أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد أبو مطر - من رسائل المنفى والغياب ،الحلقة الثالثة















المزيد.....

من رسائل المنفى والغياب ،الحلقة الثالثة


أحمد أبو مطر

الحوار المتمدن-العدد: 2979 - 2010 / 4 / 18 - 13:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من رسائل المنفى والغياب
( 3 )
منفى مايو 1994

كان عمر البدوي السبعاوي في مايو 1994 بالتمام والكمال خمسون عاما وشهر واحد حسب التقويم الميلادي ، وهذا يعني حسب تقويمه الخاص ستة وأربعون عاما من النزوح أو الهروب أو الطرد أو التشريد أو التهجير من بير السبع مسقط رأسه ، حيث ما يزال يتذكر بيت الشعر الذي كان يقطنه مع أهله وعشيرته وعلى بابه تسرح وتمرح وتصدح بأجمل الألحان الخراف والماعز والجمال والخيول ، حيث يتقاسم الرجال والنساء العمل في الحقول والمزارع على قدم المساواة ( سواسية كأسنان المشط ) وكأنهم قد تتلمذوا على مبادىء أفلاطون دون أن يعرفوه أو يسمعوا بإسمه ، ومن يتخيل أنّ بعض أشقائه واقاربه ولدتهم أمهاتهم وهنّ يعملن مع الرجال في الحقول ، أو يحصدن القمح والشعير ، بدون ممرضات أو اطباء ومستشفيات ؟. كان قد مضى في مايو عام 1994 حوالي أربع سنوات على هجرته الثانية للمملكة النرويجية ( المباركة المنصورة دوما بإذن الله ) ، أما الرفيقة المناضلة المجاهدة الماجدة فربما قد مضت على هجرتها للشقيقة الكبرى ماما ( أمريكا ) حوالي خمسة سنوات أيضا . وعندما يكون سلاحك ورأسمالك هو القلم فقط ، فلا بد من استعماله حيث الحزن والألم يلاحقك من منفى إلى منفى، ومن غربة إلى غربة ، فماذا كتب هذا القلم الحزين المتوتر في مايو 1994 إلى تلك الماجدة البعيدة القريبة .

عصر بداية الاستبداد وكاتم الصوت

كتب المنفى في بداية مايو من عام 1994 لماجدته يقول:

" أطيب التحيات مقرونة بأشواقي الصادقة ، راجيا أن تكوني بصحة جيدة خاصة وأنت في الأيام الأخيرة من الحمل ، أو كما كانت تقول جدتي " إن شاء الله تقومي بالسلامة ". انتبهي يوم الهزيمة النكراء التي خففها القائد جمال عبد الناصر إلى مجرد " نكسة " صحية هو الخامس من حزيران ، فإذا كان يوم ولادتك يصادف هذا الموعد فلا داعي لتغييره لا بطلق صناعي أو غيره ، فكّري فقط في تغيير اسم المولودة ليكون بعيدا عن أية إيحاءات إنتكاسية مهزومة . للتذكير فقط للكاتب المشهور إحسان عبد القدوس مجموعة قصصية عنوانها " الهزيمة كان اسمها فاطمة " . وقد نشرها عام 1975 أي ثمانية أعوام بعد الهزيمة – النكسة ، عارضا نماذج مجتمعية من المجتمع المهزوم في كافة أشكاله وعلاقاته . وهناك رواية للكاتب الأردني غالب هلسا اسمها ( الروائيون ) وهي من أعمق ماكتب عن تلك الهزيمة المجيدة ، دعتني لكتابة دراسة عنها بعنوان " هزيمة حزيران في أدب غالب هلسا " ، سأرسل لك الرواية والدراسة مع رجائي قراءة الرواية أولا .

على ذكر الكتب ، أرسلت لصديق في سورية كي يرسل لي ما طلبتيه من كتب أحمد أمين عن العصور الإسلامية خاصة العصر الأموي ، سأرسلها لك فور وصولها لي . لا أعرف سبب بحثك عن العصر الأموي ، هل لأنه كما أرى هو عصر بداية مصائبنا وهزائمنا وانقساماتنا الحالية ؟ . هذا العصر الذي يبدأ بمعاوية ابن أبي سفيان ، كان بداية العصر الملكي الامبراطوري العربي ، فقد وصل معاوية عبر إنقلاب أو تمرد قاده ضد آخر الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ، وقتل فيه علي ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم ليتم تتويج معاوية خليفة أو ملكا لا فرق ، ويبدأ بتعيين إبنه "يزيد" وليا للعهد ، لتستمر الخلافة ملكية متوارثة في الأمويين عشرات السنين ، بعد أن كانت الخلافة في زمن الخلفاء الراشدين من قبله لها شكل قريب من الشورى وفيها مسحة من الديمقراطية ، وإلا لماذا تطلق كافة كتب التاريخ العربي والإسلامي على الخلفاء الأربعة الأوائل فقط إسم ( الخلفاء الراشدين ) ، مما يعني ضمنا أن كل من تولى الحكم باسم الخلافة من بعدهم حتى الخلفاء العثمانيون هم خلفاء غير راشدين ، وإلا لماذا تمتنع كتب التاريخ الإسلامي عن ربط هذه الصفة بأسمائهم ؟. كما أنّ هذا العصر بدأ بداية دموية تمثلت في معركة "الجمل" بين السيدة عائشة زوجة الرسول ومعها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام في مواجهة الخليفة الإمام علي بن أبي طالب ، تلك المعركة التي قتل فيها عشرات ألاف من المسلمين من الطرفين ، يرى البعض أنهم كانوا مهووسين بالدفاع عن جمل عائشة إلى أن صرخ الإمام علي : " أعقروه وإلا فنيت العرب...ويحكم ارشقوه بالنبل ، أعقروه لعنه الله ". وهنا أفكر كثيرا في مصير هؤلاء المتقاتلين على ضوء حديث الرسول : " إذا التقى المسلمان بسفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قلت يارسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان ينوي قتل صاحبه ".

عصر كاتم الصوت
لقد تم تدشين الاغتيالات السياسية في بداية العصر الأموي حفاظا على توارث السلطة والحكم ، وكان كاتم الصوت آنذاك الخنجر أو السم ، ومن أشهر الاغتيالات التي نفذت ضد مناهضي الحكم الوراثي الأموي :
اغتيال الحسن بن علي
اغتيال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
اغتيال عمر بن عبد العزيز
ومن ذلك العصر الأموي ، ورث العرب والمسلمون الملكية التوارثية من الأب إلى الإبن إلى ابن الإبن ، سواء كان الحكم ملكيا أم جمهوريا ، وورثنا كذلك أعمال الاغتيال السياسي التي مارسها أغلب الحكام العرب المعاصرين ، بما فيهم الرئيس عرفات إن صحت معلومة اغتياله لفنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي في لندن . وهناك قوائم طويلة عندما يكشف النقاب عنها سوف يسود الشعر الأبيض ويبيض الشعر الأسود ، اما شعري فسيعود أسودا من الحزن ، وبذلك لن أكون مضطرا لصبغه . سألتني صديقتي النرويجية بعد أن رأت لي صورة قديمة يبدو في شعري بعض الشيب : كيف إسود شعرك ثانية ؟ قلت لها : في حصار بيروت إبيض شعري من الخوف ، وفي دمشق إسود من الخوف !!. ثم داومت على صبغه لأني لا أريد أن يكون لديّ أبيض اللون سوى قلبي .
الشيخ عطية في مخيم رفح
اكتب هذه الرسالة مساء الحادي والعشرين من مايو 1994 ، وهو يصادف أول أيام عيد الأضحى المبارك عند المسلمين الذي لم يتفقوا سنة على بدايته . اتصلت بوالدي ( الشيخ عطية أبو مطر ) في مخيم رفح للاجئين بقطاع غزة ، فأخبرني أنه منذ اسابيع توفي أخي الأصغر (موسى ) . الطريف في الأمر إن كان في أخبار الموت طرافة ، أنّ تعليقي على الخبر كان : ( الحمد لله فقد ارتاح ). استغرب والدي هذا التعليق فقال : ( سبحان الله..كيف تغير الأحوال والغربة قلوب البشر ) . أجبته : يا شيخ عطية..لا أدري لماذا لم أحزن . ربما لأنه في اللاشعور عندي : حياة الموتى أفضل من موت الحياة الذي نعيشه . وهاهي تمرّ خمسة ساعات على الخبر الفاجع بالنسبة للبعض ، ولكنه كان عاديا بالنسبة لي فلم أبك ، ولم تذرف عيوني دمعة ، رغم أن كلمات بسيطة في رسالتك السابقة أبكتني كما أخبرتك !.
الصديقة العزيزة ماجدة،
أشكرك على شريط ماجدة الرومي وشريط مارسيل خليفة .شريط ماجدة الرومي جميل ، ولكن شريط مارسيل خليفة لا يمكنني سماعه كثيرا ، لأنه يعيدني لأيام حصار بيروت ، لأيام الأمجاد الثورية التي باعوها بأقل من كسرة خبز ، وبالتالي لن نصبح على وطن ، ولكن على خوازيق من المحيط إلى الخليج ، ومن ضمنها خوازيق الدولة الشرعية الجديدة (إسرائيل) التي يخطب ودها عرب المحيط والخليج .
لا أمل . لا متسع في الرجاء. الظلام يطبق من كل ناحية ، وستضاف قضيتنا لملف " القضايا الخاسرة" في العالم ، ولن ينفع فيها لا بروتوكولات حكماء فلسطين ولا صرخات أحمد العربي ، فالجنازة معدّة والثوب كالح السواد ، والكفن لن يكون أبيضا هذه المرة .
نكسة أم هزيمة..لا تغيري الاسم المقترح لمولودتك القادمة..فيروز...حافظي على هذا الاسم فمن صفات الفيروز اللمعان وقت العتمة . تحياتي لك وآسف على هذه الثرثرة المزعجة ، ولكن إذا لم نتحمل بعض على الورق فماذا سنتحمل؟. ومرة ثانية وثالثة بالسلامة وتقومين بالسلامة . والسلام على فيروز يوم تولد ويوم تبعث حيّة ، فربما تكون من أنبياء العصر ، وما أدراك . أقرأ الآن الانجيل الجديد للكنيسة المورمونية الأمريكية . زارني قبل اسبوع شاب وفتاة نرويجيين وقدّما لي هذا الانجيل ، لإكتشف أنه من السهل إدعاء البعض أنهم أنبياء يتصلون بالسيد يسوع المسيح ، كما فعل نبي مورمون جوزيف سميث . بينما في التاريخ الإسلامي سبق أنّ إدعى مسيلمة النبوة فقد تمّ قتله و استحق لقب مسيلمة الكذّاب ،وسجاح المرأة التي نافسته في إدعاء النبوة ، ضحك عليها عبر مغامرة جنسية فتنازلت له مبايعة لنبوته .
العزيزة ماجدة
كل المحبة والإخلاص..ولك الصحة والسلامة ولفيروزك القادمة العافية والشباب ، وكما كانت تقول جدتي " تتربى في عزكم ". إلى اللقاء في أوراق قادمة ، فالورق نصنع منه وطنا ، ولولا الحبر لضاقت بنا الدنيا ، فلا مفر من أن نخلق عوالمنا الخاصة ، ولا بدّ من أن نشدّ على أرواح بعضنا ، فمن كلمة إلى بسمة نصنع صمودا في وجه حياة قاسية .
ahmad.164@live.com
www.dr-abumatar.com

ملاحظة :
الأصدقاء والقراء الذين كتبوا لي يسألون عن ( ماجدة ) هذه ، هل هي ماجدة الرومي أم ماجدة المصري أم ماجدة الفلسطيني ، أقول لهم الاسم في أهمية مضمون الرسائل ، وإذا أردتم وسمح وقتكم ، فأقرأوا كلمات واسمعوا أغنية ماجدة الرومي :

عم يسألوني عليك الناس اللي كانوا يشوفونا سوى
شو بقول خبرني لكل الناس ؟ غيّر أمانينا الهوى
وما عاد نتلاقى سوى هيك ببريد الهوى

أما الفلسطيني فلم يغير أمانيه الهوى ، بل غيّرها ودمّرها مناضلون من طراز عدنان ياسين وخال يحيى عياش ومصعب حسن يوسف ورفيق الحسيني ، ومناضلون آخرون ورّدوا الاسمنت لبناء الجدار الفاصل الإسرائيلي ، وبناء مستوطنة أبو غنيم التي يسميها بعض سكان الضفة الغربية "مستوطنة أبو علاء " ولا أدري ماذا يقصدون ؟ من يعرف قصدهم هذا فليخبرني وأجره من أبو علاء نفسه ، أو من محمد رشيد المشهور باسم خالد سلام .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,683,391,042
- دولة فياض الفلسطينية على الورق..ماذا تعني ؟
- نفس الأحلام في كل المنافي
- غائبون حاضرون..نفس القمم الكلامية
- من رسائل المنفى والغياب ، الحلقة الأولى
- رؤيتي لأسباب العنف وفقدان الانسانية
- محاولة الإجابة على سؤال: لماذا فقدنا انسانيتنا؟
- هل مقاطعة الانتخابات العراقية هي الرد على التدخل الإيراني؟
- الحرية لموفق محادين
- ياإلهي كيف ولماذا فقدنا انسانيتنا؟
- أحمد أبو مطر
- ابن لادن ونضال التغيرات المناخية
- دور الدعاة والمثقفين
- التوفيق بين الشريعة والسياسة
- الجدار الفولاذي بين الشريعة والسياسة
- حصاد ا لعرب لعام 2009
- الأردن:ماذا بعد حل مجلس النواب وتكليف الرفاعي
- أوباما في أوسلو...يا هلا و مرحبا
- وثثيقة حزب الله الجديدة
- الحوار المتمدن...ثمانية أعوام..والعمر الطويل لدعم الحوار الر ...
- دولة فلسطينية من طرف واحد


المزيد.....




- مسؤول بالخارجية الأمريكية لـCNN: تغييرات مُقبلة على التأشيرا ...
- عاصي الحلاني يكشف سبب استبعاد طفلة مصرية من The Voice Kids
- سقوط صواريخ قرب السفارة الأميركية ببغداد.. قتلى وجرحى بمظاهر ...
- من هو إلياس الفخفاخ رئيس وزراء تونس الجديد؟
- إدارة ترامب تستعد لمنع -سياحة الولادة-.. مسؤول يكشف لـCNN ما ...
- السودان.. ثورة ديسمبر.. الأهداف والآمال أمام تحديات الواقع
- إلياس الفخفاخ.. مهندس الميكانيكا الذي سيقود حكومة تونس
- السراج للجزيرة: نأمل أن يراجع داعمو حفتر حساباتهم
- بومبيو: أمريكا ستتخذ إجراءات جديدة لدعم زعيم المعارضة في فنز ...
- الصين تؤكد انتقال فيروس كورونا الجديد عبر البشر وعالم بريطان ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد أبو مطر - من رسائل المنفى والغياب ،الحلقة الثالثة