أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - عوني الداوودي - شهداء قلعة دمدم















المزيد.....



شهداء قلعة دمدم


عوني الداوودي
الحوار المتمدن-العدد: 955 - 2004 / 9 / 13 - 11:18
المحور: القضية الكردية
    


أربعة قرون مرت على ملحمة دمدم، ولا تزال هذه المأساة حاضرة في الوجدان الكوردي ، ولا يزال النص الكوردي يلهج بأسماء أولئك الأبطال الذين إستشهدوا ودفنوا بثيابهم المضرجة بدمائهم تحت أنقاض تلك القلعة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم شاهدة على أكبر ملحمة من الفداء ونكران الذات في سبيل الدفاع عن حرية وكرامة الأنسان الكوردي
في كانون الأول عام 2003 يكون قد مر على أحداث واقعة دمدم 395 عاماً وثمانية اشهر. فقبل 395 عاماً من الآن كانت هناك معركة من أشدها ضراوة وشراسة بين عشائر برادوست ( المكرية ) من جهة وبين أحد أعتى الحكام الذين مروا بتاريخ إيران في عهد الحكومة الصفوية ، الشاه عباس الصفوي .
فقبل هذا التاريخ لم تكن هناك معركة وحسب ، بل كانت هناك صور خالدة من الشجاعة والإستبسال، وفي المقابل كانت هناك مذبحة ومأساة كبيرة حلت بهؤلاء البرادوستيين المدافعين عن أنفسهم من بطش هذا الجبروت، والمتحصنين داخل قلعتهم التي جدد بنائها أميرهم، أميرخان يكدست، أو، أمير خان لب زيرين، أي ( أمير خان دو الكف الذهب ) على يد جيش كبير من القزلباش .
فقبل ثلثمائة وخمسة تسعين عاماً كان الشاه عباس جالساً على عرشه في أصفهان يستمع بأهتمام بالغ من قبل مساعديه عن تفاصيل المعركة التي أقلقت مضجعه لبسالة هؤلاء الكورد المدافعين الذين كبدوا قواته خسائر بشرية لم تكن في حسبانه، وآخر ما توصلت إليه العمليات العسكرية التي تدور رحاها هناك .
وعلى مدى 395 عاماً ظلت الذاكرة الكوردية تخلد ملحمة دمدم من جيل إلى جيل وعلى لسان الرواة والأدباء الكورد، فتغنوا بها وكتبوا الأشعار فيها . إن ملحمة دمدم لم تبتدعها مخيلة الأديب الكوردي، بل أنها أحداث واقعية سجلتها كتب التاريخ، وجرت وقائعها هناك، هناك في شرق كوردستان ( إيران ) في برادوست القريبة من بحيرة أورمية .

الفولكلور ودوره في تسجيل الوقائع والأحداث .
إن جميع النكبات السياسية والتاريخية والأحداث الإجتماعية البارزة، كل قصة حب بحلوها ومرها، التعزيات، الأفراح، والأعراس التي حدثت في المنطقة على مر التاريخ القومي الكوردي ، نُظمت من قبل الشعراء الأكراد على شكل مقاطع غنائية، وغنيت من قِبل أصحاب الأصوات الرخيمة والعذبة، سميت ( بيت ) ( 1 )
" يذكر هيمن مهابادي الشاعرالكوردي المعروف : بأعتقادي إن كلمة ( بيت ) الكوردية ليست لها علاقة " بالبيت " في القصيدة العربية، وأ نه يعاضد رأي الأستاذ فتاح القاضي رأيه، من الممكن إن كلمة البيت الكوردية لها علاقة بكلمة " بيات " وهي إحدى المقامات الأصيلة في الموسيقى الشرقية " ( 2 ) .
إن هؤلاء الشعراء ومنظمي الأبيات كانوا يلقون ما توصلت إليه قرائحهم ويغنون تلك الأحداث في مجالس كبار القوم، وفي نواصي المساجد، وفي بيوت راحة القوافل عند الطرق على مسامع المتعطشين دائماً لسماع الأخبار بلهفة ويستمتعون في الوقت ذاته بما تجود بها حناجر أولئك الشعراء والمغنين .
وبهذه الطريقة أستطاع أولئك الأوائل أن يخلدوا تلك المصائب والأحداث، وإغناء الأدب والفولكلور الكوردي في نفس الوقت، يوماً بعد يوم . ( 3 )
إن هذا الأدب الشفاهي حفظ عن ظهر القلب من شخص لآخر ومن جيل الى جيل، لتأتي الأجيال اللاحقة لتدونها وتستنبط منها ما وقع على أسلافهم وتضعها أمام أعين معاصريهم، وتحفظها للأجيال اللاحقة .
والفولكلور الكوردي غني جداً بمواده التي تناولت مجمل ما حدث وما وقعت عليه أعين رواتها .
كتب المستشرق والمفكر الأرمني أبو فيان عن الفولكلور الكوردي :
تكمن روح الشاعرية في أعماق كل كوردي، وحتى عند الشيوخ الأميين، أنهم جميعاً يمتلكون القدرة والموهبة في الغناء، وهم يغنون ببساطة وهدؤ، ويغنون لوديانهم وجبالهم وشلالاتهم وأنهرهم وورودهم وأسلحتهم وخيولهم، يغنون للشجاعة وبناتهم الحسان وكل ذلك يتدفق من أعماق مشاعرهم وأنفسهم . (4)

وعن أهمية الفولكلور الكوردي ، كتب فاسيلي نيكيتين :
" إن الأدب الكوردي، هو الفولكلور الكوردي بالدرجة الأولى وأننا لا نجد في ذلك بقايا وتراث الأجيال والأجداد في الماضي فحسب، بل أنه يبرهن على القدرة في الحياة " ( 5) .
وعن غنى الفولكلور الكوردي وإنتشاره بين الشعوب المجاورة للشعب الكوردي .
كتب ن . ي . مار وهو عالم ولغوي ومستشرق كبير . في مقال له عام 1911 .
" حقيقة إن الفولكلور الكوردي ينتشر لا بين الشعب الكوردي وحده، بل وعند شعوب الشرق الأخرى كالعرب، والفرس، الأذربيجان، والأرمن، والآثوريين " .
وبصدد ذلك يقول مينورسكي :
" إن الغناء الكوردي ورواية القصص الكوردية أصبح عادة عامة عند الآثوريين الذين يعيشون في الجبال " (6)
كان لا بد من ذكر هذه المقدمة عن الفولكلور الكوردي، لأن واقعة قلعة دمدم وصلتنا وتعرفت عليها الأجيال اللاحقة من خلال الفولكلور، قبل أن يبدأ الباحثون بأخراجها من بطون الكتب التاريخية القديمة .
العلاقة بين الكورد والصفويين الأذربيجانيين .
المعروف بأن الشاه إسماعيل الصفوي هو مؤسس الدولة الصفوية، لكن جذور تأسيس هذه الدولة يرجع . بالأساس الى الشيخ صفي الدين بن إسحاق الأردبيلي ( 650 – 735 ) بدأ هذا الشيخ من أردبيل بنشر طريقة صوفية جديدة، وسرعان ما إنتشرت هذه الطريقة بين العشائر التركمانية والآذريين في أذربيجان وفي الأناضول ومع تقدم الزمن كانت تزداز السلطة الروحية والمادية بيد أولاد وأحفاد الشيخ صفي الدين، ومن أجل أن يميز مريدو هذه الطريقة أنفسهم عن العامة كانوا يضعون طاقيات حمراء على رؤسهم يطلقون عليها ( تاج الحيدري ) لكن العامة أطلقوا عليهم القزلباش " ذو الرؤوس الحمر " ( 7 ) .
وكان القزلباش هم النواة الأولى لتأسيس القوة الضاربة فيما بعد للحكم الصفوي، إن هذا الأيمان المطلق من قبل مريدوا هذه الطريقة وأستعدادهم بأن يرموا أنفسهم في المهالك بمجرد إشارة صغيرة من أحد شيوخهم، سهل الأمر كثيراً للذين جاءوا إلى الحكم وعملوا الويلات بمن لم يسر في ركابهم . وكان الكورد أحد ضحايا هذه الدولة الجديدة التي بنيت على أساس المذهب الشيعي .
إن العلاقة بين الأكراد والصفويين لم تكن بالطيبة أبداً لأسباب عديدة . أولها : الفرق المذهبي حيث كان الصفويين يدينون بالمذهب الشيعي بينما يدين غالبية الأكراد بالمذهب السني .
ثانياً : الفرق القومي فالصفويين هم من الأذربيجانيين الأتراك، على عكس ما هو شائع لدى الكثير من أنهم من القومية الفارسية .
وعلى رأس هذين السببين كان الأكراد يعتبرون هؤلاء أغراب ودخلاء في المنطقة حصلوا على إمتيازات هامة وأستولوا على أراضيهم بدعم مباشر من أعلى سلطة ألا وهو الشاه الصفوي المنحاز كلياً الى القزلباش . وكانت سياسية مؤسس الدولة الصفوية أسماعيل الصفوي أتجاه الكورد يقوم على ثلاثة ركائز .
1 – عدم إبقاء السلطات بيد القادة والأمراء الكورد، وتعيين قادة من القزلباش مع توطين عشائرهم معهم في المناطق الكوردية .
2 – إجبار سكان المناطق التي كانت تقع تحت قبضتهم في كوردستان على ترك المذهب السني والإنتماء الى المذهب الشيعي .
3 – ولتطبيق هذه السياسة عمد الصفويين في إستعمال أعلى درجات البطش والتنكيل لكل علامات التذمر والمقاومة . ( 8 )
لم تقتصر هذه السياسة على فترة حكم الشاه إسماعيل بل سار جميع من جاء إلى دست الحكم من بعده على نفس النمط، وأثبت التاريخ بأن الذين حلوا محل السابقين هم أشد مكراً وتعسفاً ، وتمسكاً بالأراضي التي أستولوا عليها بالقوة . ففي فترة حكم الشاه إسماعيل وإبنه الشاه طهماسب وخاصة في فترة حكم الشاه عباس الأول ( الكبير ) نقل أكثر من ثلاثين ألف عائلة كوردية إلى الحدود الشرقية إلى خراسان وجعلهم سداً بوجه الدولة الأوزبكية .
وبالرغم من النكبات والويلات الكثيرة التي حلت بالكورد على يد الصفويين، لم يستسلم الكورد أو تلين عزيمتهم فكانوا يقاومون الغزاة بكل ما أوتو من قوة، مما جعل الصفويين وفي مرات كثيرة أن يقوم الشاه بنفسه بقيادة الحملات العسكرية على كوردستان كما حصل في مذبحة العشائر المكرية حيث قاد الشاه عباس الأول بنفسه الحملة، وكما يذكر العلامة محمد أمين زكي بك، " أرتكبت من الأعمال الوحشية والأفعال البربرية ما يقشعر منه جلد الإنسان " . ( 9 ) .
ففي هذا المناخ وهذه الأجواء التعصبية المذهبية حدثت واقعة دمدم .
تقع برادوست في شرق كوردستان ( على الحدود الشمالية لإيران ) قريبة من بحيرة أورمية . وعن قلعة دمدم، يقال والمعروف بين الكورد بأنها قلعة قديمة من أيام الساسانيين فكانت مهجورة وعملت بها الرياح والعواصف والأمطار والثلوج كثيراً من الخراب على مر العصور، فوضع أمير خان يكدست نصب عينيه تجديد هذه القلعة وأتخاذها مقراً ومأمناً لأمارته .
بنيت هذه القلعة على قمة جبل شاهق . تحدها من فوق الجبل أودية عميقة جداً من الشمال والجنوب بحيث لم يكن بحاجة لبناء سور لها من هذين الجبهتين، أما الجبهتين المتقابلتين والتي هي عرض القلعة، فمن الشرق بنيت لها سور عظيم جداً من حيث المتانة والمنعة وفيها أبراج عالية للحراسة والدفاع عن القلعة ولها باب ضخم أيضاً، ومن الغرب أيضاً بنيت لها سور كبير وجد محكم وباب يفتح لجهة الجنوب .
ويؤخذ من رواية ( أسكندر منشي ) الذي كان شاهد عيان في هذه المحاصرة إن القلعة كانت على جانب عظيم من المناعة والحصانة ولم يكن فيها موطن ضغف، سوى ندرة المياه بها حيث كان ثمة خزان واحد يملء من مياه الأمطار وخزان يكبس فيه الثلج عند نزوله كما أنه يوجد بجوارها نبع واحد للمياه يصله بالقلعة طريق واحد سري من أسفل الأرض . ( 10 )
وكانت القلعة تتألف في الحقيقة من خمسة قلاع أحدها هي القلعة الرئيسية وأخرى تسمى ( سولق ) وأخرى (بوزلق ) وقلعة ( نارين ) التي كان فيها مسكن الأمير، والقلعة الشرقية .

أسباب الخلاف ونشوب القتال
عندما أنحاز الأمراء الكورد الى العثمانيين بحكم المذهب السني، وعلى ما قاسوه من ظلم وجبروت الصفويين، لم يرضخ أمير خان يكدست إلى العثمانيين الذين أنتصروا في معاركهم ضد الصفويين بل فضل المكوث عند الأمراء الكورد وفي إحدى المعارك التي خاضها لصالح حاكم ( سهران – سوران ) عمر بك ، قطعت إحدى يديه من المرفق فأصبح منذ ذلك الحين يلقب بــ ( أمير خان يكدست ) أي ( أمير خان ذو الكف الواحدة ).
ويعد أن نصب الشاه عباس على العرش وأستطاع أن يسترجع أذربيجان من العثمانيين، وبسط سيطرته على تلك المناطق، ذهب إليه أمير خان يكدست مستاءً من الترك العثمانيين وبما إنه لم ينحاز إلى العثمانيين، قدره الشاه عباس وبالغ في إكرامه وكلف الصواغ بأن يصنعوا له كفاً من الذهب الأحمرالخالص وصارت شهرته بعد ذلك بــ ( أميرخان لب زيرين ) أي ( أمير خان ذو الكف الذهب ) وأعاد إليه أملاكه المفقودة وأسند إليه منصب حكومة تركور، ومركور، و أورميه وأشنه ورياسة عشيرته برادوست، وأنعم عليه بلقب ( خان ) .
رجع أمير خان إلى محل حكمه وإمارته فألتف حوله الأمراء الكورد نظراً لشجاعته وإقدامه ، وأخذ ببناء قلعة دمدم . وكان الأمراء القزلباش يكرهون أمير خان نظراً للأختلاف المذهبي والعرقي فأخذوا يدسون له لدى الشاه حيث كان الأمير الوحيد الكوردي الذي يتميز بهذه المكانة الرفيعة داخل الأمبراطورية الواسعة الاطراف، وبمجرد شروعه في بناء القلعة أفسح المجال لحساده وأعدائه إن يحبكوا خيوط المؤامرة ضده .
وكان أكثرهم عداوة للأمير هو ( بير بوداق ) حاكم تبريز فأخذ هذا الأمير يكيل التهم ويحبك خيوط المؤامرة ويضخم من أفعال الأميرخان لغير صالحه لدى الشاه عباس . وأخيراً أستطاع بير بوداق من إقناع الشاه إن يسترجع الأذن لبناء القلعة من أمير يكدست بعد إن صور له أن بناء قلعة من قبل هذا الأمير الكوردي السني المذهب بهذه القوة والمناعة هي ليست في صالح الإمبراطورية، وأن أمير خان ينوي العصيان وأعلان حكمه وأستقلاله مستقبلاً .
ولم يكن الشاه عباس أقل كرهاً وعداوةً للكورد الذين ما أنفكوا أبداً عن شق عصى الطاعة عليه .
وفي هذه الأثناء وصل زهاء عشرين ألف من الأشقياء الجلاليين الفارين من الإميراطورية العثمانية من جراء مطاردة ( قويوجي ــ مراد باشا ) لهم فأستغل الشاه عباس هذه الفرصة وبعث بثمانية آلاف من هؤلاء الجلاليين مع جيش كبير بقيادة بير يوداق الى أمير يكدست ليسكنهم بين ظهرانيّ عشيرته، فلما بلغ ذلك الأمير بعث للشاه يخبره بصعوبة تنفيذ الأمر لسببان أولهما : عدم إمكانية الوثوق بهؤلاء الأشقياء الذين لا يأتمن جانبهم وخاصة إن عددهم لا يستهان به .
ثانياً : من أنه يخشى العاقبة لو فرض على القوم سكناهم، لا سيما بعد أستشارة كبار ووجهاء العشيرة لم يوافقوا على هذه المبادرة، وخشي أن ينقلبوا عليه .
النتيجة وبعد تبادل عدة رسائل لم يصغي أمير خان للأمرالشاهاني، مما أدى الى إعلان الحرب على الأمير ومن معه . حاول أمير خان بكل الوسائل تجنب الواقعة لكن بائت جميع محاولاته بالفشل،لأن الوفود المرسلة هي أساساً تريد الخلاص من هذا الأمير المعتز بنفسه . فجاء أعتماد الدولة من أردبيل بقوة عسكرية، وتحرك بير بوداق بقوة عسكرية أخرى من تبريز، وبُعِثَ وراء عدادي المدافع والرمات من أصفهان، وجاءوا بقوة عسكرية أخرى من خراسان، وزِعَ الجلاليين على الجيش الصفوي، وبعث الشاه بخمسة آلاف تومان ذهب لتوزع على الجلاليين، وعَسكَر هذا الجيش العرمرم حوالي القلعة، وبدءوا بوضع الخطط العسكرية لإقتحام القلعة، فتوزع الجيش من عدة جهات حوالي القلعة يرمون الأبراج والحصون بوابل من الكرات الحديدة والحجرية من المدافع، ومن جهة أخرى كان ( مهندسوا ) الآبار والحفريات، يحفرون الأنفاق دون كلل لإيجاد خط المياه السري الذي يصل القلعة والذي كان هو الشريان الرئيسي لبقاء البرادوستيين على قيد الحياة والمقاومة .
فكانت المعارك تدور رحاها بأعلى درجاتها، فأظهر الكورد المدافعين صوراً خارقة للبطولة والأقدام، حيث كانوا يخرجون من القلعة على شكل فرق صغيرة عندما يحل الظلام يهاجمون القزلباش ويكبدونهم خسائر بشرية جمة، وفي المقابل لم ينقطع إطلاق المدافع لرمي الأبراج والحصون، وحفر الممرات وتغطيتها والمرور منها للوصول إلى جدران القلعة علهم يستطيعون حفر نفق من تحت الجدران أو فتح ثلمة في جدران القلعة . وفي إحدى المرات وبعد وصول عدد غير قليل من القزلباش إلى جوار جدران القلعة خرج إليهم البرادوستيين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا عدد منهم وإصطحبوهم إلى داخل القلعة، فما كان من الأمير إلا إن أمربتضميد جراحهم وإطلاقهم إلى خارج القلعة مكافأة على شجاعتهم وأقدامهم، حيث خاطب الأمير مقاتليه، أبداً لم تكن مكافأة الشجاعة الغدر والقتل . بهذه الكلمات البسيطة المعبرة أظهر أميرخان يكدست الروح العالية التواقة للحرية التي يتحلى بها . وتستمر المعارك دون هوادة .
إن القاسم المشترك الذي كان يجمع القواد القزلباش، هو كرههم للأمير يكدست للأسباب التي ذكرناها ،
وتقسيم أملاكه فيما بينهم، فلذلك كانوا يحاربون بشراسة لا مثيل لها في سبيل القضاء على يكدست، والتخلص من هذا الأمير الذي يعتبرونه منافساً لسلطاتهم في المنطقة التي إستولوا عليها أساساً بالقوة .
بعث الشاه عباس مرات عدة بالمؤنة والسلاح والمقاتلين لجيشه الذي تكبد خسائر فادحة من جراء مهاجمة ومباغتة الكورد إليهم .
وبعد أربعة شهور من الحصار والمعارك أستطاع القزلباش من الوصول إلى قلعة سولق التي كانت فيها الحامية المكلفة بحماية مصب النبع السري بعد القضاء على من فيها، فبدأ العمل على مدار الساعة لسد وتحويل مجرى الماء عن الحوض .
فقضى الأكراد البرادوستيين إحدى وعشرين يوماً في غاية الصعوبة حيث العطش المميت من جهة والقتال من جهة أخرى ، ولعدم توفر مياه الشرب كانوا يشربون المياه الآسنة المتبقية في قعر الحوض، مما أدى إلى إخراج حوالي ألف من النساء والأطفال والعجزة إلى خارج القلعة بإرادتهم خوفاً عليهم من الموت عطشاً .
ترى هل أراد هؤلاء القزلباش الإنتقام لموت سيد الشهداء الحسين في واقعة كربلاء بعد إن قطع جيش يزيد أبن معاوية الماء عنهم، من الأكراد البرادوستيين ؟
لكن السماء كانت أرحم، وبعد أحدى وعشرون يوماً من قطع المياه، يدأت الغيوم ترعد وهطلت الأمطار مدراراً على مدى شهر كامل على الرغم من إن الموسم لم يكن موسم أمطار فأمتلأ صهريج القلعة بالماء وفاض، يكفيهم لمدة ستة شهوراً أخرى . وأمام هذا الوضع الجديد غير المنتظر أمر الوزير القائد الأعلى للحملة بالهجوم الشامل ومن كل الجهات على القلعة دون الحساب للخسائر البشرية، تساقط مئات القتلى على يد الرماة الكورد من الذين كانوا يرمون المهاجمين بالبارود والسهام من أعالي الأبراج، لكن الأوامر كانت صريحة وحازمة لا رجعة أبداً ويجب الإستيلاء على القلعة مهما كلفهم ذلك، ولعب شيوخ الطريقة الصفوية دوراً بارزاً بحث القزلباش لمحاربة هؤلاء ( الأشرار) كما كانوا يلقبونهم ( كان شيوخ الطريقة يرافقون الجيش بحملاتهم العسكرية في المعارك ) ، لأن صبر الشاه أخذ ينفذ، وأخيراً أستطاع الجيش المهاجم الذي كان أكثر من المدافعين بثلاثة وعشرين مرة من فتح ثلمة في أحد أبراج القلعة من جراء رمي المدافع مما سهل الأمر لدخول القزلباش بأعداد كبيرة إلى الداخل وكان فيه ( قرا بك ) ورجاله فأبادوهم عن بكرة أبيهم، إن هذا الإنتصار الجزئي رفع من معنويات المهاجمين فأخذوا يزدادون شراسة وهجوماً . لكن وفي هذه الأثناء ومن دون أن يعرف السبب مات الوزير معتمد الدولة فجأة عقب هذه الحادثة مباشرة، فعين الشاه ( محمود بك ) البيكدلي سرداراً، أي قائداً فوصل القائد الجديد ليكمل ما بدأه سلفه، وأستمرت المعارك بضعة شهور أخرى قبل إن يتمكن القائد الجديد من فتح ثلمة في حصن آخر . وبعد ذلك بدأ المهاجمين يزدادون هجوماً ، وتقل الدفاعات رويداً رويداً، الى أن تمكن القزلباش من فتح أبواب القلعة ودخول الآلاف إليها .
عندما لاحظ أمير خان بأنه لا فائدة من المقاومة وأستمرار القتال ، جراء تغير الموقف رأساً على عقب لصالح القزلباش المهاجمين وحفاظاً على أرواح من تبقى، أعطى أوامره بوقف القتال وبعث برسالة الى القائد الأعلى يعلن فيه استسلامه بشرط أن لا يمسهم أحداً بمكروه وأن يوصلوه سالماً الى الشاه عباس ليتباحث الأمر معه وأنه راضٍ بما سيحكم به الشاه، وافق القائد الأعلى للحملة على شرط أمير خان .
فخرج أمير خان مع أولاده ومائة من رجاله بكامل سلاحهم الى خارج القلعة، وفعلاً نفذ القائد العام ما وعد به وأمر قواته بأن لا يصيب الأمير ومن معه مكروه، وأستقبلهم بحفاوة بالغة وأمر بنصب خيمة كبيرة لتسعهم جميعاً، وأرسل في طلب جميع القواد للحظور لملاقاة أمير خان . لكن أحد القواد المدعو حسن خان كان ناقماً جداً على الأمير لكثرة ما وقع من قواته قتلى على يد البرادوستيين ، فلم يدخل الخيمة وبعث بطلب القائد الأعلى، وقال له والله عَجبتُ من أمرك أيها القائد ولا أدري كيف فاتك بأن هؤلاء البرادوستيين يعتبرون أنفسهم الأن في عداد الموتى ، فكيف تأمن جانبهم وهم في هذا العدد في مكان واحد مع كامل أسلحتهم ، فمن الأفضل أن تجردهم من السلاح وتوزيعهم فراداً على قواتنا ليكونوا تحت مراقبتنا .
أقتنع القائد العام بهذه الفكرة دون أن يدرك ما يرمي أليه حسن خان ، وجاءت النتيجة حسب ما توقع حسن خان من إن أمير خان سيلازمه الشك لهذا التصرف وسيرفض الأمر . وعند ذاك سيجد حسن خان الحجة للنيل منهم ، وهذا ما حصل بالضبط .
ومنذ البداية حين لم يدخل حسن خان الخيمة وخروج القائد الأعلى وتأخره خارجاً، ساور الأمير ومن معه الشك لهذه التصرفات، وحدثت الحادثة حيث رفضوا الأنصياع للأمر وأشتبك الطرفان وجهاً لوجه وقاتلوا لآخر رجل فيهم .
لكن بقي أن ننوه بدور النساء الكورديات البطولي في تلك الملحمة الخالدة، فلم يكن دور المرأة أقل شأناً من دور الرجل فبينما كانت تسهر وتعد الطعام للمقاتلين، كانت واقفة جنب الى جنب زوجها، أو حبيبها تحثه وترفع من معنوياته للأستمرار والدفاع، كانت تضمد الجراح، وتملأ البنادق بالبارود، وعند دخول القزلباش إلى داخل القلعة قاتلت وجهاً لوجه بالسلاح الأبيض وأشتبكت مع الغزاة المهاجمين بالأيدي، ومن تبقى منهن على قيد الحياة فضلن الأنتحار برمي أنفسهن من أعالي أبراج القلعة إلى الوديان السحيقة لتتقطع أجسادهن أرباً على الصخور الحادة ، على أن يقعن أسيرات بيد القزلباش فرسمن بتلك الأعمال البطولية صفحة خالدة لا يستطيع أي دارس أو باحث إن يمر بها مرور الكرام .
وتستمر شجاعة وبأس المرأة الكوردية، وبعد ستة إعوام من سقوط القلعة إستطاعت إحدى زوجات أمير خان يكدست التي كانت متخفية داخل القلعة ومتنكرة، أن تنظم صفوف من تبقى خارج القلعة من العشائر المكرية ، ( 11 ) وأن تتصل بــ ( آلوغ بك ) أحد الأمراء الكورد المتبقين على قيد الحياة بعد مذبحة العشائر المكرية بعد الحملة العسكرية التي قادها الشاه عباس بنفسه بعد سقوط القلعة. وفي إحدى الليالي تسللوا الى داخل القلعة بمساعدة هذه المرأة " يقول هيمن المهابادي الشاعر من إن أسكندر منشي يذكر في كتابه تاريخ عالم آراي عباس دور هذه المرأة، لكنه يصفها يكثير من الحقد بكلمات غير لائقة " . علماً بأن أسكندر منشي كان المؤرخ الرسمي للدولة في زمن عباس شاه وكان شاهد عيان في تلك الحرب فلذلك ليس غريباً من أن يصب عليها جام حقده بعد أن إستطاعت هذه المرأة العظيمة إن تكبد القزلباش خسائر بشرية كبيرة وأن تثأر في ذات الوقت لأهلها وعشيرتها من الغزاة القزلباش، من أحدى الفتحات السرية الى داخل القلعة، وقتل جميع المحافظين القزلباش، وما أن علم حاكم مراغة بذلك سارع الى النجدة، وكذلك عمل بير بوداق ( 12 ) حاكم تبريز . وبينما كان ( آلوغ بك ) يوزع البارود على رجاله شائت الأقدار أن تشتعل النار في مخازن البارود فأصيب بعينيه وكذلك جرح العديد من رجاله فلم يستطيعوا البقاء طويلاً وتسللوا إلى خارج القلعة ليلاً من ذات الفتحة السرية .
وأخيراً أنتصر الصفويين على الأكراد في هذه الواقعة وماتلتها من حروب ، لكنهم ومع مرور الزمن لم يستطيعوا البقاء والصمود طويلاً في تلك المناطق لأن السكان الأصليين لتلك البقعة لم يستسلموا أو يرضخوا للأمر الواقع بل بقوا في أماكنهم راسخين رسوخ جبالهم، ومغروسين في أرضهم كأشجار البلوط .
تشتت القزلباش فيما بعد ، وبقي الكورد .

الهوامش :
1 ـ دمدم ــ عره ب شاميلوف ـ ترجمة شكور مسته فا ــ من المقدمة ــ كتابة هيمن .
2 ــ نفس المصدر
3 ــ نفس المصدر
4 ــ دراسة في أدب الفولكلور الكوردي ــ الدكتور عزالدين مصطفى رسول
5 ــ نفس المصدر
6 ــ نفس المصدر
7 ــ كورد وعه جه م ـ ميزوي سياسي كورده كاني ئيران ـ صالح محمد أمين . وصالح محمد أمين هو الاستاذ نوشروان مصطفى .
8 ــ نفس المصدر
9 ــ تاريخ الكورد وكردستان ـ العلامة محمد أمين زكي بك ـ الجزء الأول
10 ــ نفس المصدر
11 ــ ولد النبي الكوردي زرادشت في هذه المناطق ولذا يعتبر الكورد المكريين من أقدم الكورد تاريخياً .
12 ــ ( بير بوداق ) كان ألد أعداء الكورد وكل أتباع المذهب السني، في العام 1025 هــ 1616 م قتله زينل خان أحد أمراء عشيرة محمودي الكوردية ثأراً لأمير خان يكدست .
• تجدر الاشارة إلى إن واقعة ملحمة دمدم حملت العلامة المستشرق المسيو ( و . مان ) على أن يذكرها بشئ كثير من الإجلال والإعجاب .
• سجل القاصان الكورديان عرب شاميلوف ومصطفى صالح كريم أحداث ملحمة دمدم في قصتين لهما مكانتهما المتميزة في الأدب الكوردي المعاصر . فقد ترجمت قصة شاميلوف إلى عدد من اللغات ، بما فيها الروسية في العام 1969 . تقع الترجمة الروسية لدمدم في 206 صفحات ، وطبعت منها 30 ألف نسخة . وصدرت من قصة ( شهداء قلعة دمدم ) للقاص مصطفى صالح كريم طبعتان حتى الآن . كما نشر الدكتور أورديخان جليلوف دراسة مفصلة باللغة الروسية حول الموضوع نفسه ، راجع أيضاً ( بطولة الكورد في قلعة دمدم ) إعداد جاسم جليل ، ترجمة شكور مصطفى ، تقديم ومراجعة الدكتور عزالدين مصطفى رسول ، بغداد 1983 . ( من هامش كتاب الدكتور كمال مظهر أحمد، دراسات في تاريخ إيران المعاصر )

المصادر :
1 ــ كورد وعه جم ـ ميزوي سياسي كورده كاني ئيران " نوشرؤوان مصطفى "
2 ــ شرفنامه شه رفخاني بدليسي ( الطبعة الكوردية )
3 ــ شرفنامه ( الطبعة العربية ) ترجمة محمد علي عوني
4 ــ دراسة في أدب الفولكلور الكوردي ـ الدكتور عزالدين مصطفى رسول
5 ــ خلاصة تاريخ الكورد وكردستان ـ العلامة محمد أمين زكي بك ـ الجزء الأول
6 ــ دراسات في تاريخ إيران المعاصر ـ الدكتور كمال مظهر أحمد
7 ــ الجزء الثاني من خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان
8 ــ المقدمة الرائعة للشاعر هيمن المهابادي ـ لرواية دمدم لعرب شاميلوف






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,863,056,550
- المسيجية في بلاد الرافدين شجرة باسقة وعملاقة ، ووارفة الضلال
- الأرقام والأحصائيات ، ياليتها نطقت، لكنها تفصح ، وتقول الكثي ...
- ما دخل تركيا بتمتع الكورد في العراق بالتمتع بالحكم الذاتي
- القرار 137 = العودة الى عصر الحريم
- قراءة في مؤتمرات المعارضة العراقية - سابقاً - حول الفدرالية ...
- النفط وكركوك كانتا ولا تزالان، وبالاً على الشعب الكوردي
- إمارة سوران في عهد الباشا الكبير محمد كور باشا الراوندوزي
- بخطوات واثقة يخطو الحوار المتمدن عامه الثاني
- عفوا مولاي زهير كاظم عبود ... لا أتفق معك
- سعدي يوسف لماذا تجعل الآخرين يسيئون الظن بك ؟
- أخي الكبير القاضي الفاضل زهير كاظم عبود الأكرم
- الفرهود من سيعوضني عن النفائس التي فقدتها؟
- هل صحيح ما يقال ؟ - إن لم تكن ذئب بين الذئاب لَباّلتْ عليك ...
- غريب أمر هذا التركي الثقيل الظل
- رُفات تناجي ملائكة السّلام ألم للضمائر الحية قبالة احتراق ال ...
- لا غبار على كوردستانية كركوك، وهي كانت ضمن المحيط الكوردي عل ...
- إسماعيل آغا الشكاكي - سمكو
- إستشهاد آية الله السيد محمد باقر الحكيم ضربة قوية لصوت الاعت ...
- مثل هذه الأحداث لا تعكر صفوة العلاقات التاريخية بين الكورد و ...
- يا شيعة العراق أتحدوا


المزيد.....




- الوحدة الشعبية يحذر من تداعيات تأجيل العام الدراسي في الأونر ...
- الأمم المتحدة تطالب بوقف مآزق سفن الإنقاذ في المتوسط
- واشنطن تصعد لهجتها مع السعودية وتوجه -طلبا عاجلا- بشأن المعت ...
- الخميس.. الهلال الأحمر الكويتي يسير 14 شاحنة إغاثة إلى اليمن ...
- السلطات الموريتانية تستبق الانتخابات باعتقال مرشحين معارضين ...
- حقوق الانسان توثق -سوء الخدمات- المقدمة في مخيمات النزوح بصل ...
- أميركا تدعو السعودية للشفافية بشأن النشطاء المعتقلين
- بومبيو يجري محادثات مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا
- هيئة مكافحة الفساد تواصل حملاتها التوعوية مع المقيمين بالخار ...
- قوة من جيش الإحتلال ألقت قنبلة دخانية باتجاه عناصر من الجيش ...


المزيد.....

- الكرد في المعادلات السياسية / بير رستم
- الحركة الكردية؛ آفاق وأزمات / بير رستم
- دفاعاً عن مطلب أستقلال كردستان العراق - طرح أولي للبحث / منصور حكمت
- المجتمع المسيّس في كردستان يواجه نظاماً سلطانياً / كاوه حسن
- الحزب الشيوعي الكوردستاني - رعب الاصلاح (جزء اول) / كاميران كريم احمد
- متى وكيف ولماذا يصبح خيار استقلال أقليم كردستان حتميا؟ / خالد يونس خالد
- المشكلة الكردية في الشرق الأوسط / شيرين الضاني
- الأنفال: تجسيد لسيادة الفكر الشمولي والعنف و القسوة // 20 مق ... / جبار قادر
- انتفاضة السليمانية وثورة العشرين / كاظم حبيب
- الطاولة المستديرة الثانية في دمشق حول القضية الكردية في سوري ... / فيصل يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - عوني الداوودي - شهداء قلعة دمدم