أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عقيل الناصري - 1- عبد الكريم قاسم في عوالم الحياة العسكرية:






















المزيد.....

1- عبد الكريم قاسم في عوالم الحياة العسكرية:



عقيل الناصري
الحوار المتمدن-العدد: 993 - 2004 / 10 / 21 - 10:18
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


قرر المعلم عبد الكريم قاسم الانتساب إلى الكلية العسكرية والاندماج بكل قيمها ومنظومة قواعدها وما تغرسه في نفسية الفرد العسكري، نتيجة الممارسة اليومية لحياة الثكنة ومستلزمات التكييف معها، من حيث التراتيبية ودقتها، والانضباط وصرامته، والإلزامية في التنفيذ دون نقاشها والطاعة بالمعقول واللامعقول. لقد لاقت هذه الحياة هواً في نفسه وتطابقاً مع مزاجه في مقتبل عمره الطامح .
مَثَلَ هذا القرار لشاب في عمر الثامنة عشر وبمبادرته الذاتية وقناعته التامة، الخطوة العملية الأولى التي عبرت عن طبيعة شخصيته وما يعتليها من أبعاد استقلالية[1]. كما أن هذه الخطوة لبت طموحه في إكمال دراسته من جهة وفي تلبية طموح عائلته بمساعدتها المادية من جهة ثانية، ورأى في مهنة التعليم كواحدة من أفضل وأقدم المهن، لكنها على صعيد نفسه لم تكن تلبي طموحه ولا معرفة ذاته والتحقق منها وما تصبوا إليه.
 تزامن هذا، منذ عام 1932 في العراق ودول الجوار، مع التأكيد والمبالغة في دور الضابط في الواجب (المقدس) باعتبارهم " انتليجنسيا الأمة.. والسادة الحقيقيون لهذه البلدان[2] " كماعبر كمال أتاتورك وردد صداها بقوة أعضاء النخبة الحاكمة في العراق من ذوي الأصول العسكرية وذوي النزعة العثمانية، الذين كانوا يرون في الاتاتوركية مثلهم الأعلى، وما صعود دور الضباط في الحياة السياسية إلا أحد تعابير هذا الإعجاب. وقد انعكست هذه النظرة عن الضابط في الوعي الاجتماعي ونظرة إليه بهيبة ووقار.
لقد أثار قرار المعلم قاسم معارضة شديدة من أقرب أصدقائه وأساتذته ومنهم مصطفى علي[3]، الذين كانوا يعتقدون أن مهنة التدريس هي الأقرب إلى وضعه النفسي والاجتماعي وبنية جسمه، إذ كان يتسم آنذاك بالضعف والهزال العام، بالإضافة إلى إصابة يده اليسرى بالتشنج  نتيجة سقوط فأس حادة عندما كان يعمل مع والده أثناء مرحلة الصبا. كما أن مصطفى علي، كما نعتقد، كان يعول ويرغب في أن يواصل الطالب والمعلم قاسم التعمق في الدراسة الأدبية وينمي شعوره أكثر فأكثر في أدب معروف الرصافي، الذي تأثر به الأستاذ ومن ثم تلميذه .
بالمقابل أصر قاسم على وجوب الانتماء للكلية العسكرية، خاصةً بعد التشاور والاتفاق مع أبن بنت عمته الشاب عبد الجبار جواد، الذي أبدى حماساً متوافقاً، لأنه كان هو الأخر يطمح بذلك. وتشير بعض المصادر إلى أن انتسابه للكلية العسكرية كان بناءً على نصيحة عبد الجبار بالذات، أو قل تأثر بها. وبغض النظر عن تأييد ذلك من عدمه، فإن مزاج ونفسية الشاب عبد الكريم وطموحه كانت هي الأقرب إلى عالم العسكرية ومشاقها من مهنة التعليم ورتابتها. ومما ساعده على اتخاذ مثل هذا القرار، هو الاقتداء بالضابط الطيار محمد علي جواد [4] , الأخ الأكبر لعبد الجبار الذي كان بمثابة القدوة والمثل لهما، وقد حثهما على الانتساب للكلية (وربما) حظيا بدعمه المعنوي.
أشتهر محمد علي جواد (خريج المدرسة العسكرية العراقية 1925/1927) بالروح الوطنية، وبدوره في المساهمة بتأسيس وتطوير القوة الجوية العراقية، إذ كان أحد خريج الدفعة الأولى من الطيارين العراقيين، وعلى الأخص بعد أن اصبح قائداً لها ولحين اغتياله مع بكر صدقي في الموصل يوم11/09/1937. كان غالباً ما يصطدم مع بعض رموز السلطة المتماهية في تحالفها البريطانيين ومستشاريهم في البعثة العسكرية، الذين كان  ينظر إليهم الضباط العراقيين يعتبرونهم السبب في عدم تطوير المؤسسة العسكرية، وتخلفها النوعي والكمي.
وقد حبك محمد علي جواد صلات مع الملك غازي والكتلة العسكرية ذات النزعة العراقية, للعمل على تطوير القوة الجوية خارج أطر الاتفاقية العراقية البريطانية، وقد كان هذا أحد أسباب مقتل الملك غازي وبكر صدقي ومحمد علي جواد. وفي الوقت نفسه كانت له صلات سياسية مع مجموعة محمد جعفر أبو التمن والتيار الوطني الديمقراطي. واشتهر أيضاً بكونه ضابطاً متواضعاً ذو انضباط واعي، يحترم المراتب الدنيا " إذ كان الطيارون وعلى رأسهم محمد علي جواد يتعاملون مع ضباط الصف والجنود معاملة سبورت، أي من دون عجرفة عسكرية بيروقراطية، ولم يكن للإضراب الصامت ( الذي قام به منتسبو القوة الجوية في أواسط الثلاثينيات-ع.ن.) نتائج سلبية كالطرد والملاحقة، فالروح الوطنية كانت هي السائدة بين الطيارين. أما سائر القطعات العسكرية فالعصي هي السائدة في العلاقة بين الجنود والضباط [5] ".
قيل أن محمد علي جواد قد توسط لأخيه وعبد الكريم في القبول في الكلية العسكرية[6]. وبغض النظر عن مدى تحقق هذه الوساطة من عدمها. يمكننا القول أن رابطة الدم والصلات القرابية، والدينية والطائفية والمدينية وما يشتق من كل هذا، كانت ولا تزال، تمثل أحد أهم الروابط في المجتمع العراقي، وفي الوقت نفسه أحد مصادر القوة السياسية والاجتماعية للأفراد وتحدد مكانتهم في الهرم الاجتماعي. وربما تتجاوز ذلك وتؤثر في الحياة السياسية العامة للبلد. وقد لعبت هذه العلاقات ولا تزال، دوراً نسبياً يفوق دور الأفكار والمصالح الطبقية المشتركة, سواءً للفرد أو الجماعة السياسية، وأصبح لها مجالاً حيوياً في الزعامات المحلية أو الوطنية، وفي توسيع رقعة الأحزاب السياسية لدى هذه العائلة أو تلك، في هذه المنطقة أو غيرها. لقد شملت هذه الحالة كل القوى السياسية وأغلب أعضاء نخب الحكم، سواءً في السلطة أو خارجها.ولقد انعكست هذه العلاقة في الوعي الاجتماعي وتجلت في الكثير من الأمثال التي جسدها المثل المتداول:( أنا وأخي على أبن عمي، وأنا وأبن عمي على الغريب).
وتدلل الوقائع إن ضباط الجيش العراقي يرتبطون بصلات عائلية ومصاهرة مع ضباط آخرين. فقد كان لنوري السعيد وجعفر العسكري رابطة مصاهرة مشترك كل منهما تزوج من أخت الآخر. وكان لجعفر أخوان من الضباط وهما تحسين وعلي رضا. وهناك عائلات قدمت عددا كبيرا من الضباط منها مثلا: الربيعي- نجيب وحسيب, الهاشمي- ياسين وطه وأحفادهم, الداغستاني الأب والابن غازي, سري- رفعت ومدحت وفائق, الشواف- عبد الوهاب ومحمد, عائلة الراوي- خرج منها ستة ضباط, العمري الموصلية التي منها امين وحسين وغيرهم, عارف- عبد السلام وأخيه عبد الرحمن وابنه قيس, والسعدون التي معروف منهت سبعة ضباط, منهم عبد المحسن( رئيس الوزراء السابق) وممتاز وعبد الخالق ...الخ[7]. ونفس الشيء بالنسبة لقاسم فقد كان عمه علي محمد البكر ضابطاً في الجيش العثماني كما مر بنا, كما أن زوج بنت عمته جواد جعفر الربيعي (والد الضابطين محمد علي وعبد الجبار) كان ايضاً ضابطاً في الجيش العثماني.
 يبقى السؤال الأهم معرفة الدوافع الأرأسية التي دفعت بالمعلم عبد الكريم للانتماء إلى مهنة الضباط ؟؟ هل كانت بتأثير الاقارب ؟ أم يكمن وراءها دوافع أخرى؟ لأن العامل النفسي وحده لا يستطيع تفسير دوافع هذا الانتماء. فهل لعبت دوراً منظومة القيم العسكرية وخطابها التي كانت تخاطب مكنونات الوعي الاجتماعي في تلك الفترة من قبيل الرجولة والعزة والكرامة وما شابه ذلك..؟ أم كانت الدوافع السياسية/ الفكرية النابعة من طبيعة المناخ السياسي المتأثر بالفكرة الوطنية والمناهضة لقوى الاحتلال البريطاني ومشاريعه؟ أم يكمن السبب فيما توفره مهنة الضابط من قدرة على الحراك والإرتقاء الاجتماعيين.. وكذلك ما تفضيه من شعور بالتفوق والمكانة الاجتماعية ياعتبار الضباط فئة  اجتماعية متميزة في طريقة تفكيرها ونمط حياتها وموقعها في السلم الاجتماعي؟
إن تفسير انتماء قاسم للكلية العسكرية بعامل تأثره بابن بنت عمته محمد علي جواد.. وحده لا يكفي لشرح ذلك.. ربما يمكن تفسيرها, حسب قراءتي, بمجموعة من هذه العوامل المذكورة ويقف على رأسها ثلاثة عوامل أرأسية هي:
1-العامل النفسي وما تخلقه المؤسسة العسكرية من شعور بالتفوق باعتبارهم جماعة متميزة في طريقة تفكيرها ونمط حياتها وموقعها وملائمتها للقيم الاجتناعية السائدة .
2-العامل الاقتصادي إذ أن سلم الرواتب والفوائد الاقتصادية التي تدرها مهنة الضباط مقارنةً بالمهن الأخرى.
3-عامل الحراك الاجتماعي الذي توفره الخدمة في سلك الضباط وكمدخل لعالم الصفوة الحاكمة وكما يحدث دائماً لأرباب أية مهنة كانت.
1- كما هنالك عامل رئيسي, أزعم أنه مهم ويكمن في امكانية وقدرة المؤسسة العسكرية في تحقيق التغيرات الجذرية كما كان يعتقد قاسم في حينها, وما دللت عليه تاريخية تطور الجيش العراقي.
 وبالترابط مع ما ذكر لابد من التأكيد على أن المؤسسة العسكرية وعت ذاتها ودورها وامكانيتها المؤثرة, خاصةً بعد أن أصبح " ضباط الجيش في القرن العشرين نمطاً اجتماعياً جديداً.. عضوا بجماعة اجتماعية جديدة, يصفها (هنتنجتون) بقوله: إن سلك الضباط في العصر الحديث هو كيان مهني, وضابط الجيش رجل محترف... والاحتراف نمط خاص لمجموعة وظيفية شديدة التميز. مثل الطبيب والمحامي. وهناك صفات ثلاثة تميز هذه المجموعة المحترفة: المعرفة, المسؤولية والمشاركة [8] ". وهذا ما كان ملموساً ومتبلوراً منذ مطلع الثلاثينيات في المؤسسة العسكرية العراقية التي نشأت في العشرينيات وتبلورت كمهنة في الثلاثينيات وليكن أحد أهم عوامل التغيير منذ الاربعينيات.
 سبق وأن قلنا أن الكلية العسكرية أتبعت منذ صيف عام 1932سياسة التوسع الكمي والوعي[9]، بعد إطلاق يد الحكومة العراقية (المستقلة) من لزوميات وقيود سلطة الانتداب وإيذاناً بانتهائها وقبول العراق في عصبة الأمم بصفته دولة مستقلة. لكن هذا الإطلاق لم يكن بلا حدود وبصورة مطلقة. إذ لعبت البعثة العسكرية البريطانية دوراً مهماً في كبح جماح رغبة التوسيع لدى الكثير من نخب الحكم السياسية والعسكرية من جهة، وربطه بالتكييف مع مخططاتها المستقبلية سواءً في العراق والمنطقة، وبالتحديد في التجسيد الواقعي لوعد بلفور(ها) وقيام دولة إسرائيل.
 في صيف ذلك العام أعلنت وزارة الدفاع، حاجتها إلى ضباط جدد، وأن الكلية العسكرية ستستقبل عدداً أكبر من الطلاب من خريجي المرحلة الثانوية. وضمن هذا التوجه تقدم العديد من الموظفين والمعلمين والطلبة المتخرجين حديثاً من مرحلة الثانوية، بطلبات الانتساب للكلية المذكورة. كان من بين هؤلاء المعلم عبد الكريم قاسم، الذي ظهر أسمه من بين الطلبة المقبولين الجدد.
لقد بدأت الدراسة لهذه الدورة يوم 15/09/ 1932. وكانت مدتها عشرون شهراً، وتخرج الضباط برتبة ملازم ثاني بتاريخ 15/04/ 1934. وأثناء دراسته في الكلية أندمج الطالب المستجد عبد الكريم في حياة عالم العسكرية، وساهم بوعي الشباب ذو العشرين عاماً وما يحمل من طموح إلى استيعاب المواد النظرية العسكرية وتطبيقاتها العملية. وقد أشار عديد من زملاءه والتقارير الرسمية إلى مثابرته ودراسته الجديتين لأجل فهم المنظور وما يمكن أن يستنبط منها.
 لقد اندمجت عوالم هذه الحياة في كل كينونته واحساساته، لذا تألق فيها بعد استيعابها وهضم أنظمتها وانضباطها.. حتى غدت الحياة العسكرية، بمفهومها الواسع، عالمه الروحي والمادي بكل شموليته، كما كييف مزاجه النفسي وصقله بما يلائم نمط العلاقات في هذه المؤسسة وأنساقها، إلى درجة أدهشت أقرب المقربين إليه من الذين حاولوا إقناعه بعدم الانتساب لسلك الضباط، كذلك زملاءه وأساتذته في الكلية. وتوافق ذلك مع بنيته القوية التي تتلائم وطبيعة الخدمة في هذه المؤسسة.
استطاع في هذا المناخ أن يكون في غاية الانضباط وان يبدع في واجباته ويثير الاهتمام. اصبح مثالاً للعسكري الجيد الحريص على إنجاز واجباته بكل صدق ودقة، مما هيأ له تكوين علاقات مع طلاب دورته تقوم على تقاربات فكرية ومهنية أهلته " صفاته التي تحبب كل شخص إليه وكانت عاملاً مهماً في تكوينه جماعة من طلاب الكلية تعاهدوا على العمل لمصلحة الوطن [10] " .
بدأ آنذاك ولأول مرة يحس ويدرك حقيقة كيانه وتطلعه " ففي هذا الجو كانت الشجاعة والانضباط هما معيار الاعتبار والتقدير وليست المنزلة الاجتماعية. وهنا استطاع أن يستعيد ثقته بنفسه، لا لشيء إلا لأنه كان تلميذاً منضبطاً قوي البنية[11] " وفي " هذا الجو أيضاً شعر بتحرره من الاتكال على أب فقير يعيله، لأن الكلية العسكرية كانت تقدم لطلبتها جميعا ما يحتاجون إليه من مأكل وملبس، وكان معظم طلاب الكلية العسكرية من العائلات الفقيرة نسبياً، لأن أبناء العائلات الميسورة كانوا يؤثرون طلب العلم في الخارج أو الالتحاق بكلية الحقوق أو كلية الطب في بغداد. كان هو وجيله من الضباط الذين تشربوا الروح الوطنية (بحكم طبيعته الطبقية) أكثر استعداداً للذود عن الوطن، وهنا أخذت تعتمل في نفسه مطامح كانت مكبوتة وراح يتطلع إلى يوم يقوم فيه بدور كبير في الحياة العامة  [12] ", في مجتمع تحكمه التناقضات الاجتماعية العميقة والولاءات القائمة على رابطة الدم، وهو قد شب في عائلة فقيرة لا تمتلك من مصادر القوة السياسية/ الاجتماعية إلا الشيء النزر، والذي يكمن في سلطة ابن بنت عمته الضابط في القوة الجوية آنذاك. بمعنى آخر أن نجاحه كان بالأساس بجهده الخاص و" أن كل هذه النتائج التي حصل عليها بالاعتماد على نفسه وأنه وحيد في هذه الدنيا [13]" كما كان يردد ذلك قاسم نفسه.
 لقد أظهر سجله في الكلية العسكرية، مدى جديته وتفوقه في كثير من الأمور التي لم يسبق أن تفوق بمثلها من قبل، وعلى وجه الخصوص في القدرة على التحمل والصبر والأداء في التمارين العملية، وبالثقافة العامة مقارنةً بأقرانه. هذه الحالة من الجدية أكسبته رضى رؤساءه والمحيطين به وتوقعوا له مستقبلاً في الجيش. ومن هذا المنطلق أنهى كليته، كالمعتاد، بتفوق وإن لم تذكر المصادر المتوفرة ما هي درجته كانت بالضبط.
أثناء دراسته، تأثر عبد الكريم قاسم مثل العديد من زملاءه من هذه الدورة، بالأفكار الوطنية وبالنزعة الاستقلالية التامة والتي كانت منتشرة آنذاك واشتدت أوارها واكتسبت مضامين اجتماعية في أعقاب محاولات المعارضة لإجهاض الاتفاقية العراقية – البريطانية لعام 1930، التي عقدتها وزارة نوري السعيد الأولى (23/03/1930- 19/10/1931) وما أعقبها من احتجاجات واسعة قادتها على مستوى الشارع السياسي جمعية أصحاب الصنائع التي كان موجهها جماعة الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي، والحزب الوطني العراقي برئاسة جعفر أبو التمن. في حين كان حزب الإخاء الوطني بزعامة نخبة من أصحاب النظرة القومية ( ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني وغيرهم) هم بمنأى عن تأييد الجماهير الشعبية ومطالبها, وإعلامياً هم ضد الاتفاقية ولكن في الواقع كانوا معها.. بدليل إن زعماءها عندما تم استيسزارهم لم يعملوا حتى على تعديل الاتفاقية، ناهيك عن إلغاءها.
وفي الكلية العسكرية، كان مدرس مادتي التاريخ العسكري والجغرافية العسكرية الرئيس الأول (الرائد) توفيق حسين، يلقن الطلاب بالأفكار السياسية الراديكالية التي تناهض المشروع البريطاني والمتعاونين معه في عموم المشرق العربي، ويركز على التوعية والتنظيم السياسيين.[14]
هذه الظروف الموضوعية والذاتية، للبلد والمؤسسة العسكرية، قد أثرت على كثير من الطلبة وأنضجت من وعيهم الوطني ووسعت من مداركهم السياسية، كما دللت عليه الحوادث التاريخية اللاحقة ومشاركة العديد منهم في الفعل السياسي المباشر، الحزبي أو المستقل، خاصةً بعد أن أصبحوا مناوئين لتوجهات نخب الحكم. هذا الجيل الجديد من الضباط أختلف نوعياً عن الجيل السابق, ذو النزعة العثمانوية الناقلين ولاءهم لحاضن مصالحهم قوى الاحتلال، إذ انهم مثلوا النزعة العراقية ليس كجغرافية فحسب بل كمضمون وطني/ قومي .
وعند تخرجه " آثر أن يخدم في الألوية (المحافظات- ع.ن) ، فلم يقضي في بغداد سوى زمن قصير. وكان يزور بغداد بين الحين والحين يجتمع بأصحابه من الضباط وغيرهم ويتتبع سير الأمور ويناقش ويتحدث ويصمم[15] ". لذا كان أول تعين له في مستودع مشاة الحلة.
بعدها شارك في كثير من الحركات الفعلية التي خاضها الجيش العراقي الداخلية والخارجية. وكانت أولى هذه الحركات، هي حركات العشائر في الفرات الأوسط والأدنى للفترة من ( 11/05 –29/07/1935).وأثناء هذه الحركات"كتب عنه آمر فوجه عندما كان أمر فصيل في الفوج الثالث تقريرا ًأشاد بأخلاقه وشهامته التي فاقت حد التصور، حيث أبت وطنيته وإخلاصه أن يكون بعيداً عن فوجه عند قيامه بالهجوم على العصاة في الرميثة. ففي الوقت الذي كان فيه مريضاً ومصاباً بالحمى طلب منه أمر الفوج أن يتأخر في ثكنة الفوج طلباً للراحة ، ولكنه أبى ذلك وكان رأس فصيله في الهجوم، فدخل به قصر(خنيفر) قبل أي شخص أخر – وقد منح نوط الخدمة الفعلية لإشتراكه في حركات الفرات في 14 آب 1935 [16] " .
و " في سنة 1935 وعلى اثر انتهاء حركات سوق الشيوخ [17]وعودة الفوج إلى معسكره الدائم في الناصرية في 29 تموز سنة 1939، أصيب الزعيم بالتهاب الزائدة الدودية وارتفعت درجة حرارة جسمه واشتد عليه المرض ولم يتمكن من تناول الطعام فجلب له الزعيم عبد الجبار جواد الذي كان آنذاك من ضباط فوجه طبيباً أعطاه مسهلاً فزاد في ألمه، بينما المعروف في مثل هذا المرض لا يعطى المسهل الذي يزيد من الالتهاب ويفجره ولما علم بذلك أمر فوجه المرحوم العقيد كامل شبيب استدعى مدير صحة اللواء ( المحافظة- ع.ن.) الذي قرر إرساله فورا إلى بغداد بالنظر لخطورة مرضه وقد تم إرساله بالطائرة وادخل المستشفى العسكري فأجريت له الإسعافات الأولية وتقرر إجراء عملية جراحية له من قبل الطبيب أمين رويحة إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم رفض إجراء العملية له من قبل الطبيب المومى إليه وفي المستشفى المذكورة وطلب إجراءها في المستشفى الجمهوري بأيدي أطباء ماهرين فأجيب إلى طلبه وحضر لفحصه الجراح الأول الطبيب البريطاني إبراهام  ومساعده الطبيب الجراح صائب شوكت مع أطباء آخرون وهو بحالة إغماء شديدة ، فقرر بأن لا أمل من نجاح هذه العملية لأن المريض لا يرجى شفاءه وذلك لانفجار الزائدة الدودية والتهاب البريطون والعلمية عذاب جديد له وعليه يكتفي بالكمادات الباردة فقط، وفجأةً أنتبه الأطباء إلى المريض  الذي يقول بالإنكليزية ما معناه : أنا حاضر أيها الدكتور متى تجري العملية ؟
أدرك الطبيب الإنكليزي أن المريض الذي بين يديه جلد قوي الأعصاب وله ثقة بنجاح العملية. وبعد ساعتين أجريت له العملية بنجاح… وكان الجراح إبرا هام يستشهد بهذه الحالة الشاذة من العمليات الجراحية الخطيرة التي لا ينجو فيها المريض من خطر أكيد…[18] ".
 بعد شفاءه عاد للحياة العسكرية مجدداً وشارك في شهر شباط/فبراير لعام 1936 لإخماد انتفاضة عشيرة ( بني ركاب) في لواء الناصرية ( محافظة ذي قار)، وعين في هذه الحملة بمنصب نائب مساعد ضابط الاستخبارات في فوج المشاة الذي كان أمره المقدم الركن كامل شبيب، أحد العقداء الأربعة لاحقاً. بعد ذلك  تحرك الفوج في شهر نيسان/أبريل لإخماد انتفاضة  منطقة الرميثة ثانيةً.
أرضى تنفيذ عبد الكريم لواجباته العسكرية وإنضباطيته الصارمة، أمره ونال من إعجابه ووثق صلاته به، واصبح موضع ثقته وأسبغ الأمر عليه رعايته وألتزمه. واستمرت هذه العلاقة بينهما لحين القضاء على حركة مايس التحررية عام 1941، حيث عاد النقيب ( الرئيس الأول) عبد الكريم قاسم يخدم مرة أخرى تحت إمرة العقيد كامل شبيب، الذي كان أمراً للفرقة الأولى، وساهم معه في مقاومة القوات البريطانية الغازية. هذه العلاقة أثمرت و"اضمر ذلك الإحسان الذي عبر عنه (عبد الكريم قاسم –ع.ن.) برعايته لأولاد المرحوم كامل شبيب وأقاربه وبتصريحه أنه من أقاربه [19] ".
 وبعد الانتهاء من إخماد هذه الحركات العشائرية والانتفاضات الفلاحية[20] التي عجت بها السنوات الأربعة لما بعد الاستقلال، عاد عبد الكريم إلى وحدته في مستودع مشاة الحلة. وعاد لممارسة الحياة العسكرية.وأثناء ذلك غالباً ما كان الضابط عبد الكريم في التمارين العسكرية أو الجولات الاستطلاعية، أن يقوم بنفسه قياس المسافات ويستطلع طرق المواصلات ويدرس الواقع الطوبوغرافي ومن ثم الواقع العملي.. كان دائم الحركة، لا يستقر في مكان واحد. وكان يردد دائماً القول التالي " واوي متحرك خير من أسد نائم ". وعندما يدرس الخطط مع المرؤوسين ويستأنس بآرائهم ن كان لا يعطي رأياً إلا بعد الاستماع إليهم.. هذه الصفة لازمته منذ ذلك الوقت.
بدء الشاب عبد الكريم  يطلع، منذ مطلع الثلاثينيات، أكثر فأكثر على الأدب السياسي ذات المنحى الوطني والماركسي الناشئ والذي أخذ يستقطب الراديكاليين من الشباب، من خلال حلقات الأصدقاء العاملين في الحقلين السياسي والأدبي ضمن المعارضة الوطنية ذات التوجه العراقي،التي كان مركز قطبها الحزب الوطني برئاسة جعفر أبو التمن والقريبين منه من الحركات السياسية والعمالية الناشئة التي تبلورت لاحقاً في اتجاهاتها الحزبية الثلاثة التي وسمت تاريخ المعارضة السياسية للحكم الملكي وهي:
 الديمقراطي الليبرالي(الحزب الوطني الديمقراطي) والقومي (حزب الاستقلال) والماركسي ( الحزب الشيوعي ).
هذه القراءات وذلك الاحتكاك بالقوى السياسية وملموسية واقع الصراع السياسي/الاجتماعي بين مختلف القوى الاجتماعية من جهة وبينها وبين قوى الاحتلال، صاغت منه شاباً متحمساً يتحسس أبعاد هذا الصراع ومكامن التناقض فيه من جهة، ومن جهة ثانية تجسيد هذه الأحاسيس ضمن غائية مستهدفة تساعد على حسم الصراع وتغيير الواقع لصالح القوى الوطنية وقاعدتها الاجتماعية. حول هذا الموضوع وفي خطاب له أمام وفد مدينة النجف الاشرف بتاريخ 13/9/1958 قال:
" ومنذ تخرجي من الكلية العسكرية بدأت وأخواني أبث روح التضحية بين أصدقائي ومعرفي من الضباط،وبمرور الزمن وبصورة تدريجية حصل التقارب وبدأت الاجتماعات وتوسعت وصارت على شكل مؤتمرات حتى استقرت القضية على حال وصارت إلى خطة تعتمد على الصبر والكتمان فأثمرت ليلة 14 تموز الخالدة وحررت أبناء الشعب  وها أنتم تجلسون على نفس الطاولة التي كان حكام العهد البائد يحيكون عليها مؤامراتهم [21] ".
 عكف عبد الكريم قاسم في هذه المرحلة، على التثقيف الذاتي سواءً للعلوم العسكرية أو/و السياسية. وكان يراكم هذه المعرف الجديدة والنظرات السياسية الأكثر واقعيةً لمصالح العراق والتي انصبت بالأساس على فهم دور بريطانيا في التلاعب بمقدرات البلد ومآله، التي كان يتحسس بها يومياً من خلال ضباطها في الجيش من جهة، ومن خلال ما تمارسه النخب الحاكمة ذات الولاء البريطاني من جهة ثانية.. إضافة إلى ما كانت تخطط له بالنسبة للقضية الفلسطينية.
هذه الممارسات العملية والنظرية، شكلت منه مَعلَمَاً عسكرياً يتفوق على زملاءه الضباط المتقاربين وإياه في الرتبة، وفي التصورات السياسية العامة وأبعادها المستقبلية. هذا الوضع المستقرأ يؤهلنا للقول: بأن الضابط عبد الكريم كان في هذه المرحلة بمثابة عسكري ذو أهداف سياسية. نظراً لغلبة الصفة الأولى كمهنة ومن حيث الاهتمام والممارسة العملية. لكن هذه المعادلة تغيرت بعد عقدين من الزمن، وذلك لتعمق الخبرة والممارسة والثقافة لديه والوضوح في الهدف السياسي  لتصوغ منه في النهاية:
رجلاً سياسياً بلباس عسكري.
 بدأت تتبلور وتعتمل في ذاته مطامحه السياسية منذ ذلك الوقت، وأخذ يتطلع إلى القيام بدور خطير ومهيأً نفسه لهذا الدور، " إذ لم يستطع الضابط الشاب أن يكبح جماح وطنيته المتصاعدة منذ أن كان طالباً في الكلية العسكرية، إزاء هذه الحوادث التي مرت أمامه، إنما أضمر مع نفسه شيئاً: أصر أن يعمل للقضاء على الإجراءات التعسفية بحق إخوانه المواطنين، وأصر في نفسه على تخليص الوطن من الوضاع الفاسدة وأضمر أن ينقذه من سيطرة الاستعمار الذي هو راس البلايا.. وبالتالي أصر على إذكاء الروح الوطنية بين زملاءه وأن يعمل بكتمان وحذر وإناءة لتحقيق أهدافه آخذاً بالاعتبار قوة شكيمة خصمه [22] ". تعمق هذا الشعور من خلال تأثره البالغ بالعقيد كامل شبيب. [23] ومن المواقف المشهودة لعبد الكريم قاسم والتي لها علاقة بالبعد السياسي في تلك الفترة أنه :
" ذات يوم زارنا مفتش الجيش الجنرال ووتر هاوس وهو إنكليزي الجنسية، ليفتش الدورة المتخرجة من الكلية العسكرية ووقفنا في ميدان العرض بوضع التفتيش، التفت إلينا عبد الكريم قاسم وهو واقفاً أمام الفصيل قبيل وصول المفتش إلى قاطعنا وقال:انظروا إلى هذا الجنرال الإنكليزي الكلب إننا نؤدي التحية, نؤديها لرتبته لا لشخصه[24] ".
اتسم عقد الثلاثينيات كما سبق وان ذكرنا، بصعود دور المؤسسة العسكرية وخروجها من ثكناتها لأول مرة ولم تعد إليها منذ ذلك الحين، إن لم يكن منذ تأسيس الدولة في 23 آب1921 حيث تحكمت في القرار السياسي المباشر أو غير المباشر بصورةٍ لم تكن تخلو من الممارسات القمعية والعنفية.
 لقد أقترن هذا الصعود للمؤسسة العسكرية بصراع النخب السياسية الحاكمة التي اعتمدت بعضها على بعض من قيادات الجيش أو/و أن بعض هذه القيادات كانت تمنح ولاءها لهذه الكتلة أو تلك. هذه الحالة فرضت على قيادة الجيش أن تفكر باستلام السلطة عوضاً عن أن تكون أداة بيد نخب الحكم. وكان هذا أحد دوافع الانقلاب للأول في العراق والمشرق العربي في عام 1936،الذي فتح شهية الضباط الآخرين لممارسة الفعل الانقلابي المباشر ولغاية 1941، حيث شهدت هذه المرحلة سبعة انقلابات عسكرية، أربعة منها غير مكشوفة( مستترة)، والبقية مكشوفة. وهي حسب الجدول أدناه:[25]
 
      جدول  يوضح عدد الانقلابات العسكرية  المستترة والمكشوفة في الفترة 1936-1941
 
الحركة
 الانقلابات المكشوفة:       
القيادة
الهدف
النتيجة
 
29 تشرين أول 1936
بكر صدقي
الإطاحة بالحكومة والقيام بإصلاحات
نجاح نسبي
11آب 1937
أمين العمري وعزيز ياملكي
العودة للحكم القديم
النجاح
1مايس 1941
العقداء الأربعة*
محاربة بريطانيا وتغيير الحكم
الفشل
الانقلابات المستترة:
 
 
 
24كانون أول 1938
الزعماء السبعة**
تأييداً لنوري السعيد
النجاح
5 آب 1939
الزعماء السبعة
تنصيب عبد الإله وصياً على العرش
النجاح
21 شباط1940
العقداء الأربعة
تأييداً لنوري السعيد
النجاح
1 شباط 1941
العقداء الأربعة
حكومة قومية مدعومة عسكرياً
 النجاح
·        العقداء الأربعة هم : صلاح الدين الصباغ؛ محمود سلمان؛فهمي سعيد وكامل شبيب
** الزعماء السبعةهم: العقداء الأربعة واللواء أمين العمري،اللواء حسين فوزي والعقيد عزيز ياملكي.
المصدر :الجدول مستل من إليعازر بعيري، ضباط الجيش، ص. 243، مصدر سابق.
 
لقد أوضحت هذه الانقلابات في بعض جوانبها، مدى تغلغل العلاقات الشللية والحزبية ( بالمفهوم الضيق) في رحم المؤسسة العسكرية وتأثيراتها التي أفرزت اتجاهين رئيسيين:
 يختلفان في تصوراتهما لواقع العراق وتركيبته الاجتماعية والسياسية ومستقبله اللاحق والعلاقة بالعالم العربي المشرقي ودور الجيش في ذلك.. وهما ينطلقان من موقف سياسي يتمركز حول استفهامية أولوية عراقية العراق أم أولوية عروبة العراق.
 هذان الاتجاهان برزا  في المؤسسة العسكرية مع بدايات تشكل الدولة العراقية وكانا انعكاساً لصراع القوى السياسي آنذاك وكانا متعايشان إلى حدٍ ما في العشرينيات، ولكن بعد تبلورهما بوضوح منذ مطلع الثلاثينيات تم التصادم بينهما.. وكان من اسباب التصادم:
2-   عدم قدرة المشروع القومي في الانطلاق من واقع الحاجات الاجتماعية/ الاقتصادية للأغلبية السكانية؛
3- ومن عدم استطاعته فكرياً في تحقيق الاندماج الوطني ومن ثم تحقيق الهوية الوطنية العراقية لينطلق بها متكاملاً أو شبه ذلك, نحو الأمة العربية, والهوية العربية لأغلب سكانه, دون الاخلال بالنعادلة الوطنية- القومية,
- مساومته وتحالفاته السياسية مع نخب الحكم المتحالفة مع بريطانيا.
استمر الصراع بين الاتجاهين في مختلف مراحل القرن الماضي ومثلا إحدى سماته السياسية، رغم خفوت أواره في بعض الأحيان واشتداده في أحيان أخرى. ورغم إقرارنا بأن هذا الصراع كان غير مبرر علمياً في الكثير من جوانبه وغير مجدي لا للوطن ولا للقوى المتنازعة، فإنه كان أحد أهم الأسباب في ضياع ثورة 14 تموز. كما كان يعكس مدى تدني الوعي الاجتماعي في تجليه السياسي والفلسفي لدى النخب السياسة الحاكمة أو المعارضة.
 
تم اغتيال كل من بكر صدقي ومحمد علي جواد في الموصل في 11 آب 1937. وبعد استتباب الأمر  قامت قوى الانقلاب الثاني وحكومتها بمعاقبة أنصار ومؤيدي الانقلاب الأول من عسكريين ومدنيين والثأر منهم، حيث سجن من سجن وأحيل البعض على التقاعد وأغلقت بعض الصحف وأبعد الضباط المؤيدين لبكر صدقي عن الوحدات العسكرية الفعالة وكذلك من الوحدات القريبة من المدن الرئيسية. هذا الإجراء شهدته الساحة السياسية العراقية منذ ذلك الحين سواءً على صعيد الجيش أو السلطة المدنية، وإن اختلف هذا الانتقام من حيث العمق والشمول من مرحلة إلى أخرى[26]
لقد أصابت شظايا هذه السياسات الانتقامية الملازمان الأولان عبد الجبار جواد وعبد الكريم قاسم، حيث تم نقلهما إلى الوحدة العسكرية المرابطة في مدينة الديوانية لا لمخالفةٍ ارتكبها، قدر لصلة الرحم التي تربطهما بأمر القوة الجوية وتأيدهما له. كما واجها صعوبات إدارية أثناء ذلك وأغلقت أمامهما، على الأقل مؤقتاً، إمكانيات الخدمة في الوحدات الفعالة وبالتالي الترقية في سلم الوظيفة. كما عانا من ضغوط نفسية جراء العقوبات المعنوية لمخالفة لم يرتكباها .
ونحن بصدد تحليل سيرة عبد الكريم قاسم، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين كان موضع قاسم من هذا الصراع العنفي الذي غشى المجتمع السياسي وعلى الأخص في المؤسسة العسكرية؟ ومع من كان يقف ولماذا؟
لم تتوفر لدينا الأدلة الكافية التي نستطيع على ضوء معطياتها أن نحدد بدقة موقفه، خاصةً وأن رتبته العسكرية لم تسمح له بتبوء مركزاً مؤثراً ولا مساهمة جدية في الفعل السياسي للمؤسسة العسكرية.. يزيد من ذلك طبيعة أنظمتها الآمرة.
 لكن مع هذا هناك إشارات وردت بصورةٍ متناثرة في بعض الكتابات والأحاديث التي تطرقت من خلال تقيم شخصيته. كما يمكن الاستدلال عليها من ناحيتين هما:
 - صلة القربى التي ربطته بأمر القوة الجوية.وهذا عامل مهم جداً في المجتمعات  المتأثرة بالقيم العشائرية؛
4-  كذلك من خلال المؤثرات الفكرية التي تشبع بها.
ومن خلال هذين المعطيين ومن تحليل ما متوفر عنه.. يمكننا الوصول إلى حالة اقترابية لموقفه السياسي من ذلك الصراع.
في البدء.. كان يراقب ذلك الاقتتال والصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية وكتل نخب الحكم وكانت العشائر وقودها؛ ومن ثم بين الاتجاهين الرئيسيين: العراقوي والعروبوي،  اللذان فقدا استكمال مهامهما الأرأسية المتمحورة حول تحقيق الاستقلال الحقيقي للبلد وأجراء تغيرات جوهرية في طبيعة الحكم وفي المهام الاجتصادية /السياسية الداخلية، وما طرحته القضية الفلسطينية من مهام على القوى العربية الحية من خارج أطر مؤسسات الحكم الرسمية.
هذا الصراع كاد أن يكون شمولياً ليس بين أنصار هذين الاتجاهين فحسب بل شمل كتل نخبة الحكم السياسية، وبينها وبين المعارضة الوطنية، وبين بعض أجنحة المعارضة ذاتها. كما شمل الصراع بين الإقطاع الوليد وجمهرة الفلاحين الفقراء والطرد الكيفي لهم من الأرض بفعل العنف المادي أو/و المعنوي الذي مارسته السلطة المركزية لاستقرار قاعدتها الاجتماعية.
عَمَقَ مراقبة قاسم للصراع الاجتماعي المشوبة بالقلق، عُمق العنف الذي مارسته المؤسسة العسكرية في مختلف مناطق ممارساتها في الريف العراقي.هذه الوضعية المادية للمجتمع جعلته يطرح على نفسه أبعاد هذا الصراع وماهياته؟ ودور العنف الذي مارسه الجيش ومدى ضرورته وعمق العواقب التي أصابت الفلاحين وانحياز قادة الجيش والحكم لفئة الإقطاع ؟ هذه الأسئلة دفعته إلى البحث عن إجابات ليطمئن ذاته. إذ لم تستطع التصورات المطروحة في الساحة السياسية آنذاك أن تلبي ما يحتاج إليه, وخاصةً تلك التي لم تأخذ بالاعتبار الابعاد الاجتماعية بعين الاعتبار.
يقول أحد الضباط: لقد " استهوته المبادئ الماركسية، فقرأ على هامش بعض مبادئها وأهدافه، ولكنه اشترك معنا وكان ملازماً مثلنا في أول جمعية للضباط القوميين في سنة 1935 ولكن سرعان ما أنحرف عنا ليقف إلى جانب بكر صدقي وأبن عمته محمد علي جواد في انقلابهما المعروف سنة 1936 بدافع من حقده الشعوبي الذي يعتمل في نفسه[27] " (التوكيد منا –ع.ن).
إن صح هذا القول بالنسبة لقاسم، فتفسيره، ربما، الوحيد يعكس حالة أغلب الشباب العراقي الواعي آنذاك، في البحث عن إجابات لما تطرحه الحياة من إشكاليات على كافة الأصعدة الحياتية. إذ كانوا  يرغبون في تفسيرات توضح جواهر المسببات ومسالك الحل الملائمة. إذ " لم تعد المعارضة الرسمية معارضة (البرلمانية) ترضي مزاجه الثوري، شرع يبحث عن سبل جديدة، وكانت تطرح عليه بدائل مختلفة، عليه أن يختار واحدة منها[28] ".
لم نعثر لحد الآن ما يؤيد ما ذكره محمود الدرة من كون قاسم كان منخرطاً في العمل ضمن التيار القومي، لأنه كان متأثراً إلى حد كبير بالمضامين الاجتماعية للحركات السياسية التي كان التيار القومي لم يعطها المكانة المناسبة في برامجه السياسية، ناهيك عن تأثره بالوطنية العراقية. ولو افترضنا صحة قول الدرة فتفسيره الأقرب للصواب هو كان قاسم يبحث عن التنظيم الذي يعبر عن طموحه في التغيير من أجل إعادة تركيب البناء الاجتماعي واجتثاث الفقر المادي ومساعدة الفلاحين، أي تثبيت لفكرة المساواة والعدالة النسبيتين، وتحقيق الاستقلال الناجز خارج أطر نخبة الحكم التي تدعي القومية، ولما لم يجد ذلك لدى هذا التيار افترق عنه.
ومما يؤيد استنتاجنا هذا ما تم نشره في الآونة الأخيرة في دراسة أكاديمية تناولت الكتلة القومية للضباط، من خلال دراسة شخصية العقيد الركن فهمي محمد سعيد، وأورد المؤلف قائمة بأسماء " الأشخاص الذين انضموا إلى الكتلة القومية حسب مراحل عملها، وذلك بالاستناد على المعلومات التي جمعناها من خلال المقابلات المختلفة وفي ضوء ما ورد في أوراق فيصل فهمي سعيد[29] ". ومن القراءة المتأنية لهذه الأسماء، التي بلغ عددها 119 اسماً والغلبة المطلقة منهم كانوا من العسكريين، لم نعثر على أسم عبد الكريم قاسم ضمنها.
وهذا ما كان مع قاسم في مطلع عقده الثالث، فقد قرأ ما كان يراه أقرب إلى نفسيته وتطلعه اللاحق، وخاصةً أدبيات الفكر الديمقراطي – جماعة الأهالي والفكر الماركسي - الذي بدء يشق لنفسه طريقه الخاص آنذاك، إذ تأثر بالأفكار التي كان يطرحها بصدد الهوية الوطنية العراقية وبكيفية معالجة الأوضاع الاجتماعية المعاشة وظروفها التي كانت تعاني منها الأغلبية المطلقة، بعيداً عن العموميات والأمنيات غير المهيأة ظروف تحقيقها عملياً، وتفهم عدم قدرية الفقر والكامنة مسبباته في النظام الاجتماعي، وكذلك حياة الفلاحين الشبه أرقاء وما يعانون منه من مظالم يعكسها الجنود القادمون من قعر الريف وتركيبته الاجتماعية.
وتأسيساً على ذلك كان قاسم بنفسيته وطموحه؛ وبجذوره الطبقية؛ ومطلقاته الفكرية وتأثره بالنزعة الوطنية لمدرسة الأهالي ومن خلال قريبه محمد علي جواد؛ وقبلها بالأفكار التحررية لجماعة الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي من خلال (أستاذه) مصطفى علي. فقد كان الأقرب للكتلة العراقوية.
لكن في الحقيقة، عند تحليل مواقف عبد الكريم قاسم السابقة واللاحقة يمكنني القول أنه كان ميالاً إلى عراقيته لكنه لم يعادِ الاتجاه الثاني رغم دوره في مقتل مثله الأعلى في الحياة العسكرية محمد علي جواد، ولم يتخندق أو يتعصب لعراقيته ولم يضعها في تضاد مع عروبته. بل مزج بينهما وأنطلق منها نحو أمته بصورةٍ واعية ومدركة.
 وهذا ما دللت عليه مساهمته السياسية اللاحقة ودوره الأرأس في تشكيل أول تكتل غائي للضباط الأحرار في فلسطين، ثم تكريمه لشهداء حركتي بكر صدقي وحركة مايس [30]، ثم في سياسته العربية التي سار عليها بعد ثورة 14تموز ودعمه لكل الحركات التحررية في الوطن العربي مادياً ومعنوياً وخاصةً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والجزائرية.
 وبعد انقلاب 1936، صعدت مكانة القوة الجوية، باعتبارها سلاح المستقبل، والتي طورتها حكومة الانقلاب بصورة سريعة خارج أطر الاتفاقية العسكرية العراقية -البريطانية[31] وكانت محل اهتمام وفخر عموم الضباط والشبان منهم على الأخص الذين اندفعوا للانخراط في القوة الجوية بناءً على طلب وتشجيع رئاسة أركان الجيش. وقد كان من بين الذين قدموا طلب نقل خدماتهم إلى القوة الجوية الملازم الأول عبد الكريم قاسم، وذلك في النصف الأول من عام 1937. لكن طلبه رُفض نظراً لعدم صلاحيته أن يكون طياراً. كما أنه رشح للقبول في المدرسة النقلية الألية.. وفي 3/1/1937 نقل إليها ودخل دورة السواقين ونجح فيها كضابط آلي وأعيد إلى وحدته في مستودع مشاة الحلة بطلب منه. وفي 8/9/1937 رفع إلى رتبة ملازم أول, ونقل إلى منصب مساعد في الفوج الثاتي من اللواء الثاني في الديوانية.
و " في مايس 1938 نقل عبد الكريم قاسم من الديوانية، إلى منصب آمر فصيل في الكلية العسكرية وتنسب إلى سرية الدورة السابعة عشر وكان من تلاميذه عبد السلام عارف. وبعد تخرج هذه الدورة نُقل إلى آمر فصيل في سرية الدورة الثامنة عشر.. وفي الكلية العسكرية، تعرف على الكثير من ضباط المستقبل وتعرفوا عليه[32] ". لقد تم ترشيحه لهذا المنصب من بين أسماء ضباط آخرين عرضت على رئيس اركان الجيش آنذاك فإنتقاه من بينهم.
أثناء تدريسه في الكلية العسكرية.. بدء عبد الكريم قاسم يرسم خطوط تحقيق تحركاته المستقبلية، من خلال أن يكون محوراً أساسياً للضباط الشباب وخاصة طلبة الكلية. وقد انعكس ذلك في تصرفاته حيث " أشتهر عبد الكريم قاسم بين طلابه بالجدية وأدب الحديث والتزم جانبهم والدفاع عنهم إزاء رؤسائه، حقاً أو باطلاً، رغم بعض التصرفات التي يقوم بها ويعتبرها البعض شاذة[33] ". ويقول عنه أحد طلابه في الكلية آنذاك: " كان من ألمع آمري الفصائل الملازم عبد الكريم قاسم، آمر الفصيل الثاني الذي كان يحبه طلابه ويحترمونه لشدته وضبطه وذكاءه ومعاملته الحسنة لهم . وكنا نتحسر على العناية التي منحت الفصيل الثاني ضابطاً مدركاً كهذا الإنسان اللطيف [34] ".
هذا الموقف السلوكي/الإداري من قبل قاسم، أدى إلى التفاف عديد من ضباط المستقبل حوله، وتعرفوا على طبيعته وتكوينه النفسي وعلى الأفكار التي كان يبشر بها بصورة سرية من خلال نقده المؤول إلى الأوضاع العامة، وإلى طبيعة ودور الجيش في عملية التغيير باعتباره ذو رسالة [تاريخية] والقوة الوحيدة القادرة على التأثير في صيرورة التغيير.
هذا الموقف المستنبط من واقع عراق تلك السنوات كان يمثل بداية الوعي السياسي المقترن بالطموح  لديه من أجل المساهمة في التغيير مستقبلاً. وكان ينعكس بصورة واعية في سلوكه العملي وتعامله مع طلابه. لقد أثر هذا التوجه على بعض طلاب الدورتين السابعة عشر والثامنة عشر حيث لعب بعضهم دوراً مهماً في العراق الجمهوري من أمثال: عبد السلام محمد عارف؛ عبد اللطيف الدراجي؛ رفعت الحاج سري[35]؛ أحمد حسن البكر؛ إسماعيل العارف؛ فريد ضياء محمود؛ فاضل عباس المهداوي؛ عبد الكريم الجدة؛ منير فهمي الجراح؛ وصفي طاهر؛ طه الشيخ أحمد؛ فاضل محسن الحكيم ؛ إبراهيم محمد إسماعيل وغيرهم.
يورد أحد طلاب القوميين ( اللواء فيما بعد) مدحت عبد الله ، وصفاً لسيرة وصفات آمر فصيلهم في الكلية العسكرية بالقول:
" كانت الدورة مؤلفة من 245 طالباً [36] ضمتهم السرية الأولى التي آمرها الرائد محمد نوري السعيد، وكان يقود فصيلنا الثاني المؤلف من ستين طالباً الملازم الأول ( العميد الركن بعدئذ) أحمد محمد يحيى وهو ضابط ممتاز كفاءةً وأخلاقاً وقد أحسن تدريبنا مدة دورة المستجدين ولقبوله في كلية الأركان فقد نقل إلينا في قيادة الفصيل الملازم الأول عبد الكريم قاسم الذي وجدناه ضابطاً ذا همة ونشاط كبيرين وجدياً وبشوشاً بعين الوقت، وكان يحرص على تدريبنا وتدريسنا ويحثنا على المزيد من الجهد والتدريب والدراسة، وقد تميز عن غيره من آمري فصائل الدورة بمحاضراته المتواصلة منتهزاً كل فرصة ليلقي علينا كلمة حماسية مطولة يحثنا فيها على التمسك بالروح الوطنية ، طالبا من أن نكون ضباطاً مخلصين مسلحين بالإيمان والعلم والروح الوطنية وأن نسعى إلى تقوية الجيش بعد تخرجنا وإنقاذ الوطن من الاستعمار والتبعية واستعادة مجدنا الزاهر.
عندما عاد منتسبو دورتنا في الكلية من موقع التمارين التعبوية في جلولاء قبيل التخرج وكما هو معتاد لكل دورة ومررنا في طريق العودة … بمحلة البتاويين عند شارع السعدون الحالي . وكانت بيوتها حديثة تتميز عن دور بغداد ويسكنها أغنياء اليهود, فما كان من عبد الكريم قاسم إلا أن خاطبنا قائلاً:( انظروا إلى هذه الدور إنها سوف تكون ملكاً مشاعاً لكم جميعاً في المستقبل، إن المستغلين سوف يفقدون امتيازاتهم والمحرومين ينالون حقوقهم…)
كان عبد الكريم قاسم يصارح طلاب فصيله بانطباعه عن كل منهم ، فيقول لأحدهم وأسمه فلان ( أنت طرهات ما يصيرلك جارة) أي ( لا يمكن أن تنصلح وتكون ضابط جيد) وفعلاً ظل هذا الضابط خاملاً إلى أن توفاه الله، ويقول لأخر أنت جيد ولأخر ( أنت تحتاج همة أكثر)، ظل يكره الطالب علان حتى انتهاء الدورة لعدم رضاه عن سيرته في الفصيل.
كنا مرة في فترة استراحة في الكلية قبيل التخرج ودار حوار بين طلاب الفصيل عن أقوى شخصية بين آمري فصائل الكلية فقال الطالب (العميد بعدئذ) عبد القادر أحمد البهرزي أن عبد الكريم قاسم هو أرجل ضابط في الكلية وقد أيده الباقون …[37] " ( التوكيد منا –ع.ن.)
ويشير أحد طلبته (محسن الرفيعي) في حديث نشر في عام 1997,إلى بعض خصائص المعلم في الكلية عبد الكريم قاسم بالقول:
" التحقت بالكلية العسكرية عام 1938وكان هو آمر الفصيل الخامس من السرية الثانية الذي كنت أحد منتسبيها.. للأمانة التاريخية كان حرصاً ويرعي شؤون طلابه وبقى على راس الفصيل مدة قليلة ...[38]"
 بعد فترة منية قصيرة، وتحديداً في 4 نيسان 1939 تم (اغتيال) الملك غازي. كانت هذه العملية، حسب رأي، تمثل إحدى حلقات التسلسل المنطقي لسيناريو التغيير التي رغبت بريطانية وحلفائها في الداخل وعلى رأسهم نوري السعيد إجراءه آنذاك، بعد القضاء على بكر صدقي وإخماد توجهات حكومة الانقلاب قبل تحولها إلى حكم عسكري بحت، واحتدام الصراع بين الجماهير الشعبية وقواها الوطنية التي كانت غرائزها الثورية ومصالحها الحياتية تنسجم مع مضامين ودوافع الانقلاب وتوجهات الملك غازي المناهضة لبريطانيا وسياستها في المنطقة, وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
زاد اغتيال الملك غازي، من مشاعر السخط ضد بريطانيا وأعوانها في الداخل، حيث تشير كثير من الدلائل على تورط بعض أعضاء نخبة الحكم، وخاصةً السعيد[39]، في هذه العملية. وكان من أثارها تعمق كره الضباط الشباب لنخبة الحكم وحاضنة مصالحهم بريطانيا.
 هذا الكره عبر عن نفسه في أكثر من ظاهرة، رصدتها الأجهزة الاستخبارية للبعثة البريطانية في الجيش العراقي, لأن الملك غازي كان يولي الجيش الاهتمام الكبير [40] لذا " أن شعبية الملك غازي استمرت بالتعاظم لدى الجيل الناشئ فقد كان الضباط الشباب يحملون صوره وظلوا يحتفظون بواحدة منها في مفكرتهم[41] ", لأن غازي حاول أن يجعل من الجيش قوة حقيقية في الوقت الذي كان الإنكليز " يماطلون فيما نطلبه من أسلحة ومهمات ويعرقلون طلباتنا …[42] " حسب تعبير صلاح الدين الصباغ.
كان الملك المغدور يسعى إلى " تمتين علاقته بضباط الجيش العراقي، فحاول أن يتجاوز الروتين الذي يحدد صلاتهم به كقائد عام للقوات المسلحة العراقية ، فبالإضافة إلى تفقده لوحدات الجيش باستمرار ورعايته لمناسباته وإشرافه على مناوراته ، كان يجتمع بالضباط في قصره ويسمح لهم بالاتصال به مباشرةً عند اللزوم وإخباره عما يظهر أمامهم من عراقيل[43] ". حتى أنه كان " يجمع التبرعات الكبيرة لتقوية سلاح الطيران …[44]" مما أثار حفيظة بريطانيا المتهمة بالمشاركة في قتله مع بعض رموزها.
 
2- عبد الكريم قاسم في كلية الأركان:
 
برزت، في خضم هذه الحياة المضطربة سياسيا واجتماعيا، عند الضابط الشاب قاسم جملة من القيم والمعتقدات الفكرية، من السلوكيات والممارسات الاجتماعية والسياسية المستنبطة من تنوع التجارب الحياتية والقيم الاجتماعية السائدة في تفاعلها مع محيطها العام، دللت على مؤشرات نضجه المبكر، التي صقلتها الخدمة في المؤسسة العسكرية ذاتها، والتي يمكن تحديدها ب : الثقة بالنفس؛ الاعتماد على الذات –الاستقلالية؛ روح المبادرة؛ المثابرة على العمل؛ وأخيراً العقلانية.
وعند تحليل هذه المؤشرات نرى أن جميعها تنطوي على قيم اجتماعية ذات حراك متغير وذات طابع نسبي تختلف من مجتمع إلى أخر ومن حضارةٍ لأخرى ومن فترةٍ لثانية في ذات المجتمع وهي تتبلور تدريجياً عند وعي وممارسة الإنسان. وهذا ما يمكن رصده عند تحليل شخصية عبد الكريم قاسم، حيث دللت حياته القاسية إلى حد ما على بلورة اعتماده على نفسه بالدرجة الأولى، سواءً أثناء الدراسة أو العمل، المدني منه أو العسكري. فكما أوضحنا سابقاً كيف كان متفوقاً في دراسته في جميع مراحلها رغم فقر حاله المادي، وكيف كان مثابراً على العمل بصورة دائمة وناجحة في أغلبها، كما كان يطرح أراءه بصورة عقلانية كما يراها هو وليس كما يرغب الآخرون سماعها. وتطور هذا النضج، بجوانبه العملية والنظرية والنفسية، كما عبرت عن ذلك كثير من المؤشرات السلوكية أثناء ممارسته لمهنته العسكرية، مما أهلته إلى الانتساب إلى كلية الأركان.
تدرج عبد الكريم قاسم في هذه المرحلة الزمنية من حياته، من طالب معدم ماديا إلى طالب متفوق دراسيا،ً ومن معلم ناجح إلى ضابط مهني واعي، فضابطا سياسيا قديرا. هذا الانتقال التدريجي أستنبط من المكونات الحقيقة لذات شخصيته الطامحة. إذ يوجد في نفسية كل سياسي، مدنياً كان أم عسكرياً، نقياً أم فاسداً، خيراً أم شريراً، نزعة الطموح إلى القيادة التي تجتمع بالدوافع الأيديولوجية والرغبة في تحويل الحلم إلى حقيقة، حتى ولو كان ذلك مجرد إسقاط عقلاني لدوافع سيكولوجية.
لقد شعر عبد الكريم قاسم آنذاك أن في " أعماق ذاته بأنه ذو رسالة بل رجل الأقدار، الذي رُسم أن يقوم بدور عظيم في تحرير أبناء جلدته، مثل هذه الأفكار تميز صنفاً قليلاً من الرجال عن الآخرين، الذين يشعرون بأنهم يختلفون عن غيرهم، وانهم عظماء بأنفسهم لطبيعة المهمة العظيمة التي انتدبوا إليها عظماء بأفعالهم  مهما بدت صغيرة في أعين الصغار من الناس( وكل الناس اصغر منهم)، وهم على هذا الأساس مستعدون لحرمان أنفسهم من متع حياتهم أجازها الآخرون لأنفسهم ومستعدون للتضحية وركوب أخطار ينكص آخرون عنها [45] ".
 
سقت طبيعة الحياة العسكرية هذه النزعة بصورة ملموسة. وبدء قاسم منذ ذلك الحين برسم طريقه الخاص وبخطوات وئيدة لكنها صلبة، إذ سعى لتكوين مجموعة من المريدين والاتباع من الضباط الأصغر منه رتبةً، وكذلك عزم بإصرار على الانتساب إلى كلية الأركان التي كانت تمثل أولى خطوات تحقيق الذات المهنية لبلوغ المناصب العليا في الجيش والتي تؤهله كوسيلة لتنفيذ ما يجول في داخل نفسه وفكره ولإشباع طموحاتها الشخصية والاجتماعية كتعبير عن طموح لواقع مستقبل العراق كما أراد أن يراه.
رُفع عبد الكريم قاسم إلى رتبة رئيس (نقيب) في 12/09/1939، وكانت طموحاته ونضجه يزدادان كلما ترقى في سلم المؤسسة العسكرية، لذا تقدم عبد الكريم قاسم عام 1939 بترشيح نفسه للكلية المذكورة، رغم معرفته  علماً اللوائح العسكرية المعمول بها آنذاك " لم تكن تسمح لأي ضابط يقضي 5 سنوات في الخدمة العسكرية أن يقبل في كلية الأركان، إلا لمن كانت سجلاته تدل على الكفاءة والإخلاص في العمل كما حصل لعبد الكريم قاسم  [46] ".
 ومع علمه بهذه القواعد واللوائح تقدم بترشيح نفسه واجتاز امتحان القبول بتفوق ملموس وأصبح بحكم النتيجة مؤهلاً للانتساب إلى كلية الأركان. لكن  ألقت بثقلها هنا ثانيةً خلفية الصراعات السياسية بين الكتلتين العراقوية والعروبوية، وحاولت بكل السبل عرقلة قبوله.(وقيل) أن مجموعة العقيد صلاح الدين الصباغ (العروبوية) حرضت على عدم قبوله رغم نجاحه المتفوق في امتحان القبول، نظراً  لمعرفتهم السابقة في انتمائه أوعلى الأقل تعاطفه مع الكتلة الوطنية من جهة، ولصلة القربى التي تربطه بقائد القوة الجوية السابق محمد علي جواد الذي كان أحد أقطاب مراكز القوى في الجيش ومن أنصار  الفريق بكر صدقي والمحسوبين على الكتلة الوطنية من جهة ثانية.
 وقد نجحت هذه الضغوط بصورة أولية في البدء. ولأجل رفض الطلب بصورة مبررة قانونياً، طلبت دائرة الأركان العامة التي كان يترأسها صلاح الدين الصباغ بالإضافة إلى توليه مديرية الحركات[47]، إحالة عبد الكريم قاسم دون غيره من المقبولين، إلى لجنة طبية خاصة لتقرير مدى صلاحيته البدنية، مدعيةً عدم قدرته على التحمل نتيجة مرض سابق ألم به.
 لكن لم توضح  دائرة الأركان ما هو هذا المرض وما طبيعته وتأثيراته المناقضة للدراسة في الكلية. وقد مَثَلَ هذا القرار صدمة عنيفة لعبد الكريم قاسم، الذي وقف أمام اللجنة الطبية شارحاً ومفنداً لها بطلان مزاعم دائرة الأركان المستند في الحقيقة إلى الصراعات السياسية وليس كما جاء في كتاب الإحالة إليها، وأوضح أنه غير مريض مطلقاً كما ادعت دائرة الأركانَ. وبعد إجراء الفحوص الطبية، أصدرت اللجنة قرارها في صالحه[48].
يشرح عبد الكريم الجدة ملابسات هذه الواقعة بشكل لا يخلو من المبالغ ويوردها بالصيغة التالية :
" لقد أحس رجال الحكم بوطنية الزعيم عبد الكريم قاسم وإخلاصه إلى عمله، فلم يرق ذلك للبعض منهم، فحاول أن يقف في طريق تقدمه، ووضع العراقيل أمامه، وإن كانت بوسائل غير شريفة، من ذلك أنه عندما بلغهم نبأ ترشيحه للأركان، وبخاصة بامتحان القبول، وقبوله في الكلية، أرادوا إخراجه منها بطريقتهم الخاصة في مراعاة الأنظمة والقوانين، فأصدروا أمرا بإحالته إلى الفحص الطبي دون رفاقه من الطلاب المقبولين، وألفوا لجنة خاصة لهذا الغرض. ولما تقدم إلى الفحص الطبي أمام اللجنة الطبية المذكورة، شرح لهم بكل صراحة بأن الغاية من إجراء هذا الفحص عليه، إخراجه من كلية الأركان بهذه الوسيلة. وطلب إلى الأطباء تحكيم وجدانهم في القضية، لأنه غير مريض، وليس فيه ما يمنعه من استمرار على الدراسة في هذه الكلية، فأصغت اللجنة إلى وحي الضمير وكان أن قررت بصراحة  أنه يتمتع بصحة جيدة وله قابلية قصوى على تحمل المشاق [49] ".
إن ذيول هذه الواقعة تمتد حسب رأينا إلى ذلك الصراع السياسي الذي نشب في المجتمع العراقي بين الاتجاهين العراقوي والعروبوي  المقترن بتخلف الوعي الاجتماعي العام وبروز الكثير من تجلياته غير الحضرية في العلاقات الإنسانية ين الأفراد، ومنها  التنافس غير السليم والحاد بين الضباط لبناء هالة، حتى ولو كاذبة، عن أنفسهم. خاصةً ما يثيره الضابط الناجح من ضغائن أو/و منافسة بين أقرانه في المهنة.
" إن دراسة سيرته العسكرية تجعلنا نقف على حقيقة لا يمكن إنكارها سيما وأن عسكريين زاملوه وعاصروه أكدوا هذه الحقيقة التي تتضمن أنه: كان ضابطاً ناجحاً [50] " هذه عوامل تفسر أسباب عرقلة قبوله في كلية الأركان. في الوقت نفسه تدلل الوقائع التي تضمنها سجله العسكري، أنه كان يتمتع بقابلية على تحمل المشاق وتمتع بمؤهلات بدنية أهلته إلى أن يفوز في سباق التحمل لتلاميذ كلية الأركان وحيازته على الجائزة الأولى [51].
هذه الوقائع تدحض ما أشاعه بعض مناوئيه من أن قرار دائرة الأركان أستند إلى كون عبد الكريم قاسم " سبق وأن دخل المستشفى بسبب مرض قيل أنه عصابي (نفسي)... إذ أعتقد أن المرحوم صلاح الدين الصباغ... كان وراء إفتراح إحالته على اللجنة الطبية لحرمانه من الدخول إلى الكلية الاركان لا بسبب المرض ولكن بسبب قرابته لمحمد علي جواد.. هذه الحادثةوسابقتها عمقتا الروح الانعزالية عند عبد الكريم قاسم, وقادته إلى العقدة الاقليمية وأصابته بالحالة المرضية النفسية( البرانويا [52]) - شعور الاضطهاد - أو العظمة[53]   ".
وعلى ضوء قرار اللجنة الطبية دخل عبد الكريم قاسم كلية الأركان في 24/01/ 1940، واستمر في دراسته لغاية بداية الاحتلال البريطاني الثاني في مايس/أيار 1941، حيث تم استدعائه وبقية زملاءه الطلاب في الكلية إلى المشاركة في الحرب التحررية، و تم توزيعهم على الوحدات العسكرية لمنع القوات الغازية من احتلال البلد واشترك في العمليات العسكرية في منطقة الفرات.وقد عمل في القيادة الغربية بمنصب ضابط ركن لواء المشاة التاسع. وتجمعه الصدفة ثانيةً في المنطقة التي كانت تحت إمرة العقيد الركن كامل شبيب بمقر الفرقة الأولى، التي كان مقرها في الديوانية، إلى غاية انتهاء الحرب وفشل الحركة وترك قادتها الرئيسيين العراق. واثناء دراسته في الكلية تم ترفيعه الى رتبة رئيس بتاريخ12/9/1940.
 عاد قاسم إلى كلية الأركان في 5/6/ 1941 ثانيةً ليتخرج منها بتاريخ 11/12/1941وينال درجة (أ) [54]ويمنح قدم لمدة سنتين ويعين بمنصب مقدم لواء المشاة الرابع عشر في 17/12/1941. وقد أوصى آمر كلية الأركان في استخدامه بمنصب مقدم لواء أو ضابط ركن ثان في مقرات الفرق للاستفادة من كفائته. بعدها يشترك في امتحان اللغة الإنكليزية الذي أجرته وزارة الدفاع للضباط الأركان ويحصل على الجائزة المخصصة للناجحين بتفوق.
قيم النقيب الركن علاء الدين محمود المعلم في كلية الاركان تلميذه في الكلية النقيب عبد الكريم قاسم كما يلي:
 " مستواه العلمي العسكري متوسط لأن خبرته في الجيش لا تتعدى الست سنوات كان يعمل بنشاط ليلحق بأقرانه المتقدمين في صفه وراح يضاعف جهوده بالدراسه حتى بلغ مستوى، مستواه فوق المتوسط في المناقشات أو التمارين الخارجية ولكنه يميل إلى إقتباس أراء غيره ويتبناها, غير مبدع للحلول، معلوماته العامة محدودة, إطلاعه على الاحداث العالمية قليل , يميل إلى العزلة والانطواء ولا يختلط إلا بمجموعة معينة من الاشخاص الذين يميل إلى مخالطتهم دوماً, يتصرف في بعض الأحيان بتصرفات شاذة مما دعى البعض أن يشك بسلامتها, لم تكن لديه أراء أو ميول أو اتجاهات مهما كان نوعها. يمتاز بالنزاهة والإخلاص لواجبه بشرط أن يعمل بأمرة آمر قوي الشخصية [55]".
السؤال ينصب هنا، لماذا ينال قاسم الدرجة الأولى, إذا كانت سلبياته بهذه الكثرة ؟! وإذا كانت هذه صفاته, أين يكمن خلل حصوله على اعلى درجة، هل هو في رأي معلمه أم في إدارة الكلية.. أم النقل غير الدقيق للمؤلف؟ رغم أن هذا الطرح يكذبه واقع حياة وممارسة قاسم العسكرية, وكذلك التقارير السنوية التي قيمت عبد الكريم قاسم كضابط متميز, حتى من قبل مناهضيه الموضوعيين؟؟ تساؤلات تطرح نفسها لأجل فهم نفسية وحقيقة عبد الكريم قاسم..مع كل وعينا المدرك لتحيزات التقيمات الذاتية  وبعدها الموضوعي , ومما يزيدها ابتعاداً عن الحقيقة هي الرؤى الفلسفية المتباينة والاختلاف الطبيعي في فهم الظواهر .. لكن الاعتماد على رأي واحد لا يعكس موضوعية الظاهرة مهما كانت...؟؟؟  
 وبعد أن أصبح عبد الكريم قاسم ضابط ركن، عمل في الوحدات العسكرية الفعالة والمتواجدة في مناطق مختلفة من العراق. كان منها منصب مقدم لواء المشاة السابع عام 1942حيث توطدت العلاقة بينه وبين عبد السلام عارف، إذ سبق وأن درسه في الكلية العسكرية، وأصبح بعد لقاءهما أحد آمريه في الوحدة العسكرية المرابطة في البصرة.
 لقد حافظت هذه العلاقة على بعض من بقايا العلاقة السابقة التي حددتها الأنظمة العسكرية، وهي علاقة التابع والمتبوع، زادها وثوقاً ميزة قاسم القيادية وسعة الاطلاع والمعرفة المهنية والثقافية العامة، ناهيك عن ترأس قاسم لاحقاً لتنظيم المنصورية والذي كان عبد السلام أحد أعضاءه، ومن ثم تسنم قاسم رئاسة الهيئة العليا للضباط الأحرار التي فرض عارف على قبوله عضواً في قيادتها[56]. ثم إشراك قاسم لعبد السلام عند اجتماعه مع القيادة العسكرية السورية، برئاسة عفيف البزري وعبد الحميد السراج قبيل ثورة 14 تموز[57].. إلى غير ذلك من الوقائع التي دللت بقوة على علاقة هذه التبعية القيادية التي وسمت علاقتهما لغاية 14 تموز 1958. وقد وصف عبد السلام عارف هذه العلاقة بالقول :
" يعلم الجميع أن هناك اتصالاً روحيا بيني وبين أخي الأكبر الزعيم الركن عبد الكريم قاسم يفوق هذا الوصف وسيبقى ذلك إلى الأبد إنشاء الله فأني عشت معه منذ سنة 1941 في البصرة بالإضافة إلى التلمذة ونقلنا لنفس السبب من البصرة ، فبعد شكايته على أمر اللواء في حينه نقل إلى جلولاء وجاء دوري بعده وحوكمت من قبل اللواء الركن بهاء الدين نوري متهما لي بأني كنت المخبر الرئيسي للرئيس الركن عبد الكريم قاسم في وقته، وبالنهاية اكتفوا بنقلي إلى الناصرية واشتغلنا سويةً حسب الاتفاق في زمرة تدريب الجيش. ومنذ سنة 1954 عملت بإمرته كآمر فوج في اللواء التاسع عشر ولم يفرق بيننا أي شيء بل روح واحدة في جسدين… [58] "
  وازدادت عمقاً بعدما تقاسما العيش المشترك فترة زمنية في شقة واحد. وعلى ضوء هذه المعايشة توثقت العلاقة بينهما خاصةً بعدما اطمئن بعضهما الأخر، وافصحا عن تصوراتهما بصدد الوضع السياسي في العراق عامةً وما آلت إليه ظروف المؤسسة العسكرية من تدهور بعد فشل حركة مايس، وما لاح في الأفق من فكرة حل الجيش العراقي.. " ويبدو أنهما ظلا مدة سنتين يبحثان الوضع الداخلي في العراق. وكان كل منهما يبدي تذمره من الأوضاع المتردية منحيا اللائمة على السلطات المسؤولة [59] ".
كانت العلاقة قد رسمت منذ تلك الفترة، وفقاً لمعاييرها العسكرية ودرجة النضج في الوعي، حيث اتسمت بشيء من تبعية عارف الفكرية والقيادية لعبد الكريم قاسم والتي استمرت على هذا المنوال لغاية إعلان الجمهورية.. وهذا ما أشار إليه الكثير من الباحثين استنادا لتصريحات الضباط الأحرار.
 رفع عبد الكريم قاسم إلى رتبة رئيس أول ركن في 2/5/ 1943, ونقل إلى منصب مقدم ركن لواء المشاة الثالث في 4/8/ 1943في مدينة الناصرية. وأثناء خدمته هناك في هذا المنصب اصطدم قاسم بآمر اللواء حيث رفع ضده شكوى وباسمه الصريح، إلى الجهات العليا متهماً أمر اللواء بسوء الإدارة والضبط العسكري وبالتواطؤ مع متعهد العلف. [60]
  المؤسسة العسكرية بعد حركة مايس  :
 
انطلاقاً من مقولة { أن الأمة تعي ذاتها من هزيمتها} و{ الانقلابية العسكرية تحدث بعد الهزيمة وليس الانتصار} فقد شكلت هزيمة حركة مايس/أيار 1941 منعطفاً في التفكير السياسي للعديد من الضباط المسيسين من مختلف الاتجاهات السياسية، ومنهم عبد الكريم قاسم، في رؤيتهم إلى دور مثلث الحكم المتكون (البلاط ورئاسة الوزارة وقوى الاحتلال –السفارة البريطانية)[61] في عدم استكمال حصول العراق على استقلاله السياسي والاقتصادي الحقيقيين، وبالتالي في عدم إمكانية القيام بالتغييرات الجذرية بصورة سلمية عبر تداول السلطة السياسية وفقاً للآلية البرلمانية التي كانت ممسوخة من حيث المضامين والوسائل بحيث أصبحت ألعوبة بيد مثل الحكم أعلاه.
لقد كشفت خسارة هذه الحركة في حربها ضد قوى الاحتلال، عن مدى أهمية دور العامل الخارجي في هزيمتها مما شكل هاجساً حقيقياً أقلق قيادة حركة الضباط الأحرار قبل التغيير الجذري الذي حققوه في 14 تموز/يوليو 1958، بل وحتى بعده في بعض المفترقات الزمنية.[62]
وتأسيساً على ما ذكر أعلاه يمكننا استنتاج أن قناعة عبد الكريم قاسم بتغير النظام قد بدأت ترسخ في قرارة ذاته بصورةٍ حاسمة وبتراكم تدريجي، أكثر فأكثر، منذ هزيمة حركة مايس. لذا اخذ يعد نفسه أكثر فأكثر, إلى القيام بهذا الدور الجدي مستقبلاً. في الوقت الذي أخذت قوة شخصيته القيادية بالبروز والنمو المطردين وينال الإعجاب والتقدير من رؤسائه الذين كان يواجه بعضهم، من خريجي المدرسة العثمانية، بخطل تصرفاتهم بصورة بشفافية مباشرة مما جعله في موقع التقدير والفخر من زملاءه خريجي المدرسة العسكرية العراقية. علماً أن أغلب القيادات العليا في الجيش كانوا من الضباط القدماء ولم يكونوا قد تلقوا النظريات الحديثة في العلوم العسكرية, ناهيك عن االضعف المعرفي العام.
مرت المؤسسة العسكرية العراقية، بعد إخفاق حركة مايس التحررية، بمرحلة يمكن أن نطلق عليها ( مرحلة الانكفاء على الذات) وفقاً لمعايير التراجع في حجمها الكمي والنوعي وانخفاض تأثيرها المباشر على القرار المركزي للدولة، كذلك للتبدل في استراتيجية الاستقرار، إذ أصبحت العشائر، بعد توطيد ذاتها عبر علاقات الملكية الإقطاعية، المتحالفة مع نخبة الحكم، البديل عن الجيش في تلك الفترة في حفظ النظام وذلك لأن العرش لم يعد يثق بالجيش الذي أراد ليس منازعتها فحسب بل إزاحتها وقاعدته الاجتماعية عن الحكم كما حدث عامي 1936 و1941.
كانت حركة مايس بمثابة حركة عسكرية–  شعبية ضد الاحتلال البريطاني، وقد تمثلت إحدى جوانبها في تنبيه قوى الاحتلال إلى خطورة موقع الجيش ودوره في الحفاظ على نظام الحكم وطبيعة نخبته السياسية ومدى قدرتها في الحفاظ على ذاتها المرهونة برضى الإنكليز وحماية مصالحهم. لذا " كانت قوات الاحتلال البريطاني حريصة على تأطير كل المصالح الحيوية التابعة للإدارة العراقية.
هكذا كانت لندن تحكم احتياطاتها، محاولةً أن تخنق في المهد كل حركة شبيه بحركة (مايس) وكان الضباط الإنكليز هم الذين خلقوا وزارة التموين وبالطبع لم يكن أي قرار هام يتخذ بعيداً عنهم [63] " ... وهم بدورهم، وبمعونة الضباط الشريفين، كانوا ينفذون " التعليمات (التي) تصدر من لندن ومقر الحلفاء في الشرق الأوسط والقيادة العامة في العراق وإيران والترتيبات تتخذ والحكومة تصرح بتنفيذها[64] " كما صرح بذلك عضو النخبة المزمن توفيق السويدي في مذكراته. وكان من ضمن هذه التعليمات :
" 3- وربما يستوجب إجراء تصفية شاملة وتقليص حجم الجيش تماماً والتخلص من العناصر التي لا يعتمد عليها.
4- سأكون مسروراً الاطلاع على رأيكم وتوصياتكم حول المعضلة بأكملها. وأريد أن أعرف بشكل خاص فيما إذ كنتم تعتقدون بأن هناك أية إجراءات يمكن اتخاذها لتحويل الجيش إلى قوة قادرة على تنفيذ بعض الواجبات المفيدة لقضيتنا في المستقبل [65] "(التوكيد منا- ع.ن).     
قامت البعثة العسكرية البريطانية بدراسة وضع الجيش واتجاهات الضباط السياسية وميولهم الفكرية وأنماط حياتهم الخاصة والتدريبات وطبيعتها، ورفعت توصياتها، التي اقترنت بموافقة الوصي، التي طلبت حل الجيش العراقي برمته واستبداله بقوة من الشرطة. ولما جوبه هذا الاقتراح بالرفض أقترح الجنرال رنتن رئيس البعثة البريطانية تقليص " وحدات الجيش وإلغاء فرقتين من الفرق الأربعة والاكتفاء بفرقتين، فرقة كاملة وفرقة للتدريب، متخذاً من نواقص ملاك الوحدات العسكرية وعدم تمكن السلطات الإدارية في مختلف أنحاء العراق من تطبيق التجنيد الإلزامي وعدم خضوع العشائر للقانون المذكور وسيلة لهذا التقليص[66] " لأنه من العسير عليها إلغاء الجيش دفعة واحدة لذا عمد إلى الإبقاء على هيكله فحسب.
وعلى ضوء ذلك تم صرف النظر عن حل الجيش والاستعاضة عن ذلك بتقليص حجمه، عبر الطرد والإحالة على التقاعد أو الإجبار على الاستقالة وكذلك الحد من عمليات التطوع. هذه الإجراءات أدت إلى أن يفقد " الجيش في صيف 1943 حوالي ثلاثة أرباع رجاله الذين كان عددهم يصل في مطلع عام 1941 إلى 44217 رجلاً [67] ". مع العلم أن الحكومة البريطانية كانت قد أكدت رغبتها في أن يقوم نوري السعيد في وزارته السادسة (19/10/1941- 07/10/1942) بحل الجيش تماماً بغية ضمان مصلحها وتحقيق استراتيجيتها في المنطقة.
 هذا الموقف البريطاني الذي أيدته نخبة الحكم،[68] أدى إلى ازدياد الكره واتساع الحقد على بريطانيا والعائلة المالكة وحلفائهما في الداخل، بين الضباط عامةً والشباب خاصةً، والذي بلغ كماً كبيراً تحول، خاصةً بعد الحرب الفلسطينية الأولى، إلى نهاية المنطقية النوعية- تناقض تناحري بكل أبعاده وتحقق وجوده، حتى أمسى أحد أهم أسباب تكتل الضباط الغائي. إذ رأى الضباط المسيسون العراق في عيون البريطانيين كما لو أنه مستعمرة لهم، وهذا ما كان عملياً.
وفي الواقع يمتد هذا العداء المتبادل تاريخاً إلى السنوات الأولى لتشكل الدولة العراقية، حيث نشب نزاع بين سلطة الانتداب والمؤسسة العسكرية العراقية الوليدة ونخبتها في السلطة التنفيذية، تمحور حول توسيع وتحديث الجيش ومبدأ الخدمة فيه وذلك بجعلها إلزامياً وليس تطوعياً.
ثم أشتد النزاع بعد الاستقلال 1932، حيث عكفت البعثة البريطانية على كبح جماح رغبة التوسع لدى مؤسسة العرش متمثلةً بالملك غازي؛ والحكومات المتعاقبة التي أدرجت جميعها في برامجها الوزارية فقرة خاصة بتطوير الجيش كماً ونوعاً[69] ؛ وكذلك قيادة المؤسسة العسكرية.
 ويمكن تفسير الانقلاب الأول في بعض أوجهه في رغبة قادته العسكريين، بالموافقة الضمنية للملك غازي، في تحديث المعدات والأسلحة الحربية وتوسيع القوة الجوية من خارج أطر الاتفاقية العسكرية العراقية- البريطانية لعام 1931.
وقد تلمست قوى الاحتلال ومؤسساتها ذلك الموقف بصورة ملموسة وهذا ما أكدته التقارير المرفوعة لها من قبل مستشاريها ومواليها العاملين في الوحدات العسكرية والذين كانوا على تماس يومي مباشر بالضباط العراقيين. وقد جاء في أحد التقارير ما نصه: " إن من الحصافة استعمال هذه القوة (الجيش) التي لم يكن موقفها معروفاً من (الوثبة- 1948) وكانت قيادتها تضم في أقسام منها أولئك المتشددين في عدائهم للإنكليز[70] ".
 ويؤكد هذا الكره ما جاء في تقرير الجنرال رنتن، رئيس البعثة العسكرية الاستشارية للجيش العراقي " في تقريره نصف السنوي للمدة المنتهية في 30 أيلول 1947 والمرفوع للجهات البريطانية …إن العوامل التي  تساعد على الصلات الجيدة هي 1- الكراهية الشخصية لنوري باشا السعيد الذي يُعرف بصداقته لبريطانيا ولضباط البعثة، والتي هي عامة بين ضباط الجيش العراقي، ويُعرف بأنه الربان الذي هرب بعد قيادة سفينة الدولة نحو الصخور. إن أعماله بعد انتفاضة 1941حين قام وهو وزير الدفاع، ولهدف إضعاف الجيش وملء المناصب العليا بأعجز الضباط الذين أمكنه العثور عليهم، هذه الأعمال لن تنسى ولن تغفر له …[71]"( التوكيد منا-ع.ن.).
وما زاد من هذا الكره هي تلك الترتيبات التي قامت بها البعثة البريطانية لإعادة تنظيم الجيش باعتباره قوة حماية للأمن الداخلي فحسب. وانسجاماً مع هذه الفكرة تم تدريبه على قاعدة (الحروب غير النظامية)، المقترنة بشيوع تطبيق قاعدتي (سلاح بلا عتاد) و(جهاز حربي تنقصه الإدامة). تزامن هذا الإجراء مع ما كانت تخطط بريطانيا له لمستقبل المنطقة وتجسيد وعد بلفور (ها) على أرض الواقع وهذا ما تم بالفعل، وكان أحد أسباب هزيمة العرب في حرب فلسطين الأولى.
هذه التغيرات في داخل المؤسسة العسكرية رافقها تغيير في مضامين أساليب إدارة الحكم. إذ اصبح النظام " يتخذ لنفسه أكثر فأكثر سمات الحكم القسري وغير المسؤول الذي تكمن سلطته المرئية في الشراكة بين نوري والوصي، اللذين كانا يستمدان قوتهما من خضوعهما للقوة البريطانية ولمصالح محلية متوطدة [72] ".
وضع نوري السعيد " قلبه (في المكان الصحيح) وتعاون مع البريطانيين تعاوناً وثيقاً، فوضع كل الوطنيين (الخطرين) في معسكرات الاعتقال، وذهب بكل المسؤولين والضباط العسكريين ذوي الاتجاهات المعادية لبريطانيا، واستثنى رجال العشائر من الخدمة العسكرية وخفض حجم الجيش بأن جعل الكتيبة الثالثة من كل لواء كتيبة كادر فقط، بلا جنود، ولكنه– إلى جانب هذا  حمى رجاله (مهما كان سجلهم سيئاً) وشغل نفسه- كما يظن الإنكليز- بحماية موقعه وتقويته داخل الجيش والحكومة [73] " , حتى أخذ السعيد في الفترة 1941- 1958 يلعب الدور وسيط الرئيسي بين السلطة التنفيذية ومكونات قاعدة الحكم الاجتماعية،وقيادة المؤسسة العسكرية وسياسته الداخلية كانت تصب في صالحها بالضد من مصالح الأغلبية الشعبية.
لقد فشلت كل حكومات تلك المرحلة في معالجة المشكلة الاقتصادية، والقضاء على التخلف، بمفهومه العام، والفساد في أجهزة الدولة، ومن الحد من شراسة وضعف قوى الأمن الداخلي، وفي وقف اغتصاب الأراضي الزراعي من قبل المتنفذين في المجتمع، مما عمق أكثر فأكثر الفجوة الواسعة بين السلطة السياسية وقاعدتها الاجتماعية وبين الفئات والطبقات الأخرى وخاصةً النامية منها. أي تعمق الاغتراب بين هذه القوى الأخيرة والنظام وتبعيته شبه المطلق لبريطانيا. وأصبح تركزاً للملكية أكثر وضوحاً، مما رتب عليه عدم تفهم قاعدة الحكم لمشاكل الأغلبية المطلقة من السكان وعدم إدراك حياتهم المادية الصعبة.
هذا الوضع وما نجم عنه من عجز النخبة الحاكمة من التعامل مع المشكلات البنيوية الأساسية في المجتمع في صيرورة حراكه، نتيجة لطبيعة قاعدتها الاجتماعية من جهة، ولتبعيتها للمراكز الرأسمالية .. مما أثر في الوضع الاجتصادي/ السياسي، رغم أن الحياة كانت تصرخ بضرورة إجراء تغييرات في التركيبة الاجتماعية بما يتلاءم مع متطلبات العصر وروحه، خاصةً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما أفرزته العلاقات الدولية من مناخ تنافسي بين الأقطاب الكبرى، كان من نتائجه هو تغيير الاتفاقيات النفطية وزيادة مداخيل الدول المنتجة.
 
 
 
               000000000000000000000000000000000000000
 
في مثل هذه الظروف وتطبيقاً لتعليمات البعثة العسكرية البريطانية لتدريب الجيش على صيانة الأمن الداخلي، فقد تم فتح دورات خاصة للضباط لدراسة الحروب الجبلية، إذ أخذ بالاعتبار واقع  الحركة الكردية لتحقيق طموحها المشروع نحو استكمال وحدة ذاتها القومية. ضمن هذا التوجه الحكومي المناهض للحركة الكردية أشترك الرائد الركن عبد الكريم قاسم في دورة [ الحروب الجبلية للضباط الأقدمين الأولى ].
وفي الثامن من آب/أغسطس 1945، أتخذ مجلس الوزراء قراراً باستخدام القوة العسكرية لقمع الحركة الكردية التي قادها الملا مصطفى البرزاني[74]. وقد أصدرت وزارة الباجةجي في اليوم المذكور القرار التالي :
"بعد الاطلاع على مضامين التقارير المصرحة باضطراب الأمن في منطقة بارزان وأطرافها, ونظراً  للأعمال الإجرامية التي قام بها الملا مصطفى البارزاني واعوانه والمخلة بالأمن العام, وبما أن الواجب يقضي بإعادة النظام والانتظام ومنع تكرار الإجرام, تقرر احتلال المنطقة البرزانية احتلالاً عسكرياً والقبض على المجرمين وسوقهم إلى العدالة, ويخول وزير الدفاع اجراء الترتيبات اللازمة لتنفي هذا القرار. 
وبادر سعيد قزاز متصرف أربيل بتوجيه إنذار إلى البرزاني بوجوب تسليم نفسه للسلطات , ولأنذر جميع رؤساء العشائر بالابتعاد عن البارزاني وهددهم بأقسى العقوبات إن خالفوا ذلك. وفي 19/8 أعلنت الأحكام العرفية في لواءي أربيل والموصل ثم أعلن عن سريانه في منطقة بارزان والأقضية التالية : راوندوز, عقرة, عمادية ودهوك.
بعد هذه الإجراءات صدرت الأوامر إلى الجيش بالتحرك لاحتلال المنطقة [75] ".
وتنفيذا لهذا القرار فقد تحشدت القطعات العسكرية تمهيداً لشن الهجوم الكبير, والتي تكونت من عدة ألوية من القوات المسلحة في إخمادها، كان من ضمنها جحفل اللواء الثالث الذي كان يقوده العقيد الركن حسيب الربيعي[76], وكان معسكراً في رايات وفوج منه في راوندوز. في حين كان جحفل اللواء الرابع بقيادة العقيد الركن رفيق غارف, يعسكر في بنجوين عند أقصى الحدود الشرقية من لواء السليمانية وفوج منه في السليمانية, وكان برئاسة الزعيم الركن إسماعيل صفوت. كما كان جحفل اللواء الخامس وجحفل اللواء الأول بإمرة الزعيم  ياسين حسن, يعسكر في زاويته قرب دهوك وفوج منه في عقرة تسانده قوة من الشرطة[77].
 لقد كلفت هذه الحرب مئات القتلى ونفقات كثيرة وقد اضطرت الحكومة في وقته إلى الاستعانة ليس فقط بالجيش بل بتجنيد شرطة إضافيين من العشائر, كما اضطرت لاستصدار مرسوم رقم 2 لسنة 1945لإضافة مبالغ إلى ميزانية سنة 1945 المالية لكي تتمكن من الانفاق على قمع الانتفاضة الكردية, التي كانت تعبر عن مطامح الحدود الدنيا للشعب الكردي, إذ قدم الملا مصطفى البرزاني عدة مطالب هي:
" 1- تعيين موظفين إداريين أكراد في منطقة كردستان؛
  2- تعين مساعد كردي لكل وزير؛
  3- اعتبار اللغة الكردية اللغة الرسمية في المنطقة الكردية؛
  4- إطلاق سراح المعتقلين والمسجونين الأكراد الذين تم اعتقالهم بسبب القضية الكردية  [78]".
 وكانت قوة البرزانيين حسب بعض المصادر في حدود 2500 مسلح, " ويسيطرون على منطقة واسعة تمتد من روست حتى العمادية ومن سر عقرة حتى نهاية برادوست ويقودهم سبعة من ضباط الجيش السابقين, وكان على مقربة منهم الجيش الروسي الذي قدم إليهم العون المادي والمعنوي... ووقع القتال بين قوات الحكومة والبارزانيين, في 25 أغسطس/ آب  1945, في بادليان على مقربة من بله( قضاء الزيبار- غ.ن), وكان قتالاً شرساً وقاسياً على الطرفين, ولم تسفر المعركة عن نتائج حاسمة حتى 4 سبتمبر1945, حينما حقق الجيش العراقي بعض النجاح بإحتلال بعض بعض المواقع البرزانية. وبعد قتال عنيف متقطع لعدة اسابيع, تمكن الجيش والقوات غير النظامية, من هزيمة البارزانيين, ودخلوا قرية برزان في 5 أكتوبر/ تشرين أول 1945... [79]  " , بمساندة القوة الجوية العراقية والبريطانية, وتراجعت القوى الكردية بإتجاه الحدود الإيرانية. وأحالت الحكومة المشاركين في الحركة إلى المحاكم العرفية حيث حُكم على مصطفى البارزانب وشقيقه أحمد مع 35 شخص بالإعدام وعلى 70 آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة.
  كان عبد الكريم قاسم, اثناء هذه الحركات, يشغل منصب مقدم لواء جحفل اللواء المذكور، وقد انحصرت واجباته في مهام الأركان. لكن هذا لم يمنعه من المساهمة في العمل العسكري الفعلي في هذه الحرب الداخلية.
و صادف أثناءها أن وقعت إحدى الربايا في منطقة زيبار التي يحتلها اللواء الثالث بيد ثوار الحركة الكردية، لكن قاسم طلب من آمره السماح له بإعادة احتلال الربيئة التي أخذت تؤثر على معسكر الجحفل، ونجح بإعادة إحتلالها ووضع قوة تدافع عنها, بعدما فشلت الوحدة الفعالة من القيام بذلك، وقد أستحق شكر آمره. لكن في الوقت نفسه أثارت التنافس والضغينة لدى الذين تعرضوا لملامة التفصير وسبب لهم احراجاً امام مرؤسيهم.
وتكرر ذات العمل مرة أخرى في إعادة السيطرة على بعض القمم التي تسيطر على طريق (مركه سور) وإعادة احتلالها والتي كانت ضمن مسؤولية الجحفل الرابع. لقد أبدى قاسم في هذه المعارك شجاعة عسكرية كانت موضع فخر زملائه. وأثبت من خلال مشاركته الفعلية, كعسكري محترف, على مرونة تفكيره العسكري واستيعابه لعمل الركن الدقيق, عكس ما كان يبديه بعض الآمرين. خاصةً إذا علمنا أن التنافس " كان على أشده بين جحفل اللواء الثالث بقيادة العقيد الركن حسيب الربيعي وجحفل اللواء الرابع بقيادة العقيد الركن رفيق عارف[80] ".
 أنعكس هذا الرأي في حصوله الزعيم قاسم على: نوط الشجاعة لمشاركته في هذه الحركات؛ وفي تعينه بتاريخ 26/12/1945 وكيل آمر الفوج الثالث للواء الثالث. وقد " أبدى شجاعة فائقة في أثناء الحركات الفعلية التي جرت في منطقة قضاء الزيبار والمناطق المجاورة لها بين تاريخ 9/8/1945 و20/10/1945, حيث منح نوط الشجاعة في 1/11/1945.
 كتب عنه آمر جحفل اللواء الثالث في تقريره السنوي بعد تلك الحركات بأنه ضابط ركن خلوق جداً وكريم النفس وشهم ومخلص لأمره ودقيق في أعماله وثقافته العامة جيدة جداً وأشغل منصب مقدم اللواء بكل جدارة وإخلاص وأنه ضابط جيد جداً من كل الوجوه وسوف يكون في المسنقبل من ضباط الجيش القديرين, ولابدائه الشجاعة الفائقة في الحركات الفعلية منح موط الشجاعة من جرائها  [81]."
هذا النجاح في الحياة المهنية لعبد الكريم قاسم .. بقدر ما عززت من منظومة تركيبته النفسية/المهنية, ولدت في الوقت نفسه التنافس والحسد بين زملاء المهنة.. تحول بعض منه إلى نوع من التنازع والعداء، الذي أخذ يعبر عن ذاته في مجالات مختلفة، ضُخمت، إلى حد التخمة، ما بعد 14 تموز وبصورةٍ كبيرة، ليتحول لدى بعض الضباط إلى فعل انقلابي مغلف بأغلفة سياسية أو/و أيديولوجية ودوافع تنتمي إلى الولاءات الدنيا مثل الطائفية والمناطقية وغيرها. فتحولوا إلى شهود (زور) لم يعكسوا الوقائع كما كانت ولا التاريخ كما نطق، كما تطفح بهم مذكراتهم وتصريحاتهم.
في الوقت نفسه ازعم, من خلال قراءتي لقاسم, إن هذه الحرب في منطقة كردستان العراق, قد أثرت في نفسيته..ووضعته أمام حالة جديدة من التأمل في حركة الشعب الكردي الطامح إلى نيل جزء من حقوقه ببعديها القومي والانساني وبالترابط مع واقع العراق السياسي آنذاك من جهة .. وبين الموقف من المساهمة في إخماد الحركة كواجب مهني مُلزم من جهة ثانية.
 هذه المعايشة المهنية لقاسم في كردستان " وبحكم اشتراكه في المعارك التي دارت خلال ثورة بارزان عام 1945, تعرََّف عن قرب على مزايا وشجاعة البارزانيين وحمل عنهم إنطباعاً جيداً وقدّر فيهم روح التضحية والصمود, وتكّونت علاقة حميمة بين عبد الكريم قاسم ومصطفى البارزاني مبنية على الثقة. ومع الأسف الشديد نجح الشوفينيون والرجعيون من النفوذ وخرق جدار هذه الثقة وحدث ما حدث [82] ".
لقد ترجم قاسم هذه الثقة دستورياً من خلال المادة الثالثة للدستور المؤقت التي نصت: " يقوم الكيان العراقي على أساس التعاون بين المواطنين كافة بإحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية [83] ".
وهذا يمثل أول اعتراف دستوري بالحق الطبيعي للشعب الكردي ليس في العراق فحسب, بل في عموم الاجزاء المقسمة والتي تمثل كردستان الكبرى.
كما سمحت حكومة الزعيم قاسم بعودة الملا مصطفى البرزاني ورفاقه الخمسمائة الذين " احاطت حكومة الثورة هؤلاء المناضلين بالرعايا الكاملة ووفرت للخرجين منهم فرص عمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية, وللمسنين كل وسائل العيش الكريم, وأكرمتهم تكريماً يليق بتضحياتهم ونضالهم, وأصدرت قراراً بالعفو العام عن البارزانيين الذين صدرت بحقهم أحكان الإعدام وبالسجن لندد مختلفة في العهد الملكي [84] ", وغيرها من الاصلاحات الاجتماعية والثقافية واقرار تدريس اللغة الكردية وتوزيع الاراضي على الفلاحين وغيرها من الاصلاحات. وهنا لابد من الاشارة إلى أن موقف قاسم من القضية الكردية وعودة البارزانيين قد اثارت ردود فعل مناهضة, بعضها كان عدائياً, من قبل قوى التيار القومي وخاصةً حزب البعث العراقي. كما كانت أحدى النقاط الساخنة من الصراع بين قاسم وعارف في الايام الأولى للثورة, حيث كان الاخير ضد مواقف قاسم من هذا الموضوع .. وهذا ما دللت عليه الوقائع التاريخية.
في الوقت الذي " وقعت الحركة القومية الكردية مرات عديدة بسبب ضعفها التاريخي وعدم تكاملها الاجتماعي والفكري فريسة الاوهام السياسية. أي أننا نرى لحد الآن عدم اعتمادها العضوي على الحركات الاجتماعية والسياسية العراقية بصورة تامة أو أولية إضافة إلى تحويل القوى الخارجية إلى كيانات إضافية أو ثانوية  [85]".
 
 
سفرة لندن الأولى ولقاء الجواهري:
 
رُفِعَ عبد الكريم قاسم في 12/04/1947 إلى رتبة مقدم ركن، ونقل إلى لواء المشاة التاسع. وفي هذه السنة يسافر إلى خارج العراق لأول مرة، وكانت واجهته لندن. كانت السفرة لأجل التطبيب الناجم عن عمله, وكذلك معالجة الشق في شفته العليا، الذي ورثه منذ الصغر, وهذا ما أشار إليه بعض مُدرسيه .
 يمكث قاسم في لندن ويستغل الفرص الزمنية المتاحة له من أجل الاطلاع ودراسة التطور الاجتصادي الذي شهدته بريطانيا وديناميكيته، ومستويات المعيشة ونموها مقارنةً بواقع العراق. ويركز الانتباه على كيفية حل مشكلة السكن. لأن هذه المشكلة كانت ولا تزال واحدة من المشاكل الاجتماعية/ الصحية المستعصية في أغلب بلدان عالم الأطراف ومنها العراق، لأن الأسر الفقيرة والفئات الوسطى المتوسطة وما دونها كانت تعاني من عمق هذه الأزمة منذ ذلك الوقت. وهو بالذات عاش هذه الظروف وتحسس معاناتها على نطاقه الذاتي أو/و الاجتماعي.
 من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم مبررات توجهه إلى التركيز على هذه الناحية بعد الثورة، كمحاولة لاجتثاث الصرائف وأكواخ الطين التي كانت بمثابة أحزمة بؤس تطوق المدن الكبرى. لذا لم تخل مدينة عراقية في فترة حكمه من مشروع سكني حكومي، أو على الأقل توزيع الأراضي السكنية على الجمعيات التعاونية للموظفين وأصحاب الدخول المحدودة من كسبة وحرفيين وللعمال ومراتب القوات المسلحة، بل حتى ضباطهم. " كان قاسم مصراً ومصمماً على أنه سيوفر السكن لكل عراقي، لا يملك السكن خلال فترة قصيرة، وإن كل التشريعات التي تعرقل تنفيذ خطته هذه ستلغى وستبدل بغيرها[86] " كما يعترف بذلك حتى مناهضوه.
و"اصبح هذا الفقير المعدم ذو الثياب المهلهلة حاكماً مطلقاً، ليزحف زحف الذين كفروا على الأكواخ والصرائف وعلى كل ما فيها من تعساء وليحيلها شققاً وعمارات وبيوت، ترى لأول مرة النور والكهرباء والحدائق والشوارع، منتقماً من فقره وماضيه، ثائراً على مرارة واقع البؤساء[87] " .
لقد حفزت هذه الزيارة ذهن قاسم وروحه المتمردة على التفكير بضرورة الإسراع لتهيأت الظروف الذاتية لحركة الضباط الأحرار لأجل إنجاز التغيير الكبير المرتقب عندما يحين ظرفه الموضوعي، بغية التماثل النسبي مع الأبعاد الحضارية التي تنعم بها أوربا.
ويتعرف قاسم أثناء الزيارة عن قرب بالجواهري الكبير، الذي كان أحد أعضاء وفد نظمته السفارة البريطانية في بغداد لمجموعة من الصحفيين العراقيين لزيارة لندن والاطلاع على معالمها وتعمير، ما خربته الحرب العالمية الثانية بفترة زمنية قصيرة.[88] مَثَلَ هذا اللقاء بين الجواهري وقاسم بداية العلاقة المتميزة والقلقة بينهما.
 وبصفاء لغته واعتزازه الكبير بذاته المتمردة يصف الجواهري هذا اللقاء بالقول:
" في الملحقية العسكرية بلندن… كانت بعثة عسكرية خاصة تضم ملحقين ومفدين من ضباط يتسابقون عليَّ ويجرني الواحد بعد الأخر من أرادني ؟ وكان بينهم ضابط شاب، كان من دونهم، أشد إلحاحاً علي بأخذ حصة أكبر، أو الحصة الكبرى من الجلسات واللقاءات، من جملة ذلك أن اصطحبني إلى بيته وهو شقة متواضعة بملحقيتها. هذه " الدويرة" شهدت ثلاثة لقطات، تصح أن تكون على بساطتها ذات كلمة ومغزى، لما سيكون لهذا الرجل من دورٍ خطير في تاريخ العراق… لم يكن هذا الرجل سوى عبد الكريم قاسم [89] ".
اصطحب الزعيم قاسم، الجواهري إلى مختلف مناطق لندن ليطلعه على معالمها، بعدما نفر من البرنامج الموضوع لهم ومن صحبة بعض الصحفيين الذين كانوا معه ضمن الوفد. كما كان قاسم بمثابة مترجم له عند مراجعة الأطباء وزيارة المعالم الثقافية. كان قاسم معجباً أيما إعجاب  بالجواهري الكبير، في كثير من مواقفه السياسية المناهضة لسياسة نخبة الحكم وارتباطها ببريطانيا وفي دفاعه عن الفقراء والمحرومين، وفي قصائده الشعرية موضوعةً وهدفاً، المتميزة بالصورة الجمالية وصفاء اللغةً، وسلمها الموسيقي المنفرد في انسيابيته.
في ذات الفترة يسافر الوصي عبد الإله إلى لندن, حيث كان يقضي أجازته فيها, " وقد أرسل في طلب الجواهري, وتحادث معه طويلا حول ترشيحه إلى الانتخابات النيابية, وطلب إليه تمديد اقامته في لندن ليعود معه في وقت واحد إلى بغداد. لكن الجواهري اعتذر له بعدم امكانية بقائه لمدة أطول في لندن [90], وكان متضايقاً من اقامته فيها.
... خرج الجواهري من اجتماعه بعبد الإله متوجها إلى الموعد مع صاحبه (الضابط برتبة رائد), حيث حجز له موعدا مع طبيب الاسنان وفي الطريق تحدث إليه عن الانتخابات النيابية المزورة, وخلو مجلس النواب من أصوات وطنية محترمة, لكن الضابط أنتقل بالحديث , إلى حفلة المساء الماضي وأبدى دهشته وارتياح الجواهري على كرنلواليس. وأخذ يترجم له الخبر المنشور تحت الصورة في الجريدة وخبر رويتر قائلا ببراءة أن الشعراء مسموح لهم كل شيء, وهم يشكون من عدم وجود الحرية. أما نحن العسكريين, فلا نتمتع بأية حرية ولا نشكو من انعدامها  [91] ".
بعد ذلك, كان قاسم " يتابع مواقفي الوطنية والاجتماعية، وبخاصةً الشعرية منها. وكنت الوحيد الذي يناديني ب " الأستاذ " أمام اتباعه وغيرهم وفي أكثر من موقف… ". كما كان قاسم منذ بدء علاقته " صادقاً معي كل الصدق وأميناً كل الأمانة ونظيف كل النظافة في حفاظه على تلك العلاقة، وصحيح كذلك أنه لم يصل مدني واحد في العراق هذه الدرجة من الثقة والوطادة والعلاقة… حتى وصل الحد به إلى أنه أعلن وهو يفعل ما يقول: أنني لا أرد طلباً للجواهري …[92]".
بعد عودتهما من لندن أخذت هذه العلاقة توهن واللقاءات تتباعد، بسبب طبيعة عمل الزعيم قاسم العسكري ونضاله السري لأجل تغيير الحكم حسب طريقته الخاصة. وفي الوقت نفسه نضال الجواهري السياسي السلمي بالكلمة والنضال السلمي التحريضي لتهيأت بعض من ظروف مخاض التغيير المرتقب ومستلزماته، ضمن دائرة رؤيته لذاته التي تعتمل داخلياً وبصورة عفوية قوية على سجيتها : " لعل الجواهري يُحِسُّ في قرارة نفسه بأنه لا أحد يصلح لقيادة العراق سواه  [93]".
 بمعنى آخر " عاد الجواهري إلى بغداد ولم يعد يذكر صاحبه الضابط في لندن ولا الضابط كانت تسمح له التزاماته العسكرية وطبيعته الشخصية ومشروعه الخاص، بتوسيع دائرة علاقاته في بغداد، والاتصال بشاعر سياسي كالجواهري [94] ". وغيره من السياسيين العاملين ضمن خارطة التغيير المرتقب في عراق تلك المرحلة. خاصةً والجواهري كان اشهر من نارٍ على علم, حيث " عرف عن هذا الملك غير المتوّج الذي اسمه الجواهري أن توحد في مرحلة الاربعينيات بالناس توحداً يكاد يكون تاماً, واشتُهِر بينهم بصفته شاعراً سياسياً فريداً... [95]".
 استمر هذا الفراق المؤجل لغاية ثورة 14 تموز حيث تجددت العلاقة بينهما ثانيةً ببعدِ جديد ذا علاقة خاصة ومضامين بنائية مستهدفة.. وقد " تقاسم الصديقان الزعامة!! عبد الكريم قاسم زعيم السلطة السياسية. والجواهري زعيم السلطة الثقافية وزعيم الصحافة ". وكان عبد الكريم قاسم "... يتعامل مع الجواهري صديقاً وسياسياً, كما هو شاعر كبير, فيشاوره في الأوضاع السياسية, ويجالسه طويلاً في الإسبوع أكثر من مرة... [96]" 
هذه الصفة التي تمتع بها الجواهري في دفاعه وتبنيه مطالب الجماهير الفقيرة وتوحدهِ مع معاناتهم, هي التي دفعت قاسم أكثر فأكثر إلى لقياه, كمشروع مشترك وَمعلَمَاً أدبياً رفيعاً, والذي كان آنذاك في خضم التهيئة لانضاج البعد الذاتي لحركة الضباط الاحرار. وفي الوقت نفسه إعجابُ الشاعر العميق في لا وعيه يومها بشخصية عبد الكريم قاسم وهو يحث الخطى في اشباع جزء من الحاجات المادية للجماهير الواسعة من الفئات والطبقات الكادحة التي دافع الجواهري عنها وتوحد معها وتطلعاتها.  
 ثم انتكست هذه العلاقة ضمن الخارطة الجديدة للقوى السياسية وموقف كل منهما إزاء ما كانت الحياة تطرحه من ضرورات ولزومات، من مهام وأعمال، وما رافقها من صراع سياسي/فكري طال المجتمع العراقي بكل مكوناته عمودياً وافقياً، وبالتالي أوجد ما أوجد من تفسيرات مختلفة ومتباينة لحل مثل هذه الإشكاليات.
وحدث الافتراق بينهما والذي كان للبعد الذاتي فيه دورا كبيراً لكلا الطرفين.. وإن كان للجواهري الكبير وروحه المتمردة ونرجسيته العالية القدح المعلى في ذلك وعدم تحقيق " أحلام الجواهري التي كانت قد لازمته أربعين عاماً في ان يصبح وزيرا ً... ومن شعوره العميق بأنّه هو الزعيم الحقيقي الذي عليه أن يُوجَّه وليس سواه سواء أكان هؤلاء الزعماء زعماء سياسيين, ام جمهوراً, أو أجزاباً [97] " . وقد عبر عنها بعد ثلاثة عقود من الزمن في مذكراته ، بصورة غير متسقة مع ماهية ذاته، ولا مع واقع صيرورتها الموضوعية، وغير مقنعة لا لنفسه ولا للآخرين.
  يقول الجواهري: " ...غير أني أستطيع التأكيد ثانيةً أن عبد الكريم قاسم كان يملك ضميراً حياً ونزاهة نادرة, وبساطة في اللباس والحياة والمأكل, مما جعله يضاف إلى قائمة المترفعين عن المظاهر والمكاسب وجاه الثورة وهو ما أغفله الكثيرون من الكتاب والصحفيين والمؤرخين ... وأراها مناسبة للقول إن الكثيرين من هؤلاء لم يتعاملوا مع التاريخ ولا بل أمانة مع واقع حال هذا الرجل وكثيرون منهم كتبوا إما بدوافع سياسية أة بدوافع شخصية أو بدوافع مصلحية... الاسباب التي جعلت لأكثرهم يبتعد عن الحقيقة... وبذلك لم أعتمد أحداً منهم وأنا أكتب تاريخ هذا الرجل إلا القلة النادرة ...[98]" وهذه القلة التي اعتمدها الجواهري الكبير لم تكن موضوعبة حتى مع ذاتها ما بالك مع الزعيم قاسم [99].؟
 لقد خلط الجواهري هنا الذاتوية العالية بشيء من الموضوعية، فيها كثير من التناقض وفي الوقت نفسه الكثير من لحظات الانسجام الصافية مع الذات.. ولم تخلو من الثأرية والانتقام.. وفيها تضخيم, المبرر وغير المبرر, للذات وتدنيس لسمعة قاسم [الكثير السيئات], حسب تعبيره, والمقترنة بالشتيمة والحط ليس من قاسم فحسب، بل حتى من ثورة 14 تموز، كما يوصف كل ذلك في المذكرات وفي اللقاءات الصحفية والتلفزيونية[100].
طرح " الجواهري آراء خطيرة في ثورة 14 تموز عام 1958 وفي عبد الكريم قاسم. وقد ترددت في الإشارة إليها حفاظاً على وحدة الموضوع الفكرية. لكنه يصر على موقفه هذا كلما تجاذبنا الحديث عن الثورة مما حداني لالتقاط جوانب من تلك الآراء… لقد استغربت أن الجواهري لم يحتفظ بكره وحقد وغضب، على شخصية سياسية في تاريخ العراق مثل كرهه لعبد الكريم قاسم [101] ". لأنه كان يعتقد, لحين وفاته, أن الزعيم قاسم كان يقف وراء حملة التشهير التي تعرض إليها الجواهري من قبل اليمينين الأعداء السافرين " لعبد الكريم قاسم وحكومته، وللجواهري واتحاده [102] ". رغم أنه يعزو بعض من اسباب الفجوة بينهما إلى طبيعة مزاجه النفسي حيث يقول: " أنا بطبعي حاد ومتازم ومتوتر كما أخبرتك, وكما تعرفني وهو ما ينعكس على حالتي لرد الفعل  [103]". وبعترف في مذكراته بالقول: " وإذا بي أقول مالا يصح أن يقال... كلمة كبيرةحقاً – بل ونابية أيضاً- لكنها اندفاعة الشاعر المكبوت. جملتي كانت على صغر حجمها وعلى بداهة ارتجالها  فظيعة جداً...[104] ".
كانت العلاقة متشابكة بينهما ومستنبطة من ذات المناخ السياسي ومن نرجسية وذاتية المبدعين الكبار والقادة العظام. وهذا ما سنعود إليه لاحقاً بالكثير من الإسهاب.  
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
3- قاسم في حرب فلسطين الأولى :
 
عندما حلت نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الوضع الاجتصادي/ السياسي للعراق في حالة غير طبيعة ولا مستقرة. إذ كانت تسوده التوترات الاجتماعية بسبب الحراك الأفقي والعمودي لما أنتاب كل التكوينات الاجتماعية بسبب الحرب؛ وفشل حركة مايس وما أعقبهما من نتائج؛ كذلك التقهقر في الحياة الاقتصادية وفشل كل الحكومات في معالجتها. وضعية كهذه كانت تتطلب حلول واقعية جذرية تشمل البلد بكل مكوناته الاجتماعية ومنظوماته الاقتصادية ومفاهيمه السياسية، لكن كان ذلك يصطدم بقاعدة الحكم الضيقة وعقليتها النفعية الأضيق وعلاقات التبعية إلى بريطانية.. وهذا ما انعكس جدلياً في فشل هذه الحكومات من تطوير الحياة البرلمانية وتعميقها في الوعي السياسي للفرد، نتيجة إغلاق منافذ التغير السلمي للسلطة وتداولها بين الفئات الاجتماعية المختلفة وفق قواعد لعبة مرسومة مسبقاً.
زاد الوضيعة تأزماً ما ترتب على الاحتلال الثاني من نتائج أصابت عصب الحياة الاقتصادية واختلال الموازنات بين قطاعاتها المنتجة وغير المنتجة وتوقف الاستيراد وتعمق أزمة الريف العراقي مما أدى إلى شحه في السلع المعروضة وارتفاع أسعارها، بحيث اثقل كاهل أغلب الطبقات والفئات الاجتماعية وخاصةً الفقيرة منها، والتي تمثلت فيما أطلق عليها ب [ أزمة الخبز[105]].
تزامنت هذه الأزمات بالتناقض الذي طرحته أوضاع عالم ما بعد الحرب الثانية، حيث ساد الانتعاش للأفكار الليبرالية والديمقراطية التحررية والاجتماعية وتوطد نفوذها في العقول والمصالح، مما وسع من قاعدة مؤيديها بين الطبقات والفئات المنتجة (والفئات الوسطى على الخصوص)على تعدد مستوياتها، وخاصةً في بلدان عالم الأطراف ومنها منطقتنا المشرقية العربية، وضمنها العراق، إذ أبت الطبقات والفئات الاجتماعية الجديدة وأصرت في رفض الاستمرار " على العيش وفق الأسلوب القديم، ولم يعد خافياً عقم السبيل الذي سار عليه الحكم، وعبرت كل القوى الوطنية عن سخطها على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشعب وطالبت جميعها بإنهاء الأحوال الاستثنائية التي فرضت في ظروف الحرب والحاجة الماسة إلى إطلاق الحريات الديمقراطية وإلغاء الرقابة على الصحافة وإجازة الأحزاب السياسية، واشتدت الحملة على الحكومة القائمة آنذاك وانعكست حتى في البرلمان[106] ".
اصطدمت هذه المطالب بالعقلية النفعية الضيقة لمصالح كتل الحكم المتحالفة مع الاحتلال البريطاني، إذ " عادوا إلى لعبتهم القديمة في محاربة كل إصلاح يؤثر على مصالحهم وفي تلاعبهم بالانتخابات وقمعهم كل معارضة وحتى بالقوة أحياناً… وفي ظل النظام الانتخابي المتفسخ بحيث لم يدع لأي من ممثلي الأحزاب بما في ذلك حزب الاستقلال مجالاً للوصول إلى البرلمان[107]… ".
 في ظل هذه الظروف الدولية والداخلية، وبغية تطمين استمرار مصالحها وتصورتها لمستقبل المنطقة وخاصة ما له علاقة بتحقيق وعد بلفور وإنشاء دولة إسرائيل التي عملت على إيجادها كمشكلة سعت إلى تعقيدها طبقاً لتطور مصالحها وتحالفاتها في المنطقة[108]. أرادت بريطانيا عقد معاهدة جديدة على أنقاض معاهدة 1930التي أوشكت من جهة على الانتهاء؛ ومن جهة ثانية عدم صلاحيتها لأوضاع العالم الجديد الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، تتضمن ذات البعد الاسترقاقي ، لكن بشكل  ظاهري مُحَسن من جهة ثالثة؛ ضمن وجود مؤسسة عسكرية ضعيفة من حيث التجهيز والتسليح، قليلة الأفراد وذوي كفاءة مهنية متدنية، مما يسهل من إمكانية السيطرة على أية حركة تقوم بها من جهة رابعة.  
 لكن أحبطت الجماهير الشعبية وحركاتها المهنية وأحزابها السياسية المعاهدة المقترحة والتي سميت ب (معاهدة بورتسموث أو بيفن- جبر[109] ) .
 كانت الوثبة " أروع عصيان جماهيري مسلح عرفه تاريخ العهد الملكي … ونجمت الوثبة من أوضاع المعيشة نفسها.. وكانت لها مظاهر متعددة ومختلفة، وكانت هي التربة التحتية الاجتماعية لبغداد الثائرة ضد الجوع والأعباء غير المتكافئة…[110] " وضد نخب الحكم وبريطانيا ومسئوليتهما لما آلت إليه الأوضاع في البلد.
لقد أسقطت حركة الجماهير الوزارة ومعها مشروع معاهدتها وأعلنت الأحكام العرفية من قبل السلطة، بحجة الحرب الفلسطينية، ومن ثم تحرك الجيش، وهي أول مرة أو مناسبة  يُستخدم فيها خارج العراق, بعد سقوط المعاهدة بأشهر قليلة ( لتحرير فلسطين؟؟) حسب الادعاءات الرسمية[111]، وكان ينقصه التسليح الدائم   -المخصص للحروب النظامية وليست الجبلية، ناهيك عن الجيد والجديد منه، والتدريب الحديث، حتى أنه " جرى تدريب الجنود المستجدين لتعليم الرمي الصحيح عملياً، وهم يتنقلون على طريق آج ثري ومع ذلك دخل الجيش العراقي إلى فلسطين وهو لم يتدرب على الحروب النظامية… " ولم تصل "... إلى الوحدات بدلات القتال (ملابس الجنود) والجواريب وغير ذلك مما كانت الحاجة إليها ماسة [112] ".
والأكثر من ذلك دخل الجيش الحرب وهو غير مزود بالعتاد الكامل ولم يملك لغماً واحداً.. ولم تستخدم القوة الجوية إطلاقاً رغم هزالها وعاطلة بعض الموجود منها، نظرا لعدم وجود طلقات التشغيل في القوة الجوية لأنه " أثناء حرب فلسطين سنة 1948، أُرسل قائد القوة الجوية العقيد الطيار الركن سامي فتاح (الوزير فيما بعد) على رأس وفد عسكري لتدبير أطلاقات التشغيل هذه ولشراء بعض الأسلحة والاعتدة. وظل يتجول في أوربا لمدة ستة أشهر كاملة غير منقوصة وعاد بخفي حنين ، قد انتهت الحرب ولم يشتر اطلاقة واحدة [113] ".
ويذكر تقرير سري مطبوع في بغداد عام 1949 " أنه في الفترة ما بين صدور قرار التقسيم وإعلان بريطانيا انسحابها لم يلاحظ في البلاد العربية عامة والعراق خاصة ما يشعر بإقبال البلاد العربية على حرب تحررية. فلم تعبأ قوى وموارد البلاد لا كلياً ولا جزئياً ولم تستكمل النواقص الكثيرة التي صارت تعاني منها وحداتنا، ولم تصل الجهود التي بذلت في لندن، ولم تتخذ الاحتياطات الفردية لحماية أي مجهود حربي لمواجهة الدولة اليهودية. وأكثر من هذا لم تنظم ميزانية حرب تنهض بأعباء العمليات الحربية الوشيكة الوقوع. في الجملة لم تتخذ من الإجراءات ما ينبئ بأن البلاد العربية مقدمة على حرب[114] ".
 ومما زاد الموضوع تعقيداً أن حكومة صالح جبر في العراق كانت تضع العراقيل، بحجة الميزانية، لمنع إبرام عقود خاصة بتزويد بعض وليس أغلب، ما يحتاج إليه الجيش من معدات، مما أثار غضب ضباط الجيش غير المطلعين على اللعبة المحبوكة بين نخبة الحكم وبريطانيا.[115]
ويشير نور الدين محمود (رئيس الوزراء لاحقاً) في تقريره المرفوع إلى رئيس أركان الجيش العراقي في حزيران/ يونيو 1948 " أنه فتش القوة الآلية فوجد أن معظم جنود الفوج الآلي غير مدربين، حتى أن القسم الأعظم لم يرموا بأسلحتهم الخاصة بهم, ولالاضافة إلى ذلك علمت أن الفوج المذكور أستلم مدافع الهاون يوم حركته من بغداد ولا يعلم أحد في الفوج حتى ولا بالقوة الآلية كلها كيفية استخدام هذا المدفع وقد تركت في السيارات منتظرين ورود الأعداد اللازمة لإدارتها من بغداد. هذا من جهة ومن جهة أخرى وجدت إن أعداد الأسلحة في المدرعات لم يدربوا بأسلحتهم مطلقاً فضطرت إلى الإبراق لوزارة الدفاع للموافقة على ترميتهم بضعة اطلاقات بصورة مستعجلة لكي يعرفوا خواص اسلحتهم على الأقل " ويتحدث بعد ذلك عن نقص العتاد والافتقار إلى خطة للمواصلات وغير ذلك من لنواقص وينتهي إلى القول "... وكانت بقية قضايا التموين والاغاشة في دور التأسيس هكذا كانت الحالة للقوة الآلية المرسلة إلى فلسطين والمزمع إشراكها في القتال دون التهيئة له وإن وضعية كهذه جعلتني في حالة استغراب من إرسال قوات وزجها في القتال لعذا الوضغ الناقص[116] ".
ويشير لونكريك إلى ذات الموضوع بالقول: "وإذ ذاك تحركت القوات العراقية تحت إمرة الفريق صالح صائب. كانت تلك القوات سيئة الإعداد, رديئة التجهيز, يشوبها نقص واضح في التموين وفي الاحتياطي والتي تحركت من مواقعها في العراق وتبلغ زهاء عشرة آلاف أواثنى عشر ألف جندي [117]".
والأغرب أن الحكومة العراقية قد استكملت طلباتها للمعدات العسكرية بعد انتهاء الحرب وضياع فلسطين. وفي الوقت نفسه فإن البعثة الاستشارية العسكرية البريطانية.. قد أنهت مهماتها بعد إعلان قيام دولة إسرائيل بيوم واحد. فقد أوعزت الحكومة البريطانية إلى رئيس بعثتها الجنرال رنتن، الذي سبق وأن خدم في قوات الليفي في العراق في مطلع العشرينيات, أن يقدم إلى الحكومتين العراقية والبريطانية تقريراً يشير فيه إلى أن الجيش العراقي  بلغ مرحلة من الكفاءة ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍ بحيث أصبح في غنى عن وجود البعثة.
 في مثل هذا التواطؤ بين نخب الحكم العربية وبريطانيا والحلفاء الغربيين وخاصةً أمريكا،[118] دخل الجيش العراقي في 15/04/1948 في حرب فلسطين التي أمست " درساً بليغاً للعرب في سياسة القوة وكان لابد لها أن تؤثر في جميع ما تلاها من سلوك وعدم الثقة بالقيم السابقة والعلاقات الدولية، وعلى حدٍ سواء أيضاً بالرجال الذين أُلقيت عليهم تبعة النكبة ومسئوليتها[119] ". ونجم عنها جملة من التغيرات نتيجة العودة الخائبة للجيوش العربية.. ومنها الجيش العراقي، كما كانت أحد الأسباب الأرأسية لتشكل ظاهرة (الضباط الأحرار) وشيوع ثقافة الانقلابية العسكرية, ليس في العراق حسب، بل في جملة الأقطار العربية المشرقية. وليس لدى الضباط المحترفين, بل غشت عقول قطاعات واسعة من القادة السياسيين وخاصةً ذوي التوجه القومي.
مثلت هذه الحرب وطبيعة إدارتها والنتائج التي تمخضت عنها والتواطؤ المتخاذل لحكامها، منعطفاً جديداً في إعادة الاعتبار لفكرة دور (التاريخي) للجيوش العربية في التغيرات السياسية. وبالنسبة للعراق فقد كان هناك إعادة تفكير جدي في أهمية دور الجيش في قلب موازين الحكم، كما كان عليه في الثلاثينيات, وليعيد ثانية دور الضباط إلى واجهة القوى المؤثرة على مركز القرار المركزي المباشر للدولة، إن لم يكن هو صاحبها. في مجتمع يعيش ضمن علاقات اقتصادية ما قبل الرأسمالية.
 لذا رافق هذه الحرب نمو سري مطرد للمزاج الثوري، إن جاز التعبير، في داخل المؤسسة العسكرية، والذي لم يظهر فجأةً أو كنتاج لحادث عرضي أو مزاج فردي لهذا الضباط أو ذاك .. بل كان نتيجة للتراكمات البطيئة والمتدرجة. هذا المزاج ينسجم مع النزوع السيسيولوجي للفرد العراقي نحو المعارضة والتعبير عن السليقة المنتفظة.[120]
ضمن هذه الظروف الموضوعية المعقدة والمتشابكة ساهم عبد الكريم قاسم في حرب فلسطين الأولى ( 1948-1949)، بما تسمح له رتبته التي كانت مقدم الركن وموقعه في اتخاذ القرار العسكري الميداني. وقد أظهرت هذه الحرب مدى جديته وجدارته، خاضها بفكر سياسي واضح تكمن أبعاده في العداء لبريطانيا ولمشروعها الخاص بإسرائيل، وبشجاعة لا تخلو من بعض أركان المغامرة والمباغتة العسكرية. كما كشفت في الوقت نفسه عن مقدرته القيادية ودرجة إنضباطيته العالية وكفاءته النظرية والعملية وقدرته على الإبداع في عملية التخطيط والتنفيذ. تجسدت صفاته أعلاه في خضم المعارك الناجحة التي خاضتها الوحدات العسكرية التابعة له.
 تسلم في البدء منصب آمر الفوج الثاني للواء الأول (17/5- 20/8/ 1948)الذي ساهم في المعركة التي دارت حول قلعة كيشر.[121] وقد أدار قاسم هذه المعركة بجدارة حتى أتهمه أحد الضباط بأنه قادها، حسب رأيه، دون " إتباعه السياقات العسكرية الصحيحة [122] ". في حين يصور ضابط آخر إدارة المعركة بشكل مغاير عندما يقول:
" وصل (عبد الكريم قاسم) إلى الفوج ليلاً وكان يحاصر قلعة كيشر المشهورة، فاطلع على موقف الفوج وتفقد السرايا والفصائل الأمامية. وفي اليوم التالي وضع خطته المشهورة ورتب كلما يلزم لمحاصرة القلعة واشتبك معهم بمعركة حامية استمرت الليل كله أدت إلى نسف وفتح باب القلعة المذكورة ووضع مدرعتين للرمي باستقامة الباب المفتوحة… حتى أنتبه على صوت يناديه ويعلمه بأن اليهود قد أغلقوا باب القلعة… وأخذ يحقق عن الأسباب التي مكنت اليهود من غلق باب القلعة بعد أن أصبحوا على شفا جرف الهلاك أو الاستسلام فتبين له أن المدرعتين المكلفتين بواجب مراقبة الباب المفتوحة لقلعة كيشر قد سحبتا بأمر من القيادة بدون علمه[123] ". علماً بأنه لم يقتحم القلعة وذلك ل " عدم تدريب الجنود على قتال الحصون والأبنية وبعدم تيسر الرمانات اليدوية الكافية  لدخول القوة المهاجمة ولا الغدارات التي تساعد على الرمي السريع, ومن الوجهة العسكرية كان عبد الكريم قاسم على حق ولا بد من تيسر ما ذكر إذا أراد دخول القلعة…  [124]".
آنذاك أمر كلوب باشا بتغيير هدف الجيش العراقي بإتجاه الضفة العربية.. وكذلك سحب المدرعات.
" لقد تأثر الزعيم من هذه الحركة غير الطبيعية وأبرق إلى القيادة العراقية محتجاً على سحب المدرعات التي كانت بإسناده…بدون علمه وأوضح الموقف على حقيقته. وعلى أثر ذلك صدرت الأوامر القاضية بسحبه مع قواته إلى قاطع كفر قاسم [125] ".
 هذه العملية العسكرية الناجحة وذلك الاحتجاج المعلن، أخذت لهما صدىً واسعاً بين ضباط الجيش العراقي، سواءً ما له علاقة بقاسم كذات عسكرية أو بفعل القيادة العراقية والعربية التي ترأسها الملك عبد الله اسمياً والجنرال كلوب باشا عملياً.[126] هذه الحركة غير الطبيعية البعيدة عن السياقات العسكرية غيرت هدف الجيش العراقي الذي أرسل إلى الضفة الغربية حسب توجيهات كلوب وحل محل هذه القوات " فوج شرطة عراقي من القوة السيارة بقيادة المقدم عبد القادر حسين وأستلم مسؤولية القطاع من الفوج الثاني [127] " .
صدرت الأوامر إلى الفوج الثاني بأن " يتحرك بمرحلتين للالتحاق بجحفل اللواء الأول ( بإمرة العقيد الركن نجيب الربيعي، رئيس مجلس السيادة لاحقاً-ع.ن.) على أن يسلك طريق: المجامع - أربد- المفرق- الزرقاء- عمان- جسر اللنبي- أريحا-جفلتك- نابلس، وهو طريق أمين وبعيد عن خطوط النار اليهودية.إلا أن عبد الكريم قاسم لم ينفذ الأمر بتعقب الطريق الذي اقترحته القيادة [128] ".
 لقد سلك الفوج يوم 18/07 طريقاً أخر هو: المجامع – محاذاة ضفة نهر الأردن الشرقية – جسر دامية- جفتلك – نابلس. هذا الطريق كان أقصر من الطريق المقترح من قبل القيادة العليا بمقدار نصف المدة، وكان يواجه المستعمرات اليهودية، ووصل الفوج سالماً إلى مقره الجديد وعسكر قرب قرية عنبته ضمن قاطع جحفل اللواء الأول.
وأثناء سير الفوج إلى هدفه, أغلق عبد الكريم قاسم " محطة فوجه اللاسلكية مما أضطرها (القيادة) إلى إرسال ضابط لاستطلاع أثر الفوج عن طريق عمان –أربد دون جدوى. وأخيراً وبعد وصوله إلى نابلس أبرق إلى القيادة بوقت وصوله. ولما سألته القيادة عن مبررات عمله، أجاب: بأنه أعتقد أن الموقف يتطلب الإسراع والوصول بأقرب وقت مستطاع، لأن القطعات العراقية لابد وأنها كانت بحاجة إلى النجدة والعون وهذا ما اضطره إلى سلوك الطريق الثاني …[129]" . 
 أخذ هذا الالتفاف العسكري يشير إلى شجاعة قاسم، فهي بقدر كونها تتطابق مع السياقات العسكرية المتسمة بالجرأة، فإنها كانت تنم في الوقت نفسه عن شعور سياسي لدى عديد من الضباط حول فساد القيادة العسكرية العربية العليا التي يقودها عمليا الجنرال كلوب باشا، إذ كانت خططها العسكرية تصب في تحقيق قيام دولة إسرائيل. وأثبتت الدراسات العسكرية والتاريخية لحرب فلسطين الأولى صواب ذلك، نتيجة تدخل القيادة المستمر لتغير موازين القوى لصالح تحقيق ما خططت له, في الوقت الذي كان الضباط العرب يمتعضون من هذا التدخل الفج المناقض لهدف التحرير المعلن رسمياً.
 لقد ترجم بعضهم غضبه ومواقفه المعارضة باقتراح تركهم الميدان العسكري، في حين ترجمها البعض الأخر بمواصلة الاستمرار بالقتال بعكس ما تريد القيادة العليا تحقيقه على أمل تغير المواقف السياسية للحكام العرب آنذاك. لذا كانوا يضغطون على القيادة العليا لتغيير خططها أو قيامهم بصورة منفردة بخلق المواقف التي تؤدي إلى الاصطدام بقوى النزوح الصهيونية، وقد كان قاسم أحد هؤلاء الضباط.
أُنيطت بمسؤولية فوج الزعيم قاسم جبهة (كفر قاسم). ومما يذكر عنه, أنه " كان يخلق المواقف ويقوم بالفعاليات وتحركات في مختلف أنحاء جبهة فوجه وكان يرسل دوريات القتال بصورة مستمرة. وذات يوم قام اليهود بهجوم مباغت على ربايا فوجه وتمكنوا من احتلال بعضها، فقام الفوج بهجوم مقابل وتمكن من استعادتها وطرد اليهود[130]… ". وقد اعتبرت القيادة العسكرية العليا المتواطئة، أن عبد الكريم قاسم هو السبب في خرق الهدنة والتحرش وخلق مواقف لم ترض عنها القيادة العليا. لذا عمدت هذه القيادة على إحالته إلى مجلس تحقيقي برئاسة العقيد الركن مزهر الشاوي، الذي أدان قاسم. لكن قرار الإدانة هذا " خلق رد فعل عنيف بين الضباط الناقمين على ما يجري من مهازل وأعترض عبد الكريم قاسم على المجلس التحقيقي وطلب إحالته إلى ضابط أخر مذكراً القيادة بما كان بينه وبين مزهر الشاوي منذ حركات برزان 1945.
وتشكل مجلس تحقيقي آخر برئاسة العقيد الركن عمر علي الذي برأ ساحته وأعتبر اليهود هم البادئون بخرق الهدنة وما قام به عبد الكريم قاسم هو من قبيل الدفاع عن النفس المشروع وهو ما يتطلبه واجبه العسكري [131] ".
 وقبل ذلك وبعد الهدنة الأولى وحصار القوات المصرية في الفالوجة وتواطؤ القيادة العسكرية العليا التي أمرت بمنع استخدام المدفعية بحجة الاقتصاد بالعتاد، إلا بموافقتها. " في مثل هذه الظروف ذهب عبد الكريم قاسم إلى المرصد وتبعه ضابط استخبارات فوجه النقيب محسن الرفيعي، فوجده بحالة عصبية وهو يكرر: هل يقبل أي عربي أن يرى ويسمع قصف المصريين ومحاصرتهم ويبقى متفرجاً ؟... ".على ضوء ذلك يعرض على أمر اللواء الأول مزهر الشاوي " ...استعداده لمساعدة المصريين وذلك بأن يقوم فوجه بالهجوم على شرط مساندته من قبل جحفل اللواء الثالث بدون علم القيادة، لتوريطها بهذا الهجوم [132]" ( التوكيد منا- ع.ن.).
في حين ذكر أحد الضباط في الندوة التي أقامتها مجلة آفاق عربية في تموز 1985 هذه الواقعة بعبارات أخرى تؤكد فعل قاسم وليس اقتراحه إذ يقول: " لابد أن نقول إن المقدم الركن عبد الكريم  قاسم قد أمر حينئذ بطرية المدفعية الملحقة به أن تضرب المواقع اليهودية لمعاونة الجيش المصري الذي كان يُضرب بالنقب [133] ". 
هذه الاقتراحات والأعمال العسكرية المنفردة التي كان يقوم بها بعض ضباط القيادات الوسطى، رغم محدوديتها في التأثير على المجرى العام للحرب، كانت تعكس موقفهم من هذه اللعبة واستنكارهم لخطط القيادة العسكرية العليا التي تخضع للقرار السياسي ولمشيئة الحكام العرب ومستشاريهم الإنكليز على الأغلب..وهذا ما عكسته برقية العقيد الركن نجيب الربيعي آمر الجحفل الأول في02/07/1948 الذي قال فيها: " فإذا لم تكن هذه الأمور فإننا نرجح أن نترك الميدان ونفسح المجال لغيرنا ممن يهمهم حرب الكلام لإتمام الرواية [134] ".
 عبرت هذه البرقية بوعي متكامل عن ما كان يجول في خواطر الكثير من الضباط الذين كانوا يتحرقون شوقاً لمساندة إخوانهم العرب وما يتطلبه الموقف العسكر ي.. وهذا ما لمسه السيد أمين الحسيني عندما تساءل: " لماذا مُنع الجيش العراقي الذي كان في أشد حالات الحماسة واستعداد من التقدم نحو أهدافه ولم يُسمح له بالقيام بأية معركة، ولماذا هاجمت القوات اليهودية مدينة جنين في يونيو عام 1948 وكان فيها فوج عراقي واحد اشترك مع مجاهدي المنطقة في مهاجمة اليهود، وهزمهم شر هزيمة وتبع فلولهم إلى( اللجون)، ووقع الرعب حينئذٍ في يهود حيفا التي ظّلت بدون دفاع بعد هذه المعركة، فأرسل رئيس بلديتها اليهودي شبتاي ليفي كلاً من نائبي رئيس البلدية الحاج طاهر قرمان وشحادة شلح بكتاب لتسليم حيفا إلى الجيش العراقي، ولكن القيادة العامة أمَرت بعودة الفوج العراقي وقائده الباسل الذي سحبته من المنطقة ووجهت إليه أشدَّ اللوم وعاقبته على خوض المعركة ؟ [135] ". أمسى موقف القيادة هذا موضع سخرية لاذعة ونكتة سوداء يتندر بها، عبرت عن ذاتها في العبارة المشهورة :
                             [ ماكو أوامر [136]]
  لقد قدر عديد من الضباط شجاعة عبد الكريم قاسم في الحرب، بما فيهم بعض من مناهضيه. يقول أحدهم: " وشجاعته لم تأت من فراغ ولم تكن بلا أساس وواقع بنت عليه الدعاية وما أرادت أن تبنيه. لقد كان عبد الكريم قاسم شجاعاً وجريئاً حقاً… ولا ينكرها أحد ولنضرب الأمثلة التالية على ذلك:    
1-   نظم في 12 تموز مفرزة من فصيل مدفعية جوال (25 رطل) وفصيل مشاة وحضيرة رشاشات فيكرس، وقاد المفرزة بنفسه وعبر بها نهر الأردن من جسر الشيخ حسين (جنوب القطاع) وقصفت مستعمرات العدو الواقعة غرب لأردن(بيسان) و(ماعوز حاييم ) قصفاً شديداً وأوقعت في أرتال سياراته خسائر فادحة، وقد تركت السيارات المعادية رحباتها منهزمة، وكذلك قصفت المفرزة كاشفات النور للعدو ثم عادت حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر إلى مواضعها الأصيلة في القطاع[137]. وفي صباح اليوم التالي13/7 عاد الكرة على (بيسان) و(ماعوز حاييم) فتقدمت المفرزة وهاجمت العدو وقصفت مواضعه ومحل تحشداته قصفاً شديداً وأوقعت في العدو خسائر (قتلى وجرحى) ودمرت سيارة معادية في (ماعوز حاييم) وعطلت مضخة ماء العدو، ثم عادت المفرزة إلى مواضعها، فكانت أعمال هذه المفرزة في يومي 12و13 تموز مثلاً من أمثلة الاندفاع والجرأة.
2-    وفي 20 آب… تسلم آمرية الفوج (الأول) المقدم الركن عبد الكريم قاسم الذي التحق بنفس اليوم وفي ذلك المساء هاجم العدو مواضع (كفر قاسم )من اتجاهي المجدل ورأس العين بالمشاة والمدرعات وبإسناد نيران الهاون والرشاشات واستطاعت بعض المفارز المعادية التي تقدمت من المجدل أن تقترب من مواضيع الاحتياط في كفر قاسم من الجناح الجنوبي.
     أما مفارز العدو المتقدمة من رأس العين فقد احتلت ( بيارة المختارة[138]) داخل المعسكر البريطاني ثم تقدمت واحتلت أبنية المعسكر الشمالية وطردت المناضلين منها ليلة 20-21/08 ولم يمهلهم آمر الفوج الجديد عبد الكريم قاسم وإنما قام بهجوم مقابل سريع أستمر حتى الساعة الخامسة من صباح 21 /8 واستطاع طرد العدو والسيطرة على الموقف واسترجاع أبنية المعسكر البريطاني الشمالية و( بيارة المختارة) وكذلك التلول في جنوب قرية كفر قاسم ولم يتكبد الفوج سوى أربعة جرحى من المراتب .
3-   هاجم الإسرائيليون ليلة 27-28/8 ربايا المناضلين الموجودة بين (دير بلوط) وكفر قاسم واسندوا الهجوم بنيران الهاونات والرشاشات، واجبروا المناضلين والجنود على ترك بعض الربايا، إلا أن عبد الكريم قاسم لم يمهلهم في هذه المرة أيضاً فاستخدم قسماً من احتياطه واستطاع بإسناد المدفعية أن يهاجم العدو ويسترجع جميع الربايا في معركة استمرت طيلة يوم 28/8 وفي المساء أبرق إلى الجحفل الأول وإلى القيادة العراقية برقم 711/ح الساعة السادسة مساء( أنه من السهولة احتلال المجدل ) وطلب الأمر بذلك. ولكن القيادة أجابته بما يلي : ( ليس لمجدل يابا(قرية ذات موقع تعبوي) أهمية كبرى، الاحتفاظ بها بعد احتلالها يتطلب استخدام فوج آخر. كما أنه يؤدي إلى اتساع جبهتنا والتقليل من قواتنا الاحتياطية، أطلب منكم الاحتفاظ بمواضعكم الأصيلة وعدم الإسراف بقواتكم ولاسيما اعتدتكم على أغراض بسيطة جداً بالنسبة إلى الأهداف العامة التي تتوخاها القيادة العامة في المستقبل).
4-    وفي 26/8/1948 تمت مقابلة بين المراقبين الدوليين والجانب العراقي الذي مثله المقدم الركن عبد الكريم قاسم (نظراً لتسلمه آمرية الفوج الأول الموجود في كفر قاسم) والرئيس الأول الركن خليل سعيد مقدم جحفل اللواء الأول، ومعاون آمر سرية الهندسة الثالثة الملازم الأول خليل إبراهيم حسين، ومثل الجانب الإسرائيلي عدد من الضباط.
     وكان المراقبون الدوليون مزودين بخرائط مؤشرة تأشيراً مغلوطاً (قيل أنها أشرت بموافقة كلوب باشا) وكانت الموافقة على هذا التأشير تعني التخلي عن أراضي يدافع العراقيون عنها، وتسليمها إلى الإسرائيليين ومنها أبنية المعسكر كافة وبيارات أخرى، فرفض الممثلون العراقيون أن يتنازلوا عن شبر واحد وهدد الضباط الإسرائيليون بأنهم إذا لم يثبتوا (الخط) كما هو مؤشر فإنهم سيعمدون إلى استخدام القوة في فرض مطلبهم وأنهم سيحتلون أبنية المعسكر الباقية وأراضي جديدة بل سيحتلون حتى كفر قاسم. وكان جواب الضباط العراقيين وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم: حبذا لو حاولتم ذلك، لنلقنكم الدرس الذي تستحقون.
    وفعلاً نفذ العدو تهديده بالهجوم على المواقع العراقية ولكن فوج عبد الكريم قاسم وبمعاونة جحفل اللواء الأول لقنهم الدرس الذي يستحقونه وفشل الهجوم فشلاً ذريعاً [139] ".
هذه السلوكية العسكرية لقاسم في الحرب الفلسطينية الأولى اقترنت بسلوكية شخصية حياتية تتلاءم وتتواءم معها في آن واحد والتي، حسب رصد أحد مناوئيه: " تميزت بمساعدة الفلسطينيين وكسب صداقتهم والحنو عليهم ومد يد العون للمناضلين والمعوزين اللاجئين الذين شردهم اليهود من ديارهم وخاصةً لاجئ اللد والرملة... وراقب سلوك جنوده وضباطه مراقبة دقيقة. والحقيقة كانت رقابة النفس الذاتية لمنتسبي الجيش العراقي في فلسطين مدعاة فخر واعتزاز ولكن النفس أمارة بالسوء، ومن أمن العقاب أساء التصرف…
ولم يسمع عن عبد الكريم قاسم أنه شارك أحداً في مجلس شراب آنذاك، رغم ندرة هذه الفرص في فلسطين- ولكن الفراغ قتال- وبعض النفوس التي يصيبها السأم والضجر قد تتلهى بما لا ينفع ولا يفيد رغم كل الممنوعات وتتحمل النتائج. كما أنه أمتنع عن تناول أي كحول مدة بقائه في فلسطين رغم أنه كان في حياته العسكرية يجامل جلاسه بالشرب في بعض الأحايين. [140]
كان عبد الكريم قاسم كريماً للغاية ولكنه كان يتحدث عما وهب وأعطى… كان عبد الكريم قاسم يوزع بعض راتبه على من يستحق المساعدة. وحتى كان يدفع قيم طعام ضيوفه من الضباط في مطعم الضباط على غير ما تعارف عليه الجيش …[141]".
 ويعترف كذلك مناهض آخر، جاسم كاظم العزاوي في مذكراته، عن ماهية حقيقة الضابط قاسم إبان هذه الحرب بالقول: " لقد تعرفت في فلسطين بالمقدم الركن، حينذاك، عبد الكريم قاسم إذ التحقت وفصيلي من سرية الهندسة الآلية إلى مقر فوجه (الفوج الأول في كفر قاسم) وكنت قريباً منه، ويصحبني معه في السيارة نفسها للقيام بالاستطلاع المطلوب ولإنجاز المهمات الهندسية التي يتطلبها الموقف. كنا في حينه ندهش لشجاعته وإقدامه وحماسته الوطنية في قتال الصهاينة، وكان محبوباً عند منتسبي وحدته وأقرانه، إلا أنه كان انعزالياً، يقضي وقته أما بين قطعاته الأمامية معرضاً نفسه ومن معه لرمي العدو القريب المركز أو يستقر في خيمته لوحده. ولقد أشعل نار الحماسة في فوجه بعد أن تسلمه من المقدم الركن المرحوم علي غالب عزيز وهو في حالة انهيار تام وأرعب الصهاينة وحطم معنوياتهم في قاطعه إلى درجة أنهم رموا المنشورات من الطائرات على قطعاتنا تحرض الجنود على عبد الكريم قاسم واصفةً إياه بأنه يزجهم في معارك يائسة إلى آخر الاتهامات من هذا النوع [142] ".  
لقد اكتسبت شخصية قاسم المهنية/ السلوكية والسيكولوجية الرضى من ذاتها ومن المحيطين بها، بل وحتى من أعداءها. طالما أن " أكثر فضائل الإنسان نبلاً لا تظهر إلا في الحرب والشجاعة والتقشف والإخلاص للواجب والتضحية بالنفس ". " إن الحرب عجلت بالذين لهم الاستعداد للاصابة بالامراض النفسية أن يقعوا صرعى أمراضهم في الحال... لان حسن استخدام الجيوش يتوقف على حسن استخدام الطاقة المعنوية ومعرفة الطبيعة النفسية وما تشعر به ووضع الانسان المناسب في المكان المناسب   ".[143]
 ونال قاسم شهرة استنبطت  مقوماتها من معرفته، التي هي أساس السلوك كما يقول علماء النفس، ومن فعاليته العسكرية التي أظهرت نسقها التركيبي كقيادة ناجحة، ألهمت من جهة أتباعه وفي الوقت نفسه زرعت الرعب النفسي في القوى المعادية التي لم تتوان من توزيع المنشورات التحريضية، ضمن الحرب النفسية، ضد عمليات الجيش العراقي، الذي وصفه منشور إسرائيلي بعبارة " الجيش العراقي المستبد والمرعب "، وضد قيادته الوسطى المقاتلة وذكرت المقدم الركن عبد الكريم قاسم بالاسم حيث حملته مسؤولية زج الجنود والمراتب بالقوة في العملية العسكرية عندما يتساءل المنشور " وهل المقدم عبد الكريم يريد أن يجعلكم عبيداً بعصاه؟ [144] ".
 حاول المنشور الاسرائيلي الضرب على الوتر الحساس في العلاقة التي كانت سائدة بين الضباط والمراتب في الجيش العراقي،التي كانت في الكثير من مفاصلها تبتعد عن العلاقة الإنسانية وتتسم بالتعالي والجبروت، لذا خاطبهم المنشور بترك القتال وعدم الصبر على ما يلحقه الضباط بهم من إهانة واحتقار وتميز.[145]
 هذه السمعة التي نالها الزعيم قاسم, قد رصدها أحد الكتاب الإسرائيليين أبان الحرب عندما قال:
" خدم في فلسطين ما بين 1948-1949 واشترك في القتال الذي وقع للاستيلاء على مركز بوليس جيشر. وقاد قوات كفر قاسم، وكان من الضباط العراقيين القلائل الذين استطاعوا كسب تعاطف عرب فلسطين [146] ".
 كما وَصَفَ قاسم باعتباره قائداً منتصراً في كل المعارك التي خاضها.. خاصةً وأن البطولة تمثل في أحد جوانبها رمز للقوة التي يستخدمها الإنسان في صراعاته من أجل بقاءه.. وعلى الأخص عندما يتعلق بغايات مبررة اجتماعياً وتعكس ضرورة تاريخية تحمل سمات جمعية في بعدها الإنساني . من هذا المنطلق ساهم الكثير من الضباط العرب في القيادات الوسطى ومنهم عبد الكريم قاسم، في هذه الحرب لما تحمله من بعض أوجه هذه الضرورة، التي أنعست في الإصرار على تغيير الأنظمة التي ساهمت في  تمرير هذه المهزلة.
وتأسيساً على ذلك برز عبد الكريم قاسم ونظر إليه بإعجاب " وقد كرمته القيادة العسكرية بكتاب شكر أدناه مختصره كما ورد في المصدر الذي عثرنا عليه:
1- من : قائد القوات العراقية في فلسطين
 إلى آمر رتل المجامع ( ف1ل1 ) المقدم الركن عبد الكريم قاسم
رقمه 349 في 14/6/1948
ومحتواه، الشكر على جهوده المنطوية على العزم والجرأة وخصوصاً منها العمل الأخير : جلب مدافع هاون3 عقدة التي سبق أن فقدها ف1ل1 في منطقة كيشر.
 
2- من قائد القوات العراقية
إلى آمر ف1ل1 المقدم الركن عبد الكريم قاسم
رقم 266 في 24/8/1948
ومضمون الشكر يخص الأعمال المنطوية على الشجاعة التي قامت بها قطعاته ضد العدو واسترجاع المواقع التي احتلها وتكبيده خسائر لا باس بها واغتنام أسلحة منه .
ونال هذا الشكر عبد الكريم قاسم  بعد أن قاد سرية مشاة بنفسه وطرد اليهود من الربايا التي احتلوها ، ولم ينسحب اليهود من المواقع انسحابا عسكريا منتظما بل هربوا هروبا مخزيا ، وتركوا في مواقعهم جميع أمتعتهم  [147] ".
 
لقد طفقت سمعة الزعيم قاسم داخل المؤسسة العسكرية العراقية لفترة طويلة بعد حرب فلسطين، وقد شخصها أحد الضباط السابقين في أواسط الخمسينيات بالقول:
" ومنذ تعين العقيد الركن عبد الكريم قاسم آمراً للواء التاسع عشر في معسكر المنصور أخذت أنظار كافة الضباط الاحرار وبمختلف الاتجاهات تتطلع نحو عبد الكريم قاسم للميزات التي كانت متوفرة لديه كقائد كفوء وشخصية وطنية نظيفة وأفق عالي من التفكير والالتزام والإقدام يحقق آمالنا في التحرر والانعتاق، ويعتبر القاسم المشترك لكافة الأفكار الوطنية من قومية وديمقراطية واشتراكية، وكان عراقيا ًيحب شعبه وأمته العربية بدون مباهات أو مغالات[148] ".    
كماعكس قوة سمات الزعيم قاسم, أحد قواد الفرق العسكرية في منتصف الخمسينيات في حوار له مع عامر عبد الله عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي آنذاك والتي صاغها بالشكل التالي:
" كان الحزب يقوم باستطلاعات واسعة للتعرف على القوى المساندة والمناوئة للحركة في صفوف الجيش، وأذكر من ضمن مساعي الحزب في هذا المضمار محاولة استكشاف موقف قائد الفرقة الثانية في كركوك، صالح زكي توفيق، وبالفعل فقد نظم لقاء معه على العشاء في دار كمال عمر نظمي في خريف1956، وأجرى معه حوار لطيف يتناسب مع طبيعته الهازلة. فقد أشار إلى أنه شأن جميع العسكر في العراق – على حد قوله- ليسوا فرساناً في هذه القضية الخطيرة، التي تحتاج إلى علم وفلسفة- كما هو الحال بالنسبة إلى عبد الناصر وجماعته. ولكنه استدرك (وكان هذا أمراً باعثاً على الدهشة) بأن شخصاً واحداً فقط يستطيع أن يفعل شيئاً وهو عبد الكريم قاسم..وأنه مستعد لتأييده. ثم بدأ يطري على جسارته في القتال إبان حرب فلسطين ويؤكد بأنه مغامر من طراز فريد  [149] ".
ويقيم الأكاديمي مجيد خدوري مساهمة قاسم في هذه لحرب (5/5/48-11/6/1946) بالقول:
  " فلم يكن اشتراك قاسم في حرب فلسطين 1948-1949بأقل أهمية من سائر اختباراته العسكرية. فالضباط العراقيون لم يشتركوا في العمليات العسكرية في تلك الحرب اشتراكاً فعالاً بسبب طبيعة المهمة العسكرية التي أنيطت بهم. ولكن على الرغم من هذا فإن قاسم وجد في تلك الحرب سانحة لإظهار كفاءته وشجاعته وحسن اهتمامه بشؤون الجنود الذين كانوا تحت إمرته. ويظهر سجله العسكري في تلك الحرب أنه كان موضع ثناء على شجاعته وانضباطه. كما كان موضع تقدير الجنود والضباط على السواء [150] ".
لم تكن مسيرة قاسم في هذه الحرب مقتصرة على الجوانب العسكرية فحسب. بل ساهم مساهمة جدية في جمع شمل الضباط المسيسين المستاءين من هذه (اللعبة) ليبدأ مرحلة جدية من حياته السياسية/ العسكرية والتي تمحورت حول  مساهمته في إنضاج الظروف الذاتية للظاهرة الجديدة التي أطلق عليها ظاهرة {حركة الضباط الأحرار} باعتبارها تمثل مرحلة نوعية مراحل تطور المؤسسة العسكرية. كذلك لكونها تعبير عن تعمق الوعي السياسي لدى الفئات المتعلمة والمثقفة. والتي كانت فلسطين, كجغرافية وفكرة, الارض التي مهدت لبروز الاشكال الجنينية الاولى للحركة, والتي راكمتها جملة التراكمات الكمية للسياسية العملية وتغيراتها النوعية, لنخب الحكم منها مثلاً, موقف مثلث الحكم( مؤسسة العرش, رئاسة الوزارة والسفارة البريطانية), بعد الحرب, عندما ألقى باللوم على الجيش في اخفاقه في هذه الحرب.
 كما أن ممارسة النخبة السياسية الحاكمة بالتناسق مع القوى الخارجية( بريطانيا واسرائيل) هي الأخرى شجعت بصورة غير مباشرة على بلورة ديمومة ظاهرة حركة الضباط الأحرار وذلك: " حين أعلن عن قيام دولة إسرائيل في فلسطين أوعزت الحكومة البريطانية إلى الحكومة العراقية لتشريع قانون يجيز لليهود أن يهاجروا إليها بهدف دعمها وتعزيز فوتها. فاستجابت الحكومة العراقية في الحال. وتقدمت بلائحة قانونية إلى مجلس النواب في 2أذار1950تقضي بإسقاط الجنسية عن كل يهودي يرغب في الهجرة, على أن يسري هذا القانون لمدة سنة من تاريخ تنفيذه, وطلبت من مجلس النواب مناقشة لائحتها هذه بطريقة الاستعجال. وتحقق لها ما أرادت. إذ أقرها المجلس النيابي ثم مجلس الأعيان في 4 أذار1950, ووضعت مختلف التسهيلات لنقل المهاجرين بما فيها تنظيم رحلات جوية غير قانونية, والطيران من بغداد إلىإسرائيل مباشرة. وكانت الشرطة العراقية تشرف بنفسها على تهريب من يرغب من اليهود إلى إيران بالسيارات الحكومية إما عن طريق خانقين أوعن طريق شط العرب. ولكن رغم كل هذا فلم يترك العراق سوى23 ألف نسمة في نهاية العام من مجموع ما يزيد عن 135 ألف نسمة. لذلك عمدت الدوائر الصهيونية إلى تفجير القنابل في الاحياء السكنية اليهودية وفي محلات العبادة اليهودية, بغية إحداث الرعب بين أوساطهم وحملهم على الهجرة. وكانت الصحف القومية من جانبها, لا سيما جريدة(اليقظة) لصاحبها سلمان الصفواني, تثير الهلع بين اوساط اليهود بما تنشره من مقالات تهديدية وعنصرية  [151] ". كما " وصفت جريدة لواء الاستقلال ( جريدة حزب الاسنقلال- ع.ن) اليهود بأنهم الدخلاء الغرباء عن هذا الوطن بمشاعرهم وعواطفهم وتصرفاتهم... وقد اكتشفت السلطات المسؤولة مؤسسة صهيونية سرية تدعي(تنوعة) مهمتها تهيئة الشباب اليهودي للعمل في اسرائيل, وعثر على كميات كبيرة من مختلف الاسلحة والمتفجرات مع بعض الوثائق عن هذه المنظوة الصهيونية   [152]".
وقد نجحت هذه السياسية في إجبار الكم الهائل من اليهود على ترك العراق عنوةً, إذ هاجر إلى إسرائيل بعد مضي عام على قانون اسقاط الجنسية ," اكثر من 100 ألف يهودي وقد احتكر نقلهم من قبل شركة طيرات امريكية, وكانت الحكومة تحث على سرعة تسفيرهم. وبقى في العراق بضعة الآف يهودي بضمنهم بعض الشخصيات البارزة  [153] ".      
في الفصل التالي سوف نلاحق بالدراسة ظاهرة الظباط الاحرار كحركة نوعية جديدة ونلقي الضوء على دور الزعيم قاسم فيها.
 
 
 
 
 
 
 


[1]   يشير البعض ومنهم هديب الحاج حمود إلى ان عبد الكريم قاسم حاول الانتساب إلى الكلية العسكرية حال تخرجه من الثانوية.. لكنه لم يقبل في حينه.. ولم يستطيع تبيان سبب عدم قبوله, مقابلة بتاريخ 7/4/ 2004.. وأكد هذه المعلومة فيصل فهمي سعيد.. وهو بدوره لم يشرح سبب عدم قبوله..مقابلة في17/10/2003
[2]  مستل من اليعازر بعيري، مصدر سابق، ص.358
[3]  لقد سبق لمحمد علي جواد أن أغرى الأديب مصطفى علي على الانتساب إلى الكلية العسكرية، وأنتسب إليها فعلاً ودرس مدة ثلاثة اشهر فيها ، إلا أنه خرج منها لأن الحياة العسكرية ودروسها لم تكن تلائم طبعه واتجاهه في الحياة، فقرر الانتساب إلى كلية الحقوق عام 1925، للمزيد راجع عبد الحميد الرشودي، مصدر سابق ،الصفحتان. 18، و29
[4]  حول دور هذا الضباط وعمله في القوة الجوية ، يمكن العودة إلى العديد من المراجع التي تحدثت عن العسكر في ثلاثينيات القرن الماضي، بغض النظر عن موقفه السياسي والصراع الذي كان محتدماً آنذاك بين مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية أو/و ضمن نخبة الحكم. راجع للمزيد: تاريخ الوزارات العراقية لعبد الرزاق الحسني؛ د. محمد حسين الزبيدي، الملك غازي ومرافقوه, د. لطفي جعفر فرج، الملك غازي ودوره؛ مذكرات ناجي شوكت؛ محمود الدرة، الحرب العراقية البريطانية،د. عبد الرحمن البزاز، العراق بين الاحتلال والاستقلال. مصادر سابقة.
[5]  زكي خيري، صدى السنيين في ذاكرة شيوعي مخضرم، ص. 90 دار النشر والتاريخ بلا. ويكرر القول في ذات الصفحة : " أشتهر محمد علي جواد قائد القوة الجوية...  بكونه وطنياً شهماً وجسوراً ولم يكن يميل لدول المحور" .
[6] ينكر حامد قاسم ذلك أن عبد الكريم " قدم طلباً إلى المدرسة العسكرية للالتحاق بها، فقبلوا طلبه دون أية وساطة … في الوقت نفسه قيل لولا وساطة محمد علي جواد لم يقبل عبد الكريم قاسم " شامل عبد القادر، هامش ص. 43. مصدر سابق. كما نفى رعد عبد الجبار أن يكون خاله عبد الكريم قد قد سبق وأن قدم إلى الكلية العسكرية ولم يستطع تأكيد الوساطة.. التي اعتبرها مسألة طبيعية في المجتمع العراقي وذلك نظراً لعمق العلاقات الابوية وتأثير رابطة الدم  في الوعي الاجتماعي وكمصدر من مصادر القوة والانتساب. مقابلة معه في 8/4/2004.
[7]  للمزيد راجع إليعازر بعيري, مصدر سابق, ص. 327-333.
[8] إليعازر بعيري, ص.295, مصدر سابق.
[9]  للتدليل على هذا التطور نسوق الجدول أدناه الذي يوضح التطور الكمي والرقم القياسي لمنتسبي الجيش للفترة 1921-1941 وعددهم النسبي لكل  ألف  من  السكان                                     سنة  الأساس 1922
 السنة         العدد            الرقم القياسي        العدد النسبي لكل1000 من السكان       الملاحظات
1922       3618               100                  ـ                   
1924       5772               160                  ـ
1925       7500               207                  ـ
1932       9869               273                  -                       منهم 549 ضابطاً أي 5،6%
1933       11500             318                   4
1936       20300           561                    6                       منهم 800  ضابطاً، أي  3.9%
1939       28000           774                     -                      منهم 1426 ضابطاً أي 5.1%
1941      47000            1299                   11                    منهم 1745 ضابطاً  أي 3,7%
المصدر: أعددنا الجدول واستخرجنا النسب من مصادر متعددة منها: حنا بطاط. ج.1؛ سمير الخليل، جمهورية الخوف؛ جرجيس فتح الله، آراء محظورة؛ عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات ج.6.د. رجاء حسين خطاب’ تاسيس الجيش. وكلها مصادر سابقة.
[10]  مستل من جمال مصطفى مردان ، مصدر سابق، ص. 15
[11]  .د. مجيد خدوري ، العراق الجمهوري، مصدر سابق.ص. 108.
[12]  حامد مصطفى مقصود، ثورة 14 تموز، ص. 194، مصدر سابق." يقول مصطفى علي وزير العدل الأسبق: كان يلحظ في عبد الكريم قاسم منذ أن كان غلاما ًقوة بدنية تفوق ما كان يتمتع به أي فرد من أفراد عائلته "، ذات المصدر هامش ص. 194.
[13]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء الأول ، ص. 31.
[14]  سنعود ثانية إلى هذا الضابط في الفصل الخامس عندما نبحث موضوعة التكتلات في المؤسسة العسكرية.
[15] مير بصري، موسوعة، ص. 246، مصدر سابق.
[16]  مستل من أحمد فوزي، الساعات الخيرة، ص. 23 ، مصدر سابق. كان عبد الكريم مصابا بمرض الزحار حسب ما ذكره مؤلفو دليل الجمهورية العرافية لسنة 1960.
[17] يقصد بها الانتفاضة الفلاحية التي اندلعت في قضاء سوق الشيوخ الواقع جنوب شرق مدينة الناصرية والتي تبعد في حدود 30كم عنها. وقد سيطر الفلاحون على المدينة ما يقارب عدة أسابيع أقاموا سلطة العشائر المتحالفة فيها بعد طرد موظفي الدولة. وتم القضاء عليها عندما  اقتحمتها القوات الحكومية والمجهزة بالسلاح الحديث .وكانت الحملة بقيادة بكر صدقي .
[18]  عبد الكريم الجدة ص.  15-16، مصدر سابق.
[19]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء السادس ، ص. 19، وأعتقد أن ما صرح به الزعيم من أنه يمت بصلة قربى بكامل شبيب ربما يعود إلى حيطته وحذره من غضب السلطة التي قضت على حركة مايس وأعدمت قادتها وطاردت أنصارها. وقد استمرت هذه الرعاية لحين إعدام الزعيم قاسم. وقد سبق له أن عين ابن كامل الملازم عوض في مكتبه في وزارة الدفاع لغاية إحالته على التقاعد في البيان الثاني لانقلاب شباط 1963.
[20]  شهد ت السنوات الأولى لمرحلة الاستقلال الكثير من الحركات الفلاحية والعشائرية والتي اغلبها كان يتم بالإيعاز من كتل الحكم المتنافسة والمتخاصمة، والتي قمعت بقسوة بالغة أثارت مخاوف حتى بعض أعضاء النخبة السياسية الحاكمة.. وقد رافقها أيضاً الطرد الكيفي للجماهير الفلاحية بعد تجريد العشيرة من الملكية  الحقوقية الجماعية للأرض وتسجيلها باسم رئيس العشيرة، وكذلك بالاستيلاء على أراضي الفقراء منهم في المناطق المجاورة كما مر بنا ..بعض من هذه الحركات كانت تكمن دوافعها عند الفلاحين غير ما كانت عند شيوخهم ( الإقطاعيين الجدد) وقد تم رصد أكثر من 13 حركة عمت عموم القطر.. وقد ساهم الجيش في إخمادها .. واصبح بطلاً؟!
[21]  مستل من حامد مقصود، ثورة 14 تموز، ص.190، مصدر سابق.
[22]  عبد الكريم الجدة، ص. 18 ، مصدر سابق.
[23]  لم يكن شبيب آنذاك يمثل أحد مركز القوى في الجيش العراقي، إذ لم تكن رتبته العسكرية تؤهله لذلك. كما أنه لم يكن منتمياً إلى الكتلة القومية في حينه وقد أصبح عضواً في قيادتها بعد ترقيته لرتبة عقيد ركن وتحمله مسؤولية وحده عسكرية فعالة بعد عام 1937. كما ليس معروفاً لدى الكثير من الباحثين سر ما أورده صلاح الدين الصباغ حول كامل شبيب الذي وصفه بالقول : " وهو عربي الأصل والشعور، يمقت الاستعمار والإنكليز، لكنه أناني، فردي، يغدر بصاحبه، وينقلب حية سامة في أقل من لمح البصر إذا وجس خطراً وهو في ساعة المحنة ثعلب جبان، وبعد النصر غضنفر هصور. وقد يخون مبادئه ويتناسى معتقداته لفرط جبنه وأنانيته. تلك الخصال دفعته إلى خيانة مبادئه والتأثير على جنود فرقته والكيد لأصدقائه. فكان أحد عوامل فشلنا في قتال الإنكليز وعدم استمرارنا فيه". فرسان العروبة، ص. 32-33، مصدر سابق. هذا الموقف المتشنج والذي يعبر عن عمق في  الخلاف بين العقداء لم نجد له تفسير. والقول بذلك غير مبرر.
[24]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء الأول ،ص. 15 ، مصدر سابق.
[25]  وحول هذه الانقلابات وطبيعتها وما تميزت به، راجع كتابنا، عبد الكريم قاسم في يومه الخير-الانقلاب التاسع والثلاثون، الفصل الأول ، ص. 55-67، بيروت 2003، توزيع دار الحصاد, دمشق.
[26]  رغم أن وزارة المدفعي الرابعة (17/08/37-24/12/1938) التي خلفت حكومة الانقلاب نجحت نسبياً في الحد من غلواء الثأرية التي طالب بها أعضاء نخبة الحكم المتضررة من انقلاب بكر صدقي، وقد تبنى المدفعي سياسة [ إسدال الستار عن الماضي ]. لكن وزارة  السعيد الثالثة (25/12/38-05/04/1939) التي فرضها الزعماء السبعة أعادت عجلة الانتقام بصورة مفضوحة إذ " في 6 آذار/مارس أعلن نوري عن مؤامرة مزعومة… وكان المتهمون الذين أعلن عبد الإله عن أسماءهم ، أنصارً عسكريين ومدنيين لانقلاب بكر صدقي ومن أعداء نوري نفسه" وعلى رأسهم حكمت سليمان رئيس وزراء حكومة الانقلاب. راجع حنا بطاطو، ج. 1 ص.377 ، مصدر سابق.
[27] محمود الدرة، قاسم كما عرفته، مجلة الحد، بيروت في 04/10/1959، مستل من احمد فوزي، الساعات الأخيرة, ص.23 مصدر سابق. علماً بأن الدرة كان من أوائل الضباط المتقاعدين الذين انخرطوا في الانقلابات المضادة لقاسم .. ويحمل ضغينة ضده . وقد ساهم في انقلاب الشواف وادعى صياغة بيان الانقلاب رغم نفي بعض المشاركين الأساسيين لدوره حيث أقحم نفسه إقحاماً، راجع بطاطو، الجزء 3، فصل انقلاب الشواف.
[28]  عزيز سباهي، عقود من تاريخ، ص. 144، مصدر سابق.
[29] د. نضر علي أمين الشريف، محمد فهمي سعيد، الدور العسكري والسياسي في تاريخ العراق المعاصر، ص.183، من منشورات بيت الحكمة، سلسلة الإعلام ، بغداد 2002.
[30]  أصدر الزعيم قاسم في 04/09/1958 القانون رقم 23 لسنة 1958 ، قانون العفو العام عن الجرائم السياسية التي وقعت في المدة من أول أيلول 1939 وإلى ما قبل 14 تموز 1958، الذي بموجبه أعاد المكانة للعقداء الأربعة اعتبروا شهداء للوطن. كما شمل القانون الشهيد يونس السبعاوي ورشيد الكيلاني، كما شمل الضباط الأكراد الذين سبق وأن التحقوا بالثورة الكردية عام 1945 وأعدموا الحياة بعد استسلامهم للسلطة الملكية. ومن جانب أخر أسبغ الزعيم قاسم رعايته الشخصية لعائلة كامل شبيب بعد إعدامه الحياة . كما عين محمد سلمان عام 1961 وزيراً للنفط تكريماً للعقيد محمود سلمان وتم طرده من والوظيفة واعتقاله من قبل انقلابي شباط 1963، لا لتهمة جنائية مرتكبة بل لكونه وافق أن يكون وزيراً في حكومة الزعيم قاسم.
[31] للمزيد  راجع د. محمد حسين الزبيدي ، الملك غازي ومرافقوه/ ص.318 / مصدر سابق. حيث يقول أن محمد علي جواد ذكر كيف أن البعثة العسكرية البريطانية كانت تمانع في تزويد العراق بسرب أخر من الطائرات في الوقت الذي يزداد فيه عدد الطيارين. وقد كلفه الملك غازي بشراء الطائرات من أية جهة كانت دون الأخذ بالاعتبار ما جاء بالمعاهدة العسكرية. وقد تم فعلاً شراء سرب كامل من إيطاليا. وعند وصولها بشر بها بكر صدقي وأفاد أنه سيطرد الإنكليز ويحرر فلسطين بهذه الطائرات. وقد كان هذا أحد أسباب القضاء عليه من قبل بريطانيا وحلفائها العراقيين.
[32]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء السادس ، ص. 13 ، مصدر سابق.
[33] المصدر السابق ، هامش ص. 13 .تتضح عدم موضوعية المؤلف في حشر موقفه المناهض من قاسم في صلب الوقائع المتداولة عنه.. حيث يضيف عبارة (حقاً أو باطلاً) فأراد بها  الإيحاء بانعدام مقياس العدالة. وهذا يتضح من تبني المؤلف لنصوص متناقضة مع الجوهر وفي الماهية.
[34] إسماعيل العارف ، أسرار ثورة 14 تموز وتأسيس الجمهورية العراقية،ص.21، دار لانا، لندن 1986
[35] راجع عماد نعمة العبادي، رفعت الحاج سري ونشاطه العسكري والسياسي 1948-1959، ص. 17، الدار العربية للموسوعات ، بيروت 2002، والكتاب هو أطروحة ماجستير في الأصل.
[36]  يذكر المصدر السابق، في ذات الصفحة، أن عدد طلاب الدورة هو 235 طالباً ..
[37] خليل إبراهيم حسين، الموسوعة ، الجزء السادس، ص. 15-16، مصدر سابق .
[38] مستل من  شامل عبد القادر,عبد الكريم قاسم – البداية والنهاية/ ص, 350 مصدر سابق.
[39] يشير صلاح الدين الصباغ في مذكراته، إلى مسؤولية نوري السعيد في مقتل الملك، وذلك عندما يورد نص طلب صباح نوري السعيد منه ومن فهمي سعيد في قتل الملك. راجع فرسان العروبة، ص. 103-112، مصدر سابق 
[40] وهذا ما أكده السفير البريطاني في تقريره السنوي عن أحداث العراق خلال عام 1935 بالقول :" الفقرة 110_ أظهر الملك خلال سنة 1935 اهتماماً كبيراً بالجيش...  وبمناسبة ذكرى اعتلائه العرش، أُقيم تحت رعايته عرض كبير اشتركت فيه جميع وحدات الجيش. وكان اهتمام الملك محل تقدير كبير من الجيش، وذلك على النقيض من قلة اهتمام الملك الراحل فيصل الأول به " وكان هذا مبعث قلق حقيقي للبريطانيين. كما لاحظ مراقب إنكليزي أن " الملك غازي أصبح رمزاً لحماسة ضباط الجيش، الذين كان معظمهم مؤمنين إيمانا قوياً بالفكرة القومية وبوحدة أخوية تجمع العرب كلهم" راجع المقدمة التي كتبها نجدة فتحي صفوت لمذكرات رستم حيدر، ص. 67 الدار العربية للموسوعات , بيروت 1988 
[41] جيرالد دي جوري ، ثلاثة ملوك في بغداد،  ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، ص.    بغداد 1984
[42] صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة ص.53، ط.2, مصدر سابق. ويشير في ذات الصفحة إلى أن نوري السعيد بذل جهود في إقناعه بعدم جدوى شراء الأسلحة من غير بريطانيا. وبعد قناعته ورئيس أركان الجيش  وطه الهاشمي الذين أوقفوا التعامل مع الدول الأخرى المصدرة للسلاح . وتم فعلاً صرف النظر عن شراء أسلحة من ألمانيا " كانت مرزومة وعلى أهبة الشحن فعلاً. ولكن سرعان ما عاد الإنكليز سيرتهم الأولى فنكثوا عهودهم، وعاد الجيش إلى التوسل والتضرع وبذل الجهود. وأخيراً وصلت الشحنة الأولى فلم نجد ما طلبناه من مدافع ودبابات، وما ينقصنا من أسلحة ومهمات، بل وجدنا أكياساً للرمل وأحذية للجنود مصنوعة في الهند وقد قيدت أثمانها على حسابنا على أنها من جملة المهمات العسكرية ، فبلغت ثمانماية ألف دينار عراقي ".
[43]  د. لطفي جعفر فرج، الملك غازي ودوره في سياسة العراق في المجالين الداخلي والخارجي 1933-1939، ص. 72، مكتبة اليقظة العربية بغداد 1987
[44] د. محمد حسين الزبيدي ، الملك غازي ومرافقوه ، ص. 318 ، بغداد 1989.
[45] القول إلى نيتشة، مستل من جرجيس فتح الله، العراق في عهد قاسم ، ج. الثاني ، ص. 527، مصدر سابق .
[46] حامد مقصود، ثورة14 تموز ، ص. 196، مصدر سابق.
[47] خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء السادس / ص. 18، مصدر سابق.
[48]  لقد سبق وأن دخل عبد الكريم قاسم المستشفى عام 1938 لكن لم يتضح لنا ما أسباب ذلك، وكان برتبة ملازم أول وأثناء دراسته في دورة الرمي وقيادة الحضيرة، لكنه لم يكمل الدورة بسبب ذلك المرض بعد أن أكمل ثلاثة أرباع مدتها. لكن معلمي الدورة رجعوا إلى درجاته السابقة وأخذوا معدلاتها وكانت النتيجة نجاحه بالدورة بدرجة أولى. راجع خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6. هامش صفحة 18 مصدر سابق .
[49]  عبد الكريم الجدة، ص. 18، مصدر سابق.
[50]  شامل عبد القادر ، ص. 28، مصدر سابق.
[51]  عبد الكريم الجدة ، ص. 14. مصدر سابق
[52]  البارانويا Paranoja هو أضطراب نفسي يأخذ شكل الاوهام. وغالباً ما يظهر على المريض بشكل شعور كونه مطارد ويرافق ذلك شعور جنون العظمة. ومما يميز هذا المرض النفسي هو ظهور هذان العارضان مرة واحدة بصورةٍ مباشرةً وعلى وجه ثابت لا يجدي معه اقناع المريض بعكسه بأي دليل أو جوار نفسي.
[53]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6،ص. 17- 19, مصدر سابق.
[54]  كان تصنيف الخرجين يتم وفقاً لثلاثة مستويات: المستوى الأول هم الطلبة الذين ينالون درجة (أ ) حيث معدل درجاتهم العامة بين 85 -100 التي هي درجة النجاح القصوى؛ والمستوى الثاني للذين ينالون درجة ب حيث معدل درجاتهم تتراوح بين 50- 84  وهي درجة النجاح الصغرى. والمستوى الثالث من ينال اقل من 50 ، ويعتبر راسباً .
 
[55] خليل إبراهيم إسماعيل في الموسوعة، ج.6، هامش ص. 20  
[56]  حول هذا الموضع راجع ليث الزبيدي ، مصدر سابق، خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، مصدر سابق، مذكرات أعضاء الهيئة العليا، منهم عبد الكريم فرحان، صبيح علي غالب، وغيرهم. كذلك أحمد فوزي، عبد السلام عارف: سيرته.. محاكمته.. مصرعه، بغداد 1989،مطبعة الديواني. وهذا ما سنعود إليه لاحقاً
[57]  حول هذا الموضوع، راجع خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء السادس ،ص. 99 وما بعدها، مصدر سابق.
[58]  راجع دفاع عبد السلام عارف، أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة (محكمة الشعب.) الجزء الخامس ص. 426. وزارة الدفاع  1959 بغداد
[59] أحمد فوزي، ص. 21، عبد السلام عارف، مصدر سابق 
[60]  تشير الوقائع إلى أن عبد الكريم قاسم عندما نقل إلى ضابط ركن اللواء في الناصرية كتب إلى المراجع العليا في وزارة الدفاع شكوى ضد آمر اللواء متهماً أياه بالتواطئ, وعلى ضوئها ألفت الوزارة  " مجلس تحقيقي بأمر القيادة وقصر آمر اللواء وأحيل إلى محكمة عسكرية يرأسها العميد مصطفى راغب الذي برأ آمر اللواء… وانتشر الخبر بين الضباط وشاعت جرأة وشجاعة عبد الكريم قاسم وتحدث الركبان عن نزاهته وقوى مركزه عند  قائد المنطقة " خليل إبراهيم حسين ، الموسوعة، ج. 6 ، ص. 21-22، مصدر سابق . 
[61]  يمكننا القول أن القوى المذكورة أعلاه تمثل العناصر الأرأسية التي كانت تتحكم في القرار السياسي المركزي، ولكن هذا لا يمنع من وجود قوى رئيسية أخرى تؤثر بهذه الدرجة أو تلك على ذات القرار منها: مجلسي الأمة ( الأعيان والنواب)؛ المؤسسة العسكرية؛ الأحزاب الوطنية المعارضة والمتحكمة إلى حد كبير بالشارع السياسي.
[62]  كشفت الصيرورة التاريخية لثورة 14 تموز عن كون عامل التدخل الخارجي كان يمثل أحد أهم المعاضل التي وقفت عندها حركة الضباط الأحرار.. لذا أوفدت الهيئة العليا صديق شنشل إلى الرئيس عبد الناصر للتشاور حول مدى مساهمته والدول الاشتراكية في دعم الثورة عند حدوث تدخل خارجي. كما أوفد الزعيم قاسم كل من حسين جميل ومحمد حديد، بصورةٍ انفرادية إلى الرئيس عبد الناصر حول ذات الموضوع، كما طرح قاسم هذه المشكلة مع وفد العربية المتحدة  بقيادة عفيف البزري الذين تقابل معهم حول ذات الموضوع قرب الحدود العراقية –السورية. كما أنه أوفد ممثله رشيد مطلك إلى قيادة الحزب الشيوعي العراقي ليطلب منهم استطلاع رأي الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية حول إمكانية مساعدتهم لحماية الثورة المقبلة من التدخل الخارجي. وهذا ما قام به كل من سلام عادل وعامر عبد الله. وهذا ما سنلقي الضوء عليه في الجزء الثاني من خطة هذا الكتاب.حول هذه الموضوعة راجع للمزيد :ليث الزبيدي ، ثورة 14 تموز في العراق مصدر سابق؛ عامر عبد الله، عن ثورة تموز، مجلة الثقافة الجديدة  العدد 144 لسنة 1983، كذلك مقالته، الاتحاد السوفيتي وثورة تموز- موقف تاريخي مشهود، جريدة الغد الديمقراطي، العددان 57 و 58 تموز و آب 1988؛  ثمينة ناجي يوسف ونزار خالد، سلام عادل – سيرة مناضل، دار المدى 2000؛ جعفر عباس حميدي، التطورات والاتجاهات السياسية الداخلية في العراق 1953- 1958، ،ط. 1، بغداد 1980.
[63]  سامي قطان ، وداعاً بابل، ص. 94، مصدر سابق.
[64]  توفيق السويدي، مذكراتي – نصف قرن من تاريخ العراق الحديث، بيروت دار الكتاب العربي 1969 .
[65]  راجع نص وثيقة وزارة الخارجية البريطانية إلى سفارتها في بغداد ، لدى د. وليد الاعظمي، إنتفاضة رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية- البريطانية، ص. 128، دار واسط للنشر، بغداد 1986.
[66]  عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج.6، ص.225، مصدر سابق.
[67] حنا بطاطو ، الجزء الثالث، ص. 75، مصدر سابق. واعتقد أن ما أورده المؤلف غير دقيق والرقم الأقرب إلى الصحة هو ما أورده وليد الاعظمي ص. 129، مصدر سابق. إذ طال التقليص نصف الجيش وليس ثلاثة أرباعه.
[68] وقد تماثل هذا الموقف مع موقف الحكومة البريطانية التي ضغطت على الخديوي المصري محمد توفيق بحل الجيش  وتم لها ذلك بعد إخفاق حركة عرابي عام 1882, حتى أمست القطيعة الشاملة بين الأسرة الحاكمة المصرية ومصر بكاملها جيشاً وشعباً. راجع الجيش والحركة الوطنية, بإشراف د. أنور عبد الملك, ترجمةحسن قبيسي, ص. 83, دار ابن خلدون 1971, بيروت
 
[69]  حول هذه النقطة راجع عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات ،الجزءان الرابع والخامس، مصدر سابق. كذلك د. رجاء حسين خطاب، تأسيس الجيش، ص.57 ، مصدر سابق. صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة، مصدر سابق.
[70]  ستيفن لونكريك، ص. 567، الجزء الثاني، مصدر سابق.
[71]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ص. 29، ج.6.
[72]  حنا بطاطو, ج.الأول ، ص. 381، مصدر سابق.
[73]  المصدر السابق، ص. 382
[74]  راجع للمزيد ..خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6، ص. 23 –27.
[75]  مسعود البرزاني, البرزاني وحركة التحرر الكردية, ص. 125, ج.1,ط.2, منشورات كاوا, بيروت1997.
[76] هو شقيق الضابط نجيب الربيعي/ رئيس مجلس السيادة للفترة 1958- 1963، وكلا الأخوين من ضباط دورة الكلية العسكرية لعام 1925.
[77] مسعود البرزاني, البارزاني وحركة, ص.126- 129,ج.1, مصدر سابق.
[78] حامد الحمداني, صفحات من تاريخ العراق الحديث, الكتاب الأول  1915-1958, الفصل العاشر, مستل من موقع الباحث على شبكة الانترنيت العالمية www.safahat.150.com . للمزيد مسعود البارزاني, البارزاني والحركة التحررية, ص. 125 وما بعدها, ج.1, مصدر سابق.
[79] مستل من كتاب الاكراد والمشكلة الكردية, القسم الثاني/ الأكراد في العراق- ثورة برزان الثانية, المنشور في موقع moqatel.com www.
[80] خليل إبراهيم حسين, الموسوعة, ج. 6, ص. 24, مصدر سابق.
[81]  مستل من دليل الجمهورية العراقية لعام 1960, مصدر سابق.
[82]  مسعود البارزاني, البارزاني, ص. 56, مصدر سابق.
[83]  مستل من جرجيس فتح الله, العراق في عهد قاسم- آراء وخواطر,ص.585, دار نبز,استوكهولم 1989. ويشير ليث الزبيدي في كتابه القيم ثورة 14 في العراق ص.226, استناداً لقول حسين جميل إلى أن الوزيران في الوزارة الأولى للثورة, محمد حديد وصديق شنشل, إتصلا به وكلفاه, حسب قرار مجلس الوزراء حسب ما اعتقد وإن لم يذكر ذلك, "بوضع مسودة دستور مؤقت . وقد طلبا منه أن يراعي في عمله نقطتين هما: النص على أن العراق جزء من الأمة العربية, وعلى أن العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن‘لى أن يقتبس هذا النص من منهاج حزب المؤتمر الوطني الذي تقرر انشاؤه في حزيران 1956 من حزبي الاستقلال والوطني الدبمقراطي ".
[84]  مسعود البرزاني, البارزاني, ص.53, مصدر سابق.
[85] البرفسور ميثم الجنابي, العراق بين الانتماء القومي والوطني, مجلة الديموقراطية, دار الاهرام, القاهرة العدد15, لسنة 2004, ص. 53.
[86]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.1، ص. 199.
[87]  محمد مهدي الجواهري ،المذكرات ، الجزء الثاني ، ص. 176، مصدر سابق.
[88]  حول هذه الزيارة، راجع سليم طه التكريتي، محمد مهدي الجواهري ، دار الريس ، لندن 1986.
[89]  محمد مهدي الجواهري، المذكرات ، الجزء الأول، ص. 473، مصدر سابق. وقد ثمن الجواهري موقف قاسم من الادباء بالقول: " يمكن أن تتعجب إذا قلت لك أن "الزعيم" كان كثير التهيب في علاقته مع الأدباء وكان أول بيت زاره في العراق, بعد الثورة, هو بيتي وقد تكررت الزيارات" مستل من د. عبد الحسين شعبان, الجواهري, ص. 154, مصدر سابق.
[90]  قال يصف اقامته في لندن:
     مَلِلتُ مقامي في لندنـا     مقـامُ العذارى بدور الزنا
     مُقام المسيح بدار اليهو     دِ مُقام العذاب مقام الضنى
[91] حسن العلوي, الجواهري ديوان العصر, ص.195-196,وزارة الثقافة السورية , دمشق 1986. ويقول العلوي في نفس الصفحة أن "صحفي بريطاني قد التقط في تلك اللحظة صورة للجواهري وهو يمد يده وأصابعه قريبة من عيني(كرنواليس)ونشرت هذه الصورة النادرة على الصفحة الأولىلاحدى الصحف البريطانية ".
[92] محمد مهدي الجواهري، المذكرات, الجزء الثاني، ص. 171-172, مصدر السابق.
[93]  د. محمد حسين الاعرجي, الجواهري دراسة ووثائق, ص. 167, دار المدى 2002 دمشق.
[94] حسن العلوي، الجواهري ديوان العصر،ص. 196 مصدر سابق.
[95] د. محمد حسين الاعرجي, الجواهري, ص. 163, مصدر سابق.
[96]  المصدر السابق، ص. 198، ويشير ذات المصدر، في نفس الصفحة كيف كان قاسم يعود الجواهري إذا مرض، وكان قاسم يصوغ خبر زيارته للجواهري بنفسه لوكالة الأنباء العراقية. وقد نشرت الصحف آنذاك "صورة عبد الكريم قاسم جالساً على كرسي إلى جانب سرير الجواهري، وقد امتدت يمينه تلتمس جبهة الشاعر ].
[97] المصدر السابق, ص. 176 و182
[98] محمد مهدي الجواهري،  ذكرياتي، الجزء الثاني، ص. 179 مصدر سابق.
[99] للمزيد راجع د. عبد الخالق حسين, ثورة 14تموز 1958 وعبد الكريم قاسم ص. 191 وما بعدها مصدر سابق. كذلك د. محمد الحسين الاعرجي, الجواهري – دراسة ووثائق, مصدر سابق.
[100] للمزيد عن هذه الموضوعة، راجع المصدر السابق.  
[101] حسن العلوي، الجواهري, ص. 204-205، مصدر سابق. وينقل د. عبد الحسين شعبان ذات ماهية الموضوع في حواراته مع الجواهري حيث يحمل الزعيم, الذي أطلق عليه أستهزاءً لقب (الافندي) كما نعته بكونه قد " إختل توازنه ولم يكن تفكيره سوياً أو مستقيماً, بل كان مريضاً وإزداد مرضه عندما أمسك بناصية الحكم وإعتلى شهوة الإنفراد ". للمزيد راجع كتابه الجواهري, مصدر سابق.
[102] حسن العلوي, المصدر السابق، ص. 206.
[103]  د. عبد الحسين شعبان, المصدر السابق ص. 150.
[104] الجواهري, المذكرات, ج. 2, ص.261, مصدر سابق.
[105]  راجع للمزيد تاريخ الوزارات العراقية، ج.7  ،ص. 226 -231. وقد نجمت بالأساس هذه الأزمة من تناقض المصالح بين المصدرين للحبوب، وهم من كبار الملاك والإقطاعيين وكبار موظفي الدولة " إمعاناً في الإثراء السريع دون أن يلتفت إلى حاجة البلاد واستهلاكها المحلي، ما دام المرموقون قد أمنوا وذووهم حاجاتهم من الحبوب المعاشية ، فلم يدخل شهرا أيلول وتشرين أول 1947 إلا والبلاد تشكو أزمة حادة في الخبز…" نفس المصدر ص. 227. ومما زاد من هذه الأزمة هو سوء الأحوال المناخية  فقد قل المطر وكثر الجراد ومنيت المزروعات بأضرار متنوعة.
كذلك راجع لونكريك، العراق الحديث 1900-1950، مصدر سابق.
[106]  عزيز سباهي، عقود، ص. 282، مصدر سابق.
[107] الأكاديميان بينروز، العراق، ص. 203-204 مصدر سابق
[108] بعد فوات الأوان أقر وزير الخارجية البريطاني " جاك سترو في مقابلة صحفية له بأن ما قامت به السياسة البريطانية قبل قرن من الزمن تحصد مصاعبه الآن وهو يجيب على القضية الفلسطينية، مبيناً بأن وعد سلفه بلفور وما جره من كوارث إنسانية أسس لارتكاب جريمة تاريخية بحق شعب فلسطين. هذا الاعتراف الرسمي من الحكومة البريطانية في دورها بصنع النكبة الفلسطينية… يفضح آلية السياسة الإمبريالية البريطانية التي لم تتغير" د. كاظم الموسوي، اعتراف حكومة بلير، جريدة الراية القطرية في 30/03/2003. ومع هذا لا تزال الكثير من الحكومات العربية لا تعترف بمسؤولية حكامها، آنذاك على أقل تقدير، التاريخية والسياسية والأخلاقية في فقدان فلسطين . 
[109] الاسم مقتبس من اسم المكان الذي أبرمت فيه المعاهدة بصيغتها الأولية وهو ميناء بورتسموث البريطاني، بين الوفدين العراقي برئاسة رئيس الوزراء صالح جبر والبريطاني برئاسة رئيس الوزراء سمث ووزير خارجيته بيفن.
[110]  حنا بطاطو، الجزء الثالث، ص. 203.
[111] " يكفينا أن نشير إلى أن الحكام العراقيين ومن سار بمعيتهم كانوا أعلى صراخاً في الحديث عن فلسطين، غير أنهم كانوا في واقع الحال، أبعد أن يكونوا مدافعين حقيقيين عن الشعب الفلسطيني وحقوقه. فطبقاً لما يرويه الباحث الفلسطيني أنيس الصائغ، فإن هؤلاء الحكام منعوا جمعية إنقاذ فلسطين عن ممارسة أي نشاط وأمتنع العراق والأردن عن دفع أكثر من 12% من ميزانية الجامعة العربية، ورفض البلدان تشكيل لجنة عسكرية للإشراف على إدارة القتال وتدريب عرب فلسطين ومضايقة جيش الإنقاذ …" عزيز سباهي، ص. 399، مصدر سابق.
[112] خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء 6، ص. 32و35، مصدر سابق.
[113] المصدر السابق، ص. 36. في الوقت الذي كان السلاح متوفر في السوق الأوربية الشرقية التي كانت لديها الإمكانيات لبيع هذه الأسلحة أو التفاوض على الأقل لتطبيق قرار الأمم المتحدة الخاص بإنشاء دولتين، بالضد من إقرار ما قررته بريطانيا والولايات المتحدة باسم الأمم المتحدة وإلحاق القسم الذي خصص لدولة فلسطين بالأردن وبعض منه لمصر. علما أن سياق الحرب قد كشف عن أن القوات العربية فقدت ميزة التفوق في مجال الاسلحة الثقيلة لانهم كانوا في تواطئ مع الحكومات الغربية التي أخذت تزود القوات الاسرائيلة بها, في حين لم يصل شيء منها للقوات العربية ولم يقدموا على شراءها من خارج الدول الرأسمالية. كذلك الحال بصدد القوة الجوية التي عززت من قدرات اسرائيل في حربها الاولى هذه.
[114]  د. ممدوح الروسان، العراق وقضايا الشرق العربي القومية، ص. 261، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1979. مستل من عزيز سباهي، عقود، ص. 399، مصدر سابق.
[115] للمزيد راجع الموسوعة، ج.6، ص. 34، مصدر سابق. كذلك عبد الرزاق الحسني تاريخ الوزارات، الجزء السابع ، ص. 213 وما بعدها، ط. الرابعة, مصدر سابق.
[116]  المصدر السابق ص. 333 .
[117]  ستيفن لونكريك , العراق 1900-1950, ص. 573 , مصدر سابق.
[118] بذل مندوب أمريكا في الأمم المتحدة مسعاه " لحمل الدول الصغيرة وخصوصاً الأمريكية على تأييده...  وبدأ الوفد الأمريكي نشاطه بشكل مفضوح وعنيف… فصارت كفة مشروع التقسيم ترجح كلما اشتد ضغط الولايات المتحدة الأمريكية على حكومات أمريكا الجنوبية والدول الصغيرة سياسياً واقتصادياً حتى فاز بالتصويت في نهاية المطاف." أما دور الجامعة العربية فقد كان بائساً إذ " على اثر صدور قرار التقسيم، عقد رؤساء الحكومات العربية وممثلوها اجتماعاً في القاهرة يوم 8 كانون أول 1947م للمداولة في النتائج المترتبة على هذا القرار، واتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ مقررات جامعة الدول العربية السرية، فإذا ببعض الدول العربية يتخاذل ويتراجع، وإذا بالصفوف تتفكك… وهكذا عاد العرب إلى سباتهم وأخذ اليهود يستعدون استعدادهم التام لإقامة دولتهم المرتقبة " تاريخ الوزارات، ج.7، ص. 213-214، مصدر سابق. لكن المؤلف لم يوضح لنا ماهية طبيعة الدوافع الكامنة في تخاذل الحكام العرب ؟ ومن هي هذه الدول؟ وما هي طبيعة الضغوط التي مُرست ضدها ؟ وألم يكن هذا التخاذل هو نتاج طبيعي لموقف أغلب الحكام العرب المدينين لحاضن مصالحهم من القوى الغربية؟ مما أثار حفيظة قطاعات واسعة من القوى الاجتماعية الحية، بما فيهم الضباط ، الذين أدركوا أن هؤلاء الحكام كانوا السبب الأرأس في ضياع فلسطين، مما أحدث قطيعة لا راجعة فيها بين هذه القوى والسلطات الحاكمة. وهذا ما رصد في العراق كما سنتطرق إليه لاحقاً.
[119] باتريك سيل ، الصراع على سوريا ، ص. 16
[120]  حول هذه الموضوعة يقول الجاحظ " العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء وطاعة أهل الشام. أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة. ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث. ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء. وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأي واحد لا يرون النظر ولا يسألون عن مغَّيب الأحوال " نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة. مستل من هادي العلوي، المستطرف الجديد ص. 104، ط. 2،مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، منشورات النهج، دمشق 1986.
[121]  وفقاً لما أورده اللواء الركن خليل سعيد في كتابه ( تاريخ حرب الجيش العراقي في  فلسطين)، " أن هذه القلعة/ الحصن هو بمثابة موضع دفاعي، أنشأه الإنكليز لإيقاف الزحف الألماني الذي كان محتملاً سنة 1941-1942.وكانت هذه القلعة تتألف من حصن كبير مربع تقريباً طول ضلعه نحو 200م وقد بنى بالإسمنت المسلح ولا يقل سمك الجدار بصورة عامة عن المترين… وتحيط بالحصن ثلاثة خطوط من الأسلاك الشائكة، يثبت فيما بينها ألغام ضد الأشخاص والدبابات …" وقام كلوب باشا، رئيس أركان الجيش الأردني بتسليم الحصن إلى القوات الإسرائيلية قبل دخول الجيش العراقي بساعات. للمزيد راجع, خليل إبراهيم حسين, الموسوعة، الجزء 6، ص. 40-46.  
[122]  المصدر السابق، ص. 44
[123]  عبد الكريم الجدة, ص. 35، مصدر سابق.
[124] خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج. 6 ، ص. 43
[125] عبد الكريم الجدة، ص. 36، مصدر سابق.
[126] كان الضابط الإنكليزي كلوب (أطلق عليه العراقيون، لقب أبو حنيك عندما كان يخدم في العراق قبل انتقاله إلى الأردن) قائد الجيش الأردني المتكون من 4 كتائب، ثلاثة منها يقودها ضباط بريطانيون. كان كلوب يقود الجيوش العربية فعلياً، مما مكنه من إدارة الحرب بما يؤدي إلى تحقيق وعد بلفور وتقسيم فلسطين وليس تحريرها كما كان الملك عبد الله وغيره يصرحون. مع ذلك كان كلوب كما يروي محمد حسنيين هيكل في كتابه عروش وملوك، ص. 257 "  يواجه بمعضلة، لأن هذه المناطق واقعة ضمن ما هو مخصص للعرب بمقتضى قرار التقسيم وهو مُطالب بالدفاع عنها، ولكنه إذا فعل فسوف يجد نفسه في قتال مع الجيش الإسرائيلي وهذا ما حذرته الحكومة البريطانية منه ". و" من المفارقات أنه في ذلك الوقت كان كلوب (باشا) يحرك قواته بما يحقق له أهدافه، سواء في تسهيل تنفيذ خطة التقسيم أو بسحبها بمنطق المحافظة عليها في المنطقة الوسطى، حتى وأن تجاوز اليهود قرار التقسيم، وحتى إذا أدى انسحابها من مواقعها إلى كشف مواقع جيوش عربية أخرى ". و تسائل أمين الحسيني " لماذا أُخليت الرملة واللد وسُحبَ منها الجيش الأردني بأمر من كلوب بدون مبرر؟ وكيف منع الجنرال كلوب القوات المقررة إرسالها من كل من الجيش السوري والجيش العراقي لمهمة(فك الحصار عن الفالوجة) من المرور بأراضي شرق الأردن؟ ولماذا أمر الجنرال كلوب في 17و18 مايو بإخراج المجاهدين الفلسطينيين من ضيق باب الواد وبإعادة فتحه لتمر منه قوافل السيارات اليهودية حاملة السلاح والمؤن والمدد من تل أبيب إلى القسم اليهودي من مدينة القدس الذي كان يحاصره المجاهدون الفلسطينيون وكادوا يحملون سكانه البالغ عددهم أكثر من مائة ألف يهودي على الاستسلام؟ " كل ذلك كان ,كما يشير هيكل على لسان الشهود، يدلل على الأدوار التي قام بها كل من: كلوب باشا كقائد عسكري وبالموافقة الضمنية أو الصريحة من الملوك العرب آنذاك وعدم معارضتهم إياه؛ والجنرال كلايتون الذي مسك زمام القيادة السياسية في هذه الحرب وحدد وجهاتها الفعلي ". الاقتباسات مستلة من باقر الصراف، ثورة 14 تموز 1948، وعدٌ  لم يتحقق كاملا، ص. 98، منشورات جريدة نداء الوطن/ أواخر كانون أول 2001. 
[127] خليل أبراهيم حسين، الموسوعة، ص. 45، وقد سبق للواء خليل سعيد أن أشار إلى ذلك, لكن عبد الكريم الجدة ، يشير إلى أن مسؤولية حصار القلعة " عهدت إلى فوج من اللواء الخامس عشر الذي كان آمره آنذاك اللواء المتقاعد عادل أحمد راغب " ص. 35, مصدر سابق.
[128]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة،ج.6،ص.45
[129] المصدر السابق ، ص. 46. في اعتقادي أن دافع قاسم الحقيقي هو غير ما ذكر أعلاه. وربما أنه كغيره من العديد من الضباط، قد اكتشفوا لعبة التواطؤ بين الحكام العرب وسلطة الانتداب البريطانية، لذا حاول كغيره على ندرتهم، من المساهمة بالحرب من منطلقها السياسي ومخالفة ما أمكن من خطط القيادة العليا، بغية إدارة المعركة حسب تصورهم. هذا الوعي السياسي أثمر قيام أول تنظيم للضباط الأحرار، نتيجة عدم قدرتهم على إجراء تغيير جذري في خطط الحرب في حينها. وهذا ما سوف نبحثه لاحقاً.
[130]  المصدر السابق، ص. 55
[131] المصدر السابق، ص. 56. الموقف بين الشاوي وقاسم يعود إلى التنافس الذي نشب بينهما أثناء القتال ضد الحركة الكردية عام 1945، ويمكن العودة إلى خطوطه العامة كما ذكرها ذات المصدر، ص. 23. لكن قاسم لم يحقد على الشاوي، بل العكس من ذلك فقد تم تعينه بعد ثورة 14 تموز بمنصب مدير الموانئ العام. وقد حضر الشاوي مبكراً إلى وزارة الدفاع يوم 14 تموز ولعب دوراً مهماً في إقناع قائدي الفرقة الأولى والثانية على عدم الزحف على بغداد وتأييدهما الثورة.
في الوقت نفسه يخالف خليل إبراهيم حسين نفسه عندما ذكر في عام 1985 أن الزعيم قاسم  لم يرضي القيادة العراقية " فأحالته إلى مجلس تحقيقي مرتين أُدين في الأولى وبرئ في الثانية وفي حينه قدر الضباط عمل عبد الكريم قاسم واستهجنوا أمر القيادة وأضمروا الثأر في نفوسهم "، ولم يشر إلى كونه أستأنف قرار الحكم الأول كما ذكره أعلاه. راجع الذاكرة التاريخية لثورة 14 تموز، ص.18، دائرة الشؤون الثقافية بغداد 1987. وهو نص وقائع ندوة لواحد وعشرين ضابطاً من تنظيمات الضباط الأحرار من مختلف المستويات، وأغلبهم من الضباط القوميين حيث بلغ عددهم 19 مشتركاً. وكانت الندوة في بعض جوانبها معبأة ضد قاسم وغير حيادية في طرحها، وهذا معلوم من حيث المشاركين فيها ومن مكان وزمان انعقادها. ومع ذلك كانت هنالك بعض الأراء الموضوعية التي قيلت بحق الزعيم قاسم من قبل محي الدين عبد الحميد وعبد الجبار عبد الكريم وغيرهم على قلتهم. ولا بد من الإشارة إلى أن الكتاب لم  يعكس نص الوقائع بدليل وجود نصوص مقطوعة عن سياقها العام، والأخرى غير مذكورة أصلاً في الكتاب في الوقت الذي مذكور نقد لها..
[132]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6 ص. 53 ، مصدر سابق.
[133]  راجع كتاب ، الذاكرة التاريخية ص. 18 مصدر سابق
[134]  شامل عبد القادر، عبد الكريم قاسم ، ص. 31، مصدر سابق.
[135]  مستل من باقر الصراف ، ثورة 14 تموز، ص. 98 مصدر سابق
[136] بمعنى لا توجد أوامر .
[137]  اللواء الركن سعيد خليل، تاريخ الجيش ، ص.  60، مصدر سابق.
[138]  البيارة تعني في لغة فلسطين البستان.
[139] اللواء الركن خليل سعيد، تاريخ حرب فلسطين، ص. 117، مصدر سابق، مستل من خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ح.6. ص. 71-72، مصدر سابق.
[140] مما يثير الأسى أن بعض الكتاب ( القوميين) الذين ادعوا الموضوعية، يريدون قلب المجن، كما يقال، ومنهم أحمد فوزي، الذي أظهرت كتبه الأولى ذلك الموقف غير الصادق عندما يقول عن قاسم في فلسطين: " لم يستطع عبد الكريم قاسم أن يقدم أي أثر يثير إعجاب أحد.. إلا أسياده من دعاة مبدأ (ماكو أوامر)!! ففي تلك الفترة، التي كان الجندي العراقي يتحرق شوقاً للمعركة،ويتميز غيظاً من اليهود المغتصبين من شذاذ الأفاق, كان عبد الكريم قاسم يلهي نفسه أمام خطوط اليهود بالصيد والجولات الترفيهية.. بل كان أكثر من ذلك يترك (جبهة) الميدان، ليقضي بعض أجازته في مواخير بيروت, وعلى موائد الخمر والقمار والسباق (الريسز)!! " غرب أم غروب، ص. 64 مصدر سابق .
وسار حتى الرئيس عبد الناصر في هذا الطريق غير الموضوعي، عندما حاول التشكيك في شجاعة قاسم في هذه الحرب كما جاء في خطابه بجامعة القاهرة في 26/11/1959. مستل من ذات المصدر ونفس الصفحة. الكتاب مملوء بالمغالطات التاريخية والحقائق غير الموضوعية والتي عبرت عن صور الصراع اللا مبدئي الذي خاضوه ضد قاسم.
[141] خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6. ص. 73-74 ، مصدر سابق. ورغم ما ذكر أعلاه حاول البعض ويحاول اتهام عبد الكريم قاسم بالكثير من السوء في هذه الحرب ومنهم الضابط البعثي الفريق علاء الجنابي الذي يتهمه بالقول: " في الوقت الذي كان آمر فوج في فلسطين صارت " مذبحة " بين ضباط الفوج فكان الضابط يأتي إليه متوسلاً: سيدي " الله يخليك أخذ إجازة " وعندما يأخذ الإجازة يعود الود والصفاء بين ضباط الفوج، وحين يعود عبد الكريم إلى الفوج تعود " المذبحة" " الذاكرة التاريخية، ص. 249، مصدر سابق. لكن تصدى له في ذات الندوة الضابط عبد الجبار عبد الكريم مفنداً ما ذكره علاء الجنابي بالقول : " عن موضوع عبد الكريم قاسم وبثه الشقاق بين الضباط. إنني أنفيها نفياً قاطعاً وأنني عملت في الفوجين: الفوج الأول والفوج الثاني... كان عبد الكريم قاسم بالعكس محور للضباط … وأن أفعال عبد الكريم قاسم مشهورة وشجاعته في فلسطين معروفة وما كانت عنده هذه الروح التي ذُكرت، بل بالعكس عندما كان يغيب عنا لفترات قصيرة للاستطلاع لوحده أو للأعمال الأخرى ويعود، كنا نفرح بعودته وهذه الأمور عنه أسمعها لأول مرة …" المصدر ذاته ص؟ 250. هذا الموقف ينطبق عليه بحق وموضوعية المقولة المشهورة {كلمة حق في حضرة سلطان جائر}, وقيلت بشجاعة في جغرافية القمع الفكري التي سادت أثناء عقد الندوة.
[142]العميد المتقاعد جاسم العزاوي ، ثورة 14 تموز، أسرارها، أحداثها، رجالها حتى نهاية عبد الكريم قاسم، ص. 32، شركة المعرفة للنشر والتوزيع، بغداد 1990. ترى هل أن العسكري الذي يستكشف مواقع العدو أثناء الحرب يعتبر انعزاليا حسب رأي العزاوي؟ وهل المطلوب منه الجلوس مع موائدهم للعب الورق وقضاء الوقت حتى يصبح اجتماعيا؟ أنه منطق شكلي ومستبد لا منطقي ولا عقلاني.. وهو تبرير غير موضوعي لموقف العزاوي من قاسم.
[143]  خليل إبراهيم حسين, الموسوعة, ج.6, ص. 47, مصدر سابق.
[144] كان قاسم أثناء الحرب يحمل معه عصا القيادة على الدوام، والتي في الغالب ما تستعمل في التخطيط على الأرض عند الاستطلاعات العسكرية.
[145]  راجع نص المنشور وصورته لدى خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6.ص. 50، مصدر سابق.
[146]  أليعازر بعيري، ضباط الجيش في السياسة، مصدر سابق، ص. 172
[147]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6، ص. 75-76، مصدر سابق.
[148]  حامد مقصود، ثورة 14 تموز، ص. 18 ، مصدر سابق.
[149] عامر عبد الله ،عن ثورة تموز، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 144 ، ص, 20 تموز/ يوليو 1983. كذلك عبد الله جدوع، مولد زعيم ، ص.18 شركة التجارة والطباعة ، بغداد 1959،
[150] د. مجيد خدوري، العراق الجمهوري، ص, 106، مصدر سابق. ويشير الضابط حامد مقصود إلى واقعة ذات دلالة تعكس السمات الجوهرية لنفسية قاسم واعتنائه بالمنتسبين, مضمونها أن أحد الضباط برتبة رئيس شكا للزعيم قاسم آمره العقيد الركن أمجد الملاح الذي صفعه أمام الضباط والجنود. وعلى الفور طلب الزعيم من العقيد الحضور فوراً إلى مقر اللواء " فخرج الزعيم إلى الساحة الأمامية حال وصول آمر الفوج.. فبادره الزعيم غاضباً: بأي حق تضرب ضابط مثلك.. سأعتقلك وأقاضيك أمام مجلس تحقيقي. فتوسل العقيد أن يعفيه هذه المرة. فأجابه الزعيم سألغي إجراءاتي القانونية ضدك في حالة قبولك نفس الإهانة من الرئيس فوزي أمام الضباط والجنود في وحدتك. وبعد تفكير قبل أمجد بالشرط.. فذهب إلى وحدته وأعتذر أمام منتسبيه عن عمله الخاطئ وطلب أيضا من الرئيس فوزي أن يعمل بما أوصاه الزعيم عبد الكريم قاسم.. ولكن الرئيس فوزي اكتفى بالاعتذار وأعيدت الأمور إلى مجاريها الاعتيادية بفعل عدل الزعيم عبد الكريم " حامد مصطفى مقصود، ثورة 14 تموز، هامش ص 46، مصدر سابق
[151] عزيز سباهي , عقود من تاريخ, ص.380, ج.1, مصدر سابق. كذلك عبد الرزاق الحسني, تاريخ الوزارات، ج.8 , ص.ص. 173-176, كذلك لونكريك ، الجزء الثاتي, مصدر سابق. وقد سبق للحزب الشيوعي العراقي , عكس موقف الاحزاب القومية, أن هاجم الحكومة الحكومة العراقية "وإتهمها  بخلق روح الكراهية وتفرقة الصفوف وإثارة النعرات الطائفية وكا ما يخدم أسيادها... ووتريد الرجعية العربية ستر الأسباب الحقيقة المؤدية إلى هجرة اليهود من الاقطار العربية إلى فلسطين فتارة تدعيبأن السبب هو (خيانة اليهود). وأخرى أنه ( التعصب الديني) وهي تتجاهل بأن الجماهير اليهودية في هذه الاقطار تعاني الاضطهاد القومي الموزدوج ". مستل من جعفر عباس حميدي, التطورات السياسية في العراق 1941-1953, ص.630 - 631, طابة الاداب جامعة الموصل, مطبعة النعمان 1976, والكتاب في الاصل أطروحة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ.
[152]. جعفر عباس حميدي, المصدر السابق, ص. 30.
[153] المصدر السابق, ص. 631






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,689,797,913
- مــن ماهيــات سيرة عيد الكريم قاسم
- في:الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لعراق مطلع القرن الماضي
- الضباط والسياسة في العراق الحديث :مدخل تاريخي
- عودٌ إلى البدء في أرأسيات التطور: 14 تموز: جدلية الفهم والمو ...
- البيئة الاجتماعية لبغداد ومحلاتها الشعبية
- من تاريخية الأنقلابية في العراق الحديث
- أفكار أولية: عن طبيعة ومهام المؤسسة العسكرية في عراق المستقب ...
- مدخل نظري: من ملامح المؤسسة العسكرية العراقية
- الإرهاصات الفكرية للمساواتية الحديثة في العراق الحديث
- دور الفـرد في التاريـخ - عبد الكريم قاسم نموذجاً


المزيد.....




- توقيف متضامنة فرنسية بمطار مراكش
- مصر.. توقعات بتمثيل نسائي أكبر بانتخابات البرلمان.. لكنه قد ...
- بيريز ينتقد مشروع قانون القومية ويصفه بالمؤقت
- سهم -لوك أويل- يسجل أعلى مستوى منذ 2008
- أجهزة موظفي -سوني بيكتشرز- لا تزال مغلقة بسبب مجموعة هاكرز ت ...
- الصين تكشف عن سيدان جديدة بمحرك توربو في معرض -غوانتشو-
- غاريث بيل يزيد حماسة زملائه بعد معادلة الملكي لرقمه القياسي ...
- وزير الدفاع الباكستاني يدعو لتعزيز علاقات بلاده مع روسيا
- قوات حفتر تستعد لشن هجوم بري لتحرير طرابلس من -فجر ليبيا-
- مقتل وإصابة عشرة اشخاص بتفجير شرقي بغداد


المزيد.....

- قراءة نقدية في كتاب -الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر ( 19 ... / جاسم الحلوائي
- الفساد السياسي ( أسبابه ومكافحته )* / صاحب الربيعي
- كيف نعيد بناء العراق ونكسب ثقة المواطن / احمد موكرياني
- حوار مع المعقبينَ على الرسالةِ المفتوحةِ.. / صباح كنجي
- آفاق المتغيرات في العراق ودور التيار الديموقراطي في تقديم ال ... / تيسير عبدالجبار الآلوسي
- دراسة في حركة الضباط الأحرار4-6 / عقيل الناصري
- اليسار العراقي الاشكاليات والآفاق / جريدة -الأخبار - البصرية
- سعيد قزاز وإعادة كتابة التاريخ في العراق!* / كاظم حبيب
- برنامج الحزب الشيوعي العراقي - المؤتمر الوطني الثامن / الحزب الشيوعي العراقي
- هل من دور للنفط في إسقاط حكم البعث في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عقيل الناصري - 1- عبد الكريم قاسم في عوالم الحياة العسكرية: