أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - سمير طاهر - مصر ديمقراطية أم جمهورية حنين الى الماضي؟ (رد على حازم صاغية)















المزيد.....

مصر ديمقراطية أم جمهورية حنين الى الماضي؟ (رد على حازم صاغية)


سمير طاهر

الحوار المتمدن-العدد: 3270 - 2011 / 2 / 7 - 10:28
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


يأخذ حازم صاغية (الحياة، 1 فبراير 2011) على المهللين لثورة مصر أنهم يرون فيها استجابة لحنينهم الى ماض عربي ثوري وهو أمر يثير انزعاجه كما هو واضح. والحق انه حتى في مصر نفسها اتسعت ساحة التبنّيات لهذه الثورة. ولدوافع مثل القلق من المستقبل والميل الغريزي الى التكهن، وأيضاً بسبب احتراف مهنة القول بدلاً من العمل في الشارع، صدرت وتصدر طيلة الوقت توقعات وسيناريوهات عديدة عن مصر ما بعد مبارك. لكن بدا ان هذه التقييمات انقسمت بين خطين رئيسيين: الأول يقيّم الثورة انطلاقاً من ما قبلها، وهو يركز في هذا على قوة الدوافع ومشروعية الأسباب وبالتالي ينتهي الى التسليم بضرورة هذه الثورة؛ والثاني يقيّمها انطلاقاً من ما بعدها، ويتوزع بين مبالغ في آماله فيها وهم الذين وصفهم حازم صاغية بـ "أهل الحنين" الى الماضي الثوري، وبين مبالغ في التشاؤم منها، ومنهم حازم نفسه.
لكني لا أرى أحادية حازم أقل من أحادية "أهل الحنين" كما وصّفَهم. هم يريدون مِصْراً بعينها وهو يريد مصراً بعينها، في الاتجاه المعاكس. هم يعرضون سيناريو أسوداً إن لم تتحقق مصر"هُم"، وحازم يعرض سيناريو أسوداً إن لم تتحقق مصر"هُ". جميعهم يبالغ في تضخيم حججه، ويبالغ في تبخيس الحجج الأخرى، ويخفي من الواقع المتحرك ما لا يعجبه. يفترض حازم ان استلام القوى الراديكالية الحكم في مصر وإعادة النظر في علاقاتها باسرائيل والولايات المتحدة سوف "يعني، في ما يعنيه، إغلاق قناة السويس وحرمان مصر خمسة بلايين دولار سنويّاً، وصدّ استثمارات باتت تُقدّر بحوالى سبعة بلايين، وموت السياحة طبعاً ومعها 13 بليوناً، فضلاً عن توقّف المعونات الأوروبيّة والمساعدات الأميركيّة البالغة 1,3 بليون. أي أنّ تلبية مطالب أهل الحنين كفيلة بالقضاء على مصر!" ـ نصاً من المقالة.
وهكذا فمن السهل القضاء على البلدان بجرة قلم من حازم صاغية، مثلما من السهل إنشاء جنان على الأرض بجرة القلم السحري ذاته. أولاً اذا كان القصد الايحاء بان اتفاقات كمب ديفيد هي التي فتحت قناة السويس للملاحة الدولية وأن القناة ستغلق مع الغاء هذه الاتفاقات فهذا ـ ببساطة ـ لا تؤيده أية وقائع. وإلغاء هذه الاتفاقات (أو تجميدها، أو تعديلها لصالح السيادة المصرية على الأقل ... الخ الاحتمالات العديدة التي لم يقترب خيال حازم منها) قد لا يستوجب بالضرورة غلق القناة، إلا في حالة محاولة إسرائيل فرض هيمنتها على القناة وهو بحد ذاته إعلان حرب.
ثانياً ان قناة السويس ذات أهمية لكل التجارة العالمية وغلقها يعني خسائر هائلة لهذه التجارة ومن الصعب تصور ان المجتمع الدولي سيتماهل في العمل على ترتيب وضع يكفل تطبيع حالة القناة. التخويف المبالغ فيه مكشوف هنا.
ثالثاً ان مصر الجديدة لا تختلف كلياً عن مصر حسني مبارك فقط وإنما تختلف، وكلياً أيضاً، عن مصر عبد الناصر. بأخذ خصائص الجيل الذي بادر وشارك في الثورة بالاعتبار، ولا سيما حداثته واستقلاليته، وبأخذ خصائص عصرنا في الاعتبار أيضاً، تلك الخصائص التي تعتبر هذه الأنظمة المتعفنة بقايا أثرية ينبغي التخلص منها، سنستنتج أنه لا مكان في مصر بعد اليوم للديكتاتورية ولا للاوليغاركية، وبالتالي لن يسمح بمجيء "قائد" أو حزب واحد ليجر البلاد بخطبة تلفزيونية واحدة الى حرب ويعلن هزيمتها بخطبة مماثلة. فحتى لو حازت قوةٌ راديكاليةٌ ما أكثر الأصوات فلن يكون متاحاً لها في مصر الديمقراطية أن تنفرد بقرارات مصيرية لأن البرلمان سيكون حقيقياً، والأحزاب ستكون فاعلة، والنقابات لن تكون مزيفة، وسيكون صوت الشعب مسموعاً على الدوام بعدما رأى الجميع عواقب عدم الانصات إليه. إن الآليات التي كانت تتيح وجود "بطل الأمة" الذي ينفرد باتخاذ القرارات المصيرية لم تعد موجودة في مصر والى الأبد.
هل كانت مقالة حازم صاغية مجرد افتراضات لما بعد مبارك أم وعيداً؟ فبعد أن ينذر المصريين بـ "الحرمان" من دخل القناة يخوفهم بأنهم سيخسرون استثمارات يقدرها بسبعة بليونات دولار، والحقيقة ان هذه الاستثمارات هي من أبرز مصادر معاناة المصريين، فهم لم يجنوا منها شيئاً لكي يُحرَموه اليوم. تكفي القارئ مراجعة الصحف المصرية خلال السنوات الأخيرة للاطلاع على آلاف قضايا الفساد والنهب والاجرام الجماعي التي تورطت بها الشركات الأجنبية: اللحوم الفاسدة والأطعمة المسرطنة وتلويث المياه والأراضي بالنفايات الكيمياوية القاتلة وصفقات شراء الأراضي والمصانع بسعر التراب وسرقة موارد البلاد و.. و.. وعندها يمكننا أن نسمي الأشياء بأسمائها. الاستثمارات الاجنبية موجودة في جميع الدول ولكنها تتكيف مع واقع كل دولة، ففي الدول الغربية تخضع هذه الاستثمارات للقوانين المحلية وفي الدول الفاسدة تتحرر من القوانين والأخلاق ببضعة رشاوى للمسؤولين. ان مصدر البؤس في مصر وغيرها من الدول الفاسدة هو الانخفاض القياسي في القيم الانسانية والاخلاقية للنظام الحاكم، وهذه هي البيئة المثلى للفئة المغامرة والاجرامية من المستثمرين عابري القارات. فهل يقصد حازم ان الدولة الفاسدة هي البيئة الوحيدة الممكنة للاستثمار، وإسقاط الدولة الفاسدة سيعني حتماً خسارة الاستثمارات، وأن من غير الممكن وجود استثمارات تلتزم بأولويات أكثر إنسانية ومسؤولية؟ لو كان الأمر على ما يقول لما سمعنا بوجود شركات عالمية في بلدان العالم ذات السمعة الطيبة في سجل النزاهة. لكي أوضح هذه النقطة لنتصور فقط أن شركة بي بي البريطانية قد تسببت بالكارثة النفطية عند شواطئ الاسكندرية بدلاً من لويزيانا فهل كان الرئيس المصري سيذل هذه الشركة كما فعل الرئيس الأمريكي وسيجبرها على دفع التعويضات الضخمة التي أجبرها الرئيس الأمريكي على دفعها، أم سينتهي الأمر (كما حصل ألاف المرات) بـ "تعويضات" تدفعها الشركة لأشخاص في النظام مقابل سكوته، رشوة لن تبلغ حتى واحد بالمئة مما دفعته للخزينة الأمريكية والمتضررين؟
أما خسارة واردات السياحة التي يفترضها حازم فلا أفهم لماذا افترضها أصلاً في وقت لم يتوقف فيه ازدهار السياحة حتى في أكثر البلدان قمعيةً مثل إيران وتونس وبورما وسورية. والواقع ان العلاقة بين نوعية الحكم السياسي للبلد وجاذبيته السياحية ليست متناسبة إلا في أحوال استثنائية (مع الاستدراك بأن نشاطات سياحية معينة ضارة أو منحرفة اجتماعياً أو اقتصادياً ستختفي مع القضاء على فساد الدولة، لانها إبنة ذلك الفساد) ومن السطحية بمكان اختزال هذه العلاقة ببضع كلمات تعميمية. لكن يبدو ان المطلوب من مقالة حازم هو تسويد كل اللوحة، أو أكبر مساحة ممكنة منها، بكل ما متاح من افتراضات سلبية. حتى اذا ما وصل الى خسارة مصر 1,3 بليون من المساعدات الأمريكية (ولأصحح فأقول انها تصل في مجموعها الى بليونين) فسيكمل بذلك عناصر لوحته السوداء التي يريد "أهل الحنين" تشكيلها على أرض مصر!
ليطمئن الأستاذ حازم فلن تتشكل في مصر جمهورية حنين الى الماضي. ستتشكل ـ ببساطة ـ ديمقراطية. أقول هذا بصرف النظر عما ستؤول إليه الأحداث، فسواء انتصرت الثورة أو فشلت فان الفرد المصري تمرد على ذاته، على خوفه وصمته المتواطئ وأيضاً على تغليبه التوجس السياسي على الوحدة الوطنية. ثمة انسان مصري جديد يولد اليوم ويستحيل على أية قوة سحقه. لنتفاءل فقط.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,101,183
- في عيد ميلادكَ المجيد
- هيَ
- لن تغرقوا مافي مرمرة في بحار من الفساد
- عن موضوع الاحتلال في حوارية كاظم حبيب
- من الحرب الباردة إلى الحرب الخفية
- حول هزيمة اليسار العراقي .. شكراً لعبد الله خليفة !
- محاربة الارهاب بالفساد
- كلهم يستغلون دم مروة الشربيني
- الملتحي
- العراق 9 نيسان 2003
- العراق في وادٍ ومؤتمر ستوكهولم في وادٍ آخر
- هكذا تجري الانتخابات الاميركية!
- غباء الطغاة
- موقع لكشف الحقيقة
- أثر الأساليب التعليمية في شخصية الفرد العربي
- دعه يخطئ، دعه يتعلم !
- عن سعدي يوسف و الفلوجة


المزيد.....




- كذب عليها فتركته ولكنه رفض أن تكون لغيره فأحرقها.. أين ذهب ن ...
- إليسا عن حرائق لبنان: احتراق النظام السياسي الطائفي كله أفضل ...
- ارتفاع عدد قتلى الاحتجاجات في العراق إلى 156 وإصابة أكثر من ...
- أيُّ رئيس سيكون قيس سعيّد لتونس؟
- الحرائق تلتهم مساحات واسعة في لبنان وسوريا وسط عجز فرق الإطف ...
- جامعة فرنسية تسعى لمراقبة طلابها المسلمين "لمكافحة التط ...
- فولكسفاغن تعلّق قرارها فتح معمل جديد في تركيا بسبب الهجوم عل ...
- بولا يعقوبيان ليورونيوز عن حرائق لبنان: الدولة في غيبوبة وال ...
- زوجة الرئيس التونسي قيس سعيد -لن تصبح السيدة الأولى-
- جامعة فرنسية تسعى لمراقبة طلابها المسلمين "لمكافحة التط ...


المزيد.....

- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي المصري
- الفلاحون في ثورة 1919 / إلهامي الميرغني
- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - سمير طاهر - مصر ديمقراطية أم جمهورية حنين الى الماضي؟ (رد على حازم صاغية)