أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: الانتخابات والدولة المدنية والديمقراطية في العراق - جعفر المظفر - الديمقراطية وأخطار المثقفين















المزيد.....

الديمقراطية وأخطار المثقفين


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 3002 - 2010 / 5 / 12 - 18:56
المحور: ملف: الانتخابات والدولة المدنية والديمقراطية في العراق
    



أخطار كثيرة وخطيرة تجابه الديمقراطية العراقية, منها ماهو خارجي إقليمي, ومنها ما هو داخلي منشأه ليس فقط القوى التي لا تؤمن بالديمقراطية وتتناقض معا كنهج وعقيدة وإنما أيضا القوى التي تساهم في لعبة الديمقراطية ذاتها, أي القوى التي يفترض إنها صاحبة المصلحة الحقيقة في العملية.
لكن ثمة عدو آخر للديمقراطية من داخلها وهو خطر المثقفين والمنظرين الذين يمجدون الديمقراطية ويبشرون بها بطريقة أكاديمية بحتة أو بالمقاربة الميكانيكية من تجارب ديمقراطية أخرى.
المثقف ذا خطورة شديدة على أبناء قومه حينما يعتقد إن سعة ثقافته تمنحه حق التوجيه الذي يجتاز حدود الرأي والاستشارة لكي يتسيد بهما خانة التعاليم والوصايا ناسيا إن قيادة التحولات الاجتماعية الخطيرة تتطلب مع الثقافة المكتبية, بل قبلها بالضبط, أن يكون قائد هذه التحولات أو المرشد إليها ذا خبرة واسعة وعميقة ولصيقة بشؤون المجتمع وحركته السياقية اليومية بحيث يكون قادرا على تشخيص المفاصل الحركية والإمساك بمكونات اللحظة الاجتماعية. فإذا ما جاء دور الثقافة والنظريات فسيأتي استشاريا في خدمة هذه المقدرة وليس موجها أو قياديا لها.
السياسي أو المصلح أو الثائر يبدأ دوره الحقيقي وإمكاناته القيادية من خلال مقدرته على وضع اليد على مكونات اللحظة, لكن المثقف يبقى مثقفا دونما حاجة لهذه المقدرة, ولا يقلل ذلك من شانه أو ينتقص من دوره إلا إذا حاول أن يكون وصيا على الثائر أو المصلح أو السياسي متخيلا إن سعة معارفه النظرية تمنحه حق التقدم بخطوات على السياسي أو المصلح أو الثائر مثلما تعطيه حق استلاب دوره.
وإذا كان من المفيد أن يكون السياسي مثقفا فإن خطر تَغَلُب ثقافيته على سياسيته قد تؤسس لتفارق حقيقي بين الواقع وفكر المصلح وتسحبه تدريجيا إلى الوقوع في مطب التجريد المربك الذي يؤدي بدوره إلى حالة من الغربة بين النظرية والواقع.
وإن من الخطورة حقا أن يتم عولمة التجربة بشكل يفقد المفكر قدرة وضع اليد على أهم مفاصل التجربة ذاتها, اي خصوصيتها المتأسسة على ذاتية الزمان والمكان وليس غريبا أن يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية أو نقيضة بين المفروض والمطلوب إثباته.
إن المثقف هو قارئ ممتاز دون أن يعني ذلك أنه سيكون صاحب قدرة على استخدام ما قرأه بشكل سليم لخدمة التغيير, لا بل إن محاولته إستخدام موسوعته الثقافية المتغلبة على واقعيته ربما تؤدي إلى خلق تغيير تزمتي لا علاقة له بشروط المكان والزمان التي تحدد المداخل الحقيقية للثقافة لكي تكون تفكيرا وللمثقف أن يكون مفكرا.
وإذا كان من الضروري للمفكر ومن السهولة عليه أن يكون مثقفا فإن قدرة المثقف على أن يكون مفكرا تحتاج إلى موهبة غير القراءة والخزن والأرشفة والكتابة أو إلقاء المحاضرات, وهي وسائل من السهولة توفيرها واستخدامها لتصنيع المثقف, لكن لا يعني توفرها جميعا في ذات اللحظة وجود القدرة على خلق المفكر الذي يحتاج وجوده إلى حالة خلق لا حالة تصنيع. فالتفكير موهبة ليس بالضرورة وجودها لدى المثقف, ومن هنا يمكن القول وحينما يتعلق الأمر بتغيير المجتمع أو إصلاحه, إن مفكرا بنصف ثقافة هو أفضل كثيرا من مثقف بنصف تفكير, فالأول ذا مقدرة على استخدام ثقافته عمليا لخلق التغيير أو قيادته أو خدمته. وإذا كان المفكر ذا مقدرة على أن يكون قياديا, فإن المثقف سيكون ذا قدرة على أن يكون استشاريا للمفكر, وسوف لن يمنحه عدد الكتب التي قرأها أو المحاضرات التي ألقاها الحق في الاستيلاء على موقع المفكر القيادي حتى لو لم يكن هذا الأخير قد قرأ ربع ما قرأه وتحدث بخمس ما تحدث به.
إن قياديين ومصلحين وسياسيين كبار لم يقرؤا غير جزء قليل مما قرأه المثقف ومع ذلك فإنهم كانوا الأقدر على صنع عملية التغيير, ولو تم تبديل الكراسي بين المفكر بربع ثقافة والمثقف بربع تفكير لَقَلّتْ, بمتتالية هندسية, فرص التغيير أو لربما أدى التغيير إلى نتائج عكسية.
وغالبا ما تتأسس النتائج العكسية على محاولة وضع الواقع في خدمة النظرية وليس العكس, إن المثقف هنا وأمام علاقته مع الواقع سوف يسقط ما قرأه على الواقع فيعومه في قارب النظرية, أما المفكر فسوف يحاول أن يبحث عن إجابات خاصة على أسئلة خاصة لتكوين نظرية خاصة بمساعدة ثقافة عامة.
إن الاستدلال بتجارب العالم هي مسألة مطلوبة وأساسية فلا شيء يأتي معزولا عن تراث إنساني عريض, وحتى الأديان نفسها فهي في جانب عبارة عن تطور لمنظومة قيمية متوارثة, غير إن من الخطأ أن يفوتنا إن هذه الأديان وهي تتأسس من مركز إلهي واحد تختلف مع بعضها حتى على صعيد العديد من تلك القيم, فلقد خلق الله الناس شعوبا وقبائل لتتعارف وليس لتذوب مع بعض, ولهذا تبقى الثقافات المختلفة وطريقة الوصول إلى الهدف مرتبطة إلى حد كبير بالموروث المختلف وبالظروف الموضوعية السائدة في تلك اللحظة.
إن الخاص والعام والذاتي والموضوعي هي مفاصل أساسية في الثقافة والفكر, وما من نظرية إصلاحية بإمكانها أن تكون عالية الإنتاج والجودة ما لم تستطع المزاوجة بدقة بين مكونات هذه الثنائية: الخاص والعام أو بين الذاتي والموضوعي.
ولكي نقترب أكثر من واقعية التجربة العراقية سنرى كيف أن بإمكان المثقف أن يكون عنصر هدم لا بناء إن هو لم يزاوج بين تفكيره المستدل بخصوصية التجربة مع ثقافته المستحصلة من صفحات الكتب.
إن عددا لا يستهان به من الكتاب قد أقترب وما يزال يقترب من الديمقراطية العراقية على ضوء مقارنة ميكانيكية من تجارب ديمقراطية عالمية كانت قد نجحت وما تزال تسجل النجاحات لأنها أفلحت في خلق التفعيلة المطلوبة ما بين الديمقراطية كتراث إنساني وما بين اللحظة الزمانية لمجتمعاتها وظرفها المكاني. ولدى هؤلاء فإن الديمقراطية في العراق لا بد وإن تنجح لأنها نجحت في أماكن أخرى ولأنها أثبتت في تلك الأماكن على قدرتها الإنتاجية المادية والقيمية العالية. لكن نقل المقارنة إلى أماكن وأزمنة أخرى سوف تجعلنا على يقين إن الديمقراطية كانت عنصر توحيد لأمم في حين أنها تسببت بتفكيك أمم أخرى.
إن الديمقراطية ليست حلا ميكانيكيا للمشاكل وهي لا تملك قدرات فتح الأماكن المغلقة على طرية أفتح يا سمسم بل هي نظام منتج إن أفلح أصحابها في خلق التفعيلة المطلوبة بينها كنهج إنساني وبين خصوصية المجتمع الذي تتصدى لبنائه, ويؤلمني أن أقرا لكتاب معروفين مقالات من النوع التخديري التي ترفع درجات التطمين إلى أقصى حد حول قدرة الديمقراطية على حل إشكالاتها في العراق لا لشيء إلا لأنها ديمقراطية ولأنها أيضا قد أثبتت قدرتها على ذلك في أماكن مختلفة من العالم متناسين إن مجمل الظروف المعقدة والمربكة التي يمر بها العراق قد تحول الديمقراطية ذاتها إلى وسيلة متحضرة لتحقيق التجزئة والتخلف, ومن هنا أتمنى على أولئك المثقفين أن لا يعتمدوا على ميكانيكية التلقى بل على فعل الاكتشاف وأن ينتقلوا من موقع المثقف إلى موقع المفكر الذي يزاوج ما بين ثقافته النظرية وبين بوصلته الظرفية فيُفَعِل الفكرة الخاصة بعالمية وإنسانية التجربة دون أن يلغي أحدهما لحساب الآخر.
وإن أول ما سيكتشفه مفكر من هذا النوع إن بإمكان الديمقراطية في العراق أن تؤسس لحالات البناء والتقدم فيما لو كانت قواها الأساسية قد توصلت إليها بالفكر والإيمان والعقيدة ولم تتمسك بها تمسك المضطر الذي يتحايل عليها في كل لحظة وصولا إلى تحقيق أهداف نقيضة.
لكن الأمل بإمكانية أن تنتج الديمقراطية العمليات التحولية المطلوبة يرتبط إلى حد كبير ببناء منظومة وبنى اقتصادية وثقافية كفيلة بإنتاج قوى اجتماعية وأحزاب سياسية ذات مصلحة حقيقية بالديمقراطية, أي انتقال العراق من مرحلة إلى أخرى بمعطيات وأسس وحتى بقوى اجتماعية مختلفة. وإلى أن يحين ذلك ثمة حاجة أساسية لتحولات في الاقتصاد والثقافة والوعي,وسوف لن يأتي ذلك بسهولة مطلقا, فقوى التخلف ممثلة بأحزابها الطائفية والعشائرية سيكون من مصلحتها أن لا يجري ذلك التحول. إن بقاء المجتمع العراقي فقيرا أو معطل الإنتاجية سيكفل لتلك الأحزاب بقاء الوعي متخلفا, ومثلما كان الأمر مع النظام الدكتاتوري الصدامي فإن استلاب الوعي لغرض الهيمنة هي مسألة ضرورية رغم إختلاف الأساليب.
ومن المهم لمثقفينا أن يعوا إن الأحزاب الطائفية هي النقيض العقائدي للمسألة الديمقراطية وإن الطرفين لا يمكن لهما أن يجتمعا تحت سقف واحد, لذلك سوف تبقى المعركة بين تلك القوى والمسألة الديمقراطية قائمة إلى أن يتغلب أحدهما على الآخر.
ولكي تكون هناك ضمانة حقيقية لمعركة عادلة وجب أن تكون الديمقراطية في العراق ديمقراطية محروسة وكل حديث عن السيادة والكرامة الوطنية يتناقض مع آليات حراسة الديمقراطية في العراق هو حديث غايته الالتفاف على العملية الديمقراطية وتحويلها إلى سلاح تمزيقي وتدميري.
إن المثقف قد يكون أيضا ذا تأثير مدمر فيما لو أعتقد للحظة إن الديمقراطية تحمل قوتها في ذاتها أو إنها قادرة على تحقيق الإنجازات لأنها قد أكدت قدرتها تلك في أماكن أخرى.
وأفضل للديمقراطية في العراق أن يكون لها مفكر بنصف ثقافة على أن يكون لها مثقف بنصف تفكير.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,585,667
- الإسلام السياسي أقصر الطرق لتقسيم العراق
- هل تخلى المالكي عن ناخبيه
- الشعب على حق ولو كان على خطأ
- لو ظهر عبدا لكريم قاسم الآن لسانده ( السنة ) وقاتله ( الشيعة ...
- القلم.. قدس الله سره, والكاتب.. حفظه الله ورعاه
- ليس هناك حل للعراق سوى أن تديره شركة أجنبية
- عن تشكيل الحكومة .. أزمة دولة وليست أزمة حكومة
- العراق ... وفرصة الخروج من المأزق الجديد.
- الديمقراطية العراقية... صح ولكن في المكان الخطأ
- التاسع من نيسان ...لا تخافوا, التأريخ لم يعد يُكْتَبْ بنفس ا ...
- من حقنا أن نخطأ ... ولكن ليس كثيرا
- كلام حق عن علاوي
- علاوي والمالكي ... وبيضات ألقبان
- لا تدوخونه ولا ندوخكم
- يا لها من وطنية رائعة
- أياد علاوي ... هل تكون الديمقراطية عون بدلا من فرعون
- صدمات انتخابية
- لماذا سقط صدام حسين
- ليس بإمكان الديمقراطية وحدها أن تخلق المعجزة
- هل بإمكان الديمقراطية وحدها أن تخلق المعجزة


المزيد.....




- -سامسونغ- تطلق هاتفين متطورين بسعر منافس
- موسكو: التصرفات الأمريكية لن تجلب الاستقرار للشرق الأوسط
- الحوثيون يتهمون التحالف العربي بتصعيد خطير يهدد اتفاق السويد ...
- شاهد: الجفاف يتسبب بنفوق عشرات الآلاف من الأسماك في بحيرة با ...
- "بذخ ترامب وذهبه".. في عشاء على شرف رئيس الوزراء ا ...
- التحالف بقيادة السعودية يعترض ويدمر زورقا مفخخا وألغاما بحري ...
- عائشة السعيد: ملف المفقودين بيد سلطات عٌليا معنية به
- الحوثيون يتهمون التحالف العربي بتصعيد خطير يهدد اتفاق السويد ...
- شاهد: الجفاف يتسبب بنفوق عشرات الآلاف من الأسماك في بحيرة با ...
- الهند تحظر السجائر الإلكترونية.. وأميركا على الطريق مع خمسة ...


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف: الانتخابات والدولة المدنية والديمقراطية في العراق - جعفر المظفر - الديمقراطية وأخطار المثقفين