أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميسون البياتي - تحت موس الحلاق















المزيد.....


تحت موس الحلاق


ميسون البياتي
الحوار المتمدن-العدد: 2937 - 2010 / 3 / 7 - 15:22
المحور: الادب والفن
    


أنا من مواليد الثامن من آذار , وفي كل عام حين يحتفل العالم بأجمعه بهذا اليوم لأنه يوم المرأة العالمي , فإن لي إحتفالي الشخصي الخاص بهذا اليوم إضافة الى كونه يوم المرأة , لأني أحتفل به عيداً لميلادي .
تحية لهذا اليوم الأغر بمعنييه العالمي والشخصي أطلعكم اليوم على صفحة واحدة من كتاب مذكراتي الذي لن ينشر في حياتي , سينشره إبني من بعدي . ومن أجل أن يكون نسق السرد متسلسلاً .. سأبدأ الحكاية من نقطة بعيدة بعض الشيء عن ( تحت موس الحلاق ) فأذكر انني ولدت في الأعظمية محلة السفينة في بيت جدي ( أحمد البياتي ) حيث كنا نعيش كعائلة صغيرة مع جدي وجدتي وعمتين وستة أعمام .
جدي كان رجلاً حريصاً جداً على أولاده , ولذلك فحين قامت الطائرات البريطانية بقصف بغداد عام 1941 نتيجة تحالف حكومة رشيد عالي الكيلاني مع ألمانيا الهتلرية , فقامت ألمانيا بإرسال دفعات من السلاح الألماني الى العراق نقل جواً الى قاعدة الهندية في غرب بغداد , عندها قصف البريطانيون بغداد ولم يوقفوا القصف حتى هربت حكومة رشيد عالي الكيلاني الى ايران , فأعاد البريطانيون الوصي عبد الإله الى الحكم بعد أن كان مختبئأً في القاعدة البريطانية في البصرة .
في تلك الأيام خاف جدي من إندلاع ساحة مواجهة قتالية بين ألمانيا وبريطانيا في العراق لذلك أجبر أولاده على ترك مدارسهم ورحل بهم الى كركوك حيث يوجد أعمامنا من عشيرة ( البيات ) وينتشرون ما بين طوز خورماتو , الحويجة , وسليمان بك . ولم يعد بالأولاد الى بغداد إلا في العام 1943 لم يشذ عن هذه القاعدة غير عمي الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي رفض السفر وآثر البقاء في بغداد قائلا ً لجدي بأنه يفضل الموت على الحياة بدون تعليم . وفيما بعد .. في الوقت الذي تخرج فيه عمي عبد الوهاب من دار المعلمين العالية .. كان أبي وبقية أعمامي يعملون بالتجارة في الشورجة , لأنهم حرموا من تعليمهم نتيجة لقرار جدي تأمين سلامة حياتهم .
أثناء حرب السويس عام 1956 تصاعد المد القومي في العراق تعاطفاً مع مصر وبدأت المناكفات بين القوميين والشيوعيين , وبحكم كون عائلتنا ذات توجه شيوعي , لذلك رأى جدي أن منطقة الأعظمية بتعصبها القومي لم تعد صالحة لسكنه وأولاده وأن عليهم أن يبحثوا عن منطقة أخرى من بغداد للسكن فيها حيث تكون حدة مناكفة القوميين أقل .. وهكذا إنتقلت العائلة بأجمعها الى بغداد الجديدة .
حين وصلتُ الى عمر المدرسة تم تسجيلي في مدرسة الهدف الإبتدائية المختلطة , وكانت مدرسة قريبة من بيتنا , حين وصلتُ الى الصف الثالث الإبتدائي تم تحويل مدرستي الى مدرسة نموذجية تستمر الدراسة فيها حتى الصف الثالث المتوسط , وتم نقل بنايتها من بغداد الجديدة الى شارع 52 مقابل بناية ( مجلس الخدمة ) ومجاورة لبناية ( حاكمية المخابرات ) ولهذا كان عليَّ يومياً ان أستعمل المواصلات في ذهابي وإيابي من المدرسة .
كنت طالبة متفوقة وشارة ( فارسة الصف ) لا تفارق صدري من الصف الأول وحتى الخامس الإبتدائي . حصلت لدي حادثة تسمم غذائي بمادة الجبن جعلت صحتي تتراجع كثيراً , أعقبتها عدة حالات ألتهاب قصبات وإلتهاب رئوي وختمتها بإلتهاب الغدة النكفية فضاعت مني شارة فارسة الصف وذهبت الى زميلي الذي كان يجلس الى جانبي على نفس الرحلة .
إستعدت صحتي في الصف السادس الإبتدائي لكني لم أعد أهتم بدروسي مثل الأول بل صار شغلي الشاغل هو القراءة اللاصفية , ومهرجانات الخطابة , والمهرجانات الرياضية , ولعب الكرة مع فريق المدرسة , وكتابة النشرات المدرسية , والمشاركة في معارض الرسم ومعارض الفنون البيتية في الخياطة والتطريز والحياكة والطبخ .. ولحد اليوم أحتفظ في بيتي في بغداد بالعديد من الجوائز التي حصلت عليها في كل تلك النشاطات .
في الصف الثالث المتوسط كانت الطامة الكبرى .. حين حلَّ موعد البكالوريا حرمت من المشاركة في الإمتحان لأني كنت مكملة في ثلاث مواد .. شيء لم يكن يخطر ليس على بالي وإنما على بال الكثيرين في المدرسة , لم يصدق الكثيرون أن الطالبة شعلة نشاط وفعالية المدرسة لن تتمكن من دخول البكالوريا بسبب ضعف معدلاتها . أما أنا فقد أصابني الأمر بالإحباط , أما أهلي فقرروا ولكي يبعدوني عن كل شلة الأصدقاء والصديقات .. وكل أنواع النشاطات اللاصفية .. نقلي الى مدرسة أخرى قريبة من بيتنا وتبعد عنا مسير أربع دقائق على الأقدام .
في هذه المدرسة وإسمها متوسطة المعالي للبنات ستبدأ حكايتي مع ( تحت موس الحلاق ) لأن معاونة مدرستنا هي الست ( هدية ) زوجة الفنان الكبير خالد الذكر سليم البصري ( حجي راضي ) وهي سيدة فاضلة على شيء كبير من الفضل ودماثة الخلق , وكانت إنسانة ملتزمة ومنضبطة بحيث أنك تستطيع توقيت ساعتك على موعد دخولها الى المدرسة , كما كانت متشددة في تنفيذ اللوائح والتعليمات .. وهذا ما كان يثير حفيظة بقية المدرسات عليها قبل التلميذات ... لأنها كمعاونة مديرة مدرسة كانت تحاسب الجميع على أقل هفوة .
لا أدري هل من محاسن الصدف أم من مساوئها .. كانت لدينا سيدة فاضلة ثانية تقوم بتدريسنا مادة الجغرافيا إسمها الست ( هدية ) أيضاً .. لكن فرق الست هدية مدرسة الجغرافيا عن الست هدية معاونة المدرسة .. هو أن مدرسة الجغرافيا كانت زوجة المرحوم الأستاذ عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية عدة مرات في حياته , ووزير الزراعة في وزارة طاهر يحيى , ورئيس وزراء _ وزير دفاع في نفس الوقت في مرحلة لاحقة من حياة عبد السلام عارف .
(( إن كيدهن عظيم )) يجب أن نعترف بذلك , فالمدرسات اللواتي كانت تثير حفيظتهن محاسبة الست هدية زوجة الفنان الكبير سليم البصري , كنَّ بمناسبة .. وحتى بغير مناسبة يتحدثن عنها أمام الطالبات , ثم تسأل إحداهن الأخرى : من تقصدين ؟ الست هدية زوجة الأستاذ عارف عبد الرزاق ؟
تجيبها الثانية : لاعيني .. أتكلم عن ست هدية ( مرة ) حجي راضي .
مع شديد الأسف بعد وقت قصير من بدء تلك المحاولة الرخيصة الساذجة التي لم يكن فيها فن الأستاذ الكبير سليم البصري هو المستهدف .. بل كان المستهدف هو التنكيل بزوجته الإنسانة الكبيرة الراقية معاونة مدرستنا الست هدية بسبب حرصها الذي كان فعلاً يزيد عن حده في أكثر الأحيان .. صارت المدرسة بأجمعها لا تنادي الست هدية المعاونة .. لا بإسمها .. ولا بعنوان وظيفتها .. بل تحول إسمها الى : ( مرة ) حجي راضي . وكانت التسمية تصلها وتصيبها بالألم دون داعي .. وفي أكثر من حادثة ومناسبة ... الى أن تعقدت هذه الإنسانة الفاضلة من عمل زوجها الإبداعي أيما تعقيد .
بالنسبة الى الست هدية زوجة عارف عبد الرزاق التي كانت تدرسنا الجغرافيا , أذكر أن البعثيين بعد وصولهم الى السلطة عام 1968 قاموا بإعتقال زوجها لا أدري بأية تهمة .. وكانت المسكينة تأتي الى المدرسة وعلامات القلق الشديد والتعب بادية على وجهها , وحين أطلق سراحه بعد عدة أشهر .. غادروا العراق الى الخارج , لذلك لم تتم السنة الدراسية معنا بل أكملت لنا المقرر مدرسة ثانية .
دخلت بكالوريا الصف الثالث المتوسط بتفوق في السنة الثانية ونجحت بتفوق أيضاً ونسيت متوسطة المعالي حين إلتحقت بثانوية الجمهورية للبنات / الفرع العلمي .. وتخرجت منها بتفوق أيضاً . وحسب طلبي ورغبتي وإرادتي قدمت الى كلية الفنون الجميلة .. مع أن معدلي كان يؤهلني لدخول كليتي الصيدلة والعلوم . والدي كان رجلاً سمحاً طيب الأخلاق والشمائل قال لي : ميسون .. ما أريد أفرض عليك دراسة لا تحبينها .. لكني أفترض أن ما ستختارينه .. ستكونين ناجحة فيه كما هو عهدنا بك دائماً .
بعد شهرين من إلتحاقي بكلية الفنون الجميلة , عرض عليَّ المخرج الراحل ( أكرم فاضل ) تقديم برنامج تلفزيوني للأطفال .. تكلمت مع أبي.. فقال لي : إذا تعرفين نفسك راح تنجحين روحي قدمي البرنامج .. وإن لا ... فلا داعي للمجازفة .
أول يوم دخلت فيه الى التلفزيون كان لمقابلة السيد رئيس قسم برامج الأطفال الذي أمر بمقابلتي قبل الموافقة على السماح لي بتقديم البرنامج .. وكنت أتحسب كثيراً من هذه المقابلة التي قد أفشل فيها وأنا لا أحب مشاعر الفشل .. لكن خوفي وقلقي تبخر مباشرة حين رأيت وجه رئيس القسم الذي لم يكن غير ( أبو ضوية ) الفنان راسم الجميلي , وجه بشوش بعفوية والنكتة حاضرة على لسانه وكأنه قد أعدها سلفاً .. أجري لي الأختبار بتسجيل قصة رويتها للأطفال , وعرض التسجيل على لجنة للفاحصين فأقروا بصلاحيتي للعمل التلفزيوني في نفس اليوم .. وبعد أسبوع من تاريخه ظهرت لأول مرة في التلفزيون في برنامج للأطفال يحمل عنوان ( الورشة ) من إعدادي وتقديمي .
بعد فترة قصيرة جداً من عملي في قسم برامج الأطفال عرَّفني راسم الجميلي على الفنان سليم البصري الذي كان يزور قسمنا ذات يوم , وبمرور الوقت عرفت فيه إنسانا ًذا ثقافة موسوعية , ودماثة خلق لا تقل عن دماثة خلق زوجته مدرستي الست هدية , ومع أن له أسلوب لاذع السخرية في الكلام ..إلا انه هاديء جداً ولا يحب مشاكسة الغير .
بعد عدة أشهر أكملت دورة للمذيعين والمذيعات في معهد التدريب الإذاعي وإنتقلت الى قسم البث التلفزيوني لتقديم جريدة المساء وإستعراض البرامج .. في الوقت الذي قدمت فيه ثلاثة برامج تلفزيونية من قسم البرامج الثقافية هي : فنون تشكيلية إعداد الأستاذ نوري الراوي , ومع الموسيقى العالمية اعداد الأستاذ طارق حسون فريد , وعالم المسرح إعداد الأستاذ حسب الله يحيى .
ذات يوم زارنا الرئيس الراحل أحمد حسن البكر .. سلَّم على الجميع بمودة كبيرة , حين وصل الى الفنان سليم البصري وكان يشغل منصباً إدارياً كبيراً في التلفزيون .. حياه بمودة بالغة وسأله عن أمور برنامجه الكوميدي الناقد ( تحت موس الحلاق ) ثم قال له وبأسلوب عتاب قاسي لكنه يوجه بصيغة الممازحة : (( أنا ما كان لازم أسالك .. لأن إحنه ما نسلم على الرجال اللي يخاف من مرته )) . حين إنتهت الزيارة سألنا عن سر تلك العبارة فقيل لنا إن زوجة الفنان سليم البصري كانت تعارض بشدة إنتاج أي حلقة من برنامج زوجها وتعتبر المسألة قضية كرامة بين الناس .. وعند ظهور كل حلقة كانت الأمور بينهما تصل الى مالا تحمد عقباه من المشاكل والقطيعة .. عندها أدركت حجم المشكلة التي سببتها سذاجة مدرسات وطالبات مدرستي لهذا الفنان الكبير .
ما زاد من حدة مشاكل الفنان سليم البصري مع برنامجه الكوميدي الناقد إضافة الى مشاكل الست هدية زوجته , كان سفر الفنان حمودي الحارثي ( عبوسي ) الى القاهرة لإتمام دراسته العليا فيها .. وكان من الصعب بل من المستحيل إيجاد بديل عن ( عبوسي ) لمقابلة شخصية الحجي راضي في تلك التمثيليات الرائعة .
وصل حال الست هدية الى حد لا يطاق في حدود العام 1976 أو 1977 حين قامت إحدى المجلات العراقية بوضع صورة الفنان سليم البصري على غلافها .. لا أذكر بالتحديد , ربما كانت مجلة ألف باء أو مجلة الإذاعة والتلفزيون قبل أن يتحول إسمها الى مجلة فنون . تعاركت الست هدية مع الفنان سليم البصري عركة كبيرة لأنها وحسب إدعائها (( منين ما كانت تمشي , كانت تسمع الباعة يصيحون : إقرأ سليم البصري بدرهم .. سليم البصري بدرهم )) إنفعل سليم البصري بحدة وغادر البيت مقسماً أن لا يعود , وبعد أكثر من شهر تجمع ما يزيد على ثلاثين شخص من زملاء وأصدقاء الفنان سليم البصري وذهبوا الى بيته لمقابلة زوجته لإصلاح ذات البين بينهما .
في جلسة إصلاح البين تكلم الحضور مع الست هدية بإعتبارها زوجة لرجل مبدع وعليها التخلي عن بعض حساسيتها المفرطة إتجاه عمله لكي يتمكن من العطاء , وأخذوا منها كلمة بأن توافق على كتابته للبرامج والمسلسلات الهادفة والناقدة .. دون أن يمثل فيها , وعلى هذا تم الإتفاق فعادت المياه الى مجاريها وتصالح الزوجان .
بحكم كون سليم البصري هو ( خال ) زميلتنا في القسم ( هدى عبد الحميد الهلالي ) التي كانت تعد وتقدم برنامج الأطفال ( الشاطر ) كنا جميع مقدمات برامج الأطفال في التلفزيون نعتبر الأستاذ سليم البصري ( خالنا ) ونعامله على أنه ( خال ) . أما من نحن ؟ فقد كان القسم يضم المقدمات التاليات : هدى عبد الحميد , نضال فاضل , سلوى الجراح , روناك شوقي , سهى سالم , ساهرة جبار , وميسون البياتي . كنا موزعات على أيام الأسبوع في كل يوم لواحدة منا برنامج مختلف للأطفال .
بحكم أنني أعتبر الحجي راضي ( خالي ) لذلك ذهبت إليه في مكتبه , وصارحته بكل الحكاية السخيفة والمجنونة التي وقعت لزوجته في مدرستنا , وطلبت منه أن يترفق بمشاعرها , لأنها كانت تعاني فعلاً ولم تكن عنيدة ومتصلبة الى ذلك الحد من لا شيء .. أو من أجل فرض الرأي فقط . لكني طلبت منه في نفس الوقت ومادام هو عارف لقيمة الدور الذي يلعبه فنه في المجتمع أن يمتلك الوسيلة التي يدافع بها عن نفسه وفنه .. ليس بين الناس وحدهم .. وإنما حتى أمام أهل بيته , وزوجته بالتحديد . قال لي : أنا ألومها أحيانا ً لأنها تخنقني بعنادها وتصرفاتها .. لكني من ناحية ثانية أتفق معها .. لأن مجتمعنا العراقي لايعرف كيف يتعامل مع إنسان معروف .. فهم أما يحبونك بطريقة خالية من الرحمة .. أو يكرهونك بطريقة خالية من الرحمة , وفي كلا الحالين يسيئون التعامل معك ولا أدري متى يمتلك ناسنا الوعي لمعرفة أن صورة الفنان التي تظهر في التلفزيون يوجد خلفها إنسان يريد أن يعيش حياته مثل بقية الخلق !!؟
قلت له : والله يا أستاذ سليم أنا لست بحاجة لأن تقول لي هذا الكلام فنحن المذيعات نعاني الأمرين من الناس .. وما بين كراهية وإعجاب شديدين نجد أنفسنا وقد فقدنا حريتنا الى أقصى حد .
ضحك سليم البصري وقال لي مداعبا ً : وإنت شدعوة عيني عندك 3 برامج على قناة سبعة وجريدة مساء وربط مواد على قناة تسعة ؟ شوية قللي من شغلك .. شنو ماخذه التلفزيون ( فلاحة ملاچة ) لو ( كرستة وعمل ) لو يمكن ( الوالد ) مأسس التلفزيون لخاطرچ وإحنه ما ندري ؟
ضحكت لأنه كان يكلمني بطريقة وصوت الحجي راضي وقلت له : ها حجي , راح تلوف عليَّ النوبة ؟ إنت مو مدير تلفزيون ؟ قول لرؤساء أقسامك يخففون الحمل عني شوية ؟ هذا فوق تعبي ؟ تريد أخابر ست هدية أحركها عليك مرة ثانية ؟
قال : لا يمعودة ببختچ .. كله ولا ستچ هدية .. ستري علينه معودة .. بس تدرين ( ثم إنفجر ضاحكاً ) تدرين .. من كثر ما أشوفك بالتلفزيون صرت أعتقد .. مو بس من أقلب التلفزيون على سبعة وتسعة إنت تطلعين .. يمكن حتى لو أفتح باب الثلاجة .. أو أكشف جدر المرگة .. هم أشوفچ گبالي .
في إشارة الى واحدة من حلقات تحت موس الحلاق , يحتاج بها الحجي راضي الى ( دواء مسهل للبطن ) فيذهب عبوسي ويشتري له بدلاً عنها ( قنينة عرق ) ويوصيه بشربها كاملة لأجل أن يرتاح , قلت للأستاذ سليم البصري وأنا أغص بالضحك : حجي ما عليك عتب .. أكيد شارب دوه مال إسهال .. لو محتمل فرحة الصلح ويه ست هدية ( فرَّت عندك الديلكو ) رن التلفون وكان إستوديو البث يطلبني على عجل .. فتوادعنا على أمل تكملة الحديث في وقت لاحق .
لم نلتق طيلة أكثر من شهر ونصف , وذات يوم رن التلفون في الإستوديو وكان الأستاذ سليم البصري يريد مقابلتي , نزلت الى غرفة الإدارة لأراه .. فبادرني بالسؤال : وين كنت تشتغلين اليوم ؟ شفتك كالمعتاد على القناتين .
قلت له كنت أقرأ جريدة المساء على قناة تسعة وعندي برنامج مسجل على قناة سبعة , فقال لي : عندي تمثيلية ناقدة إسمها ( تلفزيون ) وهي نقد للتلفزيون الملون بأنه لن يكون بديل عن السينما ابداً , وكتبتها بأسلوب كوميدي فاقع من الضحك .. ستعجبك كثيراً .. وفيها دور مذيعة تظهر على كل القنوات .. ما هو رأيك وأنت تدافعين عن أهمية إيمان الفنان بدوره في المجتمع والحياة أن تشاركينا التمثيلية .. لا أريد رد الآن .. خذي هذا النص إقرأيه وبعدين إعطيني رأيك .
قرأت النص .. وبعد عدة أيام أعطيت ردي بالموافقة على الإشتراك في العمل . مخرج العمل كان المخرج الفنان فلاح زكي .. الذي أضاف الى النص المكتوب الشيء الكثير من لمساته الكوميدية المبدعة المغرقة في الإضحاك .
أبطال العمل بلا منازع كانوا ثلاثة : الفنانة المبدعة أمل طه , برشاقتها المعهودة التي تتمنى معها أن تنحف لتتمكن من تمثيل دور سندريللا كما صرحت بذلك لأحدى الصحف , والفنان محمد القيسي , وهو لا يقل رشاقة عن أمل , ويظهر في التمثيلية على أنه زوجها .
أما الشخصية الثالثة فهي شخصية الفنان عزيز كريم ( المعجب ) الذي يتحرش بأمل طه في السينما وهي بمعية زوجها وأطفالها .
الأطفال كانوا ثلاثة لا تدري من أين تم جمعهم لأنهم ( ماشاء الله ) كل واحد منهم يزيد وزنه على الستين كيلو مع أن أعمارهم دون العاشرة .
تبدأ التمثيلية في مطبخ أمل طه وهي تعد العدة للذهاب الى السيمنا تلك الليلة , حضرت ( زنبيل ) سندويجات معبأة رصاً بالمقليات ( كباب وباذنجان وبطاطا ) و ( زنبيل ) ثاني كرزات وبسكت ونستلة ولم تنسى حتى ( علك الماي ) .
حين يخرج ( سيت ) العائلة من البيت تتعجب للقوة الخارقة التي تملكها السيارة التي ستحملهم الى السينما . حال دخولهم القاعة يجلس خلفهم ( المعجب ) عزيز كريم . في باديء الأمر كان يكرز حب ويرمي عليهم القشور .. ثم لمضايقة الزوج محمد القيسي , كل دقيقة ويقول له : حجي نزل الچراوية ما أقدر أشوف الفلم .
بعد عدة مضايقات لمحمد القيسي يلتفت على عزيز كريم ويقول له : أخي الكرسي الذي أمامنا فارغ ليش ما تشغله وتريحنه وتريح نفسك ؟
حين يتحول عزيز كريم الى الكرسي الأمامي .. يخرج سيجارة ويلتفت على محمد القيسي ويقول له : ( نارك قلبي نارك ) لكنه وهو يكلمه ينظر في وجه أمل طه نظرة بمنتهى الغزل والإعجاب .. يستشاط محمد القيسي ويسأله : إذا انت مدخن .. ليش ما تشيل شخاطة وياك ؟ فيجيبه عزيز كريم : كنت شايل شخاطة لكن ضاعت مني أثناء الدشوش ( يقصد الدخول ) تحصل بينهما معركة ويسحب محمد القيسي عائلته من السينما ويقسم على عدم دخولها مرة ثانية .. وعوضاً عنها إشترى تلفزيون ملون لعائلته ليستعيضوا به عن السينما .. وهنا سيبدأ دوري .
كالمعتاد تعد أمل طه ( زنابيل ) السندويجات والفاكهة والحلويات والمقبلات وتتمدد العائلة أمام التلفزيون .. أظهر انا على القناة تسعة لأقدم أغنية سعاد حسني ( الدنيا ربيع ) فتفرح العائلة لهذه الأغنية الجميلة .. بعد دقيقة أظهر لأقطع زاوية المنوعات والإنتقال الى إذاعة خارجية مرئية لنقل مؤتمر عن الصم والبكم ... تمتعض العائلة كلها ويديرون التلفزيون على القناة سبعة .. أظهر على القناة لأدعو المشاهدين الى قضاء ساعة مع حلقة من سلسلة أفلام ( عالم الحيوان ) يزيد إمتعاض العائلة ولا يجد افرادها حلاً سوى بتفريغ همهم في إلتهام بعض من الطعام الموجود أمامهم .
يديرون التلفزيون على القناة تسعة فاظهر لأقدم لهم برنامجاً مملاً .. يديرون التلفزيون في الحال الى القناة سبعة فأظهر لتقديم برنامج مع الموسيقى العالمية في الوقت الذي هم يتوقعون فلم لإسماعيل ياسين . يديرونه على القناة تسعة ليجدوا أن نشرة الأخبار قد بدأت ويبقون هكذا دواليك حتى فلم السهرة .. عندها أظهر لهم لأدعوهم الى قضاء السهرة مع فلم الرعب ( شبح في الظلام ) يخاف الأطفال ويبدأون بالعويل ويذهبون ليحولوا التلفزيون الى القناة الأخرى , عندها تحترق لمبات التلفزيون ويبدأ الدخان بالتصاعد منه , يختبيء أفراد العائلة جميعاً تحت أغطيتهم وينامون مرعوبين حتى الصباح .
كانت تلك آخر أيامنا الجميلة .. بعدها بوقت قصير بدات المصائب تقبل علينا , ما بين مصائب شخصية , وأمراض , وحروب , وفقدان أحبة لم يعوض شيء خسارتنا لهم حتى اليوم .
وأنا أستذكر تلك الأيام الجميلة في يوم عيد المرأة العالمي ويوم عيد ميلادي .. أدعو النساء بشكل عام الى عدم التسلط على أزواجهن بإسم الغيرة والحرص , وأدعو زوجات الفنانين والمثقفين والمبدعين بشكل خاص .. لأن يكُنَّ رفيقات درب , فالرجل يبحث في زوجته عن حبيبة .. لا عن قيد .. وما دمنا في معمعة الحديث عن المساواة , إن أحسنت سيدتي معاملة زوجك .. سيفضلك على نفسه , وإن أسات إليه بتسلطك الذي تسمينه غيرة وحرصاً .. فسيصبح أول من ينقض إتفاق المساواة بينكما .. وهكذا هو مبدأ الحياة .. كما كلتم يكال لكم .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,051,318,210
- فرانسواز ساگان
- سيمون دي بوﭭوار
- جورج صاند
- تكريس الهيمنة الأمريكية
- حرب ظفار
- سعدي
- مستنقع حرب اليمن / مجريات الحرب
- مستنقع حرب اليمن / المقدمة
- السبط الثالث عشر
- موسى والتوحيد
- حافظ شيرازي
- فلم / إضراب عن الطعام
- رحلة الى مكة
- السر الإسرائيلي النووي
- ويكيپيديا
- الشبكة العالمية
- مصرع الدولار
- سيمفونية الإبداع
- شاهنامة الفردوسي
- المرأة في مهرجان شكسبير الأسترالي


المزيد.....




- ترامب يمنح ألفيس بريسلي ميدالية الحرية الأمريكية
- تواصل أعمال منتدى الثقافة الدولي السابع
- ميدل إيست آي: تسجيلات تركية تنسف الرواية السعودية
- ستة من الكبار يقفزون من سفينة الرئيس المالوكي بأكادير
- أدب عربى.المغرب:نص”رغيف الصباح”للشاعره لطيفه المخلوفى
- قريبا.. الإعلامي جورج قرداحي في برنامج تلفزيوني عالمي
- لوحة للبريطاني هوكني تحطم الرقم القياسي كأعلى سعر لفنان على ...
- تامر حسني: فيلمي الأخير حقق إيرادات غير مسبوقة في تاريخ السي ...
- الوزير العلمي يحذر مسؤولي سوس من زلزال ملكي
- الراجل اللي ورا فريدي ميركوري


المزيد.....

- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميسون البياتي - تحت موس الحلاق