ العنصر المثير للشفقة في الحياة أو في التصوير الأدبي أو الفني ، شفقة، رثاء" ص 664 المورد 2006 و patho باللاتينية تعني condition وتلفظ كلمة patho بمقطعين pah-tho وتعني كلمة condition: شرط ، حالة ، منزلة ؛ وضع اجتماعي ، يقرر ، يحدد ، يتحكم . وفي قاموس oxford الطبعة السادسة وردت كلمة pathos: (في الكتابة أو الكلام أو الأعمال المسرحية والموسيقية ) هو قوة الأداء ، أو الوصف، الخ.. التي تولد مشاعر الحزن (الأسى) أو مشاعر الأسف . والسابقة patho مرتبطة بالمرض . وجاء في قاموس Grolier Webster International ص 695 في معنى كلمة. Pa. thos؛ باليونانية . باثوس ، آلام، معاناة . الكيفية أو الخاصية أو الحد ، خاصة في الفنون ، والتي تثار فيها انفعالات كالشفقة ، الحنو ، الحزن والأسى، المشاركة الوجدانية أو التعاطف ؛ التعبير عن مشاعر قوية وعميقة.
13- التفسير المعين ص 605 دار الشجرة للنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1987 دمشق
14- ألا تلاحظ أن الشيء إذا أضاء ذاته فقط كان كالطارق أو النجم البعيد الثاقب، أما إذا أضاء ما حوله فهو حال أو باثوس .
15- الحال : موقع الأمر في النفس أو "موقع فيه الأمر" ؛ وإذا وقع الأمر في النفس كأنها نتأت في هذا الموقع كوقوع حجرة في بركة وما ينتأ من الماء والرذاذ . الناتئ والمنتشر عند رولان بارت .
16- ألا تلاحظ أن تحويل الأشياء والموضوعات إلى أسماء يعني أن الاسم يزيل الشيء ويحوله إليه. "والشيء تَحَوًّل "
17- قارن هذا مع كلام هايدغر: الاستجابة معناها "التحدد " étr dispose و dispose الفرنسية تعني "الوضع المنفصل المكشوف"
18- قارن هذا مع أرسطو وأفلاطون: الفكرة والقدرة أو الحَوْلَة ؛ " فقد تحددت الماهية خلال عصور الفلسفة المختلفة تحديداً متبايناً : فلسفة أفلاطون مثلاً إن هي إلا تفسير خاص لما يعنيه الـ "تي" (ما) ، إنه يعني بالضبط الـ "أيديا" [الفكرة، المثال، الصورة] بحيث يكون من الأمور الواضحة بذاتها ، والتي لا جدال فيها أن نعني المثال ونقصده حينما نسأل عن الـ "تي" . ويقدم أرسطو تفسيراً للـ "تي" يختلف عن تفسير أفلاطون .. هو الإنيرجيا [القُدْرة] "
19- certitude: يقين، ثقة . المورد 2006 ص 164 . certain: محدّد ، معيّن ، يقينيّ، لا ريب فيه ، بعض، مؤكّد.
20- الكُلّ: بالضم اسم لجميع الأجزاء للذكر والنثى .. وقد جاء بمعنى بعض ، ضدٌ (المحيط ص 1053)
21- ملحوظة عن الجدل –مرجع مذكور- ص 25
22- KARL MARX AND FREDRICK ENGELS . SELECTED WORKS IN TWO VOLUMES volume 1 fifth impression Moscow 1962. p 250-251
23- ملحوظة عن الجدل –مرجع مذكور- ص 25
24- ص 274 أوسكار لا نغة الاقتصاد السياسي /القضايا العامة
25- أو هيولى الحروف حسب التعبير الأرسطي
26- مجلة جدل ، العدد 1 ، باب الترجمة ، "عن خطة ديالكتيك (منطق ) هيغل"
27- راجع ميخائيل باختين: "خطان أسلوبيان لدراسة الرواية الأوربية" . مجلة الكرمل العدد 19/20 1986 . ص 44
28- معجم ألفاظ القرآن الكريم ص 632
29- باختين: خطان أسلوبيان-مرجع مذكور









بحث أولي في إشكاليات الشباب
معتز حيسو

المستوى الأول: إشكالية الوعي:
تشكل الفئات الشبابية الأفق المستقبلي للتطور الاجتماعي، والوقوف على إشكالاتها وأزماتها يعتبر ضرورة ملحة لتحديد إمكانيات وآفاق التطور الاجتماعي وسيرورته المستقبلية. و تتحدد الأسباب البنيوية لتجليات هذه الإشكالية بتناقضات الواقع الموضوعي والذاتي، ومن الصعوبة بمكان الفصل بين المستويين، وبين ما تعانيه المكونات والبنى الاجتماعية من إشكاليات تدلل على أنها تخضع نسبياً لذات العوامل السائدة والمهيمنة. لكن ما يفُترض ملاحظته هو أن الشباب بما يمتلكونه من اتقاد فكري وقدرة على التطور والتلاؤم والتكيف مع الحداثة والتعامل مع الوسائل والأدوات العلمية الحديثة وتوظيفها في ما يعبر عن مصالحهم، وإنتاج كل جديد ومتطور، إضافة لما يتمتعون به من حماس وشعور بالاستقلالية والتفرد، يدلل على قدرتهم في إحداث التغيير وفتح آفاق صيرورة جديدة لما يمتلكونه من قوة كامنة تمكنهم من إحداث تحول ديمقراطي. مما يعني بأنهم يشكلون طليعة المجتمع في سيرورته التغيريّة والتطورية.
I
انطلاقاً من الواقع العياني، نرى بأن هاجس النظم الشمولية يتركز على استقطاب واحتواء الفئات الشبابية في تنظيمات وتشكيلات وهيئات ومنظمات مدنية، سياسية، تربوية، عقائدية، لتنميط وعيها، وضبط آليات تفكيرها وحركتها، أي تنميط حركة المجتمع وضبط تجلياته السياسية والمدنية. ولكون التشكيلات السياسية والمدنية المستقلة تفتقد إلى التأثير الاجتماعي، إضافة لتموضع الطليعة الشبابية عموماً ضمن المؤسسات الرسمية، فإن هذا يشكل خللاً في تشكّل ونمو وانبساط وتطور التشكيلات المدنية المستقلة، والقوى السياسية المعارضة، لتنعكس عليها بالضعف والترهل والتشتت وعدم التجذّر في الوسط الاجتماعي، لذا لا يمكنها التعبير عن المصالح الاجتماعية، و غير قادرة على التواصل مع هذا الوسط والتأثير فيه، وهذا ينبئ بإمكانية تجاوزها من قبل قوى اجتماعية غير مؤطرة سياسياً في سياق تراكب الأزمة الاقتصادية مع أزمة سيطرة سياسية. بمعنى إن تمظهر الأزمة العامة لا يمكن حلها أو تجاوز تناقضاتها إلا بتغيير الأشكال والآليات السياسية المسيطرة، التي تشتغل على زيادة حدة التأزم الاجتماعي والسياسي وتعميق دورها الأمني، وإبعاد الفئات الاجتماعية وتحديداً الشبابية،عن حقل الممارسة المدنية و السياسية، كونها تشكل الحوامل المادية للتّغيير. ويتقاطع في هذا المستوى تعمّق أزمة التشكيلات السياسية المعارضة الذاتية والموضوعية. وهذا يمكّن الفئات السياسية المسيطرة من تجديد ذاتها في سياق أزمتها البنيوية. وبما أن غالبية الفئات المسيطرة لا تمتلك نمطاً من الوعي تكون من خلاله قادرة على تجاوز الأشكال الثقافية السائدة، فإنها تميل في سياق تكوين وعيها الثقافي والسياسي إلى توطيد وتكريس وترسيخ ما هو قائم (تحديداً الوعي الديني لكونه يشكل غطاءً شرعياً لسيطرتها) وبهذا فإنها تفرض تعايشاً توافقياً براغماتياً بين جملة من الأشكال والأنماط الاجتماعية والثقافية المتباينة لضمان استمرار وتجديد سيطرتها الطبقية في إطار وعي ثقافي موروث. هذا التعايش ينعكس بأشكال مختلفة ومستويات متباينة على أشكال ومضامين المشاريع السياسية والاقتصادية، وعلى الشرائح الاجتماعية، ويتجلى بتراكب شتات من ثقافات متباينة، وهذا يعني بأن البناء المعرفي الذي يتأسس على التضايف والتجاور ينطوي على التناقض وتحديداً لحظة الأزمة.
II
إن أشكال تجليات الوعي الاجتماعي المتعيّنة في حقل الممارسة المعرفية والسياسية توضح الأشكال الثقافية التي تعمل الفئات المسيطرة على تكريسها اجتماعياً، ومن سمات هذا الوعي أنه يتشكل على ركام معرفي لا ينتمي لأي منظومة معرفية أو سياق معرفي. إن سيرورة هذا الشكل من الوعي يساهم في تمكين سيطرة الأشكال السياسية الراهنة، على أسس ثقافية تعزز مفاهيم التسليم، الطاعة،الولاء،التبعية،النفاق،الرضوخ،الاستزلام،التضخم النرجسي، تأليه القائد وتقديسه، تصنيم و تقديس العقائد الأيديولوجية، صهر الأنا الجماعي في شخص الأنا الحاكم، الخ.. وتعتبر هذه التجليات مناخاً مناسباً لنشوء وتعميم وتعميق الفساد، وتحديداً في ظل سياسية الإفقار وفرض ثقافة القوة والخوف والتغييب والتهميش، والاحتواء واحتكار مصادر وعوامل القوة المعنوية والمادية.. ولكون العام تعبير مجرّد عن الخاص ، و الخاص هو الوجود المعيّن للعام، فإن الشباب في سياق السيرورة الاجتماعية تخضع إلى ذات المفاعيل الاجتماعية العامة، لكن الإرادة والحماس والأمل بتحقيق مستقبل أفضل، يضعها في طليعة المجتمع كونها قادرة على التغيير. لكن تقاطع الوعي المتأثر بالثقافية المعولمة مع وعي ما قبل وطني في سياق تشكّل الوعي في أطر المؤسسات الثقافية السائدة والمسيطرة، التي تعمل على تنميط الوعي العام لضمان استمرار سيطرتها السياسية.يطرح تساؤلات جدية عن شكل التغيرات المحتملة.
وفي ظل تراجع الأمل بالتغيير السلمي الديمقراطي فإن الوعي الاجتماعي يميل إلى العطالة والخلاص الفردي متقاطعاً مع تخلع هيكلي عام ينعكس اجتماعياً بأشكال مختلفة ومتعددة :
1 ــ موجة الارتداد الديني التي نشهد تجلياتها منذ بدايات تسعينيات القرن الماضي، والتي تعبّر موضوعياً عن ميول نكوصية في مستوى وعي سياسي واجتماعي يتعيّن اجتماعياً لحظة الانحدار والتراجع، متقاطعة مع تزايد حدة الاستبداد وتغييب القوى السياسية العلمانية وتحديداً اليسارية. لكن التحركات الثورية التي يقودها الشباب في هذه المرحلة تثبت قدرتهم وقدرة المجتمع على تجاوز وتغيير الواقع الراهن بكافة مستوياته وأشكاله، وبناء مجتمع أرقى يكون فيه الإنسان هو الأساس والمعيار.
2 ــ ارتباط انكفاء الفكر العلماني بأشكاله الشيوعية، القومية..بانهيار التجربة السوفيتية والتجارب القومية، التي اعتمدت الممارسة السياسية الاحتكارية والاحتوائية و الشمولية والأمنية.
3 ــ تخلع المنظومات القيمية المحدِدة والضابطة للوعي الاجتماعي متأثرة بتنامي الفكر السلفي والحركات الجهادية وانتشار أشكال الوعي العولمي بأشكاله السلبية (الانحلالية والتحللية).
هذه التجليات توضح مخاطر العولمة الثقافية التي تنذر بتحلل مكونات الهوية الثقافة المحلية، وتهدد بتحلل مفهوم الهوية الوطنية العلمانية التي يمكن أن تجبّ أشكال الثقافة/السلفية، الشوفينية، الغيبية،الأصولية../. وفي هذا الإطار يجب أن نؤكد بأن الشباب الذين يمثلون طليعة المجتمع في التغيير يخضعون للتشويه بعدة مستويات:1ــ اشتغال بعض الجهات على صياغة الوعي الاجتماعي على مستويين ـ تجذير الانقسامات الإثنوغرافية على أساس المكونات الأولية وتمكين رموز دينية جهوية طائفية مذهبية..تساهم في شرعنة وخدمة وتبرير التوجهات السائدة عبر تشكيل شبكة من الولاءات تعكس نمط وعي دون وطني.
ـ المساهمة في نشر أشكال ثقافية تبعد الشباب عن القضايا الوطنية الأساسية والحقيقية. ويترابط هذا المستوى مع انكفاء القوى السياسية المعارضة وغياب تأثيرها في الوسط الاجتماعي وتحديداً الوسط الشبابي في لحظة تساهم فيها ثورة الاتصالات والمعلومات في صياغة أشكال تجليات الهوية الثقافية على قاعدة التشابك والترابط والتكيّف مع الأطراف المهيمنة عالمياً. لذا يجب ضبط المفاهيم والمقولات والأشكال الثقافية السائدة في إطار التناقض والتقاطع بين العولمة الثقافية وتنامي الفكر الديني السلفي ، وتحديد تأثيرات هذا التلازم السلبية على الهوية الثقافية الوطنية العلمانية. وتتجلى هذه التأثيرات على شكل أزمات وتناقضات فردية تعبّر عن أزمة عامة ومركبة، وعن أشكال وعي استهلاكي وإعلامي هامشي وسطحي يجسد الميول الثقافية الظاهراتية ويقطع مع المستوى المعرفي القائم والمرتكز على التحليل والتركيب الفلسفي/ العلمي. ويترافق هذا التحول مع تحلل نسبي من القيم الأخلاقية الضامنة للتماسك الاجتماعي نتيجة لعدة أسباب منها ضعف مستوى الحصانة الداخلي / الذاتي على مستوى البنى الاجتماعية والفردية. في هذا السياق نؤكد على أن مفهوم الهوية الثقافية يتطور في اتجاهين.أولاً:التحول إلى أشكال قيمية وثقافية معولمة لا تتوافق مع واقع البنى الاجتماعية ومنظوماتها الثقافية ووعيها الاجتماعي، بل تناقض في المستوى الاستراتيجي المشاريع الوطنية الديمقراطية. وهي بذات الوقت لا تعبّر عن المنظومة الأخلاقية / القيمية الغربية الأصيلة، بل تعبّر عن أشكال وعي مبتذل يساهم في زيادة التحلل الاجتماعي القيمي والثقافي والسياسي، وفي هذا السياق تتراجع فاعلية المؤسسات المدنية والقوى السياسية بفعل عوامل مختلفة:
ــ ازدياد الفجوة والتباين في مستوى التطور التقاني والمعرفي..وهذا يفرض على المجتمعات المتخلفة انفتاحاً تتواجه في إطاره الأشكال الثقافية والمنظومات القيمية وعادات استهلاكية ومفاهيم سياسية إشكالية.
ــ اشتغال الجهات الرسمية على تأطير وتنميط الوعي الاجتماعي بمفاهيم ثقافية لا تتناسب مع أشكال وميول التطور الموضوعي العام.
ــ تقاطع الإشكاليات التي تعاني منها التنظيمات والتشكيلات السياسية والمدنية/ سياستها النابذة والطاردة للكوادر الثقافية وتحديداً الناقدة، مساهمتها في تمكين مفاهيم الطاعة والولاء والتقديس ، متماهية بذلك مع الأشكال السياسية السائدة / مع غياب المناخ الديمقراطي الذي يعتبر مفتاح التغيير الديمقراطي السلمي.
ثانياً: بحكم خوف ممثلي الفكر السلفي من التلاشي والاضمحلال وفقدان هويتهم الثقافية، فإنهم يميلون إلى تقوية التكتلات المذهبية الطائفية الأصولية مستفيدين من التناقضات المحلية و الدولية. وننوه بأن الواقع السياسي والثقافي والقيمي السائد في المؤسسات الرسمية، وهامشية التشكيلات السياسية العلمانية والمدنية المستقلة وضعف تأثيرها على الشباب والتعبير عن قضاياهم، يساهم في تصاعد التيارات الدينية / السلفية في الوسط الاجتماعي عموماً، والأوساط الشبابية تحديداً، مما يزيد من حدة الضغط على الهوية الثقافية الوطنية / العلمانية. لكن الميول السلفية للقابعين تحت عباءة الدين لمصالح وغايات سياسية تفضح التناقض العميق بين حقل الممارسة السياسية و قدسية النص الديني. وعليه فإن أزمة الوعي الناجمة عن تراجع وغياب فاعلية المؤسسات والجمعيات والأحزاب العلمانية، تعبّر عن أزمة موضوعية يجب تجاوزها بتفعيل وتطوير أشكال ممارسة ثقافية ومدنية وسياسية تكون فيها الديمقراطية القيمة الأساسية.
III
إن مفهوم الهوية الثقافية قابل للتغيير في سياق التطور الاجتماعي العام وفي إطار الشرط العام، وليس بمستطاع أحد المحافظة على شكل محدد ومنمط وثابت للهويه. وإذا قلنا بأن الثبات والمحافظة سمة المجتمعات المتخلفة، فإن بعض التجارب الراديكالية لحظة وصولها إلى السلطة تتكور على ذاتها وتحوّل أدواتها المعرفية إلى أيديولوجيا دوغمائية ونصية جامدة. وهذا ينطبق على الفرد الذي يمثـّل انعكاساً موضوعياً لهذه الأنساق المعرفية والسياسية عند شيخوخته، فنراه يعيش على ذاكرته، ويحن إلى الماضي ويحافظ عليه في مخياله لأنه يحقق له التوازن والاستقرار في عالم يتسم بالتطور والتغيّر المتسارع. ومن الواضح بأن المجتمع الذي يعاني الهزائم والخيبات والانكسارات يعيش على الحنين إلى الماضي لتحقيق الاستقرار والتعايش مع اللحظة الراهنة.
أما الشباب فإن ماضيهم الذاتي لم يتشكل، والحاضر يمثل لحظة تحول وانتقال للمستقبل. ولكونهم صورة الحاضر في المستقبل، فمن المؤسف أن نرى مستقبلنا ومستقبل مجتمعاتنا مشتتاً مستهلكاً ومفرغاً من مضامينه الأساسية...، تتنازعه الميول الدينية والمذهبية والإثنية والجهوية والطائفية في ظل تغييب المؤسسات والجمعيات المدنية والأحزاب العلمانية. ونؤكد بأن تجاوز الأزمة الاجتماعية يتركز في تجاوز الأطر الأيديولوجية المعيقة، وتمكين التربية العلمية الديمقراطية المتحررة من القيود الغيبية والدوغمائية ... ولن يكون هذا إلا بمشاركة وقيادة الشباب، كونهم الأقدر على تحديد أشكال مستقبلهم.
إن الممارسة النظرية والسياسية الأيديولوجية الرسمية تحاول عبثاُ تضليل وتهميش وإبعاد كافة الفئات والشرائح الاجتماعية وتحديداً الشباب عن الحقل السياسي، لعدم تمكينهم من إدراك عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالتالي فإن التحرر من ربقة وهيمنة الماضي يمر بالضرورة من بوابة تحرر اجتماعي مفتاحه الديمقراطية و تعزيز حقوق المواطنة و إطلاق الحريات السياسية، وهذا يحتاج لمفاعيل شبابية تمتلك عقولاً منفتحة ومتحررة، وبالتأكيد فإن مجتمعنا تتوفر فيه الطاقات الكامنة والقادرة على تحقيق التغيير الديمقراطي.
المستوى الثاني: الإشكالية الثقافية.
نوهنا سابقاً بأن مستقبل المجتمع يتحدد موضوعياً على الواقع الذاتي والموضوعي للشباب لكونهم الحامل الفعلي لمشاريع التغيير الاجتماعي، لذلك فإن رصد وتحديد ودراسة واقع هذه الفئات وما تعانيه من إشكاليات يعتبر الخطوة الأولى في سياق رسم إستراتيجية تطور المجتمع. وعلى هذا الأساس يجب النظر إلى أن ما يعانيه الشباب من إشكاليات لا يمكن فصله عن الأزمة الاجتماعية العامة والمركبة، مما يعني بأن واقعاً اجتماعياً مأزوماً ينتج إنساناً يعاني جملة من الإشكاليات والتناقضات. ومن المفيد أن ننوه بأن أشكال تجليات نمط الوعي الفردي تتحدد على قاعدة الوعي الاجتماعي السائد الذي يتحدد على قاعدة العلاقات الإنتاجية المسيطرة، ويتجلى وفق أشكال من العلاقات الاجتماعية المرتكزة على الترابط والتحدّد المتبادل. وتشكل إشكالية علاقة الشباب بالثقافة جانباً مهماً من الأزمة الاجتماعية الراهنة، ويمكننا تحديد أسبابها على مستويين: أولاً:عام/كلي يتحدد من خلال سيطرة الشركات الإعلامية الكبرى على وسائل الإعلام والتي من خلالها يتم التأثير على أشكال الوعي والمعرفة والثقافة عالمياً.
ثانياً: خاص / جزئي يترابط مع المستوى الأول من خلال سيطرة الجهات الرسمية على الوسائل الإعلامية المحلية ومراكز صنع القرار والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية والتربوية، ويتم من خلالها صياغة وتشكيل وعي اجتماعي يتماهى مع أشكال الثقافة الرسمية/ المسيطرة المتناقضة ظاهرياً وشكلانياً مع النمط الثقافي المعولم.
إن الأجهزة والمؤسسات الإعلامية والثقافية الرسمية من خلال احتكارها المنابر الإعلامية وسيطرتها على المؤسسات الاجتماعية تعمل على ابتذال الإنسان وتسْليعه والحط من كينونته وقيمته الإنسانية التي يفترض أن تكون قيمة مطلقة .. وهذا يساهم نسبياً بالارتداد إلى وعي دون وطني ويعزز ثقافة الخوف والتهميش وتغييب الفكر النقدي ومفاهيم الخضوع التسليم، التقيّة، التملق، المداهنة....
إن إشكالية تغييب الثقافة المدنية والفكر العلماني القائم على التحليل والتركيب والنقد البنّاء الذي يكرس مفاهيم التواصل الثقافي تتقاطع مع إشكالية تغييب القوى السياسية عن جذرها الاجتماعي الذي يشكل الحاضن لمشاريع التغيير والتطور المجتمعي،وبنفس الوقت يساهم في تراجع الاهتمام بتطوير وتنمية المستوى الثقافي بأشكاله العامة والذاتية التي نختصر أسبابها بـ:
1ــ تراجع دور الأسرة التعليمي والتربوي نتيجةً لتزايد الضغوط المادية والحياتية، وزيادة تأثير عوامل تقع خارج نطاق الأسرة المباشرة. ويتحدد أهم هذه الجوانب في التأثير الإعلامي الذي ينمّط ويحدد أشكال التجليات الثقافية، لذا يجب توسيع وتعميق دور الأسرة التربوي والتعليمي للحد من التأثيرات السلبية للوسائل الإعلامية و تجاوز الوعي المشوه الذي يهدد بتفكيك التماسك الأسري والمنظومات القيمية الإيجابية، وهذا يفترض العمل على تجاوز أشكال الأسرة البطريركية/الذكورية في سياق تكريس ثقافة التواصل و الحوار الحر والديمقراطي القائم على الندية والاحترام المتبادل للتعبير عن المكنونات الجوانية للفرد. إن ترسيخ وتكريس علاقة أسرية قائمة على الحوار الديمقراطي يساهم في تجاوز أشكال الوعي والثقافة السائدة ويقلل من آثارها السلبية اجتماعياً، دون أن يعني تجاهل أو إلغاء الترابط بين الأسرة ومحيطها الاجتماعي. أما التركيز على أهمية دور الأسرة التعليمي فإنه يتعلق بتراجع الدور التعليمي والتربوي في المؤسسات التربوية التعليمية، إضافة إلى تراجع مكانتها الاعتبارية في ظل انتشار ظاهرة خصخصة التعليم واشتغالها على تشكيل بنية علمية معرفية عمادها الأساسي التلقين والتجميع التراكمي للمعلومات في سياق استبعاد الآليات المنهجية التحليلية والعقل النقدي .
2ــ إن مناخاً سياسياً يتجدد على أسس احتواء واحتكار السلطة وتغييب المؤسسات المدنية والسياسية وتكريس نمط ثقافي أيديولوجيّ أحاديّ يحد من دور المؤسسات الثقافية العلمانية التي يفترض أن يكون لها الدور الريادي في صقل الهوية الثقافية الفردية والمجتمعية.
3ــ وفي سياق إشكالية الهيمنة الأحادية على المؤسسات الثقافية والإعلامية الرسمية، فإنه يتم تسهيل انتشار الفكر الديني عبر وسائل الإعلام الرسمية والمؤسسات الثقافية. ونعلم أن تحقيق التوازن الثقافي يفترض إطلاق حرية التعبير لكافة التيارات الثقافية لتعميق ثقافة الحوار الديمقراطي والإنتاج المعرفي على المستوى الاجتماعي العام. ويتقاطع تراجع الدولة عن دورها الاجتماعي مع دعمها للجمعيات الأهلية والمؤسسات الخيرية الدينية التي تجاوز عددها (1300).
4ــ إن تعثّر المشاريع التغييرية والإصلاحية الرسمية أدى إلى تردي المستوى الاقتصادي الذي تتجلى آثاره بتزايد معدلات البطالة وارتفاع مستويات الفقر والتفاوت الاجتماعي ..نتيجة لتحرير الاقتصاد والأسواق والأسعار،وضبط الحريات السياسية إلى تكريس فكرة الخلاص الفردي والتمسك بمؤسسات المجتمع الأهلي.
5ـــ إن سيطرة ثقافة الخوف من أهم أسباب الابتعاد عن الاشتغال بالحقل الثقافي الذي يمكن أن يكون مدخلاً إلى الممارسة السياسية.
6ـــ إن تأثير تناقضات الأزمة الاقتصادية العالمية على المستوى العالمي زائد النهوض الشعبي العربي سوف يعزز من إمكانية نهوض عام لحركات اليسار العالمي، وهذا يساهم في تغيير الخارطة الثقافية العالمية، وهذا بطبيعة الحال يحتاج إلى تكثيف الجهود الاجتماعية والسياسية والثقافية والمدنية لإيجاد آليات عمل تنطلق من الواقع الراهن / الملموس. لكن يبقى دور الشباب هو الأساس، وقد لاحظنا بأنهم عندما حرروا طاقاتهم الكامنة مستفيدين من الثورة المعلوماتية أكدوا أنهم قادة التغيير في كافة التجارب الثورية ( تونس، مصر، ليبيا...).وقد حولوا النت لأهم أدوات التنسيق والقيادة والتحريض الثوري في مواجهة الاستبداد، وأثبتوا أنهم الأساس الحقيقي للتغيير،وأنهم قادرين على تجاوز التناقضات الاجتماعية طائفية، إثنية، عائلية..
بالتأكيد يوجد أسباب أخرى تساهم في تراجع مستوى الاهتمام بالنشاط الثقافي في المستوى الاجتماعي العام والأوساط الشبابية تحديداً لم نأتِ على ذكرها. لذلك يبقى الموضوع مفتوحاً للحوار والمشاركة.
Motaz1123@gmail.com



الشعب يريد ..
ربيع الشعوب- خريف الأنظمة!

كنا نبدأ أبحاثنا السياسية من الوضع الداخلي, باعتبار أن عملنا في وطننا وهو الأهم بالنسبة لنا. وكنا نبحث تأثير الأوضاع العربية و الإقليمية والدولية على الداخل سلباً أم إيجاباً منطلقين من ثوابت واضحة, و هي الإنتماء للطبقة العاملة و جماهير الكادحين و نظام العدالة الإجتماعية و الموقف الواضح المقاوم للإستبداد و المناضل من أجل نشر الحريات السياسية, وموقفنا الواضح من الإمبريالية التي نعتبرها عدوة الشعوب المناضلة من أجل تحررها. والداعم للمقاومة الوطنية المقاومة للصهيونية و للإحتلال الأمريكي. وبنفس الوقت وانطلاقاً من دعمنا الكامل للمقاومة. نعرض ملاحظاتنا الانتقادية على شكل تركيبتها ونرى أنه يجب أن تخرج المقاومة من فئويتها كي تصبح مقاومة شعبية وطنية. تمثل كافة شرائح المجتمع.
إلا أن التطورات المتسارعة في منطقتنا العربية فرضت علينا أن نبدأ في بحثها كوننا جميعا متابعين بشكل يومي ولحظي للتطورات, فإننا سنحاول الاقتصار في عرض الأحداث لنحاول تفسير ما يجري وما سيجري لاحقاً وتأثير كل ذلك على بلادنا ودورنا اللاحق.
لقد أشعل إحراق محمد بو عزيزي لنفسه النار في هشيم المنطقة العربية التي كانت جاهزة تماماً لاستقبال الشرارة والاشتعال. فانتشرت الاحتجاجات الجماهيرية في تونس ومصر والجزائر وليبيا والمغرب واليمن والأردن والعراق ولبنان والبحرين ومؤخرا السعودية وفي سوريا. وستتابع لتغطي كامل المنطقة العربية وإن كان بأشكال مختلفة.
وقد طرحت النشاطات والانتفاضات الشعبية العديد من الأسئلة لماذا بدأت هذه الانتفاضة الآن هل بكّرت أم تأخرت؟ ما هي طبيعة القوى المشاركة في الثورة؟ . ثم ما هو دور الشباب ودور الشعب؟ هل يمكن أن نسمي هذه التحركات ثورة أم أنها احتجاجات محدودة...هل هي مستقلة عما جرى قبلها؟
- أدى انهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة الولايات المتحدة على السياسة العالمية وما نتج عنها من احتلال للعراق وأفغانستان وسياسة إرهاب الدولة التي مارستها إلى خضوع غالبية الأنظمة العربية لسياستها بغض النظر عن تأثير هذه السياسة على شعوب المنطقة.
- انعكس ذلك في سيادة ما يسمى العصر الإسرائيلي الذي كانت فيه إسرائيل تضرب في أي مكان تريده.دون حسيب أو رقيب وقد ارتكبت أبشع الجرائم خلال الفترة من 1990 وحتى 2006
- ركود الأنظمة العربية منذ 1967 أي منذ هزيمتها وهزيمة مشاريعها واستقرارها منذ عام 1970 وما نتج عنه من :
1"- سيادة الأنظمة الاستبدادية التي اعتمدت على الأجهزة الأمنية في إدارة البلاد عن طريق قمع كل مخالف لرأي هذه الأنظمة من المعارضين والأحزاب المعارضة, والهيمنة على النقابات واعتقال الرأي .
2"- تشكل طبقة برجوازية جديدة تنسجم والنظام الأمني هي البرجوازية الطفيلية التي راكمت ثروات أسطورية على حساب الإنتاج الوطني وخصوصاً عن طريق اقترابها من السلطات ومن خلال الرشاوي الواسعة التي كان يتقاضاها الموظفون مستفيدين من القرار السياسي الذي يملكونه.
3"- انتشار الفساد في كل أجهزة الدولة ودوائرها ومؤسساتها,..مما أخضع كافة المواطنين للابتزاز الكبير والصغير.
4"- قمع جميع أشكال الحريات وتركيب مجالس تشريعية و تنفيذية خاضعة تماما لإرادة أجهزة القمع والفساد ومسلوبة الإرادة ولا عمل لها سوى التمجيد بالسلطات .
5"- إلغاء مبدأ التنافس على رئاسة الجمهورية واعتماد شكل التزكية الذي يكرس استمرار الرئيس لسنوات طويلة بالإضافة لسيادة مبدأ التوريث السياسي بهدف تأبيد النظام.
6"- ابتعاد السياسة عن المجتمع وظهور صراعات ما قبل سياسية طائفية وعشائرية وأثنية وقومية، الخ .. وبدء الاصطفاف داخل الدول على هذا الأساس مما ساعد في تقسيم السودان. وبدء ظهور صراعات خطيرة في عدد من الدول العربية، أضعفت مفهوم الدولة الوطنية والانتماء للوطن على حساب الانتماء للعشيرة أو القبيلة أو الطائفة أو القومية،الخ.. وهذا الواقع سهل (على النظام الأميركي) طرح شعار الشرق الأوسط الجديد..الهادف إلى إعادة تشكيل المنطقة من دول تقوم على أساس المذهب أو الطائفة أو القومية؛ نموذج العراق.
7"- إفقار شرائح متزايدة من الشعب, وزيادة أعداد العاطلين عن العمل, وضعف القوة الشرائية بسبب التضخم والنهب,...ووصول نسب مخيفة من السكان إلى حد الفقر المدقع؛ أقل من دولار للشخص. في مصر مثلا وصلت النسبة إلى 23% من عدد السكان وفي القاهرة بمفردها 4 مليون شخص يسكنون في المقابر أو العشوائيات. وانتشار الدعارة والسرقة والمخدرات وكل موبقات المجتمع السفلي(مجتمع الحضيض) .
8"- أدت هذه المعطيات وغيرها إلى بعثرة القوى السياسية بتياراتها المختلفة التي لم تستطع أن تتصدى لهذا الواقع بسبب أزماتها المختلفة. فمال قسم منها نحو التعامل مع السلطات, واستكان لعظمة صغيرة قدمتها السلطة, تقاتل قادته عليها. وقبع البعض الآخر عشرات السنين في السجون وفعلت الأحكام العرفية التي استقرت لعقود طويلة فعلها في تحطيم المجتمعات العربية وظهور تيارات متطرفة كرد فعل على تطرف السلطات وابتعادها الكامل عن شعوبها.
9"- ظهور ما يسمى بالتيارات القطرية مثل لبنان وطن نهائي للبنانيين... أو العودة للفراعنة في مصر،الخ.. وهذا انعكاس طبيعي للصراعات التي ذكرناها في مقابل بداية توحد الدول في تكتلات اقتصادية كبرى "الاتحاد الأوروبي"، على سبيل المثال.
وهكذا فقد ابتعدت السلطات عن الشعوب وأصبحت تشكل حالة لا يمكن استمرارها. وكان لا بد من إصلاح هذا الواقع.
ونعتقد أن المنطقة العربية أصبحت مهيأة للدخول في الإصلاحات منذ عشر سنوات, أي منذ بدء التغيرات في أمريكا اللاتينية. ولكن ضعف العامل الذاتي، أي الأحزاب السياسية قد أخر التغير لعقد كامل. وبسبب نضج ظروف التغيير وضعف العامل الذاتي فقد تقدمت الحركة الشعبية متجاوزة أحزابها لتبدأ عملية التغيير. وكانت البداية في تونس وفي مدينة صغيرة فقيرة مهملة قادها خريج جامعي عاطل عن العمل ومضطهد بشكل وحشي من قبل السلطات. ولكل ذلك دلالاته الرمزية الهامة فقد انطلقت عملية التغيير من بيوت ومدن الفقراء وقادها المتعلمون منهم.
لقد فاجأت الانتفاضات والثورات التي شملت عدداً " كبيراً" من الدول العربية الحكام العرب والدول الأجنبية و الأحزاب السياسية العربية, وأدت هذه المفاجأة إلى حدوث اضطراب عند الجميع في شكل التعامل معها. ولا زال هذا الاضطراب مستمراً حتى اليوم.
من بدأ بالثورات ومن شارك بها...؟؟ وهل هي ثورات بمفهومنا الماركسي؟ وكيف تتعامل الحكومات العربية مع هذه الثورات؟.وهل هناك شكل واحد للثورة في المنطقة العربية؟ وما هي المخاطر التي تتهددها؟ وما هو دور الأحزاب والحركات السياسية اللاحق ؟ وما هي علاقات هذه الانتفاضة- الثورة مع قوى الإقليم ومع القوى السياسية المهيمنة على القرار العالمي؟ وما هي علاقاتها مع حركة التحرر التي انطلقت في بداية خمسينات القرن الماضي؟ ،الخ.. من الأسئلة التي تطرحها الحالة الجديدة على الجميع كما تطرحها علينا وتفرض علينا أن نجيب عنها أو أن نبدأ بعرض الأفكار الأولية لفهمنا لهذه التطورات بهدف فتح مناقشة عامة تسمح لنا بفهم هذه التطورات والتعامل معها بشكل منتج وفاعل وقادر على تحقيق التغيرات اللازمة لمنطقتنا. والتخفيف من العوامل المعيقة والمحبطة لهذه التطورات.
السؤال الأول: هل ما يجري هو ثورة؟ وما هي طبيعتها؟ وما هي القوى المشاركة بها؟
لقد حدثت ثورات في الماضي في عدد من الدول العربية منها ثورة 1919 في مصر والثورة السورية الكبرى 1925 والثورة الفلسطينية 1935 والثورة الجزائرية 1952 ، الخ.. من الثورات التي كانت موجهة ضد الدول المحتلة لبلادنا بهدف الوصول إلى الاستقلال الفاعل. بدأت هذه الثورات كما ذكرنا عام 1919 ولم تنته حتى الآن. الثورة الفلسطينية ثم المقاومة في العراق الموجهة ضد الاحتلال أنجزت هذه الثورات مهامها في غالبية الدول العربية، التي يمكن أن نطلق عليها اسم الثورة الوطنية. شاركت فيها الغالبية المطلقة من الشرائح الاجتماعية والقوى السياسية. ما عدا حفنة صغيرة من العملاء كانت تعتمد على الاستعمار في سلطتها وحكمها. أو كان الاستعمار يعتمد عليها.
ثم بعد الاستقلال انتقل الصراع إلى شكل التوجه الاجتماعي والسياسي اللاحق وكان لاغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة, وموقف أمريكا وشركائها في الغرب المؤيد بشكل مطلق للصهاينة, ورفض فرنسا وانكلترا والولايات المتحدة بيع أسلحة للعرب, وبناء المشاريع الاقتصادية الرئيسية المؤسسة للتنمية, أساس في الموقف الشعبي من الغرب الأوروبي والولايات المتحدة. فقد أصبحت هذه البلدان عدوة لقضية العرب الأولى وهي تحرير فلسطين, وللتنمية المطلوبة والداعمة للاستقلال.
أطاح الجيش بالأنظمة التي كانت قائمة, بتنفيذ انقلابات عسكرية قام بها ضباط من أصل فلاحي فقير. وعندهم مواقف وطنية معادية للكيان الصهيوني ومن يدعمه ولهم موقف من ملاك الأرض الكبار...وقد استجابت الجماهير لانقلاباتهم التي سموها ثورات. وهي ليست ثورات بالمفهوم العلمي أو كما نفهمها نحن...وقد بقي الحزب الشيوعي السوري مثلا يسمى انقلاب 8 آذار مرة بحركة 8 آذار ومرة لا يطلق عليها شيئاً يبدأ بالقول إن ما جرى في الثامن من آذار دون أن يعطي ما جرى أي صفة. وكان بهذه الصفات يتهرب من إطلاق صفة انقلاب إلى أن أتته توجهات من قيادة الجبهة بأن تتطابق بعض المفاهيم عند أتباع الجبهة فبدأ الحزب بفصائله التابعة يطلق اسم ثورة على انقلاب الثامن من آذار. هذه الانقلابات قامت ببعض الإجراءات ذات الطابع الوطني مثل التأميم والإصلاح الزراعي والتعاون مع الدول الاشتراكية في بناء عدد من المؤسسات الكبرى, مما أسس لنهضة اجتماعية. وأيضا استفادت من الصراع العالمي القائم بهدف تسليح الجيوش المواجهة للعدو الصهيوني والاستفادة من النفوذ السوفييتي لتأمين الدعم لقضايانا العربية ومركزها فلسطين. ولكن العقلية العسكرية التي سادت دمرت وقضت على الحياة السياسية واعتقلت النشاطات النقابية, ورفضت واعتقلت الرأي الآخر.هذه العقلية أسست لدخول البلاد في مرحلة من الهزيمة والركود والفساد وسيادة عقلية الإقطاع السياسي. ونما شيئا فشيئا النظام الأمني الذي اعتقل أي نشاط سياسي أو اقتصادي وطني, ودمر أي قدرة على الانتقاد وأدخل المجتمع العربي في أزمة اجتماعية واقتصادية وأخلاقية ووطنية شاملة. وكان لا بد من الانتفاض عليه من أجل استمرار الحياة فكانت الانتفاضات الحديثة. وإذا أردنا أن نوصَََّّّفها فهي ثورات وطنية ديمقراطية باتجاه تقدمي. وهي تتجاوز أحادية السلطة وتؤكد مبدأ تداول السلطات. وموجة ضد الفساد والاستبداد وأحكام الطوارئ, ومن أجل حل المهام الاجتماعية المحددة بالبطالة والفقر وتأمين السكن اللائق للفقراء. وتجاوز الصراعات الطائفية والمذهبية والقومية،الخ.. بهدف العودة للروح الوطنية والانتماء للوطن وبنائه بشكل يكون قابلا للتطور وإنجاز مهام النهضة. وهي بهذا التعريف ثورة بكل المعاني . وقبل أن نختم نقول أن الثورات تنسجم مع المهام التي تفرضها ظروف اجتماعية وسياسية محددة. وشهدت الحياة أشكالاً من الثورات مثل الثورة الفرنسية التي كرست النظام الرأسمالي, وثورة أكتوبر 1917 التي وضعت بناء الاشتراكية شعاراً لها. ثم الثورة الشعبية ذات الشكل الدينيّ في إيران التي كنست النظام التابع للامبريالية. ولكل ثورة صفاتها وطريقة أدائها. وإذا كانت الثورات المذكورة قد قادها تيار واحد محدد فإن الثورة التي تشهدها بلادنا تشارك فيها تيارات واسعة ومتعددة وهي تعبير عن طبيعتها ومهامها كما ذكرنا. وتمارس أرقى أشكال النضال مستمدة عملها من تاريخ بلادنا وحضارتها في مواجهة السلطات المستبدة المتخلفة والوحشية في التعامل مع المواطنين. وترسم بذلك الأفق القادم الأكثر جمالا وروعة. وهي لا تقطع مع الماضي بل تنطلق منه ولكنها تختلف عنه اختلافا جذريا. هي الثورة الشعبية الأولى التي تشهدها منطقتنا العربية بعد الاستقلال وبعد فشل الانقلابات العسكرية في تنفيذ مهامها.
وأشكال الثورة تختلف من دولة عربية لأخرى حسب الواقع: ففي تونس ومصر. نجحت الانتفاضة الشعبية واستطاعت إسقاط النظام بسرعة وبأقل الخسائر البشرية والاقتصادية بسبب اتساع المشاركة الشعبية بالمفهوم البشري والسياسي. وبسبب انحياز الجيش إلى جانب الثورة الذي حسم الموقف.
وفي ليبيا انتقلت الثورة من ثورة شعبية إلى مواجهة مسلحة بين أتباع القذافي والشعب الليبي بسبب قدرة القذافي على تنفيذ عمليات قتل جماعية وانقسام الجيش مما أدى إلى تأزم الوضع. وإلى تأمين المبررات للتدخل الأجنبي الذي لاقى قبولاً جماهيرياً واسعاً بسبب بطش القذافي الذي يتحمل وحده مسؤولية هذا التدخل.
وفي البحرين: يتم حوار بين ملك البحرين والمعارضة للوصول إلى اتفاقات مشتركة لتنفيذ الإصلاحات فالمعارضة تطالب بملكية دستورية والملك قابل للحوار. والوضع الحساس في البحرين وإمكانية تفجير حرب طائفية بين الشيعة والسنة دفعت الجميع للتعقل وتنفيذ الإصلاح بشكل مشترك وخصوصا وأن المعارضة لا تطرح الإطاحة بالنظام الملكي بل انتقاله إلى ملكية دستورية لاحقا تراجع ملك البحرين عن بدء الحوار, واستعان بدرع الخليج لتنفيذ قمع دموي سيترك تأثيراته اللاحقة على مجمل التطورات في البحرين, والحوار تطالب به المعارضة في الأردن والمغرب.
ونعتقد أن هذه الأشكال هي ستطبق طبقاَ لموازين القوى في كل بلد ولمهام التغيير وهذا التنوع هام جدا.
و التنوع في أشكال الثورة والتغيير ينعكس أيضاً في تنوع المهام المطروحة أمام قوى التغيير والثورة في كل بلد. ففي لبنان مهمة قوى التغيير تحطيم النظام القائم على التوزيع الطائفي والانتقال إلى نظام أخر دستوري يلغي التوزيع الطائفي وينطلق من برامج اجتماعية تقدمها أحزاب لها توجهات اجتماعية مختلفة.
وفي مصر تحطيم النظام الأمني وشكله الطفيلي في الاقتصاد. وإعادة السياسة والكرامة الوطنية للمجتمع، وإلغاء أحكام الطوارئ، والوصول إلى نظام العدالة الاجتماعية.
وفي العراق كنس الاحتلال, وتدمير نظام التوزيع الطائفي والقومي للسلطة، أي الشكل الذي فرضه الاحتلال. وإنهاء الفساد واستثمار الثروة العراقية بشكل يتمتع بها كل العراقيين.
وفي اليمن تمتين الوحدة اليمنية وإنهاء النظام القائم على تأبيد الرئيس في السلطة، والتخفيف من تأثيرات العقلية القبلية على النظام, والانتقال إلى شكل اجتماعي أرقى انطلاقاً من تصنيع البلاد والتخفيف من الفقر ومن الخلل الواسع في توزيع الثروة الوطنية. وفي ليبيا السيطرة على ثروة البلاد النفطية التي يتحكم بها القذافي وأولاده وإعادة الحياة السياسية المفقودة والمعتقلة فيها، وإطلاق الحريات السياسية.
وهكذا في كل بلد عربي. إن التنوع في المهام سيؤدي إلى الوصول إلى شكل متقارب من الأوضاع في كافة الأقطار العربية مما سيساعد على التقارب وتأمين أشكال من التعاون تنعكس إيجابياً في تطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة وصولاً إلى الإرهاصات الأولى لتأمين حالة وحدوية متطورة.
وهناك سؤال علينا الإجابة عليه: لماذا ثورة الشباب والانترنت أو الفيسبوك. ما هي أسبابها وأشكال تطورها؟
كنا قد أكدنا سابقاً أن سبب تأخير الثورة بمنطقتنا لمدة عشرة أعوام هو ضعف الأحزاب العربية بتياراتها المختلفة وتبعثرها وشل قدرتها على الفعل لذلك تقدمت الحركة الشعبية للفعل بدون الأحزاب وكان طليعة المتقدمين هم الشباب المتضررين الأساسيين من السياسات السائدة.
ولتأمين علاقة مابين جميع الشباب المهتمين كان لابد من إيجاد شكل تنظيمي يؤمن العمل المشترك, وكان الفيسبوك وهو شكل تنظيمي ينسجم مع طبيعة الحالة القائمة وقد استطاع هذا الشكل من التنظيم أن يؤدي مهامه في تجميع الشباب وانطلاقتهم للعمل المباشر المشترك. أما التنوع الموجود بين الشباب فهو يعكس طيف القوى المتضررة من السياسات القائمة, والتي تحدثنا عنها في المقدمة. وبمجرد الوصول للشارع وبدء التحركات والاحتجاجات تحول الوضع من ثورة شبابية إلى ثورة شعبية شاركت فيها كل فئات الشعب بكل الأعمار نساء ورجالاً شباباً وكهولاً. مدينة وريفاً، ماعدا الفئات القليلة المستفيدة التي حملت سرقاتها وهربت إلى الغرب مما يؤكد عدم وطنيتها ويفسر أسباب السياسة اللاوطنية التي كانت تنفذها طليعتها السياسية في هذه البلاد ، وهذا عامل مشترك .
وفي كل مراحل الثورة في البلدان التي وصلت إلى بعض النتائج ونعني بها مصر وتونس.. استخدمت فيها القوى المنتفضة كافة إمكانيات الاتصال المتطورة القادرة على التعبئة. إن استخدام هذا الشكل الهام والمؤثر و الناجح ناجم عن عجز الأحزاب القائمة و عن اعتقال الحياة السياسية. و هو بديل ناجح قادر على اختراق القائم وإحداث التغيير. و لكن هذه الانتفاضات هي ثورات شعبية شاركت فيها جميع الفئات الشعبية و وهي ذات طبيعة سياسية محدده.
و بالإضافة للفيسبوك فقد لعب الإعلام المرئي وخصوصاً عددا من الفضائيات دوراً هاماً جداً في نقل أخبار و يوميات الثورة, و نقلت أعمال البلطجية و القتل التي مارستها السلطات و أعوانها مما شكل رأياً عاماً دولياً وعربياً ومحلياً ضاغطاً على السلطات, وأثر في منعها من استخدام مثل هذه الأشكال المجرمة. وأيضا فقد كان للندوات المتتابعة حول شكل التطور الجاري والأخطار التي تهدد الثورات أثرها في تطوير عملها ووصول بعضها للنجاح كما ذكرنا ومتابعة نشاطات بعضها الآخر .. لقد لعب الإعلام دوراً مقرراً في الثورات القائمة .
ونعتقد أن الشباب أنفسهم يؤكدون ما وصلنا إليه. وقد أعلنوا ذلك مرارا على الفضائيات.
وأيضا علينا أن نؤكد ونوضح دور المرأة في الثورة فقد شاركت النساء من مختلف الأعمار في جميع أعمال الثورة من قيادة التظاهرات.إلى المشاركة في الفعاليات داخل ساحات الانتفاضة إلى التصدي للبوليس السياسي وكافة أعمال القمع إلى المشاركة في أعمال تنظيف ساحات الانتفاضة إلى الاستشهاد فقد استشهد عدد من النساء في عدد من الدول العربية. والملفت أن المرأة عندما تحررت احترمت من الجميع, ويعترف جميع المنتفضين في جميع الدول أن التحرش قد توقف تماما مما يؤكد احترام النساء المنتفضات. لقد كان يتم تسجيل أربعة آلاف حادثة تحرش في القاهرة وحدها يوميا، بينما في أيام الانتفاضة الطويلة رغم المشاركة التامة ليلا ونهارا لم تسجل حادثة تحرش واحدة. والمنتفضات لا ينتمين إلى تيار سياسي واحد, فهن يمثلن أيضا جميع التيارات السياسية ومكونات المجتمع المصري و كن جنبا إلى جنب. وعندما سأل مندوب إحدى الفضائيات واحدة من نشطاء الثورة كيف استطعت التوافق وأنت المتحجبة مع الأصوليين المتشددين ومع العلمانيين والليبراليين والشيوعيين أجابت: "نحن كلنا مع بعضنا حلوين أبشع ما فينا السلطة". وهكذا فإن المرأة في الثورة المعاصرة كتبت بدمائها ودموعها وجهدها تاريخ المساواة مع الرجل، بدون مطالبة من أحد. وهذا سيؤدي إلى تحرر حقيقي للمرأة حيث ستشارك وهي مشاركة فعلية في كافة مجالات الحياة. وهذا هام يجب أن ننتبه إليه ونحافظ عليه. ومشاركة المرأة في الثورة في تونس ومصر وليبيا والمغرب والعراق واليمن والبحرين والجزائر ولبنان وسوريا وفلسطين واحدة من أهم الأسباب في نجاحها وقديما قال لينين:"لولاهن لما انتصرنا".
- لقد رد الشباب على جميع متّهِميهم تقريبا بعدم الاكتراث بالحياة السياسية وعدم المشاركة بالشأن العام، والالتفات للرياضة والمجتمع الاستهلاكي، والانترنت والهجرة، الخ.. لقد أكد الشباب بمبادئهم وقيادتهم للثورة واستخدام أفضل التقنيات لإنجاح حركتهم وتطوير شعاراتهم بما ينسجم وتطور الثورة وتطور اتساع المشاركين فيها، وتقديم أغلى التضحيات بما فيها استشهاد القسم الأكبر من بين صفوفهم، وجرأتهم وإقدامهم في التصدي للبلطجية، ثم في تواضعهم الجم وزهدهم عن احتكار أي منصب، أثبتوا أنهم القوة المحركة والفاعلة والمنظمة للمجتمع الحديث. وهكذا فإننا نعتقد أن السلطات القائمة حتى الآن ستلتفت إلى مراكز تجمع الشباب وتفرض مراقبة صارمة على الفعاليات الرياضية. وعلى المشاركين في الانترنت وعلى الجامعات. لقد ظهرت القوى الأخطر والقادرة على الفعل والتغيير والمستعدة للتضحية. إن تدخل السلطات لن يؤدي إلى أي إعاقة لفعل الشباب. إن الحل الوحيد أمام السلطات هو الاستجابة لمطالب هؤلاء ولا يوجد حل آخر.
- وتجاوزت الثورات حالات التطرف والاقتتال الديني والطائفي والقومي ونهضت الحالة الوطنية كما ذكرنا فالأكراد إلى جانب السنة والشيعة العراقيين. وأيضا فإن كل مكونات المجتمع اللبناني متمثلة في المظاهرات ضد نظام الطائفية. والمسلم إلى جانب القبطي في مصر. والعربي إلى جانب الأمازيغي في المغرب وتبين أن السلطات هي التي تفتعل الصراعات المتخلفة من أجل استمرارها، وهذا ما ظهر من حادث تفجير الكنيسة القبطية في مصر حيث اتهم بها وزير الداخلية. وما يحاول القذافي فعله في إعلان أن "القاعدة" وراء ما يجري، ثم إعلان حربه ضد الغرب المسيحي. أو الحرب الصليبية التي يشنها الغرب ، الخ.. إلا نموذج عن تخلف السلطات.
- وبدأت الثورة تفعل داخل المجتمعات العربية في مجال مفهوم الأخلاق والعودة للتضامن والتعاضد وفي مجال الفن حيث بدأ يتراجع وبسرعة الفن الهابط الذي كان يشكل عنوان مرحلة الانحطاط والاستبداد والتخاذل الوطني والفساد. وحتى كبار الفنانين انقسموا بين من يريد التغيير ويشارك به وبين المنتفعين من الأنظمة السابقة. ونعتقد أن المرحلة الجديدة ستفرز فنانيها وفنها الخاص بها والمنسجم مع توجهاتها.
- ورغم كل ذلك فإن التيارات والأفراد الانتهازيين يحاولون الآن وفي البلدان التي انتصرت فيها الثورة ركوب الموجة والعودة إلى مراكز مؤثرة. وهذا خطير، ونعتقد أن قوى الثورة منتبهة لذلك.
مواقف القوى المندحرة، والخارج الأمريكي والأوروبي والعربي الرسمي من التطورات الجارية.
- من المعروف أن الثورة فاجأت الجميع في سرعة انتشارها وفي تحقيق نجاحات هامة في تونس, ومصر( أكبر بلد عربي). وهذان البلدان هم صديقان للولايات المتحدة وضمان لاستقرار الوضع العربي بالنسبة لها, وأيضا ضمان أساسي لإسرائيل. كما فاجأت الثورة أيضا النظام العربي والسلطات العربية. وأربكت المفاجأة الجميع. وجميعنا لاحظنا الاضطراب في ردود أفعال هذه القوى، فبعد أن صمتت الولايات المتحدة لفترة, تخلت عن صداقتها لابن علي وحسني مبارك وقررت التضحية بهما في محاولة للحفاظ على وجودها، وكذلك فعلت النظم في أوروبا، والأنظمة العربية التي اكتفت في الأيام الأولى بنقل ما يجري. ثم اتضح التحرك الأوروبي الأمريكي ويتلخص بالنقاط التالية:
1"- العمل على تبديل الوجوه واستقرار الأنظمة القائمة، وإعطائها غطاء ديمقراطيا لا يؤثر مطلقا في تعاملها مع إسرائيل ولا في تنفيذ سياسة أمريكا وأوروبا في المنطقة. وهذا ما تجري متابعته حتى الآن, وهو يشكل جوهر الصراع بين قوى الثورة وبين السلطات القائمة في مصر وتونس بعد أن تنبهت قوى الثورة لخطورة هذه العملية.
2"- محاولة إحياء الصراعات القديمة بين مكونات المجتمع المصري والتونسي. وكان تضخيم الأحداث التي وقعت مؤخرا بين بعض الأقباط وبعض المسلمين وتهديم كنيسة للأقباط نموذجا لهذا التدخل. وقد تنبهت قوى الثورة وتدخلت فورا كما هو معروف. وكان شعار تجمع الجمعة التي تلت الأحداث في ساحة التحرير هو إدانة لهذا الشكل من الصراعات، والتأكيد على الوحدة الوطنية واحترام حقوق وشعائر كافة مكونات المجتمع . شارك في التجمع أعداد كبيرة من رجال الدين من الجانبين.
3"- محاولة إنهاء التحركات الجماهيرية والعودة للاستقرار والهدوء بهدف استقرار الوضع القائم بإظهاره هدف الثورة.. وقد استخدمت قوات الجيش في مصر عدداً من الأساليب منها الطلب إلى المتظاهرين إنهاء التحشد. ثم ضرب المتظاهرين وإزالة الخيام. ثم اعتقال عدد واسع منهم, ثم إرسال البلطجية لضربهم وإبعادهم، إلا أن كل ذلك لم ينفع. ونعتقد أن هذه المحاولات ستستمر.
4"- تأجيج الصراعات داخل مجموعات الانتفاضة بهدف بعثرتها وإضعاف فعاليتها.
5"- تثبيت الواقع القائم؛ فقد بدأت الوفود الأمريكية والأوروبية والعربية تزور مصر وتونس وتعتبر قائد الجيش في مصر رئيسا لمصر وتعامله على هذا الأساس. ونعتقد أن قوى الثورة ومكوناتها ونشطائها منتبهون لما يجري، فقد تم حل البوليس السياسي في مصر و تونس.
ونعتقد أن إلغاء أجهزة الأمن هو نقطة التحول الرئيسية باتجاه الديمقراطية.
وأيضا فإن إلغاء عمل الأحزاب السلطوية في مصر وتونس خطوة إلى الأمام باتجاه تصفية كل مخلفات الماضي. وقد ظهر أن هذه الأحزاب لم تكن تؤثر مطلقا في مجتمعاتها رغم أحجامها الكبيرة وأعداد أعضائها المليونية, فقد دعا أنصار الحزب الوطني المصري للتجمع في إحدى ساحات القاهرة مقابل أنصار ومؤيدي وصانعي الثورة في ميدان التحرير فكان الحجم خمسة آلاف من أنصار الحزب الوطني مقابل ثلاثة ملايين في ساحة التحرير، رغم أنه قبل أشهر قليلة حصل الحزب الوطني على كامل مقاعد البرلمان تقريبا. وليس بالتصويت طبعا. إن إلغاء عمل هذه الأحزاب يؤدي إلى استقرار وتطور العمل السياسي.
- وفي البلدان التي لا تزال الجماهير تعمل على التغيير. فإن حركة القوى المشاركة في الانتفاضة تتطور يوما بعد يوم وتتراجع السلطات أمام التقدم الشعبي وتتسع الحركة الشعبية المطالبة بالتغيير، فوصلت كما ذكرنا إلى السعودية. وتزداد شراسة السلطات وتصل حد الإجرام .
- ففي ليبيا يخوض القذافي المجرم حرباً قذرة مع شعبه يستخدم فيها الأسلحة الثقيلة بما فيها الدبابات والطائرات والمدافع وحتى القطع البحرية في محاولة لتنفيذ تهديدات سيف الإسلام في بداية الانتفاضة والتي حددها بتقسيم ليبيا، وتدمير آبار النفط، و تدمير كافة المنشآت المدنية وتدويل المسألة الليبية. ويتعامل القذافي وأبناؤه وكأن ليبيا بكل ما فيها هي ملك شخصي لهم، فسيف الإسلام مثلا لا يوجد له أي صفة حكومية أو تمثيلية. ورغم ذلك يتحدث باسم السلطة وكأنها أملاك والده وهو الوصي الشرعي عليها . ومع ازدياد تعنت القذافي وإجرامه تزداد إمكانيات التدخل الخارجي. وواضح أن هدف التدخل هو الاستيلاء على النفط الليبي القريب من أوروبا وذي المواصفات الممتازة والغالي الثمن. إن القذافي وأبناءه يتحملون مسؤولية أي تدخل خارجي في شؤون ليبيا. إن دعم الشعب الليبي في ثورته الشجاعة ضد القذافي مهمة وطنية وقومية من الطراز الأول. ولكننا نلاحظ ورغم الإجرام واستخدام القوة المفرطة في ضرب الشعب الليبي فإن أيّا من الخطط التي أعلنها ابن القذافي لم تنفذ سوى تدمير بعض المنشآت.
وتتطور النشاطات الجماهيرية في اليمن وتتسع ونعتقد أنها وصلت إلى مرحلتها الأخيرة. وإن إعلان الانتصار النهائي للثورة بات قريبا جدا. ولا نريد أن نعدد ما وصلت إليه التحركات الجماهيرية في باقي البلدان العربية.
وعلينا هنا أن ننبه للنشاطات السلطوية والخارجية الهادفة إلى عرقلة هذه التحركات بهدف إضعافها من ثم القضاء عليها:
1"- محاولة تحويل النشاطات الاحتجاجية الهادفة إلى التغيير إلى صراعات مذهبية أو أثنية، ونشهد هذه الحالة بشكل واضح في السعودية والبحرين وفي لبنان حيث تعمل مجموعة المستقبل على التعبئة الطائفية وزيادة الاحتقان المذهبي. ويتم التعاطي مع هذه الأفكار في عدد آخر من الدول العربية. ونعتقد أن هذه الأعمال هي من أفكار السلطات وأن الثورة عندما تنطلق وتتوطد ستكنس هذه الأفكار وتتجاوزها بسرعة. وبكل الأحوال فإن ما يتم العمل عليه لم يكن مفتعلاً تماماً، فهو موجود بفعل العديد من العوامل التي حددت طبيعة السلطات القائمة والناجمة عن الإبعاد القسري للسياسة عن المجتمعات. وتدفع حكومة آل سعود الآن مليارات الدولارات بهدف استقرار ما تبقى من النظام العربي القائم.
وقد صرح الملك السعودي لرئيس الوزراء البريطاني أنه دفع مليار دولار كي ينتصر السنة في لبنان، والسنة كما نعرف هم سنة "تيار المستقبل". وهكذا فإن العمل السياسي بالنسبة لآل الحريري هو تجارة مربحة. هذه المعلومات نشرتها وثائق"ويكليكس" ولم يكذبها أحد.
2"- محاولة تسويق فكرة أن ما يجري هو تنفيذ عملي لسياسة الفوضى المنظمة المعتمدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك من يقوم بهذه الأعمال فهو ينفذ -عرف ذلك أم لم يعرف- السياسة الأمريكية المعادية للأمة العربية. ولاحظنا أن أكبر أصدقاء أمريكا مثل مبارك وآخرين يتحدثون عن رفض التدخل الخارجي لبلادهم ويعنون بذلك الولايات المتحدة. ويعتبرون أن التدخل في ليبيا هو مرفوض ومدان دون إدانة مسببه وهو القذافي.
إن هدف (مشروع الشرق الأوسط الجديد) هو تقسيم الدول العربية القائمة إلى كيانات طائفية وقومية وأثنية. وإدخال هذه الكيانات في صراعات تنهكها و تكون إسرائيل هي مركز القرار في هذا الجديد المطلوب أمريكيا. والتنفيذ الواضح للشرق الأوسط الجديد كان في العراق الذي كان يراد أن يتحول إلى كيانات متقاتلة ومفككة. ثم في السودان الذي انقسم إلى سودانين بإشراف مباشر من الولايات المتحدة التي أثنت على نشاط البشير وكافأته بشطب اسم السودان من دول الإرهاب ورفع العقوبات عنها والعفو عن البشير،الخ..
إن ما تصنعه الثورة العربية الآن هو بناء النظام العربي الجديد القائم على التعددية السياسية واحترام جميع مكونات المجتمع العربي وتساوي الحقوق فيما بينها. إن التدخل الأجنبي في ليبيا ناجم عن العنف المجرم الذي ينفذه القذافي ضد شعبه وعن عجز النظام العربي المتمثل بالجامعة العربية عن التدخل. ويتحمل مسؤولية أي تدخل النظام العربي العاجز ومنه القذافي.
3"- تقديم رشوات بهدف التهدئة حيث أقرت معظم السلطات العربية دفع هبات للسكان كما فعل أمير الكويت حيث خصص لكل فرد كويتي ألف دينار. وأيضا كما فعل ملك السعودية فور عودته من المعالجة. والزيادات التي أقرت للعاملين في المغرب والأردن. وسابقا مصر. والإجراءات التي تتخذها السلطات السورية والتي سنعرضها بالتفصيل.
4"- تشكيل أحزاب جديدة بعناوين جديدة أو تفعيل بعض التجمعات القائمة والموالية والاحتياطية للسلطات. أو دفع بعض الأحزاب القديمة الموالية لتركب موجة التغيير. وتطوير شعارات كل هؤلاء بشكل يجعلها تنفذ إلى الرأي العام بهدف تحويله للمطالبة ببعض الشعارات الإصلاحية الهادفة إلى تثبيت السلطات القائمة. أو الدفع بأحزاب متطرفة و تشجيعها على التطرف بهدف تبرير التدخل لقمع الثورة.
5"- الضغط على الأحزاب القائمة والمنسجمة سياستها مع التغيير بهدف إضعاف فعاليتها لتبقى الحركة الشعبية بدون قوى سياسية وبدون رموز واضحة..وهكذا يمكن إنهاك الحركة وإدخالها بأنفاق مظلمة.
ونحن نرى أن سبب كل تلك المحاولات:
- ضعف الأحزاب القائمة وعدم استطاعتها تأمين تيار واضح قادر على التحرك, ومنع أي محاولات لإجهاضه، وهذا ما تقوم به الفضائيات بدلا من الأحزاب حيث تلعب دورا هاما ولكنه ليس كافيا في تغطية النقص الحاصل.
إن الواقع يتطلب العودة السريعة للحياة السياسية. وهذا يتطلب من الأحزاب والتيارات التأقلم السريع مع التطورات بهدف حمايتها والمشاركة بفاعلية في إنجاحها. خصوصا وأننا نعرف أن الثورات الناجحة لن تنتصر بمجرد إبعاد رأس النظام، وإنها بحاجة لسنوات لتثبيت الانتصار..
واقع الأحزاب القائمة و دور الشيوعيين وفق ما تطلبه التطورات وواقع الأحزاب الشيوعية نفسها؟
تنقسم الأحزاب في المنطقة إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1"- الأولى: -هي أحزاب السلطة وحلفائها.هذه الأحزاب كانت تعبيراً دقيقاً وواضحاً عن الواقع القائم, لذلك أصبحت جزءاً من الماضي المرفوض والذي يعرقل التطورات الجديدة ولا ينسجم معها. وهذا لا يشمل مطلقا أعضاء هذه الأحزاب ، بل يعني قيادتها الرئيسية التي كانت ترسم التوجهات والتي كانت مستفيدة من الواقع القائم وهي تتحمل مسؤوليته. أما أعضاء الأحزاب فإن مشاركتهم في العمل السياسي وفي البناء القادم ضرورية جدا. ولا يمكن لأحد أن يمنعهم عن هذا الحق, بغض النظر عن التسمية التي يطلقونها على أحزابهم أو تشكيلاتهم السياسية الجديدة. إن أهم ما يطرحه الجديد هو عدم رفض الآخر.
2"- الثانية: أحزاب الحركة الوطنية: فمواقف هذه الأحزاب مربكة بعد أن تفاجأت جميعها بالانتفاضة، لذلك لاحظنا أن تعامل الأحزاب كان متفاوتا منها من أيّد الحركة مباشرة وشارك بها منذ يومها الأول. ومنها من تريث قليلا ثم شارك بها بعد أن تأكد من استمرارها ومنها من لا يزال يرتاب من هذه الحركة.
وأيضا فقد تعاملت الأحزاب المشاركة بأشكال مختلفة فبعضها حاول أن يركب الموجة محاولا دفعها باتجاه سياسته. ومنهم من اعتبر هذه الثورة نجاحا لأفكاره المسبقة. فمثلا هناك من استنتج أن الثورة هي نجاح للديمقراطية فقط. وهناك من استنتج أن الثورة هي دحر للأنظمة الصديقة للولايات المتحدة والمعترفة بإسرائيل وهي موجهة ضد الاستبداد المتحالف مع الامبريالية فقط. وهناك من استنتج أن الثورة هي ذات طبيعة طبقية اقتصادية موجهة ضد النظام الليبرالي فقط.
ونحن نعتقد أن هذه الرؤية لا تنسجم مع طبيعة الثورة فهي مكونة من مجمل هذه المهام و مندمجة بمهمة واحدة متكاملة. ومن لم يستطع أن يفهم طبيعتها ويصر على فهمه المسبق فإنه سيقف مكانه وستتقدم فعاليات الثورة ليصبح بعيدا عنها جدا. بحيث لن تراه أو تتأثر به.
وهناك أحزاب دخلت في حوار واسع حول شكل التعامل مع المتغيرات ونعتقد أن نموذجها هم الأخوان المسلمين في مصر. فمنهم من اندفع ليغير طبيعة التنظيم واسمه واقترحت تسميته "حزب العدالة والتنمية" واعتمد الديمقراطية والمجتمع المدني وطالب الالتزام بالدستور, وبالتداول السلمي للسلطة , والقسم الآخر يريد المحافظة على اسمه" جماعة الأخوان المسلمين" ويستمر بشعار" الإسلام هو الحل" ونعتقد أن هذين التيارين داخل الجماعة سيفترقان. وما يجري داخل هذه الجماعة يجري في العديد من التيارات السياسية, لذلك فإننا نعتقد أن التفاعل والحوار الجاري داخل المجتمع سينعكس داخل الأحزاب. وستنتج هذه التطورات أحزابها القادرة على قيادة المجتمع، و قد تكون هذه الأحزاب من صلب الأحزاب والتيارات القائمة, وقد تتشكل أحزاب جديدة..
أين موقع الأحزاب الشيوعية من الثورة:
الأحزاب الشيوعية العربية في غالبيتها كانت صديقة للاتحاد السوفييتي. وانعكست حالة الركود في الحزب الشيوعي السوفييتي قبل الانهيار على ركود وتراجع دور الأحزاب الشيوعية. وانعكس هذا التأثير في الانقسامات التي طالت غالبية الأحزاب الشيوعية مما أدى إلى تراجع دورها وتشرذمها ..
ثم أتى انهيار التجربة السوفييتية وتلاشي الحزب الشيوعي السوفييتي كمركز أممي ليزيد الإرباك داخل هذه الأحزاب؛ فمنها من غير اسمه فورا وانتقل إلى مواقع سياسية واجتماعية أخرى. مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني حيث أصبح حزب الشعب- الحزب الشيوعي التونسي تلاشى تقريبا- الحزب الشيوعي الجزائري...وعندنا في سوريا الحزب الشيوعي السوري/ المكتب السياسي/ أصبح أيضا حزب الشعب. ومنهم من تخلى عن اللينينية ومنهم من تخلى عن أقسام من الماركسية. ومنهم من اعتبر أن ما جرى للحزب الشيوعي السوفييتي هو مؤامرة. المطلوب منه الصمود وعدم التخلي عن أي من سياسته بانتظار تجاوز الحزب السوفييتي المؤامرة. ومنهم من لاحظ أن الثورة طُعنت منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي, فأعاد الاعتبار لستالين.. وهكذا فقد دخلت الأحزاب الشيوعية - ما عدا قلة قليلة منها- في أزمة مبكرة أنهكتها ومنعتها من تجديد نفسها ودفعت أحزاباً منها إلى ارتكاب أخطاء بحق أوطانها ستؤثر عليها طويلا "الحزب الشيوعي العراقي" وطغت على قيادات بعضها تيارات انتهازية تأقلمت مع الواقع القائم "الفصائل الرسمية للحزب الشيوعي السوري".
وفي المقابل بدأت تظهر مجموعات وفرق وتنظيمات شيوعية تحاول أن تبحث عن أسباب الانهيار وعن دورها في مجتمعاتها. ووضعت توجهات لها علاقة بالمهام السياسية الملحة وبتصورات أولية عن نظام العدالة الاجتماعية- وحددت أشكال العلاقات التنظيمية – فيها الكثير من الديمقراطية في العلاقة بين الهيئات وبين المناضلين. وبدأت بنشر الأفكار الماركسية مجددا. ولكن هذه المجموعات لم ترق في غالبية البلدان العربية إلى مستوى الفعل والتأثير بالمجتمع.
هذه هي حالة الأحزاب العربية في مرحلة الثورة, وكان طبيعيا أن يكون دورها محدودا ولكن الشعارات والمهام التي وضعتها ظروف الثورة أمامها في العديد من الدول العربية وخصوصا القسم الطبقي الاجتماعي ومحاربة الفساد, وتأمين حلول اجتماعية ناجحة للمشاكل التي تواجه غالبية السكان، بالإضافة لتجاوز الأنظمة الطائفية (لبنان والعراق). كل ذلك فرض على الأحزاب الشيوعية خصوصا أن تتقدم. ونعتقد أن قسماً منها قد بادر فعلا ويمكن أن نلاحظ ذلك في العراق ولبنان والأردن وإلى حد ما مصر فقد قرر الحزب الشيوعي المصري الانتقال للعمل العلني. وهكذا فإن الثورة قد عجلت في دفع الأحزاب الشيوعية للعودة لمجتمعاتها. والدخول في الفعل السياسي. ونعتقد أن هذا التجديد والعودة للفعل سيؤدي إلى تغيرات واسعة في قيادات هذه الأحزاب وفي سياساتها حيث ستصبح أكثر وضوحا وتجديدا..
وبكل الأحوال نلاحظ تعتيماً شبه كامل لنشاط الشيوعيين في العديد من الدول العربية من قبل الفضائيات الفاعلة مثل الجزيرة وغيرها. وهذا يؤكد الموقف المسبق لهذه الفضائيات من الحركة الشيوعية.
ولماذا الثورة في كافة بلدان المنطقة العربية وما هو مستقبلها وما هي نقاط الضعف والقوة فيها؟..
هذه الظاهرة تؤكد أن المنطقة العربية نسيج واحد ، وأن قضاياها واحدة. لذلك فإن مفهوم الوحدة العربية بالمعنى الشعبي قد بدأ يظهر ثانية, وهذا يعتبر القفزة الثانية للشعوب العربية بعد فشل تحركها الأول بسبب فشل قيادات هذا التحرك التي استولت عليه قيادات عسكرية ومنعت الحياة السياسية وفشلت كما ذكرنا... الآن طبيعة التحركات تؤكد أنها ستصل إلى مراحل أعلى بكثير مما وصلت إليه سابقا. بالإضافة إلى التأثر بالعولمة على مجمل التطورات العالمية. حيث لم تعد دولة أو كيان صغير قادرة على العيش وسط التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى..وهكذا فإن نجاح الانتفاضات في الدول العربية، ونجاحها في تحطيم النظام العربي القديم وبناء نظام عربي جديد قادر على التقارب فيما بينها بخطوات متأنية، وأيضا إن قدرتها على التعامل مع دول الإقليم - تركيا – إيران- سيؤدي إلى انتقال بلادنا من دول تتأثر بالسياسة العالمية لتصبح دولاً تؤثر وتشارك في صنع ورسم السياسة العالمية. وستكون أحد ضمانات السلام العالمي والعدالة. وعلينا أن نوضح أن هذا الانتقال لن يتم بسرعة, فقد يحتاج لعدة سنوات.
إن الوصول إلى هكذا واقع تفرضه التطورات العالمية ونضج العامل الداخلي يتطلب مزيدا من التضامن الشعبي العربي. ونعتقد أن التضامن لا يزال ضعيفا جدا، أضعف من تضامن الأنظمة العربية التي لاحظت الخطر عليها فتجاوزت خلافاتها وبدأت تعمل بشكل مشترك قامعة شعوبها, ومشاركة في قمع تحركات شعب أي دولة كما يجري في البحرين . إن تضامن الشعوب العربية وتحركها المشترك سيساعد على إنجاح الثورة التي تخشى منها كافة الدول الأخرى الناهبة لثروات المنطقة والأنظمة القمعية التابعة لهذه الدول. وهذا يتطلب عملاً مشتركاً ومتطوراً ومتصاعداً.
الوضع في سورية:
تتطور الأحداث في بلادنا كما في المنطقة بشكل متسارع وقد يكون شبه يومي. بشكل لا يسمح للمتابعة وتقديم تحليل ناجز. وهذا سيتطلب منا لاحقا إصدار نشرة دورية سريعة ترصد الأحداث وتحدد موقفنا منها. وتبحث في تأثيرها على مجمل التطورات في بلادنا.
ورغم ذلك فإن الشعار الذي ما زالت تطرحه هيئتنا حتى اليوم هو التغيير الوطني الديمقراطي التدريجي السلمي؛ أي الإصلاح الذي نعمل عليه ونحاول حشد كافة القوى والأشخاص للمشاركة في تنفيذه. وهذا الشعار مطروح منذ عشر سنوات ونيّف وتبنته كافة القوى السياسية في بلادنا. إن كان طرحاً جديا يهدف إلى الولوج بالإصلاح أو طرحا يهدف إلى امتصاص النقمة والعمل على التأجيل قدر المستطاع, حتى تتوفر ظروف تنهي هذا الشعار- فالعديد من القوى السياسية في بلادنا ولا سيما السلطة تراهن على الوقت- إلا أن التغيير الذي فرض نفسه على مجمل منطقتنا العربية، بما فيها بلادنا جعل من مسألة الإصلاح مهمة آنية لا تقبل التأجيل. لقد توضح من نضالات الشعوب العربية في غالبية الدول إنه لا يستطيع أحد الوقوف في وجه التطورات الجارية في المنطقة العربية. وهذا ما أكده العديد من الصحفيين العاملين في الصحافة السورية أيضا .
إن الحركة الوطنية في سوريا ومعها غالبية الشعب السوري حددت منذ فترة مهام الإصلاح في بلادنا وتتلخص بهدفين اثنين:
1"- الأول الإصلاح السياسي ويتحدد بإطلاق الحريات السياسية عبر برنامج يبدأ بـــــ
- إطلاق سراح المعتقلين السياسيين
- رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي تعيشها بلادنا منذ خمسين عاما ونيّف. ولم تؤد إلى تحقيق الهدف المعلن منها وهو محاربة إسرائيل. وأيضا فقد أثبتت التجارب أن المقاومة في لبنان استطاعت تحقيق انتصارات هامة جدا على العدو مع غياب حالة الطوارئ. وهكذا نرى أن حالة الطوارئ أدت إلى قمع الحركة السياسية في بلادنا وإلى قمع المجتمع ككل وإلى نمو ظواهر غريبة في مجتمعنا وإلى ظهور شكل من الصراعات ما قبل سياسية خطيرة جدا ومهددة للوحدة الوطنية.
- إصدار قانون للأحزاب
- تعديل قوانين الانتخابات والصحافة.
2"- الإصلاح الاقتصادي ويتحدد بـ :-
- ضرب الفساد والنهب وإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة .
- التخفيف من حدة البطالة باتجاه حلها عن طريق اعتماد خطة تنموية وموارد حقيقية تؤمن الوصول للهدف المطلوب.
- زيادة الرواتب والأجور من موارد حقيقية. وضبط الأسعار بشكل صارم.
- دعم القطاعات المنتجة, العام أولا, وتأمين وتوفير كافة أسباب نجاحه. ثم الخاص المنتج بشقيه الزراعي والصناعي.
هذه هي مطالب الإصلاح الرئيسية في هذه الفترة والتي تتحرك الجماهير وقواها الحية بهدف الضغط لتنفيذها.
- فقد تمت مقاطعة هواتف الخليوي لمدة يوم بتاريخ 9 / شباط/ 2011 ولوحظ تراجع جدي في عدد المكالمات في ذلك اليوم. ولكن إدارة شركات الخليوي بدلا من التجاوب مع مطالب المستثمرين. بدأت تحاسب أجرة الدقيقة بالليرة السورية بدلا من الوحدات. أي لم تفعل شيئا وربما ربحت من هذه الحالة.
- الأربعاء 17 شباط حمل المواطن حسام الدين منصور 47 عاما وهو من العاملين في سوق الحريقة بمفرده لافتة كتب عليها " طفح الكيل يا بشار أنقذنا من العصابة" . اعتقله الأمن السياسي وقد تضامن معه تجار السوق وطلبوا عدم إيذائه. في التحقيق أجاب أنه يرغب بمقابلة الرئيس. وأن الحرامية لم يبقوا له شيئا. أحيل إلى الجنائية ثم إلى سجن عدرا ثم إلى القضاء العسكري بتهمة "كتابة عبارات تخل بالأمن" وفي اليوم الثالث أفرج عنه.
- في 28 شباط تجمعت أعداد كبيرة من النساء تقدر بحوالي ألفي امرأة أمام مبنى البريد في منطقة الحجاز بدمشق للحصول على وثيقة غير موظف بهدف الحصول على منحة مالية بعد سريان إشاعة عن تقديم إعانة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للأسر والأمهات غير العاملات. وشاركت في التجمع نساء من غالبية أحياء دمشق الفقيرة واستمر التجمع لساعات ولم يفد طلب الشرطة هويات المحتجات بهدف إخافتهن. بل أعطوا الهويات بشكل جماعي. وطالبت بعضهن بدفع الإعانة أو إرسالهم للسجن لأنه لا يوجد معهن أجور المنزل الذي يقطنونه أو ثمن الغذاء الضروري ولم يتفرقوا إلا بعد وصول وزير الداخلية ووعده لهن بأنه سينقل طلبهن إلى الجهات المسؤولة. وسيتم الإعلان في الإذاعة والتلفزيون عن موعد تقديم الطلبات إذا قبل طلبهن. والسؤال إذا كانت الإشاعة جمعت مئات النساء كما ذكرنا. ماذا لو أعلن فعلا عن تقديم طلبات للأمهات الفقيرات. نعتقد أن مئات الألوف ستحتشد أمام مركز تقديم الطلبات في دمشق وحدها وهذا يعطي صورة للفقر المدقع الذي يعيشه الشعب.
- هذا بالنسبة للبطالة أما الفارق بين الأجور والأسعار فإن كافة مؤشرات ارتفاع الأسعار, والتي تؤثر بشكل كبير في ارتفاع تكاليف المعيشة تؤشر أن الزيادة في ارتفاع أسعار جميع السلع الأساسية بما فيها إيجارات المنازل قد وصلت بين عامي 2000 و2009 إلى 321 % أما زيادات الرواتب فلم تصل إلى 200 % أي أن هناك 123 % من القيمة الشرائية لرواتب العمال قد سرقتها ارتفاعات الأسعار وذلك بحسب الأرقام الرسمية المعلنة، وهي ليست دقيقة ، بل هي أرقام سياسية أكثر منها أرقاماً حقيقية. ولا يمكن إجراء دراسات دقيقة على أساس هذه الأرقام. هذا بالنسبة لعمال القطاع العام أما عمال القطاع الخاص فإن وضعهم أكثر تعاسة بكثير.
وهكذا، وبدلا من الإصلاح الاقتصادي هناك تراجع مريع في الوضع الاجتماعي ناجم عن السياسة الاقتصادية المعتمدة. والتي ساهمت في زيادة الفساد وزيادة الهوة بين الأجور والأسعار وزيادة أعداد العاطلين عن العمل وزيادة الهوة في توزع الدخل الوطني.
وانعكاساً لهذا الواقع ولاستمرار قمع الحريات السياسية تزامنا مع التحركات الجارية في منطقتنا العربية فقد بدأت تظهر العديد من الاحتجاجات ذات الطابع الجماهيري ويمكن أن نلحظ منها:
1- تجمع عدد غفير من المواطنين في ساحة الحريقة في أواسط شباط 2011 على أثر مشادة بين أحد المواطنين وشرطي مرور قام الأخير بضرب الشاب مما أدى إلى تجمع أكثر من ألف شخص وهتفوا.. حرامية.. حرامية ! الشعب السوري ما بينذل! .. ولم يستطع أفراد الشرطة الذين حضروا لمؤازرة زملائهم من فض التجمع مما اضطر وزير الداخلية للتدخل ومحاورة المتجمهرين لمدة ثلاث ساعات تعهد خلالها الوزير بمحاسبة المرتكبين والاهتمام بالشاب المضروب.
2- جرت خلال فترة الثورة المصرية والتونسية بعض التحشدات التضامنية مع الثورتين أمام مقر السفارة المصرية . ثم في باب توما بدمشق وفي حديقة السبكي، شارك في كل منها عشرات المتضامنين اعتقل خلالها عدد من الشباب منهم خالد بختيار الذي أفرج عنه في نفس اليوم، ثم في تجمع آخر اعتقل عبد الناصر العايد الذي بقي خمسة أيام ثم أفرج عنه.
3- في اجتماع لمجلس الشعب الأربعاء 23 شباط 2011 طالب عضو المجلس عبد الكريم السيد تشكيل لجنة برلمانية تناقش إمكانية رفع قانون الطوارئ جزئيا في سوريا. عرض رئيس المجلس الاقتراح على التصويت بشكل طريف – من لا يوافق على تشكيل اللجنة- فرفع جميع الأعضاء أيديهم بعدم الموافقة. بما فيهم القوى السياسية التابعة للسلطة والتي تعلن – شكليا – مطالبتها برفع قانون الطوارئ مما يؤكد أن المجلس هو ابن قانون الطوارئ. وبسبب الانتشار السريع للخبر فقد أرسلت السلطة العضو المذكور لمقابلة في محطة أورينت. أكد فيها أن ما جرى عادي. وإن المجلس يعمل بشكل جيد جدا وأن هناك تأثيراً فعّالاً للمجلس في الحكومة. وهكذا نال الرضى وألغى ذلك التضامن الواسع الذي تم معه.
4- بتاريخ 8 آذار 2011 صدر عفو رئاسي عن المحكومين بعدد من الجنح والجرائم وقد استثنى العفو المعتقلين السياسيين ما عدا هيثم المالح الذي أفرج عنه بسبب كبر سنه أكثر من ثمانين عاما. ويقال حسب ما نشر على صفحات الفيس بوك أن هناك مرسوم عفو خاص عن المعتقلين السياسيين كان قد صدر ونشر على موقع وكالة سانا واستمر موجودا على الموقع لمدة يوم. ثم سحب.
إننا لسنا ضد العفو ولكننا نرى أن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين يجب أن يتم قبل الآخرين. لأنه لا يمكن القبول باعتقال أي صاحب رأي وأي ناشط سياسي على موقفه أو رأيه السياسي. لقد لاقى إبقاء معتقلي الرأي في السجون استنكاراً واسعاً في الوسط الشعبي .
- في بداية آذار كتب عدد من الطلاب الصغار - إعدادي- على الحائط الشعب يريد إسقاط النظام والهتاف كان تقليداً لما شاهده هؤلاء في التلفزيون. أدى ذلك إلى اعتقالهم جميعاً. ويبلغ عددهم حوالي العشرين بعد أيام أفرج عن من هم دون الثالثة عشرة. وبقي الآخرون في المعتقل، ولا توجد أية أخبار عن إطلاق سراحهم.
- في 12 آذار جرى تجمع للأكراد في مدينة القامشلي بمناسبة الذكرى السابعة لأحداث القامشلي المعروفة وكان الحشد واسعاً ألقيت فيه العديد من الكلمات تطالب بالإصلاح والانتهاء من احتكار السلطة.
- 15 آذار جرى تحشد شعبي في سوق الحميدية امتد حتى سوق الحريقة شارك فيه أكثر من 150 رجلاً وامرأة تمركزت هتافاتهم بـ:
- الشعب السوري ما بينذل
- الله .. سورية .. حرية وبس
أي أن المطالب كانت تحدد بإطلاق الحريات السياسية – تدخل الأمن مباشرة واعتقل 4 من المحتجين ثلاثة شباب وفتاة.
- 16 آذار جرى تحشد أمام وزارة الداخلية السورية شارك فيه أهالي المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام وعدد من الناشطين في مجال حقوق الإنسان والحريات السياسية. يطالبون بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتصدى لهم رجال الأمن بأعداد كبيرة ، واعتقلوا العشرات، منهم الطيب تيزيني- والدكتورة سهير الأتاسي- وناهد بدوية- وخمسة من آل اللبواني – وصحافي.. وآخرون. وفي اليوم التالي 17 / 3 أفرج عن الدكتور طيب تيزيني وامرأة حامل وزوجة أحد المعتقلين والصحافي وأحيل 32 معتقلاً إلى القضاء بتهمة الإساءة إلى سمعة سورية. وقد تصل أحكامهم إلى 3 سنوات.
- 18 آذار جرت تظاهرات في دمشق, حمص, درعا, بانياس, القامشلي, طالبت بإطلاق الحريات السياسية.. بنفس الشعارات تقريباً، حيث تصدى لها رجال الأمن والشرطة بعنف مما أدى إلى مقتل اثنين من المتظاهرين في درعا كما أوردت وكالات الأنباء، وإلى اعتقال العشرات في باقي المحافظات.
- 19 آذار هاجمت مجموعات الأمن مجلس العزاء في درعا وأطلقت الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع وقتلت 3 أشخاص .
- بالإضافة إلى ظهور كتابات مختلفة في العديد من مدن وقرى سورية تطالب بالإصلاح. وتم اعتقال العديد من المواطنين السوريين والتحقيق معهم وإبقاء بعضهم. ومسح الكتابات بسرعة. وقد طلبت أجهزة الأمن من بائعي بخاخات الدهان التوقف عن بيعها. وعندما أحتج هؤلاء لأن هذا النوع من البخ له عمر زمني يتلف بعدها, طلبوا منهم تسجيل اسم كل مشتري لكل قطعة وتسجيل رقم هويته وتفصيلها، وتسجيل لون الدهان الذي اشتراه في محاولة لضبط مثل هذا النوع من النشاطات.
- عرضنا ما عرضناه من نشاط لنلاحظ أن النشاطات الجماهيرية الشعبية المطالبة بالإصلاح تتقارب زمنياً، وتتسع حيث بلغ أكبر اتساع لها يوم 18 آذار وتزداد الشرائح المشاركة فيها.
- وأن رد السلطة حتى الآن هو تأجيل البدء بالإصلاحات السياسية واعتقال المتظاهرين والضغط عليهم ووصل الأمر إلى حد إطلاق النار والقتل كما في درعا .
- وبالمقابل تحاول السلطة التخفيف من حالة الاحتقان باتخاذ بعض الخطوات الاقتصادية الهادفة إلى امتصاص النقمة عند الشباب خصوصاً وسنعرض بعض هذه الإصلاحات ونناقشها بكل موضوعية كي نتعرف على مدى قدرتها على التخفيف من حدة التأزم في الوضع الاقتصادي
1" – خصصت الميزانية العادية للدولة مبلغ 17 مليار كما أعلن لتوزيعها على العاطلين عن العمل عبر صندوق الضمان الاجتماعي. واعتمدت في بحثها على من سجل اسمه العام الماضي وخصصت الحد الأعلى للمنحة الشهرية 3000 ثلاثة آلاف ليرة سورية. وتبين بعد الإعلان عن البدء بتوزيع الإعانة إن الرقم المسجل لا يساوي أكثر من 20 % من الرقم الحقيقي. و بدأت تظهر احتجاجات من عشرات ألوف الأسر التي حرمت ,وكذلك ظهرت احتجاجات من الأسر المستفيدة لأن المبلغ المخصص لا يخرجها من حالة الفقر المدقع ولا يؤمن لها نسبة تذكر من حاجاتها.ونعتقد أن التصرف السريع التي اعتمدته الدولة في ظروف المتغيرات سينعكس عليها لاحقا وخصوصا بعد بدء التسجيل الثاني في نيسان بأزمة كبيرة غير مهيأ لها.فالمبالغ المعتمدة لا تكفي حاجة الأسر,والأسر غير المستفيدة ستكون عبئا لا تستطيع السلطة تغطيته...وهكذا.
- خصصت السلطة أيضا عدد من المليارات لدعم المتضررين من المواسم الزراعية وبدأت توزيعها.وتبين أن التوزيع غير عادل ولا يكفي, هذا أولا وثانيا فإن دعم المنتجين الزراعيين والإنتاج الزراعي يتطلب إعادة أسعار المازوت إلى ما كانت عليه ودعم أسعار الأسمدة والإسراع في تأمين موارد مائية قادرة على تغطية حاجة الزراعة المروية في ظروف تكاثر السكان المتزايد.ودعم الإنتاج الحيواني بتأمين أسعار علف رخيصة.وأسواق مستقرة للفائض من الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني..واعتماد صندوق كوارث يخفف من آثار العوامل الجوية على الإنتاج الزراعي لذلك فإن ما تم القيام به هام ولكنه غير كاف أولا ولا يؤدي إلى الدعم الدائم للإنتاج الزراعي ثانيا.ويبقى هذا القطاع بمنتجيه في حالة توتر وعدم استقرار دائم.
- زيادة دعم المازوت للموظفين والعمال 630 ل س... وأيضا فإن هذه الزيادة الصغيرة غير كافية من حيث المبلغ فقرار دعم المازوت خصص ألف لتر لكل أسرة بالأسعار السابقة والفرق بين السعر السابق والسعر الحالي للألف لتر يقدر ب 13 ألف ليرة سورية وزعوا للعاملين مبلغ 7560 ليرة سوري سنويا أي ما يقارب نصف المبلغ المقرر.وثانيا فإن غلاء المازوت شمل الأسر السورية جميعها بما فيها حوالي مليون أسرة التي لا دخل لها مطلقا.والأسر الفلاحية المتضررة من المواسم السابقة وعمال القطاع الخاص البالغ عددهم أكثر من مليون عامل...الخ نلاحظ أن دعم المازوت قد اختصر ووفر على الحكومة فيما لو وفّت بوعدها ووزعت الألف لتر لكل عائلة.وأيضا قد صمتت الحكومة عن قرار زيادة الرواتب الذي أعلنه رئيسها والذي تحدثنا عنه كثيرا وهو حق للعاملين في الدولة ولعمال القطاع الخاص.إلا إن هذا الحق ما زال مسلوبا
- قرار توظيف عدد واسع من العمال الشباب وخصوصا الخريجين الجامعيين.ويقدر عدد المقرر تشغيلهم في الدولة أكثر من 80 ألف ..وهو رقم فاق الخطة الموضوعة في الموازنة لهذا العام..وهذا القرار جاء مرتجلا أيضا وأهم ملاحظاتنا عليه:
أ- القرار حدد التعيين لمن هم في الثلاثين من العمر وما دون..والسؤال عن العاطلين أو الباحثين عن العمل وعمرهم أكثر من ثلاثين عاما ولم يجدوا فرصة عمل ما هو ذنبهم.ثم إن القرار جاء مخالفا لنص القانون فوق الأربعين, وسيتم اختيار العمال انطلاقا من الواقع الحالي حيث الفساد مستشرٍ ومن يدفع يوظّف...إن أي منطق يؤكد إن التوظيف يجب أن يتم بالدور أي بالأقدم في التخرج بالنسبة للجامعيين والمعاهد والثانويات.وبالأقدم في الانتهاء من خدمة العلم.أي ما يسمى بخطة اليد العاملة. الآن فإن القرار شطب مئات ألوف الباحثين عن عمل منذ سنوات طويلة...واستوعب نسبة من اليد العاملة التي دخلت سوق العمل عام 2010 – وأيضا فإن قرارات الاستيعاب الصادرة تبين أن هؤلاء سيكونون في غالبيتهم ضمن تعداد البطالة المقنعة...إن عدداً واسعاً من الأشكال كان يمكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من العاملين وتوظفهم في الإنتاج مباشرة..ولكن القرار جاء كما هو معروف عند الجميع لأسباب سياسية.إن عدد العاطلين عن العمل 2.400 مليونين وأربعمائة ألف عامل وسيدخل إلى سوق العمل هذا العام 2011 أكثر من 350 ألف يد عاملة جديدة لا يمكن استيعابها مطلقا بدون سياسة تنموية تتدخل فيها الدولة مباشرة.عبر أشكال متعددة منها إعادة بناء القطاع العام, ودعم القطاع الخاص المنتج.وتطوير أشكال الإنتاج الزراعي.وتطوير الخدمات في مدن وأرياف سورية..وهذا كله غير مؤمن.لذلك فإن ما يتم الآن سيتم لمرة واحدة فقط ولأهداف محددة.علما أن هذه الوزارة نفسها كانت تشتكي من تأثير البطالة المقنعة السلبي على تكاليف الإنتاج والإنتاجية.وكان الهدف من ذلك هو التخلص من أعداد واسعة من العاملين في الدولة عن طرق شتى معروفة لنا جميعا وإضعاف قطاع الدولة.بهدف الانتهاء منه وفجأة وفي ظروف جديدة أعادت حشد هذا القطاع بعشرات ألوف العمال.
إن هذا يؤكد أنه وفي ظروف الأزمة فإن القطاع العام هو القطاع الاقتصادي الوحيد القادر على التدخل وهذا يفرض إعادة النظر بمجمل السياسة الاقتصادية للدولة وباتجاه دعم القطاع العام أولا وكل المنتجين ثانيا وحتى الآن فإن ما يجري هو مزيد من إنهاك القطاع العام..وما سيتم تشغيله من اليد العاملة الجديدة...ستنتقل من البطالة الواضحة إلى البطالة المقنعة
عرضنا وبشكل مطول ما تم من إجراءات اقتصادية حتى الآن.وكان يمكن أن نختصر هذا العرض بكلمة أن الإجراءات الاقتصادية التي اعتمدت مؤخرا غير قادرة على الخروج من الأزمة الاقتصادية وعلى معالجة نتائجها الاجتماعية المتزايدة الخطورة.ولكننا رأينا أنه من المفيد أن نعرض بالتفصيل لنوضح نتائج مثل هكذا عمل.
إذ أن ما يجري حتى الآن يتلخص في:
1- إصدار قرارات اقتصادية قاصرة مقابل الإصرار على الاستمرار في النهج الاقتصادي المدمر للبنية الاجتماعية السورية
2- رفض أي شكل من أشكال الإصلاح السياسي والتصدي للمطالبين بالإصلاحات السياسية واعتقال مئات المحتجين رغم إن كل الاحتجاجات تتم بشكل سلمي.وقد وصلت حالة التصدي للتظاهرات إلى أشكال همجية وعنيفة وتطورت إلى حالة إطلاق الرصاص الحي كما في درعا وقتل المتظاهرين..وهذه الحالة هي الأولى في تاريخ العمل السياسي السوري –حسب علمنا- وستترك نتائج سلبية جدا على من قام بها.إن شعبنا كان ولا زال يمارس أكثر أشكال التحضر وتنسجم ممارسته المتحضرة مع تاريخه وتقاليده.وما يجري من قتل وهمجية في التعامل مع هذا الشكل المتحضر غريب عن تقاليد شعبنا..إننا نطالب مع جميع التيارات السياسية والشخصيات الوطنية والرأي العام بكل مكوناته محاسبة المتصرفين بهذا الشكل الهمجي وإصدار قرار علني واضح يمنع استخدام الرصاص وكافة الأدوات التي تؤذي الجماهير.وبمنع التصدي للتظاهرات السلمية التي بدأت تنتشر بشكل متسارع في المحافظات والمدن السورية المختلفة.
ونطالب بالتجاوب مع ما يطلبه المتظاهرون من إصلاحات سياسية.
3- حتى الآن فإن جميع النشاطات سلمية يقوم بها مواطنون يحتجون على الوضع السياسي ولم تتدخل الأحزاب السياسية بشكل مباشر في هذه النشاطات.ويظلل هذه النشاطات العلم السوري أي أن سورية فوق الجميع.لذلك تأخذ الاحتجاجات طابعا عفويا. يحركها شباب يتطلعون إلى نشر الحريات السياسية.وتأمين نظام اقتصادي يحقق العدالة الاجتماعية.
4- يقابل كل ذلك إرباك شديد في قيادة السلطة وفي رد أحزاب الجبهة وخصوصا الشيوعية منها الذي كان الكثيرون ينتظرون منها مبادرات ايجابية توصل إلى الإصلاحات المطلوبة ولكنها أي قيادات هذه الأحزاب لم تستطع سوى أن تستسلم لقدرها !!.وإن حركة الاحتجاجات تؤشر إلى تطورها واتساعها كتظاهرات سلمية.
إننا إذ نطالب الآن بالإسراع بتنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية فنحن جزء من المطالبين بالتغيير ونطالب بالإطلاق الفوري لكافة المعتقلين السياسيين وندين أي قمع يجري للمتظاهرين بالأشكال السلمية.
5- وعلينا أن نؤكد أن الثورات التي انتصرت رفضت أي تدخل أجنبي في شؤونها,وحتى عندما زارت وزيرة الخارجية الأمريكية ساحة التحرير في مصر رفض المسؤولون الشباب مقابلتها...وأمريكا تحاول مغازلة الجميع.ولكن القتل المجرم الذي مارسه نظام القذافي ضد شعبه بإعلانه عن قتل الجرذان فردا فردا وبممارسته هذا الإعلان وباستخدام الطيران والسفن الحربية والدبابات والمدفعية في قصف المدن..برر التدخل الأوروبي الأمريكي وأعطاه طابعا إنسانيا ...إننا إذ نرفض الهمجية في تصرفات السلطات العربية نرفض التدخل الأجنبي وهذا كما تبين في التجربة الليبية له شروطه..فعلى السلطات أن لا تسمح بتدخل الأجنبي وإذا تدخل فهي مسؤوليتهم الحصرية.وما ينطبق على ليبيا ينطبق على البحرين..إن درع الجزيرة موظف لمواجهة أي اعتداء خارجي على دول الخليج وهذا هام ولكنه غير موظف لقمع تحركات الشعوب من أجل تطوير أنظمتها السياسية..وعلينا أن نذكر أن كافة التدخلات العسكرية لبلدان عربية في شؤون البلدان العربية الأخرى باءت بالفشل وارتدت سلبا على المتدخلين...في اليمن..وفي الكويت..وفي لبنان...الخ ونعتقد أن المتضرر الوحيد من هذا التدخل هو النظام السعودي.الذي تنتشر فيه المظاهرات وتتسع رغم فتح خزائنه وكنوزه.
6- إن قضية التغيير كما ذكرنا في مقدمة بحثنا بدأت تفرض نفسها على منطقتنا العربية ولا يوجد أحد كائنا من كان قادر على إيقافها...وعلينا جميعا أن نساهم في إنجازها بأكبر حجم من القوى السياسية وبأقل الخسائر البشرية.

20 / 3 / 2011 سكرتاريا هيئة الشيوعيين السوريين













قراءة في التقرير العام لمجلس اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين / قاسيون/
الياس دبّانة
عقد بتاريخ 26/11/2010 الاجتماع التاسع للرفاق في اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين ، وقدم الرفيق د. قدري جميل تقرير مجلس اللجنة الوطنية عن الفترة الفاصلة بين الاجتماعين الوطنيين ، واعتبر هذا التقرير وثيقة أساسية من وثائق الاجتماع وأوصى بتعميمه و دراسته في الهيئات المختلفة وإقامة ندوات حوله حسب ما ورد في جريدة قاسيون العدد 480 السبت في 4 ك1 2010 .
لذلك فإن مناقشة التقرير أمر هام وضروري من وجهة نظري في التعامل والتعرف على لون من ألوان الخطاب الماركسي المطروح في الساحة السورية.
يبدأ التقرير باستعراض الأسباب التي أدت إلى نشوء تيار وحدة الشيوعيين وكانت برأيه : نتيجة للانقسامات ، ولأن وحدة الشيوعيين هي إحدى الركائز الهامة للوحدة الوطنية . ولأجل عودة الحزب الشيوعي إلى الجماهير وللتعبير عن المستقبل الذي يحمل انتصارات واعدة ضد قوى الشر والعدوان الرأسمالي".. انتهى كلام التقرير
هنا يمكن الوقوف عند نقطتين : 1- لأجل عودة الحزب الشيوعي إلى الجماهير . هذا الخطاب وبهذه الطريقة يضع ستاراً على الأزمة التي وجدت داخل الحزب ولا تزال تفعل فعلها. ويلغي كل عمليات البحث والتقصي عن فعل الأزمة في تاريخ الحزب التي جرت وتجري. الأهم من ذلك فإن هذا الخطاب يلغي حقيقة أن المثل الأعلى للحزب المنوي إيجاده هو في المستقبل وليس في الماضي. 2- فكرة أن المستقبل يحمل انتصارات واعدة ، هذا المنطق منطق (حتمي ميكانيكي) حيث يعتبر أن التاريخ يسير باتجاه معين ، والمستقبل يحمل حتميات معينة ستحدث. لأن المستقبل هو نتيجة الصراع والفعل الذي يحدث الآن ، والذي نوجده نحن من خلال أفعالنا الواعية . وسنلاحظ تكرار هذه العقلية في فقرات قادمة من التقرير.
ويستمر التقرير بالتطرق إلى الأسباب التي أدت إلى ظهور اللجنة الوطنية من حيث انسداد الأفق أمام النظام الرأسمالي وتحسباً للانفجار القادم للأزمة الرأسمالية العالمية . ولخبرة الشيوعيين المتراكمة كانت تتطلب هذا الوليد الذي يحمل أحسن ما في الماضي من ميزات ، والقادر على تجاوز البالي منه وإبداع الجديد الراسخ إلى الأمام على الأرض.. انتهى كلام التقرير
تصوروا هذا الشعور العالي بالرضى عن النفس واحتكار الحقيقة في واقع هو أصعب وأعقد بكثير من هذه اللهجة المتعالية والمتعجرفة.
ويتابع التقرير بعدها وينتقل إلى لغة الأرقام بأنهم حققوا التزامهم في الاجتماع الوطني الثامن بالوصول إلى عشرة آلاف ناخب في اجتماع يزيد عن 300 رفيق ورفيقة .. انتهى كلام التقرير
برغم معرفتنا بحقيقة هذا الحشد وهذا الرقم - لن نخوض فيه كثيراً- لابد من تأكيد حقيقة مفادها أن الجمهور الشيوعي في سوريا هو جمهور واسع ، وأن ظهور الحشد سواء في اجتماع اللجنة الوطنية أو في الذكرى 85 لتأسيس الحزب ، أو في ذكرى الجلاء لدى أم عمار ليس مرتبطاً بهذه الفصائل ، بقدر ما أن هذه الفصائل الشيوعية تشكل متنفساً له (للجمهور) آمناً . والدلالة على ذلك هو عدم قدرة هذه الفصائل على قيادة هذا الحشد في معارك الدفاع عن الجماهير.
على المستوى المعرفي النظري: يتابع التقرير تبجّحه المعرفي بالقول أن أبحاثه حققت إنجازات مهمة على المستوى المعرفي النظري سمحت بتكوين تلك الرؤيا الضرورية التي يمكن اعتبارها تاريخياً تلك الحلقة الضائعة بين النظري العام الصالح لكل زمان ومكان وبين السياسي الجاري.. انتهى كلام التقرير
النظري العام الصالح لكل زمان ومكان .. هل توجد نظرية صالحة لكل زمان ومكان؟!
يتابع التقرير: إن عناصر رؤيتنا التي تكونت خلال السنوات السبع الماضية معروفة ويمكن تلخيص أهمها: أ- الأزمة في الحركة الشيوعية السورية هي امتداد وتعبير عن الأزمة في الحركة الشيوعية والثورية العالمية منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1965 (التاريخ الصحيح للمؤتمر العشرين هو 1956 ، وقد وردت خطأ في التقرير).. انتهى كلام التقرير
هل صحيح أن الأزمة بدأت في عام 1956 ؟ ألم تكن ثورة أكتوبر بذاتها في أزمة عندما لم تستطع الثورات الاشتراكية في أوربا الانتصار وتقديم الدعم والعون للثورة الروسية المعزولة.. على خلاف توقعات لينين وتروتسكي بأن الثورة البلشفية سيمتد لهيبها ليشمل أوربا بأكملها . ألم تأتي الحرب الأهلية التي حدثت بعد ثورة أكتوبر على الطبقة العاملة وعلى التطور الصناعي في روسيا. إن الخلافات الحادة داخل القيادة البلشفية والتي أخذت طابعاً عنيفاً وتصفيات جسدية .. وتعثر البناء الاشتراكي ونظرية الاشتراكية في بلد واحد قادت إلى انهيار التجربة الاشتراكية برمتها عام 1990 . أليست هذه دلائل دامغة على وجود أزمة في الحزب الشيوعي السوفييتي سابقة للمؤتمر العشرين ، أم أن الأزمة بدأت مع محاكمة ستالين في ذلك المؤتمر..حسب رأي التقرير.
أيضاً في الحزب الشيوعي السوري، صحيح أن أزمته كانت امتداداً وتعبيراً عن الأزمة في الحركة الشيوعية العالمية ، ولكنها كانت قبل ذلك التاريخ. وهذه الأزمة أنتجت أزمات في الحزب الشيوعي السوري من الموقف من مؤتمر زحلة إلى الموقف من الاستعمار الفرنسي إثر انتصار الجبهة الشعبية في فرنسا 1936 ، إلى الموقف من مشروع تقسيم فلسطين ، إلى الموقف من البورجوازية الوطنية ، والموقف من قضية الوحدة العربية، الخ..
إن موقف التقرير من أزمة الحركة الشيوعية العالمية والسورية هو موقف تبسيطي . والمشكلة أن هذا الموقف بحد ذاته سيعيد إنتاج أزمات في الحزب في حالة سريانه ، وسيبقي الحركة الشيوعية في البلد تدور حول نفسها.
نعود إلى التقرير الفقرة الثانية، 2- الأزمة هي تعبير عن تغير تناسب القوى مع العدو الطبقي وليس العكس إن كان على المستوى الكلي أو الجزئي ، الانتهازية والتحريفية استولت على قيادة الحركة الشيوعية العالمية دون إعلان على أرض الواقع.. 3- يتابع التقرير: أدى ذلك إلى انسداد أفق مؤقت أمام الحركة الثورية العالمية .. انتهى كلام التقرير.
يفهم من هذا الكلام أن تغير تناسب القوى أنتج الأزمة وليس العكس ، أي أن الأزمة لم تنتج تغير في تناسب القوى. لكن وفي سياق التقرير يرد أن سيطرة الانتهازية والتحريفية أدت إلى انسداد أفق الحركة الثورية. يعني أن الأزمة أنتجت تغير في تناسب القوى ، وهذا تناقض في الكلام . فمن جهة أن الأزمة بدأت عام 1956 ولم تكن موجودة من قبل ، وأن الأزمة ناتجة عن تغير في تناسب القوى لا أكثر ولا أقل ، ومن جهة ثانية نجد إقراراً بدور الأزمة في تغير تناسب القوى. لا شك أن العلاقة بين الأزمة وتغير ميزان القوى هي علاقة معقدة ومتداخلة وليست أحادية الجانب كما ورد في التقرير.
يتابع التقرير حديثه في الفقرة الرابعة أن الأزمة الرأسمالية عميقة ومتصاعدة وستولد حروباً متعددة.. وفي الفقرة الخامسة يتحدث التقرير عن أن منطقتنا أحد مراكز التغيير الأساسية ليصل في الفقرة السادسة إلى القول: كل ذلك يتطلب تفكيك المنظومة الثنائية الوهمية معارضة- نظام من أجل وضع الصراع على سكته الوطنية الحقيقية... انتهى كلام التقرير.
أود الوقوف عند مفهوم : ثنائية معارضة- نظام الوهمية . صحيح أنه يوجد في النظام قوى لها مصلحة في موقف وطني - اجتماعي وحتى ديمقراطي . وبالأساس هذا الاتجاه في النظام هو قاعدته الاجتماعية الواسعة التي أعطت شرعية للنظام عبر تاريخه ، والتي استندت أي الشرعية على قانون الإصلاح الزراعي والتأميمات والموقف الوطني المعادي للإمبريالية والصهيونية..كذلك في المعارضة توجد قوى لها نفس المصلحة . وأيضاً توجد في النظام قوى ليبرالية وفي المعارضة أيضاً توجد قوى ليبرالية . لكن لا نستطيع أن نلغي حقيقة أن القوى الليبرالية في النظام والتي تشكلت عبر تاريخه من خلال نهب القطاع العام وانعدام الديمقراطية تستخدم أجهزة الدولة في فرض التحولات الليبرالية ، وتقمع الحريات العامة لمنع الجماهير الواسعة من الدفاع عن مكاسبها المحققة سابقاً. وعملياً فإن النظام يتخلى الآن عن القاعدة الاجتماعية العريضة التي دعمته وشكلت قاعدة له من عمال وفلاحين ومختلف فئات الكادحين . لذلك فإن منظومة نظام- معارضة هي منظومة واقعية وموجودة . وحتى تصبح وهمية فذلك يحتاج إلى نضال جدي وحقيقي. علماً أنه في كل الأنظمة ، وعبر التاريخ توجد معادلة نظام- معارضة على اختلاف تجلياتها . والعمل السياسي والصراع الاجتماعي يسعى إلى تفكيك هذه المنظومة وجعلها وهمية . ولكن طرحها في التقرير يصب عملياً في خانة إعادة إنتاج الوضع الحالي للنظام . فتوجهات الفصيل صاحب التقرير(قاسيون) تصب في إطار الجبهة والتوحيد دون قيد أو شرط .. بينما العلاقة مع القوى خارج الجبهة خاصة مع تجمع اليسار الماركسي (تيم) والذي يطرح القضايا الثلاث : الوطني - الاجتماعي-الديمقراطي فهي مقطوعة! أليست هذه نسخة من نسخ العقلية البيروقراطية التي تطرح شيئاً وتمارس نقيضه!
يتابع التقرير تحت عنوان : أيها الرفاق والرفيقات ، ومن جملة ما يقول: من هنا توصلنا إلى استنتاج جديد يتطلب وقتاً إضافياً وجهداً كبيراً العمل عليه . وهو أن التقدم اللاحق للحركة الثورية العالمية التي نحن جزء صغير منها ، ولكن جزء منها بكل الأحوال .. يتطلب نفض الغبار عن تلك المنصة المعرفية التي انتهى عندها آخر الثوريين المنتصرين في أواخر النصف الأول من القرن العشرين.. انتهى كلام التقرير .
ما هي هذه المنصّة المعرفية الجديدة؟ .. واضح أنها وردت في العدد 479 من جريدة قاسيون تاريخ السبت 27/11/2010 صفحة كاملة هي ص 11 بعنوان عريض ومتفائل: "كفى تضليلاً وتشويهاً وكذباً .. الكلمة الآن للرفيق ستالين" ..
بعد كل الانهيارات وكل الذي جرى ، وكل الذي نحن فيه جاءت الحقيقة ومعها الخلاص!
ويتابع التقرير : لقد أصبح أمام اليسار الماركسي الشيوعي مهمة لا تقبل التأجيل، مهمة خوض المعركة دفاعاً عن الماضي بمحصلته الإيجابية، تحضيراً للمستقبل . وهذه المهمة هي ورقة عباد الشمس التي تفرز اليساري الحقيقي الماركسي عن غيره..انتهى كلام التقرير.
يجب إذاً توجيه المعرفة دفاعاً عن الماضي ، فالمعرفة والثقافة ملك السياسي، ونتاج قراراته وأوامره. أليس ذلك من باب القلب التعسفي للعلاقة بين المعرفة والسياسة ! فعندما تكون السياسة نتاج المعرفة ، أليس ذلك أصح وأفضل من كون المعرفة نتاج للسياسة تأتي لتبررها ؛ هذا منطق أناس يتلطّون وراء مصالح اقتصادية اجتماعية.
يتابع التقرير: لذلك يتطلب الأمر تنشيط العمل البحثي والإعلامي والعلمي في اتجاهين ؛ اتجاه تاريخ الحركة الشيوعية العالمية . وتاريخ الحركة الشيوعية السورية.. انتهى كلام التقرير
كل الأبحاث والدراسات التي أجريت في هذا المجال تم شطبها بجرة قلم.. ومع ذلك يتابع التقرير كلامه في الفقرة رقم 2 : على مستوى الأزمة الرأسمالية العالمية : بعد الحديث عن الأزمة والاكتشاف المبكر للأزمة يصل التقرير إلى التنبيه من خطرين: أ- اعتبار الأزمة دورية ب- اعتبار البدائل غير جاهزة .
وفي سياق العرض يصل التقرير إلى استنتاج أن البدائل لا تظهر في بداية الأزمة ، بل تظهر في نهايتها كما تدل التجربة التاريخية.. انتهى كلام التقرير.
بالنسبة للفقرة الثانية ما هو الفرق بين اعتبار البدائل غير جاهزة وبين الادعاء بوجود بديل ؟! أليس في منطق الاستنتاج بأن اعتبار البدائل غير جاهزة نوع من المنطق التكفيري . وهذا المنطق أصلاً يحمل صفة دعائية لفصيل يدعي بأنه بديل ثوري، أكثر منه استنتاجاً علمياً شفافاً .
أيضاً هناك فكرة وردت في الفقرة الثانية ذاتها تقول أن البدائل لا تظهر في بدايات الأزمة ، بل تظهر في نهايتها كما تدل التجربة التاريخية كما يدعي التقرير. ألا تحمل هذه الفكرة طابعاً حتمياً ميكانيكياً كما تحدثنا في بداية المقال . لذلك جرى ترحيل البديل إلى مراحل متقدمة من الأزمة لإكمال مسرحية تحضير البديل.
إن تاريخ الثورة البلشفية لا يتوافق مع هذا الجدول الدوري للعناصر.. فلينين استند في نظريته للثورة على منهج ديالكتيكي وقدم تنظيماً سياسياً ثورياً لا تنظيماً جامداً مصنوع دفعة واحدة بقرار بيروقراطي من قبل الأمين العام الموجود بطريقة قَبْليّة.
ونصل أخيراً إلى الفقرة 6 - حول وحدة الشيوعيين، يقول: توثقنا عند مرجعية الجهة صاحبة الصلاحية في توقيع بلاغ الإعلان عند انتهاء الحوار وهو أن يجري التوقيع في اجتماع مشترك لمجلس اللجنة الوطنية -اللجنة المركزية .. انتهى كلام التقرير.
هناك تغير في الطرح من وحدة دون قيد أو شرط إلى وحدة تنظيم -تنظيم.
لقد تكونت خلال تاريخ الحزب الشيوعي السوري فئة بيروقراطية ،. هذه الفئة نشأت تحديداً من خلال علاقة الحزب بالحركة الشيوعية العالمية وخصوصاً الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق. تمتعت هذه الفئة بعطايا الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية . لم تقف العلاقة عند امتيازات بل تعدتها إلى علاقات اقتصادية وتجارية. وتعزز دور هذه الفئة أكثر من خلال وجودها في قيادة الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا . لكن بعد انهيار التجربة السوفياتية لم يبق لهذه الفئة من امتياز سوى وجودها في الجبهة الوطنية تحمي نفسها بها وتحمي علاقاتها الاقتصادية والتجارية ورصيدها المالي الهزيل. وعلى هذا الأساس انقسمت هذه البيروقراطية إلى ثلاث فئات : 1- فئة أولى ورثت أموالاً لا بأس بها تركزت في شخص بعينه ، لهذا السبب أصرّت هذه الفئة على توريث القيادة لضمان نقل الأموال والعقارات . فحصرت الوراثة بالعائلة وتقوقعت على نفسها 2- فئة ثانية لفظتها الفئة الأولى لخوفها من المزاحمة ، ولضمان التوريث والتحقق من عدم وجود منافسين أقوياء . وهذه الفئة تتمتع بعلاقات تجارية واقتصادية مع الدول الاشتراكية السابقة ومع الدولة في سوريا وقد حافظت على مسافة قريبة من الجبهة . 3- فئة ثالثة لم يبق لها سوى وجودها في الجبهة ، لذلك اعتمدت على توسيع الهامش الديمقراطي لاستيعاب الرفاق الذين رفضوا واقع الفئة الأولى والثانية. وتعتمد ديمقراطيتها على مبدأ: قل ما تريد ونحن نفعل ما نشاء!
الآن تريد الفئة الثانية ابتلاع الفئة الثالثة لتقريب مسافتها (الثانية) من الجبهة (أي لتقتنص حصة الفئة الثالثة في الجبهة) إضافة إلى البزنس . كما أنها تحاول اختراق الفئة الأولى من خلال المنصّة المعرفية الجديدة ؛ الطرح الستاليني الذي اكتشفته الفئة الثانية مؤخراً ، خاصة وأن فضائح وروائح الوريث في الفئة الأولى قد فاحت وزكمت أنوف حتى المقربين !
لذلك فإن الخطاب المطروح من قبل هذه الفئة ، مضافاً إليه الاستعراضات والاجتماعات الواسعة والتلطي وراء أرقام وهمية تنظيمية لم تستطيع في الأعوام السابقة إنشاء تنظيم يستطيع أن يوحد الشيوعيين بسبب العقلية البيروقراطية ومحاولة إعادة إنتاج الماضي الشيوعي بصيغ وبهلوانيات سياسية وفكرية. خاصة وأن جميع هذه الفئات البيروقراطية والتي حق عليها القول ، لا تستمر إلا بقوة الظروف السياسية السورية غير الصحيحة أو نتيجة تغييب الحياة السياسية السليمة.
















الملفّ السياسي




























أفكار من أجل تحويل
تجمع اليسار الماركسي في سوريا (تيم) إلى حزب موحد













أفكار من أجل تحويل تجمع اليسار الماركسي في سوريا (تيم) إلى حزب واحد
لجنة التنسيق للحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)- نيسان 2010
أتى تأسيس تيم على خلفية أزمة اليسار الماركسي في سوريا بشقه المعارض والآخر الذي كان متحالفاً مع السلطة، حيث تحولت أقسام كبيرة في(الحزب الشيوعي – المكتب السياسي) و(حزب العمل الشيوعي) من الماركسية باتجاه الليبرالية والمراهنة على المشروع الأميركي ابتداءً من عام 2003،وهو ما أدى إلى حالة ضعف وتشتت أصابتا من عارض هذا الاتجاه في الحزبين أوفي الجسم العام لهذين الحزبين (حيث لم يكن هناك حدود واضحة في مرحلة ما بعد الخروج من السجن بين من هو في التنظيم وبين من هو حوله أو محسوب عليه)،الشيء الذي دفع إلى التفكير بأن لا مستقبل منفرداً لأي تنظيم ماركسي وإنما هناك مستقبل جماعي ، ثم تزامن و ترافق مع هذا الاتجاه،عند من حافظ على ماركسيته في الحزبين المذكورين،بوادر حصول تداعيات أزمة التنظيمات الماركسية المتحالفة مع السلطة(فصيلي بكداش ويوسف فيصل) أو التي حولها(جماعة قدري)بعد ثلث قرن من عمر"الجبهة الوطنية التقدمية"،وهو ما أدى إلى تلاقي،كان غير مسبوق منذ السبعينيات،بين هاتين الضفتين الماركسيتين ،ثم ليتلاقى معهما ماركسيون مستقلون وحزب ماركسي كردي كان هو الوحيد الذي حافظ على ماركسيته في الوسط السياسي الكردي السوري الذي أصبح غالباً فيه،في مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق، الاتجاه المراهن على المشروع الأميركي حيث تلاقى مع رديفه السوري الآخر ليشكلا"إعلان دمشق"في خريف عام2005.
بدون هذه الخلفية لا يمكن تفسير المفاوضات التي استغرقت عاماً ونصف عام قبل وصول هذه الأطراف جميعاً في يوم20نيسان2007إلى توقيع "الوثيقة التأسيسية" لتيم. طبعاً كان هناك أسباب أخرى،اجتمعت مع المذكورة أعلاه، تمثلت في إحساس هذه الأطراف بأن هناك وظيفة للتيار الماركسي لا يوجد بديل عنه للقيام بها، تتمثل في اجتماع المهمات الثلاث في رزمة واحدة:(الوطنية- الديمقراطية- الاقتصادية الاجتماعية)في بلد محاط بقوتين محتلتين (أمريكا وإسرائيل) ويعيش أزمة تداعيات فقدان الديمقراطية لحوالي نصف قرن من الزمن ويتجه نحو فرز طبقي حاد إثر تحولات اقتصادية اجتماعية بدأت تترجم نتائجها الطبقية مع كل ما هو متوقع من ذلك أيديولوجياً وسياسياً وعلى صعيد التشريع في المستقبل المنظور.
هذا الوضع هو الذي يحدد الوظيفة الخاصة لليسار الماركسي،والذي لا يستطيع أحد غيره أن يقوم بها من التيارات الأخرى،وهو شيء كان مفتقداً في بلدان عربية أخرى ،والتي إما شهدت مراهنات أحزاب شيوعية على المشروع الأميركي(العراق)أو انخرط الشيوعيون في تحالفات أفقدتهم دورهم الخاص المميز(السودان)أو عاشوا الضعف(لبنان- الأردن)أو الاضمحلال السياسي والتنظيمي(الجزائر – تونس- فلسطين)،فيما في سوريا مازال التيار الماركسي ،رغم التشتت التنظيمي،رقماً قوياً في الساحة السياسية (والفكرية- الثقافية)وهو شيء لم يفقده منذ عام1954.
عاش تيم ،في السنوات الثلاث الماضية من عمره، تجربة مميزة من حيث حالته الديمقراطية الداخلية وكانت قدرته عالية على التوافق في القرارات وتجاوز الأزمات بين مكوناته وأطرافه،وهو ما تفتقده بالسنوات الخمس الماضية كل التحالفات السياسية السورية الأخرى،كما أنه أثبت فعالية وديناميكية في التلاقي والتعامل مع التيارات الأخرى من أجل تشكيل تحالفات جديدة مثلما جرى في تجربة المفاوضات نحو تكوين(الخط الثالث) الذي يراد له أن يكون جامعاً بين التيارين الماركسي والقومي (عند القوى السياسية العربية والكردية)على خط وطني – ديمقراطي.
هذه التجربة من عمر تيم تجعل مشروعاً التفكير في تطويره باتجاه الطموح إلى حزب واحد يجمع أطرافه كلها ومن يمكن أن يضمه تحت خيمته عندما تتفاقم أزمة فصائل (بكداش- يوسف فيصل - قدري)وعندما تتفاقم تداعيات تراجع المشروع الأميركي ومراهنيه الليبراليين الجدد بكل ما يعنيه هذا التحول من العودة مجدداً لوقوف اليسار السوري مجدداً على قدميه بعد التأثيرات القاسية التي قاربت حدود التدمير الناتجة عن الانهيار السوفيتي وعن ما استتبعه من ارتدادات وتحولات كان أحدها المراهنة القوية الاتساع في الأوساط الماركسية السورية تحت ثوب الليبرالية الجديدة على المشروع الأميركي.
هنا،يمكن أن يعترض البعض بأن تيم لم يقدم نتائج ملموسة على الصعيد العملي،وهذا صحيح،إلا أن هذا الرأي لا يأخذ بعين الاعتبار حالة الصمت عن السياسة في المجتمع السوري ،التي لا تتيح الآن مجالاً للعمل السياسي المباشر. من هنا،وفي هذا الإطار تنبع انجازات تيم المتمثلة أولاً في تكوُنُه بهذا الظرف القاسي كمبنى سياسي ثم في فرض نفسه كرقم لا يستطيع أحد تجاهله في الخريطة السياسية السورية وبعد هذا في طرحه ذلك الثالوث السياسي كخط متميز داخل اللوحة السياسية.
بمعنى آخر،لا تنبع قيمة تيم من ما قدمه على الصعيد العملي،وإنما من المعاني السياسية لنشوئه كتيار وكخط يحوي مشروعاً مستقبلياً. لهذا فإن التفكير في تطوير هذا المبنى السياسي وإكسائه وتمتينه سياسياً يحوي الكثير من المشروعية ومن الأسس الراسخة.
السؤال الآن هو:ما هي خريطة الطريق إلى تحقيق ذلك؟ في هذا المجال يمكن أن يتم طرح العديد من القضايا والمشكلات:
1- هناك الكثير من قضايا الخلاف التي تم التعايش معها في تيم خلال السنوات الثلاث الماضية:(حول الماركسية- تاريخ الحركة الشيوعية العالمية والمحلية - طبيعة وتحالفات مرحلة الانتقال نحو نظام ديمقراطي حيث برزت الخلافات حولها من خلال"مشروع المهمات المرحلية"- الموضوع الإيراني- المسألة الكردية، الخ.. ):هل يمكن التعايش مع هذه الخلافات داخل حزب موحد أم يجب تقريب وجهات النظر حول هذه القضايا ليكون هذا التقريب هو وقود عملية توحيد تيم؟
2- إذا تم اختيار طريق التعايش والتساكن مع قضايا الخلاف هذه وترحيلها إلى الحزب الموحد،فهل سيكون هذا الحزب آلة متينة قادرة على حمل المهمات السياسية المطروحة ،أم أنه سيكون آلة سريعة العطب عند أي منعطف مفصلي أو استحقاق سياسي مهما كانت الديمقراطية الداخلية متوفرة لمن سيكون أقلية تنظيمية في هذه القضية أو تلك،حيث أن كل حزب يجتمع أعضاؤه تحت خيمته عندما تتوفر ثلاث مقومات يتفقون عليها،وهي(منهج تحليلي فكري للظواهر الاقتصادية الاجتماعية السياسية الثقافية- خط سياسي- مفهوم للتنظيم).في الحقيقة إن تلك القضايا الخلافية داخل تيم هي شاملة ومخترقة ومتخللة لهذه المقومات الثلاث: ما العمل؟
3- من الضروري في هذا المجال البحث عن آليات تستطيع أن تجعل تيم يواجه بنجاح هذه المعضلة ويتجاوزها أثناء عبوره طريق الانتقال من تجمع إلى حزب واحد:كيف ذلك،وما هي المقترحات؟....
4- هنا: هل تحتاج المهمات المطروحة،أمام عملية نقل تيم إلى حزب موحد،إلى رسم معالم مرحلة انتقالية،محددة القوام والزمن، بين (التجمع) و(الحزب)؟.



حول وحدة تيم
مركزية هيئة الشيوعيين السوريين
أوائل حزيران2010
الرفاق الأعزاء
اطلعت مركزية هيئة الشيوعيون السوريين في اجتماعها المنعقد أواخر أيار 2010 على تطورات العمل الهادف إلى الانتقال من التجمع القائم إلى الحزب المنشود, وهي إذ تابعت نشاط رفاقنا ممثلينا في قيادة التجمع. فإنها ناقشت الأفكار الواردة في الورقة المقدمة من رفاقنا في المكتب السياسي ومن الرفيق نذير جزماتي.. وأيضا قرار اللجنة التنفيذية بالطلب إلى جميع الفصائل المنضوية في تيم بإرسال آرائها مكتوبة كي تتوضح مساحات الاتفاق ومساحات الخلاف ليتم تجاوزها ......وهي تتبنى المقدمة المسجلة في ورقة رفاقنا في المكتب السياسي وتنظر باهتمام إلى نقاط الخلاف التي أثارتها الورقة.وكذلك الاستنتاجات التي وصلت إليها ورقة الرفيق نذير المحترم فهي ترى:
1"- أولا وقبل الدخول في المناقشات وعرض رأينا لا بد من التأكيد أن أحدا في تجمع اليسار لم يطرح مسألة السلطة كمهمة آتية.وأن الجميع متفق على المهمة الآنية وهي التغيير الديمقراطي التدريجي السلمي..لذلك نرى الاستنتاج الأول الذي وصلت إليه ورقة الرفيق نذير جاء استنتاجاً منطقياً فرضته طبيعة الورقة النظرية المقدمة.
والآن وجدنا من المفيد أن نجيب على سؤال: ما هي العوامل السياسية والفكرية والمجتمعية التي تتطلب منا الانتقال نحو الحزب. أي هل هناك ظروف موضوعة ضاغطة من أجل وجود حزب فاعل أم إنها رغبة ذاتية لمجموع الفصائل لا تنسجم مع طبيعة الحياة السياسية وتصطدم بها؟
وحتى نستطيع الإجابة عن السؤال نرى أنه من المفيد طرح السؤال التالي: ما هو الوضع الحالي؟ يتميز الوضع الذي نراه الآن كما يلي :
أ‌- هزيمة الأحزاب والبرامج السياسية الكلاسيكية وابتعادها عن الشارع مما أدى إلى ظهور صراعات وعلاقات ما قبل سياسية خطيرة على مستقبل بلادنا وأفقد الجمهور الثقة بالأحزاب القائمة
ب‌- سيادة عبادة الفرد أو عقلية الإقطاع السياسي على الفصائل القائمة مما أدى إلى إلغاء أو تهميش دور المؤسسات وبالتالي إلى تراجع أداء الأحزاب القائمة وعدم قدرتها على التعامل مع مجمل التطورات الجارية في المجتمع وعلى المستوى العربي والعالمي وبكلمة فإن شكل إدارة المؤسسات الحزبية القائم أدى إلى تخلفها وتبعثرها...
ج- فقدان القدرة على الحوار أي إبعاد أي حوار ديمقراطي شفاف وسيادة فكرة "القائد" وإلغاء أو إقصاء الرأي الآخر فلا توجد أي أقلية في صفوف الغالبية المطلقة من الأحزاب القائمة في سورية
د- اعتماد غالبية الأحزاب والتجمعات القائمة في سورية سياسة الاقتصاد الحر في توجهها الاجتماعي مما أضعف الصراع الاجتماعي في البلاد وسهل نمو أمراض الأنظمة الرأسمالية. في بلادنا بشكلها الأكثر تخلفا واستبدادا ومن هذه الأمراض: -ازدياد الفساد+ زيادة أعداد ونسب العاطلين عن العمل – التناقض الصارخ بين الأجور والأسعار...تدني مستوى التعليم وخصخصة نسب من العملية التعليمية والهجوم اللاأخلاقي على المكتسبات السابقة مثل تعديل قانون العلاقات الزراعية.وتعديل قانون العمل ,ويطرح الآن على لسان نائب رئيس مجلس الوزراء تعديل قانون العاملين الموحد...الخ
وشكل هذا التوجه لوحة اجتماعية وسياسية جديدة لم تستطع القوى السياسية الانتباه لها وقد تكون تجاهلتها بسبب مواقفها ومنطلقاتها الجديدة. وهكذا فقد طرحت شعارات كبيرة- ديمقراطية. تحرير الأجزاء المحتلة من الوطن..إنجاز مهام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية. دون قاعدة اجتماعية تحمي هذه الشعارات
هـ - غياب الرؤية اللإانتقادية عند الأحزاب فقيادات الأحزاب متعايشة مع سياستها رغم انتقاد وانفضاض الناس عن هذه السياسة...ورغم تخلي كوادر غالبية الأحزاب عن أحزابها..
ن- نمو وسيادة التيارات الانتهازية داخل أحزاب الجبهة والانتقال إلى سياسة تبريرية وتعايشها مع الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية ورغم تناقضها مع مبادئها ومع برامجها وتأقلمها مع سيادة الاستبداد.
و- كل هذه الأمور هي نتائج استمرار العمل بقانون الطوارئ. والأحكام العرفية المفروضين منذ عقود طويلة. ورفض الدولة لأي نشاط سياسي مخالف أو معارض لرأيها والاضطهاد اللاإنساني الذي يتعرض له المناضلون الوطنيون.
رفض الآخر وعدم التعامل معه.
وأدى كل ذلك إلى بعثرة القوى والتيارات السياسية إلى فصائل وفرق وأفراد وابتعاد الحياة السياسية عن المجتمع كما ذكرنا
هذه العوامل التي نرى أنها ضاغطة على العمل السياسي والتي تفرض الحياة على كافة القوى السياسية الحية التعامل معها بجدية وتحديد أولويات تنسجم والخروج من هذا الواقع والانتقال إلى واقع سياسي واجتماعي جديد
ونحن نرى أن المهمات الآتية الملحة تتحدد بـ:
1"- العمل من قبلنا على إنهاء بعثرة القوى السياسية والانتقال لحزب من طراز جديد هو لا يشبه في بنيته وسياسته الأحزاب القائمة, مستفيدا من أخطائها في البناء التنظيمي,وفي التكتيك السياسي, وفي التعاطي مع الآخر تبعية أو إلغاء 0
ونعتقد أن تجمعنا القائم هو التجمع الوحيد في سورية القادر على تنفيذ هذه الخطوة انطلاقا من مقدمة الرفاق في المكتب السياسي.وإذا استطعنا الانتقال سيكون لنا شرف الريادة في التأسيس للعمل السياسي اللاحق.
والانتقال يتطلب مجموعة أسس هي في جوهرها تطوير وتثبيت لما نعمل به:
أ‌- الاتفاق أن الحزب القادم لن يكون موحدا في السياسة والفكر والتنظيم لا الآن ولا لاحقا – لذلك المطلوب استمرار الحوار في قضايا الخلاف واعتماد حرية النشر داخل مؤسستنا الحزبية اللاحقة للأفكار المتحاورة بدلا من المتصارعة والالتزام بقرار الأكثرية وخصوصا في المهام السياسية
ب‌- البدء بالعمل على تنفيذ المهام السياسية الملحة والمتفق عليها, ووضع برنامج آني أي العمل على تنفيذ المهام الضاغطة التي تستوجب التنفيذ0 ودفع جميع الرفاق للعمل على تنفيذها لخلق تاريخ نضالي مشترك يساعد في بناء وترسيخ الحزب , واختيار المهام المطلوب العمل عليها بشكل تكون مقبولة من داخل الحزب وداخل الأحزاب الأخرى ومرتبطة بحياة الجماهير مباشرة.
- تحديد القضايا المختلف عليها والتي ليست آنية التحقيق والتي لسنا قادرين نحن على تحقيقها ودفعها للحوار وإيجاد أفضل أشكال الحوار وتسجيل ما يتم الاتفاق عليه.ومتابعة الحوار وفي كل فقرة مثلا:
1"- المقاومة:- اعتماد مبدأ المقاومة التي هي الشكل الوحيد لإنجاز مهام التحرير وبناء الدولة وترك القضايا الأخرى للحوار مثلا الموقف من السياسة الإيرانية أو من حزب الله أو من حماس أو من أشكال المقاومة الوطنية المعادية للمحتل الأمريكي في العراق للحوار وإصدار أفكار عامة لا تضعف المقاومة ولا تعزلنا عنها مثلا الانتقال من المقاومة الفئوية إلى المقاومة الوطنية الشاملة وتشكيل مجلس مقاومة في كل بلد. أما أكثر من ذلك فنحن غير قادرين عليه.
2"- مثلا القضية الفلسطينية هل يمكن أن تحل بدولتين.أو بدولة واحدة علمانية تضم العرب واليهود.وهل التفاوض على طريقة الرئاسة الفلسطينية تعتبر من أشكال الحل أم أنها تضعف الواقع القائم وتستبعد القضايا الرئيسية مثل عودة اللاجئين والقدس...الخ
3"- هل المطلوب التنسيق بين قوى المقاومة والممانعة واعتبار القوى السياسية العربية جزءا من قوى المقاومة أم المطلوب تحديد المهام كل في بلده
بالإضافة للكثير من القضايا المثارة مجال الخلاف والتي نستطيع أن نحدد رأيا أوليا فيها ولا نستطيع المشاركة في الحل.لذلك يجب ألا تكون قضايا خلاف
عندما نتحدث عن ذلك نستذكر الصراع القاسي الذي تفجر داخل الحزب الشيوعي السوري في بداية السبعينات. وأدى إلى انقسامه وإضعاف ثم إلغاء دوره وكان الصراع قد قدم القضايا الإستراتيجية على القضايا والمهام الآنية .ولم يعرف حركة المجتمع فلم يحل الصراع ولم يتدخل الحزب في شكل الحل الذي جاء مخالفا لكافة نقاط الصراع بين الطرفين
4"- وأيضا علينا أن نعترف أن الحوار في المجال الفكري سيبقى طويلا وشاقا وصعبا ليس بيننا في تجمع اليسار السوري بل فيما بين وداخل كافة التيارات الماركسية فالمخاض لا يزال يؤلم اليوم ولكنه سيؤدي إلى ولادة جديدة فيها أفضل جينات الماضي وقادرة على الحياة والفعل في الحاضر والمستقبل علينا أن نتابع الحوار بصبر وبأناة ونعتقد أن نموذج الندوات التي تدعو إليها هيئة تحرير (جدل) ثم الانتقال إلى وثيقة متوافق أو متفق عليها تمثل الشكل الأرقى للحوار...وهذا يتطلب التفاعل مع التيارات الماركسية داخل الوطن وفي المنطقة وفي العالم.علينا ألا نتشبث بآرائنا ولا نحول ذلك إلى صراع بل ندفعه للحوار ونناقش بهدوء .
5"- وهذا ما يجب أن يكون في تحديد مفهوم الحزب ببنيته الداخلية وشكل العمل بين هيئاته ومناضليه.
إن تحديد مثل هذه المهام تسمح لنا بوضع الحصان أمام العربة وليس خلفها بالإضافة للصعوبات المذكورة في ورقة الرفاق الملحوظة و في الحوارات الجارية ضمن اجتماع القيادة توجد صعوبات أخرى يمكن أن نسميها صعوبات النشوء أو التكوين. فقد تكونت ونشأت مجموعة فصائل وأحزاب من خارج الإطار التاريخي للحزب الشيوعي السوري.ونعتقد أن سبب تكون هذه الفصائل يعود لضعف دور الحزب التاريخي الناجم عن الأزمة العميقة التي كانت تعصف به.وبدل أن تبادر قيادة الحزب ثم قياداته المختلفة إلى الحوار مع الجديد حاربته واتهمته بكافة التهم وهكذا تكونت حالة من البناء الجديد المتصارع مع القديم..ونحن نقصد بتجربتنا حزب العمل الشيوعي ...ورغم التاريخ المتباعد والمتصارع فقد استطعنا التعايش وبناء تجمع هو الأكثر تماسكا في الحياة السياسية السورية والمهيأ لأن يكون أكثر فعالية...يجب أن نبقي على ذلك النجاح.
والفكرة ما قبل الأخيرة التي نود مناقشتها معكم تنطلق من سؤال من هي القوى والطبقات والفئات الاجتماعية التي تنسجم مصالحها النهائية مع تطوير المجتمع ومع الديمقراطية أي ما هو الحامل الاجتماعي للنهضة وللديمقراطية وللاشتراكية ؟؟ وبدون مناقشة الأفكار التي تطرح في الوسط الثقافي والنخبوي والوسط السياسي , والتي ترى أن الفئات الوسطى في بلادنا هي حاملة التطور, وأن هذه الفئات قد ضربت بفعل هيمنة العسكر على السلطات في العديد من البلدان.
نرى وفي ظروف بلادنا وانطلاقا من التجربة التاريخية المتراكمة أن الطبقة الوسطى قد لعبت دورها في فترة ما وأن دورها التاريخي قد انتهى أي أنها لم تعد قادرة على لعب الدور القيادي وإن الطبقات البرجوازية الكبرى بسبب طبيعة نشوئها ودورها في الإنتاج الصناعي , و بسبب شكل تراكم الثروة المرتبط بالفساد, ليست متضررة من النظام القائم وليست متضايقة من الأحكام العرفية وحالة الطوارئ. وبالمقابل فإن الطبقة العاملة وحلفاءها الكادحين و أحزابها والمثقفين التقدميين هم المعنيون بمسألة الديمقراطية والنهضة والتقدم.أي أن المهام التي فرضها التطور على البرجوازية في أوروبا في مرحلة تاريخية محددة من التطور لم تعد صالحة لتطور بلادنا ومجمل العالم الثالث بسبب طبيعة البرجوازية القائمة وشكل السلطات.ونعتقد أن أسباب الأزمة في هذه البلدان هو عدم وضوح هذه المهام وإرباك القوى الطليعية بسبب عدم فهمنا لطبيعة التطور الخاصة التي يجب أن تجتازها بلادنا ورسم السياسة والتحالف على أساسها وهذا ينسحب على دور الدولة في الصناعة الوطنية (أساس النهضة) ...الخ من المهام. وهذا يفرض أيضا وأيضا كما نرى وجود حزب مؤهل لحمل هذه المهام. وأخيرا في البناء الحزبي:- نحن نرى أنه من المفيد في الاتفاق على الانتقال التدريجي المتأني لبناء الحزب فالمطلوب أولا الاتفاق على نظام داخلي عن طريق فتح حوار عام حول شكل بناء هذا النظام ثم مواده وفقراته. وثم الاتفاق على اللجنة المركزية وفي المحافظات تشكيل لجان توحيد مهمتها التنسيق فيما بينها لتنفيذ المهام المكلفة بها.ثم تشكيل مكاتب مركزية مشتركة- ثم القيام بأعمال مشتركة تؤسس لتاريخ العمل اللاحق وعلى أرضية كل ذلك التحضير للمؤتمر التأسيسي وفي النهاية فإننا نقترح أن تعرض مجمل هذه الآراء أمام اجتماع الكادر القادم. ونحدد النقاط الرئيسية التي يجب نقاشها لإنجاز المهمة على أن تناقش في القيادة واجتماعات الكادر المتكررة. وقيادات الفصائل.















تيم ومشروع الحزب الموحّد
حزب العمل الشيوعي في سوريا

1 ـ لا ينشأ الحزب الشيوعي الموحد لمجرد أن ثمة من يريد إنشاءه، مدفوعا برغبته أو إرادته أو مصالحه الضيقة( سياسية كانت أو تنظيمية أو معنوية)، رغم أن هذا قد يلعب دورا ما ، إيجابيا أو سلبيا في هذه النشأة.
2 ـ وهو لا ينشأ أيضا لمجرد وضع خطط نظرية لنشوئه مهما بدت متقنة ومقنعة، رغم أن التخطيط ضروري تماما لهذه المهمة.
3 ـ وهو لا ينشأ كذلك لمجرد الاتفاق على الفكر أو الرؤية النظرية العامة التي هي بدورها ضرورية لبناء حزب شيوعي يستحق اسمه ( وما أكثر الأحزاب والجماعات التي ترفع اسم الحزب الشيوعي ، في حين لا يشكل هذا الاسم بالنسبة لها إلا يافطة أو عبارة موروثة رنانة ، ولكن فارغة من المحتوى ، بل و يكون المحتوى في بعض الأحيان مناقضا للاسم تماما!) .
4 ـ كذلك فإن الحزب الشيوعي لا ينشأ لأن مجموعة من المناضلين يمتلكون الإخلاص والعزيمة والقيم الثورية والاستعداد للتضحية من أجل شعبهم وطبقتهم يريدون إنشاءه، رغم الضرورة القصوى لكل هذه القيم والخصال للحزب الشيوعي.
إن قيام الحزب الشيوعي هو عملية جدلية تتفاعل فيها عدة مكونات ، أهمها:
الضرورة التاريخية، والنظرية العلمية الثورية عن التاريخ والتطور الاجتماعي وقوانينه، والقيم الإنسانية الرفيعة ( المصداقية والالتزام والشجاعة والاستعداد للتضحية والغيرية .. الخ)، والإرادة الواعية الصلبة لبناء مجتمع وحياة أفضل، والتخطيط العلمي المرن والدائم التطور لكيفية التقدم نحو الهدف، والممارسة التي تجمع ما سبق إلى المهارة والذكاء والحس العملي وكل ما هو ضروري من مهارات الحياة . وما يصهر كل هذه العناصر ويخلق منها كيانا حيا قويا وذا مصداقية وتأثير إنما هو وجودها وامتحانها المستمر في ميدان الحياة، ميدان الصراع الطبقي ـ الاجتماعي : السياسي والثقافي والفكري والمطلبي والأخلاقي والتنظيمي وسائر ميادين الحياة. حيث تصهرها وتنضجها نار الصراع والنقد وامتحانات الحياة بكل تنوعها.
وبقدر ما يعزز حضور كل عنصر مما سبق بقية العناصر ويقويها ويسهل تطورها، فإن الخلل في أي منها سينعكس عليها جميعا بصورة سلبية، وينعكس بشكل نوعي على محصلتها العامة.
إن بناء الحزب الشيوعي هو بناء لكائن اجتماعي حي و فعال يجمع في ذاته صفات : المفكر والمثقف والشغيل النشيط والمنظم والقائد الاجتماعي والسياسي والميداني للطبقة وتحالفاتها، على درب تطورها التاريخي وتطور المجتمع معها نحو نظام و عالم أكثر إنسانية ورقيا بشكل نوعي من هذا العالم الظالم و الهمجي الذي صنعته الرأسمالية.
وهو ببناء نفسه لهذه الغاية وبهذه الخصال والوظائف، يحرص كل الحرص على أن يكون جزءا عضويا من الطبقة دائم التفاعل معها ومع مشروعها التاريخي، يعبر عن مصالحها وأحلامها وفكرها وحاجاتها وقيمها ويطور نفسه بدلالتها في تفاعل مفتوح دائما، ويرتبط مصيره بمصيرها بلا فكاك.
لقد افتقدت أكثرية الأحزاب الشيوعية التي قامت في القرنين التاسع عشر والعشرين ( في بلادنا وخارجها) واحدة أو أكثر من المقومات الأساسية السابقة الذكر للحزب الشيوعي، في مرحلة أو أكثر من تاريخ تطورها . كذلك فقد عرفت كثير من الأحزاب ظاهرة انفصال الحزب عن الطبقة وعن مصالحها، أو خيانة قياداتها لمسؤولياتهم تجاهها. وكانت المحصلة في تلك الحالات جميعا هي ما عرفناه جميعا من مآلات تولد الأسى لتلك الأحزاب و لبرامجها، وبالمحصلة، من نتائج كارثية على الطبقة العاملة والمجتمع والإنسانية ككل ( مثلا: أحزاب الأممية الثانية، أحزاب المنظومة الاشتراكية بعد تشوهها الستاليني، وغيرها كثير).
يستتبع ما سبق بالضرورة إنتاج قراءة نقدية لواقع ما يعرف بالحركة الشيوعية في سورية بكل تلاوينها، بما يوضح أسباب دعوتنا لقيام حزب شيوعي من طراز جديد، يستفيد من تجارب هذه الحركة ويتجاوز أخطاءها وانحرافاتها وتشوهاتها، فيستعيد الوجه الحقيقي للحزب الشيوعي كما يجدر به أن يكون، ويعيد الاعتبار بطروحاته وممارسته للحلم ـ المشروع الاشتراكي، والوعي العلمي للتاريخ والقيم الثورية الكفاحية للماركسية.
على ضوء ما سبق ، وانطلاقا من الواقع الملموس الذي تعيشه كل أطراف تيم، ومن الخلفيات التاريخية المتمايزة لها، نرى ضرورة التسريع في عملية بناء الحزب الموحد ، آخذين بالاعتبار ما يلي:
أولاـ تجنب سياسة التجميع الشكلي للقوى بمعزل عن العمل لبناء وبلورة الأفكار والقناعات المشتركة، فالتجميع المتعجل سيجعل تيم يواجه خلافات وصراعات عند كل نقطة وفاصلة تعترض طريق عمله في شتى الميادين.
ثانيا ـ إعطاء الأولوية العليا لتوحيد أو تقريب الفهم و الأفكار والآراء والمواقف، وجعل الخلافات التي تبدو غير القابلة للتذليل بسرعة مقبولة ، جعلها واضحة ومحددة ومعترفا بها تماما، وترك الحوار حولها مفتوحا وحيا .
ثالثا ـ إدراك أن تطوير تيم إلى حزب موحد مرهون تماما بالعمل الدؤوب والجاد( الدؤوب والجاد بمعنى الكلمة وليس كوصف إنشائي !) والإرادة الحازمة لمواجهة كل المعوقات ، دون سلق للأمور و لكن دون تباطؤ أو تسويف أو رخاوة أيضا، وذلك وفق المحاور التالية:
1 ـ تحديد الحد الأدنى من المهام الأساسية التي لا بديل عنها لوحدة حقيقية للحزب الشيوعي المنشود في سورية، في حقل التوجهات النظرية الضرورية لإنتاج البرنامج السياسي الموحد و التنظيم الموحد (النظرية الاقتصادية ـ الاجتماعية، نظرية الثورة /الإصلاح؟، نظرية التنظيم، وجزء من هذا متفق عليه في الوثيقة التأسيسية )، وإنتاج الوثائق التي تعبر عن فهم تيم لهذه الأسس و إيضاح التنوع والمرونة التي يقبلها فيها ، وتلك الجوانب التي لابد من وحدة الرؤية فيها تماما.( مع البناء على ما أنجز في الوثيقة التأسيسية)
2 ـ إنتاج الوثائق التي تشكل الترجمة الملموسة لما سبق في سورية في إطار( العالم العربي، الإقليم، العالم)، بما يقدم عمليا : تحليلا ملموسا للواقع الملموس، بكل أبعاده الضرورية لتوضيح مشروع تيم السياسي، ووضعه في موقعه من الخريطة السياسية المحلية والعربية والعالمية ، وفي سياق تطورها التاريخي، وذلك بخطوط عامة مكثفة ولكن واضحة( النظام الاقتصادي ـ السياسي العالمي وإلى أين يقود البشرية،النظام السائد في الإقليم والبلاد العربية وإلى أين يقود الشعوب ومن يخدم، النظام السائد في سورية: تحليل شامل لكل وجوهه الأساسية ).
على تلك الوثائق يتم بناء الاستشراف المعبر عن رؤيتنا في سورية لاتجاهات تطور هذا الواقع في مختلف الحقول ، وفي مدى تاريخي قريب ومتوسط وبعيد، ورؤيتنا لدور الطبقات المختلفة في هذا التطور وفق ما تمليه عليها مصالحها، الأمر الذي يؤسس لفهم مشترك للطبقات وقواها السياسية وأدوارها في سياق الصراع الطبقي ، ومن ثم يوفر قاعدة منهجية للمواقف منها ، وللتحالفات والسياسات العملية التي يتعين على تيم اعتمادها، والصراعات والتحديات التي تواجه مشروعه.
3 ـ واستنادا إلى ذلك ، نضع تصورنا للمهام الواجبة الإنجاز ولمصلحة أي طبقات وفي مواجهة أي طبقات، وما هو دور الطبقة العاملة ومن هم حلفاؤها وما دورهم، وما هو دور ومسؤولية الحزب الشيوعي الموحد المنشود، وكيف يترجمه في الممارسة.( البرنامج: أهداف، خطة، قوى). يشمل هذا وجود برنامج انتقالي أو مرحلي أو مهام برنامجية، ووجود برنامج استراتيجي أو أهداف عليا على الأقل ، الخ..
ثالثا ـ في المسألة التنظيمية:
إذا كانت فكرة( التجميع الفوري ) في الأوضاع الراهنة لقوى تيم خاطئة ، وكان بناء الحزب المنشود صيرورة يتفاعل في سياقها الكثير من العمل والممارسة ومعطيات الواقع بكل ما يكتنفه ذلك من تعقيدات، وستستغرق وقتا بطبيعة الأمور، فإن هذا لا يعني تأجيل أي خطوة ممكنة ومفيدة لدمج القوى حتى اكتمال تلك الصيرورة، نظريا وسياسيا وبرنامجيا. فالصيرورة انطلقت فعليا منذ لحظة لقاء أطراف تيم وبدء الحوارات بينها. وهي قد وضعت ركنا أساسيا بوصولها على الوثيقة التأسيسية وإقرارها. اليوم ، وبعد عدد من المحاولات الأولية غير الناجحة للتقدم على طريق بناء الحزب الموحد، يتعين الإصرار على هذا الهدف ، وإعطاؤه دفعة أخرى إلى الأمام بالإفادة من ما تراكم من عمل وتفاهم مشترك على مستويات معينة، وبالإفادة من الأدوات وأشكال النشاط المجربة، وبالانسجام مع الفهم المعبر عنه آنفا، وذلك وفق ما يلي:
1- إطلاق حوار مفتوح على صفحات مجلة( جدل) بعنوان :ْ " قضايا من أجل الحزب الشيوعي الموحد "
تقوم القيادة المركزية بوضع أولوياته و عناوينه وهيكليته المقترحة، بالتعاون مع هيئة تحرير المجلة ، وبالانسجام مع الرؤية السابقة، ويكون المحور الرئيسي لعمل المجلة لمدى يتفق عليه، وتنصب عليه الندوات والحوارات التي تنظمها المجلة . وتحرص القيادة المركزية وهيئة التحرير على تفعيله وإغنائه والتفاعل مع شتى وجهات النظر التي تطرح فيه.
2 ـ تطوير عمل جريدة ( طريق اليسار) وكيفية تحريرها لتصير ورشة تفاعل بين قوى تيم في شتى الموضوعات التي تطرقها، بحيث تتحول مقالاتها إلى لسان حال يعبر عن تيم ، بدل اقتصار هذه الصفة على الافتتاحية. يتطلب هذا الأمر الكبير الأهمية جهدا وتواصلا نشيطا بين أطراف تيم، وحوارات لا تعرف الكلل. وبدون جهد كهذا فإن كل حديث عن بلورة فهم سياسي مشترك بين أطراف تيم سيظل حلما بعيدا عن الواقع. ويمكن اللجوء إلى التدرج في إنجاز هذه المهمة( يمكن مثلا البدء بمقالين أو ثلاثة تنشر باسم هيئة التحرير وتعامل كما الافتتاحية، في حين يترك باقي الجريد لمقالات بأسماء كتابها).
3ـ إعادة إطلاق التفاعل حول ( المهام البرنامجية) والحوار مع وجهات النظر النقدية التي قدمت من بعض الرفاق والأصدقاء، فما طرحته( المهام ) من قضايا،وما أثارته من حوارات كبير الأهمية ، ولا يمكن التقدم نحو بلورة أي برنامج دون متابعة الحوار ، وصولا إلى بلورة موقف مشترك من أطراف تيم حول كل ذلك، ولو دون إجماع.
يمكن ومن المحبذ مثلا تنظيم ندوة أو ندوات حول قضايا البرنامج، يشارك فيه كل من كتبوا بهذا الشأن، و غيرهم أيضا.
4 ـ لابد أيضا من ابتكار وسائل وأشكال تجمع شمل ناشطي تيم حيثما أمكن في المناطق،دون نسيان المحاولات السابقة غير الناجحة، شريطة أن تقوم القيادة المركزية بوضع مهام محددة لأي مجموعة تتشكل منهم في أي منطقة، وتقوم بمتابعتها وتذليل ما قد يعترض طريقها من عقبات، بحيث لا تكون مجرد تجمعات شكلية تلتقي في المناسبات دون أن تكون لها مهام ومسؤوليات محددة تخضع للمتابعة وينتظر منها نتائج محددة.
5 ـ تشجع قيادة تيم كل محاولات التقارب والوحدة بين أي فصيلين أو أكثر من القوى المشاركة فيها، إذا وجدت الأطراف المعنية أنها أقدر على التحرك نحو توحيد( وليس مجرد تجميع) قواها،بحكم هذه الأسباب أو تلك، ولا يشترط على أي طرف في مثل هذه الحالة سوى الشفافية الفكرية والسياسية تجاه أطراف تيم التي يمكن أن تلعب دورها في تعزيز الحوارات وتثميرها وربما الانخراط في المحاولة نفسها إذا وجدت أنها تتوفر على ما يكفي من المشتركات.

























مطارحات من أجل بناء حزب اليسار الماركسي في سوريا - ورقة مقدمة من التجمع الماركسي- الديمقراطي في سوريا / تمد/
تيم: من تجمع إلى حزب
حتى يتقدم/تيم/ بخطى ثابتة نحو بناء حزب اشتراكي ماركسي عليه أن يوضح إستراتيجيته للتغيير بشكل لا لبس فيه.
I - علينا أن نفرق بداية بين الإستراتيجية السياسية لحزب اليسار الماركسي من جهة وبين القضايا الفكرية التي ستبقى موضع خلاف في قسم منها حتى بعد قيام الحزب المنشود. ومثال ذلك خلاف لينين وبوخارين بعد انتصار الثورة البلشفية حول "الديالكتيك" و "الاختارية" ، حيث أن هذا الخلاف من الناحية الفكرية لم يمنع لينين وبوخارين من الانضمام إلى إستراتيجية سياسية (ثورية) واحدة ؛ إستراتيجية البلاشفة التي مفادها : أن البورجوازية واعتباراً من كمونة باريس في فرنسا لم تعد قادرة على انجاز المهمات الديمقراطية المنوطة بها تاريخياً ، وأن على البروليتاريا وتحالفاتها الطبقية قيادة هذه المهمات وانجازها خاصة في البلدان المتخلفة التي بقيت فيها هذه المهمات معلّقة .
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : ماذا تفترض قيادة البروليتاريا للمهمات الديمقراطية وانجازها من الناحية المبدئية؟
الافتراض الأول: إلغاء الملكية الخاصة الرأسمالية ، لأنه من دون هذا الإجراء لا يمكن للبروليتاريا وحلفائها من الطبقات الأخرى أن تتقدم خطوة واحدة حقيقية باتجاه انجاز المهمات الديمقراطية بالمعنى التاريخي (التصنيع والتحديث الاجتماعي والثقافي)، وهذا لا يعني إلغاء الملكيات الصغيرة و المتوسطة ، بل يمكن تشجيعها وتبنيها كقطاعات منتجة لصغار المالكين والحرفيين .. الخ.. في الريف والمدينة.
الافتراض الثاني : قيام تحالف طبقي بين البروليتاريا وفقراء الفلاحين وفقراء المدن من جميع الشرائح غير البروليتارية ، كون جميع هذه الفئات والطبقات الاجتماعية متضررة بشكل واضح من سيطرة العلاقة الإمبريالية وصورها وآلياتها في داخل البلدان المتخلفة وخارجها (الإمبريالية كعقبة خارجية أمام إنجاز المهمات الديمقراطية ، وكعقبة داخلية عبر سيطرة طبقات تابعة وملحقة بالنظام الإمبريالي وسياساته الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية ).
الافتراض الثالث : عدم الخلط بين وضعيتين للبروليتاريا وحلفائها : وهما الوضعية خارج السلطة والوضعية في السلطة . على البروليتاريا وحلفائها أن ترسم وهي خارج السلطة تكتيكاً واضحاً يستند على أمر مبدئي وهو عجز البورجوازية الطرفية بكافة أشكالها (أعيان مدن، متوسطة ) عن إنجاز المهمات الديمقراطية في بلد متخلف. (الحريات السياسية، التصنيع ، الدولة المدنية الحديثة، دولة القانون للمواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات ، الحقوق الثقافية للأقليات القومية ، تحديث بنية المجتمع والثقافة، حل المسألة الزراعية بما يكفل حياة كريمة للفلاحين وأمناً غذائياً للمدن ). في وضعية وجود البروليتاريا خارج السلطة عليها السعي لبناء أوسع تحالف ممكن طبقياً وسياسياً في سبيل الضغط من جهة اليسار على برامج البورجوازية السائدة بكافة السبل السلمية الممكنة لحرف هذه البرامج قدر المستطاع نحو تلبية مصالح الطبقات الشعبية من عمال وفلاحين فقراء وفقراء المدن من كافة الشرائح. وذلك من جهتين: الحريات السياسية ، حق المواطنة والحقوق الثقافية للأقليات القومية ، والبرامج الاقتصادية الاجتماعية والثقافية.
لقد تبين خلال مائة عام من حكم البورجوازية بكافة أشكالها في المنطقة العربية أنها غير قادرة بالفعل وبالتجربة التاريخية على إنجاز المهمات الديمقراطية التي سبق وأنجزتها البورجوازية في أوربا الغربية والولايات المتحدة الأميركية واليابان في القرن التاسع عشر . وذلك بحكم تزامن ولادة هذه البورجوازيات وارتباطها بصعود الظاهرة الإمبريالية والاستعمار المباشر في المنطقة العربية والعالم.
وهي ؛ أي البورجوازيات العربية بانحطاطها وتبعيتها للنظام الإمبريالي تعيد إنتاج أشكال من العلاقات الاجتماعية/ السياسية والثقافية ما قبل الرأسمالية ، وتسهم بهذا الشكل في إنتاج وتفريخ ظاهرة الحزب الديني وتعزيزها باستمرار.
في هذه المرحلة الانتقالية من النضال يمكن لتيم كحزب أن يضم نوعين من الاستراتيجيات: "منشفية" و"بلشفية" بالمعنى المجازي للكلمة . أي يشمل أولئك الذين يراهنون على شرائح من البورجوازية في إنجاز بعض المهمات الوطنية والديمقراطية . أو الذين يعتبرون أن البروليتاريا وتحالفاتها الطبقية قادرة على انجاز المهمات الديمقراطية السياسية والاجتماعية من دون المس بشكل الملكية الخاصة السائد ، ويشمل من جهة ثانية أولئك الذين لا يراهنون على ذلك بالمعنى التاريخي لا من ناحية دور البورجوازية كطبقة ولا من ناحية دور شكل الملكية السائد في إنجاز المهمات السالفة الذكر..
مع التنويه بأن المراهنين على البورجوازية أو على بقاء سيطرة الملكية الخاصة الرأسمالية يحولون الإستراتيجية السياسية للتغيير إلى مجرد تكتيكات إصلاحية..وهذا التنويه لا يقلل من قيمة تكتيكات البروليتاريا وحلفائها فترة الانتقال، في الضغط من جهة اليسار قدر المستطاع على البرامج الاقتصادية /الاجتماعية والثقافية للحكومة البورجوازية بما يخدم أوسع الفئات الشعبية وأكثرها فقراً وتهميشاً ، وأيضاً بما يعزز مفهوم المواطنة وإنصاف الأقليات القومية المتظلمة..
II - البروليتارية ومواجهة الإمبريالية (ومعها الصهيونية) كأوضاع وصور داخلية وكعقبة خارجية من قبل كافة الطبقات والفئات الاجتماعية المتضررة من سيادة هذه الصورة وتلك العلاقات .
ما من شك في أن الإمبريالية بالمعنيين الداخلي والخارجي تعمل على تخليع البنى الزراعية والصناعية في البلدان المتخلفة وعلى تذريرها اجتماعياً بحيث تغدو هذه البلدان مفتقرة إلى كتل اجتماعية تاريخية متراصة قادرة على إنجاز المهمات الديمقراطية . وهذا التخلع وذاك التذرير يفترض بناء تحالفات طبقية واسعة لمناهضة وتحطيم العلاقة الإمبريالية وصورها في هذه البلدان ، وهو ما يسمى عادة ببناء الكتلة التاريخية من الطبقات المتضررة من هذه العلاقة . لكن الكتلة التاريخية تحتاج إلى قيادة ؛ أو إلى رأس . وهنا يتوجب على البروليتاريا (الطبقة العاملة في وجودها السياسي / البرنامجي) العمل الجاد والدائب لتحقيق موقع القيادة في هذه الكتلة التاريخية ، وذلك لتتمكن من إنجاز برنامجها الديمقراطي إلى النهاية. لأن أية قيادة غير بروليتارية تعني العودة إلى قيادة البورجوازية من جديد لتلك المهمات الديمقراطية ، وبالتالي الفشل التاريخي من جديد.
III- مسألة المثقفين العضويين للطبقة العاملة ودورهم التاريخي في الشرط الإمبريالي. دورهم في رسم وتحقيق إستراتيجية اليسار الماركسي في سوريا. والمنطقة العربية.
لا يمكن رسم الإستراتيجية المفترضة السابقة في ظروف سيطرة العلاقة الإمبريالية في البلدان المتخلفة ونتائج هذه السيطرة من دون إظهار الدور الاستراتيجي والخطير لمثقفي الطبقة العاملة العضويين . فبناء البرنامج السياسي للطبقة العاملة وبناء تحالفاتها الطبقية من جهة وبناء ائتلافاتها السياسية من الجهة الأخرى يفترض قيام حزب يساري ماركسي ذو وضوح استراتيجي وبراعة تكتيكية .
إن قيام الحزب اليساري الماركسي يعني التعبئة التنظيمية والأيديولوجية للطبقة العاملة ، ويعني فاعلية الضغط المطلبي للطبقة وحلفائها ، وفاعلية دورهما في الحياة الوطنية ، والقومية ..
تنال مسألة المثقفين العضويين للطبقة العاملة اليوم في سوريا والمنطقة العربية أبعاداً إضافية نظراً للدمار الذي أصاب حقل اليسار الماركسي بفعل تفكك الاتحاد السوفياتي وبفعل التربية الاشتراكية البيروقراطية للأحزاب الشيوعية التقليدية ، ونظراً للبلبلة الفكرية والأيديولوجية الليبرالية الجديدة التي عممتها الدوائر الثقافية الإمبريالية اعتباراً من بدايات تسعينات القرن المنصرم وعلى أثر تفكك الدولة السوفياتية وتجدد الهجوم الإمبريالي على المناطق التي كانت قد تفلتت من الشبكة الإمبريالية بعد الحرب العالمية الثانية.
هل بالإمكان أن نتحول في "تيم"إلى حزب ؟
بقلم نذير جزماتي (الحزب الشيوعي تحت التأسيس)
كان من المنتظر أن تنتصر البروليتاريا عربياً وسورياً بقوة انجازات المعسكرالاشتراكي وفي طليعته الاتحاد السوفياتي. وأن يكون كلٌ منا قد احتل المكان اللائق بتاريخه الكفاحي وثباته على المبدأ وصموده في السجون ، الخ..لا كمكافأة له بل لتحقيق أقصى فائدة ممكنة من الخبرات المتراكمة في صالح المعارك اللاحقة.. وان من المؤسف أن العكس هو الذي حصل..وخان القضية من خانها إن كان في روسيا أو باقي دول المعسكر الاشتراكي وباقي دول العالم ومن ضمنه سوريا. وباعنا القادة "الأشاوس" مع الأممية البروليتارية ومع الاشتراكية العلمية والشيوعية والوطنية مثلما باعوا شرفهم. ولا زال البعض من هؤلاء التجار يتبجحون بأنهم شيوعيون واشتراكيون ووطنيون في الوقت الذي داسوا فيه ولا زالوا يدوسون بأقدامهم القذرة على كل مبادئ الشرف والنبل والإقدام , وأصبحنا لفترة كالأيتام على موائد اللئام.
ومن جهة أخرى،لا يمكن لغير الخائن أو المجنون أن يفكر بتحقيق انتصار مبين للقضية أثناء اندحار المعسكر الاشتراكي ، وتحقيق انتصار هائل في صالح الامبريالية والصهيونية، بصرف النظر عمن يتحمل المسؤولية ..وقد سار في هذا السبيل عرفات وربعه في كامب دافيد ودفعوا ولا زالوا يدفعون وسيدفعون ثمناً غالياً جداً بسبب ارتكابهم هذا الخطأ الفادح. وبلغ الغباء العرفاتي أقصى درجة حين توهم أن إسرائيل بالواسطة الأميركية ستعيد له ما احتل عام 1967 وتوافق على إقامة دولة فلسطينية حرة لهم، في حين أن إسرائيل وسيدتها أميركا كانت تريد أن تستثمر الفرصة السانحة في تحويل السلطة الفلسطينية إلى أجير مطيع للمستعمرين الإسرائيليين.. وقد قبل بذلك من قبل..أما عرفات فقد تراجع قليلاً إلى الوراء ودفع ثمن ذلك حياته.. وغير المجنون لا يتصور أن أوباما استطاع أن يضحك على عقل أميركا وهو في حقيقته تقدمي واشتراكي – حسب ما يزعم حازم صاغية وأمثاله-وليس صناعة أميركية بامتياز..
* * *
أشكر الرفاق في الحزب الشيوعي السوري (م.س) على اقتراحهم الذي هو إعادة تذكير بالموضع الذي يشغل بالنا جميعاً..وأشكر أيضاً الرفيق عبد العزيز لاقتراحه الذي أصبح بمثابة قرار بموافقتنا على أن نجلب إلى هذا الاجتماع رأي كل منا مكتوباً..وكنت قد وزعت في إطار رفاقي الضيق جداً العدد الثامن من "مساهمة في تناول أوضاع اليسار" التي تصدر كل ثلاثة أو أربعة أشهر..نقلت فيها المقالات التالية: "اليسار والماركسية قضايا إشكالية" لـ د. فارس أشتي (السفير في 27/3/2010 ) و"خمسون عاماً من اليوتوبيا: سيرة ذاتية بالفرنسية :كريم مروة الذي جعل السياسة هما ثقافياً"لموريس أبو ناصر (الحياة22/11/ 2009)و"اليسار: بين الترميم وإعادة التأسيس"لاسكندر منصور(السفير 27/3 /2010)و"بيروت تحتفي بيسارها:نهضة جديدة لكريم مروة"لصقر أبو فخر(السفير 27/3/2010) و"اليساري المسكون بهاجس اليسار ماذا تبقى منه، وماذا بعده؟" لحبيب صادق(السفير 24/4/2010)و "اليسار العربي والتباسات النقد الذاتي-من الغبن ان يتجنى عليه حاضر ليس أفضل منه"لد.الطاهر لبيب (السفير27/3/2010)و"اليسار: أزمة تتجاوزه وماركس انتهى تاريخياً"لـعبد الأمير الركابي"1و2 السفير 24/4و27/4/2010).
وفتحت مجلة"الآداب" اللبنانية ملف اليسار الذي اشترك في العدد الأخير 4و5 فيه كل من أحمد قطامش، وجلبير الأشقر، وجورج جقمان، وراتب شعبو، ورائد شرف، وسلام عبود، وشريف يونس، وغسان خليفة، وفيصل دراج، والمنتدى الاشتراكي (في لبنان) ووائل عبد الرحيم (محاور جلبير الأشقر). وتتراوح الآراء من هنا وهناك ما بين أن لا ضرورة بالأصل لاقامة أي تنظيم شيوعي أو اشتراكي، لأن الثمرة المرجوة تنضج بقوة مختلف أنواع النشاطات في الداخل والخارج التي تبدأ بأصغر فاعل من الطبقات الكادحة في أكثر البلدان استعداداً للتقدم، ولا تنتهي بأصحاب العقول الكبيرة من كتاب ومفكرين ، الخ.. ومتى نضجت الثمرة سقطت في حضن الطبقة الأكثر استعداداً لتسخيرها في خدمة أهدافها المباشرة..وتعود إلى حضن الطبقة التي يجب أن تسقط في أحضانها حتى لو سقطت خطأً في حضن هذه الطبقة أو تلك الأكثر رجعية والأقل استعداداً للتقدم إلى أمام. وقد رسمت العقول الكبيرة في القرن التاسع عشر وفي طليعتها ماركس وانجلز الطريق للتقدم، مثلما رسمته اليوتوبيات (المدن الفاضلة).
وقال لينين:"يبدو لي من المناسب تنبيه أعضاء الحزب الشباب إلى أنه لا يمكن للمرء أن يصبح شيوعياً حقيقياً واعياً بدون أن يدرس-وأن يدرس بالذات –كل ما كتبه بليخانوف في الفلسفة، فذلك هو أفضل ما تحويه الأدبيات العالمية للماركسية"..وكتب بليخانوف في وصيته في آخر أيام حياته عام 1918أن كثيراً من أفكار ماركس أصبحت قديمة لأنه انطلق من قوة دفع بخار الماء، ولم يعش ليرى قوة الكهرباء..وإذا كان الأمر كذلك، فان مياهاً كثيرة جداً مرت تحت الجسر.. وقد المح بليحانوف في وصيته إلى احتمال أن لا تبنى الاشتراكية في أي زمان وفي أي مكان.. وألمح إلى أن صفوف الطبقة العاملة البروليتارية تتقلص بقوة الاكتشافات وتتوسع صفوف طبقة المثقفين .. ووصل إلى استنتاجات مماثلة لكثير من اليساريين هنا وهناك..ويأتي في طليعة المفكرين العرب في هذا الاتجاه فيصل درّاج المعترف بالدور العلمي الكبير لكل ماركس وانغلز،وكذلك بدورهما الأخلاقي . وليس بعيداً عن هذه الأفكار كريم مروة الذي عاتبه صديقه ورفيقه حبيب صادق لأن كريم لم يذكر في كتابه الأخير الذي احتفي به في أكثر من مدينة في لبنان،لا كلمة "ثورة" ولا"اشتراكية"..وكما ألمحت فان عبد الأمير الركابي وصل إلى استنتاجات مماثلة.
ويتفق مع هذه الآراء إلى حد كبير، الشرط الأول لنجاح الثورة الشيوعية لكل من ماركس وانغلز الذي هو"تطور المنظومة الرأسمالية التام الشامل، الذي سيتيح للبروليتاريين أن يتملكوا جملة قوى الإنتاج الواصلة إلى أعلى درجات تطورها، وأن يصيروا بتطبيقها رجالاً كليين ، وأن يعطوا الشيوعية طابعاً كلياً-كونياً يستجيب للطابع الذي اتخذته الرأسمالية. "فطالما لم يتطور الإنتاج الرأسمالي حتى النقطة التي يصير فيها التزاحم نافلاً، سيكون بالنسبة للبروليتاريا اضطلاعاً بمهمة مستحيلة أن تريد استبدال المنظومة الرأسمالية بمنظومة اشتراكية. فإذا ما نشبت لثورة الشيوعية قبل تمام تطور النظام الرأسمالي، لن يكون لها سوى طابع محلي، محدود، وتنتهي إلى فشل محتوم. وبما أن منظومة الإنتاج الرأسمالي ستواصل نموها وتطورها، وبما أن الرأسمالية ستزاحم البلد الشيوعي مزاحمة منتصرة، فان هذا البلد سيغرق في البؤس، الأمر الذي ستكون عاقبته دمار الشيوعية والرجوع إلى وضع الأشياء القديم"(1)
وكتب ماركس في رسالة إلى فيرا زاسوليتش، أن ما كتبه موجه إلى أوربا الغربية فقط.. وكتب لينين نفس كلام ماركس وانجلز وهو يخاطب صن يات صن رئيس جمهورية الصين عام 1912 الذي اقترح شراء الماكينات من الولايات المتحدة وبناء الاشتراكية في الصين. ومع ذلك فان من المفهوم ما سار عليه لينين وتروتسكي بصرف النظر عن كون الثورة ثورة أو انقلاباً. وبالفعل إذا كان الوضع في مكان ما ثورياً لا يحتمل التأجيل، كما كان الوضع في أكتوبر 1917، فهل نؤجل..أم ننفذ مهام البرجوازية في الثورة الديموقراطية، وننتقل بعدئذٍ إلى الثورة الاشتراكية؟ ولعل خطة "النيب- السياسة الاقتصادية الجديدة" التي اقترحها وأشرف على تطبيقها لينين كانت ستؤدي بروسيا إلى ما أدت إليه الثورة في الصين بتوجيه من دنغ هسياو بنغ. والواقع أن مبادئ دنغ هسياو بنغ هي نفس "النيب" اللينينية نقلت الصين من غياهب الفقر والتخلف إلى نعيم نظام رأسمالي ينافس نظام الولايات المتحدة الأميركية.
وأكثر من ذلك خاضت فييتنام وكوريا الشمالية وكوبا حروب تحرير وطني وبنت أنظمة خطت بالبلدان المذكورة خطوات هائلة إلى الأمام في وقت لم تكن الطبقات البرجوازية المتعفنة تسمح بها. وما يقال عن البلدان في جنوب شرق آسيا يقال عن دول أميركا اللاتينية في الوقت الراهن، فنزويلا بوليفيا أولاً، ونيكاراغواي والاكوادور ثانياً.
وفي بلاد مثل بلادنا كان ولا زال الوقوع في المطبات وارداً بقوة ثقافة الجامع والكنيسة التي تعاملنا وتعامل الروس قبلنا بها فألهوا وألهنا ماركس و أنجلز ولينين وغيرهم، وانقسمنا إلى طوائف ومذاهب وملل، ومن لم يكن معنا هو كافر يستحق القتل.."وزاد في الطين بلةً" السير في سبيل تحقيق الأرباح والأحلام بالاغتناء من قبل قادتنا الكبار والصغار(اقرأ رسالة الرفيق سامر أيوبي إلى قيادة حزبه).
وفي ضوء كل ذلك ما هو المطلوب؟
1- لا تنتصب أمام بلادنا في الوقت الراهن مهمة الاستيلاء على السلطة وبناء الاشتراكية، بل بإقامة حزب يدرس الأوضاع وبالتالي يضع البرنامج السياسي المناسب.والنظام العسكري القائم وان كان ينطلق من مواقعه القومية ويكن عداء مستحكماً لكل من الامبريالية والصهيونية، فانه لمجرد فرضه الاستبداد بقوة الديكتاتورية العسكرية ، الخ..يقدم الخدمة المطلوبة ولا أكثر للعدوين المذكورين ..
2- إن البلاد بحاجة إلى الديموقراطية حاجتها إلى الهواء والماء، ومن دونها لن نتحول إلى أناس طبيعيين ينتمون إلى هذا العصر، ومن دونها لا يمكن أن نتقدم ولا خطوة حقيقية واحدة نحو الأمام على كل المستويات ..ولذلك فان المهمة الأولى في البرنامج السياسي المذكور هو النضال من أجل تحقيق الديموقراطية على أوسع نطاق لكي يشترك الجميع من دون استثناء في النضال من أجل مستقبل أفضل.
3- وفي مقابل الديموقراطية على المستوى السياسي والاجتماعي، فان البلاد بحاجة ماسة إلى التصنيع الذي يقوم به القطاع الخاص، لا القطاع العام مولد الاستبداد والتأليه، وبالتالي فان وجود البروليتاريا ووجود الحداثة مرتبط بالتصنيع.
4- أن الحزب المطلوب هو الحزب الذي يناضل من اجل تنفيذ هاتين المهمتين الأساسيتين من مواقع الطبقات والفئات الفقيرة في المجتمع، ومن مواقع المتعلمين والمثقفين. وبالتالي فان الحزب المنشود هو الحزب الذي إذا أحرز الأكثرية شكل الحكومة، و نفذ برنامجه في أربع سنوات. ومن ثم تجري الانتخابات فإذا نجح مرة أخرى تابع تنفيذ برنامجه، وإذا لم ينجح عاد إلى مكانه لدراسة أسباب فشله..فليس مقبولاً ولا معقولاً انفراد حزب واحد في الحكم، ولو نزل من السماء..
5-اعتقد أننا كمجموعة صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها مئة شخص في ظروف طغيان أنصار الدين وأنصار الامبريالية، يمكن أن نلعب الدور المنوط بنا وخصوصاً أننا تعرفنا على بعضنا بصورة مناسبة. وهذا لا يعني أننا غير مختلفين في كل شيء..إلا أن الاختلافات في برنامج الحزب لضمان مصالح الطبقات المذكورة شيء، والاختلاف بسبب مواقفنا الطبقية والفكرية المناقضة لمصالح الطبقات والفئات الشعبية شيء آخر.
6-أنني موافق على تخصيص الاجتماعات وبدء الأحاديث عن الوحدة غير المقدسة أو المعبودة مثل الوحدة العربية، أي الوحدة التي يجب أن تتم رغم الاختلافات في كل شيء تقريباً..
7- هذا جانب هام من المسألة ،أما الجانب الآخر المرتبط بالمستقبل القريب والبعيد فيتمثل بالبرنامج الماركسي-اللينيني، بصرف عن انتقادنا للينين ولغير لينين. ويجب أن تقوم دعايتنا ونشاطاتنا على أساس هذا البرنامج الذي يمكن لكل إنسان أن يحسنه ويطوره، وبالتالي أن يقترب أو يبتعد على أساسه. وكفانا العمل بطريق عقد الصداقات ، ثم الدعوة الى رحلة أو او حفلة، ثم أخذ طلب انتساب ، الخ..
8- يجب بأسرع ما يمكن إنقاذ اليسارية والشيوعية من وصمة العار المتمثلة بالعمالة لصالح السلطة القائمة وقبض الثمن مناصب ومراكز ، الخ..آخذين بعين الاعتبار الجدي إمكانية قيام مثل هذا التحالف، أو بالحقيقة، التعاون، لو كان المتحالفون الشيوعيون نظيفي الكف، وأمناء وشرفاء ، الخ، ولم يفضحوا بعضهم البعض وينقسموا أكثر من انقسام من أجل الحصول على مكاسب ومناصب ومبالغ من السلطة . وأتمنى أن ينجح الاشتراكيون المغاربة في اشتراكهم في الحكم، ولكن لا أمل من ذلك ، لأن المال أفسد ويفسد الأنبياء ..
1 -اوغست كورنو، الأيديولوجية الألمانية، المجلد الرابع، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت، 1979، ص 200










حول وحدة تجمع اليسار الماركسي في سوريا / تيم/ أفكار واقتراحات
فهد خالد العلي
سبق وأبديت بعض الملاحظات النقدية حول"مشروع المهمات البرنامجية المرحلية لتيم"في العدد16من جريدة"طريق اليسار"،والتي وقبل كل شيء أؤكد هنا منها على فكرة:"إن البرنامج لا يحدَد فقط بالتوازنات القائمة وإنما أساساً عبر الأهداف والغايات التي يناضل من أجلها حاملوه،بحسبان أن المرحلة ... هي مرحلة بناء خطوط ومواقع،والباقي مهمات سياسية وتنظيمية".الآن ،أعود لأضيف بأن مشروع تحويل تجمع(تيم) إلى حزب واحد إنما هو مشروع واقعي وموضوعي وهو يتضمن نفحة إنقاذية لمثل هذه المجموعات المكوِنة له والتي تشكلت من خلال عوامل تحريضية ذاتية وموضوعية والتي إن بقيت في إطار تشكيلها الأولي ستصبح مهددة بعدم الفاعلية والتلاشي،في حين أن مشروع تجديدها وتأطيرها بحزب واحد إنما يعني توافر إرادة الحياة والتطور لدى كوادرها لتصبح مع الزمن قوة من القوى التي قد تلعب دوراً مهماً في إنهاض وبلورة دورٍ فاعل للجماهير الشعبية الكادحة في بناء وتطوير الوطن ليصبح قوياً ومنيعاً بمواجهة القوى الرجعية وحلفائها بالخارج
إن الساحة السياسية السورية تحتاج إلى تجارب حزبية جديدة أول ما يلزمها أن تمتاز بالنزعة نحو تجاوز أمراض الأحزاب التقليدية،والتي رغم محاولات كوادرها وصلت إلى مرحلة التقوقع لتصبح وبحق أحزاباً لا جماهيرية .من هنا أرى أن تكون الفكرة المطروحة لتحويل(تيم)إلى حزب مبنية على أسس مغايرة للأسس التقليدية لبناء الأحزاب كأن تعتمد وبشكل أساسي على مظاهر ومضامين تخص المجتمع المدني بكل فئاته وأطيافه وطموحاته وليكن أبرزها ما يهم فئات الشباب والشابات والمتمثلة بتحطيم الأنظمة والقوانين التعليمية في المرحلة الجامعية والتي تعيق طموحات التحصيل الجامعي كثقافة وكموقع ضروري لتوفير فرص عمل لهم،وبناء وخلق هامش مهم من حرية الحركة والتفكير لهم فيما يخص حياتهم اليومية ومستقبلهم العمري بما يتفق وعالم ما بعد الحداثة والإنترنت وعصر العولمة.
فإذا كنا ببرنامجنا السياسي - التنظيمي المأمول قادرين على مراعاة هذه الأسس وتضمينها فنحن سنكون عندئذ قادرين على السير نحو بناء هذا التنظيم الموحد الجامع على أن تكون الديمقراطية بكل أبعادها هي الدم المحرك له .
بدايةً يجب أن يكون لاسم الحزب مضمون يغطيه من كل النواحي لاسيّما ما يفيد منه أنه حزب كفاحي يعبر عن المصالح الاقتصادية-الاجتماعية-السياسية للكادحين بسواعدهم وأدمغتهم، وبأنه يناضل لترسيخ المعاني السامية للاشتراكية العلمية التي لم يحن بعد أوان انتصارها بحسبان أن الأنظمة التي تقلدت السلطة في المعسكر الشرقي سابقاً لم تكن أنظمة اشتراكية بل جلَ ما يقال فيها أنها أنظمة لرأسمالية الدولة فحسب،وهنا علينا أن نثمّن عالياً على أية حال أي تجربة أو محاولة لتبني الاشتراكية أو للسير في طريقها ولو خطوة واحدة حتى ولوتم إتباع الطرق المختلفة من أجل ذلك كما يحصل الآن في الصين الشعبية من أجل بناء ذاتهم القوية أولاً.
كما أن على هذا الجديد الذي سينبثق عن(تيم)أن يكون ماركسياً- شيوعياً يتعامل مع القوى المماثلة معاملة رفاق طريق لكل أسلوبه لتحقيق ما يمكن تحقيقه لأن النتيجة التي تحققها أية قوة تتبنى الماركسية- الشيوعية هي بالضرورة رافد وداعم للقوى الأخرى وهي ستكون رافداً لمواجهة قوى الرجعية والرأسمالية المحلية والدولية،فعلى هذا الأساس يجب أن يتعامل الحزب العتيد مع القوى والأحزاب الماركسية الأخرى على الساحة المحلية من خلال ما يمكن أن تقدمه هذه القوى من انجازات لرفد مفاهيم التقدم والاشتراكية والديمقراطية سواء كثقافة أو كممارسات يومية،سواء أكانت هذه القوى موالية للسلطة أو معارضة لها أوهي في موقع مابين الاثنين،لأنه بذلك فقط يمكن أن نقدم شيئاً لغد الاشتراكية القادم بعيداً عن المشاحنات والترهات التشهيرية ببعضنا البعض والتي كانت نتائجها دائماً لصالح القوى المضادة.
من جهة أخرى،فأنا أبدي رأياً منسجماً مع السياسة المعتمدة من قبل(تيم)للآن،والتي تتلاقى مع أية قوة إقليمية تتصارع ولو كلامياً مع الولايات المتحدة وقوتها الأمامية إسرائيل،وهذا طريق مختلف عن الطريق المتبع من قبل الأحزاب والجماعات الليبرالية المحلية سواء منها التقليدية أو ذات الأساس اليساري سابقاً،لأن خلط الأوراق ودونما اعتماد قاسم مشترك للتمييز يؤدي إلى الضياع فكرياً وسياسياً لكل قوة أو جماعة أو حزب يريد أن يسجل لنفسه موقفاً مميزاً وواضحاً في عالم التناقضات القائم .
على صعيد الحزب القادم وقيادته،فيجب أن تكون القيادة جماعية والقرار بالأكثرية في اللجنة المركزية بحيث يتم انتخاب ناطق رسمي (وليس أميناً عاماً) باسم اللجنة المركزية يتم تبديله كل ستة أشهر،على أن يكون حق الأقلية مضموناً في نشر رأيها والدفاع عنه بجرائد ومطبوعات الحزب المعتمدة وتحت سقف الالتزام بوحدة الحزب ونشر آرائه وتوجهاته.
يجب أن يكون الإعلان عن مهمات الحزب العتيد ضمن مرحلة انتقالية تنتهي بسنتين بعد التأسيس،ومن الضروري أن تكون القضايا التالية هي محور العمل:
1- التركيز على ترابط المهمات الثلاث المنصوص عليها في الوثيقة التأسيسية لتيم:المهمات الديمقراطية،والوطنية،والاقتصادية-الاجتماعية،وأن يتم دائماً الاهتداء بهذا الثالوث.
2- قضية النضال لتحسين مستوى معيشة الجماهير الكادحة ولردم الهوة التي تتسع بينها وبين البرجوازية الجديدة التي تشكلت عبر نهب القطاع العام ومؤسساته.
3- النضال من أجل تحسين ظروف الجيل الشاب وقضاياه التعليمية ومن أجل تأمين مجالات العمل الكريم له كي لا يتحول إلى جيل يصبح عالة على الوطن والشعب وكي يبقى حاملاً لهموم الوطن ومدافعاً عن قضاياه.
4- النضال من أجل قضية الوحدة القومية العربية،ففي الماركسية هناك تنويه ،منذ الماركسية الكلاسيكية عند ماركس وانجلز،بأن يكون النضال على أساس القومية الكبرى في البلد الذي يتم النضال فيه،وبهذا نكون ماركسيين فعلاً حيث لا يكون الطريق إلى الأممية إلا عبر طريق انجاز المهمات الوطنية- القومية.














قراءة في كتاب








الأيديولوجية الألمانية
كارل ماركس و فريدريك انجلز
ترجمة الدكتور فؤاد أيوب
دار دمشق للطباعة والنشر 1976
نقل هذا الكتاب إلى العربية بالاستناد إلى الترجمة الإنكليزية الصادرة عن دار اللغات الأجنبية في موسكو عام 1964 وإلى الترجمة الفرنسية الصادرة عن دار المنشورات الاجتماعية في باريس 1968 .
وقد اعتمدت القراءة أيضاً على النص الإنكليزي
"The German Ideology"
Moscow 1964 Progress Publishers




هوامش "الأيديولوجية الألمانية"
القسم الثالث
سعد الذابح

إن العمال يعلقون أهمية عظمى على المواطنة ، يعني المواطنة الفاعلة : active citizenship بحيث أنهم حيث يملكونها ، في أمريكا على سبيل المثال، "يفيدون" منها [يستعملونها جيداً(يحسنون استعمالها) make good use of it] وحيث لا يملكونها يناضلون في سبيل الحصول عليها . قارن مفاوضات عمال أمريكا الشمالية في اجتماعات لا حصر لها . وتاريخ الميثاقية الإنكليزية بكاملها ، والشيوعية والإصلاحية reformism في فرنسا " ص 224 p.233 الطبعة الإنكليزية
فقرة من الترجمة العربية: "يعي "العامل" على الأكثر أن الشغيل [قوة عمله] هو الشيء الجوهري فيه بالنسبة للبورجوازي . لذا فإنه يستطيع أن يؤكد نفسه بهذه الصفة في مواجهة البورجوازي [قدرته على العمل وقدرته على بيع قوة عمله]" ص 224
ترجمة النص الإنكليزي المقابل: "يعي الشغيل worker أن الشغيل worker هو الشيء الجوهري فيه بالنسبة للبورجوازي . لذا فإنه يستطيع أن يؤكد نفسه بهذه الصفة في مواجهة البورجوازي " p. 233
.. نتابع: طغيان الدين والوعد برخاء متساو للجميع ؛ "رخاء حقيقي " للجميع؛ [أفلسنا نصل بالضبط إلى النقطة حيث بدأ طغيان الدين : الوعد الأيديولوجي والشعاراتي بالمساواة بالرخاء وطغيان العقائد التي تخفي خلفها امتيازات لطبقة أو فئة اجتماعية] ؛ الرخاء المقدس ، حكم المقدس والتراتب والطغيان " ص 224-225
حول الملذات البورجوازية يقول ماركس: "إن الملذات العديدة التي يوفرها الكسل تنتسب كلياً إلى المفاهيم البورجوازية الأشد ابتذالاً" لاحظ جيداً ص 225 لأن لذة الكسل تفترض وجود استلاب العمل وطابعه الإلزامي القسري ؛ بالتالي تفترض وجود المجتمع البورجوازي واغتراب قوة العمل عن منتوجها . كما أن التأكيد على "رخاء " صاحب الريع كصاحب ريع ؛ يظهر عند شترنر وكأن "صفة صاحب الريع"؛ صفة لاصقة بالأفراد الذين هم أصحاب ريع في الوقت الحاضر .. ويتوهم أنه لا يوجد أي نوع من "الرخاء" يمكن أن يوجد بالنسبة لهؤلاء .. غير ذلك الذي يقرره وجودهم من حيث هم أصحاب ريع" 225
في تمييز طريف بين الحضارة والثقافة يشير ماركس بسخرية بالقول: "صحيح أن برلين القرن التاسع عشر لا تنتسب إلى العالم المتحضر ؛ فالإنسان في برلين مثقف فحسب " هامش ص 225 [وجود تصورات نظرية وفلسفية بورجوازية من دون وجود علاقات بورجوازية متطورة كما هو الحال في إنكلترا مثلاً]
توجد أيضاً إشارة إلى حرفيين صغار قضت عليهم حرية الصناعة والذين اجتاحهم الاستياء الأخلاقي " 225 لاحظ: الاستياء الأخلاقي والإفلاس المعاشي والتهديد الثقافي، يقابله رخاء محدود بالعلاقات الطبقية.
عمل أجير ؛ عمل إلزامي: labour ؛ جهد جسدي أو عقلي ، بخاصة حين يكون عسيراً أو إلزامياً (2) العمل .. : الخدمات التي يؤديها العمال لقاء أجور .. (3) يثقل ، يرهق ، يحزن ، يقلق ... [المورد 508 ]
يكتب ماركس: "ليس "القلق" شيئاً آخر سوى ذلك الشعور من الضيق والغم الذي يشكل في الظروف البورجوازية (الشرط البورجوازي ) الرفيق الضروري للعمل labour ،
"worry" is nothing, but the mood of oppression and anxiety which in bourgeois circumstances is the necessary companion of "labour" p.235
حَصَر نفسي: anxiety
Labour ؛ هذا النشاط الحقير من أجل كسب الرزق بكل عناء ... وأن "القلق" ليزدهر في شكله النقى بين البورجوازيين الألمان الطيبين [البورجوازيين الصغار] حيث هو مزمن و "متماثل مع ذاته في كل الأوقات" حقير وباعث على النفور، في حين أن بؤس البروليتاريا يتخذ شكلاً حاداً وقاسياً ، يدفعه إلى صراع حياة أو موت ، ويجعل منه ثورياً، بالتالي لا يولد "القلق" worry بل الهوى والآلام passion . فإذا كانت الشيوعية راغبة في إلغاء "قلق" البورجوازي الصغير وبؤس البروليتاري على حد سواء فمن المفروغ منه أنها لا تستطيع أن تفعل ذلك دون إلغاء سبب هذا وذاك ؛ أي إلغاء العمل الأجير labour" 226
Passion (بيشن ) : آلام المسيح بين ليلة العشاء الأخير وموته ، .. 2- أ عاطفة ؛ هوى 2- ب انفعال ، نوبة انفعال 2-ج غضب شديد 3- أ حب ، هيام .. 3- ب حب شغف 3-ج هواية 3- د رغبة جنسية المورد 662
Worry: يخنق ، ينهش يعض، يهز أو يسحب أسنانه (ينشب أسنانه).. يمس أو يحرك باستمرار ، .. يعذب ، يزعج ، يجهد ؛ يرهق ، يبرم، يزعج بكثرة الأسئلة أو المطالب، يقلق ، يتقدم بجهد، يكافح يناضل ، يقلق ، قلق . بلاء ، مشكلة ، همّ ، سحب الحيوان بالأسنان وهزه حتى يموت أو يكاد." المورد 1075
أقصى ما يقال بالنسبة للطبقات المضطهدة ... أنها لم تكن تتألف من مسيحيين إلا بقدر ما كانت تتحمل وضعها البائس.. وذلك أن المسيحية التي كانت تقف خلفهم تلوح بالعصا ، لم تكن تبيح لتذررهم واستيائهم أن يحرزوا تقدماً " 226-227
هكذا يتوجب تفسير التدين بالوضع البائس والعسف ، وليس تفسير الصبر على العسف بالتدين فحسب.
"إن الصراعات الأكثر دموية ومرارة التي قامت إبان تحرير الأقنان قد كانت على وجه الدقة تلك الصراعات التي جرت ضد الإكليريكيين الإقطاعيين ، وقد تحقق تحرير الأقنان بالرغم من كل الاحتجاجات وثورات المسيحية كما كانت مجسدة في أولئك الكهنة.. في حين كان الكهنة الصغار ، من جهة أخرى ، وعلى الأخص في مطلع العصر الوسيط يحرضون الأقنان على "الاحتجاج" و "الثورة" ضد السادة الإقطاعيين العلمانيين (راجع على الأخص مجموعة النشريات الشهيرة لشارلمان: "الطبقات المضطهدة وثوراتها في القرن الرابع عشر") [لاهوت السلطة ولاهوت التحرير ؛ الطبقة الاجتماعية للمتدين: راجع أيضاً روجيه غارودي "نحو حرب دينية ؛ ديالكتيك العصر " وأيضاً كتاب : "إيران 1900-1980" خاصة : مقالة منصور فرهانق "مقاومة الفراعنة في كتابات علي شريعتي عن الاضطهاد " ص 205 ]
السادة الإقطاعيين الروحانيين: spiritual feudal lords مقابل السادة الإقطاعيين الدنيويين (الزمنيين؛ الدهريين) temporal feudal lords راجع الطبعة الانكليزية p.236
إن الأشكال الباكرة للانتفاضات العمالية كانت مرتبطة بدرجة تطور العمل (labour) في عصرها وبنية الملكية المترتبة عنه ؛ وأن الانتفاضات الشيوعية ، المباشرة أو غير المباشرة مرتبطة بالصناعة الكبيرة . وبدلاً من أن يدخل القديس ماكس في دقائق هذا التاريخ الشامل ، يقوم بانتقال مقدس يقودنا من الطبقات المضطهدة الصابرة patient إلى الطبقات المضطهدة المتبرمة impatient " ص 227
[ضرورة قراءة التاريخ المحدد في تفاصيله ووقائعه. الفهم المقدس والعاطفي والدوغمائي يؤدي إلى انتقالات مقدسة من جهة إلى أخرى ؛ من ضفة إلى الضفة المقابلة ؛ غياب النقد والتحولات الضدية .]
ننقل العبارة السابقة لماركس باللغة الإنكليزية:
"The earlier forms of worker,s uprising were connected with degree of development of labour in each case and the resulting form of property; direct or indirect communist uprisings were connected with larg-scale industry. Instead of going into this extensive history , Saint Max accomplished a holy transition from the patient oppressed classes to the impatient oppressed classes "p.237
لاحظ ارتباط انتفاضات الشيوعيين المباشرة وغير المباشرة بالصناعة الكبيرة large-scale industry
التاريخ الأوحد؛ التاريخ المقدس holy; unique history مقابل التاريخ المادي material history . وحسب التاريخ المادي (الدنيوي) فإن الارستقراطية هي التي كانت سباقة إلى وضع إنجيل المتعة الدنيوية (the gospel of worldly enjoyment) في مكان متعة الإنجيل، وإن البورجوازيين الواقعيين قد كرسوا أنفسهم بادئ ذي بدء للعمل من أجلها ، متخلين لها بكل خبث عن الملذات التي حرموا أنفسهم منها بفعل قوانين مناسبة (وبذلك فإن قوة الارستقراطية انتقلت في شكل المال إلى جيوب البورجوازيين ) ص 228
According to material history , it was the aristocracy who first put the gospel of worldly enjoyment in the placement of enjoyment of the gospel ; the sober bourgeois first of all devoted themselves work and very cunningly left to the aristocracy the enjoyment which they themselves were forbidden by their own laws ( whereby the power of the aristocracy passed in the form of money into the pockets of the bourgeois)
ترجمة أخرى للفقرة عينها: وفق التاريخ المادي كانت الارستقراطية أول من وضع إنجيل المتعة الدنيوية في مكان متعة الإنجيل . وكان البورجوازيون المقتصدون هم أول من كرسوا أنفسهم للعمل (work) متخلين بمكر شديد للارستقراطية عن المتعة التي حرموا أنفسهم منها بواسطة قوانينهم الخاصة (وبذلك انتقلت قوة الأرستقراطية في شكل نقود إلى جيوب البورجوازيين )
"من أجل إنقاذ الحسية من الانحطاط التام " حسب شترنر "فإن البورجوازية قد استولت على كل السلطة لنفسها بواسطة الثورة ، ونتيجة ذلك استولت على إنجيل أصحاب السلطة ، إنجيل المتعة المادية. " 228
لاحظ: الاستيلاء على السلطة والانغماس في الحسية والمتعة (وراثة المتعة عن الارستقراطية بعد استتباب حكم البورجوازية)
ملاحظة حول الحقوق: الحقوق تعبير عن مصالح عامة للطبقة ؛ المصالح العامة للطبقة البورجوازية بكاملها معبراً عنها بالتشريع البورجوازي (القانون المدني البورجوازي بشكل عام) 230 . يقول شترنر: ".. إن السيد قد فصل عن الفرد الأناني ، كي يصبح شبحاً، القانون أو الدولة".. مع الانتقال من الإقطاع الأوربي إلى الرأسمالية ، تحول السيد الإقطاعي إلى شبح (القانون أو الدولة؛ تحول الفرد الخاص إلى مؤسسة عامة )
يعلق ماركس : "إن سيطرة الأشباح هذه ، هي على النقيض من ذلك ، سيطرة السادة الفعليين العديدين ، وبالتالي ، فإنه يمكن اعتبار الشيوعية ، بتبرير مساو ، على أنها التحرر من سيطرة هؤلاء السادة العديدين" 230
Fourth historical construction
On page 350, Saint Sancho derives communism directly from the abolition of feudal bondage(p 240)
. .. so he causes communism to be borne as a monster from these two distorted major propositions. p 241
وترجمتها:
الإنشاء التاريخي الرابع:
في الصفحة 350 يشتق القديس سانشو الشيوعية مباشرة من إلغاء العبودية الإقطاعية ..
وهكذا يتسبب شترنر في ولادة الشيوعية كمسخ من تينك النقيضتين الكبيرتين المشوهتين .
يشير ماركس في ص 232 إلى نهوض وسقوط الكمونات الوسيطة في إيطاليا وإلى سقوط شيوعية القرن التاسع عشر ..
يكتب أنطونيو غرامشي : "نشأت الكومونات في شمال ووسط إيطاليا وشكلت المدن التجارية والصناعية المزدهرة التي نمت في تلك الفترة جمهوريات تتمتع بالحكم الذاتي ، وسيطرت على الريف المجاور . وقد وجد الأباطرة الجيرمان في نشأة هذه المدن خطراً يهددها . فساندوا ملاك الأراضي الإقطاعيين الذين كانوا قاعدة حزب غيبلين ضدها" [غرامشي: "كراسات السجن" ص 72 ]
إن أحد أسباب اندحار الكومونات السهل هذا هو افتقارها إلى المثقفين العضويين وإلى التنظيم السياسي. وهما عنصرا الهيمنة لأي جماعة اجتماعية تريد أن تسود وتسيطر.
الشيوعي البورجوازي (الشيوعي الإصلاحي): الذي لا يؤيد إسقاط النظام الاجتماعي البورجوازي بواسطة الثورة و "العنف" .
حكمة الاستيلاء على قلوب الناس والأخذ بألبابهم ؛ النزعة السلمية (حدود الهيمنة ؛ حدود الإقناع والحوار) 234 .. لاحظ ما يقوله فاتح جاموس في ورقته"إعلان نوايا" : التيار الماركسي بين هدفي التجمع والحزب: "العمل الديمقراطي السلمي هو القانون العام . وربما لم تعد قوى "صف العمل" بحاجة للدفاع عن نفسها بصورة عنيفة "
يعتقد شترنر أن "الشيوعيين " يريدون أن يسووا بصورة ودية مسألة الملكية " ، بل يجعلهم يستنجدون بتفاني البشر و بـ الاستعداد لنكران الذات عند الرأسماليين!
إن البورجوازيين الشيوعيين القلائل الذين ظهروا منذ أيام بابوف والذين لم يكونوا ثوريين يعدون على أصابع اليد... ولقد استطاع القديس ماكس أن يكتشف وجهة النظر الشيوعية عند "الاستعداد لنكران الذات عند الغني " و "تفاني البشر " من مقاطع قليلة من كابيه . وهو الشيوعي الذي يعطي أكثر من أي شيوعي آخر الانطباع بأنه يستنجد بالتفاني dévoûment
..إننا نطلب التفاني من كل امرئ ، سواء من أجل الوحدة الوطنية الكبرى ، أم من أجل الرابطة العمالية ... يجب أن نكون متحدين دائماً ، متفانين ..
يعلق ماركس: يجب، يجب، ما أسهل أن يقال ذلك ، والناس يقولونه منذ زمن طويل ، ولسوف يقولونه بعد لفترة طويلة من الزمن ، دون أي مزيد من النجاح، إذا لم يستطيعوا أن يجدوا علاجاً آخر ." [هذا الوعظ الديني لن يفيد شيئاً]
إن بوشيه يشكو من أنانية الأغنياء ، ولكن ما جدوى مثل هذه الشكاوى ؟ وأن كابيه ليعلن أن جميع الذين يرفضون التفاني هم أعداء" 235 يعلق ماركس: برهن ولا تكتفي بالتأكيد والبت مثل نبي" والعبارة بالإنكليزية: "But just prove it , prove it !And don’t be satisfied merely with delivering or acts like a prophet" p. 244-245
وترجمتها الحرفية : لكن ، فقط برهنها ، برهنها ! ولا تقنع فحسب ، مسلماً بالوحي الإلهي كنبيّ .
الوحي: نفس الأمر : هو عبارة عن العلم الذاتي الحاوي لصور الأشياء كلها كلياتها وجزئياتها وصغيرها وكبيرها جملة وتفصيلاً عينية كانت أو علمية " من كتاب الشريف الجرجاني: "التعريفات" 244 .. تسليم الجمهور بالوحي هو تسليم جمهور المتدينين للنبي بهذا الوحي . الشاهد الوحيد على هذا العلم هو النبي وحده عبر ذاتيته (عقل النبي).. على الجمهور ؛ جمهور المتدينين أن يسلم بهذا القول ، لا أن يطلب برهاناً من النبي على ذلك .. لأن الدين لا يقدم براهين ، بل يقدم أمثالاً(نحن نضرب الأمثال للناس) . هذا هو سر النبوة وسر الدين و الإسلام .
في الختام يوجه القديس سانشو إلى الشيوعية الضربة القاضية .. إذ يتفوه بالعبارة التالية: "إن الاشتراكيين ، إذ ينتزعون أيضاً الملكية .. لا يأخذون في حسابهم أن هذه الملكية تستمر في الوجود في طبيعة الناس بالذات . أيكون المال والأشياء ملكية وحدها ، أم أن كل رأي هو لي شيء أملكه أنا ؟ وبالتالي فإن كل رأي يجب أن يبطل ويجعل لا شخصياً "
يعلق ماركس: ضربة قاضية ضد الشيوعية ؛ الاعتراضات البورجوازية الأعتق والأكثر تفاهة ... دستوت دي تراسي ، من أناس آخرين عديدين ، وفي أعقابهم ، قد قال الشيء ذاته بصورة أفضل بكثير قبل ثلاثين عاماً ..هذه الاعتراضات على الشيوعية شائعة حتى الدرجة القصوى " 238
ترد كلمة etymology وتعني : بسط أو تعليل لأصل كلمة ما وتاريخها ؛ دراسة تعني بأصل الكلمات وتاريخها (المورد 322)
يترجم د. فؤاد أيوب الكلمة الإنكليزية : eternal بـ أزليّ ، بينما المقصود أبديّ
جاء في كتاب التعريفات:
الأزل: استمرار الوجود في أزمنة متعددة غير متناهية في جانب الماضي [لم يزل]، بينما الأبد: استمرار الوجود في أزمنة متعددة غير متناهية في جانب المستقبل [أبداً] ص 17
ملكية خاصة: private property
ملكية فعلية: actual property
ملكية (بالألمانية): eigentum
لي، خاصتي (بالألمانية): eigen ، (بالإنكليزية) : own, peculiar
Peculiar: خاص ، خصوصي، متميز، امتياز خاص . المورد ص 667
تملك، حيازة : to have , having
لي(بالألمانية): mein
رأي ، نظرة (G): meinung ص 238
ترد عبارة في ص 240 تقول: المال هو الشكل الأعم للملكية.
لا تسلب الملكية الخاصة فردية الناس فحسب ، بل فردية الأشياء أيضاً وتقابلها العبارة الإنكليزية:
Private property alienates the individuality not only of people but also of things" p.248
الكلمة الإنكليزية alienation تقابل الكلمة الألمانية : Entfremdung .. لقد جرت الإشارة إلى المفاهيم التي ترسم حركة الروح من ناحية صلتها بالاغتراب وذلك على النحو التالي:
(1) إنسلاب ← (2 ) تشيؤ← (3) اغتراب ←(4) رفع
Entausserung ← Vergegenstandlichung← Entfremdung ← Aufhebung
والكلمة الأخيرة أوفإيبونغ: هي الرفع وتنطوي عند هيغل على معنى النفي والإثبات (الحفظ) في آن واحد. ويسميها هيغل النفي الملموس ، أو النفي المنتج.
يكتب فالح عبد الجبار: "يورد مترجمو هيغل إلى الإنكليزية عدة مفردات مقابل هذه المقولة:
1- transcendence = تعالي
2- supersession = تجاوز
3- sublation : رفع
4- Abolition = إلغاء، نقض ..
وتحفل العربية بهذه الصور جميعها لمفهوم الرفع aufhebung وقد اخترنا كلمة الرفع لأنها تتضمن معنى إزالة الشيء ، ومعنى الارتقاء به إلى أعلى (مستوى أعلى).." 91
الرفع عند هيغل ينطوي على معنى النفي والاثبات في نفس الوقت أو الاحتفاظ مع التجاوز . لذلك نقترب في ترجمة aufhebung الألمانية إلى العربية من مفردة النسخ والتي تعني الاستبدال والرفع والإزالة . جاء في كتاب التعريفات للجرجاني: النسخ في اللغة: عبارة عن التبديل والرفع والإزالة ، يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته .." ص 216 والنسخ للأقوال والأفكار والرفع للأعمال ، بالتالي النسخ بداية عمل الرفع : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وفي آية أخرى: "ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا.."
أشير إلى أن لحظة الاغتراب هي ما قبل الرفع مباشرة ، ومن هنا جاء العالِم الغريب. قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها .. وآخر بحث في الاغتراب في الإطار الماركسي هو الفصل الخاص الذي وضعه جورج لوكاش في كتابه "أنطولوجيا الوجود الاجتماعي" نشره أواسط الستينات ، ويعالج فيه تاريخ الاغتراب المادي والفكري وعلى صعيدي الدين والفلسفة












هوامش
- تم تعليق هذه الهوامش على كتاب : ماركس، انجلز : "الأيديولوجية الألمانية" . وقد اعتمدنا الترجمة العربية للدكتور فؤاد أيوب الصادرة عن دار دمشق 1976 والمعتمدة على الترجمة الإنكليزية الصادرة عن دار اللغات الأجنبية في موسكو عام 1964 وإلى الترجمة الفرنسية الصادرة عن دار المنشورات الاجتماعية في باريس عام 1968 . كما قارنا الترجمة مع الطبعة الإنكليزية الصادرة عن دار التقدم في موسكو سنة 1964 . وحققنا في القاموس العربي لبعض الألفاظ المعتمدة في الترجمة والمقابلة لكلمة ماركس ، انجلز.
2- روجيه غارودي : "نحو حرب دينية؟ جدل العصر" تقديم ليونارد بوف ترجمة صياح الجُهيّم، دار عطية للنشر ط1 1996 ط2 1997 . يكتب غارودي: "إن ما يسمى اليوم "اقتصاد السوق " ليس سوقاً تبرز فيه الحاجات على السوق وتهدف فيه المبادرة الفردية إلى إشباع هذه الحاجات ، ومن شأن ذلك أن يرد السوق إلى وظائفه الضرورية والسليمة . اقتصاد السوق بشكله الراهن ، اقتصاد تكون فيه السوق هي الناظم الوحيد للعلاقات الاجتماعية ، وفيه يشترى كل شيء ويباع بما فيه الإنسان وعمله ، ويحدث حينئذ ما سماه (غالبريث) "انعكاس السلسلة" إذ لا ينتج المنتج استجابة لحاجة ، لكنه يخلق حاجات (ولو كانت مصطنعة أو حتى منحرفة ) ليمكن الإنتاج من التوسع الدائم... بالرغم من هذه الهيمنة التي مر عليها أكثر من ألف سنة ، هيمنة "لاهوت السيطرة" عاش ملايين المسيحيين على طريقة "سان فرانسوا اسبّز" أو على طريقة "لاهوت التحرير" رسالة يسوع التحررية التي بشر بها الفقراء قبل غيرهم" 15-16 جدل العصر.. لا الكنيسة المسيطرة لدى المسيطرين : الكنيسة الكاثوليكية ، ولا الدين المسيطر لدى المسيطر عليهم: الإسلام. لأن كلاً منهم قد تحالف مع السلطة والثروة ، ولم يضع مسلماتهما موضع الاتهام. ولأن كلاً منهما قد أفرز "لاهوت السيطرة" مقدماً الله كقوة خارجية وعليا تخلق الإنسان والعالم والملوك الذين يديرون شؤون الناس دفعة واحدة وإلى الأبد .. من يقاوم السلطان فإنما يعاند ترتيب الله " هذا ما كتبه القديس بولس بعد بضع سنوات من موت يسوع المسيح الذي كانت حياته كلها اتهاماً للنظام القائم .. كذلك الأمر بعد وفاة النبي محمد بسنوات قلائل عندما استخدم الأمويون السلطة والثروة وأساءوا استخدامهما .. وعندما احتج الأتقياء على هذا العبث بالرسالة أجابتهم السلطة: إن كان هذا أميركم فلأن الله قد أراده وعليكم طاعته" 15
3- أصبحت شخصية الدكتور علي شريعتي منذ بداية النضال الثوري العلني ضد نظام الشاه في أوائل 1978 رمزاً للبعد الأيديولوجي للثورة الإيرانية .. يكتب علي شريعتي في مقالة له تحت عنوان : "تأملات مسلم مهتم بمأزق الشعوب المضطهدة": "إن أفضيت إليك بمكنون قلبي فلأني أريد أن أشركك بتجربتي الشخصية . وهذا يهمني لأنه يتعلق بطبقتي وبمجتمعي وببلادي وبتاريخي .
إني أعرف أفكار الناس المثقفين . أسلافي ، في الماضي السحيق ، حيث اختفوا في دفق التاريخ ، كانوا أناساً ضربهم الفقر . أما أنا شخصياً فإني من أقارب النبلاء ، ولكن أولاء النبلاء الذين لم يكن نبلهم من إنتاج الذهب والفضة " ص 207 إيران .. انتقل شريعتي عام 1968 إلى طهران حيث ألقى سلسلة من المحاضرات عن تردي التقاليد الشيعية من مستوى الدين الثوري للمضطهدين إلى الفساد الذي شهدته على أيدي سلالة الصفويين الحاكمة (1500-1722) التي تبنى مؤسسها المذهب الشيعي باعتباره الدين الرسمي للدولة .. ودعا شريعتي الشيعة إلى إحياء وتحديث المضمون الثوري الأصلي لدينهم. " إيران 205-206
4- لاحظ الأسلوب التقريري في القرآن عبر ضرب الأمثال . هذا الأسلوب لا يتعاطى مع البرهان . ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم " النور/ 35 .. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " العنكبوت / 43 ، الخ..
5- تنطوي مفردة الإنسلاب على ظلال أخرى من المعاني: التنازل والانفصال والاستلاب، هذه الظلال ستخلق قرابة بين هذه المقولة ومقولتين أخريين ، بحيث نجد أنها تستخدم كرديف للاغتراب ، أو تستخدم كرديف للتخلي ، نقل الملكية عند ماركس.
6- راجع فالح عبد الجبار : المقدمات ص 4





















ركن ا لأدب






فهرست ركن الأدب

1- مروان معماري: "صوت الجسد؛ ديوان جدير بالقراءة" ص 127
2- أنسي الحاج: "جلجلة نبيّ" ص 135
3- عمران: "عربدة الليل تحمل بشائر النهار" ص 139
4- سعد الأَخْبية: "أوراق الجوّاب" ص 141












"صوت الجسد"
ديوان جدير بالقراءة
دراسة بقلم الأستاذ
مروان معماري

فوجئتُ حين رأيت ديوان ( صوت الجسد ) للأستاذ نجيب روميّة ، ويتألّف من أربعمائة وإحدى عشرة صفحة من الحجم المتوسّط ، وسرّ المفاجأة أنّه ديوان غزل ، وأنا أعرف صاحبه مفكّراً موضوعيّاً يؤمن بالعقل والماديّة الجدليّة مما لا يترك مجالاً لعاطفية الغزِل وانسيابيته ، ولكن يبدو أنّ وراء الأكمة ما وراءها ! .
نحن اليوم أمام نجيب الشاعر ، فهل مِن تناقض بين المفكّر والغَزلِ ؟ ينجلي الأمر ، ويزول اللّبْس حين نقرأ تقديم الديوان ، وفيه شرَح غايته من غزله ، وهي غاية اجتماعيّة تعتمد على ( الجدل) ، وتدافع عن كيان المرأة في مواجهة من يريدون بقاءها في قالبها القديم متعة للرّجل حين تخطر له هذه المتعة ، وينسَوْن أو يتناسون أنّ الرّجل أيضاً متعة للمرأة ، فالمتعة والعيش والأفكار متبادلة بين الذّكر والأنثى ، ومن هذا التّبادل العادل تشرق شمس الحياة ، ويتحرّر الإنسان ، فشاعرنا في النهاية ذو توجّه إنسانيّ، ولا تناقض بين عقلانيته وغزله .
هذا ما وعدنا به ( التقديم ) ، فهل صدق الشّاعر وعده من خلال قصائده الكثيرة؟
حان الوقت لدخول عالم الشّاعر الذي وعدنا بالكثير .
وسأحاول تعريف القارئ بالديوان من خلال دراسة قصيدتين هما: ( خصوصيّة شرقيّ تتكونن) ص281، ( والوردة الحزينة ) ص125، وأبدأ بالأولى وتتألف من ستّة وعشرين بيتاً من مجزوء الوافر اتّخذ فيها الشاعر شكل القصيدة التقليديّة ، والعنوان يسترعي الفضول ، ويجذب القارئ لمعرفة ماهيّة هذه الخصوصيّة الشرقيّة في طور التكون.
في البيت الأوّل يعلن الشاعر أنّه ليس شرقيّاً فقط :
أنا ابن الشّرقِ وابنُ الغر

بِ وابن الكوكب الأزلي

ثمّ يصرّح أن قصائده الغزليّة مرتبطة بأوجاعه :
فمن أحقاب أوجاعي
كتبت قصائد الغزلِ

وفي هذين البيتين يقدّم نفسه بكلّ سلاسة وبساطة لا ينقصهما العمق ، إنّه شرقيّ كونيّ ، شرقي في مولده : في معاناته من خصوصيّات الشرق علي مر الأحقاب ، كونيّ في اتّصال معاناته بأوجاع الإنسان على هذا الكوكب ( الأزلي ) ، وهذه المعاناة فجّرت قصائد الغزل لديه كما فجّرتها لدى كثير من شعراء العرب القدامى ، ومنهم قيس بن الملوّح ، وكثيّر عزّة ، وابن زيدون .. وهؤلاء جميعاً لم يكتبوا غزلاً يُعتدّ به لولا المعاناة ، فابن زيدون – على سبيل المثال – لم يُبدع حين كانت ولاّدة قريبة منه ، فلمّا ابتعد مرغماً أيقظ الفراق شجنه ، وأشعل كوامنه ، فبكى وأبكانا .
ولكن دعْنا ننتبه إلى أنّ المعاناة ليست ذاتها عند ابن زيدون ونجيب روميّة ، فالعصران مختلفان ، وكذلك الأوجاع ، فالأوّل صوّر آلامه الذّاتيّة في حدود ضيّقة من عصره ، أمّا الثّاني فينطلق من عصره وغضبه من مفهومات ضيّقة تتعلّق بلغة الغزل إلى مفهومات رَحْبَة تستوعبُ الماضي ، وتنظر إلى المستقبل ، فهو يرى الكثير من الزّيف في هذه اللغة ، وحان الوقت لتغييرها فتغدو صريحة لا كذب فيها :
تعرّت في الهوى لغتي
كعُريِ الحقّ في جُملي

وبعض كلامهم كذبٌ
وَقاحٌ دونما خجلِ

وبعض من قصائدهم
أتتْ مسكاً على بصلِ

نعم ، إنّ لغة الغزل ( أتت مسكاً على بصل ) ، وهذه الصّورة أضحكتني كثيراً لأنّها عبّرت عن غضب الشاعر بطريقة هزليّة ، وشرّ البليّة ما يضحك .
حتّى الآن ما نزال نسمع من شاعرنا استنكاراً لما حصل ، ووعوداً بغزل من نوع جديد ولغةٍ جديدة تكون مسكاً على مسك ، ويأتي عنصر الربط بين الوعد والتّطبيق في البيت التّاسع :
فيا مَنْ زادني شجناً
وبثّ السّهد في مقلي

فالحبيب زاد شاعرنا شجناً وأرقاً ، وجاءت المفاتن لتجعله حائراً لا حيلة له، وهنا يبدأ الغزل الفعليّ.
وألقى من مفاتنه
بما حارت به حيلي

ويسرد لنا تلك المفاتن : ( الأعين النجل ، والجسد الخالي من العيوب .. ) وهنا يتقاطع كمال الحبيبة التّي يراها مع كمالٍ ينشدُه في وطنه : إنّه يرنو إلى وطن ( بلا عقد بلا عللِ ) ، وهذه الرؤية المستقبليّة – مع أنّها من قبيل التّداعي – تفصح عن اندماج ذات الشّاعر بذات الوطن الذي يشكو إنسانه من عُقَد مركَّبة وأمراض تتعاظم ، فتأتي صورة الحبيبة الفاتنة محرّكاً لسعي حثيث نحو صورة مشرقة لوطن جديد يحبّ أن يراه .
ويتابع سرد المفاتن ، فيجد في حبيبته ( غلال السهل والجبل من قمح وكرز ولوز وعسل ) ، ولو كنت مكانه لاكتفيت بذكر الغلال وما فيها من إيحاء جميل ، وصرفت النظر عن تفصيلها الذي يكبّل مخيّلة القارئ ( والشعر لمح تكفي إشارته ) ، ولن يخسر الشاعر شيئاً إذا ضحّى ببيت أو أكثر ليترك للقارئ حريّة التّخيّل ، أوَليس القارئ الذوّاقة شريكاً حقيقيّاً في الإبداع الشعريّ ؟
وسرعان ما يطلق الشّاعر سراح مخيّلته ومخيّلتنا ليجد في روح حبيبته مجرّة جذِلة دخلت جسدها السّاحر :
كأنّ مجرّةً دخلت
إهاب الأنسِ في جذلِ

فهذه الحبيبة ( شمس حروفه ، وهمّه المعانِق ، وترنيمةٌ للشّوق ، وهي فوق ذلك ، قادمة من التاريخ وإيقاع جدله :
من التاريخ أنتِ
وأنتِ من كنّارة الجدلِ

ولا أدري سبب استعماله ( كنّارة ) ولها بديل أبسط وأغنى ، ولكنْ هذا شأنه ، فهو الشاعر ونحن القرّاء .
ونقترب من نهاية القصيدة وبداية تكوّن خصوصيّة الشرقيّ الذي لا يرضى بالقليل ، وكلّما نال شيئاً من الحبيب طلب المزيد ، إنّه يريد العنقود كلّه :
وكيفَ أضمّ عنقوداً
وأرضى منه بالخُصَلِ

وخاتمة المطاف دعوة يوجّهها الشرقيّ إلى أنثاه المفضّلة لتقضي الليل عنده ، ويحرّر غرائزها وغرائزه ، وأشواقها وأشواقه من كبت طويل ، فتضطرم نار هو مُشْعِلها ، وتتمّ النهاية الشرقيّة السّعيدة ، إنّه حقّ الجسد الذي لا يكتمل حقّ الرّوح إلاّ به .
انتهتِ القصيدة ، ومن حقّنا التساؤل : هل وفى شاعرنا بوعده في بدايتها ، وفي ( التقديم ) ؟
لا شكّ أنّه ألزم نفسه بوعدين ثقيلين عليه وعلى غيره من الشعراء ، أوّلهما : لغة في الغزل جديدة ، والثاني احترام مشاعر المرأة وجسدها ، فكيف جاءت النتيجة ؟
اعتقد أنّه في كلا الوعدين نجح في التنظير أكثر من التطبيق ، وما حقّقه في الأوّل لا يختلف عمّا حقّقه معاصروه ومَنْ قبله ، والفرق أنّه قدّم وعوداً ، فنزار قبّاني أتى بلغة جريئة ، وفعل نجيب روميّة فعله ، وجرأة الشاعرين تحدّت المجتمع المتّزمت ، وقبلهما رأينا جرأة ابن أبي ربيعة ، وامرئ القيس والنابغة والأعشى ، ومع ذلك أرى فضيلة لشاعرنا إذا نظرنا إلى جرأته من منظار مجتمعيّ في زماننا هذا ، فمجتمعنا العربيّ بفعل عوامل سياسيّة داخليّة وخارجيّة يتجه إلى مزيد من التّزمت الّذي انعكس على الحياة والفنّ ، وإذا أردت التأكّد ممّا أقول ألقِ نظرة على السينما العربيّة حتّى الستّينات من القرن الحاضر تجدْ تحرّراً في إبراز مفاتن المرأة والعلاقاتِ الحميمة بينها وبين الرجل ، أمّا اليوم فأفلامنا ومسلسلاتنا العربيّة تمشي في اتّجاه معاكس للعصر ، إنها تسير شأنها شأن المجتمع - إلى مزيد من الحجب والتضييق ، وهذه الظاهرة يلحظها جيّداً علماء النفس والاجتماع ، وبناء على ذلك أرى تفرّداً في جرأة الشاعر نجيب روميّة .
أمّا الوعد الثّاني ، وهو احترام مشاعر المرأة وجسدها ، فلم أرَ في القصيدة ما يدلّ عليه أو ينفيه ، بل إنّ الشاعر كثيراً ما يشدّ اللّحاف إليه ، فاللّذة بالدرجة الأولى هي لذّته ، والأنثى ملك يديه ، فهو يدعوها إلى بيته ، وهو يشعل نار جسدها ، فلماذا لا تدعوه هي ؟ ولماذا لا تشعله هي ؟!
السؤال الأوَّل مستحيل فالمجتمع الذكوري بالمرصاد ، والثاني ممكن ، ولكن يجب أن تعبّر عنه شاعرة ، وربّما كانت ولاّدة بنت المستكفي حبيبة ابن زيدون سبّاقة في هذا المجال ، فقد كسرت حاجز الصمت الأنثويّ ، وأعطت عاشقها بإرادتها مفتخرة بهذه المبادرة :
أنا – والله – أصلح للمعالي

وأمشي مشيتي ن وأتيهُ تيها

وأُمْكِنُ عاشقي من صحن خدّي
وأعطي قبلتي من يشتهيها



ولسْت أطلب من شاعرنا التحرّر من ذكوريّته نهائيّاً ، فهذا أمرٌ ضدّ الطبيعة وللحقيقة أقول : إنّ ذكوريّته جاءت معتدلة يرفدها حبّ امتلاك يشعر به الرّجل كما تشعر به المرأة ، ولكنّني ما زلتُ أراه محايداً في احترام مشاعر المرأة وجسدها .
وأنتقل إلى القصيدة الثانية ( الوردة الحزينة ) ص/125/ وتتألف من خمسة عشر بيتاً من البحر البسيط ، وهو بحر يحبّه الشعراء عموماً والغَزِلون خصوصاً لما فيه من إيقاع متنوعّ يفسح في المجال للتّعبير عن كوامن النفس وفيض الخاطر .
الوردة الحزينة حبيبة الشاعر منذ الطفولة ، وعندما كبرا حالت ظروف لا نعرفها دون إتمام هذا الحبّ ، والأصعب من ذلك أنّه يراها أحياناً وقد ارتسم الحزن على وجهها وسرق الهمُّ بشاشتها المعهودة :
في كلّ يوم أراها أقرأ القلقا

وألمح الحزن مجموعاً ومفترقا

أعيا بشاشتها ما في مكامنها
كأنّما الهمُّ للإشراق قد سرقا



وفي هذين البيتين يطغى قلق العشّاق وأحزانهم وهم يرون الأبواب موصدة ، والحواجزَ عالية ، وقد رأينا مثل ذلك في الشعر قديمه وحديثه ، ولكنْ لكلّ تجربة خصوصيّتها ، فشاعرنا لا يستطيع نسيان الحبيبة ، فهي مورد وحيه ، وحسنها منبر ينطلق منه شعره :
جعلت منبرها في الحسن منطلقي
أكرِم بمنبرها للشعر منطلقا

ويرنو إلى زمن يشفي مواجع الحبّ :
يا طلعة الخير والنعمى ألا زمنٌ
يشفي مواجعنا في الحبّ لو صدقا

وفي هذه الأبيات الأربعة نرى الشاعر أمام واقع حزين ، ومع ذلك يتطلّع إلى واقع جميل يتركه في عهدة زمن لا يؤمن غدره ( لو صدقا ) ، وهنا يلمّح بتشاؤمه ليصرّح به في نهاية القصيدة .
الأبيات السابقة تقدّم لنا ببراعة باقة من العواطف الإنسانيّة الصّادقة يتجاور فيها الحب والحزن والإعجاب والخوف من الزمن الذي يضحكنا ، ويبكينا ويصدق قليلاً ويكذب كثيراً إنّه الزمن الجميل الذي نحنّ إليه والزمن الغامض الذي نخشاه ، وسيبقى الإنسان – ما عاش – رهين ماضيه ومستقبله وليس له إلا الحاضر ينعم بلذّاته كقول الخيّام في رباعياته :
لا تشغل البال بماضي الزّمانْ
ولا بآتي العمر قبلَ الأوان
واغنمْ من الحاضر لذّاته
فليس من طبع اللّيالي الأمانْ
ولكن إذا كان الحاضر حزيناً فلمَ لا نقفز إلى الماضي الجميل كما فعل نجيب حين تذكّر بداية حبّه الطفولي الذّي نما غرسه ليصبح اليوم غابة لا حدود لها .
هذا الغرامُ ابتدا غرساً على صغرٍ واليوم أصبح غاباً يملأ الحدقا
لكنّ الحاضر الحزين واقع لا مفرّ من معاناته :
يا ذات دمع همى يكوي الفؤاد أسى
كفكفْتُ درّكِ بالمنديل فاحترقا
فليقبّل ثغر حبيبته رغم الحواجز ، ولتطلب منه المزيد في خضمّ المستحيل :
قبّلت ثغرك مهتاجاً على مَهَلٍ
فصاح عشقُكِ هيّا أمطرِ العنقا



وحبيبته تختصر جميلات العالم ، بل تجمع إلى حسنها الذكاء اللماح ، ولكن ما العمل وما من فجر مأمول ؟
ما دام أمر الهوى ما بيننا حرجاً فكيف نرقب فجراً في غدٍ ألِقا



وعند هذا البيت تنتهي القصيدة وانفعال الشاعر في أوجه وتشاؤمه في ذروته .
ومع أن القصيدة انتهت فأنا لم أنتهِ منها ، فالقصائد الجميلة هي التّي تداعب أذنيك وشغاف قلبك زمانا طويلاً بعد قراءتها، ويتردّد إيقاعها في ذهنك فيصعب نسيانها ، ولا أقصد بذلك حفظها ، فكم حفظنا في المناهج قصائد مفروضة ، وما زلنا نحفظها ، ولكنّه حفظ يعدل النسيان ، إنّنا نكرّرها ببرودة دون انفعال ، فهو حفظ من طرف اللّسان ، وكم نسي لساننا قصائد أحببناها ، ولكنّها باقية في كياننا ، متوقّدة في مشاعرنا.
وأعود إلى الوعدين اللّذين قطعهما الشاعر في تقديم الديوان وقصيدته ( خصوصيّة شرقيّ تتكونن ) لأرى ما إذا وفى بهما هذه المرّة ، واذكّر القارئ بالوعد الأوّل : لغة في الغزل جديدة ، والثاني : احترام مشاعر المرأة وجسدها.
في ( الوردة الحزينة ) لم يتحقّق من الوعد الأوّل أكثر مّما تحقّق في سابقتها ، أمّا الوعد الثّاني فتحقّق منه الكثير ، فالحبيبة تمتلك روح الشاعر ، ولا يمتلكها :
فكم نأيت وروحي بين أذرعها
وكم فؤاد لذكر الاسم قد خفقا

وهي تأسر قلبه بجمالها وذكائها :
قرأت فيك تواريخ الحسان وقد
فُقتِ الحسانَ ذكاء يملأ الحدقا

ولا يخفى ما في هذين البيتين من احترام للمرأة ملاذاً وذكاء ولا يغيب عنّا تطامُنُ ذكوريّة الشّاعر حين اعترف بذكاء الحبيبة ، ولكنّه تطامُن نسبيّ ، فهي أذكى النّساء ، فكأنّ نجيباً – وهو ذكيّ – يحتفظ لنفسه بالقِدْح المعلّى في هذا المجال .
بعد الوعدين أودّ إلقاء نظرة سريعة على خيال الشّاعر وأسلوبه اللّفظي في ( الوردة الحزينة ) ، فأمّا خياله فقد أنتج صوراً متفاوتة نجدها محلّقة حيناً وعاديّة حيناً آخر ، ومنها ما لا يلائم السّياق ، فمن صوره المحلّقة جعل منديله يحترق بالدّموع الحارّة لحبيبته :
يا ذات دمعٍ همى يكوي الفؤاد أسى
كفكفْتِ درّكِ بالمنديل فاحترقا

ومن الصّور العاديّة تشبيه الغرام بالغرس الّذي كبُر فصار غاباً :
هذا الغرامُ ابتدا غرساً على صِغَرٍ
واليوم أصبح غاباً يملأ الأفقا

ومن الصّور التي لا تلائم الغزل في سياق القصيدة تشبيه حُسْن الحبيبة بالمنبر :
جعلت منبرها في الحسن مُنْطلقي
أكرِمْ بمنبرها للشّعر مُنطَلَقا


وأصِل إلى أسلوبه اللفظيّ لأجد ألفاظاً منتقاة بعناية ، أمّا التراكيب فتجمع بين المتانة والنعومة ، وكم وددْتُ ألاّ يلجأ شاعرنا في البيت الثّاني إلى زيادة اللاّم ( للإشراق قد سرقا ) فقد ظهر في تقديم المفعول به وزيادة اللاّم عليه اصطناع كان الشاعر في غنى عنه .
وفي بيت مذكور سابقاً يتوالى حرف القاف ثلاث مرات فيُجهد اللسان والشعور ( اقرأ القلقا ) ، وكان من الممكن التبادل بين ( أقرأ ) و( ألمح ) في البيت ذاته فيزول هذا الجهد .
أمّا رويّ القصيدة ففيه مغامرة يتجنّبها الشعراء ما عدا الكبار منهم ، وهي استعمال القاف رويّاً في قصيدة غزليّة ، لكنّ حِرَفيّة الشاعر وصدقه في تجربته الشعوريّة أخرجاه من هذه المغامرة منتصراً .
إنّ ملاحظاتي القليلة لا تقلّل من شأن ( الوردة الحزينة ) ، فهي قصيدة دائمة التوهّج في معانيها وإيقاعها ، تقرؤها مرّة فتردّد نفْسها مرّات ، وفي الديوان الكثير من مثيلاتها في المستوى والصّدق والجمال .
وبعدُ أرى في هذا الديوان أنفاساً عبقة وروحاً جديدة بعد أن كثر أدعياء الشعر ، وكتموا أنفاسنا بمطبوعاتهم الهابطة ، إنّه ديوان جدير بالقراءة .
























جلجلـــــة نبـــــيّ
أُنسي الحاج
في الذكرى المئوية لموت الروائي الروسي ليون تولستوي يستعيد المتابع قضيّة الصراع بين نظريتي الكتابة للتأليف الفنّي والكتابة للإصلاح الخلقي والاجتماعي. إنها إحدى المفارقات التي طبعت مسيرة صاحب «الحرب والسلم». فقد أمضى الشطر الأوّل من حياته، وبعد شباب راتع في الملذّات، منصرفاً إلى التأليف القصصي غير الهادف أخلاقيّاً، على الأقلّ بصورة مباشرة، وفجأةً في مستهلّ الخمسين من عمره صعقته صعقاً فكرة الموت، وسيطرت عليه هواجس الفناء ومعنى الحياة وتساؤلات أخلاقيّة ووجوديّة ماديّة أبرزها مساوئ الملكيّة الخاصّة ووحشيّة التفاوت الطبقي وإجرام الحرب المطلق وانحطاط الإنسان المتأتّي عن انجرافه وراء شهواته الحسيّة. وراح يحاول اللحاق بعيش الفقراء فيتزيّا مثلهم ويعمل معهم في الحراثة والقطاف، وأراد أن يوزّع أملاكه، وهو الكونت الثري، على المعوزين فاصطدم بمعارضة زوجته صوفيا كما اصطدم بمعارضتها لنهجه الجديد هذا حتى النهاية، ممّا عكّر عليه بقيّة حياته وحمله آخر المطاف على الهرب من المنزل والمرض والموت
***
تنامت حركة تولستوي والْتَفَّ حوله المريدون وغاص في كتابات فلسفيّة وتوجيهيّة مرفقاً النظريّة بالممارسة ومؤسّساً نوعاً من حزب يعتبره الشيوعيّون ممهّداً أدبيّاً و«روحيّاً» لثورتهم البولشفيّة فتح لهم فتح الشغف والعاطفة الكثير من الأبواب، كما يعتبره اللاعنفيّون مصدراً من مصادر مقاومتهم السلميّة، وأبرز مثال لها في القرن العشرين كان المهاتما غاندي.
نتوقّف عند التناقض الشائعة صورته بين الخلق الذي يقصد تمام نفسه والخلق الذي يستهدف الإصلاح ونتساءل لماذا يقال إنّ القسم الأوّل من أعماله عظيم لأنه «مجاني» والقسم الثاني (الذي تبنّاه هو في أواخره ضدّ قسمه الأوّل الذي اعتبره «عاطلاً») هذا القسم الثاني ضعيف ورديء لأنّه حمل رسالةً إنسانيّة مباشرة مريداً نفسه مجرّد فاعل خير؟ يقال ذلك لأنّ «القوّة الباردة» التي سندت القسم الأوّل (وأبرزه «الحرب والسلم» و«آنّا كارينينا) تراخت في القسم الثاني لحساب الشفقة. كانت أنانية المؤلف مأخوذة كليّاً بموجبات التأليف، وأصبحت منشطرة بين الصناعة الكتابيّة والتعاطف مع البؤساء، حتّى استحوذ التعاطف على كل شيء وتراجع الهاجس الفنّي كليّاً أمام الدعوة الإنسانيّة
هل تكون مشكلة زائفة؟ فهذا لا يمنع ذاك. شكسبير برهان. وشاتوبريان وهوغو. فضلاً عن أن هذا موجود في ذاك: غوستاف فلوبير زعيم القصّة الجماليّة حتى الملل أنتج إميل زولا زعيم القصّة الواقعيّة الطبيعيّة حتّى الغثيان. وعند كلٍّ من الاثنين قمم وعند كلٍّ منهما سقطات مريعة.
لا يفارق المرء طبعه إلّا يتعثّر. في رسائله إلى ذويه يبدو ر مبو أقلّ من شخص عادي. وحين أراد طه حسين أن يغازل الكتابة النضاليّة وجد نفسه في كتابه «معذّبون في الأرض» أقلّ من ربع نفسه.
لكلٍّ خطّه. لم يكن تولستوي فنّاناً للفنّ في البداية ولم ينسلخ عن ذاته في النهاية. منذ البدء كان قصّاصاً لمتعة القَصّ وهذا يعني أنه كان يقظاً في الواقع. بل كان هو الواقع. كان دائماً هو نفسه، تطوّر من الأقلّ إلى الأكثر حتى جمح، بشخصيّته الروسيّة الأقصويّة، نحو الذروة من فضائه. لقد انطفأ من وهجه وفي وهجه ولم ينطفئ في رماد.
***
يهمّنا تولستوي بسبب هذا الصدع الذي شقّ حياته نصفين. يكاد يكون الوحيد من نوعه. رمبو قضيّة أخرى، والتوقّف عن الكتابة لم يقتصر عليه. الأسطورة، أسطورة الصمت الباكر، لبسته دون سواه لأهميّة نتاجه ولظروف نشأته وتناقضات مصيره. تولستوي لم يتوقّف بل تابع بشكل تبشيري. كان كاتباً أدبيّاً يروي بدم بارد وفجأةً، في الخمسين، أصابه جنونُ الوعي الأخلاقي.. اكتشف العدم وراء الأشياء. «لم يعد لديّ رغبات. عرفتُ أنه ما من شيء بعد اليوم يستثير الرغبة». صار يشمئزّ من عافيته، ويكره شهيّته الجنسيّة وقابليّة سائر الملذّات، وبات مرامه الحياة البسيطة والتقرّب من الشعب واكتشاف الله، أوّلاً عبر الكنائس القائمة وفي ما بعد، عندما يئس من ملاقاة الله بهذه الوسيلة، تيقَّنَ له أن عقائد الأرثوذكسيّة غير مطابقة لروح الأناجيل، وبدأ يجهد لابتداع ديانة شخصيّة. وسرعان ما يختلط ذات ليلة بالشحّاذين، مغموراً بسعادة فائقة: أخيراً بلغ الهدف! هنا الحقيقة! هنا صدق المعاناة! هنا الجوهر!
... ولم يدم نزوله إلى هذه الجحيم المطهّرة غير ليلة، فسرعان ما انتشر الخبر وهرول الأهل والأصدقاء والمريدون يعيدون الكونت على أترف ما يكون إلى دارته العامرة.
ظلّ مثابراً على عيش دعوته الجديدة بأقصى ما يستطيع من التناغم. لكنّه، مرّة أخرى، بينما كان يبشّر مريديه بالعفّة الجنسيّة والاقتصار على الطعام النباتي كانت زوجته صوفيا تستعدّ لوضع مولودها الثالث عشر... عندئذ قرّر الفرار من هذا البيت «الكثير الرفاهية ومن هذه الزوجة التي تسربله بسلاسل الاعتياد والمتعة، ومن هذه الأسرة الكبيرة العدد التي ـــــ على وصف هنري تَرَويا ـــــ "كلّ وجه من وجوه الأولاد فيها يذكّره بخطيئة ليلة من الليالي".
في 28 تشرين الأوّل 1910 نهض ليلاً من سريره وارتدى ملابسه ووضّب حقيبة سريعة وأيقظ طبيبه الخاص وركب وإيّاه عربةَ الخيل إلى محطّة القطار.. الفرار. الانعتاق. «إنّ روحي تتوق بكلّ قواها إلى الراحة والعزلة، لكي تعيش بانسجام مع ضميري. أو، إذا تعذَّر ذلك، للإفلات من النشاز الصارخ الحاصل بين حياتي الحاليّة وإيماني...». ولكن مرّة أخرى سرعان ما لحق به جمهوره. وبينما كان فريسةً لحمّى ذات الرئة، ليل الرابع من تشرين الثاني، يتخبّط في سريره كغريق وسط بحر الأهل والصحافيين ومصوّري السينما والمريدين ورجال الدين، استطاع أن يتمتم: «ولكنّ الفلّاحين، كيف يموت الفلّاحون؟». وبعدها بيومين: «دائماً أنا... دائماً هذه التظاهرات... كفى تظاهرات. صباح اليوم التالي، 7 تشرين الثاني 1910، في السادسة والدقيقة الخامسة، فاضت روحه
***
مات تولستوي من تغلّب شقّه الأوّل على شقّه الثاني. بقي الكاتب وانطوى النبيّ. ولا في الأوّل ولا في الأخير استطاع أن يجد اللّه الذي جاع إليه. وحتّى عندما تبنّى روحَ الأناجيل وبالأخص موعظة المسيح على الجبل لم تقترن مسيحيّته بروحانيّة المسيحيّة. ظلّت مسيحيّة اصطناعيّة. و«نزوله» إلى الشعب كان صادراً من فعلِ إرادة عقليّة ورغبة في التشبّه. لا يُنزَل إلى الشعب، يكون المرء ابن الشعب أو لا يكون. الأخوان رحباني أوصلا الروح الشعبيّة إلى الناس لأنّها فيهما ولم يتعلّماها في المدارس. لم يشتهياها بل كاناها. الأدب «الشعبي» الذي كتبه أدباء «من فوق» لم يبقَ منه شيء لأنّه نتاجُ مثقّفين بورجوازيّين وأرستقراطيّين «هاجروا» عقائديّاً إلى ما يظنّونه الشعب ورسموا عنه وله صوراً مفبركة. لم يصمد من هذا الأدب غير ما أنتجه عمالقة في كلّ شيء كهوغو ودوما الأب، خلّاقان لم يلجآ إلى موضوع الشعب كمَطْهَر يكفّرون به عن خطايا الثراء ولقب «الكونت» وامتيازات الإقطاع. خلّاقان موهوبان في التقمّص وخصبا الخيال. الشعور بالذنب لدى الكونت تولستوي واضح ولا ارتياب بصدقه، لكن الشعور بالذنب، مهما اشتدّ، ليس كافياً وحده لتوليد الطهارة ولا للشفاء من الذنب. اندمْ، الندم نبيل، لكنّه لا يُغني عن الينبوع الداخلي الخبيء الذي هو وحده يتدفّق بالإيمان، سواء كان الإيمان بالله أو الإيمان بأيّ شيء آخر.
البساطة الشعبيّة لا تُتَعلَّم، ولا العفويّة، ولا الوداعة، ولا القناعة. الإيمان لا يُسْتَحْدَث بالحساب ولا بالإرادة. رهانُ باسكال (تعالوا نؤمن فماذا نخسر؟ إنْ كان اللّه موجوداً نربح ثوابه وإنْ لم يكن فلا خسارة) يبعث على الاستخفاف لولا شخص باسكال وعبقريّته ومعاناته. تولستوي نفسه أدرك مأسويّة وضعه حين قال واصفاً أحد أبطاله «ليفاين» الذي هو أكثر انعكاساته الروائيّة تعبيراً عنه: «أشخاص مثل ليفاين، مهما عاشوا مع الشعب، لن يصيروا كالشعب. الإرادة، أيّاً تكن، لا تكفي لتحقيق الرغبة بالنزول إلى الشعب























عربدة الليل تحمل بشائر النهار
عمران
في الشرق الغارق في الغيب وفي رهبوت الجهل
في أرجاء الوطن القابع تحت عباءته
وفي ساحات اللعب بنار النفط.
يشتعل الزمن العربي سريعاً
في الأرض الحبلى بالزيتون وبالليمون وشجر النَّخل
يُفتَّح بالدم والإزميل طريق للتاريخ القادم
عبر دخان حرائقهم
رافعة التاريخ هناك
يتهالك حيتان المال على أرزاق الأمة
والشعب البائس لا يملك بعضاً مما تملك بعض شعوب في الدنيا
باسم الشعب تدار اللعبة
فالقمع يزيد، يبيض، يفرِّخ
غيرَ الطاعة لا يملك شعب ضاعت منه إرادته
ومحاورهم تنسج شبكات ،
يقبضُ فيها على الأنفاس كما الثروات!
والوطن الغارق في الأحزان يفتِّش
عن درب موصلة للآمال جديدة
يا قادم من رحم التاريخ الأسود
تحمل في كفيك رغيف الخبز وقبس النور
ننتظر بكل الشوق قدومك
تزرع ورداً في وطن زرعوه جراحاً وتبشِّرنا
بزوال اللعنة في الأرض المملوءة جوراً
تستكتبنا البِشْر، النصر، لتاريخ قد غاب طويلاً
فالأيام تدور ، وتشتدُّ الظلمة
كي ينبلج النور قوياً
يا عمال الأرض جميعاً
يا فقراء العالم من أقصاه إلى أقصاه ..
بسواعدكم وإرادتكم يُدفن هذا الظلم
لتسطع شمس الحق بأرجاء المعمور
قدرٌ أن نصنع أقداراً للخلق تفيض حبوراً
قدرٌ أن نمسح دمعة حزن
أن نسكب في أنفاس الناس كؤوس الفرح
وأن نجتثّ جذور الظلم
لتنمو قامات للناس جديدة
فتعالي أيتها الجالسة على كرسيِّ الحلم الوادع ِ
أفتقد زماناً يزهر بالأحلام
ووسادة عشق سكرت من أنفاس العطر
الزاحف في أشواق الليل إليها
أفتقد الشمس تصافح كل بطاح الأرض
الظمأى للعدل وللنور
تعالي فجموح العشق يعذبني ، يسرق أثواب نعيمي
ردّي فرحي فأنا العاشق من أيام السبي
لأنثى تملأ روحي ، للوطن يبلسم ألم جراحي
لسماء غير ملوَّثة ، ولصبح يُسكرني
في وطن خلع الأردية المشبوهة
كي يكتسيَ بأثواب من صنع بنيه
يا هذا التائق للزهر وللشمس وفرَح الأرض
تشبث بشراعك ، أبحر، فالشاطئ ليس بعيداً
والأرض العطشى لهتافك، تفتح أذرعها
لتضم الفارس بعد صراع طال مع الليل
وتسجّل في دفترها صفحة مجد
ما دمتَ الصانع للأمجاد
ثملتُ بخمرة أحزاني ،
فمتى أُسقى من ماء الكوثر ؟!
أمسك بالزمن الهارب مني
أغتصب الفلك الساحر في التضليل
لقرّاء للكف ، أو النحس، وأمشي
مهما طالت هذي الدرْب
فنحن الزمن الآتي، رغم الفلك الزائف
فالحاضر يحمل طيّ حشاه
براعم للفجر الموعود.






أوراقُ الجوّاب
سعد الأخْبية
I
في امتداد الأفق و روعة السهوب
وانهماك المطر
يصعدُ الصوتُ من بعيد مستعيداً الروح!
II
العناد يقوّس الظَّهْر
و الريح الرملية تَسْفي بقايا العمر
..بضرباتٍ بربريةٍ
كنتُ موحشاً كطريق مهجورة ، وخربة نائية
كنتُ أتساند على بتلات يابسة
والريحُ أنهكها العَصْف
III
عند اشتعال الظهيرة بضياء الكون
واحتراق الظِّل
كنتَ واقفاً كسراب مضطرد
باخعاً نفسكَ على آثار قافلة


IV
كان الغسق يمحو صوراً غابرة
منحدراً نحو الشمال
وكانت غيومٌ .. هناك مشتتة
حينها جاء الجنوب بخبر
وارتفعت السماء
وسقط المطر
V
في الليلة المقمرة عند القصبة الكبيرة صاحبة المدخل
نامت يدي على يدها
وهبت الريح .. تحفّ الطريق كعجوز متسلل
كان انهماكي بمشهد القمر .. هاربا نحو تلال مُدْنَفة!
XI
شاهداً عليكِ باندفاعيَ المتدفق
غائباً عنكِ بشرحيَ الطويل
ناشراً بقايا الغيوم، كستارة بيضاء

(تجمع اليسار الماركسي في سوريا- تيم)هو:
تجمع لأحزاب وتنظيمات وشخصيات مستقلة ماركسية .صدرت وثيقته الـتأسيسية في 20نيسان2007.
يضم(تيم)في عضويته:
1- حزب العمل الشيوعي في سوريا
2- الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي
3- الحزب اليساري الكردي في سوريا
4- هيئة الشيوعيين السوريين
5- التجمع الماركسي – الديمقراطي في سوريا – تمد .
============================================================================================






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,624,257,815
- بيان من (تيم)
- طريق اليسار - العدد 28: نيسان/ أبريل 2011
- وللحرية الحمراء
- طريق اليسار العدد 27: شباط / فبراير/ 2011
- قلوب السوريين والعرب تنبض على إيقاع ثورة الشعب المصري العظيم
- طريق اليسار العدد 26: كانون الثاني 2011
- كل التضامن مع كادحي تونس ومناضليها
- طريق اليسار - العدد 25: كانون الأول 2010
- جدل - مجلة نظرية- فكرية- ثقافية العدد 8
- وثيقة نظرية حول الإمبريالية الجديدة
- طريق اليسار - العدد24: تشرين الثاني/ 2010
- طريق اليسار - العدد 23
- طريق اليسار - العدد 22: آب / 2010
- طريق اليسار العدد 21:
- الكيان الصهيوني في مواجهة قافلة الحرية ثقافة الوحشية والهمجي ...
- جدل - العدد 7 أيار / مايو 2010
- طريق اليسار - العدد 20: أيار/ 2010 /
- طريق اليسار - العدد 19: آذار/مارس 2010
- طريق اليسار - العدد 18: كانون الثاني 2010
- طريق اليسار ملحق العدد 17


المزيد.....




- الإرهاب الإسلامى الأمريكى
- ليكسبريس: اليسار الفرنسي يضغط للاعتراف بفلسطين
- البيان الختامي للاجتماع التشاوري لقوى التيار الديمقراطي العر ...
- احمد السقا: مراتي رمت طوبتي. وهذه تفاصيل اعتداء المتظاهرين ع ...
- -النور- بشبرا يوقع بروتوكول تعاون مع مركز تعليمي لمساعدة الف ...
- أكدت على التمسك بالسلمية ونبذ العنف من أي مصدر كان جمعية وع ...
- شخصيّات عامّة يهوديّة وعربيّة في إسرائيل أقامت لجنة للإغاثة ...
- 500 صورة فوتوغرافية فريدة لزعيم الثورة البلشفية تسلم إلى مكت ...
- وزير خارجية تركيا: نسهّل مرور مقاتلين أكراد عراقيين لكوباني ...
- السعودية تنفي دعم البوليساريو بمنح دراسية


المزيد.....

- الثورة الروسية و الحكومة السوفييتية , لبيتر كروبوتكين ترجمة ... / مازن كم الماز
- مقدمة عن اليسار العربي والثورات العربية / خليل كلفت
- أكاذيب حول تاريخ الاتحاد السوفياتي ..الجزء الأخير / رفيق عبد الكريم الخطابي
- الطبقة العاملة والتحزب الشيوعي-القسم الثاني / كورش مدرسي
- تونس، مصر: عندما تكنس رياح الشرق عجرفة الغرب / آلان باديو
- رفع راية الماوية لإسقاطها : المنظمة الشيوعية الماوية تونس نم ... / ناظم الماوي
- تشى غيفارا: أيقونة أم ثائر أممي؟ / مسعد عربيد
- كرونشتاد والثورة الروسية / أشرف عمر
- من المشاعية البدائية إلى الرأسمالية / محمد عادل زكي
- نظام إستغلال و إضطهاد عالمي - الفصل الأوّل من كتاب - الأساسي ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - جدل - أفكار من أجل تحويل تيم إلى حزب موحد