أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - سامية نوري كربيت - دعوة الى مؤرخينا في العراق















المزيد.....

دعوة الى مؤرخينا في العراق


سامية نوري كربيت

الحوار المتمدن-العدد: 3166 - 2010 / 10 / 26 - 17:35
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    



من المعلوم إن في بعض المجتمعات لرجال الدين والمؤرخين والكتاب والمفكرين دورا رئيسيا في بناء الرأي العام وتحديد اتجاهاته , ويقينا أن دور رجال الدين في المجتمعات التي تؤمن بدين معين أو مذهب خاص لها الأولوية في توجيه الأفكار وتبني الأيديولوجيات الدينية المتعصبة أو كما يقال المتشددة حتى بين الفئات التي نالت حظا وافرا من التعليم وأحيانا تكون هذه الفئة قد حصلت على درجات علمية مرموقة , ومشكلة هؤلاء أنهم تعمقوا في دراسة ما يؤمنون به فقط بالاعتماد على كتب أو بحوث من يعتقدون فيهم العلم والمعرفة الواسعة في الموضوع الذين يهتمون بدراسته والتعمق فيه بدون الاطلاع على ما يخالف ما يعتقدونه , وهذا ما يطلق عليه بالانغلاق الفكري أو النظرة الأحادية للأحداث أو الأفكار أو المعتقدات بحيث لا يبقى لديه أي استعداد لسماع الآخرين أو مناقشتهم أو الاطلاع على الأفكار والمعلومات التي يحملونها والمصادر التي لديهم , ويبقى هؤلاء المثقفون ثقافة أحادية وحاملوا الرأي الواحد يرفدون المجتمع بآرائهم التي قد تكون على الأغلب متشددة وغير منفتحة على الآخرين , مما يخلق جوا من العداء والكراهية للأطراف الأخرى المخالفة لهم في فهم الحقائق التاريخية ومن الذين يتبنون وجهات نظر لاتتفق مع المنطلقات الفكرية والعقائدية للطرف الأول .
وإذا أعطينا العذر لرجال الدين المتعصبين الذين يقتاتون من تعصبهم وتحريفهم للحقائق حفاظا على مصالحهم الشخصية من مراكز وأموال تغدق عليهم بغير حساب من قبل من يريد قيادة الجماهير كقطعان أغنام , واقصد بهم هنا الحكام الذين يستندون على توجيهات رجال الدين وفتاويهم بإخضاع شعوبهم والاستئثار بالسلطة لهم ولذريتهم من بعدهم , وهي نفس الطريقة التي حكم بها ملوك وأباطرة أوربا الدول المسيحية في أنحاء العالم خلال العصور الوسطى والتي يطلق عليها بالعصور المظلمة , والتي امتدت لأكثر من ألف عام مستندين على فتاوي أصدرها رجال الدين المسيحيين الذين كانوا يستجيبون لطلبات هؤلاء الأباطرة والملوك ليس حبا بهم أو قناعة بكفاءتهم ولكن رغبة بالحصول على المكاسب المتنوعة التي كانوا يحصلون عليها فأصبح رجال الدين يحسبون من بطانة هؤلاء الملوك , فاوجدوا ما عرف بالحق الإلهي للحكم الذي أعطى الحكام الحق في امتلاك كل شئ حتى رقاب العباد وأصبحت الدول بأراضيها وأموالها وأملاكها وشعبها ملكا لهؤلاء الحكام الذين غرر رجال الدين بشعوبها وأقنعوها بان هؤلاء الحكام يحكمون بسلطة مستمدة من الله , هؤلاء الحكام الذين عاشوا هم وبطانتهم ورجال دينهم يتمتعون بكل شئ وحرمت شعوبهم من ابسط مقومات الحياة وهي راضية وخانعة بعد أن أقنعها رجال الدين بان حكم الملوك مستندا لإرادة الخالق ولا يجوز مخالفتهم مطلقا . ولم تستفق الشعوب الأوربية المسيحية من هذا الكابوس إلا بظهور المفكرين والكتاب والفلاسفة الذين رفضوا استغلال الدين وتحريفه لخدمة مصالح الحكام وشيئا فشيئا انتهت سلطة رجال الدين فعليا على الشعوب , وإذا كان الآن لأي منهم سلطة فهي رمزية ولا تعني شيئا فعليا , ولم تعد لأراء رجال الدين أي تأثير في الرأي العام الشعبي وأصبح توجيه الرأي العام مسؤولية الأحزاب السياسية والمفكرين والكتاب ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني , وأصبحت كتابة التاريخ لدى المؤرخين مهمة أخلاقية هدفها بناء المجتمعات وتجاوز الأحداث المؤلمة والخلافات والحروب التي حصلت بين الدول الغربية وعلى مدى عدة قرون واغلبها كان بسبب الانقسام المذهبي ولو انه غلف بأسباب أخرى , والذي أثار انتباهي في أوربا هو أن الكتب المدرسية ولكل المراحل والتي تتناول التاريخ تتجاوز كل السلبيات التي حدثت بين الدول الأوربية وتبرز كل الايجابيات بدون أن تحاول التطرق إلى كل ما يثير النعرات الدينية والمذهبية , كما إن المدارس الخاضعة لإدارة الدولة ألغت تدريس مادة الدين مع سماحها للطوائف الدينية بتدريس مادة الدين في مدارسها الخاصة ووفق اعتقادات تلك الطوائف وأديانها , وحتى عندما زرت برلين هذه المدينة التي دمرت بأيدي الحلفاء في الحرب العالمية الثانية سمعت من الكثيرين بأنهم يرفضون التحدث عن هتلر دكتاتور ألمانيا الذي كلف العالم زهاء ستين مليون إنسان بين قتيل ومفقود ومعوق , وان الشعب الألماني قد قرر تجاوز هذه المرحلة وعدم التحدث عنها إلى حد أن الوكر الذي كان يعيش فيه هتلر تم بناء سياج عالي حوله بدون أية إشارة تنم عن المكان وصاحبه .
ان ما ذكرته كان نبذة مختصرة جدا لقدرة رجال الدين بالسيطرة على العقول وتوجيه الرأي العام الوجهة التي يرغبون بها والتي لا زالت الدول الإسلامية تعاني منها لحد اليوم , وإذا كان لرجال الدين دوافعهم الخاصة في تضليل الجماهير فاني أتسال عن ماهية الدوافع التي تدفع قسم من المؤرخين إلى تجنب الحيادية والانحياز إلى طرف من الأطراف في نقلهم للأحداث التاريخية أو في تحليلهم للأسباب والعوامل التي أدت إلى وقوع حدث ما والنتائج التي ترتبت على ذلك الحدث , حيث إني ألاحظ أحيانا كثيرة عندما اقرأ بعض المواضيع التاريخية التي يكتبها قسم من مؤرخينا عدم التمسك بالأمانة العلمية وتحريف الوقائع أو تشويه الحقائق التاريخية على الرغم من وجودها في المصادر والمراجع المعتمدة , وباعتقادي إن ما يحدث من قبل هؤلاء هو ليس خطا غير مقصود أو جهلا بالمعلومات الصحيحة ولكنه أيضا نوعا من التعصب الذي يقود صاحبه إلى إغفال الحقائق أو تحريفها وهذا العمل هو اخطر بكثير عما يقوم به رجال الدين لأن الشخص المثقف قد ينتبه إلى أهداف رجال الدين ولكن يصعب عليه أن يتخيل بأنه يمكن لأستاذ تاريخ جامعي حاصل على أعلى الشهادات والدرجات العلمية أن يحرف التاريخ , وهو يعلم إن مهمته البحث الواعي في أعماق كتب التاريخ والموروث الحضاري واستخلاص النتائج والدروس والعبر منه وليس التحريض أو كتابة التاريخ حسب اعتقاده أو رؤيته الخاصة أو بدوافع مصلحيه لان ذلك قد يسئ الى وحدة المجتمع وتماسكه .
إن ما دفعني إلى كتابة هذا الموضوع هو سماعي بان كتب التاريخ قد تقرر إعادة كتابتها في العراق ولمختلف المراحل وأنا هنا لا أدافع عن كتب التاريخ التي كانت تدرس في العراق لأنها أيضا كانت أحادية في نظرتها إلى الأحداث التاريخية وتعمل على تمجيد طرف والحط من شان أطراف أخرى , وهذا ليس رجما بالغيب بل إني قد عشته سابقا في العراق سواء عندما كنت طالبة في الجامعة في قسم التاريخ حيث شاهدت تطرفا من بعض الأساتذة وانحيازا إلى مذهب دون آخر , كما اذكر أن احد أساتذتنا كان متعصبا جدا مذهبيا مما كان يؤدي في أحيان كثيرة إلى نقاشات حادة بينه وبين الطلاب من المذهب الآخر , ولا اعتقد إن ما كان يحدث كان يخدم العملية التعليمية بل انه كان يعمق الخلافات بين الطرفين , وحتى خلال السنوات التي درست فيها مادة التاريخ في العراق كنت ألاحظ أن كتب التاريخ تروج لطرف دون آخر وبمعنى آخر تخدم فكر فئة على حساب فئة أخرى سواء أكانت مذهبية أو قومية مما كان يسبب نوع من الإحباط وأحيانا الحقد عند الطرف الآخر , وبالتأكيد كان السبب رضوخ عدد كبير من مؤرخينا لإرادة السلطة الحاكمة إما تعصبا أو خوفا أو تزلفا أو طمعا بالمكاسب التي كانت السلطة السابقة تغدقها بدون حساب على مروجي أفكارها بتشويه الحقائق وتزوير التاريخ .
إن التاريخ ليس كما يعتقد البعض هو سرد لأحداث الماضي والتمتع بسير الذين سبقوا من الملوك والحكام وكذلك ليس شرحا لوقائع الحروب والمعارك والصراعات السياسية والدينية , وليس استعراضا لتاريخ الدول وكيفية قيامها وسقوطها , إن التاريخ في الحقيقة هو مدرسة متخمة بتراث غني من التطور الحضاري والإنساني ومن تجارب شعوب متباينة في تجاربها على طريق بناء مستقبل أجيالها مستمدة منه ما يعينها على بناء نهضتها وتجنب أخطائها , انه مسيرة شعب وليس مسيرة حكام , انه كفاح شعب من اجل الحياة ومن اجل مستقبل الأجيال القادمة , انه تضحيات الأجداد في بناء صرح الحضارة وخاصة في العراق , ولا يجوز لمؤرخينا أن يختصروا تاريخنا بالصراعات الدينية والمذهبية ومن له الحق في حكم العراق ومن ليس له الحق , إن العراق ليس وقفا على طائفة واحدة أو قومية واحدة أو دين واحد , فعلى أرضه عاشت أجيال متنوعة من القوميات والأديان صنعت حضارته وجعلت منه منارة مشعة للعالم في التطور والازدهار وفي جميع مجالات العلم والأدب والفكر , وكل قومية منه وكل طائفة أو دين لها بصمة فيه فلا تغمطوا الآخرين حقوقهم واعملوا على نشر ثقافة التسامح والمحبة بين العراقيين وتجنبوا في بحوثكم ما يفرق وما يثير النزعات الطائفية والقومية , فالعراق ملك الجميع وخيراته يجب أن تكون للجميع بدون استثناء , والتاريخ لن يسامحكم إذا ما عملتم على نشر ثقافة الانغلاق والتحيز لفئة دون أخرى , فمهمتكم ثقيلة وهي أمانة في أعناقكم وعليكم أداء هذه الأمانة بإخلاص مبدئي بعيد عن التسييس والمصالح الفئوية والشخصية .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,268,197
- أحتفلوا بعيدكم التاسع ومشاعل النصر والفوز المؤزر بأيدكم
- الحياة الجنسية في الغرب هل هي اكثر ابتذالا وانحرافا منها في ...
- تخليدا لغزوة مانهاتن الترهيب بعد الترغيب لتنفيذ مشروع مسجد ق ...
- هل يدفع العراقيون ثمن صراع على الحكم بدأ قبل 1400 بين الامام ...
- الاسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية والتحديث في العالم العرب ...
- اقباط مصر شعب تنتهك حقوقه وتستباح حرماته على ارضه وارض اجداد ...
- التحالفات المصلحية والديمقراطية المزيفة في العراق
- نصر حامد ابو زيد فيلسوف في زمن العهر العربي
- الجذور المسيحية للحضارة العربية الاسلامية - 3
- الجذور المسيحية للحضارة العربية الاسلامية - 2
- الجذور المسيحية للحضارة العربية الاسلامية - 1
- قادة العرب لا يتعلمون من التاريخ
- اسهامات مسيحي الشرق في اغناء الحضارة الاسلامية
- ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني في حياة المرأة العربية
- اقتل مسيحيا وتمتع بالجنة
- الفساد الاداري والمالي للسلطة الحاكمة واثره في تخلف المجتمع
- حرية الرأي وثقافة الخوف في العراق
- لماذا تهدر حقوق الأقلية المسيحية في العراق
- الصراع بين العلمانية ورجال الدين في العراق
- حقوق الإنسان في العراق المؤمن و حقوق الكلاب في دول الغرب الك ...


المزيد.....




- شاهد كيف ودع مواطنو كوريا الشمالية زعيمهم إلى روسيا
- هكذا ودع فلاديمير بوتين كيم جونغ أون
- شاهد: كيف تصرف بوتين وكيم خوفا من "الخيانة" والفأل ...
- تفجيرات سريلانكا: انتحارية فجرت نفسها وقتلت طفليها ورجال أمن ...
- -بعنا ابنتنا ذات الخمس سنوات في صفقة زواج لدفع نفقات علاج أخ ...
- شاهد: كيف تصرف بوتين وكيم خوفا من "الخيانة" والفأل ...
- الربيع يضفي جمالا على جمال وادي -رواندز- في العراق
- اقتراح فرنسي قد يغلق الـ-شنغن- بوجه عدد من الدول الأوروبية
- أبناء روسيا بذلوا الأرواح لتحرير كوريا
- بوتين يدعو لرد جماعي على العقوبات الأحادية التي توّلد الإرها ...


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين
- لدليل الإرشادي لتطبيق الخطط الإستراتيجية والتشغيلية في الج ... / حسين سالم مرجين - مصباح سالم العماري-عادل محمد الشركسي- محمد منصور الزناتي
- ثقافة التلاص: ذ.محمد بوبكري ومنابع سرقاته. / سعيدي المولودي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - سامية نوري كربيت - دعوة الى مؤرخينا في العراق