أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد على بدوى - الإكتئاب فى رباعيات (صلاح جاهين)















المزيد.....


الإكتئاب فى رباعيات (صلاح جاهين)


احمد على بدوى

الحوار المتمدن-العدد: 3296 - 2011 / 3 / 5 - 23:49
المحور: الادب والفن
    


﴿الإكتئاب فى رباعيات (صلاح جاهين)﴾
دراسة من منظور علم نفسى.......

"قبل أن تقرأ"......
 تبدا الدراسة بمقدمة لازمة عن "النشاط السلوكى ووظائفه" ، ثمَّ "انماط الشخصية" و علاقتها بالتركيب البنائى للفرد ، ثمَّ "صور الخلل النفسى" مرتبطا بتلك الأنماط.
و ارجو ألاّ تؤخذ تلك المقدمة من أساتذة الطب النفسى على أنها تدخل فيما لا يعنينى، و ألاّ تؤخذ من المهتمين بالأدب أو القارئ العادى على أنها تحذلق و استعراض معلومات طبية.
فالنقد الأدبى يحتاج – كجزء أصيل منه- لخلفية بعلم النفس(1) ، وطلاب القسم الأدبى بالتعليم الثانوى يدرسون علم النفس لاستكمال جوانب شخصيتهم و ثقافتهم الأدبية.
 ثم تتناول الدراسة حديثا مختصرا عن بنود عنوانها: (الإكتئاب .. صلاح جاهين .. الرباعيات)
 و أخيرا متن الدراسة و يتناول مظاهر و مراحل الإكتئاب (أو الخلل الدورى) مدعوما بأمثلة من الرباعيات ، على أنّ هذا التقسيم المرحلى جزء منه موَّثق فى كتب الطب النفسى و جزء منه هو مجرد تصرف من كاتب الدراسة أو هو محض فرض يقبل الرد و كل صور النقد (ولعله خطأ يحتمل الصواب!!).
 و قد افترضنا تقسيماً لمراحل الإكتئاب – عند صلاح جاهين- كالتالى:
1. مرحلة الإكتئاب Depression أو (لعلها Dysphoria)
2. مرحلة التهضب Plateau (أو إزمان الإكتئاب)
3. مرحلة الإسقاط
4. مرحلة التعادلية
5. مرحلة ما بعد الإكتئاب... (بتحفظ شديد!! (Hypomania
و أود التأكيد على أن تلك المظاهر لعلها مكونات سلوك دورى غير مَرَضى مالم تُحدث إعاقة و خللا فى إنتاجية الفرد ، لذا يلزم الحذر حين استخدام لفظى (مرض ، و مريض) فى هذه الدراسة.


مقدمة لازمة:
 "إن النشاط السلوكى أو النفسى" للإنسان يتكون من ثلاث وظائف نفسية ، تتفاعل و تتداخل معا فى شكل تكاملى ، لتكون الأركان الثلاثة لرد الفعل البشرى تجاه المؤثرات الخارجية و الداخلية.
و تلك الوظائف هى: (الوظيفة المعرفية أو الإدراكية ، الوظيفة الشعورية ، الوظيفة النزوعية أو الحركية مجازاً!!).
 "وإذا كانت أنماط الشخصية" تُقسَّم تقسيمات عدة منها الأكثر تعميماً (إنطوائية ، و انبساطية) ، و منها الأكثر تخصيصاً (فصامية ، بارانوية ، هيستيرية ، عدوانية ، دورية .....الخ).
فإنه فى كل نمط من تلك الأنماط تحتل إحدى الوظائف النفسية الثلاث السابق جانبا أكبر وأكثر هيمنة فى تحديد طبيعة سلوك تلك الشخصية و ردود أفعالها.
فنجد الشخصية الفصامية تحتل فيها الوظيفة المعرفية جانبا كبيرا من حيث إيثار النشاط الذهنى ، و القراءة ، و الميل للخيال.. بينما نجد العواطف إلى حد ما غير جياشة (و لا أتهمها بالتبلد) و النزوع يميل للإنطواء و العزلة واللاجتماعية.
كذلك نجد الشخصية الدورية تحتل فيها الوظيفة الشعورية ركنا عريضا ، فنرى الشخص متقلب المزاج ، عاطفيا ، سريع الحزن/سريع الفرح، ودود ، محبوب...
بينما الوظيفة المعرفية قد لا تكون بنفس كفاءة الفصامى ، فهو برغم احتمال كونه قارئا جيدا ، فإنه (قد؟) يكون تلميذا بليدا.
و بنفس القياس نجد الشخصية العدوانية (السيكوباتية) يحتل النزوع فيها جانب السيطرة ، فالفرد أسرع لتحقيق رغباته الحسية (أو الغريزية) دون مراعاة كبيرة للتفكير فى العواقب ، مدفوعا لإشباع تلك الرغبات دون تحمل مسئولياتها. و قد يكون الحب و الكره عنده غير مهمين ، رغم أنه قد يبدو على علاقة حميمة بالجنس الآخر.
 "وإذا كان التركيب البنيانى" للسخص يرتبط إلى حد (ما!) و ينمُّ (فى الغالب) عن نمط شخصيته، فنج الفصامى يميل للطول و النحافة ، و نجد الدورى بدينا قصيرا ممتلئ الوجه (Pyknic)....الخ.
"وإذا كانت الأحوال المَرَضية" للنفس تكاد تُقسّم بشكل يشابه كثيرا تقسيمة أنماط الشخصية، فإنه من باب أولى عند تعرض كل نمط من أنماط الشخصية لما قد يدعو (من الظروف) لظهور و ترسيب المرض النفسى ، فإنه يميل إلى الظهور فى النمط المماثل (أو الموازى) لنمط الشخصية.
و من ثم تكون الوظيفة النفسية المهيمنة على نمط الشخصية هى الأكثر حمْلاً لأعراض المرض بشكل أولى، وإن كان خلل فى باقى جوانب السلوك ، فبشكل تابع.

"الإكتئاب":
 هو عنوان فرعى تحت عنوان أكبر هو (أمراض الشعور) ، أو (أمراض الوظيفة الشعورية) (Affective Disorder) ، وو اضح من التسمية أنه مرض نفسى يصيب من السلوك فى المقام الأول (الوطيفة الشعورية).
و من ثَمَّ فإنه يكثر ف أنماط الشخصية التى تحتل فيها هذه الوظيفة المساحة الأكبر (النمط الدورى= Cycloid) / (أو النمط ال Pyknicبنيانيا).
و العَرَض الأول و الأهم تشخيصيا فى الإكتئاب هو "الحزن" – لا إكتئاب بدون حزن ..د/يحي الرخاوى- و إن اختلفت درجات و مقدرة التعبير اللفظى عنه ، و كذلك الألم النفسى والشعور بالمرارة و النظرة السوداوية للحياة و التقليل من شأن الذات.
و تكون تلك "المشاعر" مصحوبة على مستوى الوظيفة "المعرفية" بسيطرة فكرة الموت "مجردة" .. إلى تمنى الموت نفسه .. إلى فكرة الإنتحار .. كنهاية و حل للألم النفسى.
كذلك تسيطر أفكار الخطيئة و الشعور بالذنب بشكل مكثف بما قد يرقى لمرحلة الضلالة.
ومن الأحلام المزعجة و الكوابيس إلى امتدادها لحيز اليقظة فى شكل "هلاوس" – فى حالات الذهان –
كذلك التغيرات على مستوى الوظيفة النزوعية ، من حيث صعوبة اتخاذ القرار ، قلة النشاط ، الخمول و الكسل، و البقاء فى الفراش لمدد طويلة؛ إفتقاداً للرغبة – و القدرة- على ممارسة الحياة (مفهوما ، و فعلاً).
 و الإكتئاب (يكاد؟) يكون المرض النفسى الوحيد الذى قبل أن يُنَظَّر أكاديميا ، فإنه لوحظ فى الكتابات الأدبية القديمة ، و خاصة الشعرية منها( 2).
و من هنا تأتى أهميته بالنسبة للشعر ، و كذلك أهمية الشعر بالنسبة للإكتئاب....
فإن الشعر/ شعور... و الإكتئاب مرض الشعور!!!
و "صلاح جاهين":
 بتركيبته البنائية: قصيرة القامة ، بدينة الجسد ، عريضة الرقبة ، ممتلئة الوجه ، طفولية الملامح ... و تركيبته النفسية: الجياشة العواطف ، المرحة ، الودودة ، متعددة المواهب و الأنشطة ، عريضة الإبداع ، و نفسية سريعة التأثر ، متأرجحة المزاج ، و علاقات بشرية عديدة ، سريعة ، و حميمة (كما يحكى عنه مقربوه ن و كما تشى به إبداعاته المختلفة).
 فإنه بذلك (فيما أظن؟!) مثال اشهر للشخصية الدورية ، و ال Pyknic.
 و من ثم ؛ فإنه حين يقع فى براثن ليالى الإكتئاب (و هى كثيرة) ، و حينما يخرج منها للحظات الفرح ، فإنه يعد مثالاً أشهر لأمراض الشعور (Affective Disorders).
 و بعيدا عن الشهرة ، فإننا (نظنه؟) مثالاً مهمّا من بين الشخصيات العامة لحالات الإكتئاب ، وذلك _ و لعلنا غير مبالغين- على مستوى التنظير الأكاديمى ، و الممارسة الإكلينيكية ، و كذلك على مستوى النقد الأدبى.
 و ذلك لأنه كلما انخفض المستوى الثقافى للفرد ، و كلما قلّ إدراكه و بصيرته لماهية التغيرات (أو المعاناة) النفسية و الشعورية لديه ، كلما صعب علية العبير عنها بشكل مباشر لغوياٍ، و من ثَمَّ كلما كثر استخدامه للحيل (الميكانزمات) التى يسقط /أو يحوِّل بها أعراضه النفسية إلى أعراض و شكوى عضوية ، فيما يسمى (بلغة الجسد)... و عليه كلما ارتفع المستوى الثقافى و توفرت الموهبة ، كلما حدث العكس.
 لذلك: ف (صلاح جاهين) "المثقف/الحساس/الفيلسوف/الشاعر/المبدع...." يستطيع أن يمدنا بذخيرة "تعبيرية/إبداعية" هائلة، مستمدة من / و تحكى عن تجربة "الدخول فى دغل الإكتئاب ، و الغوص أو الغرق فى أعماق خضم تلك اللحظات ، مستخرجا أطيب الثمر و أندر اللآلئ".
 إذ أن التحولات الشعورية (و الإكتئاب خاصة) من اكثر اللحظات توليدا للإبداع ، و إن كان النزوع فيها قد يُرى فى اثناءه فى حالة استسلام سلبى و خمول ، لكننا (و عن شئ من التجربة) نعتقد أن الكمون الإكتئابى ليس حالة موات ، بل هو حالة من الحياه الكاملة النشطة يكون الشعور فيها إيجابياً ، إضافياً - وليس سلبيا ، إنتقاصياً- ، و لكنها طاقة تفاعل "استاتيكى" تحت السطح ، لا تتبدد و لا تستهلك فى "نزوع هوسى" غير منتج ، لكن تتعتق و تتخمر التجربة ، لتسَّاقط ثمراتها فى لحظات ما بعد الإكتئاب (و إن كانت قليلة).
و هذا ما يلاحظ فى كثير من المبدعين (و جلّهم ذوى الشخصية) ، إ ذ يخرج معظم إنتاجهم "مكثفاً" فى فترات قليلة متباعدة من حالات النشاط ، تفصلها فترات طويلة من الإكتئاب.

و "الرباعيات":
 فن قديم يختصر و يختزل التجربة "الشعورية" و "الشعرية" فى أربعة أبيات أو اسطر ، ...كتبها "أبو العلاء المعر" ، و عرف بها "عمر الخيام" ، و تغنى بها "ابن عروس" فى فن المربعات بالعامية المصرية.
 و "لصلاح جاهين" عدة دواوين، غير أن أهمها فيما يخصنا فى هذا المقام "ديوان الرباعيات" ، و يقول الأستاذ الكبير يحي حقى: "الرباعيات هى صلاح جاهين ، و صلاح جاهين هو الرباعيات"(3 ).
ذلك أنها خلاصة تجاربه الذاتية – و كل الشعر الحقيقى قطعاً تجارب ذاتية- ، و لكننا نكاد نلمس و نقرأ فيها تواريخ رزنامة التقويم ، فهى تكاد تكون يوميات الشاعر ، يعبر فيها عن شجونه بشكل مكثف مختصر ..(قرص المنوم قبل الدخول للفراش).
 و الرباعيات "شكلاً" تكاد تكون كلها من بحر عروضى واحد (السريع) :
﴿مستفعلن مستفعلن مفعولات﴾
لكنه دائما مطوىّ مكشوف العروض :
﴿مستفعلن مستفعلن فاعلن/ أو فَعِلُن﴾
و ترتيب القافيه فيها عل نسق (أ أ ب أ) ، باختلافها فى البيت الثالث عن باقى الأبيات، لتكون قافية البيت الثالث نقطة ارتكاز للشاعر يقفز منها لنقطة المباغتة ، ليلسعنا بسوطها فى البيت الرابع و يغلق الباب خلفه(4) !!!
 و الرباعيات "مضمونا" تكاد تقوم على نسق واحد معتمد على استكشاف المفارقة ، و استخراج ملمح العجب و الغرابة فى مظاهر الحياه (عجبى!!) ، و علاقات الأشياء ببعضها ، متجاوزاً الوصف المجرد إلى فلسفة الرؤى....
 و الرباعيات "تصنيفاً" تدور حول أغراض شتى ، غير أن تلك الأغراض تتداخل معاً –خلافا لتصنيف الأستاذ/محمد رخا لرباعيات الخيام (5)- فنجد الرباعية عند صلاح جاهين تتسع لأكثر من تصنيف ، و تحمل أكثر من دلالة ، و تتعدد فيها مستويات القراءة و الإيحاء ، وهذا قد يضطرنا فى هذه الدراسة للتقاطع مع قراءة كل من الأساتذة/ يحي يحقى(3) ،محمد كشيك(4).. و الأستاذ الدكتور/ يحي الرخاوى(6).
و الأمثلة المطروحة فى هذه الدراسة تخضع للفرض السابق فهى لا تنحصر و لا تتقيد فى وصف الإكتئاب لكنها تتسع لدلالات أخرى و إن مثل الحس الإكتئابى خلفية مشتركة لها.
******************************

﴿الإكتئاب فى رباعيات (صلاح جاهين)﴾

لنتابع معاً رحلة البحث و المشاهدة لمظاهر و أعراض الإكتئاب فى رباعيات صلاح جاهين...
مظاهر الإكتئاب المتصاعدة:
(أ) إن الشعور "بالضيق و انقباض الصدر والإختناق و الزهق و الملل" من الأعراض "البدائية" للإكتئاب ، و التى يعبر عنها الشخص العادى – بلا فلسفة ولا ثقافة- بنفس الألفاظ ؛ كونها أقرب للأعراض الجسمانية ، أو لعلها أيضاً إحدى وسائل التعبير بالجسد.
و يعبر جاهين عن ذلك بشكل غير مباشر تقتضيه الضرورة الشعرية :
تسلم يا غصن الخوخ يا عود الحطب
يجي الربيع تطلع زهورك عجب
و انا ليه بيمضى ربيع، ويجى ربيع
و لسه برضك "قلبى حتة خشب"..!!
***
كيف شُفت قلبى و النبى يا طبيب
همد و مات والاَّ سامع له دبيب
قاللى: لقيته "مختنق بالدموع"
و مالوش دوا غير لمسه من إيد حبيب..!!
***
أيوب رماه البين بكل العلل
سبع سنين مرضان وعنده شلل
الصـبر طيب .. صبر أيوب شفاه
بس الأكاده "مات بفعل الملل"..!!
***
(ب) و يعبر الشاعر عن شعور بدائى آخر للإكتئاب ، و هو "المرارة" ، و هو نوع من الألم النفسى يعبر عنه بلك الكلمة الحسية التذوقية ، ونفس المصطلح يستخدم بالإنجليزية Bitterness ، ولعله من التعبيرات المشتركة بين الثقافات !!

نقطة "مرارة" كمان على مشروبى
دوّبها يا ساقى حسب مطلوبى
طعم الحياه مش برضه فيها ، و فيها
ليالى/ وردى.. ونهارات/ خروبى...!!!

(ج) و يكاد "الإكتئاب و القلق" يرتبطان بعلاقة تبادلية حميمة ، إذ يفضى الإكتئاب لحالة من القلق و الأرق و اضطرابات "رتم" النوم ، و كذلك القلق يُحدث شحنة من الألم النفسى تُفضى إلى إكتئاب ، و نجد جاهين يكتشف هذه العلاقة :
قطى العزيز راقد على الكنبات
فى نوم لذيذ ، و بيلحس الشنبات
و انا كل عين فنجان مدلدق "قلق"
صدق اللى قال إن الحياه منابات..!!

(د) إذا كان الطور "الهوسى" للمريض الدورى يتميز بقدر كبير من إعلاء الشأن والثقة بالقدرات الشخصية بشكل مبالغ فيه ، فإن الطور الإكتئابى يتسم بقدر مواز من الإقلال من شأن الذات المخلوط بالإحباط ، قد يصل لتحقير شأن الذات، وصلاح جاهين يمدنا بذخيرته فى ذلك مُسقطاً إياه على جنس الإنسان كله:
إنسان أيا إنسان ما "أجهلك"
ما "أتفهك" فى الكون و ما "أضألك"
شمس ، و قمر ، وسدوم ، و ملايين النجوم
و فاكرها يا "موهوم" مخلوقة لك..!!
**
"حقرا" و فوق كوكب "حقير محتقر"
فى الكون تكون دنياكو إيه يا "بقر"
رملاية من صحرا؟ لكين إيش تقول
و الكون بحاله جوه عقل البشر

(ﻫ) ثم يرتفع المد الإكتئابى ليصل لأعنف صوره وأكثرها سوداوية ، متمثلة فى أفكار الموت ، و لكن نلاحظ عند جاهين خلوها من كراهية الحياه ، فهو مجبر على الإكتئاب ، وفكرة الموت ، لكنه يحب الحياه:
الدنيا أوده كبيرة للإنتظار
فيها ابن آدم زيّه ، زىّ الحمار
"الهم واحد .. و الملل مشترك"
و مفيش حمار بيحاول "الإنتحار"..!!
**
و هذه الرباعية تصف بجدارة عَرَض مهم جدا من أعراض الإكتئاب الشديد و هو فقدان القدرة الحركية و النزوع Psychomotor retardation:
دخل الربيع يضحك لقانى "حزين"
نده الربيع على إسمى "لم قلت مين"
حط الربيع أزهاره جنبي و راح
و ايش تعمل الأزهار "للميتين"..!!

و الرباعية التالية تمثيل واضح و صريح لما يسمى (بالإكتئاب الفصلى) ، و الذى يصيب بعض المرضى خلال شهور الشتاء فى البلاد الباردة المحرومة من اشراقات الشمس ، و هؤلاء المرضى يتحسنون بتعريضهم للضوء ؟!
دخل الشتا و قفل الببان ع البيوت
و جعل شعاع الشمس خيط عنكبوت
و حاجات كتير "بتموت" فى ليل الشتا
لكن حاجات أكتر بترفض تموت...!!
فهل هذا هو الإكتئاب الشتوى الذى جعل جاهين يحتفى بالربيع فى رباعياته أكثر من (ثمانى رباعيات) ... لإنه الفصل الشافى؟!
"مرحب ربيع مرحب ربيع مرحبـه"
يا طفل يا للي ف دمي ناغا وحبـا
"علشان عيونك يا صغنن هويـت"
حتي ديدان الأرض و الأغربـة...!!
**
يا ملونين البيض فى "شم النسيم"
لون الحنين و البين و خمر النديم
ما تعرفوش سايق عليكو النبي
تلونوا الأيام بلون النعيم...!!
**************************************
مرحلة التهضب Plateau:
و هى مرحلة وصول منحنى الإكتئاب عند جاهين لطر (التهضب) ، أى الأزمان ، ولعله (الإدمان) ، و هى حالة من التعود و التعايش مع الإكتئاب خلقها "طول السواد و قرب السهاد) بينهما ، حيث يعبر عنها جاهين بواحدة من (أروع) رباعياته :
يا حزين يا قمقم تحت بحر الضياع
حزين أنا زيَّك ، وإيه مستطاع
﴿الحزن مابقالهوش جلال يا جدع﴾
﴿الحزن زى البرد.. زى الصداع...!! ﴾
الله.. يا عم جاهين ، لقد تعوَّد الشاعر الإكتئاب ، فضاعت لذته (وإن له للذه!!)، فأصبح روتينا ، لم يعد يحتاج لكل ذلك التأثر و الإنفعال ، ولا الوقوف طويلا أمامه (الحزن زى البرد .. زى الصداع) عَرَض يومى يتحسن (بأسبرينه)!!
**************************


مرحلة البصيرة:
وهى وليدة مرحلة التعوّد ، فأصبح الشاعر /المريض ، شاعراً / حكيماً ، عليما بماهية الإكتئاب ، و "دوريته" ، و من ثم عدم جدوى الإستسلام له ، مستشرفاً ما بعده ، متوقعا عودته فى دورة جديدة:
"حاسب من الأحزان و حاسب لها"
حاسب على رقابيك من حبلها
"راح تنتهى ، ولابد راح تنتهى"
مش انتهت أحزان من قبلها..!!
**
"يأسك و صبرك بين إيديك و انت حر"
"تيأس ، ما تيأس.. الحياه راح تمر"
أنا دُقت من ده ، ومن ده عجبى لقيت
الصبر مُر ، و برضك اليأس مُر..!!
**
إيه اللى خدته من مرور السنين
يا قلبى إلاّ دمعتك و الأنين
"بتئن ، و بتفرح ،وترجع تحن"
مع إن مش كل البشر فرحانين
*********************************************
مرحلة الإسقاط:
(بداية.. احترت طويلاً أمام ترتيب هذه المرحلة بين زميلاتها ، و حول دلالتها التفسيرية، و أرجو أن أكون موفقاً فى الترتيب و التفسير).
فإذا كان الشاعر قد جرد من نفسه مخاطِباً ناصحاً فى الرباعيات الثلاث السابقة ، فإنى (أعتقد) أن تلك مرحلة، مهدت لمرحلتنا هذه فى محاولة للتخلص من (حِمل) الإكتئاب الزائد باسقاطه على البشر و الكون خارج نفسه ، باستخدام ميكانزم الإسقاط Projection .
و إن كان استخدام هذه الميكانزم يحمل شبهة خلل فى البصيرة فى إطار هذا الإسقاط/الهروبى.
و قد يُرى أنه امتداد لمرحلة البصيرة ، بالخروج بعيدا عن مستنقع الأكتئاب و النظر اليه من الخارج؟ ، و لكن بأية حال لعل الإمر كله مفيدا جزئيا و مرحليا فى علاج الإكتئاب:
يا قرص شمس مالهش قبة سما
يا ورد من غير أرض شبّ ، ونما
يا أى معنى جميل سمعنا عليه
"الخلق" ليه عايشين "حياه مؤلمة"
**
أعرف عيون هى الجمال و الحسن
و اعرف عيون تاخد القلوب بالحضن
و عيون مخيفة و قاسية و عيون كتير
و باحس فيهم كلهم بال"حزن"...!!
**
إيش تطلبى يا نفس فوق كل ده
حظك بيضحك ، وانت متنكده
ردت قالت لى النفس: قول "للبشر"
ما يبوصوليش "بعيون حزينة" كده..!!
**
مزيكة هادبة الكون فيها انغمر
و صيف ، وليل ، و عقد فل ، وسمر
"يا هل ترى الناس كلهم مبسوطين"
و يا هل ترى شايفين جمال القمر..!!
*******************************
مرحلة التعادلية Euthymia:
تلك هى مرحلة (البين..بين) ، أى ما بين النهوض رقدة الإكتئاب و الخروج لطور البهجة و الإنبساط أو حتى ما دون الهوس Hypomania ، و مرحلة الإستعداد. وهى مرحلة – بالنسبة للمجربين و ذوى الباع فى الحزن / والفرح الدورى- لا طعم لها ولا لون:
يا ميت ندامة ع "القلوب الخلا"
لا محبة فيها ن ولا كراهة ، ولا
﴿حتى يا قلبى الحزن ما عادشى فيك﴾
ماعلهشى لك يوم برضه راح تتملى..!!
**
على بعد مليون ميل من أرضنا
من "الفراغ الكونى" بصيت أنا
لا شُفت فرق بين جبال و بحور
﴿ولا شُفت فرق ما بين عذاب أو هنا﴾ ..!!
و أقف مليّاً أمام لفظ التحسر (يا ميت ندامة).. هل يندم الشاعر على ضياع الحزن؟! ، و هل الألم النفسى خير من التبلد ؟ ، و أحسب أن الإجابة نعم. ، فإن للحزن لذة كما قلنا سابقاً.
************************
مرحلة ما بعد الإكتئاب:
و لا أود المغامرة بتسميتها (مرحلة ما دون الهوس Hypomania) ، فبعض التحفظ واجب ، ويكفينا أن نستشف فيها مشاعر الخروج من بئر الإكتئاب.
و جاهين يمطرنا بوابل من تلك الرباعيات ، فهو يصحو و يستفيق فجأة ، لينتهز و يلتهم تلك الفترات القصيرة العارضة قبل السقوط ثانية ، الذى يتوقعه قريبا بخبرته:
فى يوم صحيت شاعر براحة و صفا
الهم زال و الحزن راح و اختفى
خدنى العجب و سالت روحى سؤال:
أنا مُت والاَّ و صلت للفلسفة..!!
**
"أنا كنت شئ و صبحت شئ ثم شئ"
شوف ربنا قادر غلى كل شئ
هز الشجر شواشيه ، وشوشنى قال:
لابد مايموت شئ عشان يحيا شئ..!!
**
كرباج سعادة و قلبى منه انجلد
رمح كأنه حصان و لف البلد
و رجع لى أخر الليل و سألنى:
ليه خجلان تقول إنك سعيد يا ولد..!!
**
ثم فى واحدة من أروع ، و أدق ، و أعمق رباعياته ، يلخص جاهين النمط السلوكى للشعب المصرى ، والذى هو أميل (للدورية) – إن جاز لنا هذا الفرض- فهو شعب عاطفى ، مبالغ فى التأثر ، سريع الحزن ، سريع الفرح:
و مهولاتى تحب الصيت
ساعة الفرح زغاريد تنطيط
و فى المياتم هات يا صويت…
سيد حجاب
فنحن حين نفرح و نضحك ، بخبرتنا بالحياه نستشرف حزنا آتياً خلف الأفق ، فشدة الفرح لدينا يتبعها انقباض فى الصدر ﴿خير اللهم اجعله خير!! ﴾ ، لذلك نحن نخاف من الفرح خوفنا من الحزن:
إنشد يا قلبى غنوتك للجمال
و ارقص فى صدرى من اليمين للشمال
﴿ماهوش بعيد تفضل لبكره سعيد.. ﴾
ده كل يوم فيه ألف..ألف احتمال..!!
****************************
د/ احمد على بدوى
أستاذ مساعد ـ كلية طب القاهرة

____________________________________________________________
هوامش:
(1) الشعر العربى المعاصر. د/ الطاهر مكى . طبعة دار المعارف
(2) National Medical Series- Psychiatry
(3) رباعيات صلاح جاهين. كتاب (هذا الشعر). يحي حقى. الهيئة العامة للكتاب
(4) قراءة فى قالب الرباعيات . محمد كشيك. مجلة الثقافة الجديدة يونيو 1992
(5) رباعيات الخيام – ترجمة و نظم محمد رخا
(6) رباعيات و رباعيات – د/يحي الرخاوى





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,860,050
- الأعور وسط العميان
- صباح يوم جديد
- كتاب التاريخ ... ستّة إبتدائى


المزيد.....




- عودة حنان ترك للفن تعرضها لانتقادات لاذعة!
- برنامج مهرجان ربيع الشعر العربى فى الكويت
- ما حكاية الممثل مايكل إنرايت الذي تمنعه الولايات المتحدة دخو ...
- حنان ترك تعود للسينما وتثير جدلا واسعا في مصر...هل ينتهي -صر ...
- طبق فاكهة عمره 600 عام، للبيع بمبلغ يتراوح بين 2 و3 ملايين د ...
- الحمامة أرماندو.. واحدة من أغلى خمسة حيوانات في العالم
- تونس تتهيأ لتتويجها عاصمة للثقافة الإسلامية 2019
- أردوغان? ?يعتمد? ?المهارات? ?الكلامية? ?والغناء? ?لاجتذاب? ? ...
- دار أوبرا إيطالية تعيد مبلغا تبرعت به السعودية لضم وزير الثق ...
- -دي كابريو- يعلن عن موعد إطلاق الفيلم الجديد لـ -تارانتينو- ...


المزيد.....

- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد على بدوى - الإكتئاب فى رباعيات (صلاح جاهين)