أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الأسدي - (الغاندية الجديدة) دراسة في حركات اللاعنف العربية















المزيد.....



(الغاندية الجديدة) دراسة في حركات اللاعنف العربية


رياض الأسدي

الحوار المتمدن-العدد: 3341 - 2011 / 4 / 19 - 02:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


)سبب الحرية يمثل مهزلة إذا كان الثمن الذي يتوجب دفعه هو التدمير بالجملة لهؤلاء الذين سيستمتعون بالحرية / غاندي(

مقدمة:
هذه المقولة الغاندية تعني أولا وأخيرا الالتزام بقضايا الإنسان وبالإنسان نفسه أولا باعتباره أثمن رأسمال كما قال كارل ماركس أوجده الله على الأرض. لذلك فإن جميع الحركات الفكرية الكبرى في التاريخ على اختلاف منطلقاتها وأهدافها كانت تروم بناء عالم حرّ لبني البشر يمكنهم من خلاله التواصل والتفاعل بين الأمم والشعوب بشكل سلمي بعيدا عن روح الهيمنة والتسلط والتعالي والنهب الاستعماري. من هنا فإن المتغيرات السياسية المتلاحقة في العالم تكنولوجيا ومعرفيا وانتقال الخبر بسرعة البرق قد خلق حاضنة فكرية كبرى لنمو جيل جديد مختلف عن عموم الأجيال العربية السابقة ليس جيلا لخزن المعلومات فحسب بل هو جيل قادر على تحليلها وتحويلها إلى أداة إجرائية practically أيضا. وفي العالم العربي كانت حركات المطالبة بالتغيير قد أوقفت العالم على قدم واحدة- كما يقال- حتى بلغت تأثيراتها إلى الصين؛ إذ حذرت الحكومة الصينية رعاياها من مغبة التشبّه بما يحدث في البلاد العربية، وخاصة تلك الموجة العارمة التي شملت معظم الأنظمة العربية العسكرتارية التي قامت في الوطن العربي حاملة شعارات قومية واشتراكية ثم نتج عن مضمونها النهائي اكبر مصادرة للحريات في العالم العربي. فلم يعد الوضع ممكننا بعد ذلك في عالم تراكمي من المعلومات وتنظيم للأفكار من خلال تفاعل دائم لجيل جديد بات يشقّ طريقه وسط عواصف دولية وإقليمية ومحلية عاتية.
ولعبت العوامل التكنولوجية وثورة المعلومات التي بدأت منذ أواخر العقد الأخير من القرن العشرين دورا كبيرا في تأجيج الصراع العلني بين الحكومات المستبدة وشعوبها، كما سهلت المواقع الاجتماعية كالفيسبوك وتويتر واليوتيوب والمدونات الشخصية والجروبات المختلفة وعموم ما يعمل على ألنت من القيام بدور كبير في تنسيق الأعمال والمهام وتبادل المعلومات في أجيال شابة جديدة تبحث عن الحرية والتقدم. وهكذا فقد ارتبطت التكنولوجيا بالمعرفة وبالتنظيم السياسي في الوقت نفسه وكذلك بإمكانية وضع ساعة للصفر للانطلاق نحو الثورة.
ولم تكن تلك الثورة العربية الجديدة منذ مضمونها الأول مفاجئة إلا لأولئك الذين عزلوا نفوسهم عن حركة العالم والتسارع الهائل في المعلومات والرؤية والإحساس بالفردية وسط عالم افتراضي حرّ كان أنموذجا لعالم على الأرض فيما بعد لعموم الجيل العروبي الجديد المستعمل للتكنولوجيا المعرفية الواسعة. وبرغم محدودية مستعملي النت قياسا بعموم الشعب إلا أنهم استطاعوا في النهاية التأثير في الشارع العام والشارع السياسي على حدّ سواء في ظل أحزاب وحركات معارضة مؤدلجة. وما هذه الحركة الواسعة والمعدية ايجابيا في مضمونها إلا حركة لا عنف سلمية بعد أن فشلت محاولات التغيير عن طريق الانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية المنظمة تحت الأرض التي تتصيد الظروف للانقضاض بقوة السلاح على الحكم، وكذلك الثورات الدينية المنظمة ذات الطابع المعتدل أو المتشدد على حدّ سواء.
إن دراسة عملية التغيير الاجتماعي في (الغاندية الجديدة) ذات الطابع اللاعنفي في انطلاقتها يعدّ من الأهمية بمكان لمعرفة طبيعة التطورات التي تمر بها المجتمعات العربية والدوافع الظاهرة والخفية لتسارع التغيير. ومن هنا فإن سلسلة من البحوث العلمية ذات الطابع في الاجتماع السياسي تقدم لمؤسسات الدولة وللطبقة السياسية ما يكفي من المعلومات التفسيرية لمجريات الأحداث وتوقعاتها في الوقت نفسه؛ تماما مثلما هي المعاهد ومراكز البحوث في الدول المتقدمة التي كانت سباقة في هذه الدراسات الأولية والرائدة معا.
الغاندية الجديدة في العالم العربي
يعدّ مصطلح (الغاندية الجديدة) مواكبا لطبيعة الأحداث التي تجتاح الأمة العربية من الماء إلى الماء. كان غاندي مثالا حيا لدى معظم النخب Elites السياسية والثقافية في العالم العربي طوال النصف الأول من القرن العشرين. وكانت السيرة الشخصية المبهرة للمهاتما (الروح العظيمة) ملهمة لكثير من المفكرين والكتاب العرب والمسلمين على حدّ سواء حتى أنها كونت طريقا روحيا للعديد منهم على الرغم من الضبابية الفكرية والتهم غير الأخلاقية الأخيرة الموصومة بها والتي رافقت الغاندية مؤخرا فقد ذكر الكاتب والصحافي الأميركي (جوزيف ليليفيلد) في كتاب جديد له عن سيرة المهاتما غاندي انه كان (ثنائي الجنس) وترك زوجته من أجل رجل يهودي ألماني.
وقال ليليفيلد إن الزعيم الهندي الأسطوري كان ثنائي الجنس مولّها بيهودي ألماني يدعى هيرمان كالينباخ إلى حد أنه ترك زوجته من أجله. وتبعا للكاتب فقد قال يخاطبه: " لقد استحوذت بالكامل على جسدي. وهذه أقصى درجات العبودية". يبدأن ذلك الأمر كان من وجهة نظر أخرى محاولة لتشويه صورة الرجل المسالم وحركة اللاعنف في العالم حتى إن حاكم ولاية كوجرات - مسقط رأس المهاتما غاندي- أمر بحرق الكتاب وتقديم مؤلفه إلى المحاكمة. لكن السياسيين الحاليين في العالم عموما ورواد حركة اللاعنف لم يستطيعوا على العموم تلمس طريق غاندي بسبب طبيعة العنت والقسوة ومستوى سحق الآخر على نحو عال في العالمين العربي والإسلامي. ويرجع بعض الباحثين الغربيين والمستشرقين خاصة طبيعة هذه (الوضعية التاريخية) إلى المنظومة الفكرية الخاصة بالدين الإسلامي نفسه(1) وهكذا تعدّ طريق اللاعنف على أية حال غير ملهمة للسياسيين العرب والعسكريين بوجه خاص من الذين استحوذوا على السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية بعد رحيل القوى الاستعمارية وبعض الأنظمة التقليدية عن المنطقة العربية. وهكذا نجد العسكر من أولئك الذين تسيسوا بحكم الانقلابات العسكرية فصاروا ساسة مدنيين بين ليلة وضحاها.
بيد أن الغاندية لم تلبث أن ظهرت كسياسة (لاعنفية) جديدة في العالم العربي في الآونة الأخيرة بعد فشل كل محاولات التغيير عن طريق العنف ولما ظهر من تحصّن للسلطات الحاكمة في العالم العربي ضد الانقلابات العسكرية وحتى الثورات الشعبية المسلحة أيضا والتي بات أنموذجها مقربا لكثير من الحركات السياسية الآن بعيدا عن استخدام السلاح؛ فقد أوردت المعلومات الأخيرة على اليوتيوب قيام المتظاهرين والمحتجين بتجميع الأسلحة أمام الجامع العمري – حيث انطلقت الاحتجاجات المطالبة بالحرية- بمدينة درعا في سوريا بعد أن أرسلت لهم من قوى الأمن السوري نفسها من اجل وصمهم بالعنف. ورغم ذلك فإن حالات العنف يمكن أن تتطور لدى المتظاهرين المطالبين بالحريات كما هو عليه الحال في (موقعة الجمل : البداوة في مواجهة التكنولوجيا) المصرية حيث أرسل (البلطجية : دعاة العنف الممولون ماليا من الأنظمة الدكتاتورية) الحيوانات المركوبة لفض الاعتصامات في ميدان التحرير بالقاهرة. وكذلك قيام الزعيم الليبي معمر القذافي باستخدام اكبر جدار ناري ضدّ المتظاهرين العزل من السلاح في طرابلس والزاوية وبنغازي ومصراته.. وهذا الوضع نتج عنه التحول من سياسة اللاعنف للمتظاهرين السلميين إلى اللجؤ إلى السلاح للدفاع عن أنفسهم. مما دعا سياسات اللاعنف أن تتراجع كثيرا بإزاء تلك المواقف ودعوات التغيير الراديكالية العنيفة، وبات من الصعب الحفاظ على سياسة اللاعنف بوجه أنظمة تستخدمه ضدّ مواطنين عزل كما هو عليه الحال في اليمن التي تشهد تظاهرات سلمية يومية ومتواصلة بلا أسلحة في وقت عن كمية قطع السلاح في المجتمع اليمن هي خمسة أضعاف عدد سكانه. فلماذا اللجؤ إلى اللاعنف كسياسة غاندية جديدة في ظل أنظمة قمعية مغلقة بنيت على العنف المنظم ضد الشعب؟ لاشكّ بان ذلك يعود بالدرجة الأساس إلى تصور كمية الدماء المسالة أو التي يمكن أن تسيل في حالة قيام ثورة شعبية مسلحة ضد الأنظمة الدكتاتورية العربية كما هو عليه الحال في الأنموذج الليبي؛ ففي الوقت الذي فقد مصر ثمانين مواطنا محتجا سلميا – على سبيل المثال- من أكثر من ثمانين مليونا استطاعت أن تتخلص من أكبر دكتاتورية عربية في العالم العربي في حين يفقد الشعب الليبي في بضعة أيام مثل هذا العدد في صراعه المسلح ضد دكتاتورية القذافي.
ومن هنا بات من الممكن مناقشة الأفكار الغاندية من جديد كوسائل للتغيير السلمي ومدى نجاعتها في بدايات القرن الحادي والعشرين. كتب غاندي في سيرته الشخصية المتألقة واصفا حركة اللاعنف :" لست أقدم للبشرية شيئا جديدا؛ فحركة اللاعنف والحقيقة قديمان قدم البشرية نفسها "(2) ومن المفيد في هذا المجال معرفة الضرورة الفلسفية التي أقامها غاندي بين الحقيقة واللاعنف (الساتياجراها: وهي أول حركة عصيان مدني ظهرت في التاريخ في عام 1920) حيث يكوّن كلاهما الحقيقة واللاعنف كحركة واحدة في مواجهة حالة اللاعدالة والعنف على حدّ سواء. وتعني (الساتياجراها) عمليا التخلي تماما عن اللاعنف بكل مظاهره ودوافعه والاستعاضة عنه بالحقيقة؛ هذه المعادلة هي صلب الحركة الغاندية في الهند وتبلورت كبدايات مذ كان غاندي يعمل محاميا في جنوب أفريقيا ويخوض كفاحا متواصلا. ثم توسعت في الهند عن طريق حزب المؤتمر الهندي الذي أنشأه وأقام عليه تلميذه وخليفته في الكفاح اللاعنفي لال جواهر نهرو(*). ثم لتشمل بعد ذلك تلك الحركة جزءا كبيرا من العالم المتمدن إذ ظهرت في حركة الحقوق المدنية للقس مارتن لوثر كينغ في منتصف الستينات من القرن الماضي في الولايات المتحدة، وحركة التضامن البولندية polish solidarity movement التي قادها النقابي (ليخ فاليسيا) لتقويض النظام الشيوعي معتمدا على مفاهيم اللاعنف المسيحية وبدعم مباشر من الكنيسة الكاثوليكية والبابا يوحنا بولص الثاني شخصيا. وكذلك ثورة سلطة الشعب peoples power التي أطاحت نظام ماركوس الدكتاتوري بالفلبين(3) وكذلك موقف الشباب الصيني المعارض لشمولية النظام في الصين متمثلا في الاعتصامات والاحتجاجات في ميدان (تيان من: بوابة السماء) والأسلوب الوحشي الذي فرقت به الحكومة الصينية تلك الاحتجاجات المطالبة بالحرية وحقوق الإنسان (كأنموذج على فشل حركة اللاعنف أيضا إذ لم تستطع أن تحول احتجاجات الطلبة في تيان من إلى حركة شعبية كبرى) وما نتج عنها من رؤية جديدة تتمركز في إمكانية مواجهة الشباب للدبابات ( بتلك الصورة المؤثرة لطالب من جامعة بكين وهو يقف بجلده أمام دبابة قادمة= أعيد المشهد نفسه (يوتيوب) لشاب تونسي يقف وحده عارضا جسده للموت أمام قوة من البوليس فيطلق عليه النار ويردى قتيلا) لكن تلك المشاهد الصينية المؤثرة صارت تاريخا على اللاعنف ولم تستطع أن تحقق أهدافها بسبب قوة النظام البوليسي الصيني والحيلولة دون اشتراك قطاعات من الشعب مع المحتجين من الطلبة والشباب. بيدأن الحكومة الصينية الدكتاتورية لم تلبث أن حذرت سكان الصين من التشبه بحركات الاحتجاج العربية علنا ودعت إلى التذكير بأهمية الدولة الصينية الشمولية من خلال وسائل قمع المحتجين الأخيرة من عرقية (الأيغور) المسلمة واستخدام أقصى درجات العنف ضدها بما في ذلك تطهيرها عرقيا من خلال إزاحتها عن مناطقها بوافدين جدد. فهذه الأمثلة البعيدة التي درسها معظم الشباب السياسي الجديد وجد فيها صدى قويا على ضرورة مواجهة الدولة المنغلقة والمسيطرة بالقوة العسكرية والسياسية على البلاد ووسط أخبار متواصلة عن فضائح فساد مالي وإداري. كما وجد في الوقت نفسه في انتفاضتي الحجارة الفلسطينيتين ووقوفهم بصدور عارية أمام آلة الحرب الإسرائيلية خير مثال على إمكانية المواجهة بين الشباب المفعمين بروح السلم وآلة الحرب المدججة بأبشع أنواع الأسلحة التكتيكية والإستراتيجية. وهكذا بدأت الغاندية الجديدة العربية من رحم أحداث شتى ربما يجد المتابع السياسي أن لا رابط بينها لكنها في مضمونها حركة لرسم مستقبل سياسي لكتل بشرية كبيرة في العالم الثالث.
كما إن غاندي لم يأت بشيء جديد بمقدار ما هو كشف عن شيء مخبؤ في النفس البشرية بدا في البوذية في ذلك السلم الداخلي الفردي الذي يتوافق مع الطبيعة إلى جانب روح المسيحية الأولى التي تأسست على السلام بقوة من اجل مواجهة العنف وخاصة في المائتين الأوليتين من تاريخ المسيحية؛ وكذلك في ممارسة المقاومة السلمية كتكتيك ضروري للرسول محمد(ص) في مكة حيث بقي سلميا ويتعرض المستضعفين من أتباعه إلى كل ألوان العذاب حتى مجيء آية واضحة تحض على القتال في المدينة المنورة وعرفت بآية (الأذن بالقتال) بقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ {الحج/39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {الحج/40} ولاشك أن غاندي قد تأثر كثيرا بفلسفة الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي الذي كان زاهدا ونباتيا وهائما لمدة على وجهه في الغابات بحثا عن الحقيقة(4). ومن الصعب أن نرى سياسة اللاعنف سواء التي قام بها غاندي في كونها إستراتيجية دائمة وصالحة لكل زمان ومكان؛ بل هي تكتيك يمكن استخدامه للوصل إلى أهداف معينة – على وفق حسابات الربح والخسارة السياسيين- يصعب الوصول إليها باستخدام العنف المجرد. وهكذا كان غاندي يرى الحرية في الفرد أولا وربط بين الحرية وتبعة ما تؤول إليه أيضا(5) برغم أنه أراد لتلك الحرية أن تبدأ من الداخل الروحي أولا معززة بطاقة كبيرة من الإصرار على تجاوز المرئي إلى اللامرئي. وهكذا فإن صوفية غاندي وزهده وطريقة حياته لم تكن أمرا فرديا في النهاية ولا كشفا روحيا لطاقات الإنسان والتكتم عليها بمقدار ما هي كونها حالة انتفاض جماعية على تغيير العالم. ومن هنا فقد كان المفكرون المولودون في عصر الحريات (الشكلية) المرافقة للأنظمة الملكية التقليدية أكثر وعيا في أهمية الاتصال بين الأمم والشعوب وتناقل الخبرات والتجارب مما منحهم عموما قدرات أكثر على رؤية الإنسان الفرد وحريته ودوره في تحمل تبعات حريته تلك(6)
لكن أولئك المفكرين الحالمين بالتغيير في النصف الأول من القرن الماضي لم يكونوا على علم ودراية كافيين بالتطورات العلمية الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين وخاصة في العقد الأخير منه، إذ قطعت البشرية مراحل كثيرة في مدة زمنية قصيرة وتغيرت نظرتها الفلسفية لعموم موقع الإنسان في الكون ووسط جماعته البشرية بعد أن زحف مفهوم (الإنسان الكوني) حثيثا على الأفكار الإنسانية. ومن هنا فإن فكرة الفوضى chaos العلمية والفلسفية لم تطغ على الفكر السياسي فحسب(7) بل شملت العديد من الجوانب الأخر في حياة الإنسان والإنسان العربي خاصة مما فسح المجال إلى ظهور حركات لا عنف عربية عريضة وخطيرة يمكن لها أن تغير من الخارطة السياسية للعالم العربي وربما تطيح بالكثير من الاديولوجيات الشمولية التي تعتمدها الأنظمة العربية المغلقة والمعارضة على حدّ سواء.
وفي عام 1989، شهد ما يزيد على مليار ونصف من البشر ثورات لاعنفية مختلفة حققت نجاحات كبيرة في مختلف أنحاء العالم وانتهت بسقوط جدار برلين عام 1989 ومن ثم سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991 ونتج عن ذلك ظهور الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق. وإذا ما جمعنا كل تلك الدول التي تأثرت بأحداث وحركات لاعنفية إلى بعضها خلال القرن الحالي بما فيها دولا مثل منها (الفلبين، جنوب أفريقيا، إيران في ثورة بهمن/ شباط 1979... حركة التحرر في الهند) فإن الرقم سيزيد عن ثلاثة مليارات من البشر وتزيد نسبة هؤلاء عن خمسين بالمائة من سكان الكرة الأرضية، مما يدحض المقولات المتكررة التي تزعم بأن اللاعنف لا يحقق شيئاً في واقع الحياة. أما إذا ما أضفنا الحركات الجارية في العالم العربي فإن زيادات كبرى سوف تلحق بعموم العالم مما يجعل من حركة اللاعنف عالمية.
ويقترح (جين شارب) في كتابه (سياسة العمل اللاعنفي) بأن السبب وراء الغياب الملفت للبحوث والدراسات المتعلقة باللاعنف عن الساحة السياسية والثقافية إلى أن النخب لم تحقق أي منافع مهمة من انتشار أساليب النضال اللاعنفي التي تعتمد على القوة الجمعية للمواطنين وليس على الثروة والأسلحة وإدارة المعارك العسكرية سواء النظامية منها أو المعارك الشعبية.(8)
كتب تشارلس داروين وهو من أشهر علماء الطبيعة في كتابه(أصل الأنواع): إن الإنسان – على مستوى الطبيعة- لا يحقق التغيير فعلا؛ لكنه يعمل فقط على تعريض الكائنات العضوية على نحو غير متعمد لشروط حياة جديدة؛ ثم تؤثر الطبيعة في التنظيم وتسبب التغيير: هذه الرؤية تضع الإنسان أمام محدودية قدراته في التغيير لكنها في الوقت نفسه تجعله ممكنا في الكائنات العضوية مما يستوجب إمكانية قيامه في الحياة الاجتماعية أيضا. ويبدو توجد ثمة علاقة (ما) بين الانتخاب الطبيعي والانتخاب الصناعي الذي يقوم به الإنسان وحركة التغيير الاجتماعية في الوقت نفسه وهي محدودية القدرات الإنسانية في إحداث تحول شامل في وقت قصير، فلم يكن على سبيل المثال قبل عشرة آلاف سنة بقر داجن أو كلاب صيد أو عرانيس كبيرة للذرة الصفراء لكنه حدث في وقت قصير أيضا من عمر البشرية. وبدأت الثورة التكنولوجية وآخر صفحة لها ثورة الاتصالات في تقريب عملية التغيير على نحو كبير. لقد احدث الإنسان اكبر عملية تغييرية في حياة البشرية في المائة سنة الماضية.
وتسير حركة اللاعنف كصفحة متأخرة من القرن العشرين على وفق منهجية علمية مدروسة وتتخذ من الحسابات الرياضية وفلسفتها محاولة لسبر أغوارها العميقة أيضا. فمن أحدث النظريات الرياضية الفيزيائية - تترجم أحيانا بنظرية الفوضى أو العماء- وهي تتعامل مع موضوع الجمل المتحركة (الديناميكية) اللاخطية التي تبدي نوعا من السلوك العشوائي يعرف بالشواش chaos، وينتج هذا السلوك العشوائي إما عن طريق عدم القدرة على تحديد الشروط البدئية (تأثير الفراشة Butterfly Effect) كحالة يصعب التكهن بها وبتأثيراتها أو عن طريق الطبيعة الفيزيائية الاحتمالية لميكانيكا الكم. وتحاول نظرية )الشواش (chaosأو العماء والفوضى أن تستشف النظام الخفي المضمر في هذه العشوائية الظاهرة في محاولة لوضع قواعد واضحة ومدروسة لدراسة مثل هذه النظم مثل الموائع والتنبؤات الجوية والنظام الشمسي واقتصاد السوق وحركة الأسهم المالية والتزايد السكاني في الوقت نفسه. مما يضع النظرية الرياضية في حيز العمل بعد أن خرجت من حيز الرياضيات البحتة المجردة إلى العالم المادي المحسوس، فكانت خير معاون على فهم التطلعات الإنسانية المستقبلية للناس مثلما استغلت ذلك الاستخبارات الأميركية لتوظيف هذه الرؤية لصالحها أيضا. لكن هذه النظريات تبقى تقف في حيز الفرضيات العلمية على العموم وهي لا تكتسب قيمتها العلمية إلا من خلال بحوث جديدة في هذا المجال حيث تتداخل العلوم التطبيقية والمجردة مع العلوم الإنسانية على نطاق جديد.(9)
وهكذا بدأ تطور مفهوم "الكفاح باللاعنف" أو بشكل أدق: مفهوم "حرب اللاعنف" حيث تتخذ حالة الحرب معنى جديدا ومختلفا حول طبيعة القوة السياسية وسبل مواجهة التشبث بالصرامة والقسوة للأنظمة المستبدة. ثم غدا موضوع اللاعنف في خطوطه العامة علماً يُدرّس في المعاهد والجامعات وأطروحة مهمة لمفكرين جدد على مستوى العالم( تتقدمه حالة الشواش أو الفوضى العارمة) لقوة فكرته وتأثيره على الشعوب ومن ثمّ تعرّض إلى ظاهر اللاعنف علماء الاجتماع والاجتماع السياسي والسياسة على حدّ سواء. وحاولوا إيجاد تعريف علمي واضح لها
كالعالم في الاجتماع السياسي (بتريم سوروكن) الذي حاول الإجابة موضوعيا عن تشخيص حالة اللاعنف المجتمعية كظاهرة هيريطيقية (وجودية) بأنها: "عبارة عن سلوك مسالم وهادئ يجنح نحو التفاهم والود والانسجام مع الآخرين، ويتجنب القوة والصدام مع المناوئين الخصوم، حتى لو كلّف ذلك بعض الخسائر المادية والاعتبارية للطرف الذي يتوخى التهدئة والسلام". وهذا التعريف عموما يلامس مظاهر الحركة من قشرتها الفوقية في وقت تنمو حركة اللاعنف في عمق التاريخ الإنساني بعيدا باتجاه سلسلة من الأفكار الدينية السلمية خاصة.
فغاندي الداعية الكبير لللاعنف يعرّفه بأنه: "سلوك لا ينطوي على حب من يحبوننا فقط؛ بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث أن اللاعنف يبدأ من اللحظة التي نشرع فيها بحبّ من يكرهوننا " (وهي طريقة في التعامل مأخوذة عن المسيحية في قرون النشأة بالدرجة الأساس في مواجهة الخصوم). أما (جين شارب) فيعرّف اللاعنف بأنه: "ممارسة حضارية تفرض على الجهة التي تعتمدها حلّ مشكلاتها وصراعاتها مع الآخرين عبر انتهاج أساليب إنسانية سلمية" تعتمد استثارة الضمير الإنساني والتعويل على وضع حالة تأنيب الضمير خاصة. أما تعريف "أكاديمية التغيير لحرب اللاعنف" وهي مؤسسة معنية بالدراسات السياسية المبنية على فكرة السلام المدني فهو: "شنّ الصراع الحاسم على الخصوم المعاندين من خلال التحكّم المقصود والمخطط في أدوات القوة السياسية لتحطيم إرادة الخصم باستخدام أسلحة لاعنفية قوية التأثير".
هذا التعريف الأخير يمثل تعريفاً معيارياً بالدرجة الأساس، ونستطيع من خلاله الحكم على مدى نجاح أو فشل التجارب التغييرية الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية، فهو تعريف عملي أقرب إلى الأداة العملية أكثر منه إلى النظرية المجرّدة. (10)، مركزين أولاً على الجانب النظري ومن ثم على بعض التجارب العملية المقترحة في تونس17 يناير حيث احرق شاب خريج بعد صفعه من شرطية وضعية من الرفض العام وكذلك لشاب مصري آخر هو خالد سعيد الذي مات بسبب عنت وعنف الشرطة المصرية لتتشكل بعد ذلك مجموعة فيسبوكية بعنوان(كلنا خالد سعيد) كان لها الأثر البالغ في ثورة 25 يناير المصرية. وهكذا بدأت حركات التغيير في العالم العربي على شكل دعوات على الفيسبوك وبأيام محددة كما حدث في ليبيا واليمن في3 فبراير والبحرين 16 مارس/ آذار والعراق وسوريا ولسوف تتواصل تواريخ احتجاج في بلدان عربية أخر.
وتتعدد سيناريوهات التغيير من بلد عربي لآخر لكنها في النهاية تصبّ في مجرى التغيير. ففي الوقت لم تستطع فيه الاحتجاجات السلمية أن تأتي بنتائج كما في ليبيا (ثورة 17 فبراير) فقد اتخذ طريق الثورة المسلحة والتدخل الدولي من خلال فرض حظر جوي عليها والقيام بضرب الدفاعات الليبية تحت ما عرف ب(حماية المدنيين) على وفق القرار الصادر عن الأمم المتحدة في 26 آذار/ مارس 2011 والمتضمن في المادة الثالثة منه: مُطالبة جميع دول الأمم المتحدة بإجراء كافة الخطوات الضرورية لحماية المدنيين في ليبيا حتى لو تطلب الأمر تدخلاً عسكرياً من الدولة، لكن في الوقت ذاته فالقرار يُؤكد على أنه من المُستبعد أن تتدخل قوات الأمم المتحدة العسكرية بريا من خلال حلف الناتو في ليبيا لاحتلال أراضيها.(11)
وفي أنموذج سوريا التي ابتدأت الاحتجاجات فيها من محافظة درعا جنوب دمشق يتخذ التغيير السياسي فيها شكلا مختلفا. فقد سيطر حزب البعث العربي الاشتراكي (جناح سوريا) على الحكم منذ عام 1963 بانقلاب عسكري ثم قام الضابط الطيار حافظ الأسد (12) في سوريا وبما قام به في عام 1970 بما يعرف بالحركة التصحيحية التي أطاحت عددا من رفاق دربه وهيأته لتسلم السلطة. ومما لا شك فيه أن المجتمع السوري على الضد مما يبشّر به "منظرو" اليأس والإحباط فهو يشهد حالة من الحراك السياسي على مستويات عدة تتمظهر بوضوح في الرغبة في التغيير والانعتاق من الظلم، والتوق في أن ينعم بحياة عمادها العدل والحرية والمساواة. إلا أن ما يقف عائقاً أمام طموحه هو: كيفية رسم حلمه ألتغييري هذا في ظل نظام يسيطر عليه حزب واحد؟ من اجل مواكبة التطور الإنساني العالمي. ومن هنا يأتي الكفاح اللاعنفي، هدفه الأساس، تنمية العقل ألتغييري ونشر الوعي ونشر ثقافة التغيير على أسس علمية مستفيداً من كل التجارب الإنسانية على مر العصور. وذلك يعني على نحو واضح تغيير عسكرة المجتمع ورفضها من خلال سيادة النظم المدنية وإلغاء حالة الطوارئ التي تعشش في هذه البلدان منذ عقود طويلة.
سقوط عسكرة MILITARIZATION المجتمع العربي وحركات التغيير الجديدة
بعد انسحاب الجيوش الاستعمارية في العديد من البلدان العربية في النصف الأول مكن القرن العشرين انكشفت الأنظمة التقليدية سياسيا واجتماعيا وبدت المشكلات الاقتصادية واضحة أكثر من أي مضى بفعل قوى اليسار المتنامية والمدعمة من الاتحاد السوفيتي باعتباره الأب الراعي لها. ولم تعد تلك الأنظمة قادرة على التجاوب مع متطلبات المرحلة الجديدة والتحديات المستجدة كما أنها لم تكن تمتلك عموما رؤية إستراتيجية للمستقبل إلا استمرار بقائها في السلطة والحصول على الاستقلال الشكلي لإرضاء شعوبها الغضبة - الاستقلال لما بعد الاستعمار- وخاصة بعد ثبوت فشلها في الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى في عام 1948، وما نتج عنها من كوارث تتعلق بفساد الأسلحة وتهجير العرب من فلسطين.
وهكذا كانت (نكبة فلسطين) مدعاة لتدخل الجيش في الشؤون السياسية حيث بدأت أولى الحلقات العسكرية لما يعرف ب(الضباط الأحرار) في مصر والعراق ثم انتشرت في عموم العالم العربي بهذا الشكل أو ذاك حيث خلع الضباط خوذاتهم وخرجوا من ثكناتهم المخصصة لهم ليتولوا شأن الدولة العام دون أن يغادروا بالطبع عقليتهم العسكرية(13) لكن تلك المجموعات العسكرية التي أوقفت التنمية (اقتصاد الحرب) لصالح البقاء في السلطة والتحضير للمعركة القادمة. لكن العسكرتاريا لم تستطع أن تحقق ما وعدت به على الرغم من انتصارها الوهمي في ردّ العدوان الثلاثي في عام 1956 حيث كان للظروف الدولية والتوازنات بين القوى القديمة (بريطانيا وفرنسا) والقوى الدولية الجديدة ( الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) الأثر البالغ في وقف الحرب ضدّ مصر.
و هكذا كانت هزيمة عام 1967 في الخامس من حزيران كشفا شاملا للخلل الفاضح لعموم تلك الأنظمة العسكرتارية العربية وفي عدم قدرتها على التعامل مع القضايا الوجودية للأمة. كما أنها أشرت بعمق فشل المؤسسات العسكرية ليس في قيادة الجيوش العربية فحسب بل في قيادة المجتمع والدولة أيضا فضلا عن عدم وجود خطط مستقبلية واضحة المعالم، مما ولد نوعا من الوعي الجديد والمحدود تجاه ضرورة التغيير على نطاق محدود بعد هزيمة الخامس من حزيران؛ لكنه لم يلبث أن انحسر بعد سلسلة الشعارات في العودة للقتال وتجهيز الدولة والمجتمع للمعركة والتي رفعتها العسكرتاريا من جديد في مصر والعراق وسورية واليمن والجزائر. كما كانت بدرجة أقل فضائحية للأنظمة التقليدية الوراثية أيضا وبخاصة الأردن.
ويرى كثير من الكتاب أنه على الرغم من الهزيمة العسكرية النكراء للناصرية إيديولوجيا وواقعيا وتحمل مصر تبعات تلك الهزيمة المرّة وانهيار الاقتصاد المصري الذي كان بحدّ ذاته (اقتصاد حرب) وخطاب جمال عبد الناصر زعيم ثورة يوليو تموز 1952 في الاستقالة من مسؤولياته وتحوله إلى (مواطن عادي) ومن ثم عودته ثانية إلى السلطة في واحدة من أكثر الحركات الدراماتيكية للعسكرتاريا العربية، إلا أنه بقي يمثل (رمزا ثوريا) يمكن السير وراءه برغم الفشل العسكري الذي مر به في عام 1967 وبقي حتى بعد مماته قدوة لكثير من رموز العسكرتاريا في الوطن العربي إذ يفتقده بعضهم في ذروة الأزمات والتشرذم وفقدان القرار المناسب تجاه التحديات الوجودية(14) كانت هزيمة الخامس من حزيران هزيمة اجتماعية للعسكرتاريا العربية أكثر من كونها هزيمة عسكرية. كما أنها تعدّ سقوطا للبرنامج السياسي ولعموم الخطابات النارية التي أطلقت عشية ثورة يوليو 1952.
وتبدو موضوعة التحديات التي تواجه النخب الشبابية والشعبية التي رشحت عنها المتحولة الجديدة والطامحة إلى التغيير في العالم العربي تتخذ مسارات مختلفة من حيث التفاعل الاجتماعي ومفهوم السلطة التي انهارت في عام 1967 ورضوخ الرئيس السادات إلى عملية السلام بين مصر وإسرائيل وما تبع ذلك من عقد معاهدة (وادي عربة) بين الأردن وإسرائيل في عام 1994(15). وما نتج عن كلّ تلك التحركات من خيبة أمل داخلية في جدوى استمرار العسكرتاريا العربية في السلطة.
وبناء على ذلك فإنّ مفهوم السلطة كما هو "متعارف عليه " وهو السائد في أذهان الناس: بوصف السلطة السياسية المتبلورة في مؤسسات تخضع (رعايا) ضمن حدود جغرافية معينة - وهو المفهوم السائد والقادم من رحم التاريخ العربي الوسيط- قد أخذ يتفكك شيئا فشيئا بكمّ التفاعل مع بعض الفلسفات المعاصرة، ويُعد الفيلسوف الألماني (فردريك نيتشه) من أوائل من حاول تفكيك مفهوم السلطة في عصره، مركِّزًا على العنصر التفاضلي لتحديد و توليد القيم أيًّا كانت، ومهما كانت منظومتها الفكرية؛ الأمر الذي يقسِّم البشر والمجتمعات عموما، بكل موضوعاتِها المتعلّقة بِها ورموزها ومؤسساتها، إلى (تعارضات) متنوعة ومُختلفة في آن معًا، فيغدو العالم من وجهة نظر نيتشه إلى مجموعات متنافرة ومتناحرة، تتصارع بهدف الاستحواذ على كميّات الواقع والتشبث بها لأطول مدة زمنية ممكنة. كما إن بعض التيارات الفكرية والاتجاهات السوسيولوجية، حاولت أن تنتزع من الفكر السياسي الحديث، احتكار مفهوم السلطة، ومع هذه التوجهات تكون السلطة السياسية أحد أوجه السلطة وليس كلّها؛ وهذا يعني تعددية السلطات المجتمعية مما يجعل من عملية التغيير حالة معقدة ذات (معادلات انشتانية) إذا جاز التعبير. وما هي إلا الأشكال التي تنتهي إليها السلطة، فهناك سلطة الأسرة، والعمل، والمال، والعقائد، وتأويل النصوص، والمعرفة...
ولقد استطاع المفكر الفرنسي ميشال فوكو، أن يَستلهم نيتشه بقوة في حديثه عن القيم والأخلاق إلى حدّ بعيد، ليتكلَّم عن السلطة، متجاوزًا الطرح المنهجي نحو الطرح الأركيولوجي التاريخي (الأحافيرfossil ) من خلال ما عُرف بال"جينيولوجيا" أي تاريخ الحقيقة؛ فهذه الأخيرة تُعدُّ الأداة التي تسمح للفلسفة بأن تلتقي بالتاريخ بِجعل الفلسفة تتخلى عن منطلقاتها الميتافيزيقية، والدفع بالتاريخ إلى أن يكون اهتمامًا بِما يحدث فعلا في جميع مستوياته المختلفة وليس مجرد انطباعات أو تفسيرات أو تأويلات تتعلق بمنهجية فلسفية معينة بحدّ ذاتها.
لقد انطلق فوكو من أرضيّة متحركة لعلائق القوى الفاعلة في التاريخ والمجتمع الفعلي، والتي تُولَدُ دونَما انقطاع، وبهذا المنظور؛ فليست السلطة بالضرورة هي رأس الهرم وحسب، كما أنها ليست هي نابعة دائمًا من الأعلى، وهي ليست فوقية دائمًا؛ بل هي "محيطية" تأتي من كلّ صوب غالبا. وذلك بسبب كونها متولّدة وتتفاعل في كل لحظة، فالكائن يقع تحت سلطة مكوَّنَة من شبكة علاقات من مجموعة سلطات متفاعلة فيما بينها بشكل دائم ومستمر. فالفرد محكوم بسلطة الإدارة التي يعمل بها، وسلطة منظومته العقائدية التي يؤمن بِها، وسلطة العادات والتقاليد التي يمارسها، وسلطة الأسرة التي ينتمي إليها، وسلطة الدولة التي يعيش فيها، وهكذا فالإنسان محكوم بسلسلة لا متناهية من السُلطات المحيطة به بشكل دائمٍ، ومستمرٍّ، ومتفاعلٍ، و"مولد" في الوقت نفسه، ومركبٍّ في آن، مجموعة هذه التفاعلات تشكِّل له واقعه وتفرض عليه نوعا من التوازنات الخاصة في حالة إحداث أي نوع من التغيير في هذا الكم من المنظومات.
وبهذا التوصيف فإن التركيبات المجتمعية، لا تقوم على الثنائية الضدّية، فالمجتمع لا ينقسم إلى أقوياء وضعفاء، رؤساء ومرؤوسين؛ بل هناك مجموعة علاقات لقوى متنوعة متعدِّدَة تتكوّن منها أجهزة الإنتاج وتعمل من خلالها كنظام طبقي، وتُشكِّل المؤسسات الحاملة للانقسامات والنزاعات والرابط بينها هي المصالح المتقاطعة. والسلطة بهذا الوصف ليست إلا حركة يتمّ بواسطتها تُحوّل القوى فتخفف من حدَّة قوى لحساب قوى أخر مما يجعل طبيعة الحراك الاجتماعي والسياسي ممكنة، أو تزيد من حدّة قوى، أو تعمل على قلب موازين بفعل الصراعات التي لا تتوقف أبدا. لذلك فإن حركة التغيير في الثورات العربية الجديدة إن هي إلا (ضربات طبقية) واضحة لقوى طفيلية هيمنت على الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية في آن. فقد كان الأخوان مبارك (جمال وعلاء) قد فتحا خزائن البنوك على مصاريعها لشركائهما يغترفون منها ما شاءوا بلا أية ضمانات وبلا أية مساءلة من النيابة العامة مثل غيرهم من مقترضي أموال البنوك بالرغم أن مديونيات شركاء ولديّ الرئيس حسني مبارك قد تعدت خمسين مليار جنية. فضلا عن عملية الاستيلاء على الأراضي التي فضحها وزير الإسكان السابق محمد الكفراوي حيث تم الاستيلاء على أراضي تابعة للدولة بأثمان بخسة.
كما يشارك كل من علاء و جمال بحصص مجانية مختلفة فى أعمال غير مشروعة مثل غسيل الأموال مع الشبوكشى و الشربتلى و صالح كامل و ثمة اخبار غير موثقة عن علاقتهما بتهريب المخدرات مع أخوان منصور و أبناء عصمت السادات و كذلك تهريب الآثار مع زاهى حواس و كمال الشاذلى و الاتجار فى السلاح مع الخولى و سالم و غيرها. فضلا عن قيام سوزان مبارك رئيسة للمئات من الجمعيات الخيرية منها (الحقيقى) و منها (الوهمى) الغرض منها غير خيرى وغنما لجمع الأموال إذ كيف يتسنى لإمراة رئيس جمهورية إدارة هذا الكم الهائل من الجمعيات ذات النشاطات المختلفة. ما هو إذن الغرض من كل هذه الجمعيات؟ تتلقى سوزان مبارك لأنها زوجة رئيس الجمهورية تبرعات من كل دول العالم تبلغ فى المتوسط 5 ملايين دولار فى العام لكل جمعية ترأسها. فإذا عرفنا أن لسوزان أكثر من(50) جمعية رئيسة فان ذلك يعنى بأنها تتلقى تبرعات تبلغ (250) مليون دولار سنويا تذهب إلى حساباتها السرية ببنوك سويسرا.
وكانت السيدة سوزان مبارك وراء استصدار قرار عسكري في عام 1992 يحظر على الجمعيات الأهلية تلقى أية تبرعات من الخارج وذلك لتنفرد هي وولدها جمال بكل التبرعات الواردة من الخارج فجمال مبارك مثل أمه يهوى لعبة الجمعيات الوهمية و التبرعات و هو لدية عدد كبير من الجمعيات التي تتلقى الملايين كل عام منها جمعية المستقبل و جمعية أصدقاء المستقبل و غيرها. فمنذ صعود حسني مبارك للسلطة في عام 81 بعد حادث اغتيال الرئيس أنور السادات الشهير المعروف بحادث المنصة والذي اتهم فيه عدد من العسكريين على رأسهم خالد الإسلامبولي وهو يستصدر من مجلس الشعب قرارا دوريا له قوة القانون بتفويضه بالتعاقد على الأسلحة التي قد تحتاجها مصر دون الرجوع إلى المجلس. وهذا الإجراء بطبيعة الحال يمنحه قدرات كبيرة في الحصول على (كومشنات) توريد السلاح لمصر بلا مسألة الوضع الذي لا يوجد له أي مثيل في أية دولة أخرى في العالم وهو قمة الفساد. فمبارك ينصب من نفسه تاجرا وحيدا للسلاح في مصر وهو يقرر وحدة نوع و كمية السلاح الذي تحتاجه مصر وهو يقرر أيضا الجهات التي يتعاقد معها و الأسعار التي يتعاقد بها؛ كل ذلك بلا حسيب أو رقيب أو معقب.(16)
إذن السلطة – بحسب هذا الطرح - هي الاستراتيجيات التي تؤثر في القوى وتُجسد أهدافها، وتتبلور من خلال مؤسسات الدَّولة وأجهزتِها كما تتبلور في القوانين وكافة أشكال الهيمنة المجتمعية الأخرى. ويمكن القول أن السلطة بهذا المعنى ليست "منصبًا" أو شيئًا ملموسًا، نمسك به، ونَحتكره، ونتصارع عليه، فالسلطة إستراتيجية ممارسة، تنطلق من نقاط لا تنحصر في خضم بحر من العلاقات المتحركة، وغير المتكافئة، مهمتها الأساس أن تنتج الواقع في أحدى مستوياته بكل تعقيداته وتعدده وغليانه. إنّ أهمية جنيالوجية الحقيقة هذه، تكمن في كونِها، أبرزت علاقة الحقيقة بالسلطة، فهذا الجانب هو الذي استعاده فوكو من نيتشه، وطبَّقهُ على موضوعات لم يكن تاريخ الفلسفة يحفل بها. فلقد لاحظ فوكو أن ما ندعوه حقيقة، هو نتاج لصراع القوى، ودخول قوة في علاقات مختلفة تتسم بالصراع، ومن ثم بالهيمنة، وبالسيطرة لأن ما يسمى بالواقع ليس ذلك المجال الساكن والهادئ الذي ينتظر فاعلا من الخارج لكي يؤثر فيه، بل الواقع يعجّ بالصراعات التي لا تنتهي(17) وهكذا فإن العسكرتاريا المصرية لا تختلف بطبيعة الحال عن عموم العسكرتاريا العربية الأخر حيث يكون حكم الأسرة الواحدة والفساد هو المسيطر على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في آن. والنموذج المصري هو مصداق في الوقت نفسه لعموم النماذج العربية كأسرة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين والرئيس زين العابدين بن علي والزعيم الليبي معمر ألقذافي حيث كان للأسرة المحيطة بالزعيم السياسي الأثر البالغ في الفساد السياسي الذي يعد الأب الروحي للفسادين الإداري والمالي.
كما ظهرت في الوقت نفسه ما يعرف بتوريث الحكم مثلما حدث إبان توريث بشار الأسد بعد موت والده الرئيس الراحل حافظ الأسد. وتعود فكرة التوريث إلى عمق ولاية العهد العربية في العصور الوسيطة. فنتج عن هذه النظرة غير الحضارية والمستلهمة من النظام العربي القديم أن ضعفت (الحوكمة) في الحياة العربية وتعطلت التنمية والرقابة على المال العام مما أوقع الدولة في أسوأ حالاتها منذ انهيار الدولة العربية على يد المغول في بغداد عام 1258م ودخول البلاد العربية في سلسلة من الاحتلالات الأجنبية المختلفة.
بلغ عدد سكان الوطن العربي (320) مليون شخص وإن حوالي 60% هم دون سن 25 عاما، وهذا يعني إن القوى الشابة هي الفاعلة في العالم العربي. ويصل معدل البطالة الرسمي إلى 14% كما يعاني الشباب العربي في الشمال الأفريقي حالة متقدمة من الهجرة إلى بلدان جنوب أوربا وتكثر في الوقت نفسه ظاهرة الهجرة السرية والمخاطر الناتجة عنها. وهكذا يتطلب الحصول في العالم العربي على (50) مليون وظيفة في السنوات العشر القادمة لاستيعاب (القفزة الجيلية) التي نحن الآن في بدايتها الفعلية. ويعد الفقر وخاصة بين أوساط النساء مشكلة خطيرة تتجاوز 40%-60% في بعض بلدان العالم العربي حيث ازدادت ظاهرة العشوائيات السكنية والسكان المهمشين حول المدن الكبرى على نحو ملحوظ كظاهرة اجتماعية في البلدان ضعيفة التنمية. ولم تسلم من هذه الظاهرة اللافتة إلا دول الخليج.(18)
ومن اللافت إن القطع الأفقي للتعريف بالدول العربية تقليدية وجمهورية هو تقسيم تاريخي بالدرجة الأساس، غير منظومة هذه الدول تكاد أن تكون واحدة على الرغم من التمايز الشكلي بينها حيث عمدت الدولة العربية في القرن العشرين والمنبثقة عن حركات الاستقلال عن الاستعمار إلى تأسيس (أجهزة) بدلا عن المؤسسات الاجتماعية التي تدير شؤون مجتمعاتها. وبدأت هذه الأجهزة التي تحولت إلى (قمعية) تتضخم على نحو متواصل حتى كونت عبئا واضحا على خزينة الدولة فضلا عن كونها عبئا اجتماعيا يقيد الحريات الفردية والعامة. وهكذا لم تلبث هذه الأجهزة أن أصبحت هي الفيصل الحاسم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية، كما أصبح الانتساب إليها ميزة اجتماعية بمرور الوقت. كما أنها اتخذت أهمية في الجانب الخارجي وكأنها أصبحت البديلة عن الدولة الرسمية أيضا بعد تدهور الأوضاع العربية العالمة. في شهر فبراير 2007، وقع حدثان هامان: الأول، انعقاد القمة العربية في الرياض. والثاني، الذي جاء قبل أيام من القمة، كان اجتماع وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندوليزا رايس) في القاهرة مع مديري أجهزة المخابرات في كلٍ من الأردن ومصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. ولذلك يبدو السؤال في هذا المجال مشروعا: أي هذين الحدثين كان الأكثر أهمية، من حيث تأثيره على مضمون وشكْـل وتوجهات سياسات الدول العربية؟ وهل هذا كان تفاعلاً طبيعياً بين عوامل ثلاثة منفصلة: السياسة الخارجية الأمريكية وأنظمة الأمن العربية والقيادات العربية؟ أم أن هذه العوامل الثلاثة تتقاطع في منحى وحيد، حيث السياسة الخارجية الأمريكية تندمج مع السياسة الأمنية العربية؟هذه الأسئلة تبدو غريبة للوهلة الأولى، إذ كيف يمكن للقاء بين وزيرة أمريكية وقادة أجهزة أمنية، أن يكون أكثر أهمية من قمة للملوك والرؤساء العرب؟ بيد أن أية مقاربة واقعية لطبيعة هذه القوى التي تشكّـل حالياً عِماد الأنظمة العربية الراهنة أو على الأقل التي تلعب الدور الرئيس فيها، تُسلّـط الضوء فوراً على الدور المُهيمن الذي باتت تقوم به الأجهزة الأمنية في مُـعظم البلدان العربية في شتّـى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية والفكرية، عَـلاوة بالطبع على الدور الأمني الداخلي والأمن القومي.(19)
ومن هنا فإن الاحتجاجات العربية الشبابية التي تنامت بسرعة لتكون ثورات شعبية ما هي في مضامينها النهائية إلا حركات تغييرية الهدف منها إلغاء دولة الأجهزة(الدولة البوليسية) ومن ثم التحول إلى أسلوب (الدولة المدنية) القائمة على المؤسسات والشفافية والدستور الدائم وتداول السلطة السلمي. ويبدو السؤال مشروعا حول: ممن استلهمت الثورات العربية أنموذجها التاريخي؟ وخاصة بعد أن عبرت نقطة اللاعودة إلى النظام السابق وتأكيد عملية التغيير الشاملة عبرت في الطريق نفسه الذي مشت فيه تونس. ففي مقال لافت في مجلة السياسة الخارجية foreign policy قارن الكاتب (ديفيد بيل) الثورات العربية، بثورتي 1688 الإنجليزية أي الثورة الجليلة Revolution Glorious و كذلك ثورة 1889 الفرنسية الكبرى تختلف تماما عن طبيعة الثورة العربية الثانية ( بدأت الثورة العربية الأولى بقيادة الشريف حسين بن علي في عام 1916)(20) التي بدأت في تونس يوم 17 يناير والثورة المصرية الكبرى يوم 25 يناير وما تبعها من ثورات وانتفاضات واحتجاجات لا تزال قائمة وأخرى قيد الترتيب أيضا. وتتسم الثورة الجليلة على وفق النمط الأول بطبيعة محدودة وحادة قد تكون سبقتها فترات طويلة من السخط والهياج والاحتجاج، بل وحتى العنف أيضا، ولكن (اللحظة الثورية) نفسها بشكل عام تستمر لمدة بضعة أشهر فقط (كما في ثورة 1688 ذاتها) وربما أسابيع أو أيام، في نظام تراكمي يصل إلى نقطة الأزمة والسقوط.
بينما يتسم النمط الفرنسي بسمات أخر لا تتجاوز النمط الإنجليزي في امتداد فترة الثورة، وتصاعد التغيير ليطال مؤسسة بعد الأخرى، وقوى وطبقات اجتماعية صاعدة، وقيماً تنمو وتدعم مراكز القوة والسلطة الجديدة في المجتمع، إذ يتجاوز نمط الثورة الفرنسية ذلك كله إلى التصدير للخارج، وإلى تحول اللحظة الثورية – وهذه الحالة تشبه حالات التأثر بين البلدان العربية- إلى عصر ممتد ينتج مؤسساته التي تحرك وتدفع قوى اجتماعية واقتصادية إلى مواصلة (الفعل الثوري) من خلال بنية قادرة على الاستمرار. ولا غرابة أن يصنف الكاتب ثورة الخميني في إيران ضمن هذا النموذج أيضا، مع اختلاف النمط ألقيمي الذي قامت ضده الثورة، وكذلك الذي سعت إليه بعد نجاحها في أن تكون منتجاً لمؤسسات ثورية دينية محدودة الاجتهاد تقود إيقاع المجتمع. والثورات الشعبية إذا ما تخطت حاجز الخوف كما هي الثورة في إيران في عام 1979 فلن تستطيع قوة الاستبداد أن تقف في بوجهها، فهي كالسيل البشري الجارف تدمر كل من يعترض طريقها . والثورة الإيرانية عندما وصلت إلى مرحلة الغليان لم يستطع الشاه وجيشه ومخابراته وملايين الدولارات من الأسلحة الحديثة أن تعترض طريقها فدمرت الرطب واليابس وأطاحت بعرش كان عمره ألفين وخمسمائة عاما، وجيش كان قوامه أربعمائة ألف جندي مدجج بأحدث أنواع الأسلحة ومخابرات كانت تعدّ من أقوى المخابرات في الشرق الأوسط.(21)
وعلى الرغم من محاولة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي منح تفسير معين لمجمل الحركات الثورية اللاعنفية في العالم العربي بوصفها امتدادا للثورة الإيرانية في عام 1979 وباعتبار ما يحدث مقدمة لقيام شرق أوسط إسلامي (22) إلا أن الوقائع في المدخلات والمخرجات لهذه الثورات تختلف تماما عن الثورة الإيرانية وما نتج عنها من قيام حكم ديني (ثيوقراطي) ودولة دينية مؤسسه على مذهب معين. وبالرغم من أن ما يبدو من سمات تبتعد بالثورات العربية عن النمط الفرنسي، إلا أنه لا يكفيها النمط الإنجليزي كمرجع أيضا، وهنا تأتي المقارنة مع نمط السقوط المتتالي للأنظمة السياسية الذي استبدلت بواسطته دول أوروبا الشرقية أنظمتها القمعية، لكن ثمة عائق أساسي يرصده (ديفيد بيل) هو أن أبناء هذه الدول لا يعتبرون ما قاموا به ثورة من الأساس، حيث تدور المسميات المستخدمة لوصف ما حدث ما بين “حركة” و”تحول” حتى أن الدولة الوحيدة التي استخدمت فيها كلمة (ثورة) كانت تشيكوسلوفاكيا وكان الاستخدام مقترناً بوصف “مخملية velvety” ودلالة على انشقاقها إلى دولتين. لقد كان هناك تخوفا من سفك الدماء لدى من قاموا بهذه الحركات السياسية وجعلهم يبتعدون عن استخدام مسمى ثورة، ومن وجهة نظري كان هناك أيضاً تاريخ سيء السمعة استخدمت فيه الأنظمة القمعية كلمة “الثورة” لتبرير ممارسات متعسفة هي تحديدا ما قامت ضده حركات التغيير الديمقراطية. كما هناك أوجه شبه واختلاف بين الثورات العربية وحركات التحول في دول أوروبا الشرقية، هو تتابع سقوط الأنظمة على نحو مثير بأسلوب تساقط أحجار الدومينو، واستلهام الثورات لبعضها البعض بطريقة تتجاوز مجرد الإحساس بالشبه الثقافي، إلى نوع من التدافع واكتساب الزخم، عبر عنه المصريون في هتافاتهم الأولى مع انطلاق ثورتهم، مشيرين إلى ثورة تونس بأنها بشارة. في المقابل لم ينتقل ناشطون سياسيون من بلد قامت فيه الثورة لتنشيط أقرانهم في بلد عربي مجاور، مثلما شهدت بعض دول أوروبا الشرقية استعانة النشطاء ببعضهم البعض وتقديمهم العون والخبرة. وربما يكون السبب في ذلك هو الدور الذي تلعبه مواقع الإنترنت، وخاصة الشبكات الاجتماعية وقنوات الإعلام الشخصي واليوتيوب، وهو ما لم يتوافر في عام 1989 عند اجتياح موجة التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية.( (23
وتعدّ التقارير الدولية حول الوطن العربي كتقارير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية ومارافقها من ظهور حقائق حول طبيعة الحكام العسكرتاريين خير دليل على الفوضى الإدارية والمالية في الدول العربية. ففي عام 2002 صدر التقرير الأول للتنمية البشرية في العالم العربي حيث أظهر مدى الخلل الكبير في الحياة العربية وتفاقم مشكلات البطالة والتعليم والفقر والصحة على مستوى الوطن العربي عموما. وعلى الرغم من الهزة العنيفة التي أحدثها هذا التقارير وما تبعه في عامي 2003 و2004 في عموم النخب الثقافية والأكاديمية العربية إلا إن أثره كان ضئيلا جدا في النخب السياسة. ويعود سبب ذلك إلى غياب الإستراتيجية للأنظمة العربية المغلقة وعدم الاهتمام من النخب الحاكمة بما يجري في العالم من تطورات فكرية ومعرفية ومن ثمّ الاعتماد الكامل في تقييم (الاستقرار) على التقارير الأمنية وحدها. وربما لم تتخذ تلك النخب الحاكمة بما جاء بهذه التقارير الإحصائية على نحو يحتمل الجد بحكم طريقة تعامل النخب السياسية العربية في مواجهة التحديات الكبرى وكذلك طبيعة الأجهزة الأمنية التي تقتصر حساباتها على المرئي والمعروف المترشح عن جيوش المخبرين السرّيين. وهكذا من الصعب أن تكون تلك النخب الحاكمة فكرة واضحة عما يمكن أن يحدث في حالة أي انفلات امني. ومن هنا فإن هذه التقارير لم تؤثر بطبيعة الحال في تكوين فكرة عن الحراك الاجتماعي في عصر انتشار المعرفة.
1. تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002: خلق الفرص للأجيال القادمة.
2. تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة.
3. تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004: نحو الحرية في الوطن العربي.

ويعدّ التقرير الثالث من أهم التقارير بسبب تناوله لقضية الحريات في العالم العربي وشدة الدولة البوليسية في الحفاظ على (الاستقرار العام) عن طريق القمع والاعتقال والتضييق على الصحافة.
ولاشك إن بداية القرن الحادي والعشرين قد أحتمل كثيرا من المتغيرات المتعلقة بالعالم والعالم العربي على نحو خاص. وعلى الرغم من إشارة الحكام العرب لمجمل هذه المتغيرات وخاصة في مؤتمر القمة في تونس في عام 2004 إذ طرحت ملفات ساخنة حول الإصلاح، وكذلك الدعوة إلى اتخاذ إجراءات عملية لمواجهة تلك المتغيرات الحاسمة إلا إن متابعة ذلك لم يلبث أصبح مهملا ربما بمجرد انفضاض أعمال المؤتمر كما هي العادة في عموم المؤتمرات للدول العربية. ثم جاءت وثيقة الإسكندرية في مارس/ آذار 2004 لتؤكد التحديات نفسها للنظام العربي. وبرغم إن المفكرين العرب من مختلف الاختصاصات قد قرعوا ناقوس الخطر أيضا إلا عن النخب السياسية العربية بقيت لا تستمع جيدا باستثناء تلك الإشارات المتعجلة والإعلامية للعقيد معمر القذافي بقوله بعد إطاحة الرئيس صدام حسين من الولايات المتحدة واحتلال العراق: إن الدور سيأتي عليكم جميعا.. فقد كان يشعر القذافي بحركات التغيير القادمة لكنه يحيلها كما هي عقلية معظم الدكتاتوريين العرب إلى ما يعرف بنظرية المؤامرة (Conspiracy theory)(24) وكذلك تلك المقولة الشهيرة للرئيس علي عبد الله صالح: سأحلق رأسي قبل أن يحلقوه لي (الاميركان) غداة القبض على الرئيس السابق صدام حسين وتقديمه لمحكمة جنائية عراقية.
واجتمع المشاركون في مؤتمر "قضايا الإصلاح العربي: الرؤية والتنفيذ" المنعقد في مكتبة الإسكندرية في الفترة ١٢ - ١٤ مارس ٢٠٠٤ بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي في الوطن العربي، وتدارسوا إمكانات الإصلاح اللازمة لتطوير مجتمعاتنا العربية. وبرغم إن فكرة الإصلاح لدى المؤتمرين لم تتضمن فكرتي الثورة والتغيير وإنما تضمنت محاولات تفهم الحكام العرب لمتطلبات الشعب إلا أنها كانت إضافة جديدة مهمة للوعي العربي الجديد. وقد انتهت مناقشاتهم إلى ضرورة الإعلان عن اقتناعهم الكامل بأن الإصلاح أمر ضروري وعاجل، ينبع من داخل مجتمعاتنا ذاتها، ويستجيب إلى تطلعات أبنائها في بلورة مشروع شامل للإصلاح، يضم الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مشروع يسمح بالتعامل مع أوضاع كل قطر على حدة، وينتظم في نسق عام يحدد القواسم العربية المشتركة بعد ذلك في محاولة لإعادة الروح إلى الوحدة العربية التي أصبحت غير متداولة بعد فشل العسكرتاريا العربية منذ 1949 في أول انقلاب رسمي قاده حسني الزعيم في سوريا(25)، بما يتيح الفرصة لكل مجتمع عربي كي يدفع خطوات الإصلاح الخاصة به إلى الأمام، ويزيد من التواجد العربي على الساحة الدولية ويبعده عن التقوقع والتمحور على الذات. وفي الوقت نفسه، يرسِّخ لإطار تعاون إقليمي يجعل من الوطن العربي كيانا أكثر إيجابية وفاعلية وتأثيرا على الصعيد الدولي.(26)


مستقبل حركات التحرر العربية (ليبيا أنموذجا)

بعد خسارة ايطاليا الحرب العالمية الثانية 1939-1945 وانتصار الحلفاء أصبحت القضية الليبية جزءا من اهتمامات الأمم المتحدة. ولم يكن نقاش القضية الليبية بالأمر السهل في الوصول إلى وضع (مشروع أممي) يتضمن نيل استقلالها، كما لم يطرح هذا المشروع للنقاش في الجمعية العامة حتى يوم 19 نوفمبر 1949 وحيث جرى التصويت على المشروع في يوم 21 نوفمبر 1949 فتبنت الجمعية العامة نص قرار الأمم المتحدة في أن تصبح ليبيا (دولة مستقلة) ذات سيادة في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952 وعلى أن يوضع للدولة الجديدة في أثناء ذلك دستور تقرره جمعية وطنية تضم ممثلين عن الأقاليم الثلاث: طرابلس وبرقة وفزان. وهذا التوحيد الفدرالي المميز يعد تجربة أولى ولم يعقب مثلها في العالم العربي. وهكذا فإن 21 نوفمبر 1949 يعد بمثابة اعتراف دولي بنهاية صراع (الوصاية) على ليبيا ووضع اللبنة الأولى لدولة الاستقلال وبداية لقيام أمة ليبية موحدة وأمام مسئولية تاريخية ودولية في وضع الأسس الصحيحة لأول دولة ليبية في التاريخ تأخذ مكانها بين الأمم المستقلة وتتبنى (الخيار الدستوري) حلا سياسيا ليكون الأساس الذي ستبنى عليه دولة الاستقلال.
منح هذا الوضع الاممي في ليبيا حالة متقدمة عما كان سائدا في العالم العربي وقتذاك وكان بإمكانها التكرار كحالة متقدمة في العالم العربي لحل مشكلات الانفصال هنا وهناك التي تطال معظم البلدان العربية بسبب وجود أقليات عرقية ودينية في شمال أفريقيا والمشرق العربي على حدّ سواء. فقد أولت الأمم المتحدة القضية الليبية اهتماما ورعاية تعدّ سابقة في تاريخ العلاقات الدولية وتاريخ العلاقات العربية الأممية أيضا، إذ لم يمر على إنشائها أكثر من أربع سنوات فقط حتى قامت بهذا الجهد المميز لتوحيد ليبيا واستقلالها. فنص القرار المتعلق باستقلال ليبيا على تعيين السيد (أدريان بلت) الدبلوماسي الهولندي الذي سبق أن عمل في عصبة الأمم The League of Nations السابقة 1919- 1939، وكان يحتل منصب الأمين المساعد للأمم المتحدة فتم تعيينه المفوض الخاص للمنظمة الدولية في ليبيا للمساعدة وتقديم الاستشارة والعون من أجل بناء الدولة الليبية الجديدة كذلك أنشأت الأمم المتحدة مجلسا خاصا ليعين مفوض الأمم المتحدة في أداء مهمته عرف آنذاك (بمجلس العشرة) لأنه يتألف من عشرة أعضاء يمثلون الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وايطاليا ومصر وباكستان ومندوب من كل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاث والعضو العاشر يمثل الأقليات في ليبيا. وفى 25 أبريل 1950 تمّ انتخاب المجالس المحلية في طرابلس وبرقة وفزان وتكوين اللجنة التحضيرية تمهيدا لإنشاء الجمعية الوطنية التأسيسية في يوليو1950 والتي عرفت (بلجنة الواحد والعشرين) لأنها مثلت كل إقليم من أقاليم ليبيا بسبعة أعضاء. ولم يكن الوصول إلى أتفاق بشأن تكوين الجمعية الوطنية التأسيسية بالأمر السهل وتطلب ذلك كثير من الوقت في الوصول إلى أتفاق يرضى جميع الأطراف في أن يكون تكوين الجمعية الوطنية التأسيسية بطريق الانتداب ويتم على أساس التمثيل المتساوي للأقاليم الثلاث وان تتألف اللجنة من ستين عضوا بمعدل عشرين مندوبا لكل إقليم. وتم تكوين اللجنة الوطنية التأسيسية في نوفمبر 1950 من ستين عضوا كانوا مثالا للوطنية الليبية ويتمتعون باحترام وتقدير عموم المجتمع السياسي الليبي إذ لم يكونوا مجرد (قادة) اجتماعيين فحسب، بل رجال قيادة سياسية يمثلون ليبيا بأقاليمها الثلاث ويعبرون عن أرادة الشعب الليبي في الحرية والاستقلال. وهكذا تعدّ التجربة السياسية الليبية مميزة على نحو كبير في تكوين الدولة الليبية المبنية على (الفدرالية: الاتحادية) إذ لم يمر أي من البلدان العربية بهذه التجربة من قبل(27)
من هنا فإن قيام ما يعرف بحركة الفاتح من سبتمبر1969(انقلاب عسكري سارت قطعاته وسط ثكنتين قريبتين أميركية وبريطانية!) بقيادة العقيد معمر القذافي وثلة من الضباط الآخرين (تقليدا لضباط الثورة المصرية 1952) وعلى رأسهم عبد السلام جلود الذي غيب دوره عن السلطة على نحو واضح ومن ثم تفرّد العقيد القذافي بها؛ ليس ضربا للشرعية الدولية التي قامت عليها الدولة الليبية وإعلان عبدا لله السنوسي ملكا عليها؛ بل هو طعن للتجربة الاتحادية الدستورية المتفردة في ليبيا بالدرجة الأساس. ولذلك فإن النظام السياسي (الغريب) الذي افتعله العقيد القذافي في ما عرف ب( الكتاب الأخضر: دستوره الفكري) (28) وباعتباره المنهج العام (للجماهيرية) الليبية ما هو في مضمونه إلا التفافا واضحا على الشرعية والدستورية في ليبيا. (فالأفكار) إذا جاز التعبير الواردة في الكتاب الأخضر عالج القذافي فيها واحدة من أهم المشكلات السياسية في العالم ألا وهي مشكلة (أداة الحكم) من خلال إلغاء التمثيل الديمقراطي – وهو صلب المسألة- بإنشاء نوع من الممثليات المباشرة للشعب ممثلة بما يعرف ب( اللجان الثورية) أو (اللجان الشعبية) التي ينتمي إليها جميع أفراد الشعب الذين يمكنهم طرح آراءهم السياسية مباشرة. ومن الغريب في الوقت نفسه عن القذافي الذي مارس السلطة المطلقة على الدولة والشعب أعلن في عام 1978 أنه قائد للشعب وليس رئيسا للدولة في محاولة أخرى للسيطرة على البلاد ووضع نفسه كدكتاتور مطلق. وغير القذافي شكليا أسم الجمهورية إلى الجماهيرية وحول ليبيا إلى إقطاعية خاصة به وبعائلته وأتباعه من اللجان الثورية. وعلى العموم إن مثل هذه الأفكار الطوباوية يمكن إحالتها إلى أفكار الزعيم اليساري (ليون تروتسكي) ونظريته حول علاقة الجماهير بالسلطة وما يعرف بالثورة المستمرة.(29) ويوجه القذافي نقده للأغلبية البسيطة حيث يفوز 51% مقابل 49% بالأصوات ويعد ذلك دكتاتورية على نحو مبسط حيث 49% من الشعب غير راض عن تلك النتيجة. ولذلك هو لا يرى ثمة صورة أخرى للمعارضة وكونها تمثل سلطة ثانية أيضا كما أنه لا يولي للدستور أهمية أبدا حيث لم يكن لدى ليبيا أي دستور مكتوب طوال حياتها السياسية في ظل العقيد القذافي ولم يكتب للجماهيرية دستورا إلا في يناير عام 2011 أي بعد 39 عاما من حكم القذافي وبعد ان توجس خيفة من قيام حركات تحرر عربية دستورية.(30) ومن الصعب التصور إن القذافي كان مستوعبا لنظريات ليون تروتسكي تماما؛ بل هو أخذ بعض أفكاره حول الثورة المستمرة والدولة وتم مسخها لتخدم تسلطه على الشعب. لذلك فإن القذافي يعلن أنه ليس رئيسا للدولة وإنما هو قائد للثورة وليس لديه أي منصب في الدولة وهي مغالطة كبرى؛ إذ أن إدارة الدولة تتم برعايته وعلمه ومشورته.
ومن هنا فقد تحولت الدولة الليبية إلى حالة شاذة عالميا من خلال تأكيدها على دعم حركات متطرفة كالجيش الجمهوري الايرلندي السرّي وكذلك القيام بإسقاط طائرات كحادث طائرة لوكربي واعتراف ليبيا بالمسؤولية عنه. مما وضع العالم في حيرة وخاصة بعد تنازل القذافي عن أسلحة الدمار الشامل وتسليمها للولايات المتحدة في محاولة (تصالحية) مسطحة مع الغرب والولايات المتحدة مما يعني تخلي القذافي عن مشروعاته في تحطيم الغرب. فضلا عن مجمل التحولات في سياسة القذافي من الوحدة العربية إلى وحدة الدول الأفريقية حيث وضع المشروع الفكري الذي عكف عليه القذافي سنين طوال في ضرورة الوحدة العربية موضع تساؤل آخر محيرا.

ولذلك بات من الضروري على الشعب الليبي العمل على تغيير هذا النظام المتذبذب داخليا وخارجيا والذي يضطهد معارضيه في الداخل بقسوة ويرسل المجموعات الإرهابية لاغتيال معارضيه في الخارج أيضا. وهكذا أصبح التغيير ضرورة حتمية في ليبيا بسبب القمع الذي تمارسه الدولة البوليسية ضدّ شعبها وخاصة بعد استخدام القذافي لقمع المعارضة السلمية والمعارضة المسلحة لأعنف أشكال الأسلحة المحرمة دوليا. وكذلك قيام تحالف دولي لحماية المدنيين في ليبيا على وفق قراري الأمم المتحدة 1970 و1973 . من الصعب التأكد بان الولايات المتحدة والغرب سوف تحافظ على التزامها الأخلاقي في حماية المدنيين والمساعدة على نشر الديمقراطية في العالم والمعلن حيال حركات التحرر العربية من الدول القمعية البوليسية. يظهر ذلك في المماطلة الدولية والأميركية من نظام الزعيم معمر ألقذافي ودور الثوار (17 فبراير) في الدفاع عن الشعب ورغبته في التغيير. ويعني فجر الاوذيسة من البداية هو طول المعركة وملحميتها؛ من هنا فإن الغرب ممثلا ب(حلف الناتو) والولايات المتحدة قد قررا منذ الوهلة الأولى فداحة وصعوبة التغيير في ليبيا حيث تنتشر المعارك حول منابع النفط على طول الشريط المقابل للبحر المتوسط..






ويمكننا أن نجد في المسح السياسي لطبيعة الأنظمة العربية والثورات فيها إلى نمطين أساسيين:
النمط الأول: أنظمة جمهورية ذات جيوش محترفة وتطورا اجتماعيا ملحوظا مع هامش محدود من الحريات يتناسب وطبيعة النظام السياسي الحاكم الذي تحكمه أجهزة قمعية ودولة قوامها التفرد بالسلطة عن طريق (الرئيس+الحزب + الأسرة+ انتخابات شكلية أو مزورة) ومثال ذلك: مصر وتونس
النمط الثاني: أنظمة جمهورية نامية اجتماعيا ولازالت عوامل ما قبل الدولة فاعلة فيها كالعوامل العشائرية والطائفية والجهوية، ولا جيش مهنيا لديها، حيث تتداخل الولاءات القبلية والطائفية والجهوية, والدولة قوامها: ( الرئيس+ القبيلة+ انتخابات شكلية ومزورة أو لا انتخابات طبيعية مثل ليبيا) ومثال ذلك: اليمن وليبيا.
ومن اجل فهم طبيعة هذه الأنظمة يعدّ النظام الليبي أنموذجا مناسبا للدولة البوليسية. ففي عام 1996 قام النظام الليبي بإعدام أكثر من (1200) سجينا سياسيا في مجزرة سجن" بو سليم" الدموية التي تعد من أخطر وأكبر الجرائم ضدّ مناؤين سياسيين التي ارتكبها حكم العقيد معمر القذافي ضد الشعب الليبي. بتاريخ 29 يونيو/حزيران حيث قامت قوات خاصة تابعة للنظام بمداهمة سجن "بو سليم" بعد اعتصامات للمطالبة بتحسين الأوضاع وفتحت نيران أسلحة متوسطة وخفيفة على السجناء العزل من أي سلاح وقتلت أكثر من ألف ومائتي سجين. نفذت هذه المجزرة الرهيبة بناء على تعليمات مباشرة من العقيد معمر القذافي شخصيا.(31)
وهكذا فإن تجذير العنف في ليبيا على مدى 42 عاما من التسلط والدكتاتورية سوف يؤدي إلى نتائج وخيمة على المدى البعيد، ومن ثم سيضع البلاد أمام سيناريو التقسيم الذي أظهر ليبيا كدولة موحدة لأول مرة في التاريخ بقرار أممي. وسيناريو تقسيم ليبيا يعدّ موضوعة قائمة للحيلولة دون وصول المد التغييري إلى بلدان شمال أفريقيا ووقوع العالم العربي في حالة من عدم السيطرة بالنسبة للغرب والولايات المتحدة. ولذلك فإن مشروع تقسيم ليبيا بعد إقرار حلف الناتو بعد إمكانية الثوار إسقاط نظام القذافي ودخول الحرب بين الطرفين في سجال مستمر بات أمرا شبه واقع في ظل أنباء عن وجود منظمة القاعدة بين صفوف الثوار. وقال وزير الخارجية الليبي (موسى كوسا) وهو واحدا من أهم أركان نظام القذافي بعد أولاده الستة والذي انشق عن نظام القذافي وكان مديرا للمخابرات الليبية أيضا: إن حوالي (300) مقاتل مدرب من تنظيم القاعدة كانوا محتجزين في معتقل جوانتانامو يدعمون قوات المعارضة المسلحة في الجزء الشرقي من ليبيا .واتهم أيضا في مؤتمر صحفي في طرابلس القوى الغربية بمحاولة مساعدة المعارضين على تقسيم ليبيا إلى دولتين شرقية وغربية. وقال كوسا إن مقاتلي القاعدة الذين أعيد تسليحهم بعد إطلاق سراحهم من سجن جوانتانامو الأمريكي يشكلون النواة الأساسية للتهديد العسكري الذي تمثله قوات المعارضة. في بنغازي. وأضاف أنهم يقاتلون الآن في شرق ليبيا وان أساليبهم واضحة. ثم قال انه بعد إطلاق سراحهم عاودوا التحرك وحصلوا على أسلحة(32) وهكذا أصبحت (فزاعة) وجود تنظيم القاعدة واحدة من أهم محركات السياسات الدولية تجاه العالم العربي.
وقالت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في تقرير من بنغازي: "إن ثوار ليبيا يستعدون لأسوأ السيناريوهات المتمثلة في تقسيم البلاد، رغم أنهم يأملون بقيام دولة ديمقراطية موحدة". وتشير الصحيفة إلى أنه منذ انتفاضة 17 فبراير التي أنهت حكم العقيد معمر القذافي في بعض المناطق الشرقية وعلى رأسها مدينة بنغازي، فإن المدارس والعديد من قطاعات الأعمال ما زالت مغلقة، ولكن الشرطة عادت إلى الشوارع، والمستشفيات تعمل والمحال التجارية بدأت تفتح أبوابها تدريجيا(33) مما يعني إمكانية قيام انفصال في ليبيا.
عن حركات التغيير السلمية في العالم العربي تتعرض إلى مخاطر شتى وليست ليبيا إلا مثالا يمكن تكراره في العديد من البلدان العربية الأخر حيث تؤول إلى التقسيم وتحويل البلاد العربية إلى نثار من دويلات المدن المبنية على الطائفية والعرقية والجهوية مما يضع حركات التغيير في موضع تساؤل أيضا. فالغاندية الجديدة في العالم العربي وما رشحت عنه ربما تصبح وبالا جديدا في حالة غياب منهج التوحد العربي وبقاء البلدان العربية أسيرة النزعات القطرية او النزعات الجديدة المبنية على الطائفية والعرقية والجهوية. ومن هنا فغن قيام حركة فكرية تتوازى وطبيعة التغييرات المتسارعة في العالم العربي ورصد اتجاهاتها وتصحيح مساراتها من الضرورة بمكان. وسبق لغاندي أن قال:
{ إِنّنِي لا أُرِيدُ أن ترتفــــع الجُدران من كــل جانب حَولَ بيتِي، ولا أَن يُحكم إغـــلاق نوافذي، إِنّنِــي أُريدُ أن تَهُبَّ ثَقافَة كُـــلّ أرض حَولَ بيتي بِأَقصَى قَدرٍ مِنَ الحُرّيّة، لكِنّنِي أرفُضُ أن تَقتَلِعَنِـي رِيحُ أَيٍّ مِنهَا مِنْ جُذُورِي }.








خاتمة:

حركات التحرر العربية نتيجة طبيعية للأنظمة العربية المغلقة سواء التقليدية أو الجمهورية بسبب التسلط وضياع الحريات العامة والخاصة وسياسات التوريث المتعمدة. فقد اتخذت – في النهاية- الأنظمة الجمهورية العسكرتارية من التوريث في الحكم شعارا لها مما أثار الجماهير الغاضبة التي طالها الجوع والجهل والفساد السياسي وغياب صورة المستقبل. لكن التغييرات المتسارعة في بلدان العالم العربي تجعل من الصعب مواكبة هذه الحركات بسبب المتغيرات العديدة والانفجارات الشبابية والشعبية لها فحركات التغيير تستلهم من بعضها الدروس والعبر والشعارات والإصرار على رحيل رموز الدولة البوليسية. وإذا كانت الأنماط في التغيير تختلف من بلد عربي لآخر فإن النتيجة واحدة في كلّ الأحوال: سقوط الدولة البوليسية وسياسة عسكرة المجتمعات ثم قيام دولة منفتحة مدنية تستخدم آليات الديمقراطية في حرية الإعلام وتداول السلطة السلمي والاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدلا عن دخان البنادق.
اختارت جماعات الشباب الجديدة المتحمسة التي استخدمت وسائل الاتصال الحديثة القيام ضد الدكتاتوريات المختلفة في العالم العربي على طريقة اللاعنف بسبب عدم جدوى الأساليب العنفية السابقة في تحقيق الدولة المدنية فلا الانقلابات العسكرية باتت ممكنة ولا الثورات الشعبية المسلحة. ولذلك فقد حددت هذه المجموعات من الشباب أياما معينة للانطلاق في وقت قللت دولة الأجهزة الأمنية (البوليسية) من محاولاتهم وعدتها محض تهويمات لشبان طائشين لا تأثير لهم على المجتمع بعد أن جندت مئات الآلاف من الأفراد في أجهزة الأمن المختلفة. لكن هؤلاء الشباب لم يرفعوا إلا الغطاء عن بالوعات الفساد والمفسدين وناهبي ثروات الشعب حيث التحق بهم في بضعة أيام الآلاف من المحتجين الذين لم يستعملوا كيبورد في حياتهم. فسجل عدد المحتجين على الرئيس حسني مبارك في مصر- وهو أكثر كثافة سكانية لبلد عربي- قبل تنحيه في القاهرة وبقية مدن وقصبات مصر حوالي (24) مليون إنسان مصري في يوم واحد. فسقط نظام مبارك الذي يعد بمثابة القلعة الكبرى للدولة البوليسية العربية وسقطت معه كل الشعارات والأقنعة للعسكرتاريا العربية بعد ذلك.
لكنّ سقوط النظامين البوليسيين في تونس ومصر وقيام حركات تحررية سلمية في بلدان أخر كاليمن وليبيا وسوريا والأردن وسلطنة عمان والبحرين والعراق لا يعني إن تلك الثورات قد استكملت شروطها وبات عليها الحذر من أساليب الثورة المضادة التي لازالت ترى في النظام العسكري ضرورة لحفظ الأمن. فوقوف المؤسستين العسكريتين في مصر وتونس لم يتكرر في بلدان عربية أخرى مما يعني إن أساليب العنف هي المعول عليها في التغيير. كما أن وسائل الثورة المضادة في مصر قد تؤدي إلى مظاهر عنف شديدة أيضا؛ مما يعني فشل حركات اللاعنف أو (الغاندية الجديدة) في العالم العربي في الوصول إلى أهدافها عن طريق الحراك السلمي ومن ثم العودة إلى أساليب العنف المعروفة من جديد. ويعدّ ذلك الوضع عموما دخول العالم العربي في موجة جديدة من الفوضى من الصعب التكهن بنتائجها أيضا وربما سوف تؤدي بطبيعة الحال إلى تقسيم البلدان العربية من جديد في (سايكس - بيكو) محتملة تعيد إلى الأذهان فكرة دويلات المدن التي مرّت بها أوربا حيث يصب هذا السيناريو في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأساس.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,466,636,862
- أية جامعة نريد؟
- طركاعة الشيخوقراطية
- حكومة بلابوش: تلاثة قرؤ وعشرة أيام
- فاشيون قدماء/ فاشيون جدد
- كهرباء في الذكر
- ماريو فارغاس يوسا المهتم بالكيوات العراقية
- العراقيون مسجلون في منظمة الشعوب المنقرضة؟
- مصفوفة يسار قادم (1-1)
- إعترافات الشيخ احمد الكبيسي
- هل يُناط بطارق عزيز دورا (ما) جديدا؟
- راشيل كوري/ مركريت حسن
- حسن العلوي: قلق ولاء قديم/ قلق الحاضر
- لحظات فانية
- بقعة الأرجوان
- أرض الريشوله(*)
- جراد أصفر
- خيول بيض
- رائحة بول غريب
- من أين تبدأ الديمقراطية؟ قراءة في تجربة حزب الوفد المصري
- حسن العلوي : الحصان الشيخ الراكض


المزيد.....




- توقيع اتفاق المرحلة الانتقالية بين المجلس العسكري وقادة حركة ...
- وزير الطاقة السعودي يكشف تفاصيل استهداف حقل نفط تابع لأرامكو ...
- العثور على 1700 قنبلة في قلعة روسية
- توقيع اتفاق الفترة الانتقالية بين المجلس العسكري وحركة الاحت ...
- مقتل 7 مدنيين من عائلة واحدة وإصابة آخرين في قصف جوي بإدلب ا ...
- عطلة ترامب بين التغريدات والتجمعات الانتخابية وجمع التبرعات ...
- ما هو السر وراء رغبة ترامب في شراء غرينلاند ولماذا ترفض الدن ...
- مشاهد من إفريقيا
- حرب اليمن: الحوثيون يستهدفون حقل الشيبة النفطي شرقي السعودية ...
- توقيع اتفاق الفترة الانتقالية بين المجلس العسكري وحركة الاحت ...


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الأسدي - (الغاندية الجديدة) دراسة في حركات اللاعنف العربية